..................................
إليها.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ هذه رُءُوسٌ حَقِيقَةً وعُرْفًا، وهي مَأْكُولَةٌ، فيَحْنَثُ بأكْلِها, كما لو حَلَف لا يَأْكُلُ لَحْمًا، فأَكَلَ من لَحْمِ النَّعامِ والزَّرافَةِ، وما يَنْدرُ وُجودُه وبَيعُه.
وأمَّا إذا حَلَف لا يَأْكُلُ بَيضًا، فيَحْنَثُ بأَكْلِ بَيضِ كُلِّ حَيوانٍ، كَثُرَ وُجُودُه، كبَيضِ الدَّجاجِ، أو قَلَّ، كبَيضِ النَّعامِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أصحابُ الرَّأْي: لا يَحْنَثُ بأكْلِ بَيضِ النَّعامِ.
وقال أبو ثَوْرٍ: لا يَحْنَثُ إلَّا بأَكْلِ بَيضِ الدَّجاجِ، وما يُباعُ في السُّوقِ.
ولَنا، أنَّ هذا كُلَّه بَيضٌ حَقِيقَةً وعُرْفًا، وهو مأْكُولٌ، فيَحْنَثُ بأكْلِه، كبَيضِ الدَّجاجِ، ولأنَّه لو حَلَف لا يَشْرَبُ ماءً، فشَرِبَ ماءَ البَحْرِ، أو ماءً نَجِسًا، أو لا يَأْكُلُ خُبْزًا، فأَكَلَ خُبْزَ الأُرْزِ أو الذُّرَةِ في مَكانٍ لا يُعْتادُ أكْلُه فيه، حَنِثَ.
فأمَّا إن أكَلَ بَيضَ السَّمَكِ أو الجَرادِ، فقال القاضي: يَحْنَثُ؛ لأنَّه بَيضُ حيَوانٍ، أشْبَهَ بَيضَ النَّعامِ.
وقال أبو الخَطَّابِ: لا يَحْنَثُ إلَّا بأَكْلِ بَيضٍ يُزايِلُ بائِضَه حال الحياةِ.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي،
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيتًا، فَدَخَلَ مَسْجِدًا، أَوْ حَمَّامًا، أَوْ بَيتَ شَعْرٍ، أَوْ أَدَم، أَوْ لَا يَرْكَبُ، فَرَكبَ سَفِينَةً، حَنِثَ عنْدَ أَصْحَابِنَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ.
وأكثَرِ العُلَماءِ.
وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ هذا لا يُفْهَمُ من إطْلاقِ اسمِ (1) البَيضِ، ولا يُذْكَرُ إلَّا مُضافًا إلى بائِضِه.
ولا يَحْنَثُ بأكْلِ شيءٍ يُسَمَّى بَيضًا غيرَ بَيضِ الحيوانِ، ولا بشيءٍ يُسَمَّى رَأْسًا غيرَ رُءُوسِ الحيوانِ؛ لأنَّ ذلك ليس برَأْسٍ ولا بيضٍ في الحَقِيقَةِ.
4767 -
مسألة: (وإن حَلَف لا يَدْخُلُ بَيتًا، فَدَخَلَ مَسْجِدًا، أو حَمَّامًا، أو بَيتَ شَعْرٍ، أو أَدمٍ، أو لا يَرْكَبُ، فرَكِبَ سَفِينَةً، حَنِثَ عندَ أصْحابِنا. ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ)
وجملةُ ذلك، أنَّه إذا حَلَف لا يَدْخُلُ بَيتًا، فدَخَلَ مَسْجِدًا، أو حَمَّامًا، حَنِثَ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ويَحْتَمِلُ أن1
..................................
لا يَحْنَثَ.
وهو قولُ أكْثَرَ الفُقهاءِ؛ لأنَّه لا يُسَمّى بَيتًا في العُرْفِ.
والأوَّلُ المذهبُ؛ لأنَّهما بَيتان حَقِيقَةً، وقَد سَمَّى اللهُ عزَّ وجَلَّ المساجِدَ بُيوتًا، فقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ 1. وقال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ 2. ورُوِيَ في حديثٍ: «المَسْجِدُ بَيتُ كُلِّ تَقِيٍّ» 3. ورُوِيَ في الحديثِ: «بِئْسَ الْبَيتُ الحَمَّامُ» 4. وإذا كان في الحَقِيقَةِ بَيتًا، وفي عُرْفِ الشَّرْعِ, حَنِثَ بدُخُولِه، كبيتِ الإِنْسانِ.
وإن دَخَلَ بَيتَ شَعْرٍ، أو أدَم، حَنِثَ، سَواء كان الحالِفُ حَضَرِيًّا أو بَدَويًّا، فإنَّ اسمَ البَيت يَقَعُ عليه حَقِيقَةً وعُرْفًا، قال اللهُ تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ 5. وأمَّا ما لا يُسَمَّى في العُرْفِ بَيتًا، كالخَيمَةِ، فالأوْلَى أن لا يَحْنَثَ بدُخُولِه مَن لا يُسَمِّيه بَيتًا؛ لأنَّ يَمِينَه لا تَنْصَرِفُ إليه.
وإن دَخَلَ دِهْلِيزَ دارٍ [أو صُفَّتَها] 6، لم يَحْنَثْ.
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَحْنَثُ؛ لأنَّ جميعَ الدَّارِ
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ، فَقَرَأَ، أو سَبَّحَ، أو ذَكَرَ اللهَ تَعَالى، لَمْ
بَيتٌ.
ولَنا، أنَّه لا يُسَمَّى بَيتًا، ولهذا يُقال: ما دَخَل البَيتَ، وإنَّما وَقَف في الصَّحْنِ.
فإن حَلَف لا يَرْكَبُ، فرَكِبَ سَفِينَةً، حَنِثَ.
وهو قولُ أبي الخَطَّابِ؛ لأنَّه رُكُوبٌ، قال اللهُ تعالى: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ (1). وقال: ﴿فإذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ (2). وَيَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى في العُرْفِ رُكوبًا.
4768 -
مسألة: (وإن حَلَف لا يتَكَلَّمُ، فقَرَأ، أو سَبَّحَ، أو ذَكَرَ اللهَ تعالى، لم يَحْنَثْ)
[إذا حَلَفَ لا يتَكَلَّمُ، فقَرَأَ] 3، لم يَحْنَثْ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن قَرأَ في الصلاةِ، لم يَحْنَثْ، وإن قَرَأَ خارِجًا منها، حَنِثَ؛ لأنَّه يَتَكَلَّمُ بكلامِ اللهِ تعالى.
وإن ذَكَرَ اللهَ تعالى، لم يَحْنَثْ.
ومُقْتَضَى مذهبِ أبي حنيفةَ أنَّه يَحْنَثُ، لأنَّه كلامٌ 4، قال اللهُ تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ 5. وقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ في الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إلَى12
يَحْنَثْ.
وَإِنْ دَقَّ عَلَيهِ إِنْسَانٌ، فَقَال: ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ.
الرَّحْمَنِ؛ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِه، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ» 1. ولَنا، أنَّ الكلامَ في العُرْفِ لا يُطْلَقُ إلَّا على كلامِ الآدَمِيِّين، ولهذا لمَّا قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا شَاءَ، و 2 قَدْ أحْدَثَ أنْ لا تَتَكَلَّمُوا في الصَّلَاةِ» 3. لم يَتَناوَلِ المُختَلَفَ فيه.
وقال زيدُ بنُ أرْقَمَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ في الصلاةِ، حتى نزلَ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ 4. فأُمِرْنا بالسُّكوتِ، ونُهِينَا عن الكلام 5. وقال اللهُ تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا﴾ 6. وقال: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ 7. فأمَرَه بالتَّسْبِيحِ مع قَطْعِ الكلامِ عنه.
ولأنَّ ما لا يَحْنَثُ به في الصلاةِ، لا يَحْنَثُ به خارِجًا منها، كالإِشارَةِ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالقِراءَةِ والتَّسْبِيحِ في الصلاةِ، وذِكْرِ اللهِ المَشْرُوعِ فيها.
وإنِ اسْتَأْذَنَ عليه إنْسانٌ، فقال:
يَقْصِدُ تَنْبِيهَهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ 1. يَقْصِدُ القُرآنَ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ هذا من القُرآنِ، فلا يَحْنَثُ به، ولذلك لا تَبْطُلُ الصلاةُ به، وإن لم يَقْصِدِ القُرآنَ، حَنِثَ؛ لأنَّه من كلامِ الناسِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ امْرأَتَهُ، فَخَنَقَهَا، أَوْ نَتَفَ شَعَرَهَا، أَوْ عَضَّهَا، حَنِثَ.
وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ سَوْطٍ، فَجَمَعَهَا، فَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً لَمْ يَبَرَّ في يَمِينِهِ.
4769 - مسألة: (وإن خَلَف لا يَضْرِبُ امرأتَه، فخَنَقَهَا، أو نَتَفَ شَعَرَها، أو عَضَّهَا، حَنِثَ)
لأنَّه يَقْصِدُ تَرْكَ تأْلِيمِها، وقد آلمَها.
فأمَّا إن عَضَّهَا للتَّلَذُّذ (1)، ولم يَقْصِدْ تَأْلِيمَها، لم يَحْنَث، وإن حَلَف لَيَضْرِبَنَّها، ففَعَلَ ذلك، بَرَّ؛ لوُجودِ المَقْصُودِ بالضَّرْبِ.
4770 -
مسألة: (وإن حَلَف لَيَضْرِبَنَّه مِائَةَ سَوْطٍ، فَجَمَعَها، فضَرَبَه بها ضَرْبَةً وَاحِدَةً، لم يَبَرَّ في يَمِينِه)
وبهذا قال مالكٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال ابنُ حامِدٍ: يَبَرُّ؛ لأنَّ أحمدَ قال في المريضِ عليه الحَدُّ: يُضْرَبُ بعِثْكالِ النَّخْلِ، ويَسْقُطُ عنه الحَدُّ.
وبهذا قال الشافعيُّ إذا علِمَ أنَّها مَسَّتْه كُلُّها، وإن علِمَ أنَّها لم تَمَسَّه كُلُّها، لم يَبَرَّ، وإنْ شَكَّ، لم1
..................................
يَحْنَثْ في الحُكْمِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ 1. وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في المريضٍ الذي زَنَى: «خُذُوا لَه عِثْكالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ، فَاضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَة وَاحِدَةً» 2. ولأنَّه ضَرَبَ بمِائَةِ سَوْطٍ، فبَرَّ في يَمِينِه, كما لو فرَّقَ الضَّربَ.
ولَنا، أنَّ مَعْنَى يَمِينِه أن يَضْرِبَه مائةَ ضَرْبَةٍ، ولم يَضْرِبْه إلَّا ضَربَةً واحِدَةً، والدَّليلُ على هذا أنَّه لو ضَرَبَه مِائةَ ضَرْبَةٍ بسَوْطٍ بَرَّ، بغيرِ خلافٍ، ولو عادَ العددُ إلى السَّوْطِ، لم يَبَرَّ بالضَّرْبِ بسَوْطٍ واحدٍ, كما لو حَلَف لَيَضْرِبَنَّه بعَشَرَةِ أسْواطٍ، ولأنَّ السَّوْطَ ههُنا آلةٌ أُقِيمَتْ مُقامَ المَصْدَرِ، وانْتَصَبَ انْتِصابَه؛ لأنَّ مَعْنَى كلامِه: لأضْرِبَنَّه مِائَةَ ضَرْبَةٍ بسَوْطٍ.
وهذا هو المَفْهومُ من يَمِينِه، والذي يَقْتَضِيه لُغَةً، فلا يَبَرُّ بما يُخالِفُ ذلك.
وأمَّا أيُّوبُ، عليه السلامُ، فإنَّ اللهَ تعالى أرْخَصَ له رِفْقًا بامرأتِه، لِبِرِّها به، وإحْسانِها إليه، ليَجْمَعَ له بينَ بِرِّه في يَمِينِه ورِفْقِه بامرأتِه، ولذلك امْتَنَّ عليه بهذا، وذَكَرَه في جُمْلَةِ ما مَنَّ به عليه، من مُعافاتِه من بَلائِهِ، وإخْراجِ الماءِ له، فيَخْتَصُّ
..................................
هذا به، كاخْتِصاصِه بما ذكرَ معه، ولو كان هذا الحكمُ عامًّا لكلِّ أحَدٍ لَما خَصَّ أيُّوبَ بالمِنَّةِ عليه.
وكذلك المرِ يضُ الذي يُخافُ تَلَفُه، أُرْخِصَ له بذلك في الحَدِّ دونَ غيرِه، وإذا لم يَتَعَدَّه هذا الحكمُ في الحَدِّ الذي [وَرَد النَّصُّ به فيه، فَلأَنْ لا يَتَعَدَّاه إلى اليَمِينِ أَوْلَى، ولو خُصَّ بالبِرِّ مَن له عُذْرٌ يُبِيحُ العُدولَ في الحَدِّ] 1 إلى الضَّرْبِ بالعِثْكَالِ، لكان له وَجْه، أمَّا 2 تَعْدِيَتُه إلى غيرِه فبَعِيدٌ جِدًّا.
فصل: ولو حَلَف أن يَضْرِبَه بعَشَرَةِ أسْواطٍ، فجَمَعَها، فضَرَبَه بها، بَرَّ؛ لأنَّه قد فَعَل ما حَلَف عليه.
وإن حَلَف ليَضْرِبَنَّه [عشْرَ مراتٍ، لم يَبَرَّ بضَرْبِه عشَرةَ أسْواطٍ، دَفْعَةً واحدةً، بغيرِ خلافٍ؛ لأنَّه لم يَفْعَلْ ما تَناوَلَتْه يَمِينُه.
وإن حَلَف لَيَضْرِبَنَّه] 3 عشْرَ ضَرَباتٍ، فكذلك، إلَّا وَجْهًا لأصْحابِ الشافِعِيِّ، أنَّه يَبَرُّ.
وليس بصَحِيحٍ؛ لأنَّ هذه ضَرْبَةٌ واحِدَةٌ بأسْواطٍ، ولهذا يَصِحُّ أن يُقال: ما ضَرَبْتُه إلَّا 4 واحِدَةً، ولو حَلَف لا يَضْرِبُه أكْثرَ مِن ضَرْبَةٍ واحدةٍ، ففَعَلَ هذا، لم يَحْنَثْ في يَمِينِه.
فصل: ولا يَبَرُّ حتى يَضْرِبَهِ ضَرْبًا يُؤْلِمُه.
وبهذا قال مالكٌ.
وقال الشافعيُّ: يَبَرُّ بما 5 لم يُؤْلِمْ؛ لأنَّ الاسمَ يَتَناوَلُه، فوَقَعَ البِرُّ به،
فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَيئًا، فَأَكَلَهُ مُسْتَهْلَكًا في غَيرِهِ، مِثْلَ أَنْ لَا يَأْكُلَ لَبَنًا، فَأَكَلَ زُبْدًا، أَوْ لَا يَأْكُلَ سَمْنًا، فَأَكَلَ خَبِيصًا فِيهِ سَمْنٌ، لَا يَظْهَرُ فيه طَعْمُهُ، أَوْ لَا يَأْكُلَ بَيضًا، فَأَكَلَ نَاطِفًا، أو لَا يَأْكُلَ شَحْمًا، فَأَكَلَ اللَّحْمَ الأَحْمَرَ، أو لَا يَأْكُلَ شَعِيرًا، فَأَكَلَ حِنْطَةً فِيهَا حَبَّاتُ شَعِيرٍ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ ظَهَرَ طَعْمُ السَّمْنِ
كالمُؤْلِمِ.
ولَنا، أنَّ هذا يُقْصَدُ به في العُرْفِ التَّأْلِيمُ، فلا يَبَرُّ بغيرِه.
ولذلك 1 كلُّ مَوْضِعٍ وَجَبَ الضَّرْبُ في الشَّرْعِ، في حَدٍّ، أو تَعْزيرٍ، كان مِن شَرْطِه التَّأْلِيمُ، كذا ههُنا.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (إذا حَلَفَ لا يَأْكُلُ شيئًا، فأَكَلَه مُسْتَهْلَكًا في غيرِه، مثلَ أن لا يَأْكُلَ لَبَنًا، فأكَلَ زُبْدًا، أو لا يَأْكُلَ سَمْنًا، فأكَلَ خَبِيصًا فيهْ سَمْنٌ، لا يَظْهَرُ فيه طَعْمُه، أو لا يَأْكُلَ بَيضًا، فأكَلَ ناطِفًا، أو لا يَأكُلَ شَحْمًا، فأكَلَ اللَّحْمَ الأحْمَرَ، أو لا يأْكُلَ شَعِيرًا، فأكَلَ حِنْطَةً فيها حبَّاتُ شَعِيرٍ، لم يَحْنَثْ.
وإن ظَهَر طَعْمُ السَّمْنِ، أو طَعْمُ
أَوْ طَعْمُ شَيْءٍ مِنَ الْمَحْلُوفِ عَلَيهِ، حَنِثَ.
وَقَال الْخِرَقِيُّ: يَحْنَثُ
شيءٍ مِن المحْلُوفِ عليه، حَنِثَ.
وقال الخِرَقِيُّ: يَحْنَثُ بأَكْلِ اللَّحْمِ
بِأَكْلِ اللَّحْمِ الْأَحْمَرِ وَحْدَهُ.
وَقَال غَيرُهُ: يَحْنَثُ بِأَكْلِ حِنْطَةٍ فِيهَا حَبَّاتُ شَعِيرٍ.
الأحْمَرِ وَحْدَه.
وقال غيرُه: يَحْنَثُ بأَكْلِ حِنْطةٍ فيها حَبَّاتُ شعيرٍ) أمَّا إذا حَلَفَ لا يَأْكُلُ لَبَنًا، فأكَلَ زُبْدًا لا يَظْهَرُ فيه طَعْمُ اللَّبَنِ، لم يَحْنَث؛ لأنَّه لم يَأْكُلْ لَبَنًا، فأشْبَهَ ما لو أكَلَ كَشْكًا، وكذلك إن حَلَف لا يَأْكُلُ سَمْنًا، فأكَلَ خَبِيصًا فيه سَمْنٌ، لا يَظْهَرُ فيه طَعْمُه، لا يَحْنَث؛ لذلك، فأمَّا إن ظَهَر طَعْمُ شيءٍ مِن المَحْلُوفِ عليه، حَنِثَ, كما لو أكَلَ كلَّ (1) واحدٍ مُنْفَرِدًا، وإن حَلَف لا يَأْكُلُ بَيضًا، فأكَلَ ناطِفًا، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى بَيضًا.
4771 -
مسألة: (وإن حَلَف لَا يَأْكُلُ شَحْمًا، فأكَلَ اللَّحْمَ الأَحْمَرَ، فقال الْخِرَقِيُّ: يَحْنَثُ)
لأنَّ الشَّحْمَ [كلُّ ما] 2 يَذُوبُ بالنَّارِ1
..................................
مما في الحَيَوانِ.
والعُرْفُ 1 يَشْهَدُ لقَوْلِه.
وهو ظاهِرُ قولِ أبي الخَطَّابِ.
واللَّحْمُ لا يَكادُ يَخْلُو مِن شيءٍ منه، فيَحْنَثُ به وإن قَلَّ؛ لأنَّه يَظْهَرُ في الطَّبْخِ، فيَبِينُ على وَجْهِ المَرَقِ، وفارَقَ مَن حَلَف لا يَأْكُلُ سَمْنًا، فأكَلَ خَبِيصًا فيه سَمْنٌ لا يَظْهَرُ فيه طَعْمُه ولا لَوْنُه؛ لأنَّ هذا قد يَظْهَرُ الدُّهْنُ فيه.
وقال غيرُ الخِرَقِيِّ مِن أصْحابِنا: لا يَحْنَثُ.
قال شيخُنا 2: وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى شَحْمًا، ولا يَظْهَرُ فيه طَعْمُه ولا لَوْنُه، والذي يَظْهَرُ في المَرَقِ قد فارَقَ اللَّحْمَ، فلا يَحْنَثُ بأكْلِ اللَّحْمِ الذي كان فيه.
فإن حَلَف لا يَأْكُلُ شَعِيرًا، فأكَلَ حِنْطَةً فيها حَبَّاتُ شَعِيرٍ،
فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَويقًا، فَشَرِبَهُ، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ، فَأَكَلَهُ، فَقَال الْخِرَقِيُّ: يَحْنَثُ.
وقال أَحْمَدُ في مَن حَلَفَ لَا يَشْرَبُ نَبِيذًا، فَثَرَدَ فِيهِ، وَأَكَلَهُ: لَا يَحْنَثُ.
فَيُخَرَّجُ في كُلِّ مَا
فقال غيرُ الخِرَقِيِّ: يَحْنَثُ؛ لأنَّه أكلَ شَعِيرًا، فأَشْبَهَ ما لو أكلَه مُنْفَرِدًا، أو حَلَف لا يَأْكُلُ رُطَبًا، فأكَلَ مُنَصَّفًا.
والأَوْلَى أنَّه لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه مُسْتَهْلَكٌ في الحِنْطَةِ، أشْبَهَ السَّمْنَ في الخَبيصِ الذي لا يَظْهَرُ طَعْمُه، وإن نَوَى بيَمِينِه أن لا يَأْكُلَ الشَّعِيرَ مُنْفَرِدًا، أَو كان السَّبَبُ يَقْتَضِي ذلك، أو يَقْتَضِي أكْلَ شعيرٍ يَظْهَرُ أثَرُ أكْلِه، لم يَحْنَثْ بذلك.
فصل: قال، رَضِيَ اللهُ عنه: (فإن حَلَف لا يَأْكُلُ سَويقًا، فشَرِبَه، أو لا يَشْرَبُه، فأكَلَه، فقال الخِرَقِيُّ: يَحْنَثُ.
وقال أحمدُ في مَن حَلَف
حَلَفَ لَا يَأْكُلُهُ، فَشَرِبَهُ، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ، فَأَكَلَهُ، وَجْهَانِ.
وَقَال الْقَاضِي: إِنْ عَيَّنَ الْمَحْلُوفَ عَلَيهِ، حَنِثَ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
لا يَشْرَبُ نَبِيذًا، فثَرَد فيه، وأكَلَه: لا يَحْنَثُ.
فيُخَرَّجُ في كلِّ ما حَلَف لا يَأْكُلُه، فشَرِبَه، أو لا يَشْرَبُه، فأَكَلَه، وَجْهان.
وقال القاضي: إن عَيَّنَ المَحْلُوفَ عليه، حَنِثَ، وإلَّا فَلَا) وجملةُ ذلك، أنَّ مَن حَلَف لا يَأْكُلُ شيئًا، فشَرِبَه، أو لا يَشْرَبُه، فأَكَلَه، فقد نُقِلَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على رِوايَتَين؛ إحْداهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّ اليَمِينَ على تَرْكِ أكْلِ شيءٍ أو شُرْبِه يُقْصَدُ بها في العُرْفِ اجْتِنابُ ذلك الشيءِ، فَحُمِلَتِ اليَمِينُ عليه، ألَا تَرَى أنَّ 1 قَوْلَه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهُمْ﴾ 2. و: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى﴾ 3. لم يُرِدْ به الأكْلَ على الخُصوصِ؟ ولو قال طَبِيبٌ لمريضٍ: لا تَأْكُلِ.
العَسَلَ.
لَكانَ ناهِيًا عن شرْبِه.
والثانِيَةُ، لا يَحْنَثُ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّ الأفْعال أنْواعٌ كالأعيانِ 4، ولو حَلَف على نَوْعٍ مِن الأعْيانِ، لم يَحْنَثْ بغيرِه، كذلك
..................................
الأفْعالُ.
وقال القاضي: إنَّما الرِّوايتان في مَن عَيَّنَ المَحْلُوفَ عليه، مثلَ مَن حَلَف: لا أكَلْتُ هذا السَّويقَ.
فشَرِبَه، أو لا يَشْرَبُه، فأكَلَه، أمَّا إذا أطْلَقَ، فقال: لا أكَلْتُ سَويقًا.
فشَرِبَه، أو لا يَشْرَبُه، فأكَلَه، لم يَحْنَثْ، رِوايَةً واحِدَةً، لا يَخْتَلِفُ المذهبُ فيه.
وهذا يُخالِفُ ما ذَكَرْنا ههُنا مِن الإِطْلاقِ، ومُخالِفٌ لِما أطْلَقَه الخِرَقِيُّ، وليس للتَّعْيِينِ أثَرٌ في الحِنْثِ وعَدَمِه، فإنَّ الحِنْثَ في المُعَيَّنِ إنَّما كان لتَناوُلِه ما حَلَف عليه، وإجْراءِ مَعْنَى الأكْلِ والشُّرْبِ على التَّناوُلِ العامِّ فيهما، وهذا لا فَرْقَ فيه بينَ التَّعْيِينِ وعَدَمِه، وعَدَمُ الحِنْثِ مُعَلَّلٌ بأنَّه لم يَفْعَلِ الفِعْلَ الذي حَلَف على تَرْكِه، وإنَّما فَعَل غيرَه، وهذا في المُعَيَّنِ كهُوَ في المُطْلَقِ؛ [لعَدَمِ الفارِقِ بينَهما، فإذا كان في المُعَيَّنِ رِوايتان، كانتا في المُطْلَقِ] 1، لعَدَمِ الفارِقِ بينَهما، ولأنَّ الرِّوايَةَ في الحِنْثِ أُخِذَتْ 2 مِن كلامِ الْخِرَقِيِّ، وليس فيه تَعْيِينٌ، ورِوايَةُ عَدَمِ الحِنْثِ أُخِذَتْ (2) مِن رِوايَةِ مُهَنَّا عن
..................................
أحمدَ، في مَن حَلَف لا يَشْرَبُ هذا النَّبِيذَ، فأكَلَه، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى شُرْبًا، وهذا في المُعَيَّنِ، فإن عَدَّيتَ كلَّ رِوايَةٍ إلى مَحَلِّ الأُخْرَى، وَجَب أن يكونَ في الجميعِ رِوايَتان، وإن قَصَرْتَ كلَّ رِوايَةٍ على مَحَلِّها، كان الأمْرُ على خِلافِ ما قال القاضي، وهو أن يَحْنَثَ في المُطْلَقِ، ولا يَحْنَثَ في المُعَيَّنِ.
فصل: فإن حَلَف لَيَشْرَبَنَّ شيئًا، فأكَلَه، أو ليَأْكُلَنَّه، فشَرِبَه، خُرِّجَ فيه وَجْهان، بناءً على الرِّوايَتَين في الحِنْثِ إذا حَلَف على التَّرْكِ، ومتى تَقَيَّدَتْ يَمِينُه بنِيَّةٍ، أو سَبَب يَدُلُّ عليها، كانت يَمِينُه على ما نَوَاه، أو دَلَّ عليه السَّبَبُ؛ لأنَّ الأيمانَ على النِّيَّةِ.
فصل: فإن حَلَف لا يَشْرَبُ شيئًا، فمَصَّه ورَمَى به، فقد رُوِيَ عن
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَطعَمُهُ، حَنِثَ بِأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ، وَإِنْ ذَاقَهُ، وَلَمْ يَبْلَعْهُ،
أحمدَ في مَن حَلَف لا يَشْرَبُ، فمَصَّ قَصَبَ السُّكَّرِ: لا يَحْنَثُ.
وقال ابنُ أبي موسى: إذا حَلَف لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ، [فمصَّ قَصَبَ السُّكَّرِ، لا يَحْنَثُ.
وهذا قولُ أصحابِ الرَّأْي، فإنَّهم قالوا: إذا حَلَف] (1) [لا يَشْرَبُ] (2)، فمَصَّ حَبَّ رُمَّانٍ، ورَمَى بالثُّفْلِ (3)، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه ليس بأكْلٍ ولا شُرْبٍ.
ويَجِئُ على قولِ الخِرَقِيِّ، أنَّه يَحْنَثُ؛ لأنَّه قد تَناوَلَه، فوَصَل إلى حَلْقِه وبَطْنِه، فيَحْنَث به، على ما قُلْنا في مَن حَلَف لا يَأْكُلُ شيئًا فشَرِبَه، أو لا يَشْرَبُه فأكَلَه.
وإن حَلَف لا يَأْكُلُ سُكَّرًا، فتَرَكه في فيه حتى ذابَ وابْتَلَعه، خُرِّج على الرِّوايَتَين.
4772 -
مسألة: (فإن حَلَف لا يَطْعَمُ شَيئًا، حَنِث بأكْلِه وشُرْبِه)
وَمَصِّهِ؛ لأنَّ ذلك كُلَّه طُعْمٌ، قال اللهُ تعالى، في النَّهْرِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ (4). 4773 -
مسألة: (وإن ذاقَه ولم يَبْتَلِعْه، لم يَحْنَثْ)
في قولِهم1234
لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مَائِعًا، فَأَكَلَة بِالْخبْزِ، حَنِثَ.
جميعًا؛ لأنَّه ليس بأكْلٍ ولا شُرْبٍ، ولذلك لا يُفْطِرُ به الصائِمُ.
وإن حَلَف لا يَذُوقُه، فأكَلَه، أو شَرِبَه، أو مَصَّه، حَنِث؛ لأنَّه ذَوْقٌ وزِيادَةٌ، وكذلك إن مَضَغه (1) ورَمَى به؛ لأنَّه قد ذاقَه.
4774 -
مسألة: (وإن حَلَف لا يَأْكُلُ مائِعًا، فأكَلَه بالخُبْزِ، حَنِث)
لأنَّ ذلك يُسَمَّى أكْلًا، ولهذا قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «كُلُوا الزَّيتَ وَادَّهِنُوا بِهِ» 2. فصل: وإن حَلَف لَيَأْكُلَنَّ أَكْلَةً، بالفَتْحِ، لم يَبَرَّ 3 حتى يَأْكُلَ ما يَعُدُّه الناسُ أَكْلَةً، وهي المَرَّةُ من الأكْلِ، والأُكْلَةُ، بالضَّمِّ، اللُّقْمَةُ، ومنه: «فَلْيُنَاولْهُ في يَدِهِ أُكْلَةً، أَوْ أُكْلَتَينِ» 4.1
فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ، وَلَا يَتَطَهَّرُ، وَلَا يَتَطَيَّبُ، فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ وَلَا يَلْبَسُ، فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ، حَنِثَ.
فصل: (وإن حَلَف لا يَتَزَوَّجُ، ولا يَتَطَهَّرُ، ولا يَتَطَيَّبُ، فاسْتدامَ ذلك، لم يَحْنَثْ) في قولِهم جميعًا؛ لأنَّه لا يُطْلَقُ اسمُ الفِعْلِ على مُسْتَديمِ هذه الثلاثةِ، فلا يُقالُ: تَزَوَّجْتُ شَهْرًا.
ولا تَطَهَّرْتُ شَهْرًا.
ولا تَطَيَّبْتُ شَهْرًا.
وإنَّما يُقالُ: مُنْذُ (1) شَهْرٍ.
ولم يُنَزِّلِ الشَّارِعُ اسْتِدامَةَ التَّزْويج والطِّيبِ مَنْزِلَةَ ابْتِدائِهِما (2) في تَحْريمِه في الإِحْرامِ.
4775 -
مسألة: (وإن حَلَف لا يَرْكَبُ ولا يَلْبَسُ، فاسْتَدامَ ذلك، حَنِث)
مَن حَلَف لا يَلْبَسُ.
ثَوْبًا هو لابِسُه، فنَزَعه في الحالِ، وإلَّا12
..................................
حَنِث، وكذلك إن حَلَف لا يَرْكَبُ دابَّةً هو راكِبُها، فنَزَلَ في أوَّلِ حالةِ الإِمْكانِ، وإلَّا حَنِث.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال أبو ثَوْرٍ: لا يَحْنَثُ باسْتِدامَةِ اللُّبْسِ والرُّكُوبِ حتى يَبْتَدِئَه؛ لأَنَّه لو حَلَف أن لا يَتَزَوَّجَ ولا يَتَطَهَّرَ، فاسْتَدامَ ذلك، لم يَحْنَثْ، كذا ههُنا.
ولَنا، أنَّ اسْتِدامَةَ اللُّبْسِ والرُّكوبِ تُسَمَّى لُبْسًا ورُكُوبًا، ويُسَمَّى لابِسًا وراكِبًا، ولذلك يقالُ: لبِسْتُ هذا الثَّوْبَ شَهْرًا، ورَكِبْتُ دابَّتِي يومًا.
فحَنِث باسْتِدامَتِه, كما لو حَلَف لا يَسْكُنُ، فاسْتَدامَ السُّكْنَى، وقد اعْتَبَر الشَّرْعُ هذا في الإِحْرامِ، حيث حَرَّم لُبْسَ المَخِيطِ، وأوْجَب الكَفَّارَةَ في اسْتِدامَتِه, كما أوْجَبَها في ابْتِدائِه.
وفارقَ التَّزْويجَ، فإنَّه لا يُطْلَقُ على الاسْتِدامَةِ، فلا يقالُ: تزَوَّجْتُ شَهْرًا.
وإنَّما يقالُ: مُنْذُ شَهْرٍ.
ولهذا لم تَحْرُمِ اسْتِدامَتُه في الإِحْرامِ، ويَحْرُمُ ابْتِداؤُه.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا هُوَ دَاخِلُهَا، فَأَقَامَ فِيهَا، حَنِثَ عِنْدَ الْقَاضِي.
وَلَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ.
4776 - مسألة: (وإن حَلَف لا يَدْخُلُ دَارًا هو داخِلُهَا، فأقَامَ فيها، حَنِث عندَ القاضي. ولم يَحْنَثْ عندَ أبي الخَطَّابِ)
ووَجْهُ قولِ القاضي، أنَّ اسْتِدامَةَ المُقامِ في مِلْكِ الغيرِ كابْتِدائِه في التَّحْريمِ.
قال أحمدُ في رجلٍ حَلَف على امرأتِه: لا دَخَلْتُ أنا وأنْتِ هذه الدارَ.
وهما جميعًا فيها، قال: أخافُ أن يكونَ قد حَنِث.
والثاني، لا يَحْنَثُ.
اخْتارَه أبو الخطَّابِ.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّ الدُّخولَ لا يُسْتَعْمَلُ في الاسْتِدامَةِ، ولهذا يُقالُ: دَخَلْتُها مُنْذُ شَهْرٍ.
ولا يقالُ: دَخَلْتُها شَهْرًا.
فجَرَى مَجْرَى التَّزْويجِ، ولأنَّ الدُّخولَ الانْفِصالُ من خارِجٍ إلى داخِلٍ،
..................................
ولا يُوجَدُ في الإِقامَةِ.
وللشافعيِّ قَوْلان كالوَجْهَين.
ويَحْتَمِلُ أنَّ مَن أحْنَثَه إنَّما كان لأنَّ ظاهِرَ حالِ الحالِفِ أنَّه يَقْصِدُ هِجْرانَ الدَّارِ ومُبايَنَتَها، والإِقامَةُ فيها تُخالِفُ ذلك، فجَرَى مَجْرَى الحالِفِ على تَرْكِ السُّكْنَى بها.
فصل: وإن حَلَف لا يُضاجِعُ امْرَأتَه على فِراشٍ، وهما مُتَضاجِعان، فاسْتَدامَ ذلك، حَنِث؛ لأنَّ المُضاجَعَةَ تَقَعُ على الاسْتِدامَةِ، ولهذا يُقالُ: اضْطَجَع على الفِراشِ لَيلَةً.
وإن كان هو مُضْطَجِعًا على الفِراشِ وَحْدَه، فاضْطَجَعت عندَه عليه، نَظَرْتَ؛ فإن قامَ لوَقْتِه، لم يَحْنَثْ، وإنِ اسْتَدامَ، حَنِث؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن حَلَف لا يَصُومُ وهو صائِمٌ، فأتَمَّ يَوْمَه، فقال القاضي: لا يَحْنَثُ.
[ويَحْتَمِلُ أنْ يَحْنَثَ] 1؛ لأنَّ الصَّوْمَ 2 يَقَعُ على الاسْتِدامَةِ، يقالُ: صامَ يَوْمًا.
ولو شَرَع في صَوْمِ يومِ العِيدِ، [فظَنَّ أنَّه مِن رمضانَ 3 فبان يومَ العيدِ] 4 حَرُمَتْ عليه اسْتِدامَتُه.
وإن حَلَف لا يُسافِرُ وهو مُسافِرٌ، فأخَذَ في العَوْدٍ أو أقامَ، لم يَحْنَثْ، وإن مَضَى في سَفَرِه، حَنِثَ؛ لأنَّ الاسْتِدامَةَ سَفرٌ، ولهذا يقالُ: سافَرْت شَهْرًا.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيتًا، فَدَخَلَ فُلَانٌ عَلَيهِ، فَأَقَامَ مَعَهُ، فَعَلى الْوَجْهَينِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ دَارًا، أَوْ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا وَهُوَ مُسَاكِنُهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ في الْحَالِ، حَنِثَ، إِلَّا أنْ يُقِيمَ لِنَقْل مَتَاعِهِ، أَوْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ الْخُرُوجَ فَيُقِيمَ إِلَى أنْ يُمْكِنَهُ.
4777 - مسألة: (وإن حَلَف لا يَدْخُلُ على فُلانٍ بَيتًا، فدَخَل فُلَانٌ عليه، فأقَامَ معه، فعلى الوَجْهَين).
4778 -
مسألة: (وإن حَلَف لا يَسْكُنُ دَارًا، ولا يُسَاكِنُ فُلَانًا وهما مُتَسَاكِنَان، ولم يَخْرُجْ في الحالِ، حَنِث، إلَّا أن يُقِيمَ لنَقْلِ مَتاعِه، أو يَخْشَى على نَفْسِه الخُرُوجَ فيُقِيمَ إلى أن يُمْكِنَه)
وجملةُ ذلك، أنَّه إذا حَلَف لا يَسْكُنُ دارًا هو ساكِنُها، خرَج مِن وَقْتِه، فإن أقامَ فيها بعدَ يَمِينِهِ زَمَنًا يُمْكِنُه الخُروجُ، حَنِث؛ لأنَّ اسْتِدامَةَ السُّكْنَى سُكْنَى، كابْتِدائِها،
..................................
في وُقوعِ السُّكْنَى عليها، ألا تَرَاه يقولُ: سَكَنْتُ (1) هذه الدَّارَ شَهْرًا.
كما يقولُ: لبِسْتُ هذا الثَّوْبَ شَهْرًا؟ (2). وبهذا قال الشافعيُّ.
فإنْ أقامَ لنَقْلِ رَحْلِه وقُماشِه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ الانْتِقال لا يكونُ إلَّا بالأهْلِ والمالِ، فيَحْتاجُ إلى أن يَنْقُلَ ذلك معه، حتى يكونَ مُنْتَقِلًا.
وحُكِي عن مالِكٍ، أنَّه إن أقامَ دونَ اليومِ واللَّيلَةِ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ ذلك قليلٌ يَحْتاجُ إليه في الانْتِقالِ، فلم يَحْنَثْ به.
وعن زُفَرَ، أنَّه قال (2): يَحْنَثُ وإنِ انْتَقَل في الحالِ؛ لأنَّه لا بُدَّ أن يكونَ ساكِنًا عَقِيبَ يَمِينِه ولو لَحْظَةً، فحَنِثَ بها.
وليس بصَحِيحٍ؛ [فإنَّ ما] (3) لا يُمْكِنُ الاحْتِرازُ منه (4) لا يُرادُ باليَمِينِ، ولا تَقَعُ عليه، أمَّا إذا أقامَ زَمَنًا يُمْكِنه الانتِقالُ فيه، فإنَّه يَحْنَثُ؛ لأنَّه فَعَل ما يَقَعُ عليه اسمُ السُّكْنَى، فحَنِثَ به، كمَوْضِعِ الاتِّفاقِ، ألَا تَرَى أنَّه لو حَلَف لا يَدْخُلُ الدَّارَ، فدَخَل إلى أوَّلِ جُزْءٍ منها، يَحْنَثُ، وإن كان قَليلًا؟
4779 -
مسألة: فإن أقامَ لنَقْلِ متاعِه وأهْلِه، لم يَحْنَثْ.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: يَحْنَثُ.
ولَنا، أنَّ الانْتِقال إنَّما يكونُ بالأهْلِ والمالِ، على ما سَنَذْكُرُه، فلا يُمْكِنُه التَّحَرُّزُ مِن هذه الإِقامَةِ، فلا تَقَعُ اليَمِينُ عليها.
وعلى هذا، لو خَرَج بنَفْسِه، وتَرَك أهْلَه وماله في1234
وإنْ خَرَجَ دُونَ مَتَاعِهِ وَأهْلِهِ، حَنِثَ، إلا أنْ يُودِعَ مَتَاعَهُ أوْ يُعِيرَهُ،
المَسْكَنِ مع إمْكانِ نَقْلِهم عنه، حَنِثَ.
وقال الشافعيُّ: لا يَحْنَثُ إذا خَرَج بنِيَّةِ الانْتِقالِ؛ لأنَّه إذا خَرَج بنِيَّةِ الانْتِقالِ، فليس بساكِنٍ؛ لأنَّه يجوزُ أن يُرِيدَ السُّكْنَى وَحْدَه دونَ أهْلِه ومالِه.
ولَنا، أنَّ السُّكْنَى تكونُ بالأهْلِ والمالِ، ولهذا يقالُ: فلان ساكِن في البَلَدِ الفُلانِيِّ.
وهو غائِبٌ عنه بنَفْسِه، وإذا نَزَل بَلَدًا بأهْلِه ومالِه، يقالُ: سَكَنَه.
وقوْلُهم: إنَّه نَوَى السُّكْنَى بنَفْسِه.
لا يَصِحُّ؛ فإنَّ مَن خَرَج إلى مكانٍ ليَنْقُلَ أهْلَه إليه، لم (1) يَنْو السُّكْنَى به بنَفْسِه، [فأشْبَهَ مَن خَرَج لشِراءِ مَتاعٍ، وإن خَرَج عازِمًا على السُّكْنَى بنفسِه] (2) مُنْفَرِدًا عن أهْلِه الذي في الدَّارِ، لم يَحْنَث فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى.
ذَكَرَه القاضي.
وحُكِي (3) عن مالكٍ، أنَّه اعْتَبَر نَقْلَ عِيالِه دونَ مالِه.
والأوْلَى، إن شاءَ الله، أنَّه إذا انْتَقَلَ بأهْلِه، فسَكَنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ، أنَّه لا يَحْنَثُ، وإن بَقِيَ مَتاعُه في الأُولَى؛ لأنَّ مَسْكَنَه حيثُ حَلَّ أهْلُه به، ونَوَى الإقامَةَ به، ولهذا لو حَلَف لا يَسْكُنُ دارًا لم يَكُنْ ساكِنًا بها، فنَزَلَها بأهْلِه ناويًا للسُّكْنَى بها، حَنِثَ.
وقال القاضي: إن نَقَل إليها ما يَتَأَثَّثُ به، ويَسْتَعْمِله في مَنْزِلِه، فهو ساكِنٌ وإن سَكَنَها بنَفسِه.
4780 -
مسألة: (وإن خَرَج دُونَ أهْلِه ومَتاعِه، حَنِث)
لِما123
وَتَأْبَى امْرَأَتُه الْخُرُوجَ مَعَهُ، وَلَا يُمْكِنَهُ إِكْرَاهُهَا، فَيَخْرُجَ وَحْدَهُ، فَلَا يَحْنَث.
ذَكَرْنا في المسألةِ التي قبلَها (إلَّا أن يُودِعَ مَتاعَه أو يُعِيرَه، أو تَأْبَى امْرَأتُه الخُروجَ معه، ولا يُمْكِنَه إكْرَاهُها، فيَخْرُجَ وَحْدَه، فلا يَحْنَثُ).
فصل: وإن أُكْرِه على المُقامِ، لم يَحْنَثْ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِيَ لأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأ، والنِّسْيانِ، ومَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ» 1. وكذلك إن كان في جَوْفِ اللَّيلِ في وَقْتٍ لا يَجِدُ مَنْزِلًا يَتَحَوَّلُ إليه، أو تحولُ بينَه وبينَ المنْزِلِ أبوابٌ مُغْلَقَةٌ لا يُمْكِنُه فَتْحُها، أو خَوْفٌ على نَفْسِه أو أهْلِه أو مالِه،
..................................
فأقامَ في طَلَبِ النُّقْلَةِ، أو انْتِظارًا لزَوالِ المانِعِ منها، أو خَرَج طالِبًا للنُّقْلَةِ فتَعَذَّرَت 1 عليه؛ إمَّا لكَوْنِه لم يَجِدْ مَسْكَنًا يَتَحَوَّلُ إليه، لتَعَذُّرِ الكِراءِ أو غيرِه، أو لم يَجِدْ بَهائِمَ يَنْتَقِلُ عليها، ولا يُمْكِنُه النُّقْلَةُ بدُونِها، فأقامَ ناويًا للنُّقْلَةِ متى قَدَر عليها، لم يَحْنَثْ وإن أقامَ أيَّامًا ولَيالِيَ؛ لأنَّ إقامَتَه من غيرِ اخْتِيارٍ منه، لعَدَمِ تَمَكنِه من النُّقْلَةِ، فإنَّه إذا لم يَجِدْ مَسْكَنًا لا يُمْكِنُه تَرْكُ أهْلِه، و 2 إلْقاءُ مَتاعِه في الطَّريقِ، فلم يَحْنَث به، كالمُقِيمِ للإِكْراهِ.
فإن أقامَ في هذا الوَقْتِ، غيرَ ناوٍ للنُّقْلةِ، حَنِث، ويكونُ نَقْلُه لِما يَحْتاجُ إلى نَقْلِه على ما جَرَت به 3 العادَةُ، فلو كان ذا مَتاعٍ كثير، فنَقَلَه قليلًا قليلًا على العادَةِ، بحيثُ لا يَتْرُكُ النَّقْلَ المُعْتادَ، لم يَحْنَثْ وإن أقامَ أيَّامًا، ولا يَلْزَمُه جَمْعُ دَوابِّ البلَدِ لنَقْلِه، ولا النَّقْلُ باللَّيلِ، ولا وقتَ الاسْتراحَةِ عندَ التَّعَبِ، ولا أوْقاتَ الصلواتِ؛ لأن العادَةَ لم تَجْرِ بالنَّقْلِ فيها.
فصل: ولو وَهَب رَحْلَه أو أوْدَعَه أو أعارَه وخَرَج وَحْدَه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ يَدَه زالت عن المَتاعِ.
وكذلك إن أُبتِ امْرَأتُه الخُروجَ معه، ولم يُمْكِنْه إكْراهُها، أو كان له عائِلَة فامْتَنَعُوا من الخُروجِ والانتِقالِ، ولم
وَإنْ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا، فَبَنَيَا بَينَهُمَا حَائِطًا وَهُمَا مُتَسَاكِنَانِ، حَنِثَ، وَإنْ كَانَ في الدَّارِ حُجْرَتَانِ، كُلُّ حُجْرَةٍ تَخْتَصُّ بِبَابِهَا وَمَرَافِقِهَا، فَسَكَنَ كُلُّ وَاحِدٍ حُجْرَةً، لَمْ يَحْنَث.
يُمْكِنْه إخْراجُهم فتَرَكَهُم، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ هذا ممَّا لم يُمْكِنْه، فأشْبَهَ ما لم يُمْكِنْه نَقْلُه من رَحْلِه.
وإن تَرَدَّد إلى الدَّارِ لنَقْلِ المَتاعِ، أو عائِدًا، أو زائِرًا لصَدِيقٍ، لم يَحْنَثْ.
وقال القاضي: إن دَخَلَها ومِن رَأْيِه الجُلوسُ عندَه، حَنِث، وإلَّا فلا.
ولَنا، أنَّ هذا ليس بسُكْنَى، ولذلك لو حَلَف ليَسْكُنَنَّ دارًا، لم يَبَرَّ بالجُلُوسِ فيها على هذا الوَجْهِ، ولا يُسَمَّى ساكِنًا به 1 بهذا القَدْرِ، فلم يَحْنَثْ، كما لو لم يَنْو الجُلوسَ.
فصل: وإن حَلَف لا يُساكِنُ فُلانًا وهو مُساكِنُه، فالحُكْمُ في الاسْتِدامَةِ على ما ذَكَرْنا في الحَلِفِ على السُّكْنَى، وإنِ انْتَقَل أحَدُهما وبَقِيَ الآخَرُ، لم يَحْنَثْ؛ لزَوالِ المُساكَنَةِ.
4781 -
مسألة: (وإن حَلَف لا يُساكِنُ فُلَانًا، فبَنَيا بينَهما حائِطًا وهما مُتَساكِنَان، حنث، وإن كان في الدَّارِ حُجْرَتان، كلُّ حُجْرَةٍ تَخْتَصُّ ببَابِها ومَرافِقِها، فسَكَنَ كلُّ واحِدٍ حُجْرَةً، لم يَحْنَثْ)
إذا كانا في دارٍ
..................................
واحدةٍ حالةَ اليَمِينِ، فخَرَج أحَدُهما منها، وقَسَماها حُجْرَتَين، وفَتَحا لكلِّ واحدةٍ منهما بابًا، وبينَهما حاجِزٌ، ثم سَكَن كل واحدٍ منهما في حُجْرَةٍ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّهما غيرُ مُتَساكِنَين، وإن بَنَيَا الحاجِزَ بينَهما وهما مُتَساكِنان، حَنِث؛ لأنَّهما تَساكَنا قبلَ انْفِرادِ إحْدَى الدَّارَين مِن الأخْرَى.
وهذا قولُ الشَّافعيِّ 1. ولا نَعلمُ فيه خِلافًا.
فصل: وإن سَكَنا في دارٍ واحدَةٍ، كل واحدٍ في بَيتٍ ذِي بابٍ وغَلْقٍ، رُجِع إلى نِيَّتِه بيَمِينِه أو إلى سَبَبِها، وما دَلَّتْ عليه قَرائِنُ أحْوالِه في المَحْلُوفِ
..................................
على المُساكَنَةِ فيه، فإن عُدِمَ ذلك، حَنِثَ.
وهذا قولُ مالكٍ.
وقال الشافعيُّ: إن كانتِ الدَّارُ صَغيرَةً، فهما مُتَساكِنان؛ [لأنَّ الصغيرةَ مَسْكَنٌ واحِدٌ، وإن كانت كبيرةً، إلَّا أنَّ أحدَهما في البيتِ و 1 الآخَرَ في الصُّفَّةِ، أو كانا في صُفَّتَين، أو بَيتَين ليس على أحدِهما غَلْقٌ دونَ صاحبِه، فهما مُتساكِنان] 2. وإن كانا في بَيتَين، كلُّ واحدٍ منهما له غَلْق، أو كانا في خَانٍ، فليسا مُتَساكِنَين؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَنْفَرِدُ بمَسْكَنِه دونَ الآخَرِ، فأشْبَها المُتَجاورَين.
فصل: وإن حَلَف: لا ساكَنْتُ فُلانًا في هذه الدَّارِ.
فقَسماها حُجْرَتَينِ، وبَنَيا بَينَهما حائِطًا، ومثَح كلُّ واحدٍ منهما بابًا لنفسِه، وسَكَنا فيهما 3، لم يَحْنَثْ؛ لِما 4 ذَكَرْنا في التي قبلَها.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي.
وقال مالكٌ: لا يُعْجِبُنِي ذلك.
ويَحْتَمِلُه قياسُ المذهبِ؛ لكَوْنِه عيَّنَ 5 الدَّارَ، فلا تَنْحَلُّ يَمِينُه بتَغْيِيرِها 6، كما لو حَلَف لا يَدْخُلُها، فصارَتْ فَضاءً.
وَإنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ، فَخَرَجَ وَحْدَهُ دُونَ أهْلِهِ، بَرَّ، وَإنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنَ الدَّارِ، فَخَرَجَ دُونَ أهْلِهِ، لَمْ يَبَرَّ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه لم يُساكِنْه فيها، لكَوْنِ المُساكَنَةِ في الدَّارِ لا تَحْصُلُ مع كَوْنِها (1) دارَين، وفارَقَ الدُّخولَ، فإنَّه دَخَلَها مُتَغَيِّرَةً.
4782 -
مسألة: (وإن حَلَف لَيَخْرُجَنَّ من هذه البَلْدَةِ، فخَرَجَ دُونَ أهْلِه)
لم يَحْنَثْ (وإن حَلَف لَيَخْرُجَنَّ مِن) هذه (الدَّارِ، فَخَرَجَ دُونَ أهْلِه، لم يَبَرَّ) إذا حَلَف ليَخْرُجَنَّ مِن هذه الدَّارِ، اقْتَضَتْ يَمِينُه الخُروجَ بنَفْسِه وأهْلِه، كما لو حَلَف لا يَسْكُنُها.
وإن حَلَف ليَخْرُجَنَّ مِن هذه البَلْدَةِ، تَناوَلَتْ يَمِينُه الخُروجَ بنَفْسِه؛ لأنَّ الدَّارَ يَخْرُجُ منها صاحِبُها في اليومِ مَرَّات عادَة 2، فظاهِرُ حالِه أنَّه لم يُرِدِ الخُروجَ المُعْتادَ، وإنَّما أرادَ الخُروجَ الذي هو النُّقْلَةُ، والخُروجُ من البَلَدِ بخلافِ ذلك.1
وَإنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ، أو لَيَرْحَلَنَّ عَنْ هذِهِ الدَّارِ، فَفَعَلَ، فَهَلْ لَهُ الْعَوْدُ إِلَيهَا؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
4783 - مسألة: (وإن حَلَف لَيَخْرجَنَّ مِن هذه البَلْدَةِ، أو لَيَرْحَلَنَّ عن هذه الدَّارِ، ففَعَل، فهل له العَوْدُ إليها؟ على رِوَايَتَين)
إحْدَاهما، لا شيءَ عليه في العَوْدِ، ولا يَحْنَث به؛ لأنَّ يَمِينَه على الخُروجِ، وقد خَرَج، فانْحَلَّتْ يَمِينه بفِعْلِ ما حَلَف عليه، فلم يَحْنَثْ فيها 1 بعدُ.
والثانِيَة، يَحْنَث بالعَوْدِ؛ لأنَّ ظاهِرَ حالِه قَصْدُ هِجْرانِ ما حَلَف على الرَّحيلِ منه، ولا يَحْصُلُ ذلك بالعَوْدِ.
ويُمْكِن حَمْلُ هذه الرّوايَةِ على أنَّ للمَحْلُوفِ 2 عليه سَبَبًا 3 هَيَّجَ يَمِينَه، أو دَلَّتْ قَرِينَة حالِه على إرادَةِ هِجْرانِه، أو نَوَى ذلك بيَمِينِه، فاقْتَضَتْ يَمِينه دَوامَ اجْتِنابِها.
فإن لم يَكنْ كذلك، لم يَحْنَثْ بالعَوْدِ؛ لأنَّ اليَمِينَ تحْمَل 4 عندَ عَدَمِ ذلك على مُقْتَضَى اللَّفْظِ،
فَصْلٌ: وإنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَحُمِلَ فَأُدْخِلَهَا، وَيُمْكِنُهُ الامْتِنَاعُ فَلَمْ يَمْتَنِعْ، أوْ حَلَفَ لَا يَسْتَخْدِمُ رَجُلًا فَخَدَمَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ، فَقَال الْقَاضِي: يَحْنَثُ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَحْنَثَ.
ومُقْتَضاه ههُنا الخُروجُ، وقد فَعَلَه، فانْحَلَّتْ يَمِينُه به.
وكذلك الحُكْمُ 1 إذا حَلَف على الرَّحيلِ من بَلَدٍ، لم يَبَرَّ إلَّا بالرَّحيلِ بأهْلِه.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (إذا حَلَف لا يَدْخُلُ دارًا، فحُمِلَ فأُدْخِلَها، ويُمْكِنُه الامْتِناعُ فلم يَمْتَنِعْ، أو حَلَف لا يَسْتَخْدِمُ رَجُلًا، فخَدَمَه وهو ساكِت، فقال القاضي: يَحْنَثُ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ) إذا حَلَف لا يَدْخُلُ دارًا، فحُمِلَ فأُدْخِلَها، فلم يُمْكِنْه الامْتِناعُ، لم يَحْنَثْ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ أبي طالبٍ.
وبه قال الشافعي، وأبو ثَوْرٍ،
..................................
وأصحابُ الرَّأْي.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ الفِعْلَ غيرُ مَوْجودٍ منه، ولا مَنْسُوبٍ إليه.
فإن حُمِلَ بأمْرِه، فأُدْخِلَها، حَنِثَ؛ لأنَّه دَخَل مُخْتارًا، فأشْبَهَ ما لو دَخَل راكِبًا.
فإن حُمِلَ بغيرِ أمْرِه، لكنَّه أمْكَنَه الامْتِناعُ فلم يَمْتَنِعْ، حَنِثَ أيضًا.
اخْتارَه القاضي؛ لأنه دَخَلَها غيرَ مُكْرَهٍ، فأشْبَهَ ما لو حُمِلَ بأمْرِه.
وقال أبو الخَطَّابِ: في الحِنْثِ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَحْنَثُ؛ [لأنَّه لم يَفْعَلِ الدُّخُولَ، ولم يَأمُرْ به، فأشْبَهَ ما لو لم يُمْكِنْه الامْتِناعُ.
ومتى دَخَل باخْتِيارِه، حَنِثَ] 1، سَواءٌ كان ماشِيًا، أو راكِبًا، أو مَحْمُولًا، أو ألْقَى نَفْسَه 2 في ماءٍ فَجَرَّه إليها، أو سَبَح فيها فَدَخَلَها، وسَواءٌ دَخَل مِن بابِها، أو تَسَوَّرَ حائِطَها، أو دَخَل مِن طاقَةٍ فيها، أو نَقَب حائِطَها، و 3 دَخَل مِن ظَهْرِها، أو غير ذلك.
..................................
فصل: فإن أُكْرِهَ بالضَّرْبِ ونَحْوه، فدَخَلَها، لم يَحْنَثْ، في أحَدِ الوَجْهَين.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
والثاني، يَحْنَثُ.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي.
ونحوُه عن النَّخَعِيِّ؛ لأنه دَخَلَها وفَعَل ما حَلَف على تَرْكِه.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِيَ لأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأَ، والنِّسْيانِ، ومَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ» 1. ولأنَّه دَخَلَها مُكْرَهًا، فأشْبَهَ ما لو حُمِلَ فأُدْخِلَها مُكْرَهًا.
وكذلك إن حَلَف لا يَسْتَخْدِمُ رَجُلًا، فخَدَمَه وهو ساكِتٌ، فيه مِن الخلافِ ما ذكَرْناه في دُخولِ الدَّارِ؛ لأنَّه في مَعْناه.
فصل: وإن حَلَف لا يَسْتَخْدِمُ عَبْدًا، فخَدَمَه وهو ساكِت، لم يَأْمُرْه ولم يَنْهَه، فقال القاضي: إن كان عبدَه، حَنِثَ، وإن كان عبدَ غيرِه، لم يَحْنَثْ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ عبدَه يَخْدِمُه عِبادَةً 2 بحُكْمِ اسْتِحْقَاقِه ذلك عليه، فيكونُ معْنى يَمِينِه: لَا مَنَعْتُك خِدْمَتِي.
فإذا لم
وَإنْ حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ الْمَاءَ، أو لَيَضْرِبَنَّ غُلَامَهُ غَدًا، فَتَلِفَ الْمَحْلُوفُ عَلَيهِ قَبْلَ الْغَدِ، حَنِثَ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَحْنَثَ.
وإنْ مَاتَ الْحَالِفُ، لَمْ يَحْنَثْ.
يَنْهَه، لم يَمْنَعْه، فحَنِثَ (1)، وعبدُ غيرِه بخِلافِه.
وقال أبو الخَطَّابِ: يَحْنَثُ في الحالين؛ لأنَّ إقْرارَه على الخِدْمَةِ اسْتِخْدامٌ، ولهذا يقالُ: فلانٌ يَسْتَخْدِمُ عبدَه.
إذا خَدَمَه وإن لم يَأْمُرْه، ولأنَّه ما حَنِثَ به في عبدِه، حَنِث به في عبدِ غيرِه، [كسائِرِ الأشْياءِ.
وقال الشافعيُّ: لا يَحْنَثُ في الحالين؛ لأنَّه حَلَف على فِعْلِ نَفْسِه، فلا يَحْنَث بفِعْلِ غيرِه] (2)، كسائِرِ الأفْعالِ.
4784 -
مسألة: (وإن حَلَف لَيَشْرَبَنَّ)
هذا (الماءَ، أو لَيَضْرِبَنَّ غُلامَه غَدًا، فتَلِفَ المَحْلُوفُ عليه قبلَ الغَدِ، حَنِثَ عندَ الخِرَقِيِّ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ.
وإن مَاتَ الحَالِفُ، لم يَحْنَثْ) أمَّا إذا ماتَ الحالِفُ من يَوْمِه، فلا حِنْثَ عليه؛ لأنَّ الحنثَ إنَّما يحصُلُ بفواتِ المحلوف عليه في وقته، وهو الغَدُ، والحالِفُ قد خَرَج عن أهْلِيَّةِ التَّكْلِيفِ قبلَ الغَدِ،12
..................................
فلا يُمْكِنُ حِنْثُه.
وكذلك إن جُنَّ الحالِفُ من يَوْمِه، فلم يُفِقْ إلَّا بعدَ خُروجِ الغَدِ؛ لأنَّه خَرَج عن كَوْنِه مِن أهلِ التَّكْلِيفِ.
وإن هَرَب العبدُ، أو مَرِضَ هو أو الحالِفُ، أو نحو ذلك، فلم يَقْدِرْ على ضَرْبِ العَبْدِ، حَنِثَ؛ لأنَّه لم يَفْعَلْ ما حَلَف عليه، مع كَوْنِه مِن أهلِ التَّكْلِيفِ.
وإن لم يَمُتِ الحالِفُ، ففيه مسائِلُ سبعٌ 1؛ أحدُها، أن يَضْرِبَ العَبْد في غَدٍ، أيَّ وَقْتٍ كان منه، فإنَّه يَبَرُّ في يَمِينِه، بلا خِلافٍ.
الثانِيَةُ، أمْكَنَه ضَرْبُه في غَدٍ، فلم يَضْرِبْه حتى مَضَى الغَدُ، وهما في الحَياةِ 2، فيَحْنَثُ بلا خِلافٍ أيضًا.
الثالِثَةُ، ماتَ العبدُ من يَوْمِه، فإنَّه يَحْنَثُ.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
ويَتَخَرجُ أن لا يَحْنَثَ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ.
والقولُ الثاني للشافعيِّ؛ لأنَّه فقدَ 3 ضَرْبَه بغيرِ اختِيارِه، فلم يَحْنَث، كالمُكرَهِ
..................................
والنَّاسِي.
ولَنا، أنَّه لم يَفْعَلْ ما حَلَف عليه في وَقْتِه، مِن غيرِ إكْرَاهٍ ولا نِسْيانٍ، وهو مِن أهْلِ الحِنْثِ، فحَنِثَ، كما لو أتْلَفَه 1 باخْتِيارِه، وكما لو حَلَف ليَحُجَّنَّ العامَ، فلم يَقْدِرْ على الحَجِّ؛ لمرَض، أو عَدَمِ النَّفَقَةِ، وفارَقَ الإكراهَ والنِّسيانَ، فإنَّ الامْتِناعَ لمَعْنًى في الحَالِفِ 2، وههُنا الامْتِناغُ لمَعْنًى في المَحَلِّ، فأشْبَهَ ما لو تَرَك ضَرْبَه لصُعُوبَتِه، أو تَرَك الحالِفُ الحَجَّ لصُعُوبَةِ الطَّريقِ وبُعْدِها عليه.
فأمَّا إن كان تَلَفُ المَحْلُوفِ عليه بفِعْلِه واخْتِيارِه، حَنِثَ، وَجْهًا.
واحِدًا؛ لأنَّه فَوَّتَ الفِعْلَ على نَفْسِه.
..................................
قال القاضي: ويَحْنَثُ الحالِفُ ساعةَ مَوْتِه؛ لأنَّ يَمِينَه انْعَقَدَتْ مِن حِينِ حَلِفِه، وقد تَعَذَّرَ عليه الفِعْلُ، فحَنِثَ في الحالِ، كما لو لم يُؤَقِّتْ.
ويَتَخَرَّجُ أن لا يَحْنَثَ قبلَ الغَدِ؛ لأنَّ الحِنْثَ مُخالفَةُ ما عَقَدَ يَمِينَه عليه، فلا تحْصُلُ المُخالفَةُ إلَّا بتَرْكِ الفِعْلِ في وَقْتِه.
الرابِعَةُ، ماتَ العبدُ في غَدٍ قبلَ التَّمَكُّنِ من ضَرْبِه، فهو كما لو ماتَ في يَوْمِه.
الخامِسَةُ، ماتَ العبدُ في غَدٍ بعدَ التَّمَكُّنِ من ضَرْبِه، قبلَ ضَرْبِه، فإَّنه يَحْنَثُ، وَجْهًا واحدًا.
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ.
وقال بعضُهم: فيه قَوْلان.
ولَنا، أنَّه تَمَكَّنَ من ضَرْبِه في وَقْتِه، فلم يَضْرِبْه، فحَنِثَ، كما لو مَضَى الغَدُ قبلَ ضَرْبِه.
السادِسَةُ، ماتَ الحالِفُ في غَدٍ، بعدَ التَّمَكنِ من ضَرْبِه، فلم يَضْرِبْه، حَنِثَ، وَجْهًا واحدًا، لِما ذَكَرْنا.
السابِعَةُ، ضَرَبَه في يَوْمِه، فإنَّه لا يَبَرُّ.
وهذا قولُ أصحابِ الشافعيِّ.
وقال القاضي، وأصحابُ أبي حنيفةَ: يَبَرُّ،