..................................
فصل: وإن غَصَب دارًا فنَقَضَها ولم يَبْنِها، فعليه أَجْرُ دارٍ إلى حينِ نَقْضِها، وأَجْرُها مَهْدُومَةً مِن حينِ نَقْضِها إلى حينِ رَدِّها؛ لأنَّ البِناءَ انْهَدَمَ وتَلِفَ، فلم يَجِبْ أجْرُه مع تَلَفِه.
وإن نَقَضَها، ثم بَناهَا بآلةٍ مِن عندِه، فالحُكْمُ كذلك.
وإن بنَاها بآلَتِها أو آلةٍ من تُرابِها، أو مِلْكِ المَغْصُوبِ منه، فعليه أجْرُها عَرْصَةً منذُ نَقَضَها إلى أن بَناهَا، وأَجْرُها دارًا فيما قبلَ ذلك وبعدَه؛ لأنَّ البِناءَ للمالِكِ.
وحُكْمُها في نَقْضِ بِنائِها الذي بَناه الغاصِبُ حُكْمُ ما لو غَصَبَها عَرْصَةً فبَناهَا.
وإن كان الغاصِبُ باعَها فبَنَاها المُشْتَرِي، أو نَقَضَها ثم بَنَاها، لم يَخْتَلِفِ الحُكْمُ، وللمالِكِ مُطالبَةُ مَن شاءَ منهما، والرُّجُوعُ عليه، فإن رَجَع على الغاصِبِ، رَجَع الغاصِبُ على المُشْتَرِي بقِيمَةِ ما تَلِفَ 1 مِن الأعْيانِ؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ دَخَل على أنَّه مَضْمُونٌ عليه بالعِوَضِ، فاسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه، وإن رَجَع المالِكُ على المُشْتَرِي، رَجَع المُشْتَرِي على الغاصِبِ بنَقْص 2 التّالِفِ، ولم يَرْجِعْ بقِيمَةِ ما تَلِفَ.
وهل يَرْجِعُ كلُّ واحِدٍ منهما على صاحِبِه بالأجْرِ؟ على رِوايَتَينِ.
وليس له مُطالبَةُ المُشْتَرِي مِن الأَجْرِ إلَّا بأَجْرِ مُدَّةِ مُقامِها في يَدِه؛ لأنَّ يَدَه إنَّما تَثْبُتُ حِينَئِذٍ.
وَإِنْ غَصَبَ لَوْحًا، فَرَقَّعَ بِهِ سَفِينَةً، لَمْ يُقْلَعْ حَتَّى تَرْسُوَ.
2301 - مسألة: (وإن غَصَب لَوْحًا، فرَفَّعَ به سَفِينَةً، لم يُقْلَعْ حتى تَرْسُوَ)
[إذا غَصَب لَوْحًا فرَقَّعَ به سَفِينَةً وكانت على السّاحِلِ، رَدَّه.
وإن كانت في لُجَّةِ البَحْرِ واللَّوْحُ في أعْلاها بحيثُ لا تَغْرَقُ بقَلْعِه، لَزِم قَلْعُه.
وإن خِيفَ غَرَقُها بذلك، لم يُقْلَعْ حتى تَخْرُجَ إلى السّاحِلِ] 1. ولصاحِبِ اللَّوْحِ طَلَبُ قِيمَتِه، فإذا أمْكَنَ رَدُّ اللَّوْحِ، اسْتَرْجَعَه ورَدَّ القِيمَةَ، كما لو غصَب عَبْدًا، فأَبَقَ.
وقال أبو الخَطَّابِ: إن كان فيها حَيَوانٌ له حُرْمَةٌ أو مالٌ لغيرِ الغاصِبِ 2، لم يُقْلَعْ،، كالخَيطِ.
وَإِنْ غَصَبَ خَيطًا، فَخَاطَ بهِ جُرْحَ حَيَوَانٍ، وَخِيفَ عَلَيهِ مِنْ قَلْعِهِ، فَعَلَيهِ قِيمَتُهُ، إلا أنْ يَكُونَ الحَيَوَانُ مَأْكُولًا لِلْغَاصِبِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ رَدُّهُ وَيُذْبَحُ الْحَيَوَانُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
وإن كان فيها مالٌ للغاصِبِ، أو لا مال فيها، فكذلك، في (1) أحَدِ الوَجْهَينِ.
والثاني، يُقْلَعُ في الحالِ؛ لأنَّه أمْكَنَ رَدُّ المَغْصُوبِ، فلَزِمَه وإن أفْضَى إلى تَلَفِ مالِ الغاصِبِ، كرَدِّ السّاجَةِ المَبْنِيِّ عليها.
ولأَصحابِ الشافِعِيِّ وَجْهان كهذَين.
ولَنا، أنَّه أمْكَنَ رَدُّ المَغْصُوبِ مِن غيرِ إتْلافٍ، فلم يَجُزِ (2) الاتْلافُ، كما لو كان فيها مالُ غيرِه.
وفارَقَ السّاجَةَ في البِناءِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ رَدُّها مِن غيرِ إتْلافٍ.
2302 -
مسألة: (وإن غَصَب خَيطًا، فخاطَ به جُرْحَ حَيَوانٍ، وخِيفَ عليه مِن قَلْعِه، فعليه قِيمَتُه، إلَّا أن يكونَ الحَيَوانُ مَأْكُولًا للغاصِبِ، فهل يَلْزَمُه رَدُّه ويُذْبَحُ الحَيَوانُ؟ على وَجْهَين)
هذه المسألةُ12
..................................
لا تَخْلُو مِن ثَلاثَةِ أقْسامٍ؛ أحدُها، أن يَخِيطَ به جُرْحَ حَيَوانٍ لا حُرمَةَ له؛ كالمُرْتَدِّ والخِنْزِيرِ والكَلْبِ العَقُورِ، فيَجِبُ رَدُّه؛ لأنَّه لا 1 يَتَضَمَّنُ تَفْويتَ ذِي حُرْمَةٍ، أشْبَهَ ما لو خاطَ به ثَوْبًا.
الثاني، أن يَخِيطَ به جُرْحَ حَيَوانٍ مُحْتَرَمٍ لا يَحِلُّ أكْلُه، كالآدَمِيِّ، فإن خِيفَ مِن نَزْعِه الهَلاكُ أو إبْطَاءُ بُرْئِه، فلا يَجِبُ؛ لأنَّ الحَيَوانَ آكَدُ حُرْمَةً مِن عَينِ 2 المالِ، ولهذا جازَ له أخْذُ مالِ غيرِه لحِفْظِ حَياتِه، وإتْلافُ المالِ لتَبْقِيَتِه، وهو ما يَأْكُلُه.
وكذلك الدَّوَابُّ التي لا يُؤْكَلُ لَحْمُها، كالبَغْلِ والحِمارِ الأَهْلِيِّ.
الثالثُ، أن يَخِيطَ به جُرْحَ حَيَوانٍ مَأْكُولٍ، فإن كان مِلْكًا لغيرِ الغاصِبِ، وخِيفَ تَلَفُه بقَلْعِه، لم يُقْلَعْ؛ لأنَّ، فيه إضْرارًا بصاحِبِه، ولا يُزَالُ الضُّرَرُ بالضَّرَرِ، ولا يَجِبُ إتْلافُ مالِ مَن لم يَجْنِ صِيانَةً لمالِ آخَرَ، وإن كان للغاصِبِ، فقال القاضِي: يَجِبُ رَدُّه؛ لأنَّه يُمْكِنُ ذَبْحُ الحَيَوانِ والانْتِفاعُ بلَحْمِه، وذلك جائزٌ، وإن حَصَل فيه نَقْصٌ على الغاصِبِ فليس ذلك بمانِعٍ
..................................
مِن وُجُوبِ رَدِّ المَغْصُوبِ، كنَقْضِ البِنَاءِ.
وقال أبو الخَطّاب: فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، هذا.
والثاني، لا يَجِبُ قَلْعُه؛ لأنَّ للحَيوانِ حُرْمَةً في نَفْسِه، وقد نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن ذَبْحِ الحَيَوانِ لغيرِ مَأْكَلَةٍ 1. ولأصْحابِ الشافعيِّ وَجْهان كهذَين.
قال شيخُنا 2: ويَحْتَمِلُ أن يُفَرَّقَ بينَ ما يُعَدُّ للأَكْلِ مِن الحيوانِ، كبَهِيمَةِ الأَنْعامِ والدَّجاجِ، وبينَ ما لا يُعَدُّ له، كالخَيلِ، وما يُقْصَدُ صَوْتُه مِن الطَّيرِ؛ فيَجِبُ ذَبْحُ الأوَّلِ إذا تَوَقَّفَ رَدُّ الخَيطِ عليه، ولا يَجِبُ ذَبْحُ الثاني؛ لأنَّه إتْلافٌ له، فجَرَى مَجْرَى ما لا يُؤْكَلُ لَحْمُه.
ومتى أمْكَنَ رَدُّ الخَيطِ مِن غيرِ تَلَفِ الحَيَوانِ، أو بعضِ أعْضائِه، أو ضَرَرٍ كَثِيرٍ، وَجَب رَدُّه.
وَإِنْ مَاتَ الْحَيَوَانُ، لِزَمَهُ رَدُّهُ، إلا أَنْ يَكُونَ آدَمِيًّا.
2303 - مسألة: (فإن مات الحَيوانُ، لَزِمَه رَدُّه، إلَّا أن يكونَ آدَمِيُّا)
مَعْصُومًا؛ لأنَّ غيرَ الآدَمِيِّ لا حُرْمَةَ له بعدَ المَوْتِ، وحُرْمَةُ الآدَمِيِّ باقِيةٌ؛ ولهذا قال، عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ كَكَسْرِهِ وَهُوَ حَيٌّ» 1. فعلى هذا يَرُدُّ قِيمَتَه.
..................................
فصل: إذا غَصَب أَرْضًا، فحُكْمُها في جَوازِ دُخُولِ غيرِه إليها حُكْمُها قبلَ الغَصْبِ.
فإن كانت مُحَوَّطَةً، كالدَّارِ والبُسْتانِ المُحَوَّطِ عليه، لم يَجُزْ دُخُولُها لغيرِ مالِكِها إلَّا بإذْنِه؛ لأنَّ مِلْكَ مالِكِها لم يَزُلْ عنها، فلم يَجُزْ دُخُولُها بغيرِ إذْنِه، كما لو كانتْ في يَدِه.
قال الإِمامُ أحمدُ، رَضِيَ اللهُ عنه، في الضَّيعَةِ تَصِيرُ غَيضَةً 1 فيها سَمَكٌ: لا يَصِيدُ فيها أحَدٌ إلَّا بإذْنِهِم.
وإن كانت صَحْراءَ، جازَ الدُّخُولُ فيها ورَعْيُ حَشِيشِها.
قال الإمامُ أحمدُ: لا بَأْسَ برَعْي الكَلَأ في الأرْضِ المَغْصُوبةِ.
وذلك لأنَّ الكَلَأَ لا يُمْلَكُ بملْكِ الأرْضِ.
ويتَخَرَّجُ في كلِّ واحِدَةٍ مِن الصُّورَتَين مثلُ حُكْمِ الأُخْرى، قِياسًا لها عليها.
ونَقَل عنه المَرُّوذِيُّ، في دارٍ طَوَابِيقُها غَصْبٌ: لا يَدْخُلُ على والدَيه؛ لأنَّ دُخُولَه عليهما تَصَرُّفٌ في الطَّوابِيقِ المَغْصُوبةِ.
..................................
ونَقَل عنه الفَضْلُ بنُ عبدِ الصَّمَدِ 1، في رجلٍ له إِخْوةٌ في أرْضِ غَصْبٍ: يَزُورُهُم ويُرَاودُهُمِ على الخُرُوجِ فإن أجَابُوه وإلَّا لم يُقِمْ معهم، ولا يَدَعُ زيارَتهُم.
يعني يَزُورُهُم؛ يَأْتِي بابَ دَارِهم، ويَتَعَرَّفُ أخْبارَهم، ويُسَلِّمُ عليهم، ويُكُلِّمُهُم، ولا يَدْخُلُ إليهم.
ونَقَل المَرُّوذِيُّ عنه: أَكْرَهُ المَشْيَ على العَبَّارَةِ التي يَجْرِي فيها الماءُ؛ وذلك لأنَّ العَبّارَةَ وُضِعَتْ لعُبُورِ الماءِ لا للْمَشْيِ عليها، [ورُبَّما أضَرَّ بها المَشْيُ عليها] 2. قال أحمدُ: لا يَدْفِنُ في الأَرْضِ المَغْصوبةِ؛ لِما في ذلك مِن التَّصَرُّفِ في أَرْضِهِم بغيرِ إذْنِهِم.
وقال أحمدُ في مَن ابْتاعَ طَعامًا مِن مَوْضِعِ غَصْبٍ ثم عَلِمَ: رَجَع إلى المَوْضِعِ الذي أخَذَه منه فرَدَّه.
ورُوِيَ عنه أنَّه قال: يَطْرَحُه.
يَعْنِي على مَن ابْتاعَه منه؛ وذلك لأنَّ قُعُودَه فيه حَرامٌ مَنْهِيٌّ
..................................
عنه، فكان البَيعُ فيه مُحَرَّمًا، ولأنَّ الشِّراءَ مِمَّن يَقْعُدُ في المَوْضِعِ المُحَرَّمِ يَحْمِلُهم على القُعُودِ والبَيعِ فيه، وتَرْكُ الشِّرَاءِ منهم يَمْنَعُهُم القُعُودَ.
وقال: لا يَبْتاعُ مِن الخَاناتِ التي في الطُّرُقِ، إلَّا أن لا يَجِدَ غيرَه، كأَنَّه بمَنْزِلَةِ المُضْطَرِّ.
وقال في السُّلْطانِ إذا بَنَى دارًا، وجَمَع النّاسَ إليها: أَكْرَهُ الشِّراءَ منها.
قال شيخُنا 1: وهذا على سَبِيلِ الوَرَعِ، إن شاءَ اللهُ تعالى؛ لِما فيه مِن الإِعَانَةِ على فِعْلِ المُحَرَّمِ، والظاهِرُ صِحَّةُ البَيعِ؛ لأنَّه إذا صَحَّتِ الصَّلاةُ في الدّارِ المَغْصُوبةِ في رِوَايَةٍ، وهي عِبادَةٌ، فما ليس بعِبادَةٍ أَوْلَى.
وقال في مَن غَصَب ضَيعَةً، وغُصِبَتْ مِن الغاصِبِ، وأرادَ الثاني رَدَّها: جَمَع بينَهما.
يَعْنِي بينَ مالِكِها والغاصِبِ الأوّلِ.
وإن
..................................
ماتَ بعضُهم، جَمَع وَرَثَتَه.
إنَّما قال هذا احْتِياطًا، خَوْفَ التَّبِعَةِ مِن الغاصِبِ الأوّلِ؛ لأنَّه رُبّما طالبَ بها فادَّعاها مِلكًا باليَدِ، وإلَّا فالواجِبُ
..................................
رَدُّها على مالِكِها.
وقد صَرَّحَ بهذا في رِوايَةِ عبدِ اللهِ، في رجلٍ اسْتَوْدَعَ رجلًا ألْفًا، فجاءَ رجل إلى المُسْتَوْدَعِ، فقال: إنَّ فُلانًا غَصَبَنِي الألْفَ
فَصْلٌ: وَإِنْ زَادَ، لَزِمَهُ رَدُّهُ بِزِيَادَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَّصِلَةً؛ كَالسِّمَنِ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، أَوْ مُنْفَصِلَةً؛ كَالْوَلَدِ وَالْكَسْب.
وَلَوْ غَصَبَ جَارِحًا فَضَادَ بِهِ، أَوْ شَبَكَةً أَوْ شَرَكًا فَأَمْسَكَ شَيئًا، أَوْ فَرَسًا فَصَادَ عَلَيهِ أَوْ غَنِمَ، فَهُوَ لِمَالِكِهِ.
الذي اسْتَوْدَعَكَهُ.
وصَحَّ ذلك عندَ المُسْتَوْدَعِ.
فإن لم يَخَفِ التَّبِعةَ، وهو أن يَرْجِعُوا به عليه، دَفَعَهُ إليه.
[فصل: قال الشيخُ، رضي اللهُ عنه: (وإن زاد، لَزِمَه رَدُّه بزِيادَتِه، سَواءٌ كانت مُتَّصِلَةً؛ كالسِّمَنِ وتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، أو مُنْفَصِلَةً؛ كالوَلَدِ والكَسْبِ) لأنَّه مِن نَماءِ المَغْصُوبِ، وهو لمالِكِه، فلَزِمَ رَدُّه، كالأصْلِ] (1).
2304 -
مسألة: (وإن غَصَب جارِحًا فصادَ به أو شَبَكَةً أو شَرَكًا فأمْسَكَ شيئًا، أو فَرَسًا فصادَ عليه أو غَنِم، فهو لمالِكِه)
كما لو غَصَب1
..................................
عَبْدًا، فصادَ، فإنَّ الصيدَ لسَيِّدِ العَبْدِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه للغاصِبِ؛ لأنَّ الصّائِدَ والجارِحَةَ آلَةٌ، ولهذا اكْتُفِيَ بتَسْمِيَتِه عندَ إرْسالِ الجارِحِ.
وفيما إذا غَصَب فَرَسًا أو سَهْمًا أو شَبَكَةً فصادَ به وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه للغاصِبِ؛ لأنَّ الصيدَ حَصَل بفِعْلِه، وهذه آلاتٌ، فأَشْبَهَ ما لو ذَبَح بسِكِّينِ غيرِه.
فإن قُلْنا: هو للغاصِبِ.
فعليه أُجْرَةُ ذلك كلِّه مُدَّةَ مُقَامِه في يَدِه إن كان له أجْرٌ.
وإن قُلْنا: هو للمالِكِ.
لم يَكُنْ له أَجْرٌ في مُدَّةِ اصْطِيادِه، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ مَنافِعَه في هذه المُدَّةِ عادَت إلى المالِكِ، فلم يَسْتَحِقَّ
..................................
عِوَضَها على غيرِه، كما لو زَرَع أرْضَ إنسانٍ فأخَذَ المالِكُ الزَّرْعَ بنَفَقَتِه.
والثاني، عليه أَجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّه اسْتَوْفى مَنافِعَه، أشبَهَ ما لو لم يَصِدْ.
ولو غَصَب عَبْدًا، فصادَ أو كَسَب، فالكَسْبُ للسَّيِّدِ.
وفي وُجُوبِ أُجْرَةِ العَبْدِ على الغاصِبِ في مُدَّةِ كَسْبِه وصَيدِه الوَجْهانِ.
وإن غَصَب مِنْجَلًا، فقَطَعَ به خَشَبًا أو حَشِيشًا، فهو للغاصِبِ؛ لأنَّ هذه آلةٌ، فهو كالحَبْلِ يُرْبَط به.
وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَقَصَرَهُ، أَوْ غَزْلًا فَنَسَجَهُ، أَوْ فِضَّةً أَوْ حَدِيدًا فضَرَبَهُ، أَوْ خَشَبًا فَنَجَرَهُ، أَوْ شَاةً فَذَبَحَهَا وَشَوَاهَا، رَدَّ ذَلِكَ بِزِيَادَتِهِ وَأَرْشَ نَقْصِهِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ.
2305 - مسألة: (وإن غَصَب ثَوْبًا فقَصَرَه، أو غَزْلًا فنَسَجَه، أو فِضَّةً أو حَدِيدًا فضَرَبَه، أو خَشَبًا فنَجَرَه، أو شاةً فذَبَحَها وشَوَاها، رَدَّ ذلك بزِيادَتِه وأَرْشَ نَقْصِه، ولا شيءَ له)
[إذا غَصَب حِنْطَةً فَطَحَنَها، أو شاةً فذَبَحَها وشَوَاها، أو حَدِيدًا فعَمِلَه إبَرًا أو أوَانِيَ، أو خَشَبَةً فَنَجَرَها بابًا، أو ثَوْبًا فقَطَعَه وخاطَه، لم يَزُلْ مِلْكُ صاحِبِه عنه، ويَأْخُذُه وأَرْشَ نَقْصِه، ولا شيءَ للغاصِبِ في زِيادَتِه] 1. هذا ظاهِرُ المَذْهَبِ.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ في هذه المسائِلِ: يَنْقَطِعُ حَقُّ صاحِبِها عنها، إلَّا أنَّ الغاصِبَ لا يَجُوزُ له التَّصَرُّفُ فيها إلَّا بالصَّدَقةِ، إلَّأ أن يَدْفَعَ قِيمَتَها فيَمْلِكَهَا ويَتَصَرَّفَ فيها كيف شاءَ.
وروَى
..................................
محمدُ بنُ الحَكَمِ عن أحمدَ، ما يَدُلُّ على أنَّ الغاصِبَ يَمْلِكُها بالقِيمَةِ، إلَّا أنَّه قولٌ قَدِيمٌ رَجَع عنه، فإنَّ محمدًا ماتَ قبلَ أبي عبدِ اللهِ بنحو مِن عِشْرِينَ سَنةً.
واحْتَجُّوُا بما رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - زَارَ قَوْمًا مِن الأنْصارِ في دارِهِم، فقَدَّمُوا إليه شاةً مَشْويَّةً، فتَناوَلَ منها لُقْمَةً، فجَعَلَ يَلُوكُها ولا يَسِيغُها، فقال: «إنَّ هذِهِ الشَّاةَ لتُخْبِرُنِي أنَّها أُخِذَتْ بِغَيرِ حَقٍّ».
فقالوا: نعم يا رسولَ اللهِ، طَلَبْنا في السُّوقِ فلم نَجِدْ، فأخَذْنا شاةً لبعضِ جِيرَانِنا، ونحن نُرْضِيهِم مِن ثَمَنِها.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَطْعِمُوهَا الأَسْرَى».
رَواه أبو داودَ 1 بنَحْو مِن هذا.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ حَقَّ أَصْحابِها انْقَطَعَ عنها، ولولا ذلك لأَمَرَ بِرَدِّها عليهم.
ولَنا، أنَّ عَينَ 2 مال المَغْصُوبِ منه قائِمةٌ، فلَزِمَ رَدُّها إليه، كما لو ذَبَحَ الشّاةَ ولم يَشوهَا، ولأَنَّه لو فَعَلَه بمِلْكِه لم يَزُلْ عنه، فكذلك إذا فَعَلَه بمِلْكِ غيرِه، كذَبْحِ
وَعَنْهُ، يَكُونُ شَرِيكًا بِالزِّيَادَةِ.
الشّاةِ، وضَرْبِ النُّقْرَةِ دَرَاهِمَ.
ولأنَّه لا يُزِيلُ المِلْكَ إذا كان بغيرِ فِعْلِ آدَمِيٍّ، فلم يُزِلْه إذا فَعَلَه آدَمِيٌّ، كالذي ذَكَرْناه.
وأمّا الخَبَرُ فليس بمَعْرُوفٍ كما رَوَوْهُ، [وليس] 1 في رِوَايَةِ أبي داودَ: ونَحْنُ نُرْضِيهِم عَنْهَا.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا شيءَ للغاصِبِ بعَمَلِه، سَواءٌ زادَتِ العَينُ أو لم تَزِدْ.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
(وعنه، يكونُ شَرِيكًا بالزِّيادَةِ) ذَكَرَها أبو الخَطّابِ؛ لأنَّها حَصَلَتْ بمَنافِعِه، والمَنافِعُ أُجْرِيَتْ مُجْرَى الأعيانِ، فأشْبَهَ ما لو غَصَب ثَوْبًا فصَبَغَه.
والمَذْهَبُ الأوّلُ.
ذَكَرَه أبو بكرٍ، والقاضِي؛ لأنَّ الغاصِبَ عَمِل في مِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلم يَسْتَحِقَّ لذلك عِوَضًا، كما لو أَغْلَى زَيتًا فزادَتْ قِيمَتُه، أو بَنَى حائِطًا لغيرِه، أو زَرَع حِنْطَةَ إنْسانٍ في أرْضِه.
فأمّا صَبْغُ الثَّوْبِ، فإنَّ الصِّبْغَ عَينُ مالٍ، لا يَزُولُ مِلْكُ صاحِبِه عنه بِجَعْلِه مع مِلْكِ غيرِه، وهذا حُجَّةٌ عليه؛ لأنَّه إذا
وَقَال أَبُو بَكْرٍ: يَمْلِكُهُ، وَعَلَيهِ قِيمَتُهُ.
لم يَزُلْ مِلْكُه عن صِبْغِه بجَعْلِه في مِلْكِ غيرِه، وجَعْلِه كالصِّفَةِ، فَلأَنْ لا يَزُولَ مِلْكُ غيرِه بعَمَلِه فيه أَوْلَى.
فإنِ احْتَجَّ بأنَّ مَن زَرَع في أرْضِ غيرِه تُرَدُّ عليه نَفَقَتُه، قُلْنا: الزَّرْعُ مِلْكٌ للغاصِبِ؛ لأنَّه عَينُ 1 مالِه، ونَفَقَتُه عليه تَزْدادُ به قِيمَتُه، فإذا أخَذَه مالِكُ الأرْضِ، احْتَسَبَ بما أنْفَقَ على مِلْكِه، وفي مسألتِنا عَمَلُه في مِلْكِ المَغْصُوبِ منه بغيرِ إذْنِه، فكان لاغِيًا، على أنَّنا نقولُ: إنَّما تَجِبُ قِيمَةُ الزَّرْعِ على إحدى الرِّوايَتَين (وقال أبو بكرٍ: يَمْلِكُه، وعليه قِيمَتُه) لِما روَى محمدُ بنُ الحَكَمِ.
ووَجْهُه [ما ذكرناه في صدر المسألة] 2. والصَّحِيحُ الأوَّلُ.
..................................
فصل: فإن نَقَصَتِ العَينُ دونَ القِيمَةِ، رَدَّ المَوْجُودَ وقِيمَةَ النَّقْصِ، وإن نَقَصَتِ العَينُ والقِيمَةُ، ضَمِنَهما معًا، كالزَّيتِ إذا أَغْلاه.
وهكذا القولُ في كلِّ ما تَصَرَّفَ فيه، كنُقْرَةٍ ضَرَبَها دَرَاهِمَ أو حَلْيًا، أو طِينًا جَعَلَه لَبِنًا، أو غَزْلًا نَسَجَه، أو ثَوْبًا قَصَرَه؛ لأنَّه نَقَص بفِعْلٍ غيرِ مَأْذُونٍ فيه، أشْبَهَ ما لو أَتْلَفَ بعضَه.
وإن جَعَل فيه شيئًا مِن عَينِ مالِه، مثلَ أن سَمَّرَ الدُّفُوفَ بمَسامِيرِه، فله قَلْعُها، ويَضْمَنُ ما نَقَصَتِ الدُّفُوفُ، وإن كانت المَسامِيرُ مِن الخَشَبَةِ المَغْصُوبةِ، أو مالِ المَغْصُوبِ منه، فلا شيءَ للغاصِبِ، وليس له قَلْعُها، إلَّا أن يَأْمُرَه المالِكُ بذلك 1 فيَلْزَمَه.
وإن كانت المَسَامِيرُ للغاصِبِ فوَهَبَها 2 للمالِكِ، لم يُجْبَرْ على قَبُولِها، في أقْوَى الوَجْهَين.
وإنِ اسْتَأْجَرَ الغاصِبُ على عَمَلِ شيءٍ مِن هذا الذي ذكَرْناه، فالأجْرُ عليه.
والحُكْمُ في زِيادَتِه ونقْصِه كما لو فَعَل ذلك بنَفْسِه،
وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا، فَحَفَرَ فِيهَا بِئْرًا، وَوَضَعَ تُرَابَهَا فِي أَرْضِ
وللمالِكِ تَضْمِينُ النَّقْصِ مَن شاءَ منهما، فإن غَرَّمَ الغاصِبَ، لم يَرْجِعْ على أحَدٍ إذا لم يَعْلَمِ الأجِيرُ الحال، وإن ضَمَّنَ الأجِيرَ، رَجَع على الغاصِبِ؛ لأنَّه [غَرَّه.
وإن عَلِم الأجِيرُ الحال فغَرَّمَه، لم يَرْجِعْ به على الغاصِبِ؛ لأنَّه] (1) أتْلَفَ مال غيرِه بغيرِ إذْنِه عالِمًا بالحالِ، وإن ضَمَّنَ الغاصِبَ، رَجَع على الأجِيرِ؛ لأنَّ النَّقْصَ حَصَل منه، فاسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه، وإنِ اسْتَعان بمَن فَعَل ذلك، فهو كالأجِيرِ.
2306 -
مسألة: (وإن غَصَب أرْضًا، فحَفَرَ فيها بِئْرًا، ووَضَع
1
مَالِكِهَا، لَمْ يَمْلِكْ طَمَّهَا إِذَا أَبْرَأَةُ الْمَالِكُ مِنْ ضَمَانِ مَا يَتْلَفُ بِهَا، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
تُرابَها في أَرْضِ مالِكِها، لم يَمْلِكْ طَمَّها إذا أبْرَأَه المالِكُ مِن ضَمانِ ما يَتْلَفُ بها، في أحَدِ الوَجْهَين) [إذا غَصَب أرضًا، فحَفَرَ فيها بِئْرًا] 1 فطَالبَهَ 2 المالِكُ بطَمِّها، لَزِمَه؛ لأنَّه يَضُرُّ بالأرْضِ، ولأنَّ التُّرابَ مِلْكُه نَقَلَه مِن مَوضْعِه، فلَزِمَه رَدُّه، كتُرابِ الأرْضِ.
وكذلك إن حَفَر فيها نَهْرًا، أو حَفَر بِئْرًا في مِلْكِ رجلٍ بغيرِ إذْنِه.
وإن أرادَ الغاصِبُ طَمَّها فمَنَعَه المالِكُ، نَظَرْنا؛ فإن كان له غَرَضٌ في طَمِّها، بأن يَسْقُطَ عنه ضَمانُ ما يَقَعُ فيها، أو يكونَ قد نَقَل تُرابَها إلى مِلْكِه أو مِلْكِ غيرِه، أو طَرِيقٍ يَحْتاجُ إلى تَفْرِيغِه، فله ذلك؛ لِما فيه مِن الغَرَضِ.
وبه قال الشّافِعِيُّ.
وإن لم يَكُنْ له غَرَضٌ [في طَمِّ البِئْرِ] (1)، مثلَ أن يكونَ قد وَضَع التُّرابَ في مِلْكِ المَغْصُوبِ منه 3، وأَبْرَأَهُ مِن ضَمانِ ما يَتْلَفُ بها، لم يَكُنْ له طَمُّها، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه إتْلافٌ لا نَفْعَ فيه، فلم يَكُنْ له فِعْلُه، كما لو غَصَب نُقْرَةً
..................................
فطَبَعَهَا دَرَاهِمَ ثم أرادَ رَدَّها نُقْرَةً.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والمُزَنِيُّ، وبعضُ الشّافِعِيّةِ.
وقال بعضُهم: له طَمُّها.
وهو الوَجْهُ الثاني لنا؛ لأنَّه لا يَبْرَأُ مِن الضَّمانِ بإبْراءِ 1 المالِكِ، لكَوْنِه أبْرَأَ مِمّا لم يَجِبْ بعدُ، وهو أيضًا
..................................
إبْراءٌ مِن حَقِّ غيرِه وهو الواقِعُ فيها.
ولَنا، أنَّ الضَّمانَ إنَّما يَلْزَمُه لوُجُودِ التَّعدِّي، فإذا رَضِيَ صاحِبُ الأرضِ زال التَّعدِّي، فزَال الضَّمانُ، وليس هذا إبْراءً مِمّا يَجبُ، إنَّما هو إسْقاطُ التَّعَدِّي برِضَاه به.
وهكذا يَنْبَغِي أن يكونَ الحُكْمُ إذا لم يَتَلَفَّظْ بالإِبْراءِ، لكن مَنَعَه مِن طَمِّها؛ لأنَّه يَتَضَمَّنُ رِضَاه بذلك.
وَإِنْ غَصَبَ حَبًّا فَزَرَعَهُ، أَوْ بَيضًا فَصَارَ فِرَاخًا، أَوْ نَوًى فَصَارَ غرْسًا، رَدَّهُ، وَلَا شَيْءَ لَهُ وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ مِثْلُ الَّذِي قَبْلَهُ.
2307 - مسألة: (وإن غَصَب حَبًّا فزَرَعَه، أو نَوًى فصار غَرْسًا، أو بَيضًا فصارَ فِراخًا، رَدَّه، ولا شيءَ للغاصِبِ)
لأنَّه عَينُ مالِ المَغْصُوبِ منه.
ويَتَخَرَّجُ أن يَمْلِكَه الغاصِبُ، كما إذا قَصَر الثَّوْبَ، أو ضَرَب الفِضَّةَ، لكَوْنِه غَيَّره بفِعْلِه، والتَّغْيِيرُ 1 في البَيضَةِ أعْظَمُ، فإنَّه اسْتَحال بزَوَالِ اسْمِه، فعلى هذا، يتَخَرَّجُ أيضًا أن يكونَ شَرِيكًا بالزِّيادَةِ، كالمسألةِ الأُولَى.
فَصْلٌ: وَإِنْ نَقَصَ، لَزِمَهُ ضَمَانُ نَقْصِهِ بِقِيمَتِهِ، رَقِيقًا كَانَ أَوْ غَيرَهُ.
وَعَنْهُ، أَنَّ الرَّقِيقَ يُضْمَنُ بِمَا يُضْمَنُ بِهِ فِي
فصل: وإن غَصَب دَجاجَةً، فباضَتْ عندَه، ثم حَضَنَتْ بَيضَها، فصار فِرَاخًا، فهما لمالِكِها، ولا شيءَ للغاصِب في عَلْفِها.
قال أحمدُ في طَيرَةٍ جاءَتْ إلى دارِ قَوْمٍ فأَفْرَختْ عندَهم: يَرُدُّها وفِرَاخَها إلى أصحابِ الطَّيرَةِ، ولا شيءَ للغاصِبِ فيما عَمِلَ.
وإن غَصَب شاةً فأنْزَى عليها فَحْلَه، فالوَلَدُ لصاحِبِ الشّاةِ؛ [لأنَّه مِن نَمائِها.
وإن غَصَب فَحلًا فأنْزاه على شاتِه، فالوَلَدُ لصاحِبِ الشّاةِ] 1؛ لأنَّه يَتْبَعُ الأُمَّ، ولا أُجْرَةَ له؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن عَسْبِ الفَحْلِ 2. وإن نَقَصَه الضِّرَابُ ضَمِنَه.
[فصل: قال الشيخ، رضي اللهُ عنه] 3: (وإن نَقَصَ) المَغْصُوبُ، (لَزِمَه ضَمانُ نَقْصِه بقِيمَتِه، رَقِيقًا كان أو غيرَه) وبه قال الشافعيُّ.
وعن أحمدَ في العَبْدِ رِوَايةٌ أخرى، أنَّه (يُضْمَنُ بما يُضْمَنُ به في الإِتْلافِ) فيَجِبُ
الإِتْلَافِ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَضْمَنَهُ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَينِ مِنْهُمَا.
في يَدِه نِصْفُ قِيمَتِه، وفي مُوضِحَتِه نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِه.
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه ضَمانٌ لأبْعاضِ العَبْدِ، فكان مُقَدَّرًا مِن قِيمَتِه، كأَرْشِ الجِنَايَةِ.
ولَنا، أَنه ضَمانُ مالٍ من غيرِ جنَايةٍ، فكان الواجِبُ ما نَقَص، كالبَهِيمَةِ، وكنَقْصِ الثَّوْبِ، يُحَقِّقُه أَنَّ القَصْدَ بالضَّمانِ 1 جَبْرُ حَقِّ المالِكِ بإيجابِ قَدْرِ المُفَوَّتِ عليه، وقَدْرُ النَّقْصِ هو الجابِرُ، ولأنَّه لو فاتَ الجَمِيعُ لوَجَبَتْ قِيمَتُه، فإذا فاتَ منه شيءٌ، وَجَبَ قَدْرُه مِن القِيمَةِ، كغَيرِ 2 الحَيوانِ.
وضَمانُ الجنايَةِ على أَطْرافِ العَبْدِ مَعْدُولٌ به عن القِياسِ، للإِلْحاقِ بالجِنَايةِ على الحُرِّ، والواجِبُ ههُنا ضَمانُ اليَدِ، وهي لا تَثْبُتُ على الحُرِّ، فوَجَبَ البَقاءُ فيه على مُوجِبِ الأصْلِ، وإلْحاقُه بسائِرِ الأمْوالِ المَغْصُوبةِ.
على أنَّ في الجِنايةِ على العَبْدِ رِوايَةً، أنَّه يَضْمَنُ بما نَقص، فتَتَّفِقُ الرِّوايَتان، والتَّفْرِيعُ على الأوَّلِ (ويَتَخرَّجُ أن يَضْمَنَه بأكْثْرَ الأمْرَين منهما) لأنَّ سَبَبَ كلِّ واحَدٍ منهما قد وُجِدَ.
فأمّا إن كان
..................................
النَّقْصُ في الرَّقِيقِ مِمّا لا مُقَدّرَ فيه، كنَقْصِه لِكِبَرٍ أو مَرَضٍ أو شَجَّةٍ دونَ المُوضِحَةِ، فعليه ما نَقَص مع الرَّدِّ لا غيرُ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا.
فإن كان العَبْدُ أمْرَدَ فنَبَتَتْ لِحْيَتُه فنَقَصَتْ قِيمَتُه، وَجَب ضَمانُ نَقْصِه.
وبه قال الشافِعِيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَجِبُ ضَمانُه؛ لأنَّ الفائِتَ لا يُقْصَدُ قَصْدًا صَحِيحًا، أشْبَهَ الصِّناعَةَ المُحَرمَةَ.
ولَنا، أنَّه نَقْصٌ في القِيمَةِ بتَغَيُّرِ صِفَةٍ، فيَضْمَنُه، كبَقِيَّةِ الصُّوَرِ.
وَإِنْ غَصَبَهُ وَجَنَى عَلَيهِ، ضَمِنَهُ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَينِ.
2308 - مسألة: (وإن غَصَبَه وجَنَى عَلَيهِ، ضَمِنَه بأكثَرِ الأمرين)
وجُمْلةُ ذَلِكَ، أنَّه إذا غَصَب عَبْدًا وجَنَى عليه جِنايَةً مُقَدَّرَةَ الدِّيَةِ، فعلى قَوْلِنا: ضَمانُ الغَصْبِ ضَمانُ الجِنايَةِ.
يكونُ الواجِبُ أَرْشَ الجنايَةِ، كما لو جَنَى عليه مِن غيرِ غَصْبٍ ونَقَصَتْه الجِنايَةُ أَقَلَّ مِن ذلك أو 1 أكْثَرَ.
وإن قُلْنا: ضَمانُ الغَصْبِ غيرُ ضَمانِ الجِنايَةِ.
وهو الصَّحِيحُ، فعليه أكْثَرُ الأمْرَين مِن أَرْشِ النَّقْصِ أو دِيَةِ ذلك العُضو؛
..................................
لأنَّ سَبَبَ كلِّ واحِدٍ منهما وُجِدَ، فوَجَبَ أكْثَرُهما، ودَخَل الآخَرُ فيه، فإنّ الجِنايَةَ واليَدَ وُجِدَا جَمِيعًا.
فلو غَصَب عَبْدًا 1 وقِيمَتُه ألْفٌ، فَزادَتْ قِيمَتُه إلى ألْفَين، ثم قَطَع يَدَه، فنَقَضَ ألْفًا، لَزِمَه ألْفٌ، ورَدَّ العَبْدَ؛ لأنَّ زِيادَةَ السُّوقِ إذا تَلِفَتِ العَينُ مَضْمُونةٌ، ويَدُ العَبْدِ كنِصْفِه، فكَأَنَّه بقَطْعِ يَدِه فَوَّتَ نِصْفَه، وإن نَقَص ألْفًا وخَمْسَمائةٍ، وقُلْنا: الواجِبُ ما نَقَص.
فعليه ألْفٌ وخَمْسُمائةٍ، ويَرُدُّ العَبْدَ.
وإن قُلْنا: ضَمانُ الجِنايَةِ.
فعليه أَلْفٌ.، ورَدُّ العَبْدِ حَسْبُ.
وإن نَقَص خَمْسَمائةِ، فعليه رَدُّ العَبْدِ.
وهل يَلْزَمُه أَلْفٌ أو خَمْسُمائةٍ؟ على وَجْهَين.
وَإِنْ جَنَى عَلَيهِ غَيرُ الْغَاصِبِ، فَلَهُ تَضْمِينُ الْغَاصِبِ بأَكْثَرِ الْأَمْرَينِ، وَيَرْجِعُ الْغَاصِبُ عَلَى الْجَانِي بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَلَهُ تَضْمِينُ الْجَانِي أَرْشَ الْجِنَايَةِ، وَتَضْمِينُ الْغَاصِبِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّقْصِ.
2309 - مسألة: (وإن جَنَى عليه غيرُ الغاصِبِ، فله تَضْمِينُ الغاصِبِ أكْثَرَ الأَمْرَين، ويَرْجِعُ الغاصِبُ على الجانِي بأرْشِ الجِنايَةِ، وله تَضمِينُ الجانِي أَرْشَ الجِنايَةِ، وتَضْمِينُ الغاصِبِ ما بَقِيَ مِن النَّقْصِ)
إذا غَصَب عَبْدًا فقَطَعَ آخَرُ يَدَه، فللمالِكِ تَضْمِينُ مَن شاءَ منهما؛ لأنَّ الجانِيَ قَطَع يَدَه، والغاصِبَ حَصَل النَّقْصُ في يَدِه، فإن ضَمَّنَ الجانِيَ ضَمَّنَه نِصْفَ القِيمَةِ لا غيرُ، ولم يَرْجِعْ على أحَدٍ؛ لأنَّه لم يُضَمِّنْه أكْثَرَ مِمَّا وَجَب عليه، ويَضْمَنُ الغاصِبُ ما زادَ على نِصْفِ القِيمَةِ إن نَقَص أَكْثَرَ مِن النِّصْفِ، ولا يَرْجعُ على أحَدٍ.
وإن قُلْنا: ضَمانُ الغَصْبِ ضَمانُ الجِنايَةِ.
أو لم يَنْقُصْ أكْثَرَ مِن نِصْفِ قِيمَتِه.
لم يَضْمَنِ الغاصِبُ ها هنا شيئًا.
وإنِ اخْتارَ
وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا فَخَصَاهُ، لَزِمَهُ رَدُّهُ وَرَدُّ قِيمَتِهِ.
وَعَنْهُ، فِي عَينِ الدَّابَّةِ مِنَ الْخَيلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ رُبْعُ قِيمَتِهَا.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
تَضْمِينَ الغاصِبِ وقُلْنا: إنَّ ضَمانَ الغَصْبِ (1) كضَمانِ الجِنايَةِ.
ضَمَّنَه نِصْفَ القِيمَةِ، ورَجَع بها الغاصِبُ على الجانِي؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَل بفِعْلِه، فاسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه.
وإن قُلْنا: إنَّ ضَمانَ الغَصْبِ بما نَقَص.
فَلِرَبِّ العَبْدِ تَضْمِينُه بأكْثَرِ الأمْرَينِ؛ لأنَّ ما وُجِدَ في يَدِه فهو في حُكْمِ المَوْجُودِ منه، ثم يَرْجِعُ الغاصِبُ على الجانِي بنِصْفِ القِيمَةِ؛ لأنَّها أَرْشُ جِنايَتِه، فلا يَجِبُ عليه أَكْثَرُ منها.
2310 -
مسألة: (وإن غَصَب عَبْدًا فخَصَاه، لَزِمَه رَدُّه ورَدُّ قِيمَتِه)
إذا غَصَب عَبْدًا، فقَطَعَ خُصْيَتَيه، أو يَدَيه، أو ذَكَرَه، أو لِسَانَه، أو ما تَجِبُ فيه الدِّيَةُ مِن الحُرِّ، لَزِمَه رَدُّه ورَدُّ قِيمَتِه كلِّها.
نصَّ عليه1
..................................
أحمدُ 1. وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ: يُخَيَّرُ المالِكُ بينَ أن يَصْبِرَ ولا شيءَ له، وبينَ أَخْذِ قِيمَتِه ويَمْلِكُه الجانِي؛ لأنَّه ضَمانُ مالٍ، فلا يَبْقَى مِلْكُ صاحِبه عليه مع ضَمانِه، كسائِرِ الأمْوالِ.
ولَنا، أنَّ المُتْلَفَ البَعْضُ، فلا يَقِفُ ضَمانُه على زَوالِ المِلْكِ، كقَطْعِ ذَكَرِ المُدَبَّرِ، ولأنَّ المَضْمُونَ [هو المُفَوَّتُ] 2، فلا يَزُولُ المِلْكُ عن غيرِه بضَمانِه، كما لو قَطَع تِسْعَ أصَابِعَ.
وبهذا يَنْفَصِلُ عما ذَكَرُوه، فإنَّ الضَّمانَ في مُقابَلَةِ التّالِفِ، لا في مُقابَلَةِ الجُمْلَةِ.
فإن ذهَبَتْ هذه الأعْضاءُ بغيرِ جِنايَةٍ، فهل يَضْمَنُها ضَمانَ الإِتْلافِ أو ما نَقَصَ؟ على رِوَايَتَين مَضَى ذكْرُهما.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّ عَينَ الدّابَّةِ تُضْمَنُ برُبْعِ قِيمَتِها مِن الخَيلِ والبِغالِ والحَمِيرِ، فإنَّه قال في رِوايَةِ أبي الحارِثِ، في رجلٍ فَقَأَ عَينَ دابَّةٍ: عليه رُبْعُ قِيمَتِها.
قيل له: فَقَأَ العَينَينِ.
قال: إذا كانت واحِدَةً، فقال عُمَرُ: رُبْعُ القِيمةِ.
وأمَّا العَينانِ، فما سَمِعْتُ فيهما شيئًا.
قِيلَ له: فإن كان بَعِيرًا أو بَقَرَةً أو شاةً.
فقال: هذا غيرُ الدّابَّةِ، هذا يُنْتَفَعُ بلَحْمِه، يُنْظَرُ ما نَقَصَها.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ أحمدَ إنَّما أوْجَبَ مُقَدَّرًا في العَينِ الواحِدَةِ مِن الدّابَّةِ، وهي الفَرَسُ والبَغْلُ والحِمارُ خاصَّةً؛
..................................
للأَثَرِ الوارِدِ فيه، وما عَدَا هذا يُرْجَعُ إلى القِيَاسِ.
واحْتَجَّ أصحابُنا لهذه الرِّوايَةِ بما روَى زَيدُ بنُ ثابِتٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى في عَينِ الدّابّةِ برُبْعِ قِيمَتِها 1. ورُوِيَ عن عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه كَتَب إلى شُرَيحٍ لمَّا كَتَب إليه يَسْأَلُه عن عَينِ الدّابّةِ: إَّنا كُنّا نُنْزِلُها مَنْزِلَةَ الآدَمِيِّ، إلَّا أنَّه 2 أجْمَعَ رَأْيُنا أنَّ قِيمَتَها رُبْعُ الثَّمنِ 3. وهذا إجْماعٌ يُقَدَّمُ على القِيَاسِ.
ذَكَر هذَين أبو الخَطَّابِ في «رُءُوسِ المَسائِلِ».
وقال أبو حنيفةَ: إذا قَلَع عَينَيْ بَهِيمَةٍ يُنْتَفَعُ بها مِن وَجْهَين؛ كالدَّابَّةِ والبَعِيرِ والبَقَرَةِ، وَجَب نِصْفُ قِيمَتِها، وفي إحداهما رُبْعُ قِيمَتِها؛ لقولِ عُمَرَ: أجْمَعَ رأيُنا على أنَّ قِيمَتَها رُبْعُ الثَّمَنِ.
والمَذْهَبُ أنَّ قَدْرَ الأَرْشِ ما نَقَص مِن القِيمَةِ، كسائِرِ الأعْيانِ.
فأمَّا حَدِيثُ زَيدِ بنِ ثابتٍ، فلا أصْلَ له، ولو كان صَحِيحًا، لَما احْتَجَّ أحمدُ وغيرُه بحَدِيثِ عمرَ وتَرَكُوه، [فإنَّ قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أحَقُّ أن يُحْتَجَّ به] 4. وأمّا قولُ عُمَرَ، فمَحْمُولٌ عِلى أنَّ ذلك كان قَدْرَ نَقْصِها، كما رُوِيَ عنه أنَّه قَضَى في العَينِ القائِمَةِ بخمْسِينَ دِينارًا.
وَإِنْ نَقَصَتِ الْعَينُ لِتَغَيُّرِ الْأَسَعَارِ، لَمْ يَضْمَنْ.
نَصَّ عَلَيهِ.
2311 - مسألة: (وإن نَقَصَتْ)
قِيمَةُ (العَينِ لتَغَيُّرِ الأسْعارِ، لم يَضْمَنْ.
نَصَّ عليه) وهو قولُ جُمْهُورِ العُلَماءِ.
وحُكِيَ عن أبي ثَوْرٍ، أنَّه يَضْمَنُه؛ لأنَّه يَضْمَنُه إذا تَلِفَتِ العَينُ، فيَلْزَمُه إذا رَدَّها، كالسِّمَنِ.
وذَكَرَه ابنُ أبي مُوسَى رِوايَةً عن أحمدَ.
ولَنا، أنَّه رَدَّ العَينَ بحَالِها لم تَنْقُصْ منها عَينٌ ولا صِفَةٌ، فلم يَلْزَمْه شيءٌ، كما لو لم تَنْقُصْ، ولا نُسَلِّمُ أنَّه يَضْمَنُها مع تَلَفِ العَينِ، وإن سَلَّمْنا فَلأنَّه وَجَبَتْ قِيمَةُ العَينِ أكْثَرَ ماكانت قِيمَتُها، فدَخَلَتْ في التَّقْويمِ، بخِلافِ ما إذا رَدَّها، فإنَّ القِيمَةَ لا تَجِبُ، ويُخالِفُ السِّمَنَ، فإنَّه مِن عَينِ 1 المَغْصُوبِ، والعِلْمُ بالصِّناعَةِ صِفَةٌ فيها، وههُنا لم تَذْهَبْ عَينٌ ولا صِفَةٌ؛ ولأنَّه لا حَقَّ للمَغْصُوبِ منه في القِيمَةِ مع بَقاءِ العَينِ، وإنَّما حَقُّه في العَينِ، وهي باقِيَةٌ كما كانت، ولأنَّ الغاصِبَ يَضْمَنُ ما غَصَبَه، والقِيمَةُ لا تَدْخُلُ في الغَصْبِ، بخِلافِ زِيادَةِ العَينِ، فإنَّها مَغْصُوبَةٌ وقد ذَهَبَتْ.
وَإِنْ نَقَصَتِ الْقِيمَةُ لِمَرَضٍ، ثُمَّ عَادَتْ بِبُرْئِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيءٌ.
2312 - مسألة: (وإن نَقَصَتِ القِيمَةُ لمَرَضٍ)
أو غيرِه (ثم عادَتْ ببُرْئِه، لم يَلْزَمْه شيءٌ) إلَّا رَدَّه، إذا مَرِضَ المَغْصُوبُ ثم بَرَأ، أو ابْيَضَّتْ عَينُه ثم زال بَياضُها، أو غَصَب جارِيَةً حَسْناءَ فَسمِنَتْ سِمَنًا
وَإِنْ زَادَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، مْثِلَ أَنْ تَعَلَّمَ صَنْعَةً فَعَادَتِ الْقِيمَةُ، ضَمِنَ النَّقْصَ.
نَقَصَها، ثم خَفَّ سِمَنُها فعاد حُسْنُها وقِيمَتُها، رَدَّها ولا شيءَ عليه؛ لأنَّه لم يَذْهَبْ ما لَه قِيمَةٌ، والعَيبُ الذي أَوْجَبَ الضَّمانَ زال في يَدَيه.
وكذلك لو حَمَلَتْ فنَقَصَتْ ثم وَضَعَتْ فزَال نَقْصُها، لم يَضْمَنْ شيئًا.
فإن رَدَّ المَغْصُوبَ ناقِصًا بمَرَضٍ، أو عَيبٍ، أو سِمَنٍ مُفْرِطٍ، أو حَمْلٍ، فعليه أَرْشُ نَقْصِه، فإن زال عَيبُه في يَدِ مالِكِه، لم يَلْزَمْه رَدُّ ما أخَذَ؛ لأنَّه اسْتَقَرَّ ضَمانُه برَدِّ المَغْصُوبِ.
وكذلك إن أخَذَ المَغْصُوبَ دُونَ أَرْشِه، ثم زال العَيبُ قبلَ أَخْذِ أَرْشِه، لم يَسْقُطْ ضَمانُه لذلك.
2313 -
[مسألة: (وإن زاد مِن جِهَةٍ أُخْرَى؛ مثلَ أن تَعَلَّمَ)] 1
وَإِنْ زادَتِ الْقِيمَةُ بِسِمَنٍ أَوْ نَحْوهِ ثُمَّ نَقَصَتْ، ضَمِنَ الزِّيَادَةَ.
[صَنْعَةً فعادَتِ القِيمَةُ، ضَمِن النَّقْصَ) لأنَّ الزِّيادَةَ الثانيةَ مِن غيرِ جِنْسِ الأُولَى، فلا يَنْجَبِرُ بها] (1).
2314 -
مسألة: (وإن زادَتِ القِيمَةُ لسِمَنٍ أو نَحْوه 2 ثم نَقَصَتْ، ضَمِنَ الزِّيادَةَ) إذا زادَتْ قِيمَةُ المَغْصُوبِ في يَدِ الغاصِبِ لسِمَنٍ أو تَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، مثلَ ما إذا غَصَب عَبْدًا أو أمَةً وقِيمَتُه مِائَةٌ، فزَادَ بتَعْلِيمِه، أو في بَدَنِه، حتى صارت قِيمَتُه مِائَتَين، ثم نَقَص بنُقْصانِ بَدَنِه، أو نِسْيانِ ما عُلِّمَ حتى صارتْ قِيمَتُه مِائَةً، لَزِمَه رَدُّه، ويَأخُذُ مِن الغاصِبِ مِائَةً. وبه قال الشافِعِيُّ. وقال أبو حنفيةَ، ومالكٌ: لا يَجِبُ عليه عِوَضُ الزِّيادَةِ، إلَّا أن يُطالبَ برَدِّها زائِدَةً فلا يَرُدُّها؛ لأنَّه رَدَّ العَينَ كما أخَذَها1
..................................
فلم يَضْمَنْ نَقْصَ قِيمَتِها، كنَقْصِ سِعْرِها 1. وذَكَر ابنُ أبي مُوسَى في «الإِرْشادِ» رِوايَةً، أنَّ المَغْصُوبَ إذا زادَتْ قيمَتُه بسِمَنٍ، أو تَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، ثم نَقَصَتْ بزَوَالِ ذلك، فلا ضَمانَ عليه إذا رَدَّه بعَينِه.
ولَنا، أنَّها زِيادَةٌ في نَفْسِ المَغْصُوبِ، فلَزِمَ الغاصِبَ ضَمانُها، كما لو طالبَهُ برَدِّها فلم يَفْعَلْ، ولأنَّها زادَتْ على مِلْكِ المَغْصُوبِ منه، فلَزِمَه ضَمانُها، كما لو كانت مَوْجُودَةً حال الغَصْبِ.
وفارَقَ زِيادَةَ السِّعْرِ 2؛ لأنَّها لو كانت مَوْجُودَةً حال الغَصْبِ، لم يَضْمَنْها، والصِّناعَةُ إن لم تَكُنْ مِن عَينِ المَغْصُوبِ فهي صِفَةٌ فيه، ولذلك يَضْمَنُها إذا طُولِبَ برَدِّ العَينِ وهي مَوْجُودَةٌ فلم يَرُدَّها، وأجْرَيناها هي والتَّعْلِيمَ مُجْرَى السِّمَنِ الذي هو عَينٌ؛ لأنَّها صِفَةٌ تَتْبَعُ العَينَ، وأجْرَينا الزِّيادَةَ الحادِثَةَ في يَدِ الغاصِبِ مُجْرَى الزِّيادَةِ المَوْجُودَةِ حال الغَصْبِ؛ لأنَّها زِيادَةٌ في العَينِ المَمْلُوكَةِ للمَغْصُوبِ منه، فتكونُ مَمْلُوكَةً له؛ لأنَّهِا تابِعَة للعَينِ.
فأمَّا إن غَصَب العَينَ سَمِينَةً، أو ذاتَ صِناعَةٍ، فَهَزَلَتْ أو نسِيَتْ، فنَقَصتْ قِيمَتُها، فعليه ضَمانُ نَقْصِها.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّها نَقَصَتْ عن حالِ غَصْبِها نَقْصًا أثَّرَ في قِيمَتِها، فوَجَبَ ضَمانُها، كما لو ذَهَب بعضُ أَعْضائِها.
وَإِنْ عَادَ مِثْلُ الزِّيَادَةِ الْأَولَى مِنْ جِنْسِهَا، لَمْ يَضْمَنْهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
فصل: إذا غَصَبَها وقِيمَتُها مائَةٌ، فسَمِنَتْ فبَلَغَتْ قِيمَتُها ألْفًا، ثم تَعَلَّمَتْ صِنَاعَةً فَبَلغتْ ألْفَينِ، ثم هَزَلَتْ ونَسِيَتْ فعادَتْ إلى مائةٍ، رَدَّها ورَدَّ ألْفًا [وتِسْعَمائةٍ.
وإن بَلَغَتْ بالسِّمَنِ ألْفًا، ثم هَزَلَتْ فعادَتْ إلى مِائَةٍ، ثم تَعَلَّمَتْ فبَلَغَتْ ألْفًا، ثم نَسِيَتْ فعادَتْ إلى مِائَةٍ، رَدَّها ورَدَّ ألْفًا] (1) وثَمانِمائَةٍ؛ لأنَّها نَقَصَتْ بالهُزَالِ تِسْعَمائَةٍ، وبالنِّسْيانِ تِسْعَمائَةٍ.
وإن سَمِنَتْ فَبَلَغَتْ ألْفًا، ثم هَزَلَتْ فعادَتْ إلى مائةٍ، ثم تَعَلَّمَتْ فعادَتْ إلى ألْفٍ، رَدَّها وتِسْعَمائَةٍ؛ لأنَّ زَوال الزِّيادَةِ الأُولَى أَوْجَبَ الضَّمانَ، ثم حَدَثَتْ زِيادَةٌ أُخْرَى مِن وَجْهٍ آخَرَ على مِلْكِ المَغْصُوبِ منه، فلا يَنْجَبِرُ مِلْكُ الإِنْسانِ بمِلْكِه.
2315 -
مسألة: (فإن عادَ مثلُ الزِّيادَة الأُولَى مِن جِنْسِها)
مثلَ أن كانت قِيمَتُها مائِةً فسَمِنَت فبَلَغَتْ ألْفًا، ثم هَزَلَتْ فعادَتْ إلى مائَةٍ، ثم سَمِنَتْ فعادَتْ إلى ألْفٍ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَرُدُّها زائِدَةً، ويَضْمَنُ نَقْصَ الزِّيادَةِ الأُولَى، كما لو كانا مِن جِنْسَين؛ لأنَّ الزِّيادَةَ الثّانِيةَ غيرُ الّاُولَى.
فعلى هذا، إن هَزَلَتْ مَرَّةً ثانِيةً فعادَتْ إلى مِائَةٍ، ضَمِنَ1
..................................
النَّقْصَين بألْفٍ وثَمانِمائَةٍ.
والثاني، إذا رَدَّها سَمِينَةً، فلا شيءَ عليه؛ لأنَّ ما ذَهَب عادَ، فهي كما لو مَرِضَتْ فنَقَصَتْ، ثم بَرِئَتْ فعادَتِ القِيمَةُ، أو نَسِيَتْ صِناعَةً ثم تَعَلَّمَتْها، أو أَبَقَ عَبْدٌ ثم عاد.
وفارَقَ ما إذا زادَتْ مِن جِهَةٍ أُخْرَى؛ لأنَّه لم يَعُدْ ما ذَهَب.
وهذا الوَجْهُ أقْيَسُ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الشَّواهِدِ.
فعلى هذا، لو سَمِنَتْ بعدَ الهُزالِ ولم تَبْلُغ قِيمَتُها إلى ما بَلَغَتْ بالسِّمَنِ الأوَّلِ، أو زادَتْ عليه، ضَمِن أكْثَرَ الزِّيادَتين، و 1 تَدْخُلُ فيها الأُخْرَى.
وعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، يَضمَنُهما جَمِيعًا.
فأمّا إن زادَتْ بالتَّعْلِيمِ أو الصِّناعَةِ، ثم نسِيَتْ ثم تَعَلَّمَتْ ما نَسِيَتْه فعادَتِ القِيمَةُ الأُولَى، لم يَضْمَنِ النَّقْصَ الأوّلَ؛ لأنَّ العِلْمَ الثانيَ هو الأوَّلُ، فقد عادَ ما ذَهَب.
وإن تَعَلَّمَتْ 2 عِلْمًا آخَرَ أو صِناعَةً أُخْرَى، فهو كعَوْدِ السِّمَنِ، فيه وَجْهان.
ذَكَرَه القاضِي.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وقال أبو الخَطّابِ: متى زادَتْ ثم نَقَصَتْ، ثم زادَتْ مِثْلَ الزِّيادَةِ الأُولَى، ففي ذلك وَجْهان، سَواءٌ كانَا مِن جِنْسٍ، كالسِّمَنِ مَرَّتَين، أو مِن جنْسَين كالسِّمَنِ والتَّعَلُّمِ، والأوَّلُ أَوْلَى.