الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 155-194

كِتَابُ الزَّكَاةِ

صفحات 155-194

..................................  طالَبَهم بالزكاةِ، وقاتَلَهم عليها، وقال: واللَّه لِو مَنَعُونِى عَناقًا كانوا يُؤَدُّونَها إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لقاتَلْتُهم عليها 1. ووافَقَه الصحابةُ على هذا, ولأنَّ ما للإِمامِ قَبْضُه بحُكْمِ الوِلايةِ، لا يَجُوزُ دَفْعُه إلى المُوَلَّى عليه، كوَلِىِّ اليَتِيمِ.
وللشافعىِّ قَوْلان كالمَذْهَبَيْن.
ولَنا على جَوازِ دَفْعِها بنَفْسِه، أنَّه دَفَعَ الحَقَّ إلى مُسْتَحِقِّه الجائِزِ تَصَرُّفُه فأجْزَأه، كما لو دَفَع الدَّيْنَ إلى غَرِيمِه، وكزكاةِ الأَمْوال الباطِنَةِ، والآيَةُ تَدُلّ على أنَّ للإِمام أخذَها, ولا خِلافَ فيه، ومُطالَبَة أبى بكرٍ لهم بها لكَوْنِهم لم يُؤَدُّوها إلى أَهْلِها, ولو أدَّوْها إلى أهْلِها لم يُقاتِلْهم عليها؛ لأنَّ ذلك مُخْتَلَفٌ في إجْزائِه، ولا تَجُوزُ المُقاتَلَةُ مِن أجْلِه، وإنَّما يُطالِبُ الإِمامُ بحُكْمِ الوِلايَةِ والنِّيابَةِ عن مُسْتَحِقِّها، فإذا دَفَعَها إليهم جاز؛ لأنَّهم أهلُ رُشْدٍ، بخِلافِ اليَتِيمِ.
وأمّا وَجْهُ فَضِيلَةِ دَفْعِها بنَفْسِه؛ فلأنَّه إيصالٌ للحَقِّ إلى مُسْتَحِقِّه، مع تَوْفِيرِ أجْرِ العِمالَةِ، وصِيانَةِ حَقِّهم عن خَطرَ الجِنايَةِ، ومُباشَرَةِ تَفْرِيجِ كُرْبَةِ مُسْتَحِقِّها، وإغْنائِه بها، مع إعْطائِها للأوْلَى بها، مِن مَحاوِيجِ أقارِبِه، وذوى رَحِمِه، وصِلَةِ رَحِمِه بها، فكان أفْضَلَ، كما لو لم يكنْ آخِذُها مِن أهلِ العَدْلِ.
فإن قِيلَ: فالكَلامُ في الإِمامِ العادِلِ، والخِيانَةُ مَأْمُونَةٌ في حَقِّه.
قُلْنا: الإِمامُ لا يَتَوَلَّى ذلك بنَفْسِه، وإنَّما يُفَوِّضُه إلى نُوَّابِه، فلا تُؤْمَنُ منهم

..................................  الخِيانَةُ، ثم رُبَّما لا يَصِلُ إلى المُسْتَحِقِّ الذى قد عَلِمَه المالِكُ مِن أهلِه وجيرانِه شئٌ منها، وهم أحَقُّ الناسِ بصِلَتِه وصَدَقَتِه ومُواساتِه.
وقَوْلُهم: إنَّ أخْذَ الإِمامِ يُبَرِّئُه ظاهِرًا وباطِنًا.
قُلْنا: يَبْطُلُ هذا بدَفْعِها إلى غيرِ العادِلِ، فإنَّه يَبْرأُ أَيضًا، وقد سَلَّمُوا أنَّه ليس بأفْضَلَ، ثم إنَّ البَراءَةَ الظّاهِرَةَ تَكْفِى.
وقولُهم: إنَّه تَزُولُ به التُّهْمَةُ.
قُلْنا: متى أظْهَرَها زالتِ التُّهْمَةُ، سَواءٌ أخْرَجَها بنَفْسِه، أو دَفَعَها إلى الإِمامِ، ولا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنَّ دَفْعَها إلى الإِمامِ جائِزٌ، سَواءٌ كان عادِلًا أو غيرَ عادلٍ، وسَواءٌ كانت مِن الأمْوالَ الظّاهِرَةِ أو الباطِنَةِ، ويَبْرأُ بدَفْعِها، سَواءٌ تَلِفَتْ في يَدِ الإِمامِ أو لا، أو صَرَفَها في مَصارِفِها أو لم يَصْرِفْها؛ لِما ذَكَرْنا عن الصحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، ولأنَّ الإِمامَ ناِئِبٌ عنهم شَرْعًا فبَرِئَ بدَفْعِها إليه، كوَلِىِّ اليَتِيمِ إِذا قَبَضَها له، ولا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أَيضًا في أنَّ صاحِبَ المالِ يجوزُ أن يُفرِّقَها بنَفْسِه.
فصل: وإذا أخَذَ الخَوارِجُ والبُغاةُ الزكاةَ، أجْزَأتْ عن صاحِبها.
حَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، في الخَوارِجِ، أنَّها تُجْزِئ.
وكذلك كلُّ مَن أَخَذَها مِن السَّلاطِينِ، أجْزَأتْ عن صاحِبِها،

..................................  سَواءٌ عَدَل فيها أو جار، وسَواءٌ أَخَذَها قَهْرًا أو دَفَعَها إليه اخْتِيارًا؛ لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ أبى صالِحٍ.
وقال إبراهيمُ: يُجْزِئُ عنك ما أخَذَ العَشَّارُون.
وعن سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ، أنَّه دَفَع صَدَقَتَه إلى نَجْدَةَ 1. وعن ابنِ عُمَرَ، أنَّه سُئِل عن مُصَدِّقِ ابنِ الزُّبَيْرِ، ومُصَدِّقِ نَجْدَةَ، فقال: إلى أيِّهما دَفَعْتَ أجْزَأ عنك 2. وبهذا قال أصْحابُ الرَّأْى فيما غُلِبُوا عليه.
وقالوا: إذا مَرَّ على الخَوارِجِ فعُشْرُه لا يُجْزِئُ عن زَكاتِه.

..................................  وقال أبو عُبَيْدٍ 1: على مَن أخَذَ الخَوارِجُ منه الزكاةَ الإِعادَةُ؛ لأنَّهم ليسوا بأئِمَّةٍ، أشْبَهُوا قُطّاعَ الطَّرِيقِ.
ولَنا، قولُ الصحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، مِن غيرِ خِلافٍ في عَصْرِهم عَلِمْناه، فيكونُ إجْماعًا، ولأنَّه دَفَعَها إلى أهلِ الوِلاية، فأشْبَهَ دَفْعَها إلى أهلِ البَغْى.

وَلَا يَجوزُ إِخْرَاجُهَا إِلَّا بِنِيَّةٍ، إِلَّا أَنْ يَأْخُذَهَا الإِمَامُ مِنْهُ قَهْرًا.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا تُجْزِئُهُ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ.

975 - مسألة: (ولا يُجْزِئُ إخْراجُها إلَّا بنيَّةٍ، إلَّا أن يَأْخُذَها الإِمامُ منه قَهْرًا. وقال أبو الخَطّابِ: لا تُجْزِئُه أيضًا بغيرِ نِية)

مَذْهَبُ عامَّةِ أهلِ العلمِ، أنَّ النيةَ شَرْطٌ في إخْراجِ الزكاةِ.
وحُكِىَ عن الأوْزاعِىِّ أنَّها لا تَجِبُ لها النِّيَّةُ؛ لأنَّها دَيْنٌ، فلا تَجِبُ لها النِّيَّةُ، كسائِرِ الدُّيُونِ، ولهذا يُخْرِجُها وَلِىُّ اليَتِيمِ، ويَأْخُذُها السُّلْطانُ مِن المُمْتَنِع.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» 1. وأداؤُها عَمَلٌ، ولأنَّها عِبادَةٌ، منها

..................................  فرضٌ ونَفْلٌ، فافْتَقَرَتْ إلى النِّيَّةِ، كالصلاةِ، وتُفارِقُ قَضاءَ الدَّيْنِ؛ فإنَّه ليس بعِبادَةٍ، فإنَّه يَسْقُطُ بإسقاطِ مُسْتَحِقِّه، ووَلِىُّ اليَتيمِ والسُّلْطانُ يَنُوبان عندَ الحاجَةِ.
إذا ثَبَت ذلك، فالنِّيَّةُ أن يَعْتَقِدَ أنها زَكاتُه، أو زكاةُ مَن يُخْرِجُ عنه، كالصَّبِىِّ والمَجْنُونِ، ومَحَلُّها القَلْبُ، لأنَّه مَحَلُّ الاعْتِقاداتِ كلِّها.

..................................  فصل: ويَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ على الأداءِ بالزَّمَنِ اليَسِيرِ، كسائِرِ العِباداتِ، ولأنَّها يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فيها، فاعْتِبارُ مُقارَنَةِ النِّيَّةِ للإِخْراجِ يُؤَدِّى إلى التَّغْرِيرِ 1 بمالِه، ولو تَصَدَّقَ الإِنْسانُ بجَمِيع مالِه ولم يَنْوِ به الزكاةَ، لم يُجْزِئْه.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
وقال أصحابُ أبى حنيفةَ: يُجْزِئُه اسْتِحْسانًا.
ولَنا، أنَّه لم ينوِ الفَرْضَ فلم يُجْزِئْه كما لو تَصَدَّقَ ببعضِ مالِه وكما لو صَلَّى مائةَ رَكْعَةٍ لم يَنْوِ الفرضَ بها.
فصل: ومَن له مالٌ غائِبٌ يَشُكُّ في سَلامَتِه، يَجُوزُ إخْراجُ الزكاةِ عنهْ، وتَصِحُّ منه نِيَّةُ الإِخْراجِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاؤُه، فإن نَوَى أنَّ هذا زكاةُ مالِى إن كان سالِمًا، وإلَّا فهو تَطوُّعٌ، فبان سالِمًا، أجْزَأتْ؛ لأنَّه أخْلَصَ النِّيَّةَ للفَرْضِ، ثم رَتَّبَ عليها النَّفْلَ، وهذا حُكْمُها لو لم يَقُلْه، فإذا قالَه لم يَضُرَّ.
ولو قال: هذا زكاةُ مالِى الغائِبِ والحاضِرِ.
صَحِّ؛ لأنَّ التَّعْيِينَ لا يُشْتَرَطُ، بدَلِيلِ أنَّ مَن له أرْبَعُون دِينارًا إذا أخْرَجَ نِصْف دِينارٍ عنها، صَحَّ، وإن كان يَقَعُ عن عِشْرِين غيرِ مُعَيَنةٍ.
وإن قال: هذا زَكاةُ مالِى الغائِبِ، أو تَطَوُّعٌ.
لم يُجْزِئْه.
ذَكَرَه أبو بكرٍ؛ لأنَّه لم يُخْلِص النِّيَّةَ للفَرْض، أشْبَهَ

..................................  ما لو قال: أُصَلِّى فَرْضًا أو تَطَوُّعًا.
وإن قال: هذا زكاةُ مالِى الغائِبِ إن كان سالِمًا، وإلَّا فهو زكاةٌ لمالِى الحاضِرِ.
أجْزَأه عن السّالِمِ منهما.
فإن كانا سالِمَيْن فعن أحَدِهما، لأنَّ التَّعْيِينَ ليس بشَرْطٍ.
وإن قال: زكاةُ مالِى الغائِبِ.
وأطْلَقَ، فبان تالِفًا، لم يكنْ له أن يَصْرِفَه إلى زَكاةِ غيرِه، لأنَّه عَيَّنَه، فأشْبَهَ ما لو أَعْتَقَ عَبْدًا عن كفّارَةٍ عَيَّنَها فلم يَقَعْ عنها، لم يكنْ له صَرْفُه إلى كَفّارَةٍ أُخْرَى.
هذا التَّفْريعُ فيما إذا كانتِ الغَيْبَةُ ممّا لا تَمْنَعُ إِخْراجَ زَكاتِه في بَلَدِ رَبِّ المالِ، إمّا لقُرْبِه، أو لكَوْنِ البَلَدِ لا يُوجَدُ فيه أهلُ 1 السُّهْمانِ، أو على الرِّوايَةِ التى تقولُ بإجْزاءِ إخْراجِها في بَلَدٍ بعيدٍ مِن بَلَدِ المالِ.
وإن كان له مَوْرُوث غائِبٌ، فقال: إن كان مَوْرُوثِى قد مات فهذه زكاةُ مالِه الذى وَرِثْتُه عنه.
فبان مَيِّتًا، لم يُجْزِئْه، لأنَّه يَنْبَنِى على غيرِ أصْلٍ، فهو كقَوْلِه لَيْلَةَ الشَّكِّ: إن كان غدًا مِن رَمضانَ فهو فَرْضِى، وإلَّا فهو نَفْلٌ.
فصل: فإن أخَذَها الإِمامُ منه قَهْرًا أجْزَأتْ بغيرِ نِيَّةٍ، وهذا قولُ

..................................  الخِرَقِىِّ.
ومَفْهُومُ هذا الكلامِ أنَّه متى دَفَعَها طَوْعًا لم تُجْزِئْه إلَّا بنِيَّةٍ، سَواءٌ دَفَعَها إلى الإِمامِ أو 1 غيرِه.
أمّا في حالِ القَهْرِ فتَسقُطُ النِّيَّةُ؛ لأنَّ تَعَذُّرَها في حَقِّه أسْقَطَها، كالصَّغِيرِ والمَجْنُونِ.
وقال القاضى: لا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ إذا أخَذَها الإِمامُ في حالِ الطَّوْعِ والكُرْهِ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ أخْذَ الإِمامِ بمَنْزِلَةِ القَسْمِ بينَ الشُّرَكاءِ، فلم يَحْتَج إلى نِيَّةٍ، ولأنَّ للإِمام وِلايةً في أخْذِها، ولذلك يَأخُذُها مِن المُمْتَنِعِ اتِّفاقًا، ولو لم تُجْزِئْه لَما أخَذَها، ولأخَذَها ثانِيًا وثالِثًا حتى يَنْفَدَ مالُه؛ لأنَّ أخْذَها إن كان لإِجْزائِها فهو لا يَحْصُلُ بدُونِ النِّيَّةِ، وإن كان لوُجُوبِها، فهو باقٍ بحالِه.
واخْتارَ أبو الخَطّابِ، وابنُ عَقِيلٍ أنها لا تُجْزِئُه أيضًا مِن غيرِ نِيَّةٍ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى؛ لأنَّ الإِمامَ إمّا وَكِيلُه وإمّا وَكِيلُ الفُقَراءِ أو وَكِيلُهما، وأىُّ ذلك كان فلا بُدَّ مِن نِيَّةِ رَبِّ المَالِ، ولأنَّها عِبادَةٌ تَجبُ لها النِّيَّةُ، فلا تُجْزِئُ عن مَن وجَبَتْ عليه إذا كان مِن أهلِ النِّيَّةِ بغيرِ نِيَّةٍ،

..................................  كالصلاةِ، وإنَّما أُخِذَتْ منه حِراسَةً للعِلْمِ الظّاهِرِ، كالمُمْتَنِع مِن الصَّلاةِ يُجْبَرُ عليها ليَأْتِىَ بصُورَتِها، ولو صَلَّى بغيرِ نِيَّةٍ لم تُجْزِئْه، والمُرْتَدُّ يُطالَبُ بالشَّهادَةِ، فإذا أتَى بها حُكِمَ بإِسْلامِهِ ظاهِرًا، وإن لم يَعْتَقِدْ صِحَّتَها لم يَصِحَّ إسْلامُه باطِنًا.
ومَن نَصَر القولَ الأوَّلَ، قال: إنَّ للإِمامِ وِلايةً على المُمْتَنِع فقامَتْ نِيَّتُه مَقامَ نِيَّتِه، كولِىِّ المَجْنُونِ واليَتيمِ، وفارَقَ الصلاةَ؛ فإنَّ النِّيابَةَ فيها لا تَصِحُّ، فلا بُدّ مِن نِيَّةِ فاعِلِها.
وقولُه: لا يَخْلُو مِن كَوْنِه وَكِيلًا له أو للفُقَراءِ أو لهما.
قُلْنا: بل هو وَكِيلٌ على المالِكِ، وإلحاقُ الزكاةِ بالقِسْمَةِ غيرُ صَحِيحٍ؛ لأنّها ليست عِبادَةً، ولا يُعْتَبَرُ لها نِيَّةٌ، بخِلافِ الزكاةِ.

وَإنْ دَفَعَهَا إِلَى وَكِيلهِ، اعْتُبِرَتِ النِّيَّةُ مِنَ الْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ.

976 - مسألة: (وإن دَفَعَها إلى وَكِيلِه، اعْتُبِرَتِ النِّيَّةُ في المُوَكِّلِ دُونَ الوَكِيلِ)

إذا وَكَّلَ في دَفْع الزكاةِ، فدَفَعَها الوَكِيلُ إلى مُسْتَحِقِّها قبلَ تَطاوُلِ الزَّمَنِ، أجْزَأتْ نِيَّةُ المُوَكِّلِ، ولم يَفْتَقِرْ إلى نِيَّةِ الوَكِيلِ؛ لأنَّ المُوَكِّلَ هو الذى عليه الفَرْضُ، فاكْتُفِىَ بنِيَّتِه، ولأنَّ تَأَخُّرَ الأداءِ عن النِّيَّةِ بالزَّمَنِ اليَسِيرِ جائِزٌ على ما ذَكَرْنا، فإن تَطاوَلَ الزَّمَنُ، فقال أبو الخَطّابِ:

..................................  يُجْزِئُ، كما لو تَقارَبَ الدَّفْعُ.
وهو ظاهِرُ كَلامِ شيخِنا ههُنا.
والصَّحِيحُ.
أنَّه لابُدَّ مِن نِيَّة المُوَكِّلِ حالَ الدَّفْع إلى الوَكِيلِ، ونِيَّةِ الوَكِيلِ عندَ الدَّفْعِ إلى المُسْتحِقِّ؛ لئلَّا يَخْلُوَ الدَّفْعُ إلى المُسْتَحِقِّ عن نِيَّةٍ مُقارِنَةٍ أو مُقارِبَةٍ، ولو نَوَى الوَكِيلُ دُونَ المُوَكِّلِ، لم يَجُزْ؛ لتَعَلُّقِ 1 الفَرْضِ بالمُوَكِّلِ، ووُقُوعِ الإِجْزاءِ عنه.
وإن دَفَعَها إلى الإِمامِ ناوِيًا، ولم يَنْوِ الإِمامُ حالَ

..................................  دَفْعِها إلى الفُقَراءِ، جاز وإن طال الزَّمَنُ، لأنَّه وَكِيلُ الفُقَراءِ.

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ دَفْعِهَا: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا، وَلَا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا.
وَيَقُولَ الآخِذ: آجَرَكَ اللَّهُ فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَبَارَكَ لَكَ فِيمَا أبْقَيْتَ، وَجَعَلَهُ لَكَ طَهُورًا.

977 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَقُولَ عندَ الدَّفْع: اللَّهُمَّ اجْعَلْها مَغْنَمًا، ولا تَجْعَلْها مَغْرَمًا)

ويَحْمَدُ اللَّهَ على التَّوْفِيقِ لأدائِها لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذَا أعْطَيْتُمُ الزَّكَاةَ فَلَا تَنْسَوْا ثَوَابَهَا أنْ تَقُولُوا: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا، وَلَا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا».
أخْرَجَه ابنُ ماجه (1). 978 -

مسألة: (ويَقُولُ الآخِذُ: آجَرَك اللَّهُ فيما أعْطَيْتَ، وبارَكَ لك فيما أبْقَيْتَ، وجَعَلَه لك طَهُورًا).

1

..................................  فصل: وإن دَفَعَها إلى السّاعِى أو الإِمامِ شَكَرَه ودَعا له؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ 1. وقال عبدُ اللَّهِ بنُ أبى أوْفَى: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا أتاه قَوْمٌ بصَدَقَتِهم، قال: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ».
فأتاه أبى بصَدَقَتِه، فقالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أبِى أوْفَى».
مُتَّفَقٌ عليه 2. والصلاةُ ههُنا الدعاءُ والتَّبَرُّكُ، وليس هذا بواجبٍ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ بَعَث مُعاذًا وأمَرَه 3 يَأْخُذُ الزكاةَ منهم، لم يَأْمُرْه بالدُّعاءِ، ولأنَّ ذلك لا يَجِبُ على

..................................  الفَقِيرِ المَدْفُوعِ إليه، فالنّائِبُ أوْلَى.

وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهَا إِلَى بَلَدٍ تُقْصَرُ إِلَيْهِ الصَّلَاةُ، فَإِنْ فَعَلَ، فَهَلْ تُجْزِئُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْن.

979 - مسألة: (ولا يَجُوز نَقْلُها إلى بَلَدٍ تُقْصَرُ إليه الصلاةُ، فإن فَعَل، فهل تُجْزِئُه؟ على رِوايَتَيْن)

قال أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ سُئِل عن الزكاةِ يُبْعَت بها مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ؟ قال: لا.
قِيلَ: وإن كان قَرابَتُه بها؟ قال: لا.
واسْتَحَبَّ أكْثَرُ أهلِ العلمِ أن لا تُنْقَلَ مِن بَلَدِها ورُوِىَ عن الحسنِ، والنَّخَعِىِّ أنَهما كَرِها نَقْلَ الزكاةِ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، إلَّا لذى قرابَةٍ 1. وكان أبو العالِيَةِ يَبْعَثُ بزَكاتِه إلى المَدِينَة.
ولَنا، قَوْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمُعاذٍ: «أخْبِرْهُمْ أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِى فُقَرَائِهِمْ» 2. وهذا يَخْتَصُّ فُقَراءَ بَلَدِهم.
وقال سَعِيدٌ: حَدَّثَنا

..................................  سُفْيانُ، عن مَعْمَرٍ، عن ابنِ طاوُسٍ، عن أبيه، قال في كِتابِ مُعاذِ بنِ جَبَلٍ: مَن أخْرَجَ مِن مِخْلافٍ 1 إلى مِخْلافٍ، فإنَّ صَدَقَتَه وعُشْرَه تُرَدُّ إلى مِخْلافِه.
ورُوِىَ عن عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، أنه رَدَّ زكاةً أُتِى بها مِن خُراسانَ إلى الشّامِ، إلى خُراسانَ 2. ولَمّا بَعَث مُعاذٌ الصَّدَقَةَ مِن اليَمَنِ إلى عُمَرَ، أنْكَرَ ذلك عُمَرُ، وقال: لم أبْعَثْك جابِيًا، ولا آخِذَ جِزْيةٍ، ولكنْ بَعَثْتُك لتَأْخُذَ مِن أغْنِياءِ النّاسِ، فتَرُدَّ في فُقَرائِهم.
فقال مُعاذٌ: ما بَعَثْتُ إليك بشئٍ وأنا أجِدُ مَن يأْخُذُه مِنِّى.
رَواه أبو عُبَيْدٍ في

..................................  «الأمْوالِ» 1. ورُوِىَ أيضًا عن إبراهيمَ بنِ عَطاءٍ مَوْلَى عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ، أنَّ زِيادًا، أو بعضَ الأُمَراءِ بَعَث عِمْرانَ على الصَّدَقَةِ، فلَمَّا رَجَع قال: أين المالُ؟ قال: أللمالِ بَعَثْتَنِى؟ أخَذْناها مِن حيث كُنّا نأْخُذُها على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ووَضَعْناها حيث كُنّا نَضَعُها على عهدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- 2. ولأنَّ المَقْصُودَ إغْناءُ الفُقَراءِ بها، فإذا أُبَحْنا نَقْلَها أفْضَى إلى بقاءِ فُقَراءِ أهلِ ذلك البَلَدِ مُحْتاجِين.
فإن خالَفَ ونَقَل، ففيه رِوايَتان، إحْداهما، تجْزِئُه.
وهو قولُ أكثَرِ أهلِ العلمِ.
واخْتارَها أبو الخَطّابِ؛ لأنَّه دَفَع الحَقَّ إلى مُسْتَحِقِّه، فبَرِئَ، كالدَّيْنِ، وكما لو فَرَّقَها في بَلَدِها.
والأُخْرَى، لا تُجْزِئُه.
اخْتارَها ابنُ حامِدٍ؛ لأنَّه دَفَع الزكاةَ إلى غيرِ مَن أُمِر بدَفْعِها إليه، أشْبَهَ ما لو دَفَعَها إلى غيرِ الأصْنافِ.

إلَّا أَنْ يَكُونَ فِى بلَدٍ لَا فُقَرَاءَ فِيهِ، فَيُفَرِّقَهَا فِى أَقْرَبِ الْبِلَادِ إِلَيْهِ.
فصل: فإنِ اسْتَغْنَى عنها فُقَراءُ أهلِ بَلَدِها جاز نَقْلُها.
نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: قد تُحْمَلُ الصَّدَقَةُ إلى الإِمامِ إذا لم يكنْ فُقَراءُ، أو كان فيها فَضْلٌ عن حاجَتِهمِ.
وقال أيضًا: لا تُخْرَج صَدَقَةُ قَوْمٍ عنهم مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، إلَّا أن يكون فيها فَضْلٌ، لكنَّ 1 الذى كان يَجِئُ إلى المَدِينَةِ إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبى بكرٍ وعُمَرَ مِن الصَّدَقَةِ، إنَّما كان عن فَضْلٍ منهم، يُعْطَوْن ما يَكْفِيهم، ويُخْرَجُ الفَضْلُ عنهم.
وروَى أبو عُبَيْدٍ في كِتابِ «الأمْوالِ» 2 بإسْنادِه، عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، أن مُعاذًا لم يَزَلْ بالجَنَدِ 3، إذ بَعَثَه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى ماتَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم قَدِم على عُمَرَ، فرَدَّه على ما كان عليه، فبَعَثَ إليه مُعاذٌ بثُلُثِ صَدَقَةِ الناسِ، فأنْكَرَ ذلك عُمَرُ، وقال:

..................................  لم أبْعَثْك جابِيًا، ولا آخِذَ جِزْيَةٍ، لكنْ بَعَثْتُك لتَأْخُذَ مِن أغْنِياءِ الناسِ، فتَرُدَّها على فُقَرائِهم.
فقال مُعاذٌ: ما بَعَثْتُ إليك بشئٍ وأنا أجِدُ مَن يَأْخُذُه مِنِّى.
فلمّا كان العامُ الثانى، بَعَث إليه بشَطْرِ الصَّدَقَةِ، فتَراجَعا بمثلِ ذلك، فلمّا كان العامُ الثالِثُ بَعَث إليه بها كلِّها، فرَاجَعَه عُمَرُ بمثلِ ما راجَعَه، فقال مُعاذٌ: ما وَجَدْتُ أحَدًا يَأخُذُ مِنِّى شَيئًا.
وكذلك إذا كان ببادِيَةٍ، ولم يَجِدْ مَن يَدْفَعُها إليه، فَرَّقَها على فُقَراءِ أقْرَبِ البِلادِ إليه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يُفَرِّقَ الصَّدَقَةَ في بَلَدِها، ثم الأقْرَبِ فالأقْرَبِ مِن القُرَى والبُلْدانِ.
قال أحمدُ، في رِوايَة صالِحٍ: لا بَأْسَ أن يُعْطِىَ زَكاتَه في القُرَى التى حَوْلَه ما لم تُقْصَرِ الصلاةُ في إتْيانِها، ويَبْدَأُ بالأقْرَبِ فالأقْرَبِ.
فإن نَقَلَها إلى البَعِيدِ لتَحَرِّى قَرابَةٍ، أو مَن كان أشَدَّ حاجَةً فلا بَأْسَ، ما لم يُجاوِزْ مَسافَةَ القَصْرِ.

فَإِنْ كَانَ فِى بَلَدٍ، وَمَالُهُ فِى آخَرَ، أَخْرَجَ زَكَاةَ الْمَالِ فِى بَلَدِهِ، وَفِطْرَتَهُ فِى الْبَلَدِ الَّذِى هُوَ فِيهِ.

980 - مسألة: (فإن كان في بَلَدٍ، ومالُه في آخَرَ، أخْرَجَ زكاةَ المالِ في بَلَدِه، وفِطْرَتَه في البَلَدِ الذى هو فيه)

قال أحمدُ، في رِوايَةِ محمدِ ابنِ الحَكَمِ: إذا الرجلُ في بَلَدٍ، ومالُه في بَلَدٍ، فأحَبُّ إلىَّ أن يُؤَدِّىَ حيث كان المالُ، فإن كان بعضُه حيث هو، وبعضُه في مِصْرٍ، يُؤَدِّى زكاةَ كلِّ مالٍ حيث هو.
فإن كان غائِبًا عن مِصْرِه وأهْلِه، والمالُ معه، فأسْهَلُ أن يُعْطِىَ بعضَه في هذا البَلَدِ، وبعضَه في البَلَدِ الآخَرِ.
فأمّا إن كان المالُ في البَلَدِ الذى هو فيه حتى يَمْكُثَ فيه حَوْلًا تامًّا، فلا يَبْعَثُ بزَكاتِه إلى بَلَدٍ آخَرَ.
فإن كان المالُ تِجارَةً يُسافِرُ به، فقال القاضى: يُفَرِّقُ زَكاتَه حيث حال حَوْلُه، في أىِّ مَوْضِع كان.
ومَفْهُومُ كَلامِ أحمدَ في اعْتِبارِه الحَوْلَ التّامَّ، أنَّه يُسَهِّلُ في أن يُفَرِّقَها في ذلك البَلَدِ، وغيرِه مِن البُلْدانِ التى أقام بها في ذلك الحَوْلِ.
وقال في الرجلِ يَغِيبُ عن أهْلِه، فتَجِبُ عليه الزكاةُ: يُزَكِّيه في المَوْضِع الذى أكْثَرُ مُقامِه فيه.
فأمّا زكاةُ الفِطْرِ،

..................................  فإنَّه يُفَرِّقُها في البَلَدِ الذى وجَبَتْ عليه فيه، سَواءٌ كان مالُه فيه أو لم يكنْ؛ لأنَّه سَبَبُ وُجُوبِ الزكاةِ، ففُرِّقَتْ في البَلَدِ الذى سَبَبُها فيه.
فصل: إذا أخَذَ السّاعِى الصَّدَقَةَ، فاحْتاجَ إلى بَيْعِها لمَصْلَحَةِ مَن كَلَّفَه نَقْلَها، أو مَرَضِها ونَحْوِهما، فله ذلك؛ لِما روَى قَيْسُ بنُ أبى حازِمٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَأى في إِبِلِ الصَّدَقَةِ ناقَةً كَوْماءَ 1، فسَألَ عنها؟ فقال المُصَدِّقُ: إنِّى ارْتَجَعْتُها بإِبلٍ.
فسَكَتَ عنه.
رَواه أبو عُبَيْدٍ في «الأمْوالِ» 2، وقال: الرِّجْعَةُ أن يَبِيعَها ويَشْتَرِى بثمَنِها مثلَها أو غيرَها.
فإن لم يكنْ حاجَةٌ إلى بَيْعِها، فقال القاضى: لا يجوزُ، والبَيْعُ باطِلٌ، وعليه الضَّمانُ.
قال شيخُنا 3: ويَحْتَمِلُ الجَوازُ؛ لحديثِ

وَإذَا حَصَلَ عِنْدَ الإِمَامِ مَاشِيَةٌ، اسْتُحِبَّ لَهُ وَسْمُ الإبِلِ فِى أَفْخَاذِهَا، وَالْغَنَمِ فِىِ آذَانِهَا، فَإِنْ كَانَتْ زَكَاةً كَتَبَ «للَّهِ» أوْ «زَكَاةٌ»، وَإنْ كَانتْ جِزْيَةً كَتَبَ «صَغَارٌ» أوْ «جِزْيَةٌ».
قَيْسٍ، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَكَت حينَ أخْبَرَه المُصَدِّقُ بارْتِجاعِها، ولم يَسْت

َفْصِلْ.

981 -

مسألة: (وإذا حَصَل عندَ الإِمامِ ماشِيَةٌ، اسْتُحِبَّ له وَسْمُ الإِبِلِ في أفْخاذِها، والغَنَم في آذانِها، فإن كانت زَكاةً كَتَب «للَّه» أو «زكاة»، وإن كانت جزْيَةٌ كَتَب «صَغارٌ» أو «جِزْيَةٌ»)

إنَّما اسْتُحِبَّ ذلك؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَسِمُها 1، ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى ذلك،

فَصْلٌ: وَيَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ عَنِ الْحَوْلِ إِذَا كَمَلَ النِّصَابُ، وَلَا يَجُوزُ قَبْلَ ذَلِكَ.
لتَمْيِيزِها مِن غَنَمِ الجِزْية والضَّوالِّ، ولِتُرَدَّ إلى مَواضِعِها إذا شَرَدَتْ.
ويَسِمُ الإِبِلَ والبَقَرَ في أفْخاذِها؛ لأنَّه مَوْضِعٌ صُلْبٌ يَقِلُّ ألَمُ الوَسْمِ فيه، وهو قَلِيل الشَّعَرِ فتَظْهَرُ السِّمَةُ، ويَسِمُ الغَنَمَ في آذانِها؛ لأنَّه مكانٌ تَظْهَرُ فيه السِّمَةُ لا تَضَرَّرُ به الغَنَمُ.

فصل

: قال: (ويَجُوزُ تَعْجِيلُ الزكاةِ عن الحَوْلِ إذا كَمَلَ النِّصابُ، ولا يَجُوزُ قبلَ ذلك) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه متى وُجِد سَبَبُ وُجُوبِ الزكاةِ، وهو النِّصابُ الكامِلُ، جاز تَقدِيمُ الزكاةِ.
وبهذا قال الحسنُ، وسَعِيدُ ابنُ جُبَيْر، والزُّهْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ.
وحُكِىَ عن الحسنِ، أنَّه لا يَجُوزُ.
وبه قال رَبِيعَةُ، ومالكٌ، = كتاب اللباس.
سنن ابن ماجه 2/ 1180. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 106، 171، 254، 259، 4/ 171.

..................................  وداودُ؛ لأنَّه رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: «لَا تُؤَدَّى زَكَاةٌ قَبْلَ حُلُولَ الْحَوْلِ» 1. ولأنَّ الحَوْلَ أحَدُ شَرْطَىِ الزكاةِ، فلم يَجُزْ تَقْدِيمُ الزكاةِ عليه، كالنِّصابِ، ولأنَّ للزكاةِ وقْتًا، فلم يَجُزْ تَقْدِيمُها عليه، كالصَّلاةِ.
ولَنا، ما روَى علىٌّ، أنَّ العباسَ سَألَ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في تَعْجِيلِ صَدَقَتِه قبلَ أن تَحِلَّ، فرَخَّصَ له في ذلك.
وفى لَفْظٍ 2، في تَعْجِيلِ الزكاةِ، فرَخَّصَ له في ذلك.
رَواه أبو داودَ 3. وقال يَعْقُوبُ بنُ شَيْبَةَ: هو أثْبَتُها إسْنادًا.
وروَى التِّرْمذِىُّ 4، عن علىٍّ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال لعُمَرَ:

..................................  «إنَّا قَدْ أخَذْنَا زَكَاةَ الْعَبَّاس عَامَ أوَّل لِلْعَامِ».
وفى لَفْظٍ قال: «إنَّا كُنَّا تَعَجَّلْنَا صَدَقَةَ الْعَبَّاسِ لِعَامِنَا هَذَا عَامَ أوَّل» 1. رَواه سعيدٌ عن عَطاء، وابنِ أبى مُلَيْكَةَ، والحسنِ بنِ مسلمٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مُرْسَلًا.
ولأنَّ تَعْجِيلَ المالِ وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِه، فجاز، كتَعْجِيلِ قَضاءِ الدَّيْنِ قبلَ حُلُولِ أجَلِه، وأداءِ كَفّارَةِ اليَمِينِ بعدَ الحَلِفِ وقبلَ الحِنْثِ، وكَفّارَةِ القَتْلِ بعدَ الجَرْحِ قبلَ الزُّهُوقِ، وقد سَلَّمَ مالكٌ تَعْجِيلَ الكَفّارَةِ، وفارَقَ تَقْدِيمَها قبلَ النِّصابِ؛ لأنَّه تَقدِيمٌ لها على سَبَبِها، فأشْبَهَ تَقْدِيمَ الكَفّارَةِ على اليَمِينِ، وكَفّارَةِ القَتْلِ على الجَرْحِ، ولأنَّه قَدَّمَها على الشَّرْطَيْنِ، وههُنا قَدَّمَها على أحَدِهما.
وقَوْلُهم: إنَّ للزكاةِ وقْتًا.
قُلْنا: الوَقْتُ إذا دَخَل في الشئِ رِفْقًا بالإِنْسانِ، كان له أن يُعَجِّلَه ويَتْرُكَ الإِرْفاقَ بنَفْسِه، كالدَّيْنِ المُؤَجَّلِ، وكمَن أدَّى زكاةَ مالٍ غائِب، وإن لم يكنْ على يَقِينٍ مِن وُجُوبِها، ومِن الجائِزِ أن يكونَ المالُ تالِفًا في ذلك الوَقْتِ، وأمّا الصلاةُ والصيامُ فتَعَبُّد مَحْضٌ، والتَّوْقِيتُ فيها غيرُ مَعْقُولٍ، فيَجِبُ أن يُقْتَصَرَ عليه.
فصل: فأمّا تَعْجِيلُها قبلَ مِلْكِ النِّصابِ، فلا يَجُوزُ بغيرِ خِلافٍ

وَفِى تَعْجِيلِهَا لِأَكْثَرَ مِنْ حَوْلٍ رِوَايَتَانِ.
نَعْلمُه.
فلو مَلك بعضَ نِصابٍ، فعَجَّلَ زَكاتَه، أو زكاةَ نِصابٍ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه تَعَجَّلَ الحُكْمَ قبلَ سَبَبِه.

982 -

مسألة: (وفى تَعْجِيلِها لأكْثَرَ مِن حَوْلٍ رِوايَتان)

إحداهما، لا يجوزُ؛ لأنَّ النَّصَّ لم يَرِدْ بتَعْجِيلِها لأكْثَرَ مِن حَوْلٍ، فاقْتُصِرَ عليه.
والثانيةُ، يجوزُ؛ لأنَّه قد رُوِى في حديثِ عُمَرَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «وَأمَّا الْعَبَّاسُ فَهِىَ عَلَىَّ وَمِثْلُهَا».
مُتَّفَقٌ عليه.
ورَواه الإِمامُ أحمدُ 1 ورُوِىَ أنَّه قال عليه السلامُ، في حديثِ العباسِ: «إنَّا اسْتَسْلَفْنَا زَكَاةَ عَامَيْنِ».
ولأنَّه تَعْجِيلٌ لها بعدَ وُجُوبِ النِّصابِ، أشْبَهَ تَقْدِيمَها على الحَوْلِ الواحِدِ.

..................................  وما لم يَرِدْ به النَّصُّ يُقاسُ على المَنْصُوصِ إذا كان في مَعْناه، ولا نَعْلَمُ مَعْنًى سِوَى أنَّه تَقْدِيمٌ للمالِ الذى وُجِد سَبَبُ وُجُوبِه على شرْطِ وُجُوبِه، وهذا مُتَحَقِّق في التَّقْدِيمِ في الحَوْلَيْن، كتَحَقُّقِه في الحَوْلِ الواحِدِ.
فعلى هذا إذا كان عندَه أكْثَرُ مِن النِّصاب، فعَجَّلَ زَكاتَه لحَوْلَيْن، جاز، وإن كان قَدْرَ النِّصابِ، مثلَ مَن عندَه أربَعُون شاةً، فعَجَّلَ شاتَيْن لحَوْلَيْن، وكان المُعَجَّلُ مِن غيرِه، جاز.
وإن أخْرَجَ شاةً منه، وشاةً مِن غيرِه، أجْزَأ عن الحَوْلِ الأوَّلِ، ولم يُجْزِئْ عن الثَّانِى؛ لأنَّ النِّصابَ نَقَص.
فإن تَكَمَّل بعدَ ذلك صار إخْراجُ زَكاتِه وتعْجِيلُه لها قبلَ كَمالِ نِصابِها، وإن أخْرَجَ الشّاتَيْن جَمِيعًا مِن النِّصابِ لم تَجِبِ الزكاةُ في الحَوْلِ الأوَّلِ، إذا قُلْنا: ليس له ارْتِجاعُ ما عَجَّلَه؛ لأنَّه كالتّالِفِ، فيكونُ النِّصابُ ناقِصًا.
فإن كَمَلَ بعدَ ذلك، اسْتُؤْنِفَ الحَوْلُ مِن حينَ كَمَلَ النِّصابُ، وكان ما عَجَّلَه سابِقًا على كَمالِ النِّصابِ، فلم يُجْزِئُ عنه.

..................................  فصل: فأمّا تَعْجيلُها لِما زاد على الحَوْلَيْن، فقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَجُوزُ رِوايَةً واحِدَةً؛ لأنَّ التَّعْجِيلَ على خِلافِ الأصْلِ، وإنَّما جاز في عامَيْن للنَّصِّ، فيَبْقَى فيما عَداه على [قَضِيَّةِ الأَصْلِ] 1.

وَإنْ عَجَّلَهَا عَنِ النِّصَابِ وَمَا يَسْتَفِيدُهُ، أجْزَأَ عَنِ النِّصَابِ دُونَ الزِّيَادَةِ.

983 - مسألة: (وإن عَجَّلَها عن النِّصابِ وما يَسْتَفِيدُه، أجْزَأ عن النِّصابِ دُونَ الزِّيادَةِ)

إذا مَلَك نِصابًا، فعَجَّلَ زَكاتَه وزكاةَ ما يَسْتَفِيدُه، وما يُنْتَجُ منه أو يَرْبَحُه فيه، أجْزَأه عن النِّصابِ دُونَ الزِّيادَة.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُه؛ لأنَّه تابع لِما هو مالِكُه.
وحَكَى ابنُ عَقِيلٍ عن أحمدَ رِوايَةً، فيما إذا مَلَك مائَتى دِرْهَمٍ، وعَجَّل زكاةَ أرْبَعِمائةٍ، أنَّه يُجْزِئُه عنهما؛ لأنَّه قد وُجِد سَبَبُ وُجُوبِ الزكاةِ في الجُمْلَةِ، بخِلافِ تَعْجِيلِ الزكاةِ قبلَ مِلْكِ النِّصاب.
وكذلك لو كان عندَه نِصابٌ مِن الماشِيَةِ، فعَجَّلَ زكاةَ نِصابَيْنِ.
ولَنا، أنَّه عَجَّلَ زكاةَ ما ليس في مِلْكِه، فلم يَجُزْ، كالنِّصابِ الأوَّلِ، ولأنَّ الزائِدَ مِن الزكاةِ على زكاةِ النِّصابِ إنَّما سَبَبّهَا الزّائِدُ في المِلْكِ، فقد عَجَّلَ الزكاةَ قبلَ وُجُودِ سَبَبِها، فأشْبَهَ ما لو عَجَّلَ الزكاةَ قبلَ مِلْكِ النِّصابِ، وقَوْلُه: إنَّه تابعٌ.
قُلْنا: إنَّما يَتْبَعُ في الحَوْلِ، فأمّا في الإِيجابِ، فإنَّ الوُجُوبَ ثَبَت بالزِّيادَة، لا بالأصْلِ، ولأنَّه إنَّما يَصِيرُ له حُكْمٌ بعدَ الوُجُودِ، فأمّا قبلَ ظُهُورِه فلا حُكْمَ له في الزكاةِ.

..................................  فصل: وإن عَجَّلَ زكاةَ نِصابٍ مِن الماشِيَةِ، فتَوالَدَتْ نِصابًا، ثم ماتَتِ الأُمَّهاتُ وحال الحَوْلُ على النِّتاجِ، أجْزَأ المُعَجَّلُ عنها؛ لأنَّها دَخَلَتْ في حَوْلِ الأُمَّهاتِ، وقامَتْ مَقامَها، فأجْزَأتْ زَكاتُها عنها.
فإذا كان عندَه أرْبَعُون مِن الغَنَمِ، فعَجَّلَ عنها شاةً، ثم تَوالَدَتْ أرْبَعِين سَخْلَةً، وماتَتِ الأُمَّهاتُ، وحالَ الحَوْلُ على السِّخالِ، أجْزَأتِ المُعَجَّلَةُ عنها؛ لأنَّها كانت مُجْزِئَةً عنها وعن أُمَّهاتِها لو بَقِيَتْ، فلأن تُجْزِئُ عن أحَدِهما أوْلَى.

..................................  وإن كان عندَه ثَلاثُون مِن البَقَرِ، فعَجَّلَ عنها تَبِيعًا، ثم تَوالَدَتْ ثَلاثِين عِجْلَةً، وماتَتِ الأُمَّهاتُ، وحال الحَوْلُ على العُجُولِ، احْتَمَلَ أن يُجْزِئَ عنها، لأنَّها تابِعَةٌ لها في الحَوْلِ.
واحْتَمَلَ أن لا يُجْزِئَ عنها.
لأنَّه لو عَجَّلَ عنها تَبِيعًا مع بَقاءِ الأُمَّهاتِ لم يُجْزِئْ عنها، فلأن لا يُجْزِئَ عنها إذا كان التَّعْجِيلُ عنٍ غيرِها أوْلَى.
وهكذا الحكمُ في مائةِ شاةٍ إذا عَجَّلَ عنها شاةً فتَوالدَتْ مائة، ثم ماتَتِ الأُمَّهاتُ، وحال الحَوْلُ على السِّخالِ.
وإن تَوالَدَ نِصْفُها، ومات نِصْفُ الأُمَّهاتِ، وحال الحَوْلُ على الصِّغارِ ونِصْفِ الكِبارِ، فإن قُلْنا بالوَجْهِ الأوَّلِ، أجْزَأ المُعَجَّلُ عنهما جَمِيعًا، وإن قُلْنا بالثانِى، فعليه في الخَمْسِين سَخْلَةً شاةٌ؛ لأنَّها نِصابٌ لم تُؤدَّ زَكاتُه.
وليس عليه في العُجُولِ إذا كانت خَمْسَةَ عَشَرَ شئٌ؛ لأنَّها لم تَبْلُغْ نِصابًا، وإنَّما وجَبَتِ الزكاةُ فيها بِنَاءً على أُمَّهاتِها التى عُجِّلَتْ

..................................  زَكاتُها.
وإن مَلَك ثَلاثِين مِن البَقَرِ، فعَجَّلَ مُسِنَّةً زكاةً لها ولنِتاجِها، فنُتِجَتْ عَشْرًا، أجْزَأتْه عن الثَّلاثِين دُونَ العَشرِ، ووَجَب عليه في العَشْرِ رُبْعُ مُسنَّةٍ.
ويَحْتَمِل أن تُجْزئَه المُسِنَّةُ المُعَجَّلَةُ عن الجَمِيع؛ لأنَّ العَشْرَ تابِعَةٌ للثَّلاِثين في الوُجُوبِ والحَوْلِ، فإنَّه لولا مِلْكُه للثَّلاِثين لَما وَجَب عليه في العَشْرِ شئٌ، فصارَتِ الزِّيادَةُ على النِّصابِ مُنْقَسِمَةً أرْبَعَةَ

..................................  أقْسامٍ؛ أحَدُها 1 ما لا يَتْبَعُ في وُجُوبٍ ولا حَوْلٍ، وهو المُسْتَفادُ مِن غيرِ الجِنْسِ، فهذا لا يُجْزِئُ تَعْجِيلُ زَكاتِه قبلَ وُجُودِه ومِلْكِ نِصابِه، بغيرِ خِلافٍ.
الثانى، ما يَتْبَعُ في الوُجُوبِ دُونَ الحَوْلِ، وهو المُسْتَفادُ مِن الجِنْسِ بسَبَبٍ مُسْتَقِلٍّ، فلا يُجْزِئُ تَعْجِيلُ زَكاتِه أيضًا قبلَ وُجُودِه، مع الخِلافِ في ذلك.
وحَكى ابنُ عَقِيلٍ رِوايَةً أنَّه يُجْزِئُ.
الثالثُ، ما يَتْبَعُ في الحَوْلِ دُونَ الوُجُوبِ، كالنِّتاجِ والرِّبْحِ إذا بَلَغ نِصابًا، فإنَّه يَتْبَعُ أصْلَه في الحَوْلِ، فلا يُجْزِئُ التَّعْجِيلُ عنه قبلَ وُجُودِه، كالذى قبلَه.
الرابعُ، ما يَتْبَعُ في الحَوْلِ والوُجُوبِ، وهو الرِّبْحُ والنِّتاجُ إذا لم يَبْلُغْ نِصابًا، فهذا يَحْتَمِلُ وجْهَيْن؛ أحَدُهما، لا يُجْزِئُ تَعْجِيلُ زَكاتِه قبلَ وُجُودِه، كالذى قبلَه.
والثانى، يُجْزِئُ؛ لأنَّه تاجٌ في الوُجُوبِ والحَوْلِ، أشْبَهَ المَوْجُودَ.

وَإنْ عَجَّلَ عُشْرَ الثَّمَرَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الطَّلْعِ وَالْحِصْرِمِ، لَمْ يُجْزِئْهُ.

984 - مسألة: (وإن عَجَّلَ عُشْرَ الثَّمَرَةِ قبلَ طُلُوعِ الطَّلْع والحِصْرِمِ 1، لم يُجْزِئْه) لأنَّه تَقْدِيم لها قبلَ وُجُودِ سَبَبِها. فأمّا تَعجِيلُها بعدَ وُجُودِ الطَّلْعِ والحِصْرِمِ، وتَعْجِيلُ عُشْرِ الزَّرْعِ بعدَ نَباتِه، فظاهِرُ كَلامِ القاضى أنَّه لا يَجُوزُ؛ لأنَّه قال: كُلُّ ما تَتَعَلَّقُ الزكاةُ فيه بشيْئَيْن؛ حَوْل ونِصابٍ، جاز تَعْجِيلُ زَكاتِه. فمَفْهُومُه أنه لا يَجُوزُ تَعْجِيلُ زكاةِ غيرِه؛ لأنَّ الزكاةَ مُعَلَّقَةٌ بسَبَبٍ واحِدٍ، وهو إدراكُ الزَّرْعِ والثَّمَرَةِ،

وَإِنْ عَجَّل زَكَاةَ النِّصَابِ، فتَمّ الْحَوْلُ وَهُوَ ناقِصٌ قدرَ مَا عَجَّلَهُ، جَازَ.
فإذا قَدَّمَها كان قبلَ وُجُودِ سَبَبِها، لكنْ إن أدّاها بعدَ الإِدْراكِ، وقبلَ اليُبْسِ والتَّصْفِيَةِ، جاز.
وقال أبو الخَطّابِ: يَجُوزُ بعدَ ظُهُورِ الطَّلْعِ والحِصْرِمِ ونَباتِ الزَّرْعِ، ولا يجوزُ قبلَ ذلك؛ لأنَّ وُجُودَ الزَّرْعِ وإطْلاعَ النَّخْلِ بمَنْزِلَةِ مِلْكِ النِّصابِ، والإِدْراكُ بمَنْزِلَةِ حَوَلانِ الحَوْلِ، فجاز تَقدِيمُها عليه، وتَعَلُّقُ الزّكاةِ بالإِدْراكِ لا يَمْنَعُ جَوازَ التَّعْجِيلِ، بدَلِيلِ أنَّ زكاةَ الفِطْرِ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُها بهِلالِ شَوّالٍ، وهو زَمَنُ الوُجُوبِ، ويَجوزُ تَعْجِيلُها قبلَه.

985 -

مسألة: (وإن عَجَّلَ زكاةَ النِّصابِ، فتَمَّ الحَوْلُ وهو ناقِصٌ قَدْرَ ما عَجَّلَه، جاز)

لأنَّ حُكْمَ ما عَجَّلَه حُكْمُ المَوْجُودِ في مِلْكِه، يَتِمُّ

وإنْ عَجَّلَ زَكَاةَ الْمِائَتَيْنِ، فَنُتِجَتْ عِنْدَ الْحَوْلِ سَخْلَةً، لَزِمَتْهُ شَاةٌ ثَالِثَةٌ،  النِّصابُ به، فلو زاد مالُه حتى بَلَغ النِّصابَ، أو زاد عليه، وحال الحَوْلُ، أجْزَأ المُعَجَّلُ عن زَكاتِه؛ لِما ذَكَرْنا.
فإن نَقَص أكْثَرُ ممّا عَجَّلَه، فقد نَقَص بذلك عن كَوْنِه سَبَبًا للزكاةِ، مثلَ مَن له أرْبَعُون شاةً، فعَجَّل شاةً ثم تَلِفَتْ أُخْرَى، فقد خَرَج عن كَوْنِه سَبَبًا للزكاةِ، فإن زاد بعدَ ذلك، إمّا بنتاجٍ أو شِراءِ ما يَتِمُّ به النِّصابُ، اسْتُؤْنِفَ الحَوْلُ مِن حِينَ كَمَل النِّصابُ، ولم يُجْزِئُ ما عَجَّلَه، كما ذَكَرْنا مِن قبلُ.

986 -

مسألة: (وإن عَجَّل زكاةَ المائتَيْن، فنُتِجَتْ عندَ الحَوْلِ سَخْلَةً، لَزِمَتْه شاةٌ ثالِثَةٌ)

وبما ذَكَرْنا قال الشافعىُّ في المَسْألَتَيْن.
وقال أبو حنيفةَ: ما عَجَّلَه في حُكْمِ التّالِفِ، فقال في المَسْألَةِ

..................................  الأُولَى: لا تَجِبُ الزكاةُ، ولا يكونُ المُخْرَجُ زكاة.
وقال في هذه المَسْألَةِ: لا يَجِبُ عليه زِيادَة؛ لأنَّ ما عَجَّلَه زال مِلْكُه عنه، فلم يُحْسَبْ مِن مالِه، كما لو تَصَدَّقَ به تَطَوُّعًا.
ولَنا، أنَّ هذا نِصابٌ تَجبُ الزكاةُ فيه بحُلُولِ الحَوْلِ، فجاز تَعْجِيلُها منه، كما لو كان أكثرَ مِن أرْبَعِين، ولأنَّ ما عَجَّلَه بمَنْزِلَةِ المَوْجُودِ في إجْزائِه عن مالِه، فكان بمَنْزِلَةِ المَوْجُودِ في تَعَلُّقِ الزكاةِ به، ولأنَّها لولم تُعَجَّلْ كان عليه شاتان، فكذلك إذا عُجِّلَتْ؛

..................................  لأنَّ التَّعْجِيلَ إنَّما كان رِفْقًا بالمَساكِينِ، فلا يَصِيرُ سَبَبًا لنَقْصِ حُقُوقِهم، والتَّبرُّعُ يُخْرِجُ ما تَبَرَّعَ به عن حُكْمِ المَوْجُودِ في مالِه؛ وهذا في حُكْمِ المَوْجُودِ في الإِجْزاءِ عن الزكاةِ.
فصل: وكلُّ مَوْضِعٍ قلْنا: لا يُجْزِئُه ما عَجَّلَه عن الزكاةِ.
فإن كان دَفَعَها إلى الفُقَراء مُطْلَقًا، فليس له الرُّجُوعُ فيها، وإن كان دَفَعَها بشَرْطِ أنَّها زكاةٌ مُعَجَّلَةَ فهل له الرُّجُوعُ؟ على وَجْهَيْن، يَأْتِى تَوْجيهُهما، إن شاء اللَّهُ تعالى.
فصل: وإن عَجَّلَ زكاةَ مالِه، ثم مات، فأراد الوارِثُ الاحْتِسابَ يها

جارٍ التحميل