. صحيح مسلم 2/ 1071، 1072. كما أخرجه النسائي، في: باب تحريم بنت الأخ من الرضاع، من كتاب النكاح.
المجتبى 6/ 82، 83. وابن ماجه، في: باب يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، من كتاب النكاح.
سنن ابن ماجه 1/ 623. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 223، 275، 290، 329، 339، 346.
وَإِذَا حَمَلَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ رَجُلٍ يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا مِنْهُ، فَثَابَ لَهَا لَبَنٌ، فَأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلًا، صَارَ وَلَدًا لَهُمَا في تَحْرِيمِ النِّكَاحِ، وَإبَاحَةِ النَّظَرِ وَالْخَلْوَةِ، وَثُبُوتِ الْمَحْرَمِيَّةِ، وَأَوْلَادُهُ وَإنْ سَفَلُوا
أخبارٍ كثيرةٍ، نَذْكُرُ أكْثَرَها في تَضاعيفِ البابِ، إن شاءَ اللهُ تَعالى.
وأجْمَعَ عُلماءُ الأُمَّةِ 1 على التَّحْريمِ بالرَّضَاعِ.
إذا ثَبَتَ ذلك، فإنَّ تَحْريمَ الأُمِّ والأُخْتِ ثَبَتَ بنَصِّ الكتابِ، وتحريمَ البِنْتِ بالتنبيهِ 2، فإنَّه إذا حَرُمَتِ الأخْتُ فالبِنْتُ أوْلَى، وسائِرُ المُحَرَّماتِ ثَبَتَ تَحْرِيمُهُنَّ بالسُّنَّةِ.
وتَثْبُت المَحْرَمِيَّةُ؛ لأنَّها فرْعٌ على التَّحْريمِ إذا كان بسَببٍ مباحٍ، وأمَّا بَقِيَّةُ أحْكامِ النَّسَبِ، مِن النَّفَقَةِ، والإرْثِ والعِتْقِ، ورَدِّ الشهادةِ، وغيرِ ذلك، فلا يَتَعَلَّقُ به؛ لأنَّ النَّسَبَ أقْوَى منه، فلا يُقاسُ عليه في جميعِ أحْكامِه، وإنَّما يُشَبَّهُ به فيما نُصَّ عليه فيه.
3912 -
مسألة: (إذا حَمَلَتِ المَرْأةُ مِن رَجُلٍ يَثْبُتُ نَسَسبُ وَلَدِها منه، فثابَ لَها لَبَنٌ، فأرْضَعَتْ به طِفْلًا، صار وَلَدًا لهما في تَحْرِيم النِّكاحِ، وإبَاحةِ النَّظَرِ والخَلْوَةِ، وثُبُوتِ المَحْرَمِيَّةِ، وأوْلادُه وإن سفَلُوا
أَوْلَادَ وَلَدِهِمَا، وَصَارَا أَبَوَيهِ.
وَآبَاوهُمُا أَجْدَادَهُ وَجَدَّاتِهِ، وَإخْوَةُ الْمَرأَةِ وَأَخوَاتُهَا أَخوَالهُ وَخَالاتِهِ، وَإخْوَةُ الرَّجُلِ وَأَخَوَاتُهُ أَعمَامَهُ وَعَمَّاتِهِ.
وَتَنْتَشِرُ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ مِنَ الْمُرْتَضِعِ إِلَى أَوْلَادِهِ وَأَولَادِ أَوْلَادِهِ وَإِنْ سَفَلُوا، فَيَصِيرُونَ أَوْلَادًا لَهُمَا.
أوْلادَ وَلَدِهما، وصارا أبَوَيه، وآباؤُهما أجْدادَه وجَدَّاتِه، وإخوَةُ المَرْأةِ وأخَواتُها أخْواله وخالاتِه، وإخْوَةُ الرجلِ وأخَواتُه أعْمامَه وعَمَّاتِه، وتَنْتَشِرُ حُرْمَةُ الرَّضاعِ مِن المُرْتَضِعِ إلى أوْلَادِه وأوْلادِ أوْلادِه وإن سفَلُوا، فيَصِيرُون أوْلادًا لهما) وجملةُ ذلك، أنَّ المرأةَ إذا حَمَلَتْ مِن رَجُلٍ يَثْبُت نَسَبُ ولَدِها منه، وثابَ لها منه لَبَنٌ، فأرْضَعَتْ به طِفْلًا رَضَاعًا مُحَرِّمًا، صار الطِّفْلُ المُرْتَضِعُ ابْنًا للمُرْضِعَةِ، بغيرِ خِلافٍ، وصار أَيضًا ابْنًا لمَن يُنْسَبُ الحَمْلُ إليه، فصار في التحريمِ وإباحةِ النَّظَرِ والخَلْوةِ ولدًا لهما، وأوْلادُه مِن البَنِينَ والبَناتِ أولادَ أوْلادِهما، وإن نزلتْ دَرَجَتُهم، وجميعُ أوْلادِ المرأةِ المُرْضِعَةِ مِن زَوْجِها ومِن غيرِه، وجميعُ أوْلادِ الرَّجُلِ الذي انْتَسَبَ الحَمْلُ إليه مِن المُرْضِعَةِ وغيرِها، إخْوَةَ المُرْتَضِعِ وأخَواتِه، وأوْلادُ أوْلادِهما أوْلادَ إخْوَتِه وأخَواتِه، وإن نَزَلَتْ دَرَجَتُهم، وأُمُّ المُرْضِعَةِ جَدَّتَه، وأبُوها جَدَّه، وإخْوَتُها أخْواله، وأخَواتُها خَالاتِه، وأبو الرجلِ جَدَّه، وأمُّه جَدَّتَه، وإخْوَتُه أعْمامَه، وأخَواتُه عَمَّاتِه، وجميعُ أقارِبِهما يُنْسَبُون إلى المُرْتَضِعِ كما يُنْسَبُون إلى وَلَدِهما مِن النَّسَبِ؛ لأنَّ اللَّبَنَ الذي
..................................
ثابَ للمرأةِ مخلوقٌ مِن ماءِ الرَّجُلِ والمرأةِ، فنَشَرَ التَّحْرِيمَ إليهما، ونَشَرَ الحُرْمَةَ إلى الرَّجُلِ وإلى أقارِبِه، وهو الذي يُسَمَّى لَبَنَ الفَحْلِ.
وفي التَّحْريمِ به اخْتِلافٌ، ذُكِرَ في بابِ المُحَرَّماتِ في النِّكاحِ.
والحُجَّةُ فيه ما رَوَتْ عائشةُ، أنَّ أفْلَحَ أخَا أبي القُعَيسِ، اسْتأْذَنَ عليَّ بعدَ ما أُنزِلَ الحِجابُ، فقلتُ: واللهِ لا آذَنُ له حتَّى أَسْتأْذِنَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، [فإنَّ أخاه أَبا القُعَيسِ ليس هو أرْضَعَنِي ولكن أرْضَعَتْنِي امْرَأةُ أبي القُعَيسِ، فدَخَلَ عليَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -] 1، فقلتُ: يَا رسولَ اللهِ، إنَّ الرجلَ ليس هو أرْضَعَنِي، ولكن أرْضَعَتْنِي امْرَأتُه 2. فقال: «ائْذَنِي لَه، فَإنَّه عَمُّكِ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ».
قال عُرْوَةُ: فبذلك كانتْ عائشةُ تأْخُذ تَقُولُ 3: حَرِّمُوا مِن الرَّضاعَةِ ما تُحَرِّمُوا 4 مِن النَّسَبِ.
مُتَّفَقٌ عليه 5. وسُئِل ابنُ عباسٍ، عن رَجُلٍ تزَوَّجَ امْرأتَين، فأرْضَعَتْ إحْداهما جاريةً، والأخْرَى غُلَامًا، هل يتَزَوَّجُ الغلامُ الجارِيةَ؟ فقال: لا، اللِّقاحُ واحِدٌ 6. قال مالِكٌ: اخْتُلِفَ قَديمًا في الرَّضاعَةِ مِن قِبَلِ الأبِ، ونَزلَ
وَلَا تَنْتَشِرُ إلَى مَنْ في دَرَجَتِهِ مِنْ إِخْوَتِهِ وَأخَوَاتِهِ، وَلَا مَنْ هُوَ أعْلَى مِنْهُ مِنْ آبَائِهِ وَأُمَّهَاتِهِ وَأعْمَامِهِ وَعَمَّاتِهِ وَأخْوَالِهِ وَخَالاتِهِ، فَلَا تَحْرُمُ الْمُرْضِعَةُ عَلَى أبِي الْمُرْتَضِعِ وَلَا أَخِيهِ، وَلَا تَحْرُمُ أُمُّ الْمُرْتَضِع وَلَا أُخْتُهُ عَلَى أُبِيهِ مِنَ الرَّضَاعَ وَلَا أخِيهِ،
برجالٍ مِن أهلِ المدينةِ في أزْواجِهِم؛ منهم محمدُ بنُ المُنْكَدِرِ، وابنُ أبي حَبِيبةَ، فاسْتَفْتَوْا في ذلك، فاخْتُلِف عليهم، ففارَقُوا زَوْجاتِهم.
فأمَّا الوَلَدُ المُرْتَضِعُ، فإنَّ الحُرْمَةَ تَنْتَشِرُ إليه، وإلى أولادِه وإن نزلوا.
3913 -
مسألة: (ولا تَنْتَشِرُ إلى مَن في دَرَجَتِه مِن إخْوَتِه وأخَواتِه، ولا مَن هو أعلى منه مِن آبائِه وأمَّهاتِه وأعْمامِه وعَمَّاتِه وأخْوالِه وخالاتِه، فلا تَحْرُمُ المُرْضِعَةُ على أبي المُرْتَضِعِ، ولا أخِيهِ، ولا تَحْرُمُ أمُّ المُرْتَضِع ولا أُخْتُه على أَبِيه مِن الرَّضاعِ ولا أخِيه)
[فيَجُوزُ للمُرْضِعةِ نِكاحُ أبي الطِّفْل المُرْتَضِعِ] 1 وأخِيه وعَمِّه وخالِه، ولا يَحْرُمُ على زَوْجِ المُرْضِعةِ نِكاحُ أمِّ الطِّفْلِ المُرْتَضِعِ، ولا أُخْتِه، ولا عَمَّتِه، ولا خالتِه، ولا بَأْسَ = جاء في ابنة الأخ من الرضاعة.
السنن 1/ 240. والبيهقي، في: باب يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة....، من كتاب الرضاع.
السنن الكبرى 7/ 453.
وَإنْ أَرْضَعَتْ بِلَبَنِ وَلَدِهَا مِنَ الزِّنَى طِفْلًا، صَارَ وَلَدًا لَهَا، وَحَرُمَ عَلَى الزَّانِي تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ، وَلَمْ تَثْبُتْ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ في حَقِّهِ، في ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ.
وَقَال أَبُو بَكْرٍ: تَثْبُتُ.
قَال أَبُو الْخَطَّابِ: وَكَذَلِكَ الْوَلَدُ الْمَنْفِيُّ بِاللِّعَانِ.
أن يتَزَوَّجَ أوْلادُ المُرْضِعَةِ وأوْلادُ زَوْجها إخْوَةَ الطِّفْلِ المُرْتَضِعِ وأخَواتِه.
قال أحمدُ: لا بَأْسَ أن يتَزَوَّجَ الرجلُ أَخْتَ أخِيه مِن الرَّضاعِ، ليس بينَهما رَضاعٌ ولا نَسَبٌ، وإنَّما الرَّضاعُ بينَ الجاريةِ وأخِيه.
3914 -
مسألة: (وإن أرْضَعَتْ بِلَبَنِ وَلَدِها مِن الزِّنَى طِفْلًا، صار وَلَدًا لها، وحَرُمَ على الزَّانِي تَحْرِيمَ المُصاهَرَةِ، ولم تَثْبُتْ حُرْمَة الرَّضاعِ في حَقِّهِ، في ظاهرِ قَوْلِ الخِرَقِيِّ.
وقال أبو بَكْرٍ: تَثْبُت.
قال أبو الخَطَّابِ: وكذلك الولَدُ المَنْفِيُّ باللِّعانِ)
الذي ذكَرَه شَيخُنا في
..................................
الكتابِ المَشْروحِ، أنَّ مِن شَرْطِ ثُبُوتِ الحُرْمَةِ بينَ المُرْتَضِعِ وبينَ الرَّجُلِ الذي ثابَ اللَّبَنُ بوَطْئِه، أن يكونَ لَبَنَ حَمْلٍ يُنْسَبُ إلى الوَاطِئِ؛ كالوَطْءِ في نِكاحٍ، أو وَطْءٍ بمِلْكِ 1 يَمينٍ، أو شُبْهَةٍ، فأمَّا لَبَنُ الزَّانِي [والنّافي للولدِ] 2 باللِّعانِ، فلا يَنْشُرُ الحُرْمَةَ بينَهما في مَفْهومِ كلامِ الخِرَقِيِّ.
وهو قولُ [أبي عبدِ الله] 3 ابنِ حامدٍ، ومذهبُ الشافعيِّ.
وقال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ: يَنْشُرُ الحُرْمَةَ بينَهما؛ لأنَّه مَعْنًى يَنْشُرُ الحُرْمَةَ، فاسْتَوى فيه مُباحُه ومَحْظُورُه، كالوَطْءِ، يُحَقِّقُه أنَّ الوَطْءَ حَصَلَ منه لَبَنٌ ووَلَدٌ، ثم إنَّ الوَلَدَ يَنْشُرُ الحُرْمَةَ بينَه وبينَ الواطِئِ، كذلك اللَّبَنُ، ولأنَّه رَضاعٌ يَنْشُرُ الحُرْمَةَ إلى المُرْضِعةِ، فيَنْشُرُها إلى الواطِئِ، كصُورَةِ الإِجْماعِ.
ووَجْهُ القولِ الأوَّلِ، أنَّ التَّحْرِيمَ بينَهما فَرْعٌ لحُرْمَةِ الأبُوَّةِ، فلمَّا لم تثْبُتْ حُرْمَةُ الأبُوَّةِ، لم يَثْبُتْ ما هو فَرْعٌ لها.
ويُفارِقُ تَحْرِيمَ ابْنَتِه مِن الزِّنَى؛ لأنَّها مِن نُطْفَتِه حقيقةً، بخِلافِ مَسْألتِنا 4. ويُفارِقُ
وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَثْبُتَ حُكْمُ الرَّضَاعِ في حَقِّ الْمُلَاعِنِ بِحَالٍ؛ لأَنَّهُ لَيسَ بِلَبَنِهِ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا.
تَحْريمَ المُصاهَرَةِ؛ فإنَّ التَّحْريمَ ثَمَّ لا يَقِفُ على ثُبُوتِ النَّسَبِ، ولهذا تَحْرُمُ أُمُّ زَوْجَتِه وابْنَتُها مِن غيرِ نَسَبٍ، وتَحْرِيمُ الرَّضاعِ مَبْنِيٌّ على النَّسَبِ، ولهذا قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ».
وقال أبو الخَطَّابِ في الوَلَدِ المَنْفِيِّ باللِّعانِ: إنَّه في تَحْريم الرَّضاعِ على المُلاعِنِ، كتَحْريمِ وَلَدِ الزِّنَى على الزَّانِي.
قال شيخُنا: (ويَحْتَمِلُ أن لا يَثْبُتَ حكمُ الرَّضاعِ في حَقِّ المُلاعِنِ بحالٍ؛ لأنَّه ليس بلَبَنِه حقيقةً ولا حُكْمًا) فأمَّا المُرْضِعةُ، فإنَّ الطِّفْلَ المُرْتَضِعَ مُحَرَّمٌ عليها، ومَنْسُوبٌ إليها عندَ الجميعِ، ولذلك 1 يَحْرُمُ جميعُ أولادِها وأقارِبِها
وَإنْ وَطِئَ رَجُلَانِ امْرَأةً بِشُبْهَةٍ، فَأتَتْ بِوَلَدٍ، فَأرْضَعَتْ بِلَبَنِهِ طِفْلًا، صَارَ ابْنًا لِمَنْ ثَبَتَ نَسَبُ الْمَوْلُودِ مِنْهُ، وَإنْ أُلْحِقَ بِهِمَا، كَانَ الْمُرْتَضِعُ ابْنًا لَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُلْحَقْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، ثَبَتَ التَّحْرِيمُ بِالرَّضَاعِ في حَقِّهِمَا.
الذين يَحْرُمُونَ على أولادِها، على هذا المُرْتَضِع، كما في الرَّضاعِ باللَّبَنِ المُباحِ: وإن كان المُرْتَضِعُ جارِيةً، حرُمَت على الِمُلاعِنِ، بغيرِ خِلافٍ أَيضًا؛ لأنَّها رَبِيبَتُه، فإنَّها بنتُ امْرَأتِه مِنِ الرَّضاعِ، وتَحْرُمُ على الزَّانِي عندَ مَن يَرَى تَحْريمَ المُصاهَرَةِ، وكذلك تحْرُمُ بَناتُها وبناتُ المرضَعِ من الغِلْمانِ (1) لذلك.
3915 -
مسألة (وإن وَطِئَ رَجُلان امْرَأةً بِشُبْهَةٍ، فأتَتْ بوَلَدٍ، فأرْضَعت بلَبَنِه طِفْلًا، صار ابْنًا لمَن ثَبَتَ نَسَبُ المَوْلُودِ منه)
سَواءٌ ثَبَتَ بالقافَةِ أو بغَيرِها؛ لأنَّ تَحْريمَ الرَّضاعِ فَرْعٌ على ثُبُوتِ النَّسَبِ (وإن أُلحِقَ بهما، كان المُرْتَضِعُ ابْنًا لهما) [لأنَّ المُرْتَضِعَ في كل مَوْضِع تَبَعٌ للمُناسبِ، فمتى لَحِقَ المُناسبُ بشَخْصٍ، فالمُرْتَضِعُ مثلُه] 2 (وإن لم يُلْحَقْ بواحدٍ منهما، ثَبَتَ التَّحْريمُ بالرَّضاعِ في حَقِّهِما) إذا لم يَثْبُت نَسَبُه1
..................................
منهما؛ لتَعَذُّرِ القافَةِ، أو لاشْتِباهِه عليهم، أو نحو ذلك، حَرُمَ عليهما، تَغْلِيبًا للحَظْرِ، فإنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ منهما، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ ابنَ أحدِهما، فيحْرُمَ عليه أقارِبُه [دُونَ أقارِبِ] 1 الآخَرِ، فقد اخْتَلَطَتْ أخْتُه بغيرِها، فحَرُمَ.
الجَميعُ، كما لو عَلِمَ أخْتَه بعَينِها ثم اخْتَلَطَتْ بأجْنَبِيَّاتٍ.
وإنِ انْتَفَى عنهما جميعًا، بأن تأْتِيَ به لدُونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن وَطْئِهما، أو لأكْثَرَ مِن أرْبعِ سِنينٍ مِن وَطْءِ الآخَرِ، انْتَفَى المُرْتَضِعُ عنهما أَيضًا.
فإن كان المُرْتَضِعُ جارِيةً، حَرُمَتْ عليهما تحريمَ المُصاهَرَةِ، ويَحْرُمُ أوْلادُها عليهما أَيضًا؛ لأنَّها ابْنَةُ مَوْطُوءَتِهِما، فهي رَبِيبَةٌ 2 لهما.
فَإِنْ ثَابَ لِامْرأَةٍ لَبَنٌ مِنْ غَيرِ حَمْلٍ تَقَدَّمَ، لَمْ يَنْشُرِ الْحُرْمَةَ.
نَصَّ عَلَيهِ في لَبَنِ الْبِكْرِ.
وَعَنْهُ، يَنْشُرُهَا.
ذَكَرَهَا ابْنُ أبي مُوسَى.
وَالظَّاهِرُ أنَّهُ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ.
3916 - مسألة: (وإن ثابَ لامْرَأةٍ لَبَنٌ مِن غيرِ حَمْلٍ تَقَدَّمَ، لم يَنْشُرِ الحُرْمَةَ. نَصَّ عليه في لَبَنِ البكْرِ. وعنه، يَنْشُرُها. ذَكَرَها ابنُ أبِي موسى)
قال شيخُنا: (والظاهِرُ أَنَّه قولُ ابنِ حامدٍ) [إذا ثابَ لامْرَأةٍ لَبَنٌ مِن غيرِ وَطْءٍ فأرْضَعَتْ به طِفْلًا، نَشَرَ الحُرْمَةَ في أظْهَرِ الرِّوايَتَين.
وهو قولُ ابنِ حامدٍ] 1، ومذهبُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشَّافِعِيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْي، وابن المُنْذِرِ؛ لقول اللهِ تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ 2. ولأنَّهَ لَبَنُ امْرأةٍ، فتَعَلَّقَ به التَّحْريمُ، كما لو ثابَ بوَطْءٍ، ولأنَّ ألْبانَ النِّساءِ خُلِقَتْ لغِذاءِ الأطْفالِ، وإن كان هذا نادِرًا، فجِنْسُه مُعْتادٌ.
والرِّوايةُ الثانيةُ، لا يَنْشُرُ الحُرْمَةَ؛ لأنَّه نادِرٌ، لم تَجْرِ العادَةُ به لِتَغْذِيَةِ الأطْفالِ، فأشْبَهَ لَبَنَ الرِّجالِ.
والأوَّلُ أَصَحُّ.
وَلَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ غَيرُ لَبَنِ الْمَرأَةِ، فَلَو ارْتَضَعَ طِفْلَانِ مِنْ رَجُلٍ أوْ بَهِيمَةٍ أَوْ خُنْثَى مُشْكِلٍ، لَمْ يَنْشُرِ الْحُرْمَةَ.
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: يُوقَفُ أمْرُ الْخُنْثَى حَتَّى يَتَبَيَّنَ أمْرُهُ.
3917 - مسألة: (ولا يَنْشُرُ الحُرْمَةَ غَيرُ لَبَنِ المَرْأةِ، فلو ارْتَضَعَ طِفْلان بِن رَجُلٍ أو بَهِيمَةٍ أو خُنْثَى مُشْكِلٍ، لم يَنْشُرِ الحُرْمَةَ.
وقال ابنُ حامِدٍ: يُوقَفُ أمْرُ الخُنْثَى حتَّى يَتَبَيَّنَ أمْرُه)
وجملةُ ذلك، أنَّ ابْنَين
..................................
لو ارْتَضَعا مِن بَهِيمةٍ، لم يَصِيرا أخَوَين، في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم الشافعيُّ، وابنُ القاسمِ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي.
وكذلك لو ارْتَضَعا مِن رَجُلٍ، لم يَصِيرا أخَوَين، ولم يَنْشُرِ الحُرْمَةَ بينَه وبينَهما، في قولِ عامَّتِهم.
وقال الكَرابِيسِيُّ 1: يتَعَلَّقُ به التَّحْريمُ؛ لأنَّه لَبَنُ آدَمِيٍّ، أشْبَهَ لَبَنَ المرْأةِ.
وحُكِيَ عن بعضِ السَّلَفِ أنّهما إذا ارْتَضَعا مِن لَبَنِ بَهِيمةٍ صارا أخَوَين.
وليس ذلك صحيحًا؛ لأنَّ هذا لا يَتَعَلَّقُ به تَحْريمُ الأُمومَةِ، فلا يَثْبُتُ به تَحْريمُ الأخُوَّةِ؛ لأنَّ الأخُوةَ فَرْعٌ على الأمُومَةِ، وكذلك لا يتَعَلَّقُ به تَحْريمُ الأبُوَّةِ لذلك 2، ولأنَّ هذا اللَّبَنَ لم يُخْلَقْ
..................................
لِغذاءِ المَوْلُودِ الآدَمِيِّ، فلم يتَعَلَّقْ به التَّحْريمُ، كسائِرِ الطَّعامِ.
فإن ثابَ لخُنْثَى مُشْكِلٍ لَبَنٌ، لم يَثْبُتْ به التَّحْريمُ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ كَوْنُه امْرأةً، فلا يَثْبُتُ التَّحْريمُ مع الشَّكِّ.
وقال ابنُ حامدٍ: يَقِفُ الأمْرُ حتَّى ينْكَشِفَ أمرُ الخُنْثَى.
فعلى هذا، يَثْبُتُ التَّحْريمُ إلى أن يتَبَيَّنَ 1 كوْنُه رَجُلًا؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ كَوْنه مُحَرِّمًا.
فَصْلٌ: وَلَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِالرَّضَاعِ إلا بِشَرْطَينِ؛ أَحَدُهُمَا، أنْ يَرْتَضِعَ في الْعَامَينِ، فَلَو ارْتَضَعَ بَعْدَهُمَا بِلَحْظَةٍ، لَمْ تَثْبُتْ
فصل: قال الشَّيخُ، رَحِمَه الله: (ولا تَثْبُتُ الحُرْمةُ بالرَّضاعِ إلَّا بشَرْطَين؛ أحَدُهما، أن يَرْضَعَ في الحَوْلَين، فلو ارْتَضَعَ بعدَهما بلحْظَةٍ، لم تَثْبُتْ) هذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العلمِ، رُوِيَ نحوُ ذلك عن عمرَ، وعليٍّ، وابنِ عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وأبي هُرَيرَةَ، وأزْواجِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - سَوَى عائِشَةَ.
وإليه ذهبَ الشَّعْبِيُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو يوسف، ومحمدٌ، وأبو ثَوْرٍ، ورِوَايةٌ عن مالكٍ.
ورُوِيَ عنه، إن زادَ شَهْرًا جازَ.
ورُوِيَ شَهْران.
[وقال أبو حنيفةَ: يُحَرِّمُ الرَّضاعُ في ثلاثينَ شَهْرًا؛ لقولِه سبحانه: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾] 1. ولم يُرِدْ بالحَمْلِ حَمْلَ الأحْشاءِ؛ لأنَّه يكونُ سنَتَين، فعُلِمَ أنَّه أَرادَ الحَمْلَ في الفِصالِ.
وقال زُفَرُ: مُدَّةُ الرَّضاعِ ثَلاثُ سِنِين.
وكانتْ عائشةُ، رَضِيَ اللهُ عنها، تَرَى رَضاعَةَ الكَبِيرِ 2
..................................
تُحَرِّمُ.
ويُرْوَى هذا عن عَطاءٍ، واللَّيثِ، وداودَ؛ لِما رُوِيَ أنَّ سَهْلَةَ بنتَ سُهَيلٍ قالتْ: يَا رسولَ اللهِ، إنَّا كُنَّا نَرَى سالِمًا ولَدًا، فكان يَأْوي معي ومع أبي حذيفةَ في بيتٍ واحدٍ، ويَرانِي فُضُلًا، وقد أنْزَلَ الله فيهم ما قد عَلِمْتَ، فكيف تَرَى فيه؟ فقال لها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أرْضِعِيه».
فأرْضَعَتْه خَمْسَ رَضَعاتٍ، فكان بمَنْزِلَةِ وَلَدِها، فبذلك كانتْ عائشةُ تأْخُذُ، تَأْمُرُ بناتِ [أخَواتِها، وبَناتِ] 1 إخْوَتِها يُرْضِعْنَ مَن أحَبَّتْ عائشةُ أن يَراها، ويَدْخُلَ عليها، وإن كان كَبِيرًا، وأبَتْ ذلك أُمُّ سَلَمَةَ، وسائرُ أزْواجِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يَدْخُلَ عليهنَّ بتلك الرَّضاعَةِ أحدٌ مِن النَّاسِ، حتَّى يَرْضَعَ في المَهْدِ، وقُلْنَ لعائشةَ: واللهِ ما نَدْرِي، لعَلَّها رُخْصةٌ مِن النّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لسالمٍ دُونَ النَّاسِ.
رواه.
النَّسائِيُّ، وأبو داودَ، وغيرُهما 2. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَينِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ 3. فجعلَ تمامَ الرَّضاعةِ حَوْلَين كامِلَين 4، فيَدُلُّ على أنَّه لا حُكْمَ لها بعدَهما.
وعن عائشةَ،
..................................
رَضِيَ اللهُ عنها، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - دَخَلَ عليها وعندَها رَجُلٌ، فتَغَيَّرَ وَجْهُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقالتْ: يَا رسولَ اللهِ، إنَّه أخِي مِن الرَّضاعَةِ.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «انْظُرْنَ مَنْ إخْوَانُكُنَّ، فَإنَّما الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ».
مُتَّفّقٌ عليه 1. وعنِ أمِّ سَلَمَةَ، قالتْ: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ، إلَّا مَا فَتَقَ الأمْعَاءَ، وكانَ قَبْلَ الفِطَامِ».
أخْرَجَه التِّرْمِذِيُّ 2، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وعندَ هذا يتَعَيَّنُ حَمْلُ 3 خَبَرِ أبي حُذَيفَةَ على أنَّه خاصٌّ له دُونَ الناسِ، كما قال سائِرُ أزْواجِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وقولُ أبي حنيفةَ، تَحَكُّمٌ يُخالِفُ ظاهِرَ الكِتابِ [والسُّنةِ] 4 وقولَ الصَّحابةِ، فقد رَوَينا عن ابنِ عباسٍ أنَّ المُرادَ بالحَمْلِ حَمْلُ البَطْنِ.
وبه اسْتَدَلَّ على أن أقَلَّ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ.
وقد دَلَّ على هذا قولُ الله تعالى:
..................................
﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَينِ﴾ (1). فلو حُمِلَ على ما قاله أبو حنيفةَ، لَكان مُخالِفًا لهذه الآيةِ.
إذا ثَبَتَ هذا، فالاعْتِبارُ بالعامَينِ لا بالفِطامِ، فلو فُطِمَ قبلَ الحوْلَينِ، ثم ارْتَضَعَ فيهما، حَصَلَ التَّحْريمُ، ولو لم يُفْطَمْ حتَّى تَجاوَزَ الحوْلَين، ثم ارْتَضَع بعدَهما قبل الفِطَامِ، لم يَثْبُتِ التَّحْريمُ.
وقال ابنُ القاسمِ صاحبُ مالكٍ: لو ارْتَضَعَ بعدَ الفِطامِ في الحوْلَينِ، لم يُحَرِّمْ؛ لقولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «وَكَانَ قَبْلَ الفِطَامِ».
ولَنا، قولُه سبحانه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَينِ﴾.
ورُوِيَ عنه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَا رَضَاعَ إلَّا مَا كَانَ في الحَوْلَينِ» (2). والفِطَامُ مُعْتَبَرٌ بمُدَّتِه لا بِنَفْسِه.
3918 -
مسألة: (فلو ارْتَضَعَ بعدَهما بلَحْظَةٍ، لم يَثْبُتِ)
التَّحْرِيمُ.
وقال أبو الخَطَّابِ: لو ارْتَضَعَ بَعْدَ الحَوْلَين بِساعَةٍ، لم يُحَرِّمْ.
وقال القَاضي: لو شَرَعَ في الخامِسَةِ، فحَال الحَوْلُ قبلَ كَمالِها, لم يَثْبُتِ التَّحْرِيمُ.
ولا يَصِحُّ هذا؛ لأنَّ ما وُجِدَ مِن الرَّضْعَةِ في الحَوْلَين كافٍ في التَّحْريمِ، بدَلِيلِ ما لو [انْفَصَلَ ممَّا] 3 بعدَه، فلا يَنْبَغِي أن يَسْقُطَ حُكْمُه12
الثَّانِي، أنْ يَرْتَضِعَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، في ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ، ثَلَاثٌ يُحَرِّمْنَ.
وَعَنْهُ وَاحِدَةٌ.
باتِّصالِ ما لا أثَرَ له به 1.
(الثاني، أن يَرْتَضِعَ خَمْسَ رَضَعاتٍ.
[وعنه، ثلاثٌ يُحَرِّمْنَ.
وعنه، واحِدَةٌ) الصحيحُ مِن المذهبِ أنَّ الذي يتَعَلَّقُ به التَّحريمُ خمْسُ رَضَعاتٍ] 2 فصاعِدًا.
رُوِيَ هذا عن عائشةَ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ الزُّبَيرِ، وعطاءٍ، وطاوسٍ.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وعن أحمدَ روايةٌ ثانيةٌ، أنَّ قَلِيلَ الرَّضاعِ يُحَرمُ، كما يُحَرِّمُ كَثِيرُه.
ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ عباسٍ.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، ومَكْحُولٌ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، والحَكَمُ، وحَمَّاد، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، واللَّيثُ، وأصْحابُ الرَّأْيَ.
وزَعَمَ اللَّيثُ أنَّ المُسْلِمِين أجْمَعُوا على أنَّ قَلِيلَ الرَّضاعِ وكثيرَه يُحَرِّمُ في المَهْدِ، ما يُفْطِرُ به الصَّائِمُ، واحْتَجُّوا بقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ 3. وقولِه عليه الصَّلاةُ والسلامُ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِن النَّسَبِ».
وعن عُقْبةَ بنِ الحارثِ، أنَّه تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنتَ
..................................
أبي إهابٍ، فجاءتْ أمَةٌ سَوْداءُ، فقالت: قد أرْضَعْتُكُما.
فذكَرْتُ ذلك للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «وكَيفَ، وقَدْ زَعَمَتْ أنْ قَدْ أرْضَعَتْكُمَا!».
مُتَّفَقٌ عليه 1. ولأنَّه فِعْلٌ يتَعَلَّقُ به تَحْريمٌ مُؤبَّدٌ، فلم يُعْتَبَرْ فيه العَدَدُ، كَتَحْرِيمِ أُمَّهاتِ النِّساءِ، ولا يَلْزَمُ اللِّعانُ؛ لأنَّه قولٌ.
والرِّوايةُ الثالثةُ، لا يُحَرِّمُ إلَّا ثلاثُ رَضَعاتٍ.
وبه قال أبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيدٍ، وداودُ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُحَرِّمُ المَصَّةُ ولَا المَصَّتَانِ».
وعن أمِّ الفَضْلِ بِنْتِ الحارثِ، قالتْ: قال نَبِيُّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُحَرِّمُ الإمْلَاجَةُ 2 ولا الإملَاجَتَانِ».
رواهما مسلمٌ 3. ولأنَّ ما يُعْتَبَرُ فيه العَدَدُ
..................................
والتَّكْرارُ، يُعْتَبَرُ فيه الثَّلاث.
ورُوِيَ عن حَفْصةَ: لا يُحَرِّمُ دُونَ عَشْرِ رَضَعاتٍ 1. ورُوِيَ ذلك عن عائِشَةَ؛ لأنَّ عُرْوَةَ روَى في حَدِيثِ سَهْلَةَ [بِنْتِ سُهَيلٍ] 2: فقال لها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فيما بَلَغَنا: «أرْضِعِيه عَشْرَ رَضَعاتٍ، فيَحْرُمُ بلَبَنِهَا» 3. ولَنا، ما رُوِيَ عن عائشةَ، رَضِيَ الله عنها، أنَّها قالت: أُنْزِلَ في القُرْآنِ: (عَشْرُ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ يُحَرِّمْنَ) فنُسِخَ مِن ذلك خَمْسٌ، وصارَ إلى خمْسِ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ يُحَرِّمْنَ، فتُوُفِّيَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - والأمْرُ على ذلك.
رواه مُسْلِمٌ 4. وروَى مالِكٌ 5، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ، عن عائشةَ، عن سَهْلَةَ بنتِ سُهَيلٍ: «أرْضِعِي سَالِمًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ، فَيَحْرُمُ بِلَبَنِهَا».
والآيةُ مُجْمَلةٌ 6 فسَّرَتْها السُّنَّةُ، وبَينَّتَ الرَّضاعةَ المُحَرِّمةَ، وصَرِيحُ ما رَوَيناه
وَمَتَى أخَذَ الثَّدْيَ، فَامْتَصَّ مِنْهُ ثُمَّ تَرَكَهُ، أوْ قُطِعَ عَلَيهِ، فَهِيَ رَضْعَةٌ، فَمَتَى عَادَ فَهِيَ رَضْعَةٌ أُخْرَى، بَعُدَمَا بَينَهُمَا أَوْ قَرُبَ، وَسَوَاءٌ تَرَكَهُ شِبَعًا، أَوْ لأمْرٍ يُلْهِيهِ، أو لِانْتِقَالِهِ مِنْ ثَدْيٍ إِلَى غَيرِهِ، أوْ مِنَ امْرأةٍ إِلَى غَيرِهَا.
يَخُصُّ مَفْهُومَ ما رَوَوْه، فيُجْمَعُ بينَ الأخْبارِ بحَمْلِها على الصَّرِيحِ الذي رَوَيناه.
3919 -
مسألة: (ومتى أخَذَ الثَّدْيَ، فَامْتَصَّ منه ثم تَرَكَه، أو قُطِعَ عليه، فهي رَضْعَةٌ، فإن عادَ)
فأخَذَه (فهي رَضْعَةٌ أُخْرَى، بَعُدَ ما بَينَهما أو قَرُبَ) يُشْترَطُ أن تكونَ الرَّضَعَاتُ مُتَفَرِّقاتٍ.
وبه قال الشافعيُّ.
والمَرْجِعُ في مَعْرِفَةِ الرَّضْعةِ إلى العُرْفِ؛ لأنَّ الشَّرْعَ ورَدَ بها 1 مُطْلَقًا، ولم يَحُدَّها بزَمَنٍ ولا مِقْدارٍ، فدَلَّ على أنَّه رَدَّهُم إلى العُرْفِ، فإذا ارْتَضَعَ الصَّبِيُّ، وقَطَعَ قَطْعًا بَيِّنًّا باخْتِيارِه، كان ذلك رَضْعَةً، فإذا عادَ، كانت رَضْعَةً أُخْرَى.
فأمَّا إن قَطَعَ لضِيقِ نَفَسٍ أو للانْتِقالِ مِن ثَدْيٍ إلى ثَدْيٍ، أو لشيءٍ يُلْهِيه، أو قطَعَتْ عليه المُرْضِعَةُ؛ فإن لم يَعُدْ قَرِيبًا
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ لَمْ يَقْطَعْ بِاخْتِيَارِهِ، فَهُمَا رَضْعَةٌ، إلا أنْ يَطُولَ الفَصْلُ بَينَهُمَا.
فهي رَضْعَةٌ، وإن عادَ في الحالِ، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، أنَّ الأوَّلَ رَضْعَةٌ، فإذا عادَ فهي رَضْعَةٌ أخْرَى.
وهذا اخْتِيارُ أبي بكرٍ، وظاهرُ كلام أحمدَ في روايةِ حَنْبَلٍ؛ فإنَّه قال: أما تَرَى الصَّبِيَّ يَرضَعُ مِن الثَّدْيِ، فإذا أدرَكه النَّفَسُ أمْسَكَ عن الثَّدْيِ ليَتَنَفَّسَ ويَسْتَرِيحَ؟ فإذا فَعَلَ ذلك فهي رَضْعَةٌ.
وذلك لأنَّ الأولَى رَضْعَةٌ لو لم يَعُدْ، فكانتْ رَضْعةً وإن عادَ، كما لو قَطَعَ باخْتِيارِه.
والوَجْهُ الآخرُ، أنَّ جَمِيعَ ذلك رَضْعةٌ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ، إلَّا فيما إذا قَطَعَتْ عليه المُرْضِعةُ، ففيه وَجْهان؛ لأنَّه لو حَلَفَ: لا أكَلْتُ اليومَ إلَّا أكلَةً واحِدَةً.
فاسْتَدامَ الأكْلَ زَمَنًا، أو قطع لشُربِ ماءٍ أو انْتِقالٍ مِن لَوْنٍ إلى لَوْنٍ، أو انْتِظارٍ لِمَا يُحْمَلُ إليه مِن الطَّعامِ، لم يُعَدَّ إلَّا أكلَةً واحدةً، فكذا ههُنا.
والأوَّلُ أَولَى؛ لأنَّ اليَسِيرَ مِن السَّعُوطِ والوَجُورِ رَضْعةٌ، فكذا هذا.
وقال ابنُ حامدٍ: إن قَطعَ لعارِضٍ وعادَ في الحالِ فهي رَضْعةٌ، وإن تباعَدَ أو انْتَقَل مِن امرأةٍ إلى أُخرَى فهما رَضْعتانِ.
كما ذكَرْنا في الأكْلِ.
وَالسَّعُوطُ وَالْوَجُورُ كَالرّضَاعِ، في إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
3920 - مسألة: (والسَّعُوطُ والوَجُورُ كالرَّضاعِ، في إحْدَى الرِّوايَتَين)
السَّعُوطُ؛ أن يُصَبَّ في أنْفِه اللَّبَنُ مِن إناءٍ أو غيرِه، فيَدْخُلَ حَلْقَه.
والوَجُورُ؛ أن يُصَبَّ في حَلْقِه مِن غيرِ الثَّدْيِ.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ في التَّحْريمِ بهما، فأصَحُّ الرِّوايتَين أنَّ التَّحْريمَ يَثْبُتُ بهما، كما يَثْبُت بالرَّضاعِ.
وهو قولُ الشَّعْبِيِّ، والثّوْرِيِّ، وأصْحابِ الرَّأي.
وبه قال مالكٌ في الوَجُورِ.
والثانيةُ، لا يَثْبُتُ التَّحْريمُ بهما.
وهو اخْتِيارُ أبي بكرٍ،
..................................
ومذهبُ داودَ، وقولُ 1 عطاءٍ الخُراسانِيِّ في السَّعُوطِ؛ لأنَّ هذا ليس برَضاعٍ، وإنَّما حَرَّمَ الله تعالى ورسولُه بالرَّضاعِ، ولأنَّه حَصَلَ مِن [غيرِ ارْتِضاعٍ] 2، فأشْبَهَ ما لو حَصَلَ مِن جُرْحٍ في بَدَنِه 3. ولَنا، ما روَى ابنُ مسعودٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا رَضَاعَ إلَّا ما أنْشَزَ العَظْمَ، وأنْبَتَ اللَّحْمَ».
رواه أبو داودَ 4. ولأنَّ هذا يَصِلُ إليه اللَّبَنُ، كما يَصِلُ بالارْتِضاعِ، ويحْصُلُ به مِن إنْباتِ اللَّحْمِ وإنْشازِ العَظْمِ ما يحْصُلُ بالرَّضاعِ، فيجبُ أن يُساويَه في التَّحْريمِ، والأنفُ 5 سَبِيلٌ لفِطْرِ الصائِمِ، فكان سَبِيلًا للتَّحْريمِ، كالرَّضاعِ بالفَمِ.
فصل: وإنَّما يُحَرِّمُ مِن ذلك كالذي يُحَرِّمُ بالرَّضاعِ، وهو خَمْسٌ في الرِّوايةِ المَشْهُورة، فإنَّه فَرْعٌ على الرَّضاعِ، فيأخُذُ حُكْمَه، فإنِ ارْتَضَعَ دُونَ الخَمْسِ، وكَمَّلَ الخَمْسَ بسَعُوطٍ ووَجُورٍ، أو أُسْعِطَ وأُوجِرَ، وكَمَّلَ الخَمْسَ برَضاعٍ، ثَبَتَ التَّحْريمُ؛ لأنَّا جعلْناه كالرَّضاعِ
..................................
في أصْلِ التَّحْريمِ، فكذلك في إكمالِ العَدَدِ، ولو حُلِبَ في إناءٍ لَبَنٌ دَفْعةً واحدةً، ثم سُقِيَ الغُلامُ في خَمْسةِ أوْقاتٍ، فهو خَمْسُ رَضَعاتٍ، فإنَّه لو أكَلَ مِن طَعامٍ خَمْسَ دَفَعاتٍ مُتَفَرِّقاتٍ، لَكان قد أكَلَ خَمْسَ أكَلاتٍ.
وإن حُلِبَ في إناءٍ خَمْسُ حَلَباتٍ في خَمْسةِ أوْقاتٍ، ثم سُقِيَ دَفْعةً واحِدَةً، كان رَضْعةً واحدةً، كما لو جَعَلَ الطَّعامَ في إِناءٍ واحدٍ في خمسةِ أوْقاتٍ، ثم أكَلَه دَفْعة واحدةً، كان أكلةً واحدَةً.
وحُكِيَ عن الشافعيِّ في الصُّورتَين عكسُ ما قُلْناه، اعْتِبارًا بخُرُوجِه مِن المرأةِ؛ لأنَّ الاعْتِبارَ بالرَّضاعِ، والوَجُورُ فَرْعُه.
ولَنا، أنَّ الاعْتِبارَ بِشُرْبِ الصبيِّ له؛ لأنَّه المُحَرِّمُ، ولهذا يَثْبُتُ التَّحْريمُ به مِن غيرِ رَضاعٍ، ولو ارْتَضَعَ بحيثُ يَصِلُ إلى فِيهِ، ثم مَجَّه، لم يَثْبُتِ التَّحْريمُ، فكان الاعْتِبارُ به، وما وُجِدَ منه إلَّا دَفْعةٌ واحدَةٌ، فكان رَضْعةً واحدةً.
وإن سَقَتْه 1 في أوْقاتٍ، فقد وُجِدَ في خَمْسةِ أوْقاتٍ، فكان خمْسٍ رَضَعاتٍ.
فأمَّا إن سَقَتْه (1) اللَّبَنَ المَجْمُوعَ جُرْعةً [بعدَ جُرْعَةٍ] 2 مُتَتابعة، فظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ أنَّه رَضْعةٌ واحدةٌ؛ لأنَّ المُعْتَبَرَ في الرَّضْعَةِ العُرْفُ، وهم لا يَعُدُّونَ هذا رَضَعاتٍ، فأشْبَهَ ما لو أكَلَ الطَّعامَ لُقْمَةً [بعد لُقْمَةٍ] (2)، فإنَّه لا يُعَدُّ أكَلاتٍ.
وَيُحَرِّمُ لَبَنُ الْمَيِّتَةَ وَاللَّبَنُ الْمَشُوبُ.
ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ.
وَقَال أَبُو بَكرٍ: لَا يَثْبُت التّحْرِيمُ بِهِمَا.
ويَحْتَمِلُ أن يُخَرَّجَ على ما إذا قطَعَتْ عليه المُرْضِعَةُ الرَّضاعَ، على ما قَدَّمْناه.
فصل: فإن عَمِلَ اللّبَنَ جُبْنًا ثم أطْعَمَه الصَّبِيَّ، ثَبَتَ به التّحْريمُ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُحَرَّمُ به؛ لزَوالِ الاسْمِ.
وكذلك على الرِّوايةِ التي تقولُ: لا يَثْبُتُ التَّحْريمُ بالوَجُورِ.
لا يَثْبُتُ ههُنا بطَرِيقِ الأولَى.
ولَنا، أنَّه واصِلٌ مِن الحَلْقِ، يَحْصُلُ به إنْباتُ اللَّحْمِ، وإنْشازُ العَظْمِ، فحَصَلَ به التَّحْريمُ، كما لو شَرِبَه.
3921 -
مسألة: (ويُحَرِّمُ لَبَنُ المَيِّتةِ واللّبَنُ المَشُوبُ. ذَكَرَه الخِرَقِيُّ. وقال أَبُو بَكْرٍ: لا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ بهما)
المنصوصُ عن أحمدَ، في رِوايةِ إبراهيمَ الحَرْبِيِّ في لَبَنِ المَيِّتةِ، أنَّه يَنْشُرُ الحُرْمةَ.
وهو اخْتِيارُ أبي بكرٍ.
وقولُ أبي ثَوْرٍ، والأوْزاعِيِّ، وابنِ القاسمِ، وأصْحابِ الرَّأْي، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال أبو بكرٍ الخَلَّالُ: لا يَنْشُرُ الحُرْمَةَ.
وتَوَقَّفَ عنه أحمدُ في رِوايَةِ مُهَنَّا.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه لَبَنٌ ممَّن ليس هو
..................................
بمَحَلٍّ للولادةِ، فلم يتَعَلَّقْ به التَّحْريمُ، كلَبَنِ الرَّجُلِ.
ولَنا، أنَّه وُجِدَ الرَّضاعُ على وَجْهٍ يُنْبِتُ اللَّحْمَ ويُنْشِزُ العَظْمَ مِن امْرأةٍ، فأثْبَتَ التَّحْريمَ، كحالِ الحياةِ، ولأنه لا فارِقَ بينَ شُرْبِه في حَياتِها ومَوْتِها إلَّا الحياةُ والمَوْتُ أو النّجاسَةُ، وهذا لا أثَرَ له، فإنَّ اللَّبَنَ لا يَمُوتُ، والنَّجاسَةُ لا تُؤثِّرُ، كما لو حُلِبَ في وَعاءٍ 1 نَجِسٍ، ولأنَّه لو حُلِبَ منها في حَياتِها، فشَرِبَه 2 بعدَ مَوْتِها, لنَشَرَ الحُرْمَةَ، فبَقاؤُه في ثَدْيِها لا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الحُرْمَةِ؛ لأنَّ ثَدْيَها لا يَزِيدُ على الإناءِ في عَدَمِ الحياةِ، وهي لا تزِيدُ على عَظْمِ المَيتَةِ في ثُبُوتِ النَّجاسةِ.
فصل: ولو حَلَبَتِ المرْأةُ لَبَنَها في إناءٍ، ثم ماتَتْ، فشَرِبَه صَبِيٌّ، نَشَرَ الحُرْمَةَ، في قولِ كلِّ مَن جَعَلَ الوَجُورَ مُحَرِّمًا.
وبه قال أبو ثَوْرٍ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْي؛ وذلك لأنَّه لَبَنُ امْرأةٍ حُلِبَ في حَياتِها، فأشْبَهَ ما لو شَرِبَه وهي في الحياةِ.
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: إنْ غَلَبَ اللَّبَنُ حَرَّمَ، وَإلَّا فَلَا.
3922 - مسألة: (ويُحَرِّمُ اللَّبَنُ المَشُوبُ)
ذكَرَه الخِرَقِيُّ.
والمَشُوبُ؛ المُخْتَلِطُ بغيرِه.
وسَواءٌ اخْتَلَطَ بطَعامٍ أو شَرابٍ أو غيرِه، في قولِ الخِرَقِيِّ.
وبه قال الشَّافعيُّ.
وقال أبو بكرٍ: قِياسُ قولِ أحمدَ، أنَّه لا يُحَرِّمُ؛ لأنَّه وَجُورٌ (وقال ابنُ حامدٍ: إن غَلَبَ اللَّبَنُ حَرَّمَ، وإلَّا فلا) وهو قولُ أبي ثَوْرٍ، والمُزَنِيِّ؛ لأنَّ الحُكْمَ للأغْلَبِ، ولأنَّه يَزُولُ بذلك الاسْمُ والمعْنَى [المرادُ به] 1. ونحوُه قولُ أصْحابِ الرَّأْي، وزادوا فقالوا: إن كانتِ النَّارُ مَسَّتِ اللَّبنَ حتَّى أنْضَجَتِ الطعامَ، أو 2 حتَّى تَغَيَّرَ، فليس برَضاعٍ.
ووَجْهُ الأوَّل، أنَّ اللَّبَنَ متى كان ظاهِرًا، فقد حَصَلَ شُرْبُه، ويَحْصُلُ به إنْباتُ اللَّحْمِ وإنْشازُ العَظْمِ،
..................................
فحَرَّمَ، كما لو كان غَالِبًا، وهذا فيما إذا كانتْ صِفاتُ اللَّبَنِ باقِيَةً، فأمَّا إن صُبَّ في ماءٍ كثيرٍ لم يتَغَيَّرْ به، لم يَثْبُتْ به التَّحْرِيمُ؛ لأنَّ هذا ليس بمَشُوبٍ، ولا يَحْصُلُ به التَّغَذِّي، ولا إنْباتُ اللَّحْمِ وإنْشازُ العَظْمِ.
وحُكِيَ عن القاضي أنَّ التَّحْريمَ يَثْبُتُ به.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ أجْزاءَ اللَّبَنِ حَصَلَتْ في بَطْنِه، أشْبَهَ ما لو كان لَوْنُه ظاهِرًا.
ولَنا، أنَّ هذا ليس برَضاعٍ، ولا في مَعْناه، فوَجَبَ أن لا يَثْبُتَ حُكْمُه فيه.
فصل: فإن حُلِبَ مِن نِسْوَةٍ، وسُقِيَ الصَّبِيُّ، فهو كما لو ارْتَضَعَ مِن
وَالْحُقْنَةُ لَا تَنْشُرُ الْحُرْمَةَ.
نَصَّ عَلَيهِ.
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: تَنْشُرُهَا.
كلِّ واحدةٍ منهنَّ؛ لأنَّه لو شِيبَ بماءٍ أو عَسَلٍ، لم يَخْرُجْ عن كَوْنِه رَضاعًا مُحَرِّمًا، فكذلك إذا شِيبَ بلَبَنٍ آخَرَ.
3923 -
مسألة: (والحُقْنَةُ لَا تَنْشُرُ الحُرْمَةَ. نَصَّ عليه. وقال ابنُ حامِدٍ: تَنْشُرُها)
المنصوصُ عن أحمدَ، أنَّ الحُقْنَةَ لا تُحَرِّمُ.
قاله أبو الخَطَّابِ.
وهو مذهبُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ.
وقال ابنُ حامدٍ، وابنُ أبي موسى تُحَرِّمُ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه سَبِيلٌ يحْصُلُ بالواصِلِ منه الفِطْرُ، فتَعَلَّقَ به التَّحْريمُ، كالرَّضاعِ.
ولَنا، أنَّ هذا ليس برَضَاعٍ، ولا يَحْصُلُ به التَّغَذِّي، فلم يَنْشُرِ الحُرْمَةَ، كما لو قَطَّرَ في إحْلِيلِه، ولأنَّه ليس برَضاعٍ، ولا في مَعْناه، فلم يَجُزْ إثْباتُ حُكْمِه فيه 1، ويُفارِقُ
فَصْلٌ: وَإذَا تَزَوَّجَ كَبِيرَةً وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَثَلَاثَ صَغَائِرَ، فَأرْضَعَتِ الْكَبِيرَةُ إحْدَاهُنَّ في الْحَوْلَينِ، حَرُمَتِ الْكَبِيرَةُ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَثَبَتَ نِكَاحُ الصُّغْرَى.
وَعَنْهُ، يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا.
فِطْرَ الصائِمِ، فإنَّه لا 1 يُعْتَبَرُ فيه إنْباتُ 2 اللَّحْمِ، ولا إنْشازُ العَظْمِ، وهذا لا يُحَرِّمُ فيه إلَّا ما أنْبَتَ اللَّحْمَ و 3 أنْشَزَ العَظْمَ، ولأنَّه وَصَلَ اللَّبَنُ إلى الباطِنِ مِن غيرِ الحَلْقِ، أشْبَهَ ما لو وَصَلَ مِن جُرْحٍ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (وإذا تزَوَّجَ كبيرةً ولم يَدْخُلْ بها، وثَلاثَ صَغائِرَ، فأرْضَعَتِ الكَبِيرَةُ إحْداهُنَّ في الحَوْلَين، حَرُمَتِ الكَبِيرَةُ على التَّأبِيدِ، وثَبَتَ نِكاحُ الصَّغِيرَةِ.
وعنه، يَنْفَسِخُ نِكاحُها) متى تزَوَّجَ
..................................
كبيرةً وصَغِيرةً، فأرْضَعَتِ الكبيرةُ الصَّغيرةَ قبلَ دُخُولِه بها، فَسَدَ نِكاحُ الكبيرةِ في الحالِ، وحَرُمَتْ على التَّأبِيدِ.
وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرأْي.
وقال الأوْزاعِيُّ: نكاحُ الكبيرةِ ثابتٌ، وتُنْزَعُ منه الصغيرةُ.
ولا يَصِحُّ ذلك، فإنَّ الكبيرةَ صارتْ مِن أُمَّهاتِ النِّساءِ، فتَحْرُمُ أبَدًا؛ لقولِ اللهِ سبحانه: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ 1. ولم يَشْتَرِطْ دُخُولَه بها.
فأمَّا الصَّغيرةُ، ففيها رِوَايتان؛ إحداهما، نِكاحُها ثابت؛ لأنَّها رَبِيبَةٌ، [ولم يَدْخُلْ بأُمِّها 2، فلا تَحْرُمُ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾ (1). والرِّوايةُ] 3 الثانيةُ، يَنْفسِخُ نِكاحُها.
وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي حنيفةَ؛ لأنهما صارَتا أُمًّا 4 وبِنْتًا، واجْتَمَعَتا في نِكاحِه، والجمعُ بينَهما مُحَرَّمٌ، فانْفَسَخَ نِكاحُهما،
وَإنْ أرْضَعَتِ اثْنَتَينِ مُنْفَرِدَتَينِ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا، عَلَى الرِّوَايَةِ الأولَى، وَعَلَى الثَّانِيَةِ، يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الأُولَى، وَيَثْبُتُ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ.
كما لو صارَتا أُخْتَين، وكما لو عَقَدَ عليهما بعدَ الرَّضاعِ عقدًا واحدًا.
ولَنا، أنَّه أمكَنَ إزالةُ الجَمْعِ بانْفِساخِ نِكاحِ الكبيرةِ، وهي أوْلَى به؛ لأنَّ نِكاحَها مُحَرَّمٌ على التَّأْبيدِ، فلم يَبْطُلْ نِكاحُهما به، كما لو ابْتَدأ العَقْدَ على أُخْتِه وأجْنَبِيَّةٍ، ولأنَّ الجَمْعَ طَرَأ على نِكاحِ الأُمِّ والبنْتِ، فاخْتصَّ الفَسْخُ بنكاحِ الأُمِّ, كما لو أسْلَمَ وتَحْتَه امرأةٌ وبِنْتُها.
وفارَقَ الأخْتَين؛ لأنَّه ليستْ إحْداهُما أوْلَى بالفَسْخِ مِن الأُخرَى، وفارَقَ ما لو ابْتَدأَ العَقْدَ عليهما؛ لأنَّ الدَّوامَ أقْوَى مِن الابْتِداءِ.
3924 -
مسألة: (وإن أرْضَعَتِ اثْنَتَين مُنْفَرِدَتَين، انْفَسَخَ نِكاحُهما، على الرِّوايَةِ الأولَى، وعلى الثَّانِيَةِ، يَنْفَسِخُ نِكاحُ الأولَى، ويَثْبُتُ نِكاحُ الثانيةِ)
أمَّا انْفِساخُ نِكاحِ الصَّغيرتَينِ، فلأنَّهما صارَتا أُختَين، واجْتَمَعَتا في الزَّوْجِيَّةِ، فيَنْفَسِخُ نِكاحُهما، كما لو أرْضَعَتْهما 1 معًا، وهذا على الرِّوايةِ الأُولَى التي تقولُ: يَنْفَسِخُ نِكاحُ الكبيرةِ وحدَها.
وَإنْ أرْضَعَتِ الثَّلَاثَ مُتَفَرِّقَاتٍ، انْفَسَخَ نِكَاحُ الْأُولَيَينِ، وَثَبَتَ
فأمَّا على الرِّوايةِ التي تقولُ: يَنْفَسِخُ نِكاحُهما معًا.
فإنَّه يَثْبُتُ نِكاحُ الأخِيرةِ مِن الصَّغِيرتَين؛ لأنَّ الكَبيرَةَ لمَّا أرْضَعَتِ الصَّغيرةَ أوَّلًا، انْفَسَخَ نِكاحُهما، ثم أرْضَعَتِ الأُخْرَى، فلم تَجْتَمِعْ مَعَهما في النِّكاحِ، فلم يَنْفَسِخْ نِكاحُها.
فصل: إذا أرْضَعَتِ الصغيرتَين (1) أجْنبِيَّةٌ، انْفَسَخَ نِكاحُهما أَيضًا.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والمُزَنِيِّ.
وهو أحدُ قَوْلَي الشافِعِيِّ.
وقال في الآخَرِ: يَنْفَسِخُ نِكاحُ الأخِيرةِ وحدَها؛ لأنَّ سبَبَ البُطْلانِ (2) حَصَلَ بها (3)، وهو الجَمْعُ، فأشْبَهَ ما لو تَزَوَّجَ إحْدَى الأُخْتَين بعدَ الأُخْرَى.
ولَنا، أنَّه جَامِعٌ بينَ الأخْتَين في النِّكاحِ، فانْفَسَخَ نِكاحُهما، كما لو أرْضَعَتْهما معًا، وفارَقَ ما لو عَقَدَ على واحدةٍ بعدَ أُخْرَى، فإنَّ عَقْدَ الثانيةِ
لم يَصِحَّ، فلم يَصِرْ به جامِعًا بينَهما، وههُنا حَصَلَ الجَمْعُ برَضاعِ الثانيةِ، ولا يُمْكِنُ القولُ بأنَّه لم يَصِحَّ، فحَصَلَتا معًا في نِكاحِه وهما أُخْتان لا مَحالةَ.
3925 -
مسألة: (وإن أرْضَعَتِ الثَّلاثَ مُتَفَرقاتٍ، انْفَسَخَ نِكاحُ
123
نِكَاحُ الثَّالِثَةِ، عَلَى الرِّوَايَةِ الأولَى، وَعَلَى الثَّانِيَةِ، يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْجَمِيعِ.
وَإنْ أَرْضَعَتْ إِحْدَاهُنَّ مُنْفَرِدَةً، وَاثْنَتَينِ بَعْدَ ذَلِكَ، انْفَسَخَ نِكَاحُ الْجَمِيعِ، عَلَى الرِّوَايَتَينِ.
الأُولَيَين، وثَبَت نِكاحُ الثَّالِثَةِ، على الرِّوايَةِ الأولَى، وعلى الثَّانِيةِ، يَنْفَسِخُ نِكاحُ الجَمِيعِ) لأنَّهما صارَتا أُخْتَين في نِكاحِه، وثَبَتَ نِكاحُ الثَّالِثَةِ؛ لأنَّ رَضاعَها بعدَ انْفِساخِ نِكاحِ الكَبِيرَةِ والصّغِيرَتَين اللَّتَين قَبْلَها، فلم تُصادِفْ أُخُوّتُها جَمْعًا في النِّكاحِ.
[وعلى الروايةِ الثانيةِ، يَنْفَسِخُ نِكاحُ الجميعِ] (1).
3926 -
مسألة: (وإن أرْضَعَتْ إحداهُنَّ مُنْفَرِدَةً، واثْنَتَين بعدَها، انْفَسَخَ نِكاحُ الجميعِ، على الرِّوايَتَين)
[إذا أرْضَعَتْ إحْداهُنَّ اثْنَتَين بعدَها] 2 معًا، بأن تُلْقِمَ 3 كلَّ واحِدَةٍ منهما ثَدْيًا، فمَصَّتَا معًا، أو1
وَلَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ مَنْ شَاءَ مِنَ الأصَاغِرِ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكُبْرَى، حَرُمَ الْكُلُّ عَلَيهِ عَلَى الْأَبَدِ.
وَكُلُّ امْرأةٍ تَحْرُمُ ابْنَتُهَا عَلَيهِ؛ كَأُمِّهِ، وَجَدَّتِهِ، وَأُخْتِهِ، وَرَبِيبَتِهِ، إِذَا أرْضَعَتْ طِفْلَةً، حَرَّمَتْهَا عَلَيهِ.
وَكُلُّ رَجُلٍ تَحْرُمُ عَلَيهِ ابْنَتُهُ، كَأخِيهِ وَأبِيهِ وابْنِهِ، إِذَا أرْضَعَتِ امْرَأَتُهُ بِلَبَنِهِ.
تَحْلِبَ مِن لَبَنِها في إناءٍ فتَسْقِيَهما معًا، انْفَسَخَ نِكاحُ الجَمِيعِ؛ لأنَّهُنَّ صِرْنَ أخَواتٍ في نِكاحِه, لأنَّها إذا أرْضَعَتْ إحْداهُنَّ مُنْفَرِدَةً، لم يَنْفَسِخْ نِكاحُها؛ لأنَّها مُنْفَرِدَةٌ، ثم إذا أرْضَعَتِ اثْنَتَين بعدَ ذلك مُجْتَمِعاتٍ، انْفَسَخَ نِكاحُ الجميعِ؛ لأنَّهُنَّ أخَواتٌ في النِّكاحِ.
هذا على الرِّوايةِ الأُولَى.
وعلى الثانيةِ، يَنْفَسِخُ نِكاحُ الأمِّ والأُولَى بالاجْتِماعِ، ثم يَنْفَسِخُ نِكاحُ الاثْنَتَين؛ لِكَوْنِهما صارَتا أُختَين معًا.
3927 -
مسألة: (وله أن يَتَزَوَّجَ مَن شاء مِن الأصَاغِرِ)
لأنَّ تَحْريمَهُنَّ تَحْريمُ جَمْع لا تَحْريمُ تَأْبِيدٍ، فإنَّهُنَّ رَبائِبُ لم يَدْخُلْ بأُمِّهِنَّ (وإن كان دَخَلَ بالأمِّ، حَرُمَ الكُلُّ عليه على الأبدِ) لأنهُنَّ رَبائِبُ مَدْخُولٌ بأُمِّهِنَّ.
3928 -
مسألة: (وكلُّ امْرَأةٍ تَحْرُمُ ابْنَتُها عليه؛ كأُمِّه، وأُخْتِه، وجَدَّتِه، ورَبِيبَتِه، إذا أرْضَعَتْ طِفْلَةً، حَرَّمَتْهَا عليه)
لأنَّها تَصِيرُ ابْنَتَها (وكُلُّ رَجُلٍ تَحْرُمُ ابْنَتُه، كأخِيه وابْنِه وأبِيه، إذا
طِفْلَةً، حَرَّمَتْهَا عَلَيهِ وَفَسَخَتْ نِكَاحَهَا مِنْهُ إِنْ كَانَتْ زَوْجَتَهُ.
فَصْلٌ: وَكُلُّ مَنْ أَفْسَدَ نِكَاحَ امْرأَةٍ بِرَضَاعٍ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَإِنَّ الزَّوْجَ يَرْجِعُ عَلَيهِ بِنِصْفِ مَهْرِهَا الَّذِي يَلْزَمُهُ لَهَا،
أرْضَعَتِ امرأتُه بلَبَنِه طِفْلَةً، حَرَّمَتْها عليه وفَسَخَتْ نِكاحَها) لأنَّها صارتْ ابْنَةَ مَن تَحْرُمُ ابْنَتُه عليه.
وإن أرْضَعَتْها امرأةُ أحَدِ هؤلاءِ بلَبَنِ غيرِه، لم تَحْرُمْ عليه؛ لأنَّها صارتْ رَبِيبَةَ زَوْجِها.
وإن أرْضَعَتْها مَن لا تَحْرُمُ بِنْتُها، كعَمَّتِه وخالتِه، لم تُحَرِّمْها عليه.
ولو تزَوَّجَ بنتَ عمِّه، فأرْضَعَتْ جَدَّتُهما أحَدَهما صَغيرًا، انْفَسَخَ النِّكاحُ؛ لأنَّها إن أرْضَعَتِ الزَّوْجَ صارَ عَمَّ زَوْجَتِه، وإِن أرْضَعَتِ الزَّوْجَةَ صارَتْ عَمَّتَه، وإن أرْضَعَتْهما جَمِيعًا صار عَمَّها وصارَتْ عَمَّتَه.
وإن تزَوَّجَ بِنْتَ عَمَّتِه، فأرْضَعَتْ جَدَّتُهما أحَدَهما صغيرًا، انْفَسَخَ النِّكاحُ؛ لأنَّها إن أرْضَعَتِ الزَّوْجَ صارَ خالها، وإن أرْضَعَتِ الزَّوْجَةَ صارتْ عمَّتَه.
وإن تزَوَّجَ بنتَ خالِه، فأرْضَعَتْ جَدَّتُهما الزَّوْجَ صارَ عَمَّ زَوْجَتِه، وإن أرْضَعَتْها 1 صارتْ خَالتَه.
وإنْ تزَوَّجَ ابنةَ خالتِه، فأرْضَعَتِ الزَّوْجَ، صارَ خال زَوْجَتِه، وإن أرْضَعَتْها (1)، صارتْ خالةَ زَوْجِها.
فصل: قال، رَضِيَ الله عنه: (وكلُّ مَن أفْسَدَ نِكاحَ امرأةٍ برَضاعٍ قبلَ الدُّخُولِ، فإنَّ الزَّوْجَ يرْجِعُ عليه بنِصْفِ مَهْرِها الذي يَلْزَمُه لها) لأنَّه
وَإِنْ أَفْسَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا، سَقَطَ مَهْرُهَا، قرَّرَه عليه بعدَ أن كان بعَرَضِ السُّقُوطِ، وفرَّقَ بينَه وبينَ زَوْجَتِه، فلَزِمَه ذلك، كشُهُودِ الطَّلاقِ إذا رَجَعُوا، وإنَّما لَزِمَه نِصْفُ مَهْرِ الصَّغيرةِ؛ لأنَّ نِكاحَها انْفَسَخَ قبلَ دُخُولِه بها مِن غيرِ جِهَتِها، والفَسْخُ إذا جاء مِن أجْنَبِيٍّ كان كطَلاقِ الزَّوْجِ في وُجُوبِ الصَّداقَ عليه.
3929 -
مسألة: (وإن أفْسَدَتْ نِكاحَها)
قَبْلَ الدُّخُولِ (فلا مَهْرَ
..................................
لها) لأنَّ فَسْخَ نِكاحِها بسبَبٍ مِن جِهَتِها، فسَقَطَ صَداقُها، كما لو ارْتَدَّتْ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، فعلى هذا، إذا أرْضَعَتِ امرأتُه الكُبْرى الصُّغْرى، فانْفسَخَ نِكاحُ الصُّغْرَى، فعلى الزَّوْجِ نِصْفُ مَهْرِ الصُّغْرَى، ويَرْجِعُ به على الكُبْرى؛ لِمَا ذكَرْنا.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وحُكِيَ عن بعضِ أصْحابِه، أنَّه يَرْجِعُ بجميعِ صَداقِها؛ لأنَّها أتْلَفَتِ البُضْعَ، فوَجَبَ ضَمانُه.
وقال أصْحابُ الرَّأْي: إن كانَتِ المُرْضِعةُ أرادَتِ الفَسادَ، رَجَعَ عليها بنِصْفِ الصَّداقِ، وإلَّا فلا يَرْجِعُ بشيءٍ.
وقال مالكٌ: لا يَرْجِعُ بشيءٍ.
ولَنا، على أنَّه يَرْجِعُ عليها بالنِّصْفِ، أنَّها قَرَّرَتْه عليه وألْزَمَتْه إيَّاه، وأتْلَفَتْ عليه ما في مُقابَلَتِه، فوَجَبَ عليها الضَّمانُ، كما لو أتْلَفَتْ عليه المَبِيعَ.
ولَنا، على أبي حنيفةَ، أنَّ ما ضُمِنَ في العَمْدِ ضُمِنَ في الخَطأ، كالمالِ، ولأنَّها أفْسَدَت نِكاحَه، وقَرَّرَتْ عليه نِصْفَ الصَّداقِ، فأشْبَهَ ما لو قَصَدَتِ الإفْسادَ.
ولَنا، على أنَّ الزَّوْجَ إنَّما يَرْجِعُ بالنِّصْفِ، أنَّه لم يَغْرَمْ إلَّا 1 النِّصْفَ، فلم يَجِبْ له أكْثَرُ ممَّا غَرِمَ، ولأنَّه بالفَسْخِ رَجَعَ إليه بَدَلُ 2 النِّصْفِ