الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 470-509

..................................  الأُخْرَى: فيهما حُكومةٌ؛ لأَنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ فيهما بتَقْديرٍ، ولا يَثْبُتُ التَّقْدِيرُ بالقِياسِ.
ولَنا، أنَّ في كتاب النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعَمْرِو بنِ حَزْمٍ: «وفى الأُذُنَيْنِ الدِّيَةُ» 1. ولأَنَّ عُمرَ وعَلِيًّا قَضَيَا فيهما بالدِّيَةِ.
فإن قيل: فقد رُوِى عن أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، أنَّه قَضَى في الأُذُنِ بخَمْسةَ عَشَرَ بَعيرًا 2. قُلْنا: لم يَثْبُتْ ذلك.
قالَه ابنُ المُنْذِرِ 3. ولأَنَّ ما كان في البَدَنِ منه عُضْوان، كان فيهما [الدِّيَةُ، وفى أحَدِهما نِصْفُ الدِّيَةِ، بغيرِ خِلافٍ بينَ القائلينَ بوُجُوبِ الدِّيَةِ فيهما] 4.

..................................

4237 - مسألة: وفى اللَّحْيَيْن الدِّيَةُ.

وهما العَظْمان اللَّذانِ فيهما الأسْنانُ السُّفلى؛ لأَنَّ فيهما نَفْعًا وجَمالًا، وليس في البَدَنِ مِثْلُهما، فكانت فيهما الدِّيَةُ، كسائرِ ما في البَدَنِ منه شَيْئان، وفى أحَدِهما نِصْفُها، كإحْدَى اليَدَيْن والرِّجْلَيْن، ونحوِهما ممَّا في البَدَنِ منه شَيْئانِ.
4238 -

مسألة: وفى الألْيَتَيْن الدِّيَةُ. قال ابنُ المُنْذِرِ

..................................

4239 - مسألة: وفِى الأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةُ. لا نعْلَمُ في هذا خِلافًا. وفِى كِتابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعَمْرِو بنِ حَزْمٍ: «وفِى البَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ»

1. ولأَنَّ فيهما الجَمالَ والمنْفَعَةَ، فإنَّ النَّسْلَ يكونُ بهما 2، فأشْبَها اليَدَيْن.
وروَى الزُّهْرِىُّ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّه قال: مَضَتِ السُّنَّةُ أنَّ في الصُّلْبِ الدِّيَةَ، وفى الأُنْثَيَيْن الدِّيَةَ 3. وفى إحْداهما نِصْفُ الدِّيَةِ في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
وحُكِىَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّب، أنَّ في اليُسْرَى ثُلُثَى الدِّيَةِ, وفى اليُمْنَى ثُلُثَها؛ لأَنَّ نَفْعَ اليُسْرَى أكْثَرُ؛ لأَنَّ النَّسْلَ يكونُ بها 4. ولَنا، أنَّ ما وجَبَتِ الدِّيَةُ في شَيْئَيْن منه، وَجَبَ في أحَدِهما نِصْفُها، كاليَدَيْن، وسائرِ الأعْضاءِ، ولأنَّهما ذُو عَدَدٍ تجبُ فيه الدِّيَةُ، فاسْتَوَتْ دِيَتهما، كالأصابِعِ، وما ذَكَروه يَنْتَقِضُ بالأصابعِ، وكذلك الأجْفانُ تسْتَوِى دِيَتُها 5 مع اخْتِلافِ نَفْعِها 6، ثم

..................................  يحْتاجُ إلى إثْباتِ الذى ذكَرَه.
وإن رَضَّ أُنْثَيَيْه، أو أشَلَّهما (1)، كَمَلَتْ دِيَتُهما كما لو أشَلَّ يَدَيْه أو ذكَرَه.
[وإن] (2) قَطَعَ أُنْثَيَيْه، فذهبَ نَسْلُه، لم يجبْ أكثرُ مِن دِيَةٍ؛ لأَنَّ ذلك نَفْعُهما، فلم تَزْدَدِ الدِّيَةُ بذَهَابِه معهما، كالبَصَرِ مع ذهابِ العَيْنَيْن، وإن قَطَعَ إحْداهُما، فذهبَ النَّسْلُ، لم يجبْ أكثرُ مِن نِصْفِ الدِّيَةِ؛ لأَنَّ ذهابَه غيرُ مُتَحَقِّقٍ.

4240 -

مسألة: (وفى إسْكَتَىِ المَرْأَةِ)

الدِّيَةُ.
والإِسْكتَان؛ هما اللَّحْمُ المُحِيطُ 3 بالفَرْجِ مِن جَانِبَيْه، إحاطةَ الشَّفَتَيْن بالفَمِ.
وأهلُ اللُّغةِ يقولُونَ: الشَّفْران حاشِيَتا الإِسْكَتَين, كما أنَّ أشْفارَ العَينيْن أهْدابُهما.
وفيهما دِيَةُ المرأَةِ إذا قُطِعا.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقاله الثَّوْرِىُّ، إذا لم يَقْدِرْ على جِماعِها.
وقَضَى به محمدُ ابنُ سُفْيانَ 4 إذا بَلَغا العَظْمَ؛ وذلك لأَنَّ12

..................................  فيهما جَمالًا ومَنْفَعَةً، وليس في البَدَنِ غيرُهما مِن جِنْسِهِما، فوجَبَتْ فيهما الدِّيَةُ، كسائرِ ما في البَدَنِ منه شيئان.
وفى إحْداهما نِصْفُ الدِّيَةِ، كما ذكَرْنا في غيرِهما.
وإن جَنَى عليهما فأشَلَّهما، وجَبَتْ دِيَتُهما، كما لو جَنَى على شَفَتَيْه فأشَلَّهما.
ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِهما غَلِيظَتَيْن أو دَقِيقَتَيْن، قصيرتَيْن أو طَوِيلتَيْن، مِن بكرٍ أو ثَيِّبٍ، أو صغيرةٍ أو كبيرةٍ (1)، مَخْفُوضةٍ (2) أو غيرِ مَخْفُوضةٍ (2)؛ لأنُّهما عُضْوان فيهما الدِّيَةُ، فاسْتَوى فيه جميعُ ما ذكَرْنا، كسائرِ أعْضائِها.
ولا فَرْقَ بينَ الرَّتْقاءِ وغيرِها؛ لأَنَّ الرَّتْقَ عَيْبٌ في غيرِهِما، فلم يَنْقُصْ ذلك مِن دِيَتِهما, كما أنَّ الصَّمَمَ لم يَنْقُصْ دِيَةَ الأُذُنَيْنِ.
والخَفْضُ (3)؛ هو الخِتانُ في حَقِّ المرأةِ.
فصل: وفى رَكَبِ المَرْأَةِ حُكُومَةٌ، وهو عانَةُ المَرْأةِ، وكذلكَ في (4) عانَةِ الرَّجُلِ؛ لأنَّه لا مُقَدَّرَ فيه، ولا هو نَظِيرٌ لِمَا قُدِّرَ فيه.
فإن أُخِذَ منه شئٌ مع فَرْجِ المرأةِ وذكرِ الرَّجُلِ، ففِيه الحُكومةُ مع الدِّيَةِ, كما لو أُخِذَ مع الأنْفِ أو الشَّفَتَيْن مِن اللَّحْمِ الذى حَوْلَهما.

4241 -

مسألة: وفى اللِّسانِ الدِّيَةُ إذا كان ناطِقًا.

أجْمعَ أهلُ العلمِ على وُجُوبِ الدِّيَةَ في لسانِ النَّاطِقِ.
ورُوِىَ ذلك عن أبى بكرٍ، وعمرَ،1234

..................................  وعلىٍّ، وابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال أهلُ المدينةِ، وأهلُ الكوفةِ، وأصْحابُ الرَّأْى، وأهلُ الحديثِ، وغيرُهم.
وفى كتابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعَمْرِو بنَ حَزْمٍ: «وفِى اللِّسَانِ الدِّيَةُ» 1. ولأَنَّ فيه جَمالًا ومَنْفَعةً، فأشْبَهَ الأنْفَ؛ فأمَّا الجَمالُ، فقد رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه 2 سُئِلَ عن الجمالِ، فقال: «في اللِّسَانِ» 3. ويُقال: جَمالُ الرَّجُلِ في لسانِه، والمرءُ بأصْغَرَيْه قلبِه ولسانِه.
ويُقال: ما الإِنْسانُ لولا اللِّسانُ إلَّا صورةٌ مُمَثَّلَةٌ، أو بَهيمةٌ مُهْمَلَةٌ.
وأمَّا النَّفْعُ، فإنَّ به تُبْلَغُ الأغْراضُ، وتُسْتَخْلَصُ الحُقوقُ، وتُدْفَعُ الآفاتُ، وتُقْضَى الحاجاتُ، وتَتِمُّ العِباداتُ؛ في القراءةِ والذِّكْرِ، والشُّكْرِ، والأمْرِ بالمَعْرُوفِ، والنَّهْىِ عن المُنْكَرِ، والتَّعْلِيمِ، والدَّلالةِ على الحقِّ المُبِينِ والصِّراطِ المُسْتقيمِ، وبه يَذوقُ الطَّعامَ، ويَسْتَعِينُ في مَضْغِه وتَقْلِيبِه، وتَنْقِيَةِ الفَمِ، وتنْظِيفِه، فهو أعْظَمُ الأعْضاءِ نَفْعًا، وأتَمُّها جَمالًا، فإيجابُ الدِّيَةِ في غيرِه تَنْبِيهٌ على إيجابِها فيه.
وإنَّما تجِبُ الدِّيَةُ في اللِّسانِ النَّاطِقِ، فأمَّا الأخْرَسُ، فسنَذْكُرُه في مَوْضِعِه، إن شاء اللَّهُ تعالى.
فصل: فإن قطَعَ لِسانَ صغيرٍ لم يتكَلَّمْ لطُفولِيَّتِه، وجَبَتْ دِيَتُه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تجبُ؛ لأنَّه لِسانٌ لا كلامَ فيه، فأشْبَهَ

وَفِى الْمَنْخَرَيْنِ ثُلُثَا الدِّيَةِ، وَفِى الْحَاجِزِ ثُلُثُهَا.
وَعَنْهُ، في الْمَنْخَرَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِى الْحَاجِزِ حُكُومَةٌ.
الأخْرَسَ.
ولَنا، أنَّ ظاهرَه السَّلامةُ، وإنَّما لم يتكَلَّمْ لأنَّه لا يُحْسِنُ الكلامَ، فوجَبَتْ به الدِّيَةُ كالكبيرِ، ويُخالفُ الأخْرَسَ، فإنَّه عُلِمَ أنَّ لِسانَه أَشَلُّ، أَلَّا تَرى أنَّ أعْضَاءَه لا يَبْطِشُ بها، وتَجِبُ فيها الدِّيَةُ.
فإن بَلَغَ حدًّا يَتَكَلَّمُ مِثْلُه، فلم يَتَكَلَّمْ، فقَطَعَ لِسانَه، لم تَجِبْ فيه الدِّيَةُ؛ لأَنَّ الظاهِرَ أنَّه لا يَقْدِرُ على الكَلامِ، فهو كلسانِ الأخْرَسِ.
وإن كَبرَ فنَطَقَ ببعضِ الحُروفِ، وجَبَتْ فيه بقَدْرِ ما ذهبَ مِن الحُروفِ؛ لأَنَّنا تَبَيَّنَّا أنَّه كان ناطِقًا.
وإن كان قد بَلَغَ إلى حدٍّ يتَحَرَّكُ بالبُكاءِ وغيرِه، فلم يتحرَّكْ، فقَطَعَه قاطِعٌ، فلا دِيَةَ فيه؛ لأَنَّ الظاهرَ أنَّه لو كان صَحِيحًا لتحرَّكَ.
وإن لم يَبْلُغْ إلى حَدٍّ يتحرَّكُ، ففيه الدِّيَةُ؛ لأَنَّ الظَّاهِرَ سَلامتُه.
وإن قَطَعَ لِسانَ كبيرٍ، وادَّعَى أنَّه كان أخْرَسَ، ففيه ما ذكَرْنا فيما إذا اخْتلَفا في شَلَلِ العُضْوِ بعدَ قَطْعِه مِن الخِلافِ.

4242 -

مسألة: (وفى المَنْخَرَيْنِ ثُلُثا الدِّيَةِ، وفى الحَاجِزِ ثُلُثُها. وعنه، في المَنْخَرَيْنِ الدِّيَةُ، وفى الحاجِزِ حُكُومَةٌ)

وجملةُ ذلك، أنَّ ما

..................................  في البَدَنِ منه ثَلاثةٌ، ففيها الدِّيَةُ، وفى كلِّ واحدٍ ثُلُثُها، وذلك المَنْخَرانِ والحاجزُ بينَهما.
وبهذا قال إسْحاقُ.
وهو أحَدُ الوَجْهَيْن لأصْحابِ الشافعىِّ؛ لأَنَّ المارِنَ يَشْتَمِلُ على ثَلاثةِ أشْياءَ مِن جِنْسٍ، فتَوَزَّعَتِ الدِّيَةُ على عدَدِها، كسائرِ ما فيه عَدَدٌ مِن الأصابعِ والأجْفانِ.
وعنه، في المَنْخَرَيْنِ الدِّيَةُ، وفى الحاجِزِ حُكُومَةٌ.
حكَاها أبو الخَطَّابِ.
قال أحمدُ: في كلِّ زَوْجَيْن مِن الإِنْسانِ الدِّيَةُ.
وهو الوَجْهُ الثَّانِى لأصْحابِ الشافعىِّ؛ لأَنَّ المَنْخَرَيْنِ ليس في البدَنِ لهما ثالثٌ، فأشْبَهَ اليدَيْن، ولأنَّه بقَطْعِ المَنْخَرَيْنِ أذْهَبَ الجمالَ كلَّه والمنفعةَ، فأَشْبَهَ قَطْعَ اليدَيْن.
فعلى هذا الوَجْهِ، في قَطْعِ أحَدِ المَنْخَرَين نِصْفُ الدِّيَةِ، وإن قَطَعَ معه الحاجِزَ، ففيه حُكومةٌ، وإن قَطَعَ نِصْفَ الحاجِزِ أو أقَلَّ أو أكثرَ، لم يَزِدْ على حُكومةٍ.
وعلى الأَوَّلِ، في قَطْعِ أحَدِ المَنْخَرَيْنِ ونِصْفِ الحاجِزِ نِصْف الدِّيَةِ، وفى قَطْعِ جَميعِه مع المَنْخَرِ ثُلُثا الدِّيَةِ، وفى قَطْعِ جُزْءٍ مِن الحاجِزِ أو أحدِ المَنْخَرَيْن بقَدْرِه مِن ثُلُثِ الدِّيَةِ، يُقَدَّرُ بالمساحةِ، وإن شَقَّ الحاجِزَ، ففيه حُكومةٌ، وإن بَقِىَ مُنْفَرِجًا، فالحُكومةُ فيه أكثرُ.
والأَوَّلُ أظْهَرُ؛ لأَنَّ ما كان فيه ثَلاثةُ أشْياءَ، ينْبَغِى أن [تُوزَّعَ الدِّيَةُ] 1 على جَميعِها، كما وُزِّعَتِ الدِّيَةُ أرْباعًا على ما هو أرْبعةُ أشياءَ، كأجْفانِ العَيْنَيْنِ، وأنْصافًا على ما هو اثْنان، كاليَدَيْن.

وَفِى الْأَجْفَانِ الْأَرْبَعَةِ الدِّيَةُ، وَفِى كُلِّ وَاحِدٍ رُبْعُهَا، وَفِى أَصَابعِ الْيَدَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِى أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِى كُلِّ إِصْبَعٍ عُشْرُهَا، وَفِى كُلِّ أُنْمُلَةٍ ثُلُثُ عَقْلِهَا،

4243 - مسألة: (وفى الأجْفانِ الأرْبَعَةِ الدِّيَةُ، وفى كلِّ واحِدٍ رُبْعُها)

كما ذكَرْنا فيما فيه منه اثْنان.
4244 -

مسألة: (وفى أصابِعِ اليَدَيْن الدِّيَةُ، وكذلك أصابِعُ الرِّجْلَيْن، وفى كلِّ إِصْبَعٍ عُشرُها)

لأنَّها [عَشَرَةٌ، فَقُسِمَتِ] (1) الدِّيَةُ على عدَدِها, كما قُسِمَتْ على عدَدِ الأجْفانِ، ولِما رَوَى ابنُ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «دِيَةُ أصاجِ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْن عَشْرٌ مِن الإِبِلِ لِكُلِّ إصْبَعٍ».
قال التِّرْمِذِىُّ (2): هذا حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ.
وفى لَفْظٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «هذه وهذه سَوَاءٌ».
يعنى الإِبْهامَ والخِنْصَرَ.
أخْرَجَه البُخَارِىُّ (3). 4245 -

مسألة: (وفى كُلِّ أُنْمُلَةٍ ثُلُثُ عَقْلِها)

لأَنَّ في كلِّ إِصْبَعٍ123

إِلَّا الْإِبْهَامَ، فَإِنَّهَا مَفْصِلَانِ، فَفِى كُلِّ مَفْصِلٍ نِصْفُ عَقْلِهَا، وَفِى الظُّفْرِ خُمْسُ دِيَةِ الإِصْبَعِ، وَفِى كُلِّ سِنٍّ خمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، إِذَا قُلِعَتْ مِمَّنْ قَدْ ثُغِرَ، وَالْأَضْرَاسُ وَالْأَنْيَابُ كَالْأَسْنَانِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ في جَمِيعِهَا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ.
ثَلاثَ أنامِلَ، فتُقْسَمُ دِيَةُ الإِصْبَعِ عليها, كما قُسِمَتْ دِيَةُ اليَدِ على الأصابعِ بالسَّوِيَّةِ (إِلَّا الإِبْهامَ، فإنَّها مَفْصِلان، ففى كُلِّ مَفْصِلٍ نِصْفُ عَقْلِها) وهو خَمْسٌ مِن الإِبِلِ.

4246 -

مسألة: (وفى الظُّفْرِ خُمْسُ دِيَةِ الإِصْبَعِ)

وهكذا ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
يعنى إذا قلَعَه ولم يَعُدْ، والتَّقْدِيراتُ يُرْجَعُ فيها إلى التَّوْقيفِ، فإن لم يَكُنْ فيها تَوْقِيفٌ، فالقِياسُ أنَّ فيه حُكومةً، كسائرِ الجِراحِ التى ليس فيها مُقَدَّرٌ.
4247 -

مسألة: (وفى كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِن الإِبِلِ، إذاْ قُلِعَتْ مِمَّن قد أثْغَرَ)

يَعْنِى ألْقَى أسْنانَه ثم عادت (والأضْراسُ وَالأنْيَابُ كالأسنانِ.
ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ فيها دِيَةٌ واحِدَةٌ) لا نعلمُ بينَ أَهْلِ العلمِ خِلافًا في أنَّ

..................................  دِيَةَ الأسْنانِ خَمْسٌ 1 خَمْسٌ في كلِّ سِنٍّ.
وقد رُوِى ذلك عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، وابنِ عباسٍ، ومُعاوِيَةَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعُرْوَةَ، وعَطاءٍ، [وطاوُسٍ] 2، وقَتادَةَ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ، وأبى حنيفةَ، ومحمدِ بنِ الحسنِ.
وفى كتابِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «في السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ».
رواه النَّسَائِىّ 3. وعن عمرو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «في الأَسْنانِ خَمْسٌ خَمْسٌ».
رواه أبو داودَ 4. فأمَّا الأضْراسُ، فأكثرُ أهلِ العلمِ على أنَّها مِثْلُ الأسْنانِ؛ منهم عُرْوَةُ، وطاوسٌ، وقَتادةُ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ

..................................  عباسٍ، ومُعاوِيةَ.
ورُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قَضَى في الأضْراسِ ببَعِيرٍ بَعِيرٍ.
ورُوِىَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّب، أنَّه قال: لو كنتُ أنا، لجَعَلْتُ في الأضْراسِ بَعِيرَيْنِ بَعِيرَيْن، فتلك الدِّيَةُ سَواء.
روَى ذلك في «مُوَطَّئِه» 1. وعن عطاءٍ نحوُه.
وحُكِىَ عن أحمدَ، أنَّ فيها ديَةً واحدةً.
فيَتَعَيَّنُ حَمْلُ هذه الرِّوايةِ على مِثْلِ قوْلِ سعيدٍ؛ للإِجْماعِ عَلى أنَّ في كُلِّ سِنٍّ خَمْسًا مِن الإِبِلِ، ووُرُودِ الحديثِ به، فيكونُ في الأسْنانِ والأنْيابِ سِتُّونَ بَعِيرًا؛ لأَنَّ فيه أرْبعَ ثَنايا، وأرْبعَ رَباعِيَّاتٍ، وأرْبعَةَ أَنْيابٍ، فيها خَمْسٌ خَمْسٌ، وفيه عِشرون ضِرْسًا، في كلِّ جانبٍ عَشَرةٌ، خمسةٌ مِن فوْقٍ، وخمْسَةٌ مِن أسْفل، فيكونُ فيها أرْبعونَ بَعِيرًا، في كلِّ ضِرْسٍ بَعِيران، فتَكْمُلُ الدِّيَةُ.
وحُجَّةُ مَن قال هذا، أنَّه ذُو عَدَدٍ تجبُ فيه الدِّيَةُ، فلم تزِدْ دِيَتُه على دِيَةِ الأسْنانِ 2، كالأصابعِ، والأجْفانِ،

..................................  وسائرِ ما في البدَنِ، ولأنَّها تشْتَمِلُ على منْفَعَةِ جِنْسٍ، فلم تَزِدْ دِيَتُها علىِ الدِّيَةِ، كسائرِ منافعِ الجِنْسِ، ولأَنَّ الأضْراسَ تَخْتَصُّ بالمَنْفَعَةِ دُون الجَمالِ، والأسْنانُ فيها مَنْفَعَةٌ وجَمالٌ، فاخْتلَفا في الأَرْشِ.
ولَنا، ما رَوَى أبو داودَ 1 بإسْنادِه عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «الأصَابعُ سَواءٌ، والأسْنانُ سَواءٌ، الثَّنِيَّةُ والضِّرْسُ سَواءٌ، هذه وهذه سَواءٌ».
وهذا نَصُّ.
وقولُه في الأحاديثِ المُتَقَدِّمَةِ: «في الأسْنانِ خَمْسٌ خَمْسٌ».
ولم يُفَصِّلْ، يدْخُلُ في عُمُومِها الأضْراسُ؛ لأنَّها أسْنانٌ.
ولأَنَّ كلَّ دِيَةٍ وجَبَتْ في جُمْلةٍ، كانت مَقْسُومةً على العَدَدِ دُونَ المنافعِ، كالأصابعِ، والأجْفانِ، وقد أَوْمَأَ ابنُ عبَّاسٍ إلى هذا، فقال: ألَا 2 أعْتَبِرُها بالأصابعِ 3. فأمَّا ما ذكَرُوه مِن المعنى، فلا بُدَّ مِن مُخالَفَةِ القِياسِ فيه، فمَن ذهبَ إلى قَوْلِنا، خالفَ المعْنى الذى ذكَرُوه، ومَن ذهبَ إلى قَوْلِهم خالفَ التَّسْوِيَةَ الثّابِتَةَ 4، بقِياسِ سائرِ الأعْضاءِ مِن جِنْسٍ واحدٍ، فكان ما ذكَرْناه مع مُوافَقَةِ الأخْبارِ 5 وقولِ أكثرِ أهلِ العلمِ

..................................  أوْلَى.
وأمَّا على (1) قوْلِ عمرَ، أنَّ في كلِّ ضِرْسٍ بَعِيرًا، فيُخالِفُ [القِياسَيْن جميعًا والأخْبارَ] (2)، فإنَّه لا يُوجِبُ الدِّيَةَ الكاملةَ، وإنَّما يُوجِبُ ثمانينَ بعيرًا، ويُخالِفُ بينَ الأعْضاءِ المُتَجانِسَةِ.
واللَّهُ أعلمُ.

4248 -

مسألة: (إذا قُلِعَتْ مِمَّن قد ثُغِرَ)

وهو الذى أبْدَلَ أسْنانَه، وبَلَغَ حَدًّا إذا قُلِعَت سِنُّه لم يَعُدْ بَدَلُها.
يُقالُ: ثُغِرَ، وأثْغَرَ، [واثَّغَرَ] 3، إذا كان كذلك.
فأمَّا سِنُّ الصَّبِىِّ الذى لم يُثْغِرْ، فلا يجبُ بقَلْعِها في الحالِ شئٌ.
هذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى.
ولا أعلمُ فيه مُخالِفًا؛ وذلك لأَنَّ العادةَ عَوْدُ سِنِّه، فلم يجِبْ فيها في الحالِ شئٌ، كنَتْفِ شَعَرِه، لكِنْ يُنْتَظَرُ عوْدُها؛ فإن مَضَتْ مُدَّة يُئِسَ مِن عَوْدِها، وجبَتْ دِيَتُها.
قال أحمدُ: يتوقَّفُ سَنَةً؛ لأنَّه الغالبُ في نَباتِهِا.
وقال القاضى: إذا سقَطَتْ أخَواتُها ولم تَعُدْ هى، أُخِذَتِ الدِّيَةُ.
وإن نبَتَ مكَانَها أُخْرَى، لم تَجِبْ دِيَتُها, كما لو نُتِف شَعَرُه فعادَ مثلُه.
لكنْ إن عادتْ قَصِيرةً أو مُشوَّهةً، ففيها حُكومةٌ؛ لأَنَّ الظاهرَ أنَّ ذلك بسَبَبِ12

..................................  الجِنايةِ عليها.
فإن أمْكَنَ تقْدِيرُ نَقْصِها عن نَظيرتِها، ففِيها مِن دِيَتِها بقَدْرِ ما نَقَصَ.
وكذلك إن كانتْ فيها ثُلْمَةٌ أمْكَنَ تقْدِيرُها، ففيه بقَدْرِ ما ذهبَ منها, كما لو كُسِرَ مِن سِنِّه ذلك القَدْرُ.
وإن نبَتَتْ أطْوَلَ مِن أخَواتِها، ففيها حُكومةٌ؛ لأَنَّ ذلك عَيْبٌ.
وقيل: لا شئَ فيها؛ لأَنَّ هذا زِيادةٌ.
والصَّحِيحُ الأَوَّلُ؛ لأَنَّ ذلك شَيْنٌ حَصَلَ بسَبَبِ الجِنايةِ، فأشْبَهَ نَقْصَها.
وإن نبَتَتْ مائِلَةً عن صَفِّ 1 الأسْنانِ، بحيثُ لا يُنْتَفَعُ بها، ففيها دِيَتُها؛ لأنَّ ذلك كذَهابِها، وإن كانتْ يُنْتَفَعُ بها، ففيها حُكومةٌ للشَّيْنِ الحاصلِ بها ونَقْصِ نَفْعِها.
وإن نبَتَتْ صَفْراءَ أو حمراءَ أو مُتَغَيِّرَةً، ففيها حُكومةٌ لنَقْصِ جَمالِها.
وإن نبَتَتْ سَوْداءَ أو خضراءَ، ففيها رِوايَتان، حكاهما القاضى؛ إحداهُما، فيها دِيَةٌ.
والثانيةُ، حُكومَةٌ, كما لو سَوَّدَها مِن غيرِ قَلْعِها.
وإن مات الصَّبِىُّ قبلَ اليَأْسِ مِن عَوْدِها، فعلى وَجْهين؛ أحَدُهما، لا شئَ له؛ لأَنَّ الظاهرَ أنَّه لو عاشَ عادتْ، فلم يجبْ فيها شئٌ, كما لو نُتِفَ شَعَرُه.
والثانى، فيها 2 الدِّيَةُ؛ لأنَّه قَلَعَ سِنًّا يُئِسَ مِن عَوْدِها، فوَجَبَتْ دِيَتُها, كما لو مَضَى زَمَنٌ تَعودُ في مِثْلِه فلم تَعُدْ.
وإن قَلَعَ سِنَّ مَن قد ثُغِرَ، وجَبَتْ دِيَتُها في الحالِ؛ لأَنَّ الظاهِرَ أنَّها لا تعودُ، فإن عادتْ، لم تَجِبِ الدِّيَةُ، وإن كان قد أخَذَها رَدَّها.
وبهذا قال أصْحابُ

..................................  الرَّأْى.
وقال مالكٍ: لا 1 يَرُدُّ شيئًا؛ لأَنَّ العادةَ أنَّها لا تعودُ، فمتى عادتْ كانت 2 هِبَةً مِن اللَّهِ مُجَدَّدَةً، فلا يَسْقُطُ بذلك ما وَجَبَ له بقَلْعِ سِنِّه.
وعن الشافعىِّ كالمَذْهَبَيْنِ.
ولَنا، أنَّه عادَ له في مكانِها مِثْلُ التى قُلِعَتْ، فلم يَجبْ له شئٌ، كالذى لم يُثْغِرْ، وإن عادتْ ناقِصَةً أو مُشوَّهَةً، فحُكْمُها حُكَمُ سِنِّ الصَّغيرِ إذا عادتْ، على ما ذكَرْنا.
ولو قَلَعَ سِنَّ مَن لم يُثْغِرْ، فمَضَتْ مُدَّةٌ يُئِسَ مِن عَوْدِها، وحُكِمَ بوُجُوبِ الدِّيَةِ، فعادت بعدَ ذلك، فهى كَسِنِّ الكبيرِ إذا عادَتْ.
فصل: وإن قَلَعَ سِنًّا مُضْطَرِبَةً لكبَرٍ أو مرَضٍ، فكانت منافِعُها باقيةً؛ مِن المَضْغِ، وحِفْظِ الطَّعامِ والرِّيقِ، وجبَتْ دِيَتُها.
وكذلك إن ذهبَ بعضُ منافِعِها، وبَقِىَ بعْضُها؛ لأَنَّ جَمالَها وبعضَ منافعِها باقٍ، فكَمَلَتْ دِيَتُها، كاليَدِ المريضةِ، ويَدِ الكبيرِ.
وإن ذهبَتْ منافِعُها كلُّها، فهى كاليَدِ الشَّلَّاءِ.
على ما نذْكُرُه إن شاء اللَّهُ تعالى.
وإن قَلَعَ سِنًّا فيها داءٌ أو آكِلةٌ، فإن لم يذهبْ شئٌ مِن أجْزائِها، ففيها دِيَةُ السِّنِّ الصَّحيحةِ؛ لأنَّها كاليَدِ المرِيضَةِ، وإن سَقَطَ مِن أجْزائِها شئٌ، سقَطَ مِن دِيَتِها بقَدْرِ الذَّاهِبِ منها،

وَتَجِبُ دِيَةُ الْيَدِ والرِّجْلِ في قَطْعِهِمَا مِنَ الْكُوعِ  ووجَبَ الباقِى.
وإن كانت إحدى ثَنِيَّتَيْه قصيرةً، نَقَصَ مِن دِيَتِها بقَدْرِ نَقْصِها, كما لو نَقَصَتْ بِكَسْرِها.
فصل: وإن جَنَى على سِنِّه جانٍ، فاضْطَرَبَتْ، وطالَتْ عن الأسْنانِ، وقيل: إنَّها تعودُ إلى مُدَّةٍ إلى ما كانتْ عليه.
انتُظِرَتْ إليها، فإنْ ذهَبَتْ وسقَطَتْ، وجَبَتْ دِيَتُها، وإن عادتْ كما كانتْ، فلا شئَ عليه (1) فيها، كما لو جَنَى على يَدِه فمَرِضَتْ ثم بَرَأَتْ.
وإن بَقِىَ فيها اضْطِرابٌ ففيها حُكومةٌ.
وإن قَلَعَها قالِعٌ، فعليه دِيَتُها كاملةً, كما ذكَرْنا في الفَصْلِ الذى قبلَ هذا، وعلى الأَوَّلِ حُكومةٌ لجِنايَتِه، وإن مَضَتِ المُدَّةُ ولم تَعُدْ إلى ما كانتْ عليه، ففيها حُكومةٌ، وإن قَلَعَها قالِعٌ، فعليه دِيَتُها, كما ذكَرْنا.
وإن قالواَ: يُرْجَى عَوْدُها.
مِن غيرِ تَقْديرِ مُدَّةٍ، وجَبَتِ الحُكومةُ فيها؛ لِئلا يُفْضِىَ إلى إهْدارِ الجِنايةِ.
وإن عادتْ سقَطَتِ الحُكومةُ, كما ذكَرْنا في غيرِها.

4249 -

مسألة: (وتجِبُ دِيَةُ اليَدِ والرِّجْلِ في قَطْعِهما مِن

1

وَالْكَعْبِ، فَإِنْ قَطَعَهُمَا مِنْ فَوْقِ ذَلِكَ، لَمْ يَزِدْ عَلَى الدِّيَةِ في ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
وَقَاَل الْقَاضِى: في الزَّائِدِ حُكُومَةٌ.
الكُوعِ والكَعْبِ، فإن قَطَعَهما مِن فَوْقِ ذلك، لم يَزِدْ على الدِّيَةِ.
وقال القاضِى: في الزَّائِدِ حُكُومَةٌ) أجْمعَ أهلُ العلمِ على وُجوبِ الدِّيَةِ في اليَدَيْن والرِّجْلَيْن، ووُجُوبِ نِصْفِها في إحداهما.
وقد رُوِى عن معاذِ بنِ جبلٍ، أنَّ النَّبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «وفِى اليَدَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِى الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ» 1. وفى كتابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لِعَمْرِو بنِ حَزْمٍ: «وفِى اليَدِ خَمْسُونَ مِنَ الإِبِلِ» 2. واليَدُ التى تَجِبُ فيها الدِّيَةُ مِن الكُوعِ؛ لأَنَّ اسْمَ اليَدِ عندَ الإِطْلاقِ يَنْصَرِفُ إليها؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالى لمَّا أَمَرَ بقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ [والسارقةِ] 3، كان الواجِبُ قَطْعَها مِن الكُوعِ، فإن قَطَعَ يَدَه مِن فوقِ الكُوعِ، فقَطَعَها مِن المَرْفِقِ، أو نصفِ السَّاعدِ، فليس عليه إلَّا دِيَةٌ واحدةٌ.
نَصَّ عليه في رِوايةِ أبى طالبٍ.
وهذا قولُ عطاءٍ، وقَتادةَ، وابنِ أبى لَيْلَى، [ومالكٍ] 4. وهو قولُ بعضِ أصْحابِ الشافعىِّ.

..................................  وظاهرُ مذْهَبِه عندَ أصْحابِه، أنَّه يَجِبُ مع دِيَةِ اليَدِ حُكومةٌ لِمَا زادَ؛ لأَنَّ اسْمَ اليَدِ لها إلى الكُوعِ، ولأَنَّ المَنْفَعَةَ المَقْصُودَةَ في اليَدِ، مِن البَطْشِ والأخْذِ والدَّفْعِ بالكَفِّ وماْ زادَ، تابعٌ للكَفِّ، والدِّيَةُ تَجِبُ في قَطْعِها مِن الكُوعِ، فيَجبُ في الزَّائدِ حُكومةٌ.
قال أبو الخَطَّابِ: وهو قولُ القاضِى.
ولَنا، أَنَّ اليَدَ اسْمٌ للجَمِيعِ إلى المَنْكِبِ، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ 1. ولمَّا نَزَلَتْ آيةُ التَّيَمُّمِ مسَحَ الصَّحابَةُ إلى المناكبِ.
وقال ثعلبٌ: اليَدُ إلى المَنْكِبِ.
وفى عُرْفِ النَّاسِ أنَّ جميعَ ذلك يُسمَّى يَدًا، فإذا قَطَعَها مِن فوقِ الكُوعِ، فما قَطَعَ إلَّا يَدًا، فلا يَلْزَمُه أكثرُ مِن دِيَتِها، فأمَّا قَطْعُها في السَّرِقَةِ؛ فلأنَّ المقْصودَ يَحْصُلُ به، وقَطْعُ بعضِ الشَّئِ يُسَمَّى قَطْعًا له, كما يُقالُ: قَطَعَ ثَوْبَه.
إذا قَطَعَ جانِبًا منه.
وقولُهم: إنَّ الدِّيَةَ تجبُ في قَطْعِها مِن الكُوعِ.
قُلْنا: وكذلك 2 تجبُ بقَطْعِ الأصابعِ مُنْفَرِدَةً، ولا يجبُ بقَطْعِها مِن الكُوعِ أكثرُ ممَّا يجبُ في قَطْعِ الأصابعِ، والذَّكَرُ يجبُ في قَطْعِه مِن أصْلِه مثلُ ما يجبُ في قَطْعِ حَشَفَتِه.
وأمَّا إذا قَطَعَ يَدَه مِن الكُوعِ، ثُمَّ قَطَعَها مِن المَرْفِقِ، وجَبَ في المقْطوعِ ثانيًا حُكومةٌ؛ لأنَّه وجبَتْ عليه دِيَةُ اليَدِ بالقَطْعِ الأَوَّلِ, فوَجَبَ بالثانى حُكومةٌ, كما لو قَطَعَ الأصابعَ ثم قَطَعَ الكَفَّ، أو كما لو فَعَلَ ذلك اثْنانَ.

..................................  فصل: وإن كان له كفَّان في ذِراعٍ، أو يَدانِ على عَضُدٍ، وإحداهما باطِشةٌ دُونَ الأُخْرَى، أو إحْداهما أكثرُ بَطْشًا، أو في سَمْتِ الذِّراعِ والأُخْرَى مُنْحَرِفةٌ عنه، أو إحْدَاهما تامَّةٌ والأُخْرَى ناقِصةٌ، فالأُولَى هى الأصْلِيَّةُ، والأُخْرَى زائِدَةٌ، ففى الأصْلِيَّةِ دِيَتُها، والقِصاصُ بقَطْعِها عَمْدًا، وفى الزَّائدَةِ حُكومةٌ، سواءٌ قَطَعَها مُفْرَدَةً أو قَطَعَها 1 مع الأصْلِيَّةِ.
وعلى قوْلِ ابنِ حامِدٍ، لا شئَ فيها؛ لأنَّهَا عَيْبٌ، فهى كالسِّلْعَةِ في اليَدِ.
وإنِ اسْتَوَيا مِن كلِّ الوُجُوهِ، وكانَتا غيرَ باطِشَتَيْن، ففيهما ثُلُثُ دِيَةِ اليَدِ أو حُكومةٌ، ولا تَجبُ دِيَّةُ كاملةً؛ لأنَّهما لا نَفْعَ فيهما، فهما كاليَدِ الشَّلَّاءِ.
وإن كانتا باطِشَتَيْن، ففيهما جميعًا دِيَةُ اليَدِ.
وهل تجبُ حكُومةٌ مع ذلك؟ على وَجْهين، بِناءً على أنَّ الزَّائدةَ هل فيها حُكومةٌ أَوْ لا؟ وإن قَطَعَ إحداهما، فلا قَوَدَ؛ لاحْتِمالِ أن تكونَ هى الزَّائدةَ، فلا تُقْطَعُ الأصْلِيَّةُ بها، وفيها نِصْفُ ما فيهما؛ لتَساوِيهما، وإن قَطَعَ إِصْبَعًا مِن إحْداهما، وجَبَ أَرْشُ نِصْفِ إِصْبَعٍ، وفى الحُكومةِ وَجْهان.
وإن قَطَعَ ذو اليَدِ التى لها طَرَفان، وجَبَ القِصاصُ فيهما، على قَوْلِ ابنِ حامِدٍ؛ لأَنَّ هذا نَقْصٌ لا يَمْنَعُ القِصاصَ، كالسِّلْعةِ في اليَدِ.
وعلى قولِ غيرِه، لا يجبُ؛ لئِلَّا يأْخُذَ [يَدَيْن بيَدٍ] 2 واحدةٍ، ولا نَقْطَعُ إحْدَاهما؛ لأنَّنا لا نعرِفُ الأصْلِيَّةَ فأْخُذها، ولا نأخذُ زائدةً بأصْلِيَّةٍ.

..................................  فصل: وفى الرِّجْلَيْن الدِّيَةُ، بغيرِ خِلافٍ، وفى إحداهما نِصْفُها؛ لِمَا ذكَرْنا مِن الحديثِ والمعْنى في اليدَيْنِ، وفى تَفْصِيلِها كما ذكَرْنا مِن 1 التَّفْصيلِ في اليَدَيْن، ومَفْصِلُ الكَعْبَيْنِ ههُنا مثلُ مَفْصِلِ الكُوعَيْن في اليدَيْنِ.
وفى قَدَمِ 2 الأعْرَجِ ويَدِ الأعْسَمِ الدِّيَةُ؛ لأَنَّ العَرَجَ لمعنًى في غيرِ القَدَمِ 3، والعَسَمُ: اعْوِجاجٌ في الرُّسْغِ.
وليس ذلك عيْبًا في قَدَمٍ ولا كَفٍّ، فلم يَمْنَعْ كمالَ الدِّيَةِ فيهما.
وذكرَ أبو بكرٍ أنَّ في كلِّ واحِدةٍ 4 ثُلُثَ الدِّيَةِ، كاليَدِ الشَّلَّاءِ.
ولا يَصِحُّ، لأنَّهما لم تَبْطُلْ مَنْفَعَتُهما، فلم تَنْقُصْ دِيَتُهما، بخِلافِ اليَدِ الشَّلَّاءِ.
فإن كان له قدَمان في رِجْلٍ واحدةٍ، فالحكمُ على ما ذكَرْنا في اليَدَيْن، وإن كان إحْدَى القَدَمَيْنِ أطْولَ مِن الأُخْرَى، وكان الطويلُ مُساوِيًا للرِّجْلِ الأُخْرَى فهو الأصْلِىُّ، وإن كان زائدًا عنها، والآخَرُ مُساوٍ للرِّجْلِ الأُخْرَى، فهو الأصْلِىُّ، وإن كان له في كلِّ رِجْلٍ قدَمانِ، يُمْكِنُه المَشْىُ على الطَّويلَتَيْن مَشْيًا مُسْتَقِيمًا، فهما الأصْلِيَّان، وإن لم يُمْكِنْه، فقُطِعا 5، وأمْكَنَه المَشْىُ على القَصِيريْنِ، فهما الأصْلِيَّان، والآخَران زائِدان.
فإن أشَلَّ الطَّويلَيْن، ففِيهما الدِّيَةُ؛ لأَنَّ الظاهِرَ أنَّهما الأصْلِيّان، فإن قَطَعَهُما قاطعٌ، فأمْكَنَه المَشْىُ على القَصِيرَيْن، تبَيَّنَ أنَّهما الأصْلِيَّان، وإن لم يُمْكِنْه،

وَفِى مَارِنِ الأَنْفِ، وَحَشَفَةِ الذَّكَرِ، وَحَلَمَتَىِ الثَّدْيَيْن، وَكَسْرِ ظَاهِرِ السِّنِّ، دِيَةُ الْعُضْوِ كَامِلَةً.
فالطَّويلان هما الأصْلِيَّان.

4250 -

مسألة: (وفى مارِنِ الأنْفِ، وحَشَفَةِ الذَّكَرِ، وحَلَمَتَىِ الثَّدْيَيْنِ، دِيَةُ العُضْوِ كامِلَةً)

في الأنْفِ الدِّيَةُ إذا قُطِعَ مارِنُه، بغيرِ خِلافٍ بينَهم.
حكاه ابنُ المُنْذِرِ 1، وابنُ عبدِ البَرِّ 2، عمَّن [يَحْفَظُ منهم] 3 مِن أهلِ العلمِ.
وفى كتابِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «وفى الأنْفِ إذا أُوعِبَ جَدْعًا الدِّيَة» 4. وفى رِوايةِ مالكٍ في «المُوَطَّأَ»: «إذا أُوعىَ جَدْعًا».
يَعْنِى اسْتُوعِبَ واسْتُؤْصِلَ.
ولأنَّه عُضْوٌ فيه جَمالٌ ومَنْفَعَةٌ، ليس في البَدَنِ منه إلَّا شئٌ واحدٌ، فأشْبَهَ اللِّسانَ.
فصل: وإنَّما الدِّيَةُ في مارِنِه؛ وهو ما لان منه، هكذا قال الخَلِيلُ وغيرُه؛ ولأنَّه يُرْوَى عن طاوُسٍ أنَّه قال: كان 5 في كتابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «في الأنْفِ إذا أُوعِبَ مارِنُه جَدْعًا الدِّيَةُ» 6. وفى بعْضِه إذا قُطِعَ

..................................  بقَدْرِه مِن الدِّيَةِ، يُمْسَحُ ويُعْرَفُ قَدْرُ ذلك.
يُرْوَى هذا عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والشَّعْبِىِّ، والشافعىِّ.

4251 -

مسألة: وفى الذَّكَرِ الدِّيَةُ. أجْمعَ أهلُ العلمِ على ذلك؛ لأَنَّ في كتابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في لِعَمْرِو بنِ حَزْم: «وفى الذَّكَرِ الدِّيَةُ»

(1). وذَكرُ الصَّغيرِ والكبيرِ والشَّيخِ والشَّابِّ سواءٌ في الدِّيَةِ؛ لعُمُومِ الحديثِ، وسواءٌ قَدَرَ على الجِماعِ أو لم يَقْدِرْ.
وفى حَشَفَةِ الذَّكَرِ الدِّيَةُ.
وهو قولُ جماعةٍ مِن (2) أهلِ العلمِ، ولا نعلمُ فيه مُخالِفًا؛ لأَنَّ منْفَعَتَه تَكْمُلُ بالحَشَفَةِ, كما تَكْمُلُ منافِعُ اليَدِ بالأصابعِ، فكَمَلَتِ الدِّيَةُ بقَطْعِها، كالأصابعِ.
وإن قَطَعَ الذَّكَرَ كلَّه، أو الحَشَفَةَ وبعضَ القصبةِ (3)، لم يجبْ أكثرُ مِن الدِّيَةِ, كما لو قَطَعَ الأصابعُ وبعضَ الكَفِّ.

[4252 - مسألة: (وفى كَسْرِ ظاهرِ السِّنِّ دِيَتُها)

وهو ما ظَهَر مِن اللِّثَةِ؛ لأَنَّ ذلك هو المُسَمَّى سِنًّا، فيَدْخُلُ في عُمومِ النَّصِّ] 4. وما في اللِّثَةِ منها يُسَمَّى سِنْخًا، فإذا كسِرَ السِّنُّ، ثم جاءَ آخَرُ فَقَلَعَ السِّنْخَ،123 = كما أخرجه ابن أبى شيبة في الموضع السابق عن رجل من آل عمر مرفوعا.

..................................  ففى السِّنِّ دِيَتُها، وفى السِّنْخِ حُكومةٌ, كما لو قطعَ إنْسانٌ أصابعَ رجلٍ، ثم قطَعَ آخَرُ كَفَّه.
وإن قَلَعَها 1 الأَوَّلُ بسِنْخِها، لمِ يجبْ فيها أكثرُ مِن دِيَتِها، كما لو قطَعَ اليَدَ مِن كُوعِها.
وإن فَعَل ذلك في مَرَّتيْن، فكَسَرَ السِّنَّ، ثم عادَ فقَلَعَ السِّنْخَ، ففيه دِيَتُها وحُكومةٌ؛ لأَنَّ دِيَتَها وجبَت بالأوَّلِ، ثم وجَبَ عليه بالثانى حُكُومةٌ, كما لو فعَلَه غيرُه.
وكذلك لو قَطَعَ الأصابعَ، ثم قطَعَ الكَفَّ.
وإن كسَرَ بعضَ الظاهرِ، ففِيه مِن دِيَةِ السِّنِّ بقَدْرِه؛ إن كان ذهبَ النِّصْفُ، وجبَ نِصْفُ الأَرْشِ، وإن كان الذَّاهبُ الثُّلُثَ، وجبَ الثُّلُثُ.
وإن جاءَ آخَرُ، فكَسَرَ بقِيتَّهَا، فعليه بقِيَّةُ الأَرْشِ.
فإن قَلَعَ الثَّانى سِنْخَها، نَظَرْنا؛ فإن كان الأَوَّلُ كَسَرَها عَرْضًا، فليس على الثَّانى للسِّنْخِ شئٌ؛ لأنَّه تابعٌ لِمَا قلَعَه مِن ظاهرِ السِّنِّ، فصار كما لو قطعَ الأَوَّلُ مِن كلِّ إِصْبَعٍ مِن أصابِعِه أُنْمُلَةً، ثم قَطَعَ الثَّانى يَدَه مِن الكُوعِ.
وإن كان الأَوَّلُ كَسَرَ نِصْفَ السِّنِّ طُولًا دُونَ سِنْخِه، فجاء الثَّانى فقَلَعَ الباقىَ بالسِّنْخِ كلِّه، فعليه دِيَةُ النِّصْفِ الباقى، وحُكومةٌ لنِصْفِ السِّنْخِ الذى بَقِىَ مِن كَسْرِ الأَوَّلِ, كما لو قَطَعَ الأَوَّلُ إِصْبَعَيْنِ مِن يَدٍ، ثم جاء الثَّانى فقَطَعَ الكَفَّ كلَّه.
فإنِ اخْتَلَفَ الثَّانى والمَجْنِىُّ عليه فيما قلَعه الأَوَّلُ، فالقولُ قولُ المَجْنِىِّ عليه؛ لأَنَّ الأَصْلَ سَلامَةُ السِّنِّ.
وإنِ انْكَشَفَتِ اللِّثَةُ عن بعْضِ السِّنِّ، فالدِّيَةُ في قَدْرِ الظاهرِ عادةً، دُونَ ما انْكَشَفَ على خلافِ العادةِ.
وإنِ اخْتَلَفا في قَدْرِ الظَّاهرِ، اعْتُبِرَ ذلك بأخَواتِها، فإن لم يَكُنْ

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَ مَنِ اسْتَوْعَبَ الأَنْفَ جَدْعًا دِيَةٌ، وَحُكُومَةٌ في الْقَصَبَةِ،  لها شئٌ تُعْتَبَرُ به، ولم يُمْكِنْ أن يُعْرَفَ ذلك مِن أهلِ الخِبْرَةِ، فالقولُ قولُ الجانِى؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَراءةُ ذِمَّتِه.
ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ على مَن اسْتَوْعَبَ جَدْعًا دِيَةٌ وحُكومةٌ في القَصَبَةِ.
[وهذا] (1) مذهبُ الشافعىِّ، وقد ذُكِرَ، كقَطْعِ اليَدِ مِن نِصْفِ السَّاعدِ.

4253 -

مسألة: (ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَ مَن اسْتَوْعَبَ الأنْفَ جَدْعًا دِيَةٌ، وحُكُومَةٌ في القَصَبَةِ)

[إذا قَطَعَ المارِنَ مع القَصَبَةِ، ففيه الدِّيَةُ، في قِياسِ المذْهَبِ، ويَحْتَمِلُ أن يجبَ في المارِنِ الدِّيَةُ، وحُكومةٌ في القَصَبةِ] 2. وهذا مذْهبُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ المارِنَ وحدَه مُوجِبٌ للدِّيَةِ، فوَجَبَتِ الحُكومةُ في الزَّائدِ, كما لو قَطَع القَصبةَ وحدَها مع قَطْعِ لِسانِه.
ولَنا، قولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «في الأنْفِ إذا أُوعِبَ جَدْعًا الدِّيَةُ».
ولأنَّه عُضْوٌ واحدٌ، فلم يجبْ فيه أكثرُ مِن دِيَةٍ واحدةٍ، كالذَّكَرِ إذا قُطِعَ مِن أصْلِه.
وبهذا يَبْطُلُ ما ذكَرُوه، ويُفارِقُ إذا قُطِعَ لِسانُه وقَصبَتُه؛ لأنَّهُما عُضْوان، فلا تَدْخُلُ دِيَةُ أحَدِهما في الآخَرِ.
أمَّا العُضْوُ الواحدُ، فلا يَبْعُدُ أن يجبَ في جميعِه ما يجبُ في بعْضِه، كالذَّكَرِ تجبُ في حَشَفَتِه1

وَفِى قَطْعِ بَعْضِ الْمَارِنِ، وَالْأُذُنِ، وَالْحَلَمَةِ، وَاللِّسَانِ، وَالشَّفَةِ، وَالْحَشَفَةِ، وَالأُنْمُلَةِ، وَالسِّنِّ، وَشَقِّ الْحَشَفَةِ طُولًا، بالْحِسَابِ مِنْ دِيَتِهِ، يُقَدَّرُ بِالْأَجْزَاءِ.
الدِّيَةُ التى تجبُ في جميعِه، وفى الثَّدْىِ كلِّه ما في حَلَمَتِه (1). فأمَّا إن قَلَعَ الأنْفَ وما تحْتَه مِن اللَّحْمِ، ففى اللَّحْمِ حُكومةٌ؛ لأنَّه ليس مِن الأنْفِ، فأشْبَهَ ما لو قَطَعَ الذَّكَرَ واللَّحْمَ الذى تحتَه.

4254 -

مسألة: (وفى قَطْعِ بَعْضِ المارِنِ، والأُذُنِ، والحَلَمَةِ، واللِّسانِ، والشَّفَةِ، والحَشَفَةِ، والأُنمُلَةِ، وَشَقِّ الحَشَفَةِ طُولًا، بِالحِسابِ مِن دِيَتِه، يُقَدَّرُ بالأجْزاءِ)

كَالثُّلُثِ والرُّبْعِ، ثُمَّ يُؤْخَذُ مِثْلُه مِن الدِّيَةِ؛ لأَنَّ ما وجَبَتِ الدِّيَةُ في جَميعِه، وجَبَتْ في بعْضِه، فإن كان الذَّاهِبُ النِّصْفَ، وجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ، وإن كان الثُّلُثَ، وجَبَ ثُلُثُها، وإن كان أقَلَّ أو أكثرَ، وجَبَتْ بحِسابِ ذلك, كما تُقَسَّطُ دِيَةُ اليَدِ على الأصابعِ.1

وَفِى شَلَلِ الْعُضْوِ، أَوْ إِذْهَابِ نَفْعِهِ، وَالْجِنَايَةِ عَلَى الشَّفْتَيْنِ بِحَيْثُ لَا يَنْطَبِقَانِ عَلَى الْأَسْنَانِ,

4255

  • مسألة: (و فى شَلَلِ العُضْوِ وإذْهابِ نَفْعِه، والجِنايَةِ على الشَّفَتَيْن، بحَيْثُ لا يَنْطَبِقان على الأَسْنانِ) الدِّيَةُ؛ لأنَّه عَطَّلَ نفْعَهما، فأشْبَهَ ما لو أشَلَّ يَدَه، وكذلك إنِ اسْتَرْخَتا، فصارَتا لا يَنْفَصِلان عن الأسْنانِ؛ لأنَّه عَطَّلَ جَمالَهما.
    فصل: وإن جَنَى على يَدَيْه فأشَلَّهُما، وجَبَتْ دِيَتُهما؛ لأنَّه فَوَّتَ مَنْفَعَتَهما، فهو كما لو أعمى عيْنَيْه، أو أخْرَسَ لِسانَه، وإن أشَلَّ الذَّكَرَ، ففيه دِيَتُه؛ لأنَّه ذهبَ بنَفْعِه، أشْبَهَ ما لو أشَلَّ لِسانَه، وكذلك إن أشَلَّ أُنْثَيَيْه, كما لو أشَلَّ يَدَيْه، وكذلك إن جَنَى على الإِسْكَتَيْن فأشَلَّهما، ففيهما الدِّيَةُ، كما لو جَنَى على الشَّفتَيْن فأشَلَّهما 1، وكذلك الأصابعُ إذا أَشَلَّها؛ لِمَا ذكَرْنا، وسائرُ الأعْضاءِ إلَّا 2 الأُذنَ والأنْفَ، وسنَذْكُرُهما إن شاء اللَّهُ تعالى.

وَتَسْوِيدِ السِّنِّ، وَالظُّفْرِ، بِحَيْثُ لَا يَزُولُ دِيَتُهُ.
وَعَنْهُ في تَسْوِيدِ السِّنِّ، ثُلُثُ دِيَيهَا.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِيهَا حُكُومَةٌ.

4256 - مسألة: (و)

في (تَسْوِيدِ السِّنِّ وَالظُّفْرِ، بحيث لَا يَزُولُ دِيَتُه.
وعنه في تَسْوِيدِ السِّنِّ، ثُلُثُ دِيَتِها.
وقال أبو بَكْرٍ: فيها حُكُومَةٌ) إذا جَنَى على سِنِّه فسَوَّدَها، فحُكِىَ عن أحمدَ في ذلك رِوايتان؛ إحداهما، تجبُ دِيَتُها 1 كاملةً.
وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ.
ويُرْوَى عن زيدِ بنِ ثابتٍ.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وشُرَيْحٌ، والزُّهْرِىُّ، وعبدُ الملكِ بنُ مَرْوانَ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وهو أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ عن أحمدَ، أنَّه إن أذْهَبَ مَنْفَعَتَها مِن المَضْغِ عليها ونحوه، ففيها دِيَتُها، وإن لم يُذْهِبْ نَفْعَها، ففيها حُكومةٌ.
وهذا قولُ القاضى.
والقولُ الثانى للشافعىِّ، وهو المختارُ عندَ أصْحابِه، وهو أقْيَسُ؛ لأنَّه لم يُذْهِبْها بمَنْفَعَتِها، فلم تَكْمُلْ دِيَتُها, كما لو اصْفَرَّتْ.
وهذا قولُ أبى بكرٍ.

..................................  ولَنا، أنَّه قولُ زيدِ بنِ ثابتٍ، ولم يُعْرَفْ له مُخالِفٌ مِن الصَّحابَةِ، فكان إجْماعًا، ولأنَّه أذْهَبَ الجَمالَ على الكَمالِ، فكَمَلَتْ ديَتُها, كما لو قَطَعَ أُذُنَ الأصَمِّ وأنْفَ الأخْشَمِ.
والظُّفْرُ كذلك قِياسًا على السِّنِّ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ ثالثةٌ، أنَّ في تَسْوِيدِ السِّنِّ ثُلُثَ دِيَتِها.
والتَّقْدِيرُ لا يَثْبُتُ إلَّا 1 بالتَّوْقِيفِ.
فصل: فأمَّا إنِ اصْفَرَّتْ أو احْمَرَّتْ، لم تكْمُلْ دِيَتُها؛ لأنَّه لم يُذْهِبِ الجمالَ على الكَمالِ، وفيها حُكومةٌ.
وإنِ اخْضَرَّتْ، احْتَمَلَ أن يكونَ كتَسْوِيدِها؛ لأنَّه ذهَبَ بجَمالِها، واحْتَمَلَ أن لِا يكونَ فيها 2 إلَّا حُكومةٌ؛ لأَنَّ ذَهابَ جَمالِها بتَسْويدِها أكْثَرُ، فلم يَلْحَقْ به غيرُه, كما لو حَمَّرَها.
فعلى قولِ مَن أوْجَبَ دِيَتَها، متى قُلِعَتْ بعدَ تَسْويدِها، ففيها ثُلُثُ دِيَتِها أو حُكومةٌ، على ما نذْكُرُه إن شاء اللَّه تعالى.
وعلى قولِ مَن لم يُوجِبْ فيها إلَّا حُكومةً، يجبُ في قَلْعِها دِيَتُها, كما لو صَفَّرَها.

وَفِى الْعُضْوِ الْأَشَلِّ مِنَ الْيَدِ، وَالرِّجْلِ، وَالذَّكَرِ، وَالثَّدْىِ، وَلِسَانِ الْأَخْرَسِ، وَالْعَيْنِ الْقَائِمَةِ، وَشَحْمَةِ الأُذُنِ، وَذَكَرِ الْخَصِىِّ  فصل: فإن جَنَى على سِنِّه، فذهَبَتْ حِدَّتُها وكَلَّتْ، ففى ذلك حُكومةٌ، وعلى قالِعِها بعدَ ذلك دِيَةٌ كاملةٌ؛ لأنَّها سِنٌّ صحيحةٌ كاملةٌ (1)، فكَمَلَتْ دِيَتُها، كالمُضْطَرِبَةِ.
وإن ذَهَب منها جُزْءٌ، ففى الذَّاهِبِ بقَدْرِه، وإن قَلَعَها قالِعٌ، نَقَصَ مِن دِيَتِها بقَدْرِ ما ذهبَ, كما لو كُسِرَ منها جُزْءٌ.

4257 -

مسألة: (وفى العُضْوِ الأشَلِّ مِن اليَدِ، والرِّجْلِ، والذَّكَرِ، والثَّدْىِ، ولِسانِ الأخْرَسِ، والعَيْنِ القائِمَةِ،

1

وَالْعِنِّينِ، وَالسِّنِّ السَّوْدَاءِ، وَالثَّدْى دُونَ حَلَمَتِهِ، وَالذَّكَرِ دُونَ حَشَفَتِهِ، وَقَصَبَةِ الْأَنْفِ، وَالْيَدِ وَالإِصْبَعِ الزَّائِدَتَيْنِ، حُكُومَةٌ.
وَعَنْهُ، ثُلُثُ دِيَتِهِ.
وشَحْمَةِ الأُذُنِ، وذَكَرِ الخَصِىٍّ والعِنِّينِ، والسِّنِّ السَّوْداءِ، والثَّدْىِ دُونَ حَلَمَتِه، والذَّكَرِ دُونَ حَشَفتِه، وَقَصَبَةِ الأنْفِ، واليَدِ والإِصْبَعِ الزَّائِدَتَيْنِ، حُكُومَةٌ.
وعنه، ثُلُثُ دِيَتِه) أمَّا اليَدُ الشَّلاءُ، وهى اليابِسَةُ التى ذهبَتْ منها منْفَعَةُ البَطْشِ، وكذلك الرِّجْلُ مثلُها في الحُكمِ، قِياسًا عليها، والعَيْنُ القائمةُ التى ذهبَ بصَرُها، وصُورَتُها باقيةٌ، كصُورَةِ الصَّحيحةِ، والسِّنُّ السَّوْداءُ، فعن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، فيهِنَّ حكُومةٌ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ إيجابُ دِيَةٍ كاملةٍ، لكَوْنِها قد ذهَبَتْ مَنْفَعَتُها، ولا مُقَدَّرَ فيها، فتَجِبُ الحُكومةُ، كاليّدِ الزَّائدةِ.
وعنه، فيهِنَّ ثُلثُ الدِّيَةِ؛ لِما 1 روَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّة، قال: قَضَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في العَيْنِ القائمةِ السَّادَّةِ لمَكاَنِها بثُلُثِ الدِّيَةِ، وفى اليَدِ الشَّلَّاءِ إذا قُطِعَتْ ثُلُث دِيَتِها، وفى السِّنِّ السَّوْداءِ إذا قُلِعَتْ بثُلُثِ دِيَتِها.
رواه النَّسائِىُّ 2.

..................................  وأخْرَجَه أبو داودَ 1 في العَيْنِ وحدَها.
وهو قولُ عمرَ.
وروَى قَتادةُ، [عن خِلاسٍ] 2، عن عبدِ اللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عن يحْيى بنِ يَعْمُرَ 3، عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قَضَى في العَيْنِ القائِمَةِ إذا قُلِعَتْ، واليَدِ الشَّلَّاءِ إذا قُطِعَتْ، والسِّنِّ السَّوْداءِ إذا كُسِرَتْ، بثُلُثِ دِيَةِ كلِّ واحدةٍ منهنَّ 4. ولأنَّها كاملةُ الصُّورَةِ، فكان فيها مُقَدَّرٌ كالصَّحيحةِ.
وقولُهم: لا يُمْكِنُ إيجابُ مُقَدَّرٍ.
مَمْنُوعٌ؛ فإنَّنا قد ذكَرْنا التَّقْدِيرَ وبَيَّنَّاه.
فصل: قال القاضى: قولُ أحمدَ: في السِّنِّ السَّوْداءِ ثُلُثُ دِيَتِها.
مَحْمُولٌ على سِنٍّ ذهَبَتْ مَنْفَعَتُها، بحيثُ لا يُمْكِنُه أَنْ يَعَضَّ بها شيئًا، أو 5 كانت تَتَفَتَّتُ، فأمَّا إن كانت منْفَعَتُها باقيةً، ولم يذْهَبْ منها إلَّا لَوْنُها، ففيها كمالُ دِيَتِها، [سواءٌ قَلَّتْ منْفَعَتُها، بأن يعْجِزَ عن عَضِّ الأشْياءِ الصُّلْبَةِ، أو لم يَعْجِزْ؛ لأنَّها باقيةُ المَنْفَعَةِ، فكَمَلَتْ دِيَتُها] 6،

..................................  كسائرِ الأَعْضاءِ، وليس على مَن سَوَّدَها إلَّا حُكومةٌ.
وهذا مذْهَبُ الشافعىِّ.
قال شَيْخُنا 1: والصَّحِيحُ مِن مذهبِ أحمدَ ما يُوافِقُ ظاهِرَ كلامِه؛ لظاهرِ الأخْبارِ، وقضاءِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وقولِ أكثرِ أهلِ العلمِ، ولأنَّه ذَهَبَ جَمالُها بتَسْويدِها، فكَمَلَتْ دِيَتُها على مَن سَوَّدَها، كتَسْويدِ الوَجْهِ، ولم يجبْ على مُتْلِفِها أكثرُ مِن ثُلُثِ دِيَتِها، كاليَدِ الشَّلاءِ، وكالسِّنِّ البَيْضاءِ إذا انْقَلَعَتْ، ونَبَتَتْ مكانَها سَوداءُ لمرضٍ فيها، فإنَّ القاضِىَ وأصْحابَ الشافعىِّ سَلَّموا أنَّها لا تكْمُلُ دِيَتُها.
فصل: فإن نَبَتَتْ أسْنانُ صَبِىٍّ سَوْداءَ، ثم ثُغِرَ، ثم عادَتْ سَوْداءَ، فدِيَتُها تامَّةٌ؛ لأَنَّ هذا جِنْسٌ خُلِقَ على هذه الصُّورَةِ، أشْبَهَ مَن خُلِقَ أَسْوَدَ الجِسْمِ والوَجْهِ جَميعًا.
وإن نَبَتَتْ أوَّلًا بَيْضاءَ، ثم ثُغِرَ، ثم عادتْ سَوْداءَ، سُئِلَ أهْلُ الخِبْرَةِ، فإن قالُوا: ليس السَّوادُ لِعِلَّةٍ ولا مَرَضٍ.
ففِيها كَمالُ دِيَتِها.
وإن قالوا: ذلك لمرَضٍ فيها 2. فعلى قالِعِها ثُلُثُ دِيَتِها أو حُكومةٌ.
وقد سَلَّمَ القاضى وأصْحابُ الشافعىِّ الحُكْمَ في هذه الصُّورةِ، وهو حُجَّةٌ عليهم فيما خالَفُوا فيه.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ الحُكْمُ فيما إذا 3 كانت سَوْداءَ مِن ابْتداءِ الخِلْقَةِ هكذا؛ لأَنَّ المرَضَ قد يكونُ في

..................................  فِيه مِن ابْتداءِ خِلْقَتِه، فيثْبُتُ حُكمُه في نَقْصِ دِيَتِها, كما لو كان طارِئًا.
فصل: وفى لِسانِ الأخْرَسِ رِوايتان أيضًا، كاليَدِ الشَّلَّاءِ.
وكذلك كلُّ عُضْوٍ ذهبَتْ منْفَعَتُه، وبَقِيَتْ صُورَتُه, كالرِّجْلِ الشَّلَّاءِ، والإِصْبَعِ والذَّكَرِ إذا شُلَّا، وذَكَرِ الخَصِىِّ والعِنِّين إذا قُلْنا: لا تَكْمُلُ دِيَتُهما.
وأشْباهِ هذا كلِّه يتَخَرَّجُ على رِوايتَيْن؛ إحداهما، فيه ثُلُثُ الدِّيَةِ.
والأُخْرَى، حُكومةٌ.
فصل: فأمَّا اليَدُ والرِّجْلُ والإِصْبَعُ والسِّنُّ الزَّوائدُ، ونحوُ ذلك، فليس فيه إلَّا حُكومةٌ.
وقال القاضى: هو في مَعْنى اليَدِ الشَّلَّاءِ، فيُخَرَّجُ على الرِّوايتَيْن.
والذى ذكَرَه شيْخُنا أصَحُّ؛ لأنَّه لا تَقْديرَ في هذا، ولا هو في معْنَى المُقَدَّر، ولا يصِحُّ قِياسُ هذا على العُضْوِ الذى ذَهَبَتْ منْفَعَتُه وبَقِىَ جَمالُه؛ لأَنَّ هذه الزَّوائدَ لا جَمالَ فيها، إنَّما هى شَيْنٌ في الخِلْقَةِ، وعَيْبٌ يُرَدُّ به المَبِيعُ، وتَنْقُصُ [به القِيمَةُ] 1، فكيف يَصِحُ قِياسُه على ما يحْصُلُ به الجَمالُ؟ ثم لو حَصَلَ به جَمالٌ ما، لكنَّه يُخالِفُ جَمالَ العُضْوِ الذى

..................................  يحْصُلُ به تَمامُ الخِلْقَةِ، ويخْتَلِفُ في نَفْسِه اخْتلافًا كثيرًا، فوجبَتْ فيه الحُكومةُ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يجبَ فيه شئٌ؛ لِمَا ذكَرْنا.
فصل: قد ذكَرْنا أنَّ في الإِصْبَعِ الزَّائدةِ 1 حُكومةً.
وبه قال الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وعن زيدِ بنِ ثابتٍ، أنَّ فيها ثُلُثَ دِيَةِ الإِصْبَعِ.
وذكَر القاضى أنَّه قِياسُ المذْهبِ، على رِوايةِ إيجاب ثُلُثِ دِيَةِ اليَدِ [في اليَدِ] 2 الشَّلَّاءِ.
والأَوَّلُ أصَحُّ على ما ذكَرْنا.
ولا يَصِحُّ قِياسُها على اليَدِ الشَّلَّاءِ؛ لِمَا ذكَرْنا مِن الفَرْقِ بينَهما.
واللَّهُ أعلمُ.
فصل: واخْتلفَتِ الرِّوايةُ في قَطْعِ الذَّكَرِ دُونَ حَشَفَتِه، وعلى قِياسِه الثَّدْىُ دُونَ حَلَمَتِه، وقَطْعُ الكَفِّ دُونَ 3 أصابِعِه، فروَى أبو طالبٍ عن أحمدَ، فيه ثُلُثُ دِيَتِه، وكذلك شَحْمَةُ الأُذُنِ.
وعن أحمدَ في ذلك كلِّه حُكومةٌ.
وهذا هو الصَّحيحُ؛ لعَدَمِ التَّقْديرِ فيه، وامْتِناعِ قِياسِه على ما فيَه تَقْديرٌ، لأَنَّ الأشَلَّ بقِيَتْ صُورَتُه، وهذا لم تَبْقَ صُورَتُه، إنَّما بَقِىَ بعْضُ ما فيه الدِّيَةُ، أو أصْلُ ما فيه الدِّيَةُ.
فأمَّا قَطْعُ الذِّراعِ بعدَ قَطْعِ الكَفِّ، والسَّاقِ بعدَ قَطْعِ القَدَمِ، فينْبَغِى أن تجبَ الحُكومةُ فيه، وجْهًا

وَعَنْهُ في ذَكَرِ الْخَصِىِّ وَالْعِنِّينِ، كَمَالُ دِيَتِهِ،  واحدًا؛ لأَنَّ إيجابَ ثُلُثِ دِيَةِ اليَدِ فيه يُفْضِى إلى أن يكونَ الواجبُ فيه مع بَقاءِ الكَفِّ والقَدَمِ وذَهابِهما واحدًا، مع تَفاوُتِهما وعَدَمِ النَّصِّ فيهما.

4258 -

مسألة: (وعنه في ذَكَرِ الخَصِىِّ والعِنِّينِ كَمالُ دِيَتِه)

أمَّا ذَكَرُ العِنِّينِ فأكثرُ أهلِ العلمِ على وُجوبِ الدِّيَةِ فيه؛ لأَنَّ في كتابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعَمْرِو بنِ حَزْمٍ: «وفِى الذَّكَرِ الدِّيَةُ» 1. ولأنَّه غيرُ مأْيُوسٍ مِن جِماعِه، وهو عُضْوٌ سَليمٌ في نفْسِه، فكَمَلَتْ دِيَتُه، كذَكَرِ الشَّيْخِ.
وذَكَرَ القاضى فيه في أحمدَ رِوايتَيْن؛ إحداهما، تجبُ فيه الدِّيَةُ؛ لذلك.
والثانيةُ، لا، تَكْمُلُ دِيَتُه.
وهو قولُ قَتادةَ؛ لأَنَّ منْفَعَتَه الإِنْزالُ والإِحْبالُ والجِماعُ، وقد عُدِمَ ذلك منه في حالِ الكَمالِ، فلم تكْمُلْ دِيَتُه، كالأشَلِّ، وبهذا فَارَقَ ذَكَرَ الصَّبِىِّ والشَّيْخِ.
واخْتلفَتِ الرِّوايةُ في ذَكَرِ الخَصِىِّ، فعنه، فيه دِيَةٌ كاملةٌ.
وهو قولُ سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، والشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ؛ للخبرِ، ولأَنَّ منْفَعةَ الذَّكرِ الجِماعُ،

فَلَوْ قَطَعَ الْأُنْثَيَيْنِ وَالذَّكَرَ مَعًا، أَوِ الذَّكَرَ ثُمَّ الْأُنْثَيَيْنِ، لَزِمَهُ دِيَتَانِ.
وَلَوْ قَطَعَ الْأُنْثَيَيْنِ، ثُمَّ قَطَعَ الذَّكَرَ، وَجَبَتْ دِيَةُ الْأُنْثَيَيْنِ، وَفِى الذَّكَرِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، دِيَةٌ.
وَالْأُخْرَى،  وهو باقٍ فيه.
والثانيةُ، لا تجبُ فيه.
وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى، وقَتادةَ، وإسْحاقَ؛ لِمَا ذكَرْنا في ذَكَرِ العِنِّينِ، ولأَنَّ المَقْصُودَ منه تَحْصِيلُ النَّسْلِ، ولا يُوجَدُ ذلك منه، فلم تَكْمُلْ دِيَتُه، كالأشَلِّ، والجِماعُ يذْهَبُ في الغالبِ؛ بدليلِ أنَّ البَهائِمَ يذهبُ جِماعُها بخِصائِها، والفرقُ بينَ ذَكَرِ العِنِّينِ وذَكَرِ الخَصِىِّ، أنَّ الجِماعَ في ذكَرِ العِنِّينِ أبْعَدُ منه في ذَكَرِ الخَصِىِّ، واليَأْسَ مِن الإِنْزالِ مُتَحَقِّقٌ في ذكَرِ الخَصِىِّ دُونَ ذَكَرِ العِنِّينِ.

4259 -

مسألة: فإذا قلنا: لا تَكْمُلُ الدِّيَةُ في قَطْعِ ذَكَرِ الخَصِىِّ.
(إن قَطَعَ الذَّكَرَ والأُنْثَيَيْن دَفْعَةً واحِدَةً، أو قَطَعَ الذَّكَر ثم قَطَعَ الأُنْثَيَيْن، لَزِمَتْه دِيَتان، وإن قَطَعَ الأُنْثَيَيْن ثم قَطَعَ الذَّكَرَ، لَزِمَتْه دِيَةٌ واحِدَةٌ للأُنْثَيَيْن،

حُكُومَةٌ أَوْ ثُلُثُ الدِّيَةِ.
وَإِنْ أَشَلَّ الْأَنْفَ، أَوِ الْأُذُنَ، أَوْ عَوَّجَهُمَا، فَفِيهِ حُكُومَةٌ.
وَفِى قَطْعِ الْأَشَلِّ مِنْهُمَا كَمَالُ دِيَتِهِ.
وفى الذَّكَرِ حُكُومَةٌ أو ثُلُثُ الدِّيَةِ) قال القاضى: ونَصَّ أحمدُ على هذا.
وإن قَطَعَ نِصْفَ الذَّكَرِ بالطُّولِ، فقال أصْحابُنا: فيه نِصْفُ الدِّيَةِ.
والأَوْلَى أن تجبَ الدِّيَةُ كاملةً؛ لأنَّه ذهَبَ بمَنْفَعَةِ الجِماعِ به، فوجَبَتِ الدِّيَةُ كاملةً, كما لو أشَلَّه، أو كسَرَ صُلْبَه فذَهَبَ جِماعُه.
وإن قَطَعَ قِطْعَةً منه ممَّا دُونَ الحَشَفَةِ، وكان البَوْلُ يخْرُجُ على ما كان عليه، وجَبَ بقَدْرِ القِطْعةِ مِن جَميعِ الذَّكَرِ مِن الدِّيَةِ.
وإن خرَجَ البَوْلُ مِن مَوْضِعِ القَطْعِ، وجَبَ الأكْثَرُ مِن حِصَّةِ القِطْعَةِ مِن الدِّيَةِ أو الحُكومةِ.
وإن ثَقَبَ ذَكرَه فيما دُونَ الحَشَفَةِ، فصارَ البَوْلُ يخْرُجُ مِن الثُّقْبِ، ففيه حُكومةٌ؛ لذلك.

4260 -

مسألة: (وإن أشَلَّ الأنْفَ، أو الأُذُنَ، أو عَوَّجَهما، ففيه حُكومَةٌ. وفى قطعِ الأشَلِّ منهما كمالُ الدِّيَةِ)

إذا ضَرَبَ أنْفَه فأشَلَّه، ففيه حُكومةٌ.
وإن قَطَعَه قاطِعٌ بعدَ ذلك، ففيه دِيَتُه.
وكذلك الأُذُنُ إذا جنى عليها فاسْتَحْشَفَتْ، واسْتِحْشافُها كشَلَلِ سائرِ الأعضاءِ، ففيها حُكومةٌ.

..................................  وهذا أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
وقال في الآخَرِ: في ذلك دِيَتُها.
وكذلك قولُه في الأنْفِ إذا أشَلَّه؛ لأَنَّ ما وَجَبَتْ دِيَتُه بقَطْعِه وَجَبَت بشَلَلِه، كاليَدِ والرِّجْلِ.
ولَنا، أنَّ نَفْعَ الأُذُنِ باقٍ بعدَ اسْتِحْشافِها وجَمالَها، فإنَّ نَفْعَها جَمْعُ الصَّوْتِ ومَنْعُ دُخولِ الماءِ والهوامِّ في صِماخِه، وهذا باقٍ بعدَ شَلَلِها، فإن قَطَعها قاطِعٌ بعدَ شَلَلِها ففيها دِيَتُها؛ لأنَّه قَطَع أُذُنًا فيها جَمالُها ونَفْعُها، فوَجَبَتْ دِيَتُها كالصَّحِيحَةِ، وكما لو قَلَع عَيْنًا عَمْشاءَ 1 أو حَوْلاءَ.
وكذلك الأنْفُ نَفْعُه جَمْعُ الرَّائِحَةِ ومَنْعُ وُصولِ الهَوامِّ إلى دِماغِه، وهذا باقٍ بعدَ الشَّلَلِ، بخِلافِ سائرِ الأعْضاءِ.
فإن جَنَى على الأنْفِ، فعَوَّجَه أو غَيَّرَ لَوْنَه، ففيه حُكومةٌ، في قولِهم جميعًا.
وكذلك الأُذُنُ إذا عَوَّجَها أو غَيَّرَ لَوْنَها، ففيها حُكومةٌ، كالأنْفِ.
فصل: فإن قَطَعَ الأنْفَ إلَّا جِلْدةً بَقِىَ مُعَلَّقًا بها، فلم يَلْتَحِمْ، واحْتِيجَ

وَتَجِبُ الدِّيَةُ في أَنْفِ الْأَخْشَمِ وَالْمَخْزُومِ وَأُذُنَىِ الْأَصَمِّ،  إلى قَطْعِ الجِلْدَةِ، ففيه دِيَتُه؛ لأنَّه قَطَعَ جميعَه (1)؛ بعضَه بالمُباشَرَةِ، وبعْضَه بالسَّبَبِ، فأشْبَهَ ما لو سَرَى قَطْعُ بعْضِه إلى قَطْعِ جَميعِه.
وإن رَدَّه فالْتَحَمَ، ففيه حُكومةٌ؛ لأنَّه لم يَبِنْ.
وإن أبانَه فردَّة فالْتَحَمَ، فقال أبو بكرٍ: ليس فيه إلَّا حُكومةٌ.
كالتى قبلَها.
وقال القاضى: فيه دِيَتُه.
وهو مذهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه أبانَ أنْفَه (2)، فلَزِمَتْه دِيَتُه, كما لو لم يَلْتَحِمْ، ولأَنَّ ما أُبِينَ قد نَجُسَ، فيلْزَمُه أن يُبِينَه بعدَ الْتِحامِه.
ومَن قال بقَوْلِ أبى بكرٍ، منَعَ نَجاسَتَه، ووُجُوبَ إبانَتِه؛ لأَنَّ أجْزاءَ الآدَمِىِّ كجُمْلَتِه، بدليلِ سائرِ الحيواناتِ، وجُمْلتُه طاهِرَةٌ، فكذلك أجْزاؤُه.

4261 -

مسألة: (وتَجِبُ الدِّيَةُ في أنْفِ الأخْشَمِ والمَخْزُومِ)

لأَنَّ أنْفَ الأخْشَمِ لا عَيْبَ فيه، وإنَّما العَيْبُ في غيرِه، فوجَبَتْ دِيَتُه،12

جارٍ التحميل