الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 206-245

..................................  وُجِدَ، كالهِبَةِ والبَيْعِ.
وفائِدَةُ الخِلافِ في ثُبُوتِ المِلْكِ وعَدَمِه، أنَّ مَن أثْبَتَ المِلْكَ للكافِرِ في أمْوالِ المسلمين، أباحَ للمسلمين إذا ظَهَرُوا عليها قِسْمَتَها والتَّصَرُّفَ فيها، ما لم يَعْلَمُوا 1 صاحِبَها، وأنَّ الكافِر إذا أسْلَمَ وهى في يَدِه، فهو أحَقُّ بها.
ومَن لم يُثْبِتِ المِلْكَ، اقْتَضَى مَذْهَبُه عَكْسَ ذلك.
قال الشَّيْخُ 2، رَحِمَه اللَّهُ: ولا أعلمُ خِلافًا في أنَّ الكافِرَ الحَرْبِىَّ إذا أسْلَمَ، أو دَخَل إلينا 3 بأمانٍ، بعدَ أنِ اسْتَوْلى على مالِ مُسْلِمٍ فأتْلَفَه، أنَّه لا يَلْزَمُه ضَمانُه.
فإن أسْلَمَ وهو في يَدِه، فهو له بغيرِ خِلافٍ في المذهَبِ؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ أسْلَمَ عَلَى شَئٍ، فَهُوَ لَهُ» 4. وإن كان أخَذَه مِن المُسْتَوْلِى عليه بهِبَةٍ أو سَرِقَةٍ أو شِراءٍ، فكذلك؛ لأنَّه اسْتَوْلَى عليه في حالِ كُفْرِه، فأشْبَهَ ما لو اسْتَوْلَى عليه بقَهْرِه المُسْلِمَ.
وعن أحمدَ، أنَّ صاحِبَه يَكُونُ أحَقَّ به بالقِيمَةِ.
وإنِ اسْتَوْلَى على جارِيَةِ مُسْلمٍ فاسْتَوْلَدَها ثم أسْلَمَ، فهى له، وهى أُمُّ وَلَدِه.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّها مالٌ، فأشْبَهَتْ سائِرَ الأمْوالِ.
وإن غَنِمَها المسلمون وأولادَها

..................................  قبلَ إسلامِ سابِيها فعُلِمَ صاحِبُها، رُدَّتْ إليه، وكان أولادُها غَنِيمَةً؛ لأنَّهم أوْلادُ كافِرٍ حَدَثُوا بعدَ مِلْكِ الكافِرِ لها.
فصل: وإنِ اسْتَوْلَوْا على حُرٍّ، لم يَمْلِكُوه، مُسْلِمًا كان أو ذِمِّيًّا.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه لا يُضْمَنُ بالقِيمةِ، ولا تَثْبُتُ عليه اليَدُ بحالٍ.
وإذا قَدَرَ المسلمون على أهْلِ الذِّمَّةِ بعدَ ذلك، وَجَب رَدُّهم إِلى ذِمَّتِهم، ولم يَجُزِ اسْتِرْقاقُهم، في قولِ عامَّةِ العُلَماءِ؛ منهم الشَّعْبِىُّ، ومالِكٌ، واللَّيْثُ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ.
ولا نَعْلَمُ لهم مُخالِفًا؛ لأنَّ ذِمتَّهَم باقِيَةٌ، ولم يُوجَدْ منهمِ ما يُوجِبُ نَقْضَها.
وكلُّ ما يُضْمَنُ بالقِيمَةِ، كالعُروضِ، يَمْلِكُونه بالقَهْرِ.
وكذلك العَبْدُ القِنُّ، والمُدَبَّرُ، والمُكاتَبُ، وأُمُّ الوَلَدِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَمْلِكُونَ المُكاتَبَ وأُمَّ الوَلَدِ؛

..................................  لأنَّه لا يجوزُ نَقْلُ المِلْكِ فيهما، فهما كالحُرِّ.
ولَنا، أنَّهما يُضْمَنانِ بالقِيمَةِ فمَلَكُوهما، كالقِنِّ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يمْلِكُوا أُمَّ الوَلَدِ؛ لأنَّها لا يجوزُ نَقْلُ المِلْكِ فيها، ولا يثْبُتُ فيها لغيرِ سَيِّدِها.
وفائِدَةُ الخِلافِ، أنَّ مَن قال بثُبُوتِ المِلْكِ فيهما، قال: متى قُسِمَا أو اشْتَراهما إنْسانٌ، لم يكنْ لِسَيِّدِهما أخْذُهما إلَّا بالثَّمَنِ.
قال الزُّهْرِىُّ، في أُمِّ الوَلَدِ: يأْخُذُها سَيِّدُها بقِيمَةِ عَدْلٍ.
وقال مالكٌ: يَفْدِيها الإِمامُ، فإن لم يَفْعَلْ، يأْخُذُها سَيِّدُها بقِيمَةِ عَدْلٍ، ولا يَدَعُها يَسْتَحِلُّ فَرْجَها مَن لا تَحِلُّ له.
ومَن قال: لا يثْبُتُ المِلْكُ فيهما.
رُدَّا إلى ما كانا عليه على كلِّ حالٍ، كالحُرِّ.
وإنِ إشْتَراهُما إنْسانٌ، فالحُكْمُ فيهما كالحُكْمِ في الحُرِّ إذا اشْتَراه، على ما نذْكُرُه إن شاءَ اللَّهُ تعالى.

..................................  فصل: وإذا أبَقَ عَبْدُ المسلمِ إلى دارِ الحَرْبِ فأخَذُوه، ملَكُوه، كالدَّابَّةِ.
وهو قولُ مالكٍ، وأبى يُوسُفَ، ومحمدٍ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَمْلِكُونَه.
وعن أحمدَ مثلُ ذلك؛ لأنَّه إذا صار في دارِ الحَرْبِ، زالَتْ يَدُ مَوْلاه عنه، وصار في يَدِ نَفْسِه، فلم يُمْلَكْ، كالحُرِّ.
ولَنا، أنَّه مالٌ لو أخَذُوه مِن دارِ الإسلامِ مَلَكُوه، فإذا أخَذُوه مِن دارِ الحَرْبِ مَلَكُوه، كالبَهِيمَةِ.

وَمَا أُخِذَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ مِنْ رِكَازٍ، أَوْ مُبَاحٍ لَهُ قِيمَةٌ، فَهُوَ غَنِيمَةٌ.

1440 - مسألة: (وما أُخِذَ 1 مِن دارِ الحَرْبِ؛ مِن رِكازٍ، أو مُباحٍ له قِيمَةٌ، فهو غَنِيمَةٌ) أمَّا الرِّكازُ إذا وَجَدَه في مَوْضِعٍ يَقْدِرُ عليه بنَفْسِه، فهو له، كما لو وَجَدَه في دارِ الإِسلامِ، فيه الخُمْسُ وباقِيه له، وإن لم يَقْدِرْ عليه إلَّا بجَماعَةٍ مِن المسلمين، فهو غَنِيمَةٌ. ونحوُ هذا قولُ مالكٍ، والأوْزاعِىِّ، واللَّيْثِ. وقال الشافعىُّ: إن وَجَدَه في مَواتِهِم، فهو كما لو وَجَدَه في دارِ الإسلامِ. ولَنا، ما روَى عاصِمُ بنُ كُلَيْبٍ، عن أبى [الجُوَيْرِيَةِ الجَرْمِىِّ] 2، قال: لَقِيتُ بأرْضِ الرُّومِ جَرَّةً فيها ذَهَبٌ، في إمْرَةِ مُعاوِيَةَ، وعلينا مَعْنُ بنُ يَزيدَ السُّلَمِىُّ، فأتَيْتُه بها، فقَسَمَها بينَ المسلمين، وأعْطانِى مثلَ ما أعْطَى رَجُلًا منهم، ثم قال: لولا أنِّى سَمِعْت رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «لَا نَفَلَ إلَّا بَعْدَ الخُمْسِ». لأعْطَيْتُك. ثم أخَذَ

..................................  يَعْرِضُ علىَّ مِن نَصِيبِه، فأبَيْتُ.
أخْرَجَه أبو داودَ 1. ولأنَّه مالٌ مُشْتَرَكٌ مَظْهُورٌ عليه بقُوَّةِ جَيْشِ المسلمين، فكان غَنِيمَةً، كأمْوالِهم الظّاهِرَةِ.
فصل: ومَن وَجَدَ في دارِهم لُقَطَةً، فإن كانتْ مِن مَتاعِ المسلمين، فهو كما لو 2 وَجَدَه في غيرِ دارِ الحَرْبِ، وإن كانتْ مِن مَتاعِ المُشْرِكِين، فهى غَنِيمَةٌ، وإنِ احْتَمَلَ الأَمْرَيْن، عَرَّفَها حَوْلًا، ثم جَعَلها في الغَنِيمَةِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ويُعَرِّفُها في بَلَدِ المسلمين؛ لأنها تَحْتَمِلُ الأَمْرَيْن، فغُلِّبَ فيها حُكْمُ مالِ المسلمين في التَّعْرِيفِ، وحُكْمُ مالِ أهْلِ الحَرْبِ في كَوْنِها غَنِيمَةً احْتِياطًا.
فصل: وأمّا غيرُ الرِّكازِ مِن المُباحِ، فما كان له قِيمَةٌ في دارِ الحَرْبِ، كالصُّيُودِ والحِجارَةِ والخَشَبِ، فالمسلمون شُرَكاؤُه فيه.
وبه قال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ.
وقال الشافعىُّ: يَنْفَرِدُ آخِذُه بمِلْكِه؛ لأنَّه لو أخَذَه مِن دارِ الإِسلامِ مَلَكَه، فكذلك إذا أخَذَه مِن دارِ الحَرْبِ، كالشئِ التّافِهِ.
وهذا قَوْلُ مَكْحُولٍ، والأوْزاعِىِّ.
ونُقِلَ ذلك عن القاسمِ،

..................................  وسالِمٍ.
ولَنا، أنَّه مالٌ ذو قِيمَةٍ، مأْخُوذٌ مِن أرضِ 1 الحَرْبِ بقُوَّةِ المسلمين، فكان غَنِيمَةً، كالمَطْعُوماتِ، وفارَقَ ما أخَذَه مِن دارِ الإِسلامِ؛ لأنَّه لا يَحْتاجُ إلى الجَيْش في أخْذِه.
فإنِ احْتاجَ إلى أكْلِه والانْتِفاعِ به، فله أكْلُه، ولا يَرُدُّه؛ لأَنَّه لو وَجَدَ طَعامًا ممْلُوكًا للكافِرِ، كان له أكْلُه إذا احْتاجَ إليه، فما أخَذَه مِن الصُّيُودِ والمُباحاتِ فهو أوْلَى.
فصل: فإن أخَذَ ما لا قِيمَةَ له في أرْضِهم، كالمِسَنِّ، والأقْلامِ، والأدْوِيَةِ، فله أخْذُه، وهو أحَقُّ به، وإن صارَتْ له قِيمَةٌ بمُعالجَتِه أو نَقْلِه.
نَصَّ أحمدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ، على نحوِ هذا.
وبه قال مَكْحُولٌ، والأوْزَاعِىُّ، والشافعىُّ.
وقال الثَّوْرِىُّ: إذا جاء به إلى دَارِ الإِسْلامِ رَدَّه في المَقْسِمِ، وإن عالجَه فصارَ له ثَمَنٌ، أُعْطِىَ بقَدْرِ عَمَلِه فيه، وبَقِيَّتُه في المَقْسِمِ.
ولَنا، أنَّ القِيمَةَ إنّما صارَتْ له بعَمَلِه أو بنَقْلِه، فلم يَكُنْ غَنِيمَةً، كما لو لم تَصِرْ له قِيمَةٌ.
فصل: وإن تَرَك صاحبُ المَقْسِمِ شيئًا مِن الغَنِيمَةِ، عَجْزًا عن حَمْلِه، فقال: مَن أخَذَ شيئًا فهو له.
فمَن أخَذَ شيئًا مَلَكَه.
نَصَّ عليه

وَتُمْلَكُ الْغَنِيمَةُ بِالاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا في دَارِ الْحَرْبِ.
أحمدُ.
وسُئِلَ عن قومٍ غَنِمُوا غَنائِمَ كثيرةً، فَبَقِىَ خُرْثِىُّ المَتاعِ، ممّا لا يُباعُ ولا يُشْتَرَى، فيدَعُه الوالِى بمَنْزِلَةِ الفَخّارِ وما أشْبَهَ ذلك، أيَأْخُذُه الإِنْسانُ لنَفْسِه؟ قال: نعم، إذا تُرِكَ ولم يُشْتَرَ.
ونحوُ هذا قولُ مالكٍ.
ونَقَل عنه [أبو طالبٍ] (1)، في المتاعِ لا يَقْدِرُون على جَمْلِه: إذا حَمَلَه رَجُلٌ يُقْسَمُ.
وهذا قولُ إبراهيمَ.
قال الخلالُ: روَى أبو طالبٍ هذه في ثلاثِةِ مَواضِعَ؛ في مَوْضِعٍ منها وافَقَ أصحابَه، وفى موضِعٍ خالَفَهم.
قال: ولا أشُكُّ أنَّ أبا عبدِ اللَّهِ قال هذا أوَّلًا، ثم تَبَيَّنَ له بعدَ ذلك أنّ للإِمامِ أن يُبيحَه وأن يُحَرِّمَه، وأنّ لهم أن يَأْخُذُوه إذا تَرَكَه الإِمامُ إذا لم يَجِدْ مَن يَحْمِلُه؛ لأنَّه إذا لم يَجِدْ مَن يَحْمِلُه، ولم يَقْدِرْ على حَمْلِه، بمَنْزِلَةِ ما لا قِيمَةَ له، فصار كالذى ذَكَرْناه في الفَصْلِ قبلَ هذا.

1441 -

مسألة: (وتُمْلَكُ الغَنِيمَةُ بالاسْتِيلاءِ عليها في دارِ

1

وَيَجُوزُ قَسْمُهَا فِيهَا.
الحَرْبِ، ويَجُوزُ قَسْمُها فيها) والدَّليلُ على ثُبُوتِ المِلْكِ عليها في دارِ الحَرْبِ ثلاثةُ أُمُورٍ؛ أحَدُها، أنَّ سَبَبَ المِلْكِ الاسْتِيلاءُ التّامُّ، وقد وُجِدَ، فإنَّ أيْدِيَنا قد ثَبَتَتْ عليها حَقِيقَةً، وقَهَرْناهُم ونَفَيْناهم عنها، والاسْتِيلاءُ يَدُلُّ على حاجَةِ المُسْتَوْلِى، فيَثْبُتُ به المِلْكُ، كما في المُباحاتِ.
الثانى، أنَّ مِلْكَ الكُفّارِ قد زالَ عنها، بدليلِ أنَّه لا ينْفُذُ عِتْقُهم في العَبيدِ الذين حَصَلُوا في الغَنِيمَةِ، ولا ينْفُذُ تَصَرُّفُهم فيها، ولا يَزُولُ مِلْكُهمَ إلى غيرِ مالِكٍ، إذْ ليست في هذه الحالِ مُباحةً، عُلِمَ أنَّ مِلْكَهم زالَ إلى الغانِمِين.
الثالثُ، أنَّه لو أسْلَمَ عبدُ الحَرْبِىِّ ولَحِقَ بجَيْشِ المسلمين، صار حُرًّا، وهذا يَدُلُّ على زَوالِ مِلْكِ الكافِرِ، وثُبُوتِ المِلْكِ لمَن قَهَرَه.
فصل: وإذا ثَبَت المِلْكُ فيها، جازَتْ قِسْمَتُها.
وبهذا قال مالكٌ،

..................................  والأوْزَاعِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أصحابُ الرَّأْى: لا يُقْسَمُ إلَّا في دارِ الإِسْلامِ؛ لأنَّ المِلْكَ لا يَتِمُّ عليها إلَّا بالاسْتِيلاءِ التَّامِّ، ولا يحْصُلُ إلَّا بإحْرازِها في دارِ الإِسْلامِ.
فإن قُسِمَتْ أساءَ قاسِمُها، وجازَتْ قِسْمَتُه؛ لأنَّها مَسْألةٌ مُجْتَهَدٌ فيها، فإذا حَكَم فيها الإِمامُ بما يُوافِقُ قولَ بعضِ المُجْتَهِدِين، نَفَذ حُكْمُه.
ولَنا، ما روَى أبو إسْحاقَ الفَزارِىُّ، قال: قلتُ للأوْزَاعِىِّ: هل قَسَم رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- شيئًا مِن الغنائِمِ بالمدينةِ؟ قال: لا أعْلَمُه، إنَّما كان الناسُ يبْتَغُون غَنائِمَهم، ويقْسِمُونَها في أرْضِ عَدُوِّهم، ولم يَقْفِلْ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن غَزاةٍ قَطُّ أصابَ فيها غَنِيمَةً إلَّا خَمَّسَه وقَسَمَه مِن قبلِ أن يَقْفِلَ؛ مِن ذلك غَزْوَةُ بنى المُصْطَلِقِ، وهوازِنَ، وخَيْبَرَ.
ولأنَّ كلَّ دارٍ صَحَّتِ القِسْمَةُ فيها، جازَتْ، كدارِ الإِسْلامِ، ولأنَّ المِلْكَ ثَبَت فيها بالقَهْرِ بما ذَكَرْنا مِن الأدِلَّةِ، فصَحَّتْ قِسْمَتُها، كما لو أُحْرِزَتْ بدارِ الإِسْلامِ.
وبهذا يحْصُلُ الجوابُ عمّا ذَكَرُوه.

وَهِىَ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ مِنْ أهْلِ الْقِتَالِ، قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ، مِنْ تُجَّارِ الْعَسْكَرِ وَأُجَرَائِهِمُ، الَّذِينَ يَسْتَعِدُّونَ لِلْقِتَالِ.

1442 - مسألة: (وهى لِمن شَهِدَ الوَقْعَةَ مِن أهْلِ القِتالِ، قاتَلَ أو لم يُقاتِلْ، مِن تُجّارِ العَسْكَرِ وأُجَرائِهم، الذين يَسْتَعِدُّون لِلقِتالِ)

قولُه: «وأُجَرائِهم».
يعنى أُجراءَ التُّجّارِ، وإنَّما كانتِ الغَنِيمَةُ لمَن شَهِدَ الوَقْعَةَ وإن لم يُقاتِلْ؛ لِما رُوِى عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: الغَنِيمَةُ لمَن شَهِدَ الوَقْعَةَ 1. ولأنَّ غيرَ المُقاتِلِ رِدْءٌ له مُعِين، فشَارَكَه، كَرِدْءِ المُحارِبِ.

..................................  فصل: والتّاجِرُ، والصّانِعُ؛ كالخيّاطِ والخَبّازِ والبَيطارِ ونحوِهم، يُسْهَمُ لهم إذا حَضَرُوا.
نَصَّ عليه أحمدُ.
قال أصحابُنا: قاتَلُوا أو لم يُقاتِلُوا.
وبه قال في التّاجِرِ، الحَسَنُ، وابنُ سِيرِينَ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، والشافعىُّ.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يُسْهَمُ لهم، إلَّا أن يُقاتِلُوا.
وعن الشافعىِّ: لا يُسْهَمُ لهم بحالٍ.
قال القاضى، في التّاجِرِ والأجِيرِ إذا كانا مع المُجاهِدِين، وقَصْدُهما الجِهادُ، وإنَّما معه المَتاعُ إن طُلِبَ منه باعه، والأجيرُ قَصْدُه الجِهادُ أيضًا: فهذان يُسْهَمُ لهما؛ لأنَّهما غازِيان.
والصُّنّاعُ بمنْزِلَةِ التُّجّارِ، متى كانوا مُسْتَعِدين للقِتالِ ومعهم السِّلاحُ فمتى عَرَضَ اشْتَغَلُوا به، أُسْهِمَ لهم؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ عُمَرَ، ولأنَّهم في الجهادِ بمَنْزِلَةِ غيرِهم، وإنَّما يشْتَغِلُونَ بغيره عندَ فَراغِهم منه، وإن لم يكُونُوا مُسْتَعِدِّين للقِتالِ، لم يُسْهَمْ لهم؛ لأنَّهم لا نَفْعَ في حُضُورِهم، أشْبَهُوا المُخَذِّلَ.

فَأمَّا الْمَرِيضُ الْعَاجِزُ عَنِ الْقِتَالِ، وَالْمُخَذِّلُ، وَالْمُرْجِفُ، وَالْفَرَسُ الضَّعِيف العَجِيفُ، فَلَا حَقَّ لَهُ.

1443 - مسألة: (فأمَّا المَرِيضُ العاجِزُ عن القِتَالِ، والمُخَذِّلُ، والمُرْجِفُ، والفَرَسُ الضَّعِيفُ العَجِيفُ، فلا حَقَّ له)

أمَّا المرِيضُ الذى لا يتَمَكَّنُ مِن القِتالِ، فإن خَرَج بمَرَضِه عن أهْلِيَّةِ الجِهادِ؛ كالزَّمِنِ والأشَلِّ والمَفْلُوجِ، فلا سَهْمَ له؛ لأنَّه لم يَبْقَ مِن أهْلِ الجِهادِ، وإن لم يَخْرُجْ بمَرَضِه عن ذلك، كالمَحْمُومِ، ومَن به الصُّداعُ، فإنَّه يُسْهَمُ له، ويُعِينُ بِرأْيِه وتَكْثِيرِه ودُعائِه.
وكذلك المُخَذِّلُ والمُرْجِفُ، ومَن في مَعْناه ممَّن يَدُلُّ على عَوْراتِ المُسْلِمِين، ويُؤْوِى جَواسِيسَ الكُفّارِ، ويُوقِعُ بينَهم العَداوَةَ، لا يُسْهَمُ له وإن قاتَلَ؛ لأنَّ ضَرَرَه أكْثَرُ مِن نَفْعِه.
وكذلك لا يُسْهَمُ لفَرَسٍ يَنْبَغِى للإمامِ مَنْعُه، كالحَطِمِ والصَّدِعِ والأعْجَفِ، وإن شَهِدَ عليه الوَقْعَةَ.
وبهذا قال مالكٌ.
وقال الشافعىُّ:

وَإذَا لَحِقَ مَدَدٌ، أو هَرَبَ أَسِيرٌ، فَأَدْرَكُوا الْحَرْبَ قَبْلَ تَقَضِّيهَا، أُسْهِمَ لَهُمْ، وَإنْ جَاءُوا بَعْدَ إِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ، فَلَا شَىْءَ لَهُمْ.
يُسْهَمُ له كما يُسْهَمُ للمريضِ.
ولَنا، أنَّه لا يُنْتَفَعُ به، فلم يُسْهَمْ له، كالمُخَذِّلِ والمُرْجِفِ، ولأنّه حَيَوانٌ يتَعَيَّنُ مَنْعُه مِن الدُّخُولِ، فلم يُسْهَمْ له، كالمُرْجِفِ.
وأمَّا المَرِيضُ، فإنَّه يُعِينُ برَأْيِه، وتَكْثِيرِه، ودُعائِه، بخِلافِ الفَرَسِ.

1444 -

مسألة: (وإذا لَحِقَ مَدَدٌ، أو هَرَب أسِيرٌ، فَأدْرَكُوا الحَرْبَ قبلَ تقَضِّيها، أُسْهِمَ لهم. وإن جاءُوا بعدَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ، فلا شَئَ لهم)

وجملةُ ذلك أنَّ الغَنِيمَةَ إنَّما هى لمَن شَهِدَ الوَقْعَةَ؛ لِما ذَكَرْنا مِن قولِ

..................................  عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه؛ لأنَّهم إذا قَدِمُوا قبلَ انْقِضاءِ الحَرْبِ، فقد شارَكُوا الغانِمِين في السَّبَبِ، فشارَكُوهم في الاسْتِحْقاقِ، كما لو قَدِمُوا قبلَ الحَرْب، فمَن تجَدَّدَ بعدَ ذلك مِن مَدَدٍ يَلْحَقُ بالمسلمين، أو أسِيرٍ يَنْفَلِتُ مِن الكُفَّارِ فيَلْحَقُ بجيشِ المسلمين، أو كافِرٍ يُسْلِمُ، فلا حَقَّ له فيها.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ، في المَدَدِ يَلْحَقُهم قبلَ القِسْمَةِ أو إحْرازِها بدارِ الإسلامِ: شارَكَهم؛ لأنَّ مِلْكَها لا يَتِمُّ إلَّا بتَمامِ الاسْتِيلاءِ، وهو الإِحْرازُ إلى دارِ الإِسْلامِ، أو قَسْمُها، فمَن جاءَ قبلَ ذلك، فقد أدْرَكَها قبلَ مِلْكِها، فاسْتَحَقَّ منها، كما لو جاءَ في أثْناءِ الحَرْبِ.
وإن ماتَ أحَدٌ مِن العَسْكَرِ قبلَ ذلك، فلا شئَ له؛ لِما ذَكَرْنا.
وقد روَى الشَّعْبِىُّ، أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كَتَب إلى سعدٍ: أسْهِمْ لمَن أتاكَ قبلَ أن تَتَفَقَّأَ 1 قَتْلَى فارِسٍ 2. ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ أبانَ بنَ سعيدِ بنِ

..................................  العاصِ وأصحابَه، قَدِمُوا على رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بخَيْبَرَ بعدَ أن فَتَحَها، فقال أبانُ: اقْسِمْ لَنا يا رسولَ اللَّهِ.
فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «اجْلِسْ يَا أبَانُ».
ولم يَقْسِمْ له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
رَواه أبو داودَ 1. وعن طارِقِ بنِ شِهابٍ، أنَّ أهْلَ البَصْرَةِ غَزَوْا نَهاوَنْدَ، فأمَدَّهم أهْلُ الكُوفَةِ، فكُتِبَ في ذلك إلى عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فكَتَبَ عُمَرُ: إنَّ الغَنِيمَةَ لمَن شَهِدَ الوَقْعَةَ.
رَواه سعيدٌ، في «سُنَنِه» 2. ورُوِىَ نحوُه عن عثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، في غَزْوَةِ أرْمِينِيةَ 3، ولأنَّه مَدَدٌ لَحِقَ بعدُ تَقَضِّى الحَرْبِ، أشْبَهَ ما لو جاءَ بعدَ القِسْمَةِ، أو بعدَ إحْرازِها بدارِ الإِسْلامِ.
وقولُهم: إنَّ مِلْكَها بإحْرازِها إلى دارِ الإِسْلامِ.
مَمْنُوعٌ، بل هو بالاسْتِيلاءِ، وقد اسْتَوْلَى عليها الجَيْشُ قبلَ المَددِ، وحدِيثُ الشَّعْبِىِّ مُرْسَلٌ، يَرْوِيه مُجالِدٌ، وقد

..................................  تُكُلِّمَ فيه، ثم هم لا يَعْمَلُون به، ولا نحن، فقد حَصَل الإِجماعُ على خِلافِه، فكيفَ يُحْتَجُّ به؟.
فصل: وحُكْمُ الأسِيرِ يهْرُبُ إلى المسلمين حُكْمُ المَدَدِ، سواءٌ قاتَلَ أو لم يُقاتِلْ، في أنَّه يَسْتَحِقُّ مِن الغَنيمَةِ إذا هَرَب قبلَ تَقَضِّى الحَرْبِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُسْهَمُ له إلَّا أن يُقاتِلَ؛ لأنَّه لم يَأْتِ للقِتالِ، بخِلافِ المَدَدِ.
ولَنا، أنَّ مَن اسْتَحَقَّ إذا قاتَلَ، اسْتَحَقَّ وإن لم يُقاتِلْ، كالمَدَدِ، وسائِرِ مَن حَضَر الوَقْعَةَ.
فصل: فإن لَحِقَهُم المَدَدُ بعدَ تَقَضِّى الحربِ، وقبلَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ، أو جاءَهم الأسِيرُ، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّه يُشارِكُهم؛ لأنَّه جاءَ قبلَ إحْرازِها.
وقال القاضى: تُمْلَكُ الغَنِيمَةُ بانْقِضاءِ الحَرْبِ قبلَ حِيازَتِها.
فعلى هذا، لا يُسْهَمُ لهم.
وإن حازُوا الغَنِيمَةَ، ثم جاءَهم قَوْمٌ مِن الكُفّارِ يقاتِلُونَهم، فأدْرَكَهم المَدَدُ، فقاتَلُوا معهم، فقد قال أحمدُ: إذا غَنِمَ المسلمون غَنِيمَةً، فلَحِقَهُم العَدُوُّ، وجاءَ المُسْلِمِين مَدَدٌ، فقاتَلُوا العَدُوَّ معهم حتى سَلَّمُوا الغَنِيمَةَ، فلا شئَ لهم في الغَنِيمَةِ؛ لأنَّهم إنَّما قاتَلُوا عن أصحابِهم دُونَ الغَنِيمَةِ؛ لأنَّ الغَنِيمَةَ قد صارَتْ في أيْدِيهم وحَوَوْها.

..................................  قيلَ له: فإنَّ أهلَ المَصِّيصَةِ 1 غَنِمُوا ثم اسْتَنْقَذَه منهم العَدُوُّ، فجاءَ أهْلُ طَرَسُوسَ 2، فقاتَلُوا معهم حتى اسْتَنْقَذُوه؟ فقال: أحَبُّ إلىَّ أن يَصْطَلِحُوا.
أمَّا في الصُّورَةِ الأُولَى، فإن الأوَّلِينَ قد أحْرَزُوا الغَنِيمَةَ ومَلَكُوها بحِيازَتها، فكانتْ لهم دُونَ مَن قاتَلَ معهم، وأمَّا في الصُّورَةِ الثَّانيةِ، فإنَّما حَصَلَتِ الغَنِيمَةُ بقِتالِ الذين اسْتَنْقَذُوها في المرَّةِ الثَّانيةِ، فيَنْبَغِى أن يشْتَرِكُوا فيها؛ لأنَّ الإِحْرازَ الأوَّلَ قد زالَ بأخْذِ الكُفّارِ لها.
ويحْتَمِلُ أنَّ الأوَّلِينَ قد مَلَكُوها بالحيازَةِ الأُولَى، ولم يَزُلْ مِلْكُهم بأخْذِ الكُفّارِ لها منهم، فلهذا أحَبَّ أحمدُ أن يصْطَلِحُوا على هذا.
فصل: ومَن بَعَثَه الأمِيرُ لمَصْلَحَةِ الجَيْشِ، مثلَ الرسولِ والدَّلِيل والجَاسُوسِ وأشْباهِهم، فإنَّه يُسْهَمُ له وإن لم يَحْضُرْه؛ لأنَّه في مَصْلَحَةِ الجَيْشِ، أشْبَهَ السَّرِيَّةَ، ولأنَّه إذا أُسْهِمَ للمُتَخَلِّفِ عن الجيشِ، فهؤلاء أوْلَى.
وبهذا قال أبو بكرِ بنُ أبى مَرْيَمَ، وراشِدُ بنُ سَعْدٍ 3، وعَطِيَّةُ بنُ قَيْسٍ 4، قالوا: وقد تخَلَّفَ عثمانُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، يومَ بَدْرٍ، فَأجْرَى

..................................  له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَهْمًا مِن الغَنِيمَةِ.
ويُرْوَى عن [ابنِ عُمَرَ] 1، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قام، يَعْنِى يومَ بدرٍ، فقال: «إنَّ عُثْمَانَ انْطَلَقَ في حَاجَةِ اللَّهِ وحَاجَةِ رَسُولِه، وإنِّى أُبَايعُ لَهُ».
فضَرَبَ له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بسَهْمِه، ولم يَضْرِبْ لأحَدٍ غابَ غيرِه.
رَواه أبو داودَ 2. وعن ابنِ عُمَرَ، قال: إنَّما تَغَيَّبَ عُثْمانُ عن بَدْرٍ؛ لأنَّه كانت تحتَهْ ابنةُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكانتْ مَرِيضَةً، فقال له النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ لَكَ أجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وسَهْمَهُ».
رَواه البخارىُّ 3. فصل: وسُئِلَ أحمدُ عن قَوْمٍ خَلَّفَهم الأمِيرُ في بلادِ العَدُوِّ، وغَزَا وغَنِمَ ولم يَمُرَّ بهم، فرَجَعُوا، هل يُسْهَمُ لهم؟ قال: نعم، يُسْهَمُ لهم؛ لأنَّ الأمِيرَ خَلَّفَهم.
قيل له: وإن نادَى الأميرُ: مَن كان صَبِيًّا فلْيَتَخَلَّفْ.
فتَخَلَّفَ قومٌ فصارُوا إلى لُؤْلُؤَةٍ، وفَيها المسلمون، فأقامُوا حتى فَصَلُوا.
فقال: إذا كانُوا قد الْتجَئُوا إلى مَأْمَنٍ لهم، لم يُسْهَمُ لهم، ولو تَخَلَّفُوا

وَإذَا أَرَادَ الْقِسْمَةَ، بَدَأ بِالْأَسْلَابِ فَدَفَعَهَا إِلَى أَهلِهَا، ثُمَّ أَخْرَجَ أُجْرَةَ الَّذِينَ جَمَعُوا الْغَنِيمَةَ، وَحَمَلُوهَا، وَحَفِظُوهَا.
ثُمَّ يُخَمِّسُ الْبَاقِىَ، فَيَقْسِمُ خُمْسَهُ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ؛ سَهْمٌ لِلَّهِ  وأقامُوا في مَوْضِعِ خَوْفٍ، أسْهَمَ لهم.
وقال في قوم خَلَّفَهم الأمِيرُ، وأغارَ في جَلْدِ الخيْلِ، فقالَ: إن أقامُوا في بلدِ العَدُوِّ حتى رَجَع، أسْهَمَ لهم، وإن رجَعُوا حتى صارُوا إلى مَأْمَنِهم، فلا شئَ لهم.
قيل له: فإنِ اعْتَلَّ رجلٌ، أو اعْتَلَّتْ دابَّتُه وقد أدْرَبَ (1)، فقال له الأمِيرُ: أقِمْ أُسْهِمْ لك، أو انْصَرِفْ إلى أهْلِك أُسْهِمْ لك.
فكَرِهَه.
وقال: هذا يَنْصَرِفُ إلى أهْلِه، فكيفَ يُسْهِمُ له!

1445 -

مسألة: (وإذا أرادَ القِسْمَةَ، بَدَأ بالأسْلابِ فدَفَعَها إلى أهْلِها)

وإن كان فيها مالٌ لمُسْلِم أو لذِمِّىٍّ دُفِع إليه؛ لأنَّ صاحِبَه مُتَعَيِّنٌ، ولأنَّه اسْتَحَقَّه بسَبَبٍ سابِقٍ، ثم بمُؤْنَةِ الغَنِيمَةِ؛ مِن أُجْرَةِ النَّقّالِ والجَمّالِ والحافِظِ والمُخَزِّنِ والحايسبِ؛ لأنَّه لمَصْلَحَةِ الغَنِيمَةِ، ثم بالرَّضْخِ في أحَدِ الوَجْهَيْن؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ بالمُعاونَةِ في تحْصِيلِ الغَنِيمَةِ، أشْبَهَ أُجْرَةَ النَّقّالِينَ والحافِظينَ.
وفى الآخَرِ، يَبْدَأُ بالخُمْسِ قبلَه؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ بحُضُورِ الوَقْعَةِ، فأشْبَهَ سِهامَ الغانِمِين.
وهذا أقْيَسُ.
وللشافعىِّ فيه (2) قَوْلان، كالرِّوايَتَيْن.
1446 -

مسألة: (ثم يُخَمِّسُ الباقىَ، فيَقْسِمُ خمْسَه على خَمْسَةِ

12

تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، يُصْرَفُ مَصْرِفَ الْفَىْءِ، وَسَهْمٌ لِذَوِى الْقُرْبَى؛ وَهُمْ بَنُو هَاشمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ حَيْث كَانُوا، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، غَنِيُّهُمْ وَفقِيرُهُمْ فِيهِ سَواءٌ، وَسَهْمٌ لِلْيَتَامَى الْفُقَرَاءِ، وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِينِ، وَسَهْمٌ لأَبْنَاءِ السَّبِيلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
أسْهُمٍ؛ سَهْمٌ للَّهِ تعالى ولرسولِه -صلى اللَّه عليه وسلم-، يُصْرَفُ مَصْرِفَ الفَىْءِ، وسَهْمٌ لِذَوِى القُرْبَى، وهم بَنُو هاشِمٍ وبنو المُطَّلِبِ حيث كانُوا، لِلذَّكرِ مثلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، غَنِيُّهم وفَقِيرُهم فيه سَواءٌ، وسَهْمٌ لليَتامَى الفُقَراءِ، وسَهْمٌ للمَساكِينِ، وسَهْمٌ لأبْناءِ السَّبِيلِ مِن المُسْلِمِين) لا خِلافَ بينَ أهْلِ العِلْمِ، في أنَّ الغَنِيمَةَ مخْمُوسَةٌ بقولِه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ 1 الآية.
لكن اخْتُلِفَ في أشْياءَ؛ منها سَلَبُ القاتِلِ، والأكْثَرون على أنَّه مَخْمُوسٌ.
ومنها إذا قال الإِمامُ: مَن جاءَ بعَشَرَةِ رُءُوسٍ فلَه رَأْسٌ، ومَن طَلَع الحِصْنَ فلَه كذا.
والظاهِرُ أنَّ هذا غيرُ مَخْمُوسٍ؛ لأنَّه في معنى السَّلَبِ، وقد ذَكَرْنا الاخْتِلافَ في السَّلَبِ.
ومنها إذا قال الإِمامُ: مَن أخَذَ شيئًا فهو له.
وقُلْنا بجَوازِ ذلك.
فقد قِيلَ: لا خُمْسَ فيه؛ لأنَّه في معنى ما قَبْلَه.
قال شيْخُنا 2: والصَّحِيحُ أنَّ

..................................  الخُمسَ لا يَسْقُطُ ههُنا، لدُخُولِه في عُمُومِ الآيةِ، وليس هو في معنى السَّلَبِ والنَّفَلِ، لأنَّ تَرْكَ تَخْمِيسِها لا يُسْقِطُ خُمْسَ الغَنِيمَةِ بالكُلِّيَّةِ، وهذا يُسْقِطُه بالكُلِّيَّةِ، فلا يكونُ تَخْصِيصًا للآيةِ بل نَسْخًا لحُكْمِها، ونَسْخُها بالقِياسِ غيرُ جائزٍ اتِّفاقًا.
ومنها، إن دَخَل قَوْمٌ لا مَنَعَةَ لهم دارَ الحَرْبِ، فغَنِمُوا بغيرِ إذْنِ الإِمامِ.
وقد ذَكَرْناه.
فصل: والخُمْسُ مَقْسُومٌ على خَمْسةِ أسْهُمٍ كما ذَكَرْنا ههُنا.
وبه قال عَطاءٌ، ومُجاهدٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وقتادَةُ، وابنُ جُرَيْجٍ، والشافعىُّ.
وقيل: يُقْسَمُ على سِتَّةِ أسْهُمٍ، سهْمٌ للَّهِ تعالى، وسهْمٌ لرسولِه؛ لظاهرِ قولِه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.
فعَدَّ سِتَّةً، وجَعَل اللَّه تعالى لنَفْسِه سَهْمًا سادِسًا، وهو مَرْدُودٌ على عِبادِ اللَّه أهْلِ الحاجَةِ.
وقال أبو العالِيَةِ: سَهْمُ اللَّهِ عَزَّ وجلَّ هو أنَّه إذا عَزَل الخُمْسَ ضَرَب بيَدِه فيه، فما قَبَض عليه مِن شئٍ جَعَلَه للكَعْبَةِ، فهو الذى سَمَّى اللَّه، لا تَجْعَلُوا للَّهِ نَصِيبًا، فإنَّ للَّهِ الدُّنْيا والآخرةَ، ثم يُقَسِّمُ بَقِيَّةَ السَّهْمِ الذى عَزَلَه على خَمْسَةِ أسْهُمٍ.
ورُوِىَ عن الحسَنِ، وقَتادَةَ، في سَهْمِ ذَوِى القُرْبَى: كانتْ طُعْمَةً لرَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حياتِه، فلما تُوُفِّىَ حَمَل عليه أبو بكرٍ وعُمَرُ في سبيلِ اللَّه 1. وروَى ابنُ عباسٍ،

..................................  أنَّ أبا بكرِ وعُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قَسَّما الخُمْسَ على ثلاثةِ أسْهُمٍ 1. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْى، قالوا: يُقَسَّمُ الخُمْسُ على ثلاثةٍ؛ اليَتامَى، والمساكِينِ، وابنِ السَّبيلِ.
وأسْقَطُوا سَهْمَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بمَوْتِه، وسَهْمَ قرابَتِه أيضًا.
وقال مالكٌ: الفَىْءُ والخُمْسُ واحِدٌ، يُجْعَلان في بَيْتِ المالِ.
قال ابنُ القاسمِ: وبَلَغَنى عَمَّن أثِقُ به، أنَّ مالِكًا قال: يُعْطِى الإِمامُ أقْرِباءَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- على ما يَرَى.
وقال الثَّوْرِىُّ: الخُمْسُ يَضَعُه الإِمامُ حيثُ أراه اللَّهُ.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.
وسَهْمُ اللَّهِ والرَّسولِ واحِدٌ.
كذا قال عطاءٌ، والشعبىُّ.
وقال الحسنُ بنُ محمدِ ابنِ الحَنَفِيَّةِ 2 وغيرُه: قولُه: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾.
افْتِتاحُ كلامٍ.
يَعْنِى أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تعالى لافْتِتاحِ الكلامِ باسْمِه، تَبَرُّكًا به، لا لإِفْرادِه بسَهْمٍ، فإنَّ للَّه تِعالى الدُّنْيا والآخِرَةَ.
وقد رُوِى عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، قالا: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُقَسِّمُ الخُمْسَ على = المصنف 5/ 238، 239. كلاهما عن الحسن.
والطبرى في تفسير سورة الأنفال، الآية رقم 41.
تفسير الطبرى 10/ 6، 7. عن الحسن وقتادة.

..................................  خَمْسَةٍ 1. وما ذَكَرَه أبو العاليَةِ فشَئٌ لا يَدُلُّ عليه رَأْىٌ ولا يَقْتَضِيه قِياسٌ، فلا يُصارُ إليه إلَّا بنَصٍّ صَحِيحٍ، ولا نَعْلَمُ في ذلك أثَرًا صحِيحًا، سِوَى قولِه، فلا يُتْرَكُ ظاهِرُ النَّصِّ وقولُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وفِعْلُه مِن أجْلِ قولِ أبى العالِيَةِ، وما قالَه أبو حنيفةَ، فمُخالِفٌ لظاهِرِ الآيةِ؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى سَمَّى لرَسُولِه وقَرابَتِه شيئًا، وجَعَل لهما في الخُمْسِ حَقًّا، كما سَمَّى للثَّلاثةِ الأصْنافِ الباقِيَةِ، فمَن خالفَ ذلك، فقد خالفَ نَصَّ الكتابِ.
وأمَّا حَمْلُ أبى بكرٍ وعُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، سَهْمَ ذِى القُرْبَى في سبيلِ اللَّهِ، فقد ذُكِرَ لأحمدَ، فسَكَتَ، ولم يذْهَبْ إليه، ورَأَى أنَّ قولَ ابنِ عباس ومَن وافَقَه أوْلَى؛ لمُوافَقَتِه كتابَ اللَّهِ وسُنَّةَ رسولِه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإنَّ ابنَ عباس لمّا سُئِلَ عن سَهْمِ ذِى القُرْبَى، فقال: إنَّا كُنَّا نَزْعُمُ أنَّه لنا، فأبَى ذلك علينا قَوْمُنا 2. ولَعَلَّه أرادَ بقولِه: أبَى ذلك علينا قوْمُنا.
فِعْلَ أبى بكرٍ وعُمَرَ، في حَمْلِهما عليه في سبيلِ اللَّهِ، ومَن تَبِعَهما على ذلك.
ومتى اخْتَلَفَ الصَّحابَةُ، وكان قولُ بعضِهم يُوافِقُ الكتابَ والسُّنَّةَ، كان أوْلَى.
وقولُ ابنِ عباس مُوافِقٌ للكتابِ والسُّنَّةِ؛ فإنَّ جُبَيْرَ بِنَ مُطْعِمٍ روَى أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَقْسِمْ لبَنى عبدِ شَمْسٍ ولا لِبَنِى نوْفَلٍ مِن

..................................  الخُمْسِ شيئًا كما كان يَقْسِمُ لِبَنِى هاشِمٍ وبَنِى المُطَّلِبِ، وأنَّ أبا بكرٍ كان يَقْسِمُ الخُمْسَ نحوَ قَسْمِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، غيرَ أنَّه لم يَكُنْ يُعْطِى قُرْبَى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كما كان يُعطِيهِم، وكان عُمَرُ يُعْطِيهم وعثمانُ مِن بَعْدِه.
رَواه أحمدُ، في «مُسْنَدِهِ» 1. وقد تُكُلِّمَ في رِوايَةِ ابنِ عباسٍ عن أبى بكرٍ وعُمَرَ، أنَّهما حَمَلا على سَهْمِ ذِى القُرْبَى في سبيلِ اللَّهِ، فقِيلَ: إنَّه يَرْوِيه محمدُ بنُ مَرْوانَ، وهو ضَعِيفٌ، عن الكَلْبِىِّ، وهو ضَعِيفٌ أيضًا، ولا يَصِحُّ عندَ أهلِ النَّقْلِ.
فإن قالوا: فالنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ليس بباقٍ، فكيف يَبْقَى سَهْمُه؟ قُلْنا: جِهَةُ صَرْفِه إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَصْلحَةُ المسلمين، والمصالِحُ باقِيَةٌ، قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَا يَحِلُّ لِى مِمَّا أفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَلَا مِثْلُ هذِهِ، إلَّا الخُمْسَ، وَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ».
رَواه سعيدٌ 2. فصل: فسَهْمُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصْرَفُ في مصالِحِ المُسْلِمِين؛ لِما روَى جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- تَناوَلَ بيَدِه وبَرَةً مِن بعيرٍ، ثم قال: «وَالَّذِى نفْسِى بِيَدِه مَا لِى مِمَّا أفَاءَ اللَّهُ إِلَّا الخُمْسَ، والخُمْسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ».
فجَعَلَه لجميعِ المسلمين، ولا يُمْكِنُ صَرْفُه إلى جَمِيعِهم

..................................  إلَّا بصَرْفِه في مصالِحِهم؛ مِن سَدِّ الثُّغُورِ، وكفايَةِ أهْلِها، وشِراء الكُراعِ والسِّلاحِ، ثم الأهَمِّ فالأهَمِّ، على ما نَذْكُرُه في الفَئِ إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
ونحوُه قولُ الشافعىِّ، فإنَّه قال: أخْتارُ أن يضَعَه الإِمامُ في كلِّ أمْرٍ خصَّ به الإِسْلامُ وأهلُه؛ مِن سَدِّ ثَغْرٍ، وإعدادِ كُراعٍ وسِلاحٍ، وإعْطائِه أهْلَ البلاءِ في الإِسْلامِ نَفَلًا عندَ الحربِ وغيرِ الحربِ.
وعن أحمدَ، أنَّ سَهْمَ الرَّسُولِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْتَصُّ بأهْلِ الدِّيوانِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- اسْتَحَقَّه بحُصُولِ النُّصْرَةِ، فيكُونُ لمَن يَقُومُ مَقامَه في النُّصْرَةِ.
وعنه، أنَّه يُصْرَفُ في الكُراعِ والسِّلاحِ؛ لأنَّ ذلك يُرْوَى عن أبى بكرٍ وعُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما.
وهذا السَّهْمُ كان لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن الغنيمَةِ، حَضَر أو لم يَحْضُرْ، كما أنَّ بَقِيَّةَ أصحابِ الخُمْسِ يَسْتَحِقُّون وإن لم يَحْضُروا.
وكان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَصْنَعُ به ما شاءَ، فلمّا تُوُفِّىَ وَلِيَه أبو بكرٍ، ولم يَسْقُطْ بمَوْتِه.
وقد قيلَ: إنَّما أضافَه اللَّهُ تعالى إلى نَفْسِه وإلى رَسُولِه؛ لِيُعْلَمَ أنَّ جِهَتَه جهةُ المَصْلَحَةِ، وأنَّه ليس بمُخْتَصٍّ بالنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فيَسْقُطَ بمَوْتِه.
وقد زَعَم قَوْم أنَّه سَقَط بمَوْتِه ويُرَدُّ على الأنْصِباءِ الباقِيَةِ مِن الخُمْسِ؛ لأنَّهم شُركاؤُه.
وقال آخَرُونَ: بل يُرَدُّ على الغانِمِينَ؛ لأنَّهم اسْتَحَلُّوها بقِتالِهم، وجَرَتْ 1 منها سِهامٌ، منها سَهْمُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ما دامَ حَيًّا، فلمّا مات وَجَب رَدُّه إلى مَن وُجِدَ فيه سَبَبُ الاسْتِحْقاقِ، كما أنَّ تَرِكَةَ المَيِّتِ إذا خرَج منها سَهْمٌ بوَصِيَّةٍ، ثم بَطَلَتِ الوَصِيَّةُ، رُدَّ إلى التَّرِكَةِ.
وقالتْ

..................................  طائفةٌ: هو للخَلِيفَةِ بعدَه؛ لأنَّ أبا بكر، رَضِىَ اللَّهُ عنه، روَى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «إِذَا أطْعَمَ اللَّه نَبِيًّا طُعْمَةً، ثُمَّ قَبَضَه، فَهِىَ لِلَّذِى يَقُومُ بِهَا مِنْ بَعْدِه».
وقد رأَيْتُ أنْ أرُدَّه على المسلمين 1. والصَّحِيحُ أنَّه باقٍ، وأنَّه يُصْرَفُ في مصالِحِ المُسْلِمِين، لكنَّ الإِمامَ يقُومُ مَقامَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في صَرْفِه فيما يَرَى، فإنَّ أبا بكر، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: لا أدَعُ أمْرًا رَأَيْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَصْنَعُه فيه إلَّا صَنَعْتُه.
مُتَّفَقٌ عليه 2. واتَّفَقَ هو وعُمَرُ والصحابةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، على وضْعِه في الخَيْلِ والعُدَّةِ في سبيلِ اللَّهِ.
هكذا رُوِىَ عن الحسنِ بنِ محمدِ ابنِ الحَنَفيَّةِ.
فصل: وكان لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن المَغْنَمِ الصَّفِىُّ، وهو شئٌ يخْتارُه مِن المَغْنَمِ قبلَ القِسْمَةِ، كالجارِيَةِ والعَبْدِ والثَّوْبِ والسَّيْفِ ونحوِه.
هذا قولُ محمدِ بنِ سِيرِينَ، والشعبىِّ، وقتادَةَ، وغيرِهم مِن أهْلِ العِلْمِ.
وقال أكْثَرُهم: إنَّ ذلك انْقَطَعَ بمَوْتِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
قال أحمدُ: الصَّفِىُّ إنَّما كان للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خاصًّا، لم يَبْقَ بعدَه.
ولا نَعْلَمُ مُخالِفًا لهذا إلَّا أبا ثَوْرٍ،

..................................  فإنَّه قال: إن كان الصَّفِىُّ ثابِتًا للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فللإِمامِ أن يَأْخُذَه على نَحْوِ ماكان يأْخُذُه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ويَجْعَلَه مجْعَلَ سَهْمِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن خُمْسِ الخُمْسِ.
فجَمَعَ بينَ الشَّكِّ فيه في حَياةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومُخالَفَةِ الإِجْماعِ في إبْقائِه بعدَ مَوْتِه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ أحدًا سَبَق أبا ثَوْرٍ إلى هذا القولِ.
وقد أنْكَرَ قَوْمٌ كَوْنَ الصَّفِىِّ لرسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، واحْتَجُّوا بحديثِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ.
وقد روَى أبو داودَ 1 بإسْنادِه 2 عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نحوَه.
ولأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ 3. فمَفْهُومُه أنَّ باقِيَها للغانِمِين.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كَتَب إلى بَنِى زُهَيْرِ بن أُقَيْشٍ 4: «إِنَّكُمْ إِنْ شَهِدْتُمْ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَآتيْتُمُ الزَّكَاةَ، وَأدَّيْتُمُ الخُمْسَ مِنَ المَغْنَمِ، وسَهْمَ الصَّفِىِّ، إِنَّكُمْ آمِنُونَ بأَمَانِ اللَّهِ ورَسُولِهِ».
رَواه أبو داودَ 5. وفى حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ القَيْسِ، الذى رَواه ابنُ عباسٍ: «وَأَنْ تُعْطُوا سَهْمَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- والصَّفِىِّ» 6. وقالت عائشةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنها: كانت صَفِيَّة مِن

..................................  الصَّفِىِّ.
رَواه أبو داودَ 1. وأمّا انْقِطاعُه بعدَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فثابِتٌ بإجْماعِ الأمَّةِ قبلَ أبى ثَوْرٍ وبعدَه، وكَوْنِ الخُلفاءِ الرّاشِدين ومَن بعدَهم لم يَأْخُذُوه، ولا يُجْمِعُون إلَّا على الحَقِّ.
فصل: والسَّهْمُ الثانى لذِى القُرْبَى، وهم بنُو هاشم وبنو المُطَّلِبِ حيثُ كانوا، غَنِيُّهم وفَقِيرُهم فيه سواءٌ، للذَّكَرِ مثلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن، وسَهْمُ ذَوِى القُرْبَى ثابِتٌ بعدَ مَوْتِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد ذَكَرْنا ذلك، والخلافَ فيه، وقد دَلَّ عليه ما روَى جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ، قال: وَضَع رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَهْمَ ذَوِى القُرْبَى في بَنِى هاشمٍ وبَنِى المُطَّلِبِ.
وذَكَرِ الحديثَ، وهو حديثٌ صحيحٌ، رَواه أبو داودَ 2، ولم يَأْتِ لذلك نسْخ ولا تَغْيِيرٌ، فوَجَبَ القولُ به، والعَمَلُ بحُكْمِه.
فصل: وهم بنُو هاشم وبنُو المُطَّلِبِ ابنا عبدِ مَنافٍ دُونَ غيرِهم؛ لِما روَى جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ، قال: لمّا قَسَم رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَهْمَ ذَوِى القُرْبَى مِن خَيْبَرَ 3 بينَ بنى هاشمٍ وبنى المُطَّلِبِ، أتَيْتُ أنا وعثمانُ بنُ عفّانَ، فقُلْنا: يا رسولَ اللَّهِ، أمّا بنُو هاشمٍ فلا نُنْكِرُ فضْلَهم، لمَكانِكَ

..................................  الذى وَضَعَكَ اللَّهُ به منهم، فما بالُ إخْوانِنا مِن بنى المُطَّلِبِ أعْطَيْتَهُم وتَرَكْتَنا، وإنَّما نحنُ وهم منك بمَنْزِلَةٍ واحدةٍ؟ فقال: «إِنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونِى في جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَإنَّما بَنُو هَاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ شَئٌ وَاحِدٌ».
وشَبَّكَ بينَ أصابِعِه.
رَواه أحمدُ، والبُخارىُّ 1. فراعَى لهم النبىُّ نُصْرَتَهم ومُوافَقَتَهم بَنِى هاشمٍ.
ولا يَسْتَحِقُّ مَن كانت أُمُّه منهم وأبُوه مِن غيرِهم؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَدْفَعْ إلى أقارِبِ أُمِّه، وهم بنو زُهْرَةَ، شيئًا، ولم يَدْفَعْ أيضًا إلى بنى عَمّاتِه، كالزُّبَيْرِ بنِ العَوّامِ وعبدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ ونحوِهم.
فصل: ويَسْتَوِى فيه الذَّكَرُ والأُنْثَى، لدُخُولِهم في اسْمِ القَرابَةِ.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ في قَسْمِه بينَهم.
فعن أحمدَ، أنَّه يُقْسَمُ للذَّكَرِ مثلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن.
هذا اخْتِيارُ الخِرَقِىِّ، ومَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه سَهْمٌ اسْتُحِقَّ بالقَرابَةِ مِن الأبِ شَرْعًا، ففُضِّلَ فيه الذَّكَرُ على الأُنْثَى، كالمِيراثِ.
ويفارِقُ الوَصِيَّةَ ووَلَدَ الأُمِّ؛ لأنَّ الوَصِيَّةَ اسْتُحِقَّتْ بقَوْلِ المُوصِى، ووَلَدُ الأُمِّ اسْتَحَقُّوا المِيراثَ بقَرابَةِ الأُمِّ.
وعنه، أنَّه يُساوَى بينَ الذَّكَرِ والأُنْثَى.
وهو قولُ أبى ثَوْرٍ، والمُزَنِىِّ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّهم

..................................  أُعْطُوا باسمِ القَرابَةِ، والذَّكَرُ والأُنْثَى فيها سواءٌ، فأشْبَهَ ما لو وَقَف على قَرابَةِ فُلانٍ، ألَا تَرَى أنَّ الجَدَّ يأْخُذُ مع الأبِ، وابنَ الابنَ 1 يأْخُذُ مع الابنِ.
وهذا يَدُلُّ على مُخالَفَةِ المَوارِيثِ، ولأنَّه سَهْمٌ مِن خُمْسِ الخُمْسِ لجماعةٍ، فاسْتَوى فيه الذَّكَرُ والأنْثَى، كسَهْمِ اليَتامَى، ويُسَوَّى بينَ الصَّغِيرِ والكبيرِ، على الرِّوايَتيْن؛ لاسْتِوائِهم في القَرابَةِ، وقِياسًا على المِيراثِ.
فصل: ويَسْتَوِى فيه غَنِيُّهم وفقِيرُهم.
وهذا قولُ الشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ.
وقيلَ: يختصُّ بالفَقِيرِ، كبَقِيَّةِ السِّهامِ.
ولَنا، عُمُومُ قوْلِه تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ 2. وهو عامٌّ، ولا يَجُوزُ تَخْصِيصُه بغيرِ دَلِيلٍ، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُعْطِى أقارِبَه كلَّهم، وفيهم الغَنِىُّ، كالعباسِ وغيرِه، ولم يُنْقَلْ عنه تَخْصِيصُ الفُقَراءِ منهم.
ولأنَّه مالٌ مُسْتَحَقٌّ بالقَرابَةِ فاسْتَوَى فيه الغَنِىُّ والفَقِيرُ، كالمِيراثِ، والوَصِيَّةِ للأقارِبِ، ولأنَّ عثمانَ وجُبَيْرًا طَلَبا حَقَّهما، وسألا عن عِلَّةِ المَنْعِ لهما ولأقارِبِهما،

..................................  وهما مُوسِرانِ، فعَلَّلَه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بنُصْرَةِ بنِى المُطَّلِبِ دُونَهم، وكَوْنِهم مع بَنى هاشمٍ كالشَّئِ الواحِدِ، ولو كان اليَسارُ مانِعًا والفَقْرُ شَرْطًا، لم يَطْلُبا مع عَدَمِه، ولعَلَّلَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَنْعَهما بيَسارِهما وانْتِفاءِ فَقْرِهما.
فصل: ويُفَرَّقُ فيهم حيث كانوا، ويَجِبُ تَعْمِيمُهم به حَسَبَ الإِمْكانِ.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
وقال قَوْمٌ: يَخْتَصُّ أهْلُ كلِّ ناحيةٍ بخُمْسِ مَغْزاها الذى ليس لهم مَغْزًى سِواه، فما يُوجَدُ مِن مَغْزَى الرُّومِ، لأهْلِ الشامِ والعِراقِ، وما يُوجَدُ مِن مَغْزَى التُّرْكِ، لمَن في خُراسانَ مِن ذَوِى القُرْبَى؛ لِما يَلْحَقُ مِن المَشَقَّةِ في نَقْلِه، ولأنَّه يَتَعَذَّرُ تَعْمِيمُهم، فلم يَجِبْ، كأصْنافِ الزَّكاةِ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه سَهْمٌ مُسْتَحَقٌّ بقَرابَةِ الأبِ، فوَجَبَ دَفْعُه إلى كلِّ المُسْتَحِقِّين، كالمِيراثِ.
فعلى هذا، يَبْعَثُ الإِمامُ إلى عُمّالِه في الأقالِيم، ويَنْظُرُكم حَصَل مِن ذلك، فإنِ اسْتَوَتْ فيه، فَرَّقَ كلَّ خُمْسٍ في مَن قارَبَه، وإنِ اخْتَلَفَتْ، أمَرَ بحَمْلِ الفَضْلِ لِيُدْفَعَ إلى مُسْتَحِقِّه، كالمِيراثِ.
وفارَقَ الصَّدَقَةَ، حيثُ لا تُنْقَلُ؛ لأنَّ كلَّ بَلَدٍ لا يَكادُ يَخْلُو مِن صَدَقَةٍ تُفَرَّقُ على فُقراءِ أهْلِه، والخُمْسُ يُوجَدُ في بعضِ الأقالِيمِ،

..................................  فلو لم يُنْقَلْ لأدَّى إلى إعْطاء البَعْضِ وحِرْمانِ البَعْضِ.
قال شيخُنا 1: والصَّحِيحُ، إن شاءَ اللَّهُ، أنَّه لا يَجِبُ التَّعْمِيمُ؛ لأنَّه يتَعَذَّرُ، فلم يَجِبْ، كتَعْمِيمِ المَساكِينِ.
وما ذُكِرَ مِن بَعْثِ الإِمامِ عُمّالَه، فهو مُتَعَذِّرٌ في زَمانِنا؛ لأنَّ الإِمامَ لم يَبْقَ له حُكْمٌ إلَّا في بعْضِ بلادِ الإِسْلامِ، ولم يَبْقَ له جِهَةٌ في الغَزْوِ، ولا له فيه أمْرٌ، ولأنَّ هذا سَهْمٌ مِن سِهامِ الخُمْسِ، فلم يَجِبْ تَعْمِيمُه، كسائِرِ سِهامِه.
فعلى هذا، يُفَرِّقُه كلُّ سُلْطانٍ فيما أمْكَنَ مِن بلادِه.

..................................  فصل: والسَّهْمُ الثالثُ لليَتامَى.
واليَتِيمُ: الذى لا أبَ له، ولم يَبْلُغِ الحُلُمَ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ» 1. قال بعضُ أصحابِنا: لا يَسْتَحِقُّون إلَّا مع الفَقْرِ.
وهو المشهورُ مِن مَذْهَبِ الشافعىِّ؛ لأنَّ ذا الأبِ لا يَسْتَحِقُّ، والمالُ أنْفَعُ مِن وُجُودِ الأبِ، ولأنَّه صُرِفَ إليهم لحاجَتِهم، فإنَّ اسْمَ اليَتِيمِ يُطْلَقُ عليهم في العُرْفِ للرَّحْمَةِ، ومَن كان إعْطاؤُه لذلك اعْتُبِرَتِ الحاجَةُ فيه 2، وفارَقَ ذَوِى القُرْبَى؛ فإنَّهم اسْتَحَقُّوا لقُرْبِهم مِن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- تَكْرِمَةً لهم، والغنىُّ والفَقِيرُ في القُرْبِ سَواءٌ، فاسْتَويَا في الاستِحْقاقِ.
قال شيخُنا 3: ولم أعْلَمْ هذا نَصًّا عن أحمدَ، والآيةُ تَقْتَضِى تَعْمِيمَهم.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعىِّ: له قولٌ آخرُ، أنَّه للغَنِىِّ والفقيرِ؛ لعُمُومِ النَّصِّ في كلِّ يَتِيمٍ، ولأنَّه لو خَصَّ به الفقيرَ، لكانَ داخِلًا في جُمْلَةِ المَساكِينِ الذين هم أصحابُ السَّهْمِ

..................................  الرّابعِ، وكان يُسْتَغْنَى عن ذِكْرِهم وتَسْمِيَتِهم.
قال أصحابُنا: ويُفَرِّقُه الإِمامُ في جميعِ الأقْطارِ، ولا يَخْتَصُّ به أهْلُ ذلك المَغْزَى.
والقولُ فيه كالقولِ في سَهْمِ ذِى القُرْبَى.
وقد تَقَدَّمَ القولُ فيه.
فصل: والسَّهْمُ الرابعُ للمَساكِينَ؛ للآيةِ، وهم أهْلُ الحاجَةِ، فيَدْخُلُ فيهم الفُقَراءُ، فالفُقَراءُ والمَساكِينُ صِنْفانِ في الزَّكاةِ، وصِنْفٌ واحدٌ ههُنا، وفى سائِرِ الأحْكامِ، وإنَّما يَقَعُ التَّمَيُّزُ بينَهما إذا جُمِعَ بينَهما بلَفْظَيْنِ، ولم يَرِدْ ذلك إلَّا في الزَّكاةِ، وقد ذَكَرْناهم في أصْنافِها.
قال أصحابُنا: ويُعَمُّ بها جميعُهم في جميعِ البلادِ، كقولِهم في سَهْمِ ذِى القُرْبَى واليَتامَى.
وقد تَقَدَّمَ القولُ في ذلك، ولأنَّ تَعْمِيمَهم يتَعَذَّرُ، فلم يَجِبْ، كما لا يَجِبُ تَعْمِيمُهم في الزَّكاةِ.
فصل: والسَّهْمُ الخامِسُ لأبناءِ السَّبِيلِ، وقد ذَكَرْناه في الزَّكاةِ.

ثُمَّ يُعْطِى النَّفَلَ بَعْدَ ذَلِكَ.
ويُعْطَى كلُّ واحدٍ منهم قَدْرَ ما يَصِلُ به إلى بَلَدِه، كما ذَكَرْنا في الزَّكاةِ.
فإنِ اجْتَمَعَ في واحدٍ أسْبابٌ، كالمِسْكِينِ واليَتِيمِ وابنِ السَّبِيلِ، اسْتَحَقَّ بكلِّ واحدٍ منهما؛ لأنَّها أسْبابٌ لأحْكامٍ، فوَجَبَ أن تَثْبُتَ أحْكامُها، كما لو انْفَرَدَتْ.
فإن أعْطاه ليُتْمِه، فزالَ فَقْرُه، لم يُعْطَ لفَقْرِه شيئًا.
فصل: ولا حَقَّ في الخُمْسِ لكافِرٍ؛ لأنَّه عَطيَّةٌ مِن اللَّهِ تعالى، فلم يكُنْ لكافِرٍ فيه حَقٌ، كالزَّكاةِ، ولا لعَبْدٍ؛ لأنَّ ما يُعْطاه لسَيِّدِه، فكانتِ العَطِيَّةُ لسَيِّدِه دُونَه.

1447 -

مسألة: (ثم يُعْطِى النَّفَلَ بعدَ ذلك)

لأنَّه حَقٌّ يَنْفَرِدُ به بعض الغانِمِين، فقُدِّمَ على القِسْمَةِ، كالأسْلابِ.
والنَّفَلُ مِن أربعةِ

وَيَرْضَخُ لِمَنْ لَا سَهْمَ لَهُ؛ وَهُمُ الْعَبِيدُ، وَالنِّسَاءُ، وَالصِّبْيَانُ.
أخْماسِ الغَنِيمَةِ، وفيه اخْتِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى.

1448 -

مسألة: (ويَرْضَخُ لمَن لا يسهْمَ له؛ وهم العَبِيدُ، والنِّساءُ، والصِّبْيانُ)

ومعنى الرَّضْخِ، أن يُعْطَوْا شيئًا مِن الغَنِيمَةِ دُونَ السَّهْمِ، ولا تَقْدِيرَ لِما يُعْطَوْنَه، بل ذلك إلى اجْتِهادِ الإِمام، فإن رَأَى التَّسْوِيَةَ بينَهم سَوَّى، وإِن رَأَى التَّفْضِيلَ فَضَّلَ.
وهذا قولُ أكثَرِ العُلماءِ؛ منهم سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والثَّوْرِىُّ، واللَّيْثُ، وإسْحاقُ، والشافعىُّ.
وبه قال مالكٌ، في المرأةِ والعَبْدِ، ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ.
وقال أبو ثَوْرٍ: يُسْهَمُ للعَبْدِ.
ورُوِىَ عن عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ؛ لِما رُوِى عن الأسْوَدِ بنِ يَزِيدَ، أنَّه شَهِدَ فَتْحَ القادِسِيَّةِ عَبِيدٌ، فضَرَبَ لهم سِهامَهم.
ولأنَّ حُرْمَةَ العَبْدِ في الدِّينِ كحُرْمَةِ الحُرِّ، وفيه مِن الغَناءِ مثلُ ما فيه، فوَجَبَ أنْ يُسْهَمَ له، كالحُرِّ.
وحُكِىَ عن الأوْزَاعِىِّ: ليسَ للعَبِيدِ سَهْمٌ ولا رَضْخٌ، إلَّا أن يَجِيئُوا بغَنِيمَةٍ، أو يكُونَ لهم غَناء، فيُرْضَخُ

..................................  لهم.
قال: ويُسْهَمُ للمرأةِ، لِما روَى حَشْرَجُ 1 بنُ زيادٍ، عن جَدَّتِه، أنَّها حضَرَتْ فَتْحَ خَيْبَرَ، قالت: فأسْهَمَ لنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كما أسْهَمَ للرِّجالِ 2. وأسْهَمَ أبو موسى في غَزْوَةِ تُسْتَرَ 3 لنِسْوَةٍ معه 4. وقال أبو بكرِ بنُ أبى مَرْيَمَ: أُسْهِمَ للنِّساءِ يومَ اليَرْمُوكِ.
وروَى سعيدٌ 5، بإسْنادِه عن [ابنِ شِبْلٍ] 6، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ضَرَب لسَهْلَةَ بنتِ عاصمٍ يومَ حُنَيْنٍ، فقال رجلٌ مِن القومِ: أُعْطِيَتْ سَهْلَةُ مثلَ سَهْمِى.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، قال: كان رسولُ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَغْزُو بالنِّساءِ، فيُداوِينَ الجَرْحَى، ويُحْذَيْنَ مِن الغَنِيمَةِ، وأمَّا سَهْمٌ، فلم يَضْرِبْ لَهُنَّ.
رَواه مسلمٌ 7.

..................................  وروَى سعيدٌ 1، عن يَزِيدَ بنِ هُرْمُزَ 2، أنَّ نَجْدَةَ كَتَب إلى ابنِ عباسٍ، يسْألُه عن المرأةِ والمَمْلوكِ يحْضُران الفَتْحَ، ألَهُما مِن الغَنِيمَةِ شئٌ؟ [قال: يُحْذَيان، وليس لهما شئٌ] 3. وفى رِوايَةٍ: ليس لهما سَهْمٌ، وقد يُرْضَخُ لهما.
وعن عُمَيْرٍ مَوْلَى آبى 4 اللَّحْمِ، قال: شَهِدْتُ خيْبَرَ مع سادَتِى، فكَلَّمُوا فىَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأُخْبِرَ أنِّى مَمْلُوكٌ، فأمَرَ لى بشئٍ مِن خُرْثِىِّ المتاعِ.
رَواه أبو داودَ 5. واحْتَجَّ به أحمدُ.
ولأنَّهما ليسا مِن أهْلِ وُجُوبِ القِتالِ، أشْبَها الصَّبِىَّ.
فأمَّا ما رُوِى في سِهامِ النِّساءِ، فيَحْتَمِلُ أنَّ الرَّاوِىَ سَمَّى الرَّضْخَ سَهْمًا، بدَلِيلِ أنَّ في حديثِ حَشْرَجٍ، أنَّه جَعَل لَهُنِّ نَصِيبًا تَمْرًا.
ولو كان سَهْمًا، ما اخْتَصَّ التَّمْرَ، ولأنَّ خيْبَرَ قُسِمَتْ على أهْلِ الحُدَيْبِيَةِ، نَفَرٍ مخصُوصِينَ في غيرِ حَدِيثِها، ولم يُذْكَرْنَ منهم.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أسْهَمَ لَهُنَّ مثلَ سَهْمِ الرِّجالِ

..................................  مِن التَّمْرِ خاصَّةً، أو مِن المتاعِ دُونَ الأرْضِ.
وأمَّا حَدِيثُ سَهْلَةَ، فإنَّ في الحديثِ أنَّها وَلَدَتْ، فأعْطاها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لها ولوَلَدِها، فبَلَغَ رَضْخُهما سَهْمَ رَجُلٍ، ولذلك عَجِبَ الرجلُ [الذى قال] 1: أُعْطِيَتْ سَهْلَةُ مثلَ سَهْمِى.
ولو كان هذا مَشْهُورًا مِن فِعْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ما عَجِبَ منه.
فصل: والمُدَبَّرُ والمُكاتَبُ، كالقِنِّ؛ لأنَّهم عَبِيدٌ.
فمَن عَتَق منهم قبلَ تَقَضِّى الحَرْبِ أُسْهِمَ له.
وكذلك إن قُتِل سَيِّدُ المُدَبَّرِ قبلَ تَقَضِّى الحَرْبِ، فخَرَجَ مِن الثُّلُثِ.
فأمَّا مَن بعضُه حُرٌّ، فقال أبو بكرٍ: يُرْضَخُ له بقَدْرِ ما فيه مِن الرِّقِّ، ويُسْهَمُ له بقَدْرِ ما فيه مِن الحُرِّيَّةِ، فإذا كان نِصْفُه حُرًّا، أُعْطِىَ نِصْفَ سَهْمٍ، ونِصْفَ رَضْخٍ؛ لأنَّ هذا ممّا يُمْكِنُ تَبْعِيضُه، فقُسِمَ على قَدْرِ ما فيه مِن الحُرِّيَّةِ والرِّقِّ، كالمِيراثِ.
وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه يُرْضَخُ له؛ لأنَّه ليس مِن أهْلِ وُجُوبِ القِتالِ، فأشْبَهَ الرَّقِيقَ.
فصل: والخُنْثَى المُشْكِلُ يُرْضَخُ له؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ أنَّه رجلٌ فيُسْهَمَ له، ولأنَّه ليس مِن أهلِ وُجُوبِ الجِهادِ، فأشْبَهَ المرْأةَ.
ويَحْتَمِلُ أن يُقْسَمَ له نِصْفُ سَهْمٍ ونِصْفُ الرَّضْخِ، كالمِيراثِ.
فإنِ انْكَشَفَ حالُه، فتَبَيَّنَ أنَّه رجلٌ، أُتِمَّ له سَهْمُ رَجُلٍ، سواءٌ انْكَشَفَ قبلَ تَقَضِّى الحَرْبِ أو بعدَه، أو قبلَ القِسْمَةِ أو بعدَها؛ لأنّا تَبَيَّنَا أنَّه كان مُسْتَحِقًّا للسَّهْمِ، وأنَّه أُعْطِىَ

جارٍ التحميل