..................................
وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ، أنَّه أنْ كان المَبِيعُ قائِمًا، فهو مُخَيَّرٌ بينَ الفَسْخِ وأَخْذِه بالثَّمَنِ مُؤجَّلًا؟ لأَنَّه الثَّمَنُ الذي اشْتَرَى به البائِعُ، والتَّأْجِيلُ صِفَةٌ له، فهو كما لو أَخْبَرَه بزِيادَةٍ في الثَّمَنِ، وإنْ كان قد اسْتُهْلِكَ، حُبِسَ الثَّمَنُ بقَدْرِ الأَجَلِ.
وهذا قَوْلُ شرَيحٍ.
فصل: وإنِ اشْتَراهُ بدَنَانِيرَ، فأَخْبَرَ أنَّه اشْتَرَاهُ بدَراهِمَ، أو بالعَكْسِ، أو اشْتَرَاهُ بِعَرْضٍ 1، فأَخْبَرَ أَنه اشْتَرَاهُ بثَمَنٍ، أو بالعَكْسِ، وأَشْبَاهُ ذلك، فللمُشْتَرِي الخِيارُ بينَ الفَسْخِ وبينَ الرِّضَا بِهِ بالثَّمَنِ الذي تَبَايَعَا به، كَسائِرِ المواضِعِ التي يَثْبُت فيها ذلك.
..................................
فصل: وإنِ اشْتَراهُ ممَّنْ لا تُقْبَلُ شهادَتُه له، كأَبِيهِ وابْنِه، لم يَجُزْ بَيعُه مُرَابَحَةً حتى يُبَيِّنَ ذلك.
وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ.
وقال الشّافِعِيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمّدٌ: يَجُوزُ، وإنْ لم يُبَيِّنْ؛ لأَنَّه اشْتَرَاهُ بعَقْدٍ صَحِيحٍ، وأَخْبَرَ بثَمَنِه، فأَشْبَهَ ما لو اشْتَراهُ مِن أجْنَبِيٍّ.
ولَنا، أنَّه مُتَّهَمٌ في الشِّراءِ منهم؛ لكَوْنِه يُحابِيهم ويَسْمَحُ لهم، فلم يَجُزْ أنْ يُخْبِرَ بما اشْتَرَى منهم مُطْلَقًا, كما لو اشْتَرَى مِن مُكاتبِه، فإنَّه يَجِبُ عليه أنْ يُبَيِّنَ أمْرَهُ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، وبه يَبْطُلُ قِياسُهُم.
فصل: وإن اشْتَرَاهُ بأَكْثَرَ مِن ثَمَنِه حِيلَةً، مثلَ أنْ يَشْتَرِيَه مِن غُلامِ
..................................
دُكّانِه الحُرِّ، أو غيرِه، على وَجْهِ الحِيلَةِ، لم يَجُزْ بَيعُه مُرَابَحَةً حتى يُبَيِّنَ أمْرَه؛ لأَنَّ ذلك تَدْلِيسٌ وحَرَامٌ، على ما بَيَّنَّاهُ.
وإنْ لم يكُنْ حِيلَةً، فقال القاضِي: إذا باعٍ غُلامَ دُكّانِه سِلْعَةً، ثم اشْتَرَاها منه بأَكْثَرَ من ذلك، لم يَجُزْ بَيعُه مُرَابَحَة حتى يُبَيِّنَ أمْرَه؛ لأَنَّه يُتَّهَمُ في حَقِّه، فهو كمَنْ لا تُقْبَلُ شَهادَتُه له.
والصَّحِيحُ، إن شاءَ اللهُ، أنَّ ذلك يَجُوزُ؛ لأنَّه أجْنَبِيٌّ، فأَشْبَهَ غَيرَه.
فصل: إذا اشْتَرَى شَيئَينِ صَفْقَةً واحِدَةً، ثم أرادَ بَيعَ أحَدِهِما مُرَابَحَةً، أو اشْتَرَى اثْنانِ شَيئًا، فتَقَاسَمَاه، وأرادَ أحَدُهما بَيعَ نَصِيبِه مُرَابَحَةً بالثَّمنِ الذي أدَّاهُ فيه، فإنْ كان من المُتَقَوَّماتِ التي لا يَنْقَسِمُ عليها الثَّمَنُ بالأجْزَاءِ، كالثِّيَابِ ونَحْوها، لم يَجُزْ حتى يُبَيِّنَ الحال على وَجْهِه.
نصَّ عليه.
وهذا مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ، وإسحاقَ، وأَصْحَابِ الرَّأْي.
وقال الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ بَيعُه بحِصَّتِه مِن الثَّمَنِ؛ لأَنَّ الثَّمَنَ يَنْقَسِمُ على المَبِيعِ على قَدْرِ قِيمَتِه, لو كانَ المَبِيعُ شِقْصًا وسَيفًا 1، فإنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الشِّقْصَ بحِصَّتِه من الثَّمَنِ.
وذَكَرَ ابنُ أبِي مُوسَى فيما إذا اشْتَرَاهُ اثْنَانِ فَتَقاسَمَاه، رِوَايَةً عن أحمدَ، أنَّه يَجُوزُ بَيعُه مُرَابَحَةً بما اشْتَرَاهُ؛
..................................
لأَنَّ ذلك ثَمَنُه، فهو صادِقٌ فيما أخْبَرَ به.
ولَنا، أنَّ قِسْمَةَ الثَّمَنِ على المَبِيعِ طَرِيقُهُ الظَّنُّ، واحْتِمالُ الخَطَأ في كَثِيرٌ، وبَيعُ المُرَابَحَةِ أمَانَةٌ، فلم يَجُزْ فيه هذا، وصارَ هذا كالخَرْصِ الحاصِلِ بالظَّنِّ، لا يَجُوزُ أنْ يُباعَ به ما يَجِبُ التماثُلُ فيه.
وأمّا الشَّفِيعُ، فلنا فيه مَنْعٌ، وإن سُلِّمَ، فإنَّ ما أخَذَهُ الشَّفِيعُ بالقِيمَةِ للحاجَةِ الدَّاعِيَةِ إليه؛ لكَوْنِه لا طَرِيقَ له سِوَى التَّقْويمِ، ولأنَّه لو لم يَأْخُذْه به، لاتَّخَذَه النّاسُ طَرِيقًا إلى إسْقاطِ الشُّفْعَةِ، فَيُودِّي إلى تَفْويتِها، وههُنا يُمْكِن الإِخْبَارُ بالحالِ وبَيعُه مُسَاوَمَةً، ولا تَدْعُو الحاجَةُ إليه.
فإنْ باعَهُ ولم يُبَيِّنْ، فللمُشْتَرِي الخِيَارُ بينَ الإِمْسَاكِ والرَّدِّ، كالمَسائِلِ المَذْكُورَةِ.
وإنْ كان من المُتَماثِلَاتِ التي يَنْقَسِمُ عليها الثَّمَنُ بالأجْزاءِ، كالبُرِّ والشَّعِيرِ المُتَسَاوي، جازَ بَيعُ بَعْضِه مُرَابَحَة بقِسْطِه مِن الثَّمَنِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ ثَمَنَ ذلك الجُزْءِ مَعْلُومٌ يَقِينًا، ولذلك جازَ بيعُ قَفِيزٍ مِن الصُّبْرةِ.
وإنْ أَسْلَمَ في ثَوْبَينِ بِصِفَةٍ واحِدَةٍ، فأَخَذَهُما
وَمَا يُزَادُ في الثَّمَنِ أوْ يُحَطُّ مِنْهُ في مُدَّةِ الْخِيَارِ، أَوْ يُؤْخَذُ أَرْشًا لِعَيبٍ أَوْ جِنَايَةٍ عَلَيهِ، يُلْحَقُ بِرَأْسِ الْمَالِ، وَيُخبَرُ بِهِ.
علي الصِّفَةِ، فله بَيعُ أحَدِهما مُرَابَحَةً بحِصَّتِه مِن الثَّمَنِ، على قِياسِ ذلك؛ لأنَّ الثَّمَنَ يَنْقَسِمُ عليهما نِصْفين، لا باعْتِبارِ القِيمَةِ.
وكذلك لو أقاله في أحَدِهما، أو تَعَذَّرَ تَسْلِيمُه، كان له نِصْفُ الثَّمَنِ، مِن غيرِ اعْتِبارِ قِيمَةِ المَأْخُوذِ منهما، فكَأَنَّه أخَذَ كُلَّ واحِدٍ منهما مُنْفَرِدًا.
وإنْ حَصَلَ في أحَدِهما زيادَةٌ على الصِّفَةِ جَرَت فَجْرَى الحادثِ بعد البَيعِ، على ما نَذْكُرُ إنْ شاءَ الله.
1653 -
مسألة: (وما يُزادُ في الثَّمَنِ أو يُحَطُّ منه في مُدَّةِ الخِيارِ، أو يُؤْخَذُ أَرْشًا للعَيب أو جِنَايَةً عليه، يلْحَقُ برَأْسِ المالِ، ويُخْبِرُ به)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ البائِعَ إذا أَرادَ الإِخْبَارَ بثَمَنِ السِّلْعَةِ، وكانت بحَالِها لم تَتَغَيَّرْ، أَخْبَرَ بثَمَنِها، فإنْ تَغَيَّرَ سِعْرُ السِّلْعَةِ، بأَنْ حَطَّ البائِعُ بَعْضَ الثَّمَنِ عن المُشْتَرِي، أو اسْتَزَادَه 1 في مُدَّةِ الخِيَارِ، لَحِقَ بالعَقْدِ، وأخْبَرَ به في
..................................
الثَّمَنِ.
وبه قال الشافعيُّ، وأبو حَنِيفَةَ، ولا نَعْلَمُ عن غَيرِهم خِلافَهُم.
وإنْ تَغَيَّرَ سِعْرُ السِّلْعَةِ، وهي بحالِها، فإنْ غَلَتْ، لم يَلْزَمْهُ الإِخْبَارُ بذلك؛ لأَنَّه زِيادَةٌ فيها، وإن رَخُصَت فكذلك.
نصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه صادِقٌ بدُونِ الإِخْبارِ بذلك.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَلْزَمَه الإِخْبَارُ بالحالِ؛ فإنَّ المُشْتَرِيَ لو عَلِمَ بذلك، لم يَرْضَها بذلك الثَّمَنِ، فكِتْمانُه تَغْرِيرٌ به.
فإنْ أخْبَرَه بدُونِ ثَمَنِها، ولم يُبَيِّنِ الحال، لم يَجُزْ؛ لأَنَّه كَذَبَ.
فأمّا ما يُؤْخَذُ أَرْشًا للعَيبِ، أو جِنَايَةً عليه، فذَكَرَ القاضِي أنَّه يُخْبِرُ به على وَجْهِه.
وقال أبو الخَطَّابِ: يُحَطُّ أرْشُ العَيبِ من الثَّمَنِ، ويُخْبِرُ بالباقِي.
وهو الذي
..................................
ذَكَرَه شَيخُنا في هذا الكِتابِ؛ لأنَّ أرْشَ العَيبِ عِوَضٌ عمّا فات به، فكان ثَمَنُ المَوْجُودِ ما بَقِيَ.
وفي أرْشِ الجِنَايَةِ وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يُحَطُّ مِن الثَّمَنِ، كأَرْشِ العَيبِ.
وهو الأَوْلَى.
والثانِي، لا يحطُّه، كالنَّماء.
وقال الشافِعِيُّ: يحطُّهُما من الثَّمَنِ، ويقولُ: تَقَوَّمَ عَلَيَّ بكَذَا.
لأَنَّه صادِقٌ فيما أخْبَرَ به، أشْبَهَ ما لو أَخْبَرَه بالحالِ على وَجْهِه.
ولَنا، أنَّ الإِخْبَارَ
وَإِنْ جَنَى، فَفَدَاهُ الْمُشْتَرِي، أَوْ زِيدَ في الثَّمَنِ، أَوْ حُطَّ مِنْهُ بَعْدَ لُزُومِهِ، لَمْ يُلْحَقْ بِهِ.
بالحالِ أبْلَغُ في الصِّدْقِ، وأَقْرَبُ إلى البَيَانِ [ونَفْيِ التَّغْرِيرِ] (1) والتَّدْلِيسِ، فلَزِمَه ذلك, كما يَلْزَمُه بَيانُ العَيبِ.
وقِياسُ أرْشِ الجِنايَةِ على النَّمَاءِ والكَسْبِ لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ أرْشَ الجِنايَةِ عِوَضُ نَقْصِه الحاصِلِ بالجنايَةِ عليه، فهو بمَنْزِلَةِ ثَمَنِ جُزْءٍ منه باعَه، أو كقِيمَةِ أحَدِ الثَّوْبَينِ إذا تَلِفَ أحَدُهما، والنَّماءُ زِيادَةٌ لم يَنْقُصْ بها المَبِيعُ، ولا هي عِوَضٌ عن شيءٍ منه.
1654 -
مسألة: (وإنْ جَنَى، فَفَداهُ المُشْتَرِي، أو زِيدَ في
1
وَإنِ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ، وَقَصَرَهُ بِعَشَرَةٍ، أَخْبَرَ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ.
فَإِنْ قَال: تَحَصَّلَ عَلَيَّ بِعِشْرِينَ،.
فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ عَلَى
الثَّمَنِ، أو حُطَّ منه بعد لُزُومِه: لم يُلْحَقْ به) أمّا إذا جَنَى، فَفَدَاهُ المُشْتَرِي، فإنّه لا يُلْحَقُ بالثَّمَنِ، ولا يُخْبَرُ به في المُرَابَحَةِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْنَاهُ؛ لأنَّ هذا لم يَزِدْ به المَبِيعُ قِيمَةً، ولا ذَاتًا، وإنّما هو مُزِيلٌ لنَقْصِه بالجنايَةِ والعَيبِ الحاصِلِ بتَعَلُّقِها برَقَبَتِه، فأَشْبَهَتِ الدَّوَاءَ المُزِيلَ لمَرَضِه الحادِثِ عندَ المُشْتَرِي.
فأمّا الأَدْويَةُ، والمُؤْنَةُ، والكُسْوَةُ، وعَمَلُه في السِّلْعَةِ بنَفْسِه، أو عَمَلُ غَيرِه له بغَيرِ أُجْرَةٍ، فإنَّه لا يُخْبِرُ بذلك في الثَّمَنِ، وَجْهًا واحِدًا، وإنْ أخْبَرَ بالحالِ على وَجْهِه، فحَسَنٌ.
وكذلك ما زِيدَ في الثَّمَنِ، أو حُطَّ منه بعد لُزُومِ العقْدِ لا يُخْبِرُ به، ويُخْبِرُ بالثَّمَنِ الأَوَّلِ؛ لأنَّ ذلك هِبَةٌ مِن أحَدِهما للآخرِ، فلا يكونُ عِوَضًا.
وبهذا قال الشّافِعِيُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يُلْحَقُ بالعَقْدِ، ويُخْبَرُ به في المُرَابَحَةِ؛ لأنَّه بِسَبَبِ العَقْدِ.
1655 -
مسألة: (وإنِ اشْتَرَى ثَوْبًا بعَشَرَةٍ، وقَصَرَهُ بعَشَرَةٍ، أخْبَرَ بذلك على وَجْهِه. فإنْ قال: تَحَصَّلَ عَلَيَّ بعِشْرِينَ. فهل يَجُوزُ
وَجْهَينِ.
وَإِن عَمِلَ فِيهِ بِنَفْسِهِ عَمَلًا يُسَاوي عَشَرَةً، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، وَجْهًا وَاحِدًا.
ذلك؟ على وَجْهَينِ.
وإنْ عَمِلَ فيه بنَفْسِه عَملًا يُسَاوي عَشَرَةً، لم يَجُزْ ذلك، وَجْهًا واحِدًا) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَنْ أرادَ البَيعَ مُرَابَحَةً، والسِّلْعَةُ بحالِها، أخْبَرَ بثَمَنِها.
وإنْ تَغَيَّرَتْ، فهو على ضَرْبَينِ؛ أحَدُهما، أنْ تَتَغَيَّرَ بزِيادَةٍ، وذلك نَوْعانِ؛ أحَدُهما، أنْ تَزِيدَ لنَمائِها، كالسِّمَنِ، وتَعَلُّم صَنْعَةٍ، أو يَحْدُثَ منها نَماءٌ مُنْفَصِلٌ، كالوَلَدِ، والثَّمَرَةِ، والكَسْبِ، فهذا إذا أرادَ بَيعَها مُرَابَحَةً، أخْبَرَ بالثَّمَنِ مِن غيرِ زِيادَةٍ؛ لأَنَّه الذي ابْتَاعَها به.
وإنْ أخَذَ النَّماءَ المنْفَصِلَ، أو اسْتَخْدَمَ الأَمَةَ، أو وَطِئَ الثِّيِّبَ، أخْبَرَ برَأْسِ المالِ، ولم يَجِبْ تَبْيِينُ الحالِ.
ورَوَى ابنُ المُنْذِرِ، عن أحمدَ، أنَّه يُبَيِّنُ ذلك كُلَّه.
وهو قَوْلُ إسحاقَ.
وقال أصْحابُ الرَّأْي في الغَلَّةِ يَأْخُذُها: لا بَأْسَ أنْ يَبِيعَ.
مُرابَحَةً.
وفي الوَلَدِ والثَّمَرَةِ: لا يَبِيعُ مُرَابَحَةً حتى يُبَيِّنَ، لأنَّه مِن 1 مُوجِبِ العَقْدِ.
ولَنا، أنَّه صادِقٌ فيما أخْبَرَ به مِن
وَإِنِ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ، ثُمَّ بَاعَهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ،
غيرِ تَغْرِيرٍ بالمُشْتَرِي، فجازَ, كما لو لم يَزِدْ، ولأَنَّ الوَلَدَ والثمَرَةَ نماءٌ مُنْفَصِلٌ، فلم يَمْنَعْ من بَيعِ المُرَابَحَةِ، كالغَلَّةِ.
النوعُ الثانِي، أنْ يَعْمَلَ فيها عَمَلًا؛ مثلَ أنْ يَقْصُرَها، أو يَرْفُوَها، أو يَخِيطَها، أو يحملَها، فمتى أرادَ بَيعَها مُرَابَحَةً، أخْبَرَ بالحالِ على وَجْهِه، سواءٌ عَمِل ذلك بنَفْسِه أو اسْتَأْجَرَ مَن عَمِلَه.
هذا ظاهِرُ كلام أحمدَ؛ فإنَّه قال: يُبَيِّنُ ما اشْتَراهُ وما لَزِمَه، ولا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: تَحَصَّلَتْ علَيَّ بكَذَا.
وبه قال الحَسَنُ، وابنُ سِيرِينَ، وابنُ المُسَيَّبِ، وطاوُسٌ، والنَّخَعِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وفيه وَجْهٌ آخرُ، أَنه يَجُوزُ فيمَا اسْتَأْجَرَ عليه أنْ يَضُمَّ الأُجْرَةَ إلى الثَّمَنِ، ويقولَ: تَحَصَّلَتْ عَلَيَّ بكَذَا.
لأَنَّه صادِقٌ.
وبه قال الشَّعْبِيُّ، والحَكَمُ، والشّافِعِيُّ.
ولَنا، أَنه تَغْرِيرٌ بالمُشْتَرِي، فإنَّه عَسَى أنَّه لو عَلِمَ أنَّ بَعْضَ ما تَحَصَّلَتْ به لأَجْلِ الصِّنَاعَةِ، لم يَرْغَبْ فيها؛ لعَدَمِ رَغبَتِه في ذلك، فأَشْبَهَ ما يُنْفِقُ على الحَيَوانِ في مُؤْنَتِه وْكسْوَتِه، وعلى المَتاعِ في خَزْنِه.
الضربُ الثانِي، أنْ يَتَغَيَّرَ بنَقْصٍ؛ كالمَرَضِ، والجِنَايَةِ عليه، أو تَلَفِ بَعْضِه، أو الولادَةِ، أو أنْ يَتَعَيَّبَ، أو يَأْخُذَ المُشْتَرِي بَعْضَه، كالصُّوفِ، واللَّبَنِ، ونَحْوه، فإَّنه يُخْبِرُ بالحالِ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
1656 -
مسألة: (وإنِ اشْتَرَاهُ بعَشَرَةٍ، ثم باعَهُ بخَمْسَةَ عَشَرَ،
أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ.
وَإِنْ قَال: اشْتَرَيتُهُ بِعَشَرَةٍ.
جَازَ.
وَقَال أَصْحَابُنَا: يَحُطُّ الرِّبْحَ مِنَ الثَّمَنِ الثَّانِي، وَيُخْبِرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِخَمْسَةٍ.
ثم اشْتَرَاهُ بعَشَرَةٍ، أخْبَرَ بذلك على وَجْهِه.
وإنْ قال: اشْتَرَيتُه بعَشَرَةٍ.
جازَ.
وقال أَصْحَابُنا: يحُطُّ الرِّبْحَ مِن الثَّمَنِ الثانِي، ويُخْبِرُ أنَّه اشْتَرَاهُ بخَمْسَةٍ) المُسْتَحَبُّ في هذه المسألةِ وأمْثالِها أنْ يُخبِرَ بالحالِ على وَجْهِه؛ لأنَّ فيه خُرُوجًا مِن الخِلافِ، وهو أَبْعَدُ مِن التَّغْرِيرِ بالمُشْتَرِي.
فإن أخْبَرَ أنَّه اشْتَراهُ بعَشَرَةٍ، ولم يُبَيِّنْ، جازَ.
وهذا قَوْلُ الشافِعِيِّ، وأبي يُوسُفَ، ومُحَمَّدٍ؛ لأنَّه صادِقٌ فيما أخْبَر به، وليس فيه تُهْمَةٌ، فأَشْبَهَ ما لو لم يَرْبَحْ فيه 1. ورُوِيَ عن ابنِ سِيرِينَ، أنَّه يَطْرَحُ الرِّبْحَ مِن الثمَنِ الثانِي، ويُخْبِرُ أنَّ رَأْسَ مالِه عليه خَمْسَةٌ.
وأَعْجَبَ أحمدَ قول ابنِ سِيرِينَ، قالٍ: فإنْ باعَهُ على ما اشْتَرَاهُ، يُبَيِّنُ أَمْرَهُ.
يَعْنِي يُخْبِرُ 2 أنَّه رَبِحِ فيه 3 مَرَّةً، ثم اشْتَرَاهُ.
وهذا مِن أحمدَ على الاسْتِحْبابِ؛ لما ذَكَرْناه، ولأنَّه الثَّمَنُ الذي حَصَلَ به المِلْكُ الثانِي، أَشْبَهَ ما لوْ خَسِرَ فيه.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يَجُوزُ
..................................
بَيعُه مُرَابَحَةً إلَّا أنْ يُبَيِّنَ أَمْرَهُ، أو يُخْبِرَ أنَّ رَأْسَ مالِه عليه خَمْسَةٌ.
وهو قَوْلُ القاضِي وأَصْحابِه؛ لأنَّ المُرابَحَةَ تُضَمُّ ليها العُقُودُ، فيُخْبِر بما تَقَوَّمَ عليه, كما تُضَمُّ أُجْرَةُ الخَيَّاطِ والقَصَّار 1. وقد اسْتَفَادَ بهذا العَقْدِ الثانِي تَقْرِيرَ الرِّبْحِ في العَقْدِ الأَوَّلِ؛ لأنَّه أمِنَ أنْ يُرَدَّ عليه.
فعلى هذا، يَنْبَغِي إذا طَرَحَ الرِّبْحَ مِنِ الثَّمَنِ الثانِي، أنْ يقولَ: تَقَوَّمَ عَلَيَّ بخَمْسَةٍ.
ولا يقولُ: اشْتَرَيته بخَمْسَةٍ.
لأنَّه كَذِبٌ، وهو حَرَامٌ، فيَصِيرُ كما لو ضَمَّ أُجْرَةَ القِصَارَةِ ونحْوها إلى الثَّمَنِ وأَخْبَرَ به.
ولَنا، ما ذَكَرْنَاه.
وما ذَكَرُوه.
مِن ضَمِّ القِصَارَةِ والخِيَاطَةِ، فشِيءٌ بَنَوْه على أُصُولِهم، لا نُسَلِّمُه، ثم لا يُشْبِهُ هذا ما ذَكَرُوه؛ لأنَّ المُؤْنَةَ لَزِمَتْهُ في هذا البَيعِ الذي يَلِي المُرابَحَةَ، وهذا الرِّبْحُ في عقْدٍ آخَرَ قبلَ هذا الشِّرَاءِ، فأَشْبَهَ الخَسَارَةَ فيه.
وأمّا تَقْرِيرُ 2 الرِّبْحِ، فغَيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ العَقْدَ الأَوَّلَ قد لَزِمَ، ولم يَظْهَرِ العَيبُ، ولم يَتَعَلَّقْ به حُكْمُه، قد ذَكَرْنَا في مثلِ هذه المَسْأَلَةِ أنَّ للمُشْتَرِي أنْ يَرُدَّه على البائِعِ إذا ظَهَرَ على عَيبٍ قَدِيمٍ، وإذا لم يَلْزَمْه طَرْحُ النَّماءِ والغَلَّةِ، فههُنا أَوْلَى.
ويَجِئُ على قَوْلِهم، أنَّه لو اشْتَرَى بعَشَرَةٍ، ثم باعَهُ بعِشْرِينَ، ثم اشْتَرَاها بعَشَرَةٍ: فإنَّه يُخْبِرُ أنَّها حَصَلَتْ عليه بغَيرِ شيءٍ.
وإنِ اشْتَرَاها بعَشَرَةٍ، ثم باعَهَا بثَلاثَةَ عَشَرَ، ثم اشْتَرَاهَا بخَمْسَةٍ،
..................................
أَخْبَرَ أنَّها تَقَوَّمَتْ عليه بدِرْهَمَينِ.
وإنِ اشْتَرَاها بخَمْسَةَ عَشَرَ أَخْبَرَ أنَّها تَقَوَّمَتْ عليه باثْنَيْ عَشَرَ.
نَصَّ أحمدُ على نَظِيرِ هذا.
فإنْ لم يَرْبَحْ، ولكنِ اشْتَرَاها ثانِيَةً بخَمْسَةٍ، أَخْبَرَ بها؛ لأَنَّها ثمَنٌ للعَقْدِ الذي يَلِي المُرَابَحَةَ.
ولو خسِرَ فيها، مثلَ أنِ اشْتَرَاهَا بخَمْسَةَ عَشَرَ، ثم باعَهَا بعَشَرَةٍ، ثم اشْتَرَاها بأيِّ ثمَنٍ كان، أخْبَرَ به، ولم يَجُزْ أنْ يَضُمَّ الخَسَارَةَ إلى الثَّمَنِ الثانِي، ويُخْبِرُ به في المُرَابَحَةِ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
وهو يَدُلُّ على صِحَّةِ ما ذَكَرنَاهُ.
فصل: وإنِ ابْتَاعَ اثْنَانِ ثَوْبًا بعِشْرِينَ، ثم بُذِلَ لهما فيه اثْنَانِ وعِشْرُونَ، فاشْتَرَى أَحَدُهما فَصِيبَ صاحِبِه فيه بذلك السِّعْرِ، فإنَّه يُخْبِرُ في المُرابَحَةِ بأحَدٍ وعِشْرِينَ.
نَصَّ عليه.
وهذا قَوْلُ النَّخَعِيِّ.
وقال الشَّعْبِيُّ: يَبِيعُه على اثْنَينِ وعِشْرِينَ؛ لأَنَّ ذلك الدِّرْهَمَ الذي كان أُعْطِيَه قد كان أحْرَزَه.
ثم رَجَعَ إلى قَوْلِ النَّخَعِيِّ بعدَ ذلك، ولا نَعْلَمُ أحَدًا خالفَ ذلك؛ لأَنَّه اشْتَرَى نِصْفَه الأَوَّلَ بعَشَرَةٍ، والثانِي بأحَدَ عَشَرَ، فصارَ أحَدًا وعِشْرِينَ.
فصل: قال أحْمَدُ: المُسَاوَمَةُ عِنْدِي أَسْهَلُ مِن بَيعِ المُرابَحَةِ؛ لأنَّ بَيعَ المُرابَحَةِ يَعْتَرِيه أمانَةٌ واسْتِرْسَالٌ مِن المُشْتَرِي، ويَحْتَاجُ فيه إلى تَعْيِين الحالِ على وَجْهِه، ولا يُؤْمَنُ هَوَى النَّفْسِ في نَوْعِ تَأْويل وخَطَرٍ، فيكونُ على خَطَرٍ وغَرَرٍ، فتَجَنُّبُ ذلك أَسْلَمُ وأَوْلَى.
فصل: وإنِ اشْتَرَى رَجُلٌ نِصْفَ سِلْعَةٍ بعَشَرَةٍ، واشْتَرَى آخَرُ نِصْفَها
..................................
بعِشْرِينَ، ثم باعَاهَا 1 مُسَاوَمَةً بثَمَن واحِدٍ، فهو بَينَهُما نِصْفَين.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأَنَّ الثَّمَنَ عِوَضٌ عنها، فكان بَينَهما على حَسَبِ ملْكِهِما فيها، كالإِتْلَافِ.
وإنْ باعا 2 مُرَابَحَةً، أو مُواضَعَةً، أو تَوْلِيَةً، فكذلك.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قَوْلُ ابنِ سِيرِينَ، والحَكَمِ.
قال الأَثْرَمُ: قال أبو عَبْدِ اللهِ: إذا باعا (2)، فالثَّمَنُ بَينَهُما نِصْفَين.
فَصْلٌ: السَّابعُ، خِيَارٌ يَثْبُتُ لِاخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَينِ.
فَمَتَى
قُلْتُ: أَعْطَى أحَدُهما أَكْثَرَ ممّا أَعْطَى الآخَرُ؟ فقال: وإنْ، ألَيسَ الثَّوْبُ بَينَهُما الساعَةَ سَواءً؟ فالثَّمَنُ بينهما؟ لأَنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَمْلِكُ مثلَ الذي يَمْلِكُ صاحِبُه.
وحَكَى أبو بكْرٍ عن أحمدَ [روايةً أُخرى] 1، أنَّ الثَّمَنَ بَينَهُما على قَدْرِ رءُوسِ أمْوالِهما؛ لأنَّ بَيعَ المُرابَحَةِ يَقْتَضِي أن يكونَ الثَّمَنُ في مُقابَلَةِ رأْسِ المالِ، فيكونُ مَقْسومًا بينَهما على حَسَبِ رُءُوسِ أموالِهما.
قال شَيخُنا 2: ولم أَجِدْ عن أحمدَ رِوايَةً بما قال أبو بكْرٍ.
وقيل: هذا وَجْهٌ خَرَّجَهُ أبو بكْرٍ، وليس برِوَايَةٍ.
والمَذْهَبُ الأَوَّلُ؛ لأنَّ الثَّمَنَ عِوَضُ المَبِيعِ، ومِلْكُهُما مُتَسَاوٍ فيه، فكان مِلْكُهُما لعِوَضِه مُتَسَاويًا, كما لو باعاه 3 مُسَاوَمَةً.
فصل: قال، رَضِيَ اللهُ عنه: (السابعُ، خِيَارٌ يَثْبُتُ لاخْتِلافِ
اخْتَلَفَا في قَدْرِ الثَّمَنِ، تَحَالفَا؛ فَيُبْدَأُ بِيَمِينِ الْبَائِعِ، فَيَحْلِفُ: مَا بِعْتُهُ بِكَذَا، وَإِنَّمَا بِعْتُهُ بِكَذَا.
ثُمَّ يَحْلِفُ المُشْتَرِي: مَا اشْتَرَيتُهُ بِكَذَا، وَإِنَّمَا اشْتَرَيتُهُ بِكَذَا.
المُتَبَايِعَينِ.
فمَتَى اخْتَلَفَا في قَدْرِ الثَّمَنِ، تَحالفَا؛ فَيُبْدَأُ بِيَمِينِ البائِعِ، فيَحْلِفُ: ما بِعْتُه بكَذا، وإنّما بِعْتُه بكَذا.
ثم يَحْلِفُ المُشْتَرِي: ما اشْتَرَيتُه بكَذا، وإِنَّما اشْتَرَيتُه بكذا) إذا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ في الثَّمَنِ، والسِّلْعَةُ قائِمَةٌ، فقال البائِعُ: بِعْتُكَ بعِشْرِينَ.
وقال المُشْتَرِي: بعَشَرَةٍ.
ولأَحَدِهِما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بها 1. وإن لم يَكُنْ لهما بَيِّنَةٌ تَحالفَا.
وبه قال شُرَيحٌ، وأبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ.
وهي رِوايَةٌ عن مالِكٍ.
وله رِوَايَةٌ أُخْرَى، القَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي مع يَمِينِه.
وبه قال أبو ثَوْرٍ، وزُفرُ؛ لأَنَّ البائِعَ يَدَّعِي عَشَرَةً يُنْكِرُها المُشْتَرِي، والقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ.
وقال الشَّعْبِيُّ: القَوْلُ قَوْلُ البائِعِ، أو يَتَرَادّانِ البَيعَ.
وحَكَاهُ ابنُ المُنْذِرِ عن
..................................
أحمدَ؛ لِما رَوَى ابنُ مَسْعُودٍ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «إذا اخْتَلَفَ البَيِّعَانِ، وليس بَينَهُما بَيِّنَةٌ، فالقَوْلُ ما قال البائِعُ، أو يَتَرَادَّانِ البَيع».
رَوَاهُ سَعِيدٌ، وابنُ ماجَه، وغيرُهما 1. والمَشْهُورُ في المَذْهَبِ الأَوَّلُ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ مَعْنَى القَوْلَينِ واحِدًا، وأنَّ القَوْلَ قَوْلُ البائِعِ مع يَمِينِه، فإذَا حَلَفَ فَرَضِيَ المُشْتَرِي بذلك، أخَذَ به، وإنْ أَبَى حَلَف أيضًا، وفُسِخَ البَيعُ؛ لأنَّ في بَعْضِ ألْفَاظِ حَدِيثِ ابنِ مَسْعُودٍ، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ، والسِّلْعةُ قائِمةٌ، ولا بَيِّنَةَ لأَحَدِهما تَحَالفَا» 2. ولأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما مُدَّعٍ ومُدَّعًى عليه، فإنَّ البائِعَ يَدَّعِي عَقْدًا بعِشْرِين يُنْكِرُه المُشْتَرِي، والمُشْتَرِيَ يَدَّعِي عَقْدًا بعَشَرَةٍ يُنْكِرُه البائِعُ، والعَقْدُ بعشَرَةٍ غيرُ العَقْدِ بعِشْرِينَ، فشُرِعَتِ اليَمِينُ في حَقِّهِما، وهذا الجَوابُ عمّا ذَكَرُوهُ.
فصل: والمُبْتَدِئُ باليَمِينِ البائِعُ، فيَحْلِفُ: ما بِعْتُه بكَذَا، وإنَّما
..................................
بعْتُه بكَذَا.
فإنْ شاءَ المُشْتَرِي أخَذَه بما قال البائِعُ، وإلَّا حَلَفَ: ما اشْتَرَيتُه بَكذا، وإنَّما اشْتَرَيتُه بكذا.
وبهذا قال الشّافِعِيُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يُبْدَأُ بيَمِينِ المُشْتَرِي؛ لأنَّه مُنْكِرٌ، واليَمِينُ في جَنَبَتِه أَقْوَى، ولأنَّه يُقْضَى بنُكُولِه، ويَنْفَصِلُ الحُكْمُ، وما كان أقْرَبَ إلى فَصْلِ الخُصُومَةِ كان أَوْلَى.
ولَنا، قَوْلُ النّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فالقَوْلُ ما قال البائِعُ، أو يَتَرادَّانِ البَيعَ».
وفي لَفْظٍ: «فالقَوْلُ قَوْلُ البائِعِ، والمُشْتَرِي بالخِيَارِ».
رَواهُ الإِمام أحمدُ 1. ومَعْناهُ: إن شاء أخَذَ، وإنْ شاءَ حَلَفَ.
ولأنَّ البائِعَ أقْوَى جَنَبَةً؛ لأنَّهُما إذا تَحالفا عادَ المَبِيعُ إليه، فكان أَقْوَى، كصَاحِبِ اليَدِ، وقد بَيَّنَّا أنَّ كُلَّ وحِدٍ منهما مُنْكِرٌ، فيَتَسَاوَيَانِ منِ هذا الوَجْهِ.
والبائِعُ إذا حَلَفَ فهو بمَنْزِلَةِ نُكُولِ المُشْتَرِى، يَحْلِفُ الآخرُ, ويُقْضَى له 2، فهما سَواءٌ.
ويَكْفِي كُلَّ واحِدٍ منهما يَمِينٌ واحِدَةٌ، لأنَّهُ أقْرَبُ إلى فَصْلِ القَضاءِ.
فَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا، لَزِمَهٌ مَا قَال صَاحِبُهُ.
وَإِنْ تَحَالفَا، فَرَضِيَ أحَدُهُمَا بِقَوْلِ صَاحِبِهِ، أُقِرَّ الْعَقْدُ، وَإلَّا فَلِكُلِّ
1657 - مسألة: (فإنْ نَكَلَ أحَدُهما، لَزِمَه ما قال صاحِبُه)
يَعْنِي إذا حَلَفَ البائِعُ، فَنَكَلَ المُشْتَرِي عن اليَمِينِ، قُضِيَ عليه، وإنْ نَكَلَ البائِعُ (1) حَلَفَ المُشْتَرِي، وقُضِيَ له.
وَوَجْهُ ذلك حَدِيثُ ابنِ عمرَ لَمَّا باع زَيدًا عَبْدًا، واخْتَلَفَا في عَيبٍ فيه، فاحْتَكَمَا إلى عثمانَ، فوَجَبَتْ على عبدِ اللهِ اليَمِينُ، فلم يَحْلِفْ، فرَدَّ عثمانُ عليه العَبْدَ.
رَواهُ الإِمامُ أحمدُ (2).
1658 -
مسألة: (فإنْ تَحَالفَا
3، فرَضِيَ أحَدُهُما بقَوْلِ12
وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ.
صاحِبِه، أُقِرَّ العَقْدُ، وإلَّا فلِكُلِّ واحِدٍ منهما الفَسْخُ) إذا تَحَالفَا، لم يَنْفَسِخِ البَيعُ بنَفْسِ التَّحَالُفِ 1؛ لأنَّه عَقْدٌ صَحِيحٌ، فلم يَنْفَسِخْ باخْتِلافِهِما وتَعارُضِهِما في الحُجَّةِ، كما لو قامَتِ البَيِّنَةُ لكُلِّ واحِدٍ منهما، لكن إنْ رَضِيَ أحَدُهما بما قال الآخَرُ، أُجْبِرَ الآخَرُ عليه، وأُقِرَّ العَقْدُ بينهما، وإن لم يَرْضَ واحِدٌ منهما، فلِكُلِّ واحِدٍ منهما الفَسْخُ.
هذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَقِفَ الفَسْخُ على الحاكِمِ.
وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ؛ لأنَّ العَقْدَ صَحِيحٌ، وأحَدُهُما ظالِمٌ، وإنّما يَفْسَخُه الحاكِمُ؛ لتَعَذُّرِ إمْضَائِه في الحُكْمِ، أشْبَهَ نِكاحَ المَرأَةِ إذا زَوَّجَها الوَلِيَّانِ وجُهِلَ السابِقُ منهما.
ولَنا، قولُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أو يَتَرَادَّانِ البَيعَ».
وظاهِرُه اسْتِقْلالُهما بذلك.
ورُوِيَ أنّ ابنَ مَسْعُودٍ باعَ الأشْعَثَ بنَ قَيسٍ رَقِيقًا مِن رَقِيقِ الإِمارَةِ، فقال عبدُ اللهِ: بِعْتُكَ بعِشْرِينَ ألْفًا.
وقال الأشْعَث: شَرَيتُ منك بعَشَرَةِ آلافٍ.
فقال عبدُ اللهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ وليس بَينَهُمَا بَيِّنَةٌ، والبَيعُ قائِمٌ بعَينِه، فالقَوْلُ قولُ البائِعِ، أو يَتَرَادَّانِ البَيعَ».
قال: فإنِّي أرُدُّ البَيعَ.
رَواهُ سَعِيدٌ 2.
وَإِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ تَالِفَةً، رَجَعَا إلَى قِيمَةِ مِثْلِهَا.
فَإِنِ اخْتَلَفَا في صِفَتِها، فَالْقَولُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ.
وَعَنْهُ، لَا يَتَحَالفَانِ إِذَا
ورَوَى أيضًا حَدِيثًا عن عبدِ المَلِكِ بنِ عُبَيدَةَ (1)، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إذا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ اسْتُحْلِفَ البائِعُ، ثمّ كان للمُشْتَرِي الخِيارُ، إنْ شاءَ أَخَذَ، وإنْ شاءَ تَرَكَ» (2). وهذا ظاهِرٌ في أنّه يَفْسَخُ مِن غيرِ حاكِمٍ؛ لأَنَّه جَعَلَ الخِيارَ إليه، فأشْبَهَ مَنْ له خِيارُ الشَّرْطِ، ولأنَّه فَسْخٌ لاسْتِدْراكِ الظُّلَامَةِ، أشْبَهَ الرَّدَّ بالعَيبِ، ولا يُشْبِهُ النِّكَاحَ؛ لأنَّ لكلِّ واحِدٍ مِن الزَّوْجَينِ الاسْتِقْلال بالطَّلَاقِ.
1659 -
مسَألة: (وإنْ كانتِ السِّلْعَةُ تالِفَةً، رَجَعَا إلى قِيمَةِ مِثْلِها. فإنِ اخْتَلَفَا فيصِفَتِها، فالقَوْلُ قولُ المُشْتَرِي [مع يَمينِه]
3.12
كَانَتْ تَالِفَةً، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينهِ.
وعنه، لا يَتَحَالفَانِ إذا كانت تالِفَةً، والقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي مع يَمِينِه) إذا اخْتَلَفَا في ثَمَنِ السِّلْعَةِ بعد تَلَفِها، فعن أحمدَ فيها رِوَايَتَانِ؛ إحْداهُما، يَتَحَالفَانِ.
هكذا ذَكَرَه الخِرَقِيُّ، مثلَ ما 1 لو كانتْ قائِمَةً.
وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وإحْدَى الرِّوَايَتَينِ عن مالِكٍ.
والأُخْرَى، القَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي مع يَمِينِه.
اخْتَارَها أبو بكْرٍ.
وهو قَوْلُ النَّخعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، والأَوْزَاعِي، وأبِي حَنِيفَةَ، لقَوْلِه، - عليه السلام - في الحَدِيثِ: «والسِّلْعَةُ قائِمَةٌ» 2. مَفْهُومُه أنَّه لا يُشْرَعُ التَّحالُفُ عندَ تَلَفِها.
ولأنَّهُما اتّفَقَا على نَقْلِ السِّلْعَةِ إلى المُشْتَرِي، واسْتِحْقَاقِ عَشَرَةٍ في ثَمَنِها، واخْتَلَفَا في عَشَرَةٍ زَائِدَةٍ، البائِعُ يَدَّعِيها، والمُشْتَرِي يُنْكِرُها، والقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ.
وتَرَكْنَا
..................................
هذا القِياسَ حال قِيامِ السِّلْعَةِ؛ للحَدِيثِ الوَارِدِ فيه، ففيما عَدَاهُ يَبْقَى على القِياسِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى عُمُومُ قَوْلِه عليه السَّلامُ: «إذا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ.
فالقَوْلُ قَوْلُ البائِعِ، والمُشْتَرِي بالخِيارِ».
قال أحمدُ: ولم يَقُلْ 1 فيه: «والبَيعُ قائِمٌ» إلَّا يَزِيدُ بنُ هارُونَ.
قال أبو عَبْدِ اللهِ: وقد أخْطَأَ، رَواهُ الخلْقُ عن المَسْعُودِيِّ، ولم يَقُولُوا هذه الكَلِمَةَ.
ولأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما مُدَّعٍ ومُنْكِرٌ، فيُشْرَعُ اليَمِينُ، كحالِ قيامِ السِّلْعَةِ، فإنَّ ذلك لا يَخْتَلِفُ بقِيَامِ السِّلْعَةِ وتَلَفِها.
وقَوْلُهم: تَرَكْنَاهُ للحَدِيثِ.
قُلْنا: لم يَثْبُتْ في الحَدِيثِ «تَحَالفَا» 2. قال ابنُ المُنْذِرِ: وليس في هذا البابِ حَدِيثٌ يُعْتَمَدُ عليه.
وعلى أنَّه إذا خُولفِ الأصْلُ لمَعْنًى، وَجَبَ
..................................
تَعْدِيَةُ الحُكْمِ بتَعَدِّي ذلك المَعْنَى، فنَقِيسُ عليه.
بل يَثْبُتُ الحُكْمُ بالبَيِّنَةِ، فإنَّ التَّحَالُفَ إذا ثَبَتَ مع قِيامِ السِّلْعَةِ، مع أنَّه يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ ثَمَنِها للمَعْرِفَةِ بقِيمَتِها، فإنَّ الظاهِرَ أنَّ الثَّمنَ يكونُ بالقِيمَةِ، فمع تَعَذُّرِ ذلك أوْلَى.
فإذا تَحالفَا، فإنْ رَضِيَ أحَدُهما بما قال الآخَرُ، لم يُفْسَخِ العَقْدُ؛ لعَدَمِ الحاجَةِ إلى فَسْخِه، وإنْ لم يَرْضَيَا، فلِكُلِّ واحِدٍ منهما فسْخُه, كما إذا كانتِ السِّلْعَةُ باقِيةً، ويُرَدُّ الثَّمَنُ إلى المُشْتَرِي، ويَدْفَعُ المُشْتَرِي قِيمَةَ السِّلْعَةِ إلى البائِعِ، فإن كانَا مِن جِنْسٍ واحِدٍ وتَسَاوَيَا بعد التَّقَابُضِ، تَقَاصَّا.
ويَنْبَغِي أنْ لا يُشْرَعَ التَّحَالُفُ ولا الفَسْخُ فيما إذا كانت قِيمةُ السِّلْعَةِ مُسَاويَةً للثَّمَنَ الذي ادَّعاهُ المُشْتَرِي، ويكونُ القَوْلُ قَوْلَ
..................................
المُشْتَرِي مع يَمِينِه؛ لأنَّه لا فائِدَةَ في ذلك، لأنَّ الحاصِلَ به الرُّجُوعُ إلى ما ادَّعاهُ المُشْتَرِي.
وإن كانتِ القِيمَةُ أقَلَّ، فلا فائِدَةَ للبائِعِ في الفَسْخِ، فيَحْتَمِلُ أنْ لا يُشْرَعَ له اليَمِينُ ولا الفَسْخُ؛ لأنَّ ذلك ضَرَرٌ عليه من غيرِ فائِدَةٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُضْرَعَ لتَحْصُلَ الفائِدَةُ للمُشْتَرِي.
ومَتَى اخْتَلَفَا في قِيمَةِ السِّلْعَةِ، رَجَعَا إلى قِيمَةِ مِثْلِها مَوْصُوفًا بصِفَاتِها.
فإنِ اخْتَلَفَا في الصِّفَةِ، فالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي مع يَمِينِه؛ لأنَّه غارِمٌ.
فصل: وإن تَقَايَلَا المَبِيعَ، أو رُدَّ بعَيبٍ بعدَ قَبْضِ البائِعِ الثَّمَنَ، ثم اخْتَلَفَا في قَدْرِه، فالقَوْلُ قَوْلُ البائِعِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ لِما يَدَّعِيه المُشْتَرِي بعدَ انْفِساخِ العَقْدِ، أشْبَهَ ما إذا اخْتَلَفَا في القَبْضِ.
وَإِنْ مَاتَا، فَوَرَثتهُمَا بِمَنْزِلَتِهِمَا.
وَمَتَى فَسَخَ الْمَظْلُومِ مِنْهُمَا، انْفَسَخَ الْعَقْدُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
وَإِنْ فَسَخَ الظَّالِمُ، لَمْ يَنْفَسِخْ في حَقِّهِ بَاطِنًا، وَعَلَيهِ إِثْمُ الْغَاصِبِ.
1660 - مسألة: (وإن ماتا، فَوَرَثتهُما بمَنْزِلَتِهما)
في جَمِيعِ ما ذَكَرْنَاهُ؛ لأنَّهُم يَقُومُونَ مَقامَهُما في أخْذِ مالِهما وإرْثِ حُقوقِهما، فكذلك فيما يَلْزَمُهما أو يَصِيرُ لهما.
ولأنَّها يَمِينٌ في المالِ، فقامَ الوارِثُ فيها مَقامَ المَوْرُوثِ، كاليَمِينِ في الدَّعْوَى.
1661 -
مسألة: (ومَتَى فَسَخَ المَظْلُومُ مِنْهُما، انْفَسَخَ العَقْدُ 1 ظاهِرًا وباطِنًا، وإن فَسَخَ الظَّالِمُ، لم يَنْفَسِخْ في حَقِّهِ باطِنًا، وعليه إثْمُ الغاصِبِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الفَسْخَ إذا وُجِدَ منهما، فقال القاضِي: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّ الفَسْخَ يَنْفُذُ ظاهِرًا وباطِنًا لأنَّه فَسْخٌ لاسْتِدْرَاكِ الظُّلامَةِ، فهو كالرَّدِّ بالعَيبِ، أو فَسْخُ عَقْدٍ بالتّحالُفِ، فأَشْبَهَ الفَسْخَ باللِّعانِ. وقال
..................................
أبو الخَطّابِ: إن كان البائِعُ ظالِمًا، لم يَنْفَسِخِ العَقْدُ في الباطِنِ؛ لأنَّه كان 1 يُمْكِنُه إمْضاءُ العَقْدِ واسْتِيفاءُ حَقِّه، فلا يَتْفَسِخُ العَقْدُ في الباطِنِ، ولا يُباحُ له التَّصَرُّفُ في المَبيعِ؛ لأنَّه غاصِبٌ، وإن كان المُشْتَري ظالِمًا، انْفَسَخَ البَيعُ ظاهِرًا وباطِنًا؛ لعَجْزِ البائِعِ عن اسْتِيفاءِ حَقِّه، فكان له الفَسْخُ, كما لو أَفْلَسَ المُشْتَرِي.
ولأَصْحَابِ الشّافِعِيِّ وَجْهَانِ كهذَينِ.
ولهم وَجْهٌ ثالِثٌ؛ أنَّه لا يَنْفَسِخُ في الباطِنِ بحالٍ.
وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّه لو عَلِمَ أنَّه لا يَنْفَسِخُ في الباطِنِ بحالٍ، لَمَا أمْكَنَ فَسْخُه في الظاهِرِ، فإنَّه لا يُباحُ لكُلِّ واحِدٍ منهما التَّصَرُّفُ فيما رَجَعَ إليه بالفَسْخِ، ومتى عَلِمَ أنَّ ذلك مُحَرَّمٌ مُنِعَ منه.
ولأَنَّ الشارِعَ جَعَلَ للمَظْلُومِ منهما الفَسْخَ ظاهِرًا وباطِنًا، فانْفَسَخَ بفَسْخِه في الباطِنِ، كالرَّدِّ بالعَيبِ.
قال شيخنا 2: ويَقْوَى عِنْدِي أنَّه إنْ فَسَخَه المَظْلُومُ 3 منهما، انْفَسَخَ ظاهِرًا وباطِنًا؛
..................................
لذلك.
وإنْ فَسَخَه الكاذِبُ عالِمًا بَكَذِبِه، لم يَنْفَسِخْ بالنِّسْبَةِ إليه؛ لأنَّه لا يَحِلُّ له الفَسْخُ، فلم يَثْبُتْ حُكْمُه بالنِّسْبَةِ إليه، ويَثْبُتُ بالنِّسْبَةِ إلى
.................................. صاحِبِه، فيُبَاحُ له التَّصَرُّفُ فيما رَجَعَ إليه؛ لأنَّه رَجَعَ إليه بحُكْمٍ مِن غيرِ عُدْوانٍ منه، فأشْبَهَ ما لو رَدَّ عليه المَبِيعَ بدَعْوَى العَيبِ، ولا عَيبَ فيه.
وَإِنِ اخْتَلَفَا في صِفَةِ الثَّمَنِ، تَحَالفَا، إلا أَنْ يَكُونَ لِلْبَلَدِ نَقْدٌ مَعْلُومٌ، فَيُرْجَعَ إِلَيهِ.
1662 - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفَا في صِفَةِ الثَّمَنِ، تَحالفَا، إلَّا أنْ يكونَ للبَلَدِ نَقْدٌ مَعْلُومٌ، فيُرْجَعَ إليه)
إذا اخْتَلَفَا في صِفَةِ الثّمَن، رُجِعَ إلى نَقْدِ البَلَدِ.
نَصَّ عليه في رِوايَةِ الأَثْرَم؛ لأَنَّ الظَّاهِرَ أنَّهُما لا يَعْقِدانِ إلَّا به.
وإن كان في البَلَدِ نُقُودٌ، رُجِعَ إلى أَوْسَطِها.
نَصَّ عليه، في رِوَايَةِ جماعَةٍ.
فيَحْتَمِلُ أنَّه أراد 1: إذا كان هو الأَغْلَبَ والمُعامَلَةُ به أكْثَرَ؛ لأنَّ الظّاهِرَ وقُوعُ المُعامَلَةِ به، أشْبَهَ إذا كان في البَلَدِ نَقْدٌ واحِدٌ.
..................................
ويَحْتَمِلُ أنّه رَدَّهُما إليه مع التَّسَاوي؛ لأنَّ فيه تَسْويَةً بينهما في الحَقِّ وتَوَسُّطًا بينهما، وفي العُدُولِ إلى غيرِه مَيلٌ على أحَدِهما، فكان التَّوَسُّطُ أوْلَى، وعلى مُدَّعِي ذلك اليَمِينُ؛ لأنَّ قولَ خصْمِه مُحْتَمِلٌ، فيَجِبُ اليَمِينُ لنَفْي ذلك الاحْتِمالِ، كوُجُوبِها على المُنْكِرِ.
وإن لم يكُنْ في البَلَدِ إلَّا نَقْدانِ،
وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي أَجَلٍ أَو شَرْطٍ، فَالْقَولُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ.
وَعَنْهُ،
تَحَالفَا؛ لأنَّهُما اخْتَلَفَا في الثَّمَنِ على وَجْهٍ لم يَتَرَجَّحْ قولُ أَحَدِهما، فيَتَحَالفانِ, كما لو اخْتَلَفَا في قَدْرِه.
1663 -
مسألة: (وإنِ اخْتَلَفَا في أَجلٍ أو شَرْطٍ، فالقَوْلُ قولُ
يَتَحَالفَانِ، إلا أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فَاسِدًا، فَالْقَولُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ.
مَنْ يَنْفِيهِ.
وعنه، يَتَحَالفَانِ، إلَّا أنْ يكونَ شَرْطًا فاسِدًا، فالقَوْلُ قولُ من يَنْفِيهِ) 1 إذا اخْتَلَفَا في أجَلٍ أو شَرْطٍ أو رَهْنٍ أو ضَمِينٍ، أو في قَدْرِ الأَجَلِ أو الرَّهْنِ، فالقَوْلُ قولُ مَن يَنْفِيه، في إحْدَى الرِّوَايَتَينِ مع يَمينِه.
وهذا قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُه، فكان القَوْلُ قولَ مَنْ يَدَّعِيهِ، كأصْلِ العَقْدِ.
والثانيةُ، يَتَحَالفَانِ.
وهو قوْلُ الشّافِعِيِّ؛ لأَنَّهُما اخْتَلَفا في صِفَةِ العَقْدِ، فوَجَبَ أنْ يَتَحَالفَا, كما لو اخْتَلَفَا في الثَّمَنِ.
فأمّا إنِ اخْتَلَفَا
..................................
فيما يُفْسِدُ العَقْدَ؛ فقال: بِعْتُكَ بخَمْرٍ 1، أو خِيارٍ مَجْهُولٍ، أو في شَرْطٍ فاسِدٍ.
وقال الآخَرُ 2: بل بِعْتَنِي بنَقْدٍ مَعْلُومٍ، أو خِيارٍ إلى ثَلاثٍ.
فالقَوْلُ قَوْلُ من يَدَّعِي الصِّحَّةَ مع يَمِينِه؛ لأَنَّ ظهُورَ تَعاطِي المُسْلِمينَ الصَّحِيحَ أكثرُ من تَعاطِي الفاسِدِ.
وإن قال: بعْتُكَ مُكْرَهًا.
فأَنْكَرَه، فالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الإِكْرَاهِ، وصِحَّةُ البَيعِ كذلك.
وإن قال: بِعْتُكَ وأنا صَبِيٌّ.
فالقَوْلُ قوْلُ المُشْتَرِي.
نَصَّ عليه.
وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وإسحاقَ؛ لأَنَّهُما اتَّفَقَا على العَقْدِ، واخْتَلَفَا فيما يُفْسِدُه، فكان القَوْلُ قَوْلَ مَن يَدَّعِي الصِّحَّةَ، كالتي قَبْلَها، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقْبَلَ قَوْلُ مَن يَدَّعِي الصِّغَرَ؛ لأَنَّه الأَصْلُ.
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشّافِعِيِّ.
ويُفارِقُ ما إذا اخْتَلَفَا في الإِكْرَاهِ والشَّرْطِ الفاسِدِ من وَجْهَينِ؛ أحَدُهما، أنَّ الأَصْلَ عَدَمُه.
وههُنا الأصْلُ بَقَاؤُه.
والثانِي، أنَّ الظَّاهِرَ من المُكَلَّفِ أنّه لا يَتَعَاطَى إلَّا الصَّحِيحَ.
وههُنا ما ثَبَتَ أنَّه كان مُكَلَّفًا.
وَإنْ قَال: بِعْتَنِي هَذَين.
قَال: بَلْ أَحَدَهُمَا.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ.
وإنْ قال: بِعْتُكَ وأنا مَجْنُونٌ.
فإن لم يُعْلَمْ له (1) حالُ جُنُونٍ، فالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُه.
وإن ثَبَتَ أنَّه كان مَجْنُونًا، فهو كالصَّبِيِّ.
وإن قال: بِعْتُكَ وأنا غيرُ مَأْذُونٍ لِي في التِّجارَةِ.
فالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي.
نصَّ عليه في رِوَايَةِ مُهَنَّا (2)؛ لأنَّه مُكَلَّفٌ، فالظَّاهِرُ أنَّه لا يَعْقِدُ إلَّا عَقْدًا صَحِيحًا.
1664 -
مسألة: (وإن قال: بِعْتَنِي هذَينِ. قال: بل أحَدَهما. فالقَوْلُ قولُ البائِعِ)
أمّا إذا قال: بِعْتَنِي هذا العَبْدَ والأَمَةَ بمائَةٍ.
قال:12
وَإنْ قَال: بِعْتَنِي هَذَا.
قَال: بَلْ هَذا حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ
بل بِعْتُكَ العَبْدَ بخَمْسِينَ.
فالقَوْلُ قَوْلُ البائِعِ؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ يَدَّعِي عَقْدًا يُنْكِرُه البائِعُ، والقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ.
وإن قال البائِعُ: بعْتُكَ هذا العَبْدَ بأَلْفٍ.
فقال: بلِ هو والعَبْدُ الآخرُ بأَلْفٍ.
فالقَوْلُ قَوْلُ البائِعَ مع يَمِينِه.
وهو قَوْلُ أبي حَنِيفةَ؛ لأَنَّ البائِعَ يُنكِرُ بَيعَ العَبْدِ الزَّائِدِ، فكان القَوْلُ قَوْلَه مع يَمِينِه, كما لو ادَّعَى شِراءَه مُنْفَرِدًا.
وقال الشّافِعِيُّ: يَتَحَالفَانِ؛ لأنَّهُما اخْتَلَفَا في أحَدِ عِوَضَي العَقْدِ، أشْبَهَ ما لو اخْتَلَفَا في الثَّمَنِ.
وهذا القَوْلُ أقْيَسُ وأَوْلَى، إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
1665 -
مسألة: (وإن قال: بِعْتَنِي هذا. قال: بل هذا. حَلَفَ
مِنْهُمَا عَلَى مَا أَنْكَرَهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ بَيعُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
كُلُّ واحِدٍ منهما على ما أَنْكَرَه، ولم يَثْبُتْ بَيعُ واحِدٍ منهما) وذلك مثلَ أنْ يقولَ البائِعُ: بعْتُكَ هذا العَبْدَ.
قال: بل بِعْتَنِي هذه الجارِيَةَ.
لأَنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما يَدَّعِي عَقْدًا على عَينٍ يُنْكِرُها المُدَّعَى عليه، والقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ.
فإذا حَلَفَ البائِعُ: ما بِعْتُكَ هذه الجارِيَةَ.
أُقِرَّتْ في يَدِه، وإنْ كان مُدَّعِيها قد قَبَضَها رُدَّت عليه.
وأما العَبْدُ، فإن كان في يَدِ البائِعِ، أُقِرَّ في يَدِه، ولم يكُن للمُشْتَرِي طَلَبُه؛ لأنَّه لا يَدَّعِيه، وعلى البائِعِ رَدُّ الثَّمَنِ إليه؛ لأنَّه لم يَصِلْ إليه المَعْقُودُ عليه.
وإن كان في يَدِ المُشْتَرِي، فعليه رَدُّه إلى البائِعِ؛ لأنَّه يَعْتَرِفُ أنَّه لم يَشْتَرِه، وليس للبائِعِ طَلبُه إذا
وَإنْ قَال الْبَائِعُ: لَا أُسَلِّمُ الْمَبِيعَ حَتَّى أَقْبِضَ ثَمَنَه.
وَقَال الْمُشْتَرِي: لَا أُسَلِّمُهُ حَتَّى أَقْبِضَ الْمَبِيعَ.
وَالثَّمَنُ عَينٌ، جُعِلَ بَينَهُمَا عَدْلٌ يَقْبِضُ
يذَلَ له (1) ثمنَه؛ لاعْتِرافِه بِبَيعِه، وإنْ لم يُعْطِه ثَمَنَه، فله فَسْخُ البَيعِ واسْتِرْجاعُه؛ لتَعَذُّرِ الثَّمَنِ عليه، فملَكَ الفَسْخَ, كما لو أَفْلَسَ المُشْتَرِي.
وإن أقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةً بدَعْواهُ، ثَبَتَ العَقْدَانِ (2)؛ لأَنَّهما لا يَتَنافَيَانِ، فأَشْبَهَ ما لو ادَّعَى أحَدُهما البَيعَ فيهما جَمِيعًا، وأنْكَرَه الآخَرُ.
وإن أقامَ أحَدُهما بَيِّنَةً دونَ الآخَرِ، ثَبَتَ ما قامَتْ عليه البَيِّنَةُ دونَ الآخَرِ.
1666 -
مسألة: (وإنْ قال البائِعُ: لا أُسَلِّمُ المَبِيعَ حَتَّى أَقْبِضَ ثَمَنَه. وقال المُشْتَرِي: لا أُسَلِّمُهُ حتى أقْبِضَ المَبِيعَ)
وكان الثَّمَنُ12
مِنْهُمَا وَيُسَلِّمُ إِلَيهِمَا.
عَينًا أو عَرْضًا (جُعِلَ بينهما عَدْلٌ يَقْبِضُ منهما ويُسَلِّمُ إليهما) لأنَّ حَقَّ البائِع قد تَعَلَّقَ بعَينِ الثَّمَنِ, كما تَعَلَّقَ حَقُّ المُشْتَرِي بعَينِ المَبِيعِ، فاسْتَوَيَا، وقد وَجَبَ لكُلِّ واحِدٍ منهما على الآخَرِ حَقُّ قد اسْتَحَقَّ قَبْضَه، فأُجْبِرَ كُلُّ واحِدٍ منهما على إيفاءِ صاحِبِه حَقَّهُ.
وهذا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وأحَدُ أقوالِ الشّافِعِيِّ.
وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّ البائِعَ يُجْبَرُ على تَسْلِيمِ المَبِيعِ أوَّلًا.
وهو قَوْلٌ ثانٍ للشَّافِعِيِّ.
والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لما ذَكَرْنا.
وقال أبو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ: يُجْبَرُ المُشْتَرِي على تَسْلِيمِ الثمَنِ؛ [لأنَّ للبائِعِ حَبْسَ المَبيعِ على تَسْلِيمِ الثَّمَنِ، فلم يَكُنْ عليه التَّسْلِيمُ] 1 قبلَ الاسْتِيفَاءِ، كالمُرْتَهِنِ.
ولَنا، أنَّ تَسْلِيمَ المَبِيعِ يَتَعَلَّقُ به اسْتِقْرَارُ البَيعِ وتَمامُه، فكان تَقْدِيمُه أوْلَى، ويُخالِفُ الرَّهْنَ، فإنَّه لا يَتَعَلَّقُ به مَصْلَحَةُ عَقْدِ الرَّهْنِ،