الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 489-3

وَعَلَى الإِمَامِ حِفْظُهُمْ، وَالْمَنْعُ مِنْ أَذَاهُمْ، واسْتِنْقَاذُ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ.

1537 - مسألة: (وعلى الإِمام حِفْظُهم، والمَنْعُ مِن أذاهم، واسْتِنْقاذُ مَن أُسِرَ منهم)

تَلْزَمُه حِمايَتُهم مِنَ المُسْلِمِين وأهلِ الحربِ وأهلِ الذِّمَّةِ، لأنَّه الْتَزَمَ بالعَهْدِ حِفْظَهم، ولهذا قال علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: إنَّما بَذَلُوا الجزْيَةَ لتكونَ دِماؤُهم كدِمائِنا وأمْوالُهم كأمْوالِنا.
وقال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، في وَصِيَّتِه للخليفةِ بعدَه: وأُوصِيه بأهلِ ذِمَّةِ المُسْلِمين خَيرًا، أن يُوفِىَ لهم بعَهْدِهم، ويُحاطُوا مِن ورائِهم 1. ويَجِبُ فِداءُ أسْراهم، سواءٌ كانوا في مَعُونَتِنا أو لم يكونوا.
وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ.
وهو قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، واللَّيْثِ، لأنَّنا الْتَزَمْنا حِفظَهم بمُعاهَدَتِهم، وأخْذِ جِزْيتهم، فَلَزِمَنا القِتالُ مِن وَراثِهم، والقِيامُ دُونَهم، فإذا عَجَزْنا عن ذلك وأمْكَنَنا تَخلِيصُهم، لَزِمَنا ذلك.
وقال القاضى:

..................................  إنَّما يَجِبُ فِداؤُهم إذا اسْتعانَ بهم الإِمامُ في قِتالٍ فسُبُوا، وَجَب عليه فِداؤُهم؛ لأنَّ أسْرَهم كان لمَعْنًى مِن جِهَتِه.
وهو المنْصُوصُ عن أحمدَ.
ومتى وَجَب فِداؤُهم، فإنَّه يَبْدأ بفِداءِ المسُلِمِين قَبْلَهم؛ لأنَّ حُرْمَةَ المُسْلِمِ أعْظَمُ، والخوْفَ عليه أشَدُّ، وهو مُعَرَّضٌ للفِتْنَةِ عن دِينِ الحَقِّ، بخلافِ أهلَ الذِّمَّةِ.
فصل: ومَن هَرَب منهم إلى دارِ الحَرْبِ ناقِضًا للعَهْدِ، عاد حَرْبًا 1 حُكْمُه حُكْمُ الحَرْبِىِّ، سواءٌ كان رجُلًا أو امرأةً، ومتى قُدِرَ عليه، أُبِيحَ منه ما يُباحُ مِن الحَرْبِىِّ؛ مِن القَتْلِ، والأسْرِ، وأخْذِ المالِ.
فإن هَرَب بأهْلِه وذُرِّيَّته، أُبِيحَ مِن البالِغين 2 منهم ما يُباحُ مِن أهْلِ الحَرْبِ، ولم يُبَحْ سَبْىُ الذُّرِّيَّةِ؛ لأنَّ النَّقْضَ إنَّما وُجِدَ مِن البالِغين دُونَ الذُّرِّيَّةِ.
وإن نقَضَتْ طائِفَة مِن أهْلِ الذِّمَّةِ، جازَ غزْوُهم وقِتالُهم.
وإن نَقَضَ بعضُهم دُونَ بعضٍ، اخْتَصَّ حُكْمُ النَّقْضِ بالنّاقِضِ.
وإنْ لم ينْقُضُوا، لكن خافَ النَّقْضَ منهم، لم يَجُزْ أنْ يَنْبِذَ إليهم عَهْدَهم؛ لأنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ لِحَقِّهم،

وَإِذَا تَحَاكَمُوا إِلَى الْحَاكِمِ جمَعَ مُسْلِمٍ، لَزِمَهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ تَحَاكَمَ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ، أَوِ اسْتَعْدَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، خُيِّرَ بَيْنَ الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ تَرْكِهِمْ، وَلَا يَحْكُمُ إِلَّا بِحُكْمِ الإِسْلَامِ.
بدليلِ أنَّ الإِمامَ تَلْزَمُه إجابَتُهم إليه (1) بخلافِ عَقْدِ الأمانِ والهُدْنَةِ؛ فإنَّه لمَصْلَحَةِ المُسْلِمِين، ولأنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ آكَدُ؛ لأنَّه مُؤَبَّدٌ، وهو مُعاوَضَةٌ، ولذلك إذا نَقَض بعضُ أهْلِ الذِّمَّةِ العَهْدَ، وسَكَت بَقِيَّتُهم، لم يكُنْ سُكُوتُهم نَقْضًا، وفى عَقْدِ الهُدْنَةِ يكونُ نَقْضًا.

1538 -

مسألة: (وإن تَحاكَموا إلى الحَاكِمِ مَعَ مُسْلِمٍ، لَزِمَه الحكمُ بينَهم)

لأنَّ إنْصافَ المُسْلِمِ والإنْصاف منه واجِبٌ، وطَرِيقَه الحُكْمُ (وإن تحاكَمَ بعضُهم مع بعض، أو اسْتَعْدَى بعضُهم على بعضٍ، خُيِّرَ بين الحُكْمِ بينَهم وبينَ تَرْكِهم) لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ 2. ولأنَّهما كافِران، فلم يجِبِ الحُكْمُ بينَهما، كالمُسْتَأمَنَيْن (ولا يَحْكُمُ) بينَهم (إلَّا بحُكْمِ الإِسلامِ) لقوْلِه تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (2).1

..................................  وعنه، يَلْزَمُه الحكمُ بينَهم؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ 1. ولأنَّ رَفْعَ الظُّلْمِ عنهم واجِبٌ، وطريقُه الحُكْمُ، فوَجَبَ، كالحُكْمِ بينَ المُسْلِمِين.
فإنِ اسْتَعْدَتِ المرأةُ على زَوْجِها في

وَإِنْ تَبَايَعُوا بُيُوعًا فَاسِدَةً، وَتَقَابَضُوا، لَمْ يَنْقُضْ فِعْلَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَابَضُوا، فَسَخَهُ، سَوَاءٌ كَانَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَهُمْ حَاكِمُهُمْ أَوْ لَا.
طلاقٍ أو إيلاءٍ أو ظِهارٍ، فإن شاء أعداها، وإن شاء تَرَكَهما، على الرِّوايَةِ الأُولى.
فإن أحْضَرَتْ زَوْجَها، حَكَم عليه بحُكْمِ المُسْلِمِين في مثلِ ذلك.
فإن كان قد ظاهَرَ منها، مَنَعَه وَطْأَها حتى يُكَفِّرَ، وتَكْفِيرُه بالإِطْعامِ؛ لأنَّه لا يَصِحُّ منه الصَّوْمُ، ولا يَصِحُّ شِراوه للعَبْدِ المُسْلِمِ، ولا تَمَلُّكُه.

1539 -

مسألة: (وإن تَبايَعُوا بُيُوعًا فاسِدَةً، وتَقابَضُوا، لم يَنْقُضْ فِعْلَهم)

لأنَّه عَقْدٌ تَمَّ قبل إسْلامِهم على مَا يَجُوزُ ابْتِداءُ العَقْدِ عليه، فأُقِرُّوا عليه ولم يُنْقَضْ، كأنْكِحَتِهم (وإن لم يَتَقابَضُوا، فَسَخَه، سواءٌ كان قد حَكَمَ بينَهم حاكِمُهم أوْ لا) لأنَّه عَقْدٌ لَم يَتِمَّ، ولا يجوزُ الحُكْمُ بإتْمامِه؛

..................................  لكَوْنِه فاسِدًا، فتَعَيَّنَ نَقْضُه، وحُكْمُ حاكِمِهم وُجُودُه كعَدَمِه؛ لأنَّ مِن شَرْطِ الحاكِمِ النّافِذَةِ أحْكامُه الإِسْلامَ، ولم يُوجَدْ.
فصل: سُئِلَ أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، عن الذِّمِّىِّ يُعامِلُ بالرِّبا، ويَبِيعُ الخمرَ والخِنْزِيرَ، ثم يُسْلِمُ وذلك المالُ في يَدِه، فقال: لا يَلْزَمُه أن يُخرِجَ منه شيئًا؛ لأنَّ ذلك مَضَى في حالِ كُفْرِه، فأشْبَهَ نِكاحَه في الكُفرِ إذا أسْلَمَ.
وسُئِلَ عن المَجُوسِيَّيْن يجْعلانِ ولَدَهُما مُسْلِمًا، فيمُوتُ وهو ابنُ خمسِ سنِينَ، فقال: يُدْفَنُ في مقابِرِ المُسْلِمِين؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِه أو يُنَصِّرَانِه أو يُمَجِّسَانِهِ» 1. يعنى أنَّ هذَيْن لم يُمَجِّساه، فَبَقِىَ على الفِطْرَةِ.
وسُئِلَ عن أطْفالِ المُشْرِكِين، فقال: أذْهَبُ إلى قولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «اللَّه 2 أعلمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» 3. قال: وكان ابنُ عباسٍ

..................................  يقولُ: «وَأبَوَاه يُهَوِّدَانِه ويُنَصِّرَانِه».
حتى سَمِعَ: «اللَّهُ أعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِين».
فتَرَكَ قَوْلَه.
وسألَه ابنُ الشافعىِّ، فقال: يا أبا عبدِ اللَّهِ، ذَرارِىُّ المُشْرِكِين أو المُسْلِمِين؟ فقال: هذه مَسائِلُ أهْلِ الزَّيْغِ.
وقال أبو عبدِ اللَّهِ: سألَ بِشْرُ بنُ السَّرِىِّ سُفْيانَ الثَّوْرِىَّ، عن أطْفالِ المُشرِكِين، فصاحَ به، وقال: يا صَبِىُّ، أنت تسأَلُ عن هذا؟ قال أحمدُ: ونحن نُمِرُّ هذه الأحاديثَ على ما جاءَتْ، ولا نقولُ شيئًا.
وسُئِلَ عن أطْفالِ المُسْلِمِين، فقال: ليس فيه اختلافٌ أنَّهم في الجَنَّةِ.
وذَكَرُوا له حديثَ عائِشَةَ، الذى قالتْ فيه: عُصْفور مِن عَصافِيرِ الجنَّةِ 1. فقال: وهذا حَدِيثٌ! وذَكَرَ فيه رجلًا ضعَّفَه طَلْحَةُ.
وسُئِلَ عن الرجلِ يُسْلِمُ بشَرْطِ أن لا يُصَلِّى إلَّا صلَاتيْن، فقال: يَصِحُّ إسْلامُه، ويُؤْخذُ بالخَمْسِ.
وقال: مَعْنَى حديثِ حَكِيمِ بنِ حزامٍ: بايَعْتُ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن لا أخِرَّ إلَّا قائِمًا 2. أنَّه لا يَرْكَعُ في الصَّلاةِ، بل يَقْرأُ ثم يَسْجُدُ مِن غيرِ

وَإِنْ تَهَوَّدَ نَصْرَانِىٌّ، أَوْ تَنَصَّرَ يَهُودِىٌّ، لَمْ يُقَرَّ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إِلَّا الإِسْلَامُ، أوِ الدِّينُ الَّذِى كَانَ عَلَيْهِ، وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ إِلَّا الإِسْلَامُ، فَإِنْ أَبى، هُدِّدَ، وَحُبِس، وَيَحْتَمِلُ أنْ يُقْتَلَ.
وَعَنْهُ، يُقَرُّ.
رُكُوعٍ.
قال: وحَدِيثُ قَتادَةَ عن نَصْرِ بنِ عاصم، أنَّ رجلًا منهم بايَعَ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- على أن لا يُصَلِّى طَرَفَى النَّهارِ 1.

1540 -

مسألة: (وإن تَهَوَّدَ نَصْرانِىٌّ، أوْ تَنَصَّرَ يَهُودِىٌّ، لم يُقَرَّ، ولَمْ يُقْبَلْ منه إلَّا الإِسْلامُ، أو الدِّينُ الَّذِى كان عليهِ، ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ منه إلَّا الإِسْلامُ، فإن أبى، هُدِّدَ، ويُحْبَسُ، ويَحْتَمِلُ أن يُقْتَلَ، وعنه)

أنَّهُ (يُقَرُّ) إذا انْتَقَلَ الكِتابِىُّ إلى دِين آخَرَ مِن دِينِ أهْلِ الكِتابِ، ففيه

..................................  ثلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهن، لا يُقَرُّ؛ لأنَّه انْتَقَلَ إلى دين باطِلٍ قد أقَرَّ ببُطْلانِه، فلم يُقَرَّ عليه، كالمُرْتَدِّ.
فعلى هذا، يُجْبَرُ على الإِسْلامِ، ولأنَّ ما سِواه باطِلٌ، اعْتَرَفَ ببُطْلانِه قبلَ أن يَنْتَقِلَ إليه، ثم اعْتَرَفَ ببُطْلانِ دِيِنه حينَ انْتَقَلَ عنه، فلم يَبْقَ إلَّا الإسْلامُ.
والثانيةُ، لا يُقْبَلُ منه إلَّا الإِسلامُ، أو الدِّينُ الذى كان عليه، لأنَّنا أقْرَرْناه عليه أوَّلًا، فنُقِرُّه عليه ثانيًا.
والثالثةُ، يُقَرُّ.
نصَّ عليه أحمدُ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، واخْتِيارُ الخَلَّالِ وصاحِبِه، وقولُ أبى حنيفةَ، وأحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ؛ لأنَّه لم يَخْرُجْ عن دِينِ أهْلِ الكتابِ، فأشْبَهَ غيرَ المُنْتَقِلِ.
ولأنَّه دِينُ أهْلِ الكِتابِ فيُقَرُّ عليه، كأهلِ ذلك الدِّينِ، وفى صِفَةِ إجْبارِه على تَرْكِ ما انْتَقَلَ إليه رِوايتان؛ إحْداهما، يُجْبَرُ عليه بالقَتْلِ؛ لعُمومِ قوْلِه عليه الصَّلاةُ والسلامُ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» 1. ولأنَّه ذِمى نَقَضَ العَهْدَ، فأشْبَهَ

وَإِنِ انْتَقَلَ إِلَى غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، أوِ انْتَقَلَ الْمَجُوسِىُّ إِلَى غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، لَمْ يُقَرَّ، وَأُمِرَ أَنْ يُسْلِمَ، فَإِنْ أبَى، قُتِلَ.
ما لو نَقَضَه بتَرْكِ الْتِزامِ الذِّمَّةِ، وهل يُسْتَتابُ؟ يحْتَمِل وَجْهَيْن؛ أحدُهما، يُسْتَتابُ؛ لأنَّه اسْترْجِعَ عن دينٍ باطلٍ انْتَقَلَ إليه، فيُسْتَتابُ، كالمُرْتَدِّ.
والثانى، لا يُسْتَتابُ؛ لأنَّه كافِر أصْلِىٌّ أُبِيحَ دَمُه، فأشْبَهَ الحَرْبِىَّ.
فعلى هذا، إنْ بادَرَ وأسْلَمَ أو رَجَع إلى ما يقَرّ عليه، عصَم دَمَه، وإلَّا قتِلَ.
والثانيةُ، أنَّه يُجْبَرُ بالضَّرْبِ والحَبْسِ؛ فإنَّ أحمدَ قال: إذا دَخَل اليَهُودِىُّ في النَّصْرانِيَّةِ، رَدَدْته إلى اليَهُودِيَّةِ.
فقِيلَ له: أتَقْتُلُه؟ قال: لا، ولكن يُضْرَبُ ويُحْبَسُ؛ لأنَّه لم يَخْرُجْ عن دينِ أهْلِ الكتابِ، فلم يُقْتَلْ، كالباقِى على دِينِه، ولأنَّه مُخْتَلَف فيه، فلا يُقْتَل؛ للشُّبْهَةِ.

1541 -

مسألة: (وإنِ انْتَقَلَ إلى غيرِ دِين أهْلِ الكِتابِ، أو انْتَقَلَ المَجُوسِىُّ إلى غيرِ دِينِ أهْلِ الكِتابِ، لم يُقَرَّ، وأُمِرَ أن يُسْلِمَ، فإن أبَى، قُتِلَ)

إذا انْتَقَلَ الكِتابِىُّ إلى غيرِ دينِ أهْلِ الكِتابِ، لم يقَرَّ عليه.
لا نَعْلَمُ = 7/ 96. وابن ماجه، في: باب المرتد عن دينه، من كتاب الحدود.
سنن ابن ماجه 2/ 848. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 282، 283، 323، 5/ 231.

..................................  فيه خلافًا؛ لأنَّه انْتَقَلَ إلى دِينٍ لا يُقَرُّ عليه بالجِزْيَةِ، كعَبَدَةِ الأَوْثانِ، فالأصْلِىُّ منهم لا يُقَرُّ، فالمُنتقِلُ أوْلَى.
وإنِ انْتَقَلَ إلى المَجُوسِيَّةِ، لم يُقَرَّ؛ لأنَّه انْتَقَلَ إلى أدْنَى مِن دينه، فلم يُقَرَّ، كالمُسْلِمِ إذا ارْتَدَّ.
وكذاك الحُكْمُ في المَجُوسِىِّ إذا انْتَقَلَ إلى أدْنَى مِن دِينه، كعِبادَةِ الأوْثانِ؛ لذلك.
وإذا قُلْنا: لا يُقَرُّ.
ففيه ثلاثُ رواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، لا يُقْبَلُ منه إلَّا الإِسلامُ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
واخْتارَه الخَلَّالُ وصاحِبُه.
وهو أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ؛ لأنَّ غيرَ الإِسلامِ أدْيانٌ باطِلَةٌ، قد أقَرَّ ببُطْلانِها، فلم يُقَرَّ عليها، كالمُرْتَدِّ.
وإذا قُلْنا: لا يُقْبَلُ منه إلَّا الإِسلامُ.
فأبَى، أُجْبِرَ عليه بالقَتْلِ؛ لأنَّه انْتَقَلَ إلى دين أدْنَى مِن دِينِه، أشْبَهَ المُرْتَدَّ.
والثانيةُ، لا يُقْبَلُ منه إلَّا الإِسْلامُ أو الدِّينُ الذى كان عليه؛ لأنَّ دِينَه الأوَّلَ قد أقْرَرْناه عليه مَرَّةً، ولم يَنْتَقِلْ إلى خيرٍ منه، فنُقِرُّه عليه إن رَجَع إليه، ولأنَّه انْتَقَلَ مِن دينٍ

وَإِنِ انْتَقَل غَيْرُ الْكِتَابِىِّ إِلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، أُقِرَّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ إِلَّا الإِسْلَامُ.
يُقَرُّ عليه إلى دينٍ لا يُقَرُّ عليه، فقُبِلَ رُجوعُه إلى دِينِه، كالمُرْتَدِّ إذا رَجَع إلى الإِسلامِ.
والثالثةُ، أنَّه يُقْبَلُ منه أحَدُ ثَلاثةِ أشْياءَ؛ الإِسلامُ، أو الدِّينُ الذى كان عليه، أو دِينُ أهْلِ الكِتابِ؛ لأنَّه دِينُ أهْلِ الكِتابِ، فيُقَرُّ عليه، كغيرِه مِن أهْلِ ذلك الدِّينِ.
وإذا انْتَقَلَ المَجُوسِىُّ إلى غيرِ دين أهْل الكِتابِ، ثم رَجَع إلى المَجُوسِيَّةِ، أُقِرَّ عليه، في إحْدَى الرِّوايَتين؛ لأنَّه أُقِرَّ عليه أوَّلًا، فيُقَرُّ عليه ثانيًا.

1542 -

مسألة: (وإنِ انْتَقَلَ غيرُ الكِتابِىِّ إلى دِينِ أَهْلِ الكِتابِ، أُقِرَّ، ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ منه إلَّا الإِسْلامُ)

إذا انْتَقَلَ المَجُوسِىُّ إلى دين أهْلِ الكتابِ، ففيه أيضًا الرِّواياتُ الثلاثُ؛ إحْداهُنَّ، لا يُقْبَلُ منه إلَّا

وَإِنْ تَمَجَّسَ الْوَثَنِىُّ، فَهَلْ يُقَرُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
الإِسْلامُ؛ لِما ذَكَرْنا.
والثانيةُ، يُقَرُّ على ما انْتَقَلَ إليه؛ لأنَّه أعْلَى مِن دِينِه، ولأنَّه انْتَقَلَ إلى دِينٍ يُقَرُّ عليه أهْلُه.
والثالثةُ، لا يُقْبَلُ منه إلَّا الإِسْلامُ، أو دِينُه الذى كان عليه؛ لِما تَقَدَّمَ.

1543 -

مسألة: (وإن تَمَجَّسَ الوَثَنِىُّ، فهل يُقَرُّ؟ على رِوايَتَيْن)

فَصْلٌ في نَقْضِ الْعَهْدِ: وَإذَا امْتَنَعَ الذِّمِّىُّ مِنْ بَذْلِ الْجِزْيَةِ، أَوِ الْتِزَامِ أَحْكَامِ الْمِلَّةِ، انْتَقَضَ عَهْدُهُ.
إحْداهما، يُقَرُّ؛ لِما ذَكَرْنا.
والثانيةُ، لا يُقَرُّ؛ لأنَّه انْتَقَلَ إلى دِين لا تَحِلُّ ذبائِحُ أهْلِه، ولا تُنْكَحُ نِساؤُهم، أشْبَهَ ما لو انْتَقَلَ إلى دِين لا يُقَرُّ عليه أهْلُه.
والأُولَى أوْلَى.

(فصل في نَقْضِ العَهْدِ: وإذا امْتَنَعَ الذِّمِّىُّ مِن بَذْلِ الجِزْيَةِ، أو الْتِزامِ أحْكامِ المِلَّةِ، انْتَقَضَ عَهْدُه) إذا امْتَنَعَ الذِّمِّىُّ مِن بَذْلِ الجِزْيَةِ، أو الْتِزامِ

وَإِنْ تَعَدَّى عَلَى مُسْلِمٍ؛ بِقَتْلٍ، أَوْ قَذْفٍ، أَوْ زِنًى، أَوْ قَطْعِ  أحْكامِ المِلَّةِ إذا حَكَمَ بها حاكمٌ، انْتَقَضَ عَهْدُه، بغيرِ خلافٍ في المذهبِ، سواءٌ شَرَطَ عليهم أَوْ لا.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (1). قيلَ: الصَّغارُ الْتِزامُ أحْكامِ المُسْلِمِين.
فأمَرَ بقِتالِهم حتى يُعْطُوا الجِزْيَةَ، ويَلْتَزِمُوا أحْكامَ المِلَّةِ، فإذا امْتَنَعُوا مِن ذلك، وَجَب قِتالُهم، فإِذا قاتَلُوا فقد نَقَضُوا العَهْدَ.
وفى مَعْنى هذَيْن قِتالُهم للمُسْلِمِين مُنْفَرِدِين، أو مع أهْلِ الحَربِ؛ لأنَّ إطْلاقَ الأمانِ يَقْتضِى ذلك.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَنْتَقِضُ العَهْدُ إلَّا بالامْتِناعِ مِن الإِمامِ، بحيثُ يَتَعَذَّرُ أخْذُ الجزيَةِ منهم.
ولَنا، ما ذَكَرْناه، ولأنَّه يُنافِى الأمانَ، أشْبَهَ ما لو امْتَنَعُوا مِن بَذْلِ الجِزْيَةِ.

1544 -

مسألة: (وإن تَعَدَّى على مُسْلِمٍ؛ بقَتْلٍ، أو قَذْفٍ،

1

طَرِيقٍ، أَوْ تَجَسُّسٍ، أَوْ إِيوَاءِ جَاسُوسٍ، أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى أَوْ كِتَابَهُ أَوْ رَسُولَهُ بِسُوءٍ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
أو زِنًى، أو قَطْعِ طَرِيقٍ، أو تَجَسُّسٍ، أو إيواءِ جاسُوسٍ، أو ذَكَر اللَّهَ تعالى أو كِتابَه أو رَسُولَه بِسُوءٍ، فعلى رِوَايَتَيْن) ويلْتَحِقُ بذلك: أو فَتْنِ مُسْلمٍ عن دِينِه، أو إصابَةِ المُسْلِمَةِ باسمِ نِكاحٍ؛ إحْداهما، يَنْتَقِضُ عَهْدُه.
اخْتارَه القاضى، والشريفُ أبو جَعْفرٍ، سواءٌ شَرَطَ عليهم، أو لم يَشْرُطْ.
ومَذْهَبُ الشافعىِّ نحوُ هذا فيما إذا شَرَط عليهم؛ لِما رُوِى عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه رُفِعَ إليه رجلٌ أرادَ اسْتِكْراهَ امْرَأةٍ مُسْلِمَةٍ على الزِّنَى، فقال: ما على هذا صالَحْناكم.
وأمَرَ به فصُلِبَ في بيتِ المَقْدِسِ 1. وقيلَ لابنِ عُمَرَ: إنَّ راهِبًا يَشْتُمُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
فقال: لو سَمِعْتُه لقَتَلْتُه، إنَّا لم نُعْطِ الأمانَ على هذا.
ولِما رُوِى عن عُمَرَ،

..................................  أنَّه أمَرَ عبدَ الرحمنِ بنَ غَنْمٍ أن يُلْحِقَ في كتابِ صُلحِ الجزيرَةِ: ومَن ضَرَب مُسْلِمًا عَمْدًا، فقد خَلَع عَهْدَه 1. ولأنَّ فيه ضَرَرًا على المُسْلِمِين، فأشْبَهَ الامْتِناعَ مِن بَذْلِ الجِزْيَةِ، ولأنَّه لم يَفِ بمُقْتَضَى الذِّمَّةِ، وهو الأمْنُ مِن جانِبِه، فانْتَقَضَ عَهْدُه، كما لو قاتَلَ المُسْلِمين.

وَإِنْ أَظْهَرَ مُنْكَرًا، أَوْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِكِتَابِهِ وَنَحْوِهِ، لَمْ يَنْتَقِضْ عَهْدُهُ.
والثانيةُ، لا يَنْتَقِضُ العَهْدُ به، لكن يُقامُ عليه الحَدُّ فيما يُوجِبُ الحَدَّ، أو يُقْتَصُّ فيما يُوجِبُ القِصاصَ، ويُعَذَّرُ فيما سِوَى ذلك بما ينْكفُّ به أمْثالُه عن فِعْلِه؛ لأنَّ ما يَقتَضِيه العَهْدُ مِن الْتِزام الجِزْيَةِ وأحْكامِ المُسْلِمِين والكَفِّ عن قِتالِهم باقٍ، فوَجَبَ بقاءُ العَهدِ.

1545 -

مسألة: (وإن أظْهَرَ مُنْكرًا، أو رَفَع صَوْتَهُ بِكِتابِه، لم

وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِىِّ أَنَّهُ يَنْتَقِضُ عَهْدُهِ، إنْ كَانَ مَشْرُوطًا عَلَيْهِمْ.
يَنْتَقِضْ عَهْدُه.
وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّه يَنْتَقِضُ، إن كان مَشْرُوطًا عليهم) أمّا ما سِوَى الخِصالِ المذكُورَةِ في المسألةِ التى قبلَها، كالتَّمَيُّزِ عن المُسْلِمِين، وتَرْكِ إظْهارِ المُنْكَرِ، ونحوِ ذلك، فإن لم يُشْرَطْ عليهم، لم يَنْتَقِضْ عَهْدُهم به؛ لأنَّ العَقْدَ لا يَقْتَضِيها، ولا ضَرَرَ فيها على المُسْلِمِين.
وإن شُرِطَتْ عليهم، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّ عَهْدَهم يَنْتَقِضُ بمُخالَفَتِنا؛ لقَوْلِه: ومَن نَقَض العَهْدَ بمُخالَفَهِ شئٍ ممّا صُولِحُوا عليه، حَلَّ دَمُه ومالُه.
ووَجْهُ ذلك، أنَّ في كتابِ صُلْحِ الجزِيرَةِ لعبدِ الرحمنِ بنِ غَنْمٍ بعدَ اسْتِيفاءِ الشُّروطِ: وإن نحنُ غَيَّرْنا أو خالَفْنا عمّا شَرَطنا على أنْفُسِنا وقَبِلْنا الأمانَ عليه، فلا ذِمَّةَ لَنا، وقد حَلَّ لك مِنّا ما يَحِلُّ مِن أهْلِ المُعانَدَةِ والشِّقاقِ.
ولأنَّه عَقْدٌ بَشْرطٍ، فزالَ بزَوالِ الشَّرْطِ، لوِ امْتَنَعَ مِن بَذْلِ

وَلَا يَنْتَقِضُ عَهْدُ نِسَائِهِ وَأَوْلَادِهِ بِنَقْضِ عَهْدِه، وَإِذَا انْتَقَضَ عَهْدُهُ،  الجِزْيَةِ.
وقال غيرُه مِن أصْحابِنا: لا يَنْتَقِضُ العَهْدُ به؛ لأنَّه لا ضَرَرَ على المُسْلِمِين فيه، ولا يُنافِى عَقْدَ الذِّمَّةِ، أشْبَهَ ما لو لم يَشْرُطْه، ولكنَّه يُعَزَّرُ، ويُلْزَمُ ما تَرَكَه.

1546 -

مسألة: (ولا يَنْتَقِضُ عَهْدُ نِسائِه وأوْلادِه بنَقْضِ عَهْدِه،

خُيِّرَ الإِمَامُ فِيهِ، كَالأَسِيرِ الْحَرْبِىِّ،  [وإذا انْتَقَضَ عَهْدُه، خُيِّرَ الإِمامُ فيه، كالأسِيرِ الحَرْبِىِّ]) 1 لأنَّ النَّقْضَ وُجِدَ منه دُونَهم، فاخْتَصَّ حُكْمُه به.
قال شيخُنا، في كتابِ «العُمْدَةِ» 2: إلَّا أن يَذْهَبَ بهم إلى دارِ الحَرْبِ.
وذَكَر في كتابِ

..................................  «المُغْنِى» 1؛ أنَّه لا يُباح سَبْىُ الذُّرِّيَّةِ وإن ذَهَب بهم إلى دارِ الحَرْبِ.
وإذا انْتَقَضَ عَهْدُه، خُيِّرَ الإِمامُ فيه، كالأسِيرِ الحَرْبِىِّ، فيُخَيَّرُ فيه بينَ

وَمَالُهُ فَىْءٌ عِنْدَ الْخِرَقِىِّ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ.
القَتْلِ، والاسْتِرْقاقِ، والمَنِّ، والفِداءِ، لأنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، صَلَب الذى أرادَ اسْتِكْراهَ امرأةٍ، ولأنَّه كافِرٌ لا أمانَ له، قَدَرْنا عليه في دارِنا، بغيرِ عَقْدٍ ولا عَهْدٍ ولا شُبهةِ ذلك، فأشْبَهَ اللِّصَّ الحَرْبِىَّ.
هذا اخْتِيارُ القاضى.
وقال بعضُ أصحابِنا في مَن سَبَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: إنَّه يُقْتَلُ بكُلِّ حالٍ.
وذَكَر أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه.

1547 - مسألة: (ومالُه فَىْءٌ عندَ الخِرَقِىِّ) لأنَّه إنَّما عُصِمَ بعَقْدِ

..................................  الذِّمَّةِ، فَزالَ بزَوالِه، كالمُرْتَدِّ (وقال أبو بَكْرٍ: هو لِوَرَثَتِه) لأنَّ مالَه كان مَعْصومًا، فلا تَزولُ عِصْمَتُه بنَقْضِه العَهْدَ، كأوْلادِه الصِّغارِ.
آخِرُ كتابِ الجِهادِ والحمدُ للَّهِ رَبِّ العالمين وصَلَّى اللَّه على سَيِّدِنا محمدٍ، وعلى آلِه وصَحْبِه وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كثيرًا.

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى 1415 هـ - 1995 م

المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756

المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته.. ووفقه لمرضاته

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

جارٍ التحميل