الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 601-3

..................................  وإن أحَبَّ الرُّجُوعَ إلى مُعْتَكَفِه، فله ذلك، كما لو خَرَج إلى غيرِ الجُمُعَةِ.
قال بعضُ أصْحابِنا: يُسْتَحَبُّ له الإِسْراعُ إلى مُعتَكَفِه.
وقال أبو داودَ: قلتُ لأحمدَ: يَرْكَعُ، يَعْنِى المُعْتَكِفَ، يَوْمَ الجُمُعَة بعدَ الصلاةِ في المَسْجِدِ؟ قال: نعم، بقَدْرِ ما كان يَرْكَعُ.
قال شَيْخُنَا 1، رَحِمَه اللهُ: ويَحْتَمِلُ أن تكونَ الخِيَرَةُ إليه في تَعْجِيلِ الرُّجُوعِ وتَأْخِيرِه؛ لأنَّه في مكانٍ يَصْلُحُ للاعْتِكافِ، فأشْبَهَ ما لو نَوَى الاعْتِكافَ فيه.
فأمّا إن خَرَج ابْتِداءً إلى مَسْجِدٍ آخَرَ، أو إلى الجامِعِ مِن غيرِ حاجَةٍ، أو كان المسجدُ أبْعَدَ مِن مَوْضِعِ حاجَتِه فمَضَى إليه، لم يَجُزْ له ذلك؛ لأنَّه خُرُوجٌ لغيرِ حاجَةٍ، أشْبَهَ ما لو خَرَج لغيرِ المَسْجِدِ، فإن كان المَسْجِدانِ مُتَلاصِقيْن، يَخْرُجُ مِن أحَدِهما فيَصِيرُ في الآخَرِ، فله الانْتِقالُ مِن أحَدِهما إلى الآخَرِ؛ لأنَّهما كمسجدٍ واحِدٍ، يَنْتَقِلُ مِن إحْدَى زاوِيَتَيْه إلى الأُخْرَى.
وإن كان يَمْشِى بينَهما في غيرِهما، لم يَجُزْ له الخُرُوجُ وإن قرُبَ؛ لأَنَّه خُرُوجٌ مِن المسْجِدِ لغيرِ حاجَةٍ.

..................................  فصل: وإذا خَرَج لما لا بُدَّ منه، فليس عليه أن يَتَعَجَّلَ في مَشْيِه، لكن يَمْشِى على حَسَبِ عادَتِه؛ لأنَّ عليه مَشَقَّةً في إلْزامِه غيرَ ذلك، فليس له الإِقامَةُ بعد قَضاءِ حاجَتِه لأكْلٍ ولا لغيرِه.
وقال ابنُ حامِدٍ: يجوزُ أن يَأْكُلَ اليَسِيرَ في بَيْتِه، كاللُّقْمَةِ والثَّنْتَيْن، ولا يَأْكُلُ جَمِيعَ أكْلِه.
وقال القاضى: يَتَوَجَّهُ أنَّ له الأكْلَ في بَيْتِه، والخُرُوجَ إليه ابْتِداءً؛ لأنَّ الأكْلَ في المَسْجِدِ دَناءَةٌ، وقد يُخْفِى جِنْسَ قُوتِه عن النّاسِ، وقد يكونُ في المَسْجِدِ غيرُه فيَسْتَحِى منه أن يَأْكُلَ دُونَه، وإنْ أطْعَمَه لم يَكْفِهِما.
ولَنا، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ لا يَدْخُلُ البَيْتَ إِلّا لحاجَةِ الإِنْسانِ.
وهذا كِنايَةٌ عن الحَدَثِ، ولأنَّه خُرُوجٌ لما له منه بُدٌّ، ولُبْثٌ في غيرِ مُعْتَكَفِه لما له منه بُدٌّ، فأبْطَلَ الاعْتِكَافَ، كمُحادَثَةِ أهلِه، وما ذَكَرَه القاضِى ليس بعُذْرٍ يُبيحُ الخُرُوجَ ولا الإِقامَةَ، ولو ساغ ذلك لساغ الخُرُوجُ للنَّوْمِ وأشْباهِه.

..................................  فصل: وإنْ خَرَجَ لحاجَةِ الإِنْسانِ، وبقُرْبِ المَسْجِدِ سِقايَةٌ أقْرَبُ مِن مَنْزِلِه لا يَحْتَشِمُ مِن دُخُولِها، ويُمْكِنُه التنَّظُّفُ فيها، لم يكُنْ له المُضِىُّ إلى مَنْزِلِه؛ لأنَّ له مِن ذلك بُدًّا.
وإن كان يَحْتَشِمُ مِن دُخُولِها، أو فيه نَقِيصَةٌ عليه، أو مُخالَفَةٌ لعادَتِه، أو لا يُمْكِنُه التَّنَظُّفُ فيها، فله المُضِىُّ إلى مَنْزِلِه، لما عليه مِن المَشَقَّةِ في تَرْكِ المُرُوءَةِ.
وكذلك إن كان لَه مَنْزِلانِ، أحَدُهما أقْرَبُ مِن الآخَرِ، يُمْكِنُه الوُضُوءُ في الأقْرَبِ بلا ضَرَرٍ، فليس له قَصْدُ الأبعَدِ.
وإن بَذَل له صَدِيقُه أو غيرُه الوَضُوءَ في مَنْزِلِه القَرِيبِ، لم يَلْزَمْه؛ لِما عليه مِن المَشَقَّةِ بتَرْكِ المُرُوءَةِ والاحْتِشامِ مِن صاحِبِه.
قال المَرُّوذِىُّ: سَألْتُ أبا عبدِ الله عِن الاعْتِكافِ في المَسْجِدِ الكَبِيرِ، أعْجَبُ إليك أو مَسْجِدِ الحَىِّ؟ قال: المَسْجِدُ الكَبِيرُ.
وأرْخَص لي أن أعْتَكِفَ في غيرِه.
قلت: فَأيْنَ تَرَى أن أعْتَكِفَ، في هذا الجانِبِ، أو في ذلك الجانِبِ؟ قال: في ذاك الجانِبِ، هو أصْلَحُ مِن أجْلِ السِّقايَةِ.
قلتُ: فمَن اعْتَكَفَ في هذا الجانِبِ تَرَى أن يَخْرُجَ إلى الشَّطِّ يَتَهَيّأُ؟ قال: إذا كان له حاجَةٌ لا بدَّ له مِن ذلك.
قلتُ: يَتَوَضَّأُ الرَّجُلُ في المَسْجِدِ؟ قال: لا يُعْجِبُنِى أن يَتَوَضَّأَ في المَسْجِدِ.

..................................  فصل: وإذا احْتِيجَ إليه في النَّفِيرِ، إذا عَمَّ، أو حَضَر عَدُوٌّ يَخافُون كَلَبَه 1، واحْتِيجَ إلى خُرُوجِ المُعْتَكِفِ، لَزِمَه الخُرُوجُ؛ لأنَّه واجِبٌ مُتَعَيِّنٌ، فكان عليه الخُرُوجُ إليه، كالخُرُوجِ إلى الجُمُعَةِ.
وكذلك الشَّهادَةُ الواجِبَةُ عليه؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن وَقَعَتْ فِتْنَةٌ خاف منها على نَفْسِه إذا قام في المَسْجِدِ، أو على مالِه، أو خاف نَهْبًا، أو حَرِيقًا، فله تَرْكُ الاعْتِكافِ، والخُرُوجُ؛ لأنَّ هذا ممَّا أباحَ اللهُ تعالى لأجْلِه تَرْكَ الواجِبِ بأصْلِ الشَّرْعِ، وهو الجُمُعَةُ، فأوْلَى أنْ يُباحَ لأجْلِه تَرْكُ ما أوْجَبَه على نَفْسِه، وكذلك إن تَعَذَّرَ عليه المُقامُ في المَسْجِدِ؛ لمَرَضٍ لا يُمْكِنُه المُقامُ معه، كالقِيامِ المُتدارَكِ، أو سَلَسِ البَوْلِ، أو الإِغْماءِ، أو لا يُمْكِنُه المُقامُ إلَّا بمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، مثلَ أن يحتاجَ إلى خِدْمَةٍ وفِراشٍ، فله الخُرُوجُ.
وإن كان المَرَضُ خَفِيفًا؛ كالصُّداعِ، ووَجَعِ الضِّرْسِ ونَحْوِه، فليس له الخُرُوجُ، فإن خَرَج بَطَل اعْتِكافُه؛ لأنَّه خُرُوجٌ لما له منه بُدٌّ.

..................................  فصل: وإن حاضَتِ المُعْتَكِفَةُ، أو نَفِسَتْ، وَجَب عليها الخُرُوجُ مِن المَسْجِدِ، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه حَدَثٌ يَمْنَعُ اللُّبْثَ في المَسْجِدِ.
وعن عائِشَةَ، رَضِى اللهُ عنها، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ، وَلَا جُنُبٍ».
رَواه أبو داودَ 1. والنِّفاسُ في مَعْنَى الحَيْضِ، فثَبَتَ فيه حُكْمُه.
قال الخِرَقِىُّ: تَخْرُجُ مِن المَسْجِدِ، وتَضْرِبُ خِباءً في الرَّحْبَةِ.

..................................  هذا إن كان للمَسْجدِ رَحْبَةٌ، فإن لم يكُنْ رَجَعَتْ إلى بَيْتِها، فإذا طَهُرَتْ عادَتْ فأتَمَّتِ اعْتِكَافَها وقَضَتْ ما فاتَها، ولا كَفّارَةَ عليها؛ لأنَّه خُروجٌ مُعْتادٌ، أشْبَهَ الخُرُوجَ للجُمُعَةِ.
وإن كان للمَسْجِدِ رَحْبَةٌ خارِجَة مِن المَسْجِدِ يُمْكِنُ ضَرْبُ خِبائِها فيه، ضَرَبَتْ خِباءَها فيه مُدَّةَ حَيْضِها.
وهو قَوْلُ أبى قِلابةَ.
وقال النَّخعِىُّ: تَضْرِبُ فُسْطاطَها في دارِها، فإذا طَهُرَتْ قَضَتْ تِلْكَ الأيَّامَ، وإن دَخَلَتْ بَيْتًا أو سَقْفًا اسْتَأْنَفَتْ.
وقال الزُّهْرِىُّ، وعَمْرُو بنُ دِينارٍ، ورَبِيعَةُ، ومالكٌ: تَرْجِعُ إلى مَنْزِلِها؛ لأنَّه وَجَب عليها الخُرُوجُ مِن المَسْجِدِ، فلم تَلْزَمْها الإِقامَةُ في رَحْبَتِه، كالخارِجَةِ لعِدَّةٍ، أو خوْفِ فِتْنَةٍ.
ووَجْهُ قَوْل الخِرَقِىِّ ما روَى المِقْدامُ بنُ شُرَيْحٍ، عن عائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: كُنَّ المُعْتَكِفاتُ 1 إذا حِضْنَ أمَر رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بإخْراجهِنَّ مِن المَسْجِدِ، وأن يَضْرِبْنَ الأخْبِيَةَ في رَحْبَةِ المَسْجِدِ.
رَواه أَبو حَفْصٍ 2 بإسْنادِه.
وفارَقَ المُعْتَدَّةَ، فإنَّ خُرُوجَها

..................................  لتَعْتَدَّ في بَيْتِها وتُقِيمَ فيه، ولا يَحْصُلُ ذلك مع الكَوْنِ في الرَّحْبَةِ، وكذلك الخائِفَةُ مِن الفِتْنَةِ خُرُوجُها لِتَسْلَمَ منها، فلا تُقِيمُ في مَوْضِعٍ لا تَحْصُلُ السَّلامَةُ بالإِقامَةِ فيه.
قال 1: والظّاهِرُ أنَّ إقامَتَها في الرَّحْبَةِ مُسْتَحَبَّةٌ، وليس بواجِبٍ.
وإن لم تُقِمْ في الرَّحْبَةِ رَجَعَتْ إلى مَنْزِلِها أو غيرِه، ولا شئَ عليها إلَّا القَضاءَ لأيامِ حَيْضِها، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا إلَّا قولَ إبراهيمَ، وهو تَحَكُّمٌ لا دَلِيلَ عليه.
فصل: فأمّا الاسْتِحاضَةُ فلا تَمْنَعُ الاعْتِكافَ؛ لكَوْنِها لا تَمْنَعُ الصلاةَ، وقد قالت عائِشَةُ، رضى اللهُ عنها: اعْتَكَفَتْ مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - امرأةٌ مِن أزْواجِه مُسْتَحاضَةٌ، فكانت تَرَى الحُمْرَةَ والصُّفْرَةَ، ورُبَّما وَضَعَتِ الطَّسْتَ تَحْتَها وهى تُصَلِّى.
أخْرَجَه البخارىُّ 2. ويَجِبُ عليها أن تَتَحَفَّظَ وتَتَلَجَّمَ، لئَلَّا تُلَوِّثَ المَسْجدَ، فإن لم يُمْكِنْ صِيانَتُه منها خَرَجَتْ مِن المَسْجِدِ؛ لأنَّه عُذْرٌ وخُرُوجٌ لحِفْظِ المَسْجِدِ مِن نَجاسَتِها، أشْبَهَ الخُرُوجَ لقَضاءِ الحاجَةِ.

..................................  فصل: والمُتَوَفَّى عنها يَجِبُ عليها أن تَخْرُجَ لقَضاءِ العِدَّةِ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال رَبِيعَةُ، ومالكٌ، وابنُ المُنْذِرِ: تَمْضِى في اعْتِكافِها، حتى تَفْرَغَ منه، ثم تَرْجِعُ إلى بَيْتِ زَوْجِها فتَعْتَدُّ فيه؛ لأنَّ الاعْتِكافَ المَنْذُورَ واجِبٌ، والاعْتِدادَ في البَيْتِ واجِبٌ، فقد تعارَضَ واجِبانِ، فيُقَدَّمُ أسْبَقُهما.
ولنا، أنَّ الاعْتِدادَ في بَيْتِ زَوْجِها واجِبٌ، فلَزِمَها الخُرُوجُ إليه، كالجُمُعَةِ في حَقِّ الرجلِ.
ودَلِيلُهم يَنْتَقِضُ بالخُرُوجِ إلى الجُمُعَةِ وسائِرِ الواجِباتِ.

وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً، إِلَّا أنْ يَشْتَرِطَهُ، فَيَجُوزُ.
وَعَنْهُ، لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ.

1122 - مسألة: (ولا يَعُودُ مَرِيضًا، ولا يَشْهَدُ جِنازَةً، إلَّا أن يَشْتَرِطَه، فيَجُوزُ. وعنه، له ذلك مِن غير شَرْطٍ)

اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن الإمامِ أحمدَ في الخُرُوجِ لعِيادَةِ المَرِيضِ وشُهُودِ الجِنازَةِ، مع عَدَمِ الشَّرْطِ، فرُوِىَ عنه، ليس له فِعْلُه.
ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
وهو قولُ عَطاءٍ، وعُرْوَةَ، ومُجاهِدٍ، والزُّهْرِىَّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ.
وعنه، أنَّ له عِيادَةَ المَرِيضِ، وشُهُودَ الجِنازَةِ، ثم يعودُ إلى مُعْتَكَفِه.
نَقَلَها عنه الأثْرَمُ، ومحمدُ بنُ الحَكَمِ.
وهو قولُ علىٍّ.
وبه قال سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىُّ، والحَسَنُ؛ لما روَى عاصِمُ بنُ ضَمْرَةَ، عن علىٍّ، قال: إذا اعْتَكَفَ الرجلُ فَلْيَشْهَدِ الجُمُعَةَ، ولْيَعُدِ المَرِيضَ، ولْيَحْضُرِ الجنازَةَ، وَلْيَأْتِ أهْلَهُ، وَلْيَأْمُرْهم بالحاجَةِ وهو قائِمٌ.
رَواه الإِمامُ أَحمدُ،

..................................  والأثْرَمُ 1. قال أحمدُ: عاصِمُ بنُ ضَمْرَةَ 2 عندِى حُجَّةٌ.
ووَجْهُ الأُولَى ما رُوِىَ عن عائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا اعْتَكَفَ لا يَدْخُلُ البَيْتَ إلَّا لحاجَةِ الإِنْسانِ.
مُتَّفَقٌ عليه 3. وعنها أنَّها قالت: السُّنَّةُ على المُعْتَكِفِ، أن لا يَعُودَ مَرِيضًا، ولا يَشْهَدَ جِنازَةً، ولا يَمَسَّ امرأةً، ولا يُباشِرَها، ولا يَخْرُجَ لحاجَةٍ إلَّا لِما لا بدَّ منه 4. وعنها قالت: كان النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - يَمُرُّ بالمَرِيضِ، وهو مُعْتَكِفٌ، فيَمُرُّ كما هو، ولا يُعَرِّجُ يَسْألُ عنه.
رَواهما أبو داودَ 5. ولأَنَّ هذا ليس بواجِبٍ، فلا يَجُوزُ تَرْكُ الاعْتِكافِ الواجِبِ له، كالمَشْىِ في حاجَةِ أخِيهِ ليَقْضِيَها، فإن تَعَيَّنَتْ عليه صلاةُ الجِنازَةِ، فأمْكَنَه فِعْلُها في المَسْجِدِ، لم يَجُزِ الخُرُوجُ إليها، وإن لم يُمْكِنْه ذلك، فله الخُرُوجُ إليها، وإن تَعَيَّن عليه دَفْنُ المَيِّتِ أو تَغْسِيلُه فله الخُرُوجُ؛ لأنَّ هذا واجِبٌ مُتَعَيِّنٌ، فيُقَدَّمُ على الاعْتِكافِ، كصلاةِ الجُمُعَةِ.
فصل: فأمّا إن كان تَطَوُّعًا، فأحَبَّ الخُرُوجَ منه لعيادَةِ مَرِيضٍ،

..................................  أو شُهُودِ جنازَةٍ، جاز؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما تَطَوُّعٌ، فلا يَتَحَتَّمُ واحِدٌ منهما، لكَنَّ الأفْضَلَ المُقامُ على اعْتِكافِه؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَكُنْ يُعَرِّجُ على المَريضِ، ولم يَكُنْ الاعْتِكافُ واجِبًا عليه.
فصل: فإن شَرَط فِعْلَ ذلك في الاعْتِكافِ، فله فِعْلُه، واجِبًا كان الاعتكافُ أو تَطَوُّعًا.
وكذلك ما كان قُرْبَةً، كزِيارةِ أهلِه، أو رجلٍ صالِحٍ، أو عالِمٍ، وكذلك ما كان مُباحًا، ممّا يَحْتاجُ إليه، كالعَشاءِ في مَنْزلِه، والمَبِيتِ فيه، فله فِعْلُه.
قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ الله يُسْألُ عن المُعْتَكِف يَشْتَرِطُ أن يَأْكُلَ في أهْلِه؟ قال: فإنِ اشْتَرَط فنعم.
قُلْتُ له: فيَبِيتُ في أهلِه؟ قال: إذا كان تَطَوُّعًا جاز.
وممَّن أجاز أن يَشْتَرِطَ العَشاءَ في أهْلِه الحَسَنُ، والعلاءُ بنُ زِيادٍ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادَةُ.
ومَنَع منه أبو مِجْلَزٍ، ومالِكٌ، والأوْزاعِىُّ.
قال مالكٌ: لا يَكُونُ في الاعْتِكافِ شَرْطٌ.
ولنا، أنَّه يَجِبُ بعَقْدِه، فكان الشَّرْطُ إليه فيه، كالوقفِ، ولأنَّ الاعْتِكافَ لا يَخْتَصُّ بقَدْرٍ، وإذا شَرَط الخُرُوجَ فكَأنَّه نَذَر القَدْرَ الذى أقامَه، وإن قال: متى مَرِضْتُ أو عَرَض لى عارِضٌ خَرَجْتُ، جاز شَرْطُه.
فصل: وإن شَرَط الوَطْءَ فِى اعْتِكافِه، أو الفُرْجَةَ، أو النُّزْهَةَ، أو البَيْعَ للتجارَةِ، أو التَّكَسُّبَ بالصِّناعَةِ في المَسْجِدِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ هذا يُنافِى الاعْتكافَ، أشْبَهَ إذا شَرَط تَرْكَ الإِقامَةِ في المَسْجِدِ، ولأنَّ اللهَ تعالى

..................................  قال: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ 1. فاشْتِراطُ ذلك كاشْتِراطِ المَعْصِيَةِ، والصِّناعَة في المَسْجِدِ مَنْهِىٌّ عنها في غيرِ الاعْتِكافِ، ففى الاعْتِكافِ أوْلَى، وسائِرُ ما ذَكَرْنا يُشْبِهُ ذلك، ولا حاجَةَ إليه.
وإنِ احْتاجَ إليه فلا يَعْتَكِفُ؛ لأَنَّ تَرْكَ الاعْتِكافِ أوْلَى مِن فِعْلِ المَنْهِىِّ عنه.
قال أبو طالِبٍ: سَألْتُ أحمدَ عن المُعْتَكِفِ يَعْمَلُ عَمَلَه مِن الخَيّاطِ وغيرِه؟ قال: ما يُعْجبُنِى أن يَعْمَلَ.
قلتُ: إن كان يَحْتاجُ؟ قال: إن كان يَحْتاجُ لا يَعْتَكِفُ.
فصل: وللمُعْتَكِفِ صُعُودُ سَطْحِ المَسْجِدِ؛ لأنَّه مِن جُمْلَتِه، ولهذا يُمْنَعُ الجُنُبُ مِن اللُّبْثِ فيه.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ.
لا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا، ويَجُوزُ أن يَبِيتَ فيه.
فصل: ورَحْبَةُ المَسْجِدِ ليستْ منه، في ظاهِرِ كلامِ الخِرَقِىِّ.
فعلى هذا ليس للمُعْتَكِفِ الخُرُوجُ إليها.
وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على هذا.
وروَى المَرُّوذِىُّ، أنَّ المُعْتَكِفَ يَخرُجُ إلى رَحْبَةِ المَسْجِدِ، هى مِن المَسْجِدِ.

وَلَهُ السُّؤَالُ عَنِ الْمَرِيضِ فِى طَرِيقِهِ مَا لَمْ يُعَرِّجْ،  وجَمَع القاضى بينَ الرِّوايَتَيْن، فقال: إن كان عليها حائِطٌ وبابٌ فهى كالمَسْجِدِ؛ لأنَّها معه وتابِعَةٌ له، وإن لم تَكُنْ مَحُوطَةً لم يَثْبُتْ لها حُكْمُ المَسْجِدِ.
فإن خَرَج إلى مَنارَةٍ خارجَ المَسْجِدِ، فَسَد اعْتِكافُه.
قال أبو الخَطّابِ: ويَحْتَمِلُ أن لا يَبْطُلَ؛ لأنَّ مَنارَةَ المَسْجِدِ كالمُتَّصِلَةِ به.

1123 -

مسألة: (وله السُّؤالُ عن المَرِيضِ في طَرِيقِه ما لم يُعَرِّجْ)

لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَفْعَلُه.
ورَوَتْ عائِشَةُ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: إن كنتُ لأدْخُلُ البَيْتَ للحاجَةِ، والمَرِيضُ فيه، فما أسْألُ عنه، إلا وأنا مَارَّةٌ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وليس له الوُقُوفُ؛ لأنَّ فيه تَرْكَ الاعْتِكافِ

وَالدُّخُولُ إِلَى مَسْجِدٍ يُتِمُّ اعْتِكَافَهُ فِيهِ، فَإِنْ خَرَجَ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ خُرُوجًا مُعْتَادًا كَحَاجَةِ الإِنْسَانِ [60 ظ] وَالطَّهَارَةِ، فَلَا شَىْءَ فِيهِ وَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ الْمُعْتَادِ فِى الْمُتَتَابِعِ وَتَطَاوَلَ،  (و) له (الدُّخُولُ إلى مَسْجِدٍ يُتِمُّ اعْتِكافَه فيه) لأنَّه مَحَلٌّ للاعْتِكافِ، والمكانُ لا يَتَعَيَّنُ للاعْتِكافِ بنَذْرِه وتَعْيِينِه، فمع عدمِ ذلك أوْلَى، وقد ذَكَرْنا تَفْصِيلَ ذلك.

1124 -

مسألة: (فإن خَرَج لِما لا بدَّ منه خُرُوجًا مُعْتادًا، كحاجَةِ (1) الإِنْسانِ، فلا شئَ عليه) لأنَّه لا بُدَّ له منه، فلو بَطَل اعْتِكافُه بخُرُوجِه إليه، لم يَصِحَّ لأحَدٍ الاعْتِكافُ. وقد كان النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - يَخْرُجُ لحاجَتِه وهو مُعْتَكِفٌ، وكذلك خُرُوجُ المرأةِ لحَيْضِها؛ لأنَّها خَرَجَتْ بإذْنِ الشَّرْعِ، ولا يَجِبُ عليها كَفّارَةٌ؛ لأنَّه خُرُوجٌ لعُذْرٍ مُعْتادٍ، أشْبَهَ الخُرُوجَ لقَضاءِ الحاجَةِ، وحُكْمُ النِّفاسِ حُكْمُ الحَيْضِ؛ لأنَّه في مَعْناه.

1125 -

مسألة: (وإن خَرَج لغيرِ المُعْتادِ في المُتتابِعِ وتَطاوَلَ،

1

خُيِّرَ بَيْنَ اسْتِئْنَافِهِ وإِتْمَامِهِ مَعَ كَفارَةِ يَمِين، وَإنْ فَعَلَهُ فِى مُتَعَيِّنٍ, قَضَى.
وَفِى الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ.
خُيِّرَ بينَ اسْتِئْنافِه وإتْمامِه مع كَفّارَةِ يَمِينٍ، وإن فَعَلَه في مُعَيَّنٍ قَضَى.
وفى الكفَّارةِ وَجْهان) إذا خَرَج المُعْتَكِفُ لغيرِ المُعْتادِ؛ كالخُرُوجِ إلى النَّفِيرِ المُتَعَيِّنِ، والشَّهادَةِ الواجِبَةِ، والخَوْفِ مِن الفِتْنَةِ، والمَرَضِ، وعِدَّةِ الوَفاةِ، ونَحْوِ ذلك، ولم يَتَطاوَلْ، فهو على اعْتِكافِه؛ لأنَّه خُرُوجٌ يَسِيرٌ مُباحٌ أو واجِبٌ، فلم يَبْطُلْ به الاعْتِكافُ، كحاجَةِ الإِنْسانِ، وإن تَطاوَلَ، ثم زال عُذْرُه، وكان الاعْتِكافُ تَطَوُّعًا، فهو مُخَيَّرٌ إن شاء رَجَع إلى مُعْتَكَفِه، وإن شاء لم يَرْجِعْ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُ بالشُّرُوعِ.
وإن كان واجِبًا رَجَع إلى مُعْتَكَفِه، فبَنَى على ما مَضَى مِن اعْتِكافِه، ثم لا يَخْلُو مِن ثَلاَثةِ أحْوالٍ؛ أحدُها، أن يَكُونَ نَذَر اعْتِكافًا في أيَّامٍ غيرِ مُتَتابِعَةٍ ولا مُعَيَّنَةٍ، فهذا يَلْزَمُه أن يُتِمَّ ما بَقِىَ عليه، لكن يَبْتَدِئُ اليومَ الذى خَرَج فيه مِن أوَّلِه،

..................................  ليَكُونَ مُتَتابِعًا، ولا كَفّارَةَ عليه؛ لأنَّه أتَى بالمَنْذُورِ على وَجْهِه، فلم تَلْزَمْه كَفّارَةٌ، كما لو لم يَخْرُجْ.
الثّانِى، أن يَكُونَ مُعَيَّنًا، كشَهْرِ رمضانَ، فعليه قَضاءُ ما تَرَك، وكَفّارَةُ يَمِينٍ؛ لتَرْكِه النَّذْرَ في وَقْتِه.
وفيه وَجْهٌ آخرُ، لا كَفّارَةَ عليه.
وقد رُوِىَ ذلك عن أحمدَ.
الثّالثُ، نَذَر أيَّامًا مُتَتابِعَةً، فهو مُخيَّرٌ بينَ البِناءِ والقَضاءِ مع التَّكْفِيرِ، وبينَ الاسْتِئْنافِ، ولا كفّارةَ عليه؛ لأنَّه أتَى بالمَنْذُورِ على وَجهِه، فلم تَلْزَمْه كَفّارَةٌ، كما لو أتَى به مِن غيرِ أن يَسْبِقَه الاعْتِكافُ الذى خرَج منه.
وذَكَر الخِرَقِىُّ مثلَ هذا، قال:

..................................  مَن نَذَر أن يَصُومَ شَهْرًا مُتَتابِعًا فلم يُسَمِّه، فمَرِضَ في بَعْضِه، فإذا عُوفِىَ بَنَى على ما مَضَى مِن صِيامِه، وقَضَى ما تَرَكَه، وكَفَّرَ كفّارةَ يَمِينٍ، وإن أحَبَّ أتَى بشَهْرٍ مُتَتابعٍ، ولا كَفّارَةَ عليه.
وقال أبو الخَطّابِ في مَن تَرَك الصِّيامَ المَنْذُورَ لعُذْرٍ: فعن أحمدَ فيه رِوايَةٌ أُخْرَى، لا كَفّارَةَ عليه.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأبى عُبَيْدٍ؛ لأنَّ المَنْذُورَ كالمَشْرُوعِ ابْتِداءً.
ولو أفْطَرَ في رِمضانَ لعُذْرٍ لم يَلْزَمْه شئٌ، فكذلك المَنْذُورُ.
وقال القاضِى: إن خرَج لواجِبٍ، كجِهادٍ تَعَيَّنَ، أو شَهادَةٍ واجِبَةٍ، أو عِدَّةِ الوَفاةِ، فلا كَفّارَةَ عليه؛ لأنَّه خُرُوجٌ واجِبٌ لِحَقِّ اللهِ تعالى، فلم يَجِبْ

وَإِنْ خَرَجَ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ فِى الْمُتَتَابِعِ، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهُ، وَإنْ فَعَلَهُ فِى مُعَيَّنٍ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، وَفِى الِاسْتِئْنَافِ وَجْهَانِ.
فيه شئٌ، كالمرأةِ تَخْرُجُ لحَيْضِها ونِفاسِها، فيَقْتَضِى قولُه: إنَّ الخُروجَ إذا لم يَكُنْ واجِبًا، بل كان مُباحًا، كخُرُوجٍ مِن خَوْفِ الفِتْنَةِ ونَحْوِه، يُوجِبُ الكَفّارَةَ؛ لأنَّه خَرَج لحاجَةِ نفْسِه خُرُوجًا غيرَ مُعْتادٍ.
وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ وُجُوبُ الكَفّارَةِ؛ لأنَّ النَّذْرَ كاليَمِينِ، ومَن حَلَف على فِعْلِ شئٍ فحَنِثَ لَزِمَتْه الكَفّارَةُ، سواءٌ كان لعُذْرٍ أو لغيرِه، وسواءٌ كانتِ المُخالَقةُ واجبَةً أو لم تَكُنْ، وفارَقَ صومَ رمضانَ من حيثُ إنَّ الفِطْرَ لا يُوجِبُ كَفَّارَةً، سواءٌ كان لعُذْرٍ أو لغيرِه، وفارَقَ الحَيْضَ، فإنَّه يَتَكَرَّرُ، ويُظَنُّ وُجُودُه في زَمَنِ النَّذْرِ، فيَصِيرُ كالخُرُوجِ لحاجَةِ الإِنْسانِ.

1126 -

مسألة: (وإن خَرَج لِما لَه منه بُدٌّ في المُتتابِعِ، لَزِمَه استِئْنافُه، وإن فَعَلَه في مُعَيَّنٍ، فعليه الكَفّارَةُ، وفى الاستِئْنافِ وَجْهان)

..................................  إذا خَرَج لِما له منه بُدٌّ عامِدًا، بَطَل اعْتِكافُه، إلَّا أن يَشْتَرِطَه، على ما ذَكَرْناه.
وإن خَرَج ناسِيًا فقال القاضِى: لا يَفْسُدُ اعْتِكافُه؛ لأنَّه فَعَل المَنْهِىَّ عنه ناسِيًا، فلم تَفْسُدْ به العِبادَةُ، كالأكْلِ في الصَّوْمِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَفْسُدُ؛ لأنَّه تَرَك الاعْتِكافَ، وهو لُزُومُ المَسْجِدِ، والتَّرْكُ يَسْتَوِى عَمْدُه وسَهْوُه، كتَرْكِ النَّيَّةِ في الصَّوْم.
فإن أخرَجَ بَعْضَ جَسَدِه لم يَفْسُدِ اعْتِكافُه وإن كان عَمْدًا؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُخْرِجُ رَأْسَه مِن المَسْجِدِ، وهو مُعْتَكِفٌ إلى عائِشَةَ، فتَغْسِلُه، وهى حائِضٌ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. فصل: ويَبْطُلُ اعتكافُه بالخُروجِ وإنْ قلَّ.
وبه قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: لا يَبْطُلُ حتى يَكُونَ

..................................  أكثَرَ مِن نِصْفِ يَوْمٍ؛ لأنَّ اليَسِيرَ مَعْفُوٌّ عنه، لأنَّ صَفِيَّةَ أتَتِ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - تَزُورُه في مُعْتَكَفِه، فلمَّا خَرَجَتْ لتَنْقَلِبَ خَرَج معها ليَقْلِبَها 1. ولأنَّ اليَسِيرَ مَعْفُوٌّ عنه، بدَلِيلِ ما لو تَأنَّى في مَشْيِه.
ولنا، أَّنه خُرُوجٌ مِن مُعْتَكَفِه لغيرِ حاجَةٍ، فأبْطَلَه، كما لو أقام أكثرَ مِن نِصْفِ يَوْمٍ، وأمّا خرُوجُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - فيَحْتَمِلُ أنَّه لم يَكُنْ له منه بُدٌّ؛ لأنَّه كان لَيْلًا، فلم يَأْمَنْ عليها، ويَحْتَمِلُ أَّنَّه فَعَل ذلك لكَوْنِ اعْتِكافِه تَطَوُّعًا، له تَرْكُ جَمِيعِه، فكان له تَرْكُ بَعْضِه، ولذلك تَرَكَه لَمّا أراد نِساؤُه الاعْتِكافَ معه، وأمّا المَشْىُ فتَخْتَلِفُ فيه طِباعُ النّاسِ، وَعليه في تَغْيِيرِ مَشْيِه مَشَقَّةٌ، ولا كذلك ههُنا، فإنَّه لا حاجَةَ به إلى الخُرُوجِ.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه إن فَعَلَه في مُتَتابِعٍ،

..................................  لَزِمَه الاسْتِئْنافُ؛ لأنَّه أمْكَنَه الإِتْيانُ بالمَنْذُورِ على صِفَتِه، أشْبَهَ حالَةَ الابْتِداءِ، وإن فَعَلَه في مُعَيَّنٍ لَزِمَه الكفّارَةُ؛ لتَرْكِه النَّذْرَ لغيرِ عُذْرٍ، وفى الاستِئْنافِ وَجْهان؛ أحدُهما، يَلْزَمُه، كالمُتَتابِعِ، ولأنَّه كان يَلْزَمُه التَّتابُعُ مع التَّعَيُّنِ، فإن تَعَذَّرَ التَّعَيُّنُ لَزِمَه التَّتابُعُ، لإِمْكانِه، ومِن ضَرُورَتِه الاستِئْنافُ.
والوَجْهُ الثّانِى، لا يَلْزَمُه الاسْتِئْنافُ؛ لأنَّ ما مَضَى منه قد أدَّى العبادةَ فيه أداءً صحيحًا، فلم تَبْطُلْ بتَرْكِها في غيرِه، كما لو أفْطَرَ في أثْناءِ شهرِ رمضانَ، ولأنَّ التَّتابُعَ ههُنا حَصَل ضَرُورَةَ التَّعْيِينِ، مُصَرَّحٌ به، فإذا لم يَكُنْ بُدٌّ مِن الإِخْلالِ بأحَدِهما، ففيما حَصَل ضَرُورَةً أوْلَى، ولأنَّ وُجُوبَ التَّتابُعِ مِن حيث الوَقْتُ، لا مِن حيث النَّذْرُ، فالخُروجُ في بَعْضِه لا يُبْطِلُ ما مَضَى منه، كصَوْمِ رمضانَ إذا أفْطَرَ لغيرِ عُذْرٍ، فعلى هذا يَقْضِى ما أفْسَدَ فيه حَسْبُ، ويُكفِّرُ على كلا الوَجْهَيْن، لأصلِ الوَجْهَيْن في مَن نَذَر صَوْمًا مُعَيَّنًا، فأفْطَرَ في بَعْضِه، فإنَّ فيه رِوايَتَيْن، كالوَجْهَيْن اللَّذَيْن ذَكَرْناهُما.
وكذلك الحُكْمُ في كلِّ مَن أفْسَدَ اعتكافَه بجِماعٍ أو غيرِه، فإن كان الاعتكافُ تَطَوُّعًا، فلا قَضاءَ عليه؛ لأنَّ التَّطَوُّعَ لا يَلْزَمُ بالشُّرُوعِ فيه في غيرِ الحَجِّ والعُمْرَةِ، وقد ذَكَرْنا ذلك.
فصل: فإن نَذَر اعتكافَ أيّامٍ مُتَتابِعَةٍ بصَوْمٍ فأفْطَرَ يوْمًا، أفْسَدَ تَتابُعَه

وَإِنْ وَطِئَ الْمُعْتَكِفُ فِى الْفَرْجِ، فَسَدَ اعْتِكَافُهُ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، إِلَّا لِتَرْكِ نَذْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
وَقَالَ الْقَاضِى: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ.
ووَجَبَ الاسْتِئْنافُ؛ لإِخْلالِه بالإِتْيانِ بما نَذَرَه على صِفَتِه.
واللهُ أعلمُ.

1127 -

مسألة: (وإن وَطِئَ المُعْتَكِفُ في الفَرْجِ، فَسَد اعْتِكافُه، ولا كَفّارَةَ عليه، إلَّا لتَرْكِ نَذْرِه. وقال أبو بَكْرٍ: عليه كَفّارَةُ يَمِين. وقال القاضِى: عليه كَفّارَةُ الظِّهارِ)

الوَطْءُ في الاعْتكافِ مُحَرَّمٌ بالإِجماعِ، والأصْلُ فيه قولُ الله تِعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾.
فإنْ وَطِئَ في الفَرْجِ مُتَعَمِّدًا أفْسَدَ اعْتِكافَه بإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ.
حَكاه ابنُ المُنْذِرِ.
ولأنَّ الوَطْءَ إذا حُرِّمَ في العِبادَةِ أفْسَدَها، كالحَجِّ والصومِ، وإن كان ناسِيًا أفْسَدَه أيضًا.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ.
وقال الشافعىُّ: لا يَفْسُدُ؛ لأنَّها مُباشَرَةٌ لا تُفْسِدُ الصومَ، فلا تُفْسِدُ الاعتكافَ، كالمُباشَرَةِ فيما دُونَ الفَرْجِ.
ولَنا، أنَّ ما حُرِّمَ في الاعتكافِ اسْتَوَى عَمْدُه وسَهْوُه في إفْسادِه،

..................................  كالخُرُوجِ مِن المَسْجِدِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّها لا تُفْسِدُ الصَّومَ، ولأنَّ المُباشَرَةَ دُونَ الفَرْجِ لا تُفْسِدُ الاعتكافَ، إلَّا إذا اقْتَرَنَ بها الإِنْزالُ.
إذا ثَبَت هذا، فلا تَجِبُ الكَفّارَةُ بالوَطْءِ في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، وقولُ عَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ، وأهْلِ المَدِينَةِ، ومالكٍ، وأهلِ العِراقِ، والثَّوْرِىِّ، وأهلِ الشّامِ، والأوْزاعِىِّ.
ونَقَل حَنْبَلٌ عن الإِمامِ أحمدَ، أنَّ عليه كَفّارَةً.
وهو قولُ الحَسَنِ، والزُّهْرِىِّ، واخْتِيارُ القاضِى؛ لأنَّها عِبادَةٌ يُفْسِدُها الوَطْءُ بعَيْنِه، فوَجَبَتِ الكَفّارَةُ بالوَطْء فيها، كالحَجِّ، وصَومِ رمضانَ.
ولَنا، أنَّها عِبادَةٌ لا تَجِبُ بأصْلِ الشَّرْعِ، فلم تَجِبْ بإفْسادِها كَفّارَةٌ، كالنَّوافِلِ، ولأنَّها عِبادَةٌ لا يَدْخُلُ المالُ في جُبْرانِها، فلم تَجِبِ الكَفّارَةُ بإفْسادِها، كالصَّلاةِ، ولأنَّ وُجُوبَ الكَفّارَةِ إنَّما يَثْبُتُ بالشَّرْعِ، ولم يَرِدِ الشَّرْعُ بإيجابِها، فيَبْقَى على الأصْلِ.
وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالصلاةِ، وبالصومِ في غيرِ رمضانَ.
والقِياسُ على الحَجِّ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه مُباينٌ لسائِرِ العِباداتِ، ولهذا يَمْضِى في فاسِدِه، ويَلْزَمُ بالشُّرُوعِ فيه،

..................................  ويَجِبُ بالوَطْءِ فيه بَدَنَةٌ، بخِلافِ غيرِه.
ولأنَّه لو وَجَبَتِ الكَفّارَةُ ههُنا بالقِياسِ عليه، لَزِم أن تَكُونَ بَدَنَةً، لأنَّ الحُكْمَ في الفَرْعِ يَثْبُتُ على صِفَةِ الحُكْمِ في الأصْلِ، إذْ كان القِياسُ إنَّما هو تَوْسِعَةُ مَجْرَى الحُكْمِ، فيَصِيرُ النَّصُّ الوارِدُ في الأصْلِ وارِدًا في الفَرْعِ، فيَثْبُتُ فيه الحُكْمُ الثّابِتُ في الأصْلِ بعَيْنِه.
وأمّا القِياسُ على الصَّومِ فهو دالٌّ على نَفْىِ الكَفّارَةِ؛ لأنَّ الصومَ كلَّه لا يَجِبُ بالوَطْءِ فيه كَفّارَةٌ، سِوَى رمضانَ، والاعْتِكافُ أشْبَهُ بغيرِ رمضانَ؛ لأنَّه نافِلَةٌ لا يَجِبُ إلَّا بالنَّذْرِ، ثم لا يَصِحُّ قِياسُه على رمضانَ أيضًا؛ لأن الوَطْءَ فيه إنَّما أوْجَبَ الكَفّارَةَ لحُرْمَةِ رمضانَ، ولذلك تَجِبُ على كلِّ مَن لَزِمَه الإِمْساكُ، وإن لم يُفْسِدْ به صَوْمًا.
واخْتَلَفَ مُوجِبُو الكَفّارَةِ فيها، فقال القاضِى: تَجِبُ كَفّارَةُ الظِّهارِ.
وهو قولُ الحَسَنِ،

..................................  والزُّهْرِىَّ، وظاهِرُ كلام أحمدَ في رِوايَةِ حَنْبَلٍ.
قال أبو عبدِ اللهِ: إذا كان نَهارًا وَجَبَتْ عليه الكَفّارَةُ.
قال الشَّيْخُ 1، رَحِمَه اللهُ: ويَحْتَمِلُ أنَّ أبا عبدِ اللهِ إنَّما أوْجَبَ عليه الكَفّارَةَ إذا فَعَل ذلك في رمضانَ؛ لأنَّه اعْتَبَرَ ذلك في النَّهارِ لأجْلِ الصومِ، ولو كان بمُجَرَّدِ الاعْتِكافِ لما اخْتَصَّ الوُجُوبُ بالنَّهارِ، كما لم يَخْتَصَّ الفَسادُ به.
وحُكِىَ عن أبى بَكْرٍ، أنَّ عليه كَفَّارَةَ يَمِين.
قال شَيْخُنا 2: ولم أرَ هذا عن أبى بَكْرٍ في كتابِ «الشّافِى»، ولَعَلَّ أبا بَكْرٍ إنَّما أوْجَبَ عليه الكَفّارَةَ في مَوْضِعٍ تَضَمَّنَ الإِفْسادُ الإِخْلالَ بالنَّذْرِ، فوَجَبَ لتَرْكِه نَذْرَه.
وهى كَفّارَةُ يَمِين، وأمّا في غيرِ ذلك فلا؛ لأنَّ الكَفّارَةَ إنَّما تَجِبُ بنَصٍّ، أو إجْماعٍ، أو قِياسٍ، وليس ههُنا نَصٌّ، ولا إجْماعٌ، ولا قِياسٌ، فإنَّ نَظِيرَ الاعتكافِ الصومُ، ولا تَجِبُ بإفْسادِه كَفّارَةٌ إذا كان تَطَوُّعًا ولا مَنْذُورًا 3، ما لم يَتَضَمَّنِ الإِخْلالَ بنَذْرِه،

وَإِنْ بَاشَرَ دُونَ الْفَرْجِ فَأنْزَلَ، فَسَدَ اعْتِكَافُهُ، وَإلَّا فَلَا.
فتَجِبُ به كَفّارَةُ يَمِينٍ، كذلك ههُنا.
فأمّا إن كان مَنْذُورًا فأفْسَدَه بالوَطْءِ، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ فيما إذاْ أفْسَدَه بالخُرُوجِ لِما له منه بُدٌّ؛ لأنَّه في مَعْناه.
وقد ذَكَرْنا ما فيه مِن التَّفْصِيلِ.

1128 -

مسألة: (وإن باشَرَ فيما دُونَ الفَرْجِ فأنْزَلَ، فَسَد اعْتِكافُه، وإلَّا فلا)

إذا كانَتِ المُباشَرَةُ دُونَ الفَرْجِ لغيرِ شهْوَةٍ، فلا بَأْسَ بها، مثلَ أن تَغْسِلَ رَأسَه، أو تَفْلِيَه؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ عائِشَةَ 1. وإن كانت لشَهْوَةٍ، فهى مُحَرَّمَةٌ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.
ولقَوْلِ عائِشَةَ، رَضِىَ الله عنها: السُّنَّةُ

..................................  للمُعْتَكِفِ أن لا يَعُودَ مَرِيضًا، ولا يَشْهَدَ جِنازَةً، ولا يَمسَّ امرأةً، ولا يُباشِرَها.
رَواه أبو داودَ 1. ولأنَّه لا يَأْمَنُ إفْضاءَها إلى إفْسادِ الاعتكافِ، وما أفْضَى إلى الحَرامِ حَرامٌ.
فإن فَعَل فأنْزَلَ، فَسَد اعْتِكافُه، وإن لم يُنْزِلْ لم يَفْسُدْ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه.
وقال في الآخرِ: يَفْسُدُ في الحالَيْن.
وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّها مُباشَرَةٌ مُحَرَّمَةٌ فأفْسَدَتْ الاعْتِكافَ، كما لو أنْزَلَ.
ولَنا، أنَّها مُباشَرَةٌ لا تُفْسِدُ صَوْمًا ولا حَجًّا، فلم تُفْسِدْ الاعْتِكافَ، كالمُباشَرَةِ لغيرِ شَهْوَةٍ، وفارَقَ التى أنْزَلَ بها؛ لأنَّها تُفْسِدُ الصومَ، ولا كَفّارَةَ عليه، إلَّا على رِوايَةِ حَنْبَلٍ.
فصل: وإنِ ارْتَدَّ، فَسَد اعْتِكافُه، لقَوْلِ اللهِ تعالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ 2. ولأنَّه خَرَج بالرِّدَّةِ عن كَوْنِه مِن أهْل.

وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ التَّشاغُلُ بِفِعْلِ الْقُرَبِ، وَاجْتِنَابُ مَا لَا يَعْنِيهِ,  الاعْتِكافِ.
وإن شَرِب ما أسْكَرَه فَسَد اعْتِكافُهْ بخُرُوجه عن كَوْنِه مِن أهلِ المَسْجِدِ.
ومتى أفْسَدَ اعْتِكافَه فلا كَفّارة عليه، إلَّا أَن يَكُونَ واجِبًا، وقد ذَكَرْناه.

1129 -

مسألة: (ويُسْتَحَبُّ للمُعْتَكِفِ التَّشاغُلُ بفِعْلِ القُرَب 1، واجْتِناب ما لا يَعْنِيه) يُسْتَحَبُّ للمُعْتَكِف التَّشاغُلُ بالصلاةِ، وقِراءَةِ القُرْآنِ، وذِكرِ اللهِ تعالى، ونحْوِ ذلك مِن الطّاعاتِ المَحْضَةِ، ويَجْتَنِبُ ما لا يَعْنِيه مِن الأقْوالِ والأفْعالِ؛ لأنَّ مَن كَثُرَ كلامُه كَثُرَ سَقَطُه، وفى الحديثِ: «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيه» 2. ويَجْتَنِبُ الجِدالَ والمِراءَ والسِّبابَ والفُحْشَ، فإنَّ ذلك مكرُوهٌ في غيرِ الاعْتِكافِ، ففيه أوْلَى، ولا يَبْطُلُ الاعْتِكافُ بشَئٍ مِن ذلك؛ لأنَّه لمّا لم يَبْطُلْ بمُباحِ الكلامِ لم يَبْطُلْ بمَحْظُوراتِه، وعَكْسُه الوَطْءُ، ولا بَأْسَ بالكَلامِ بمُحادَثَتِه،

..................................  ومُحادَثَةِ غيرِه، فإنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، قالت: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُعْتَكِفًا، فَأَتَيْتُه لأزُورَه لَيْلًا، فحَدَّثْتُه، ثم قُمْتُ، فانْقَلَبْتُ، فقامَ معى ليَقْلِبَنى 1 - وكان مَسْكَنُها في دارِ أُسامَةَ بنِ زَيْدٍ - فمَرَّ رجلانِ مِن الأنْصارِ، فلمّا رَأيا النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أسْرَعا، فقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «عَلَى رِسْلِكُمَا، إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَىٍّ».
فقالا: سُبْحانَ اللهِ يا رسولَ اللهِ! قال: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِى مِن ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّم، وإنِّى خَشِيتُ أن يَقْذِفَ فِى قُلُوبِكُما شَرًّا».
أو قال: «شَيْئًا».
مُتَّفَقٌ عليه 2. وقال علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه: أيُّما رجلٍ مُعْتَكِفٍ فلا يُسابَّ، ولا يَرْفُثْ في الحَدِيثِ، ويَأْمُرُ أهلَه بالحاجَةِ - أى وهوَ يَمْشِى - ولا يَجْلِسْ عندَهم.
رَواه الإِمامُ أحمدُ 3. فصل: ويَجْتَنِبُ المُعْتَكِفُ البَيْعَ والشِّراءَ إلَّا ما لا بُدَّ له منه، قال حَنْبَلٌ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يَقُولُ: المُعْتَكِفُ لا يَبِيعُ ولا يَشْتَرِى إلَّا ما لا بُدَّ له منه، طَعامٌ أو نحوُ ذلك، فأمّا التِّجارَةُ والأخْذُ والعطاءُ، فلا يَجُوزُ.
وقال الشافعىُّ: لا بَأْسَ أن يَبِيعَ ويَشْتَرِىَ ويَخِيطَ ويَتَحَدَّثَ، ما لم يَكُنْ مَأْثَمًا.
ولَنا، ما روَى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّه، أنَّ النبىَّ

..................................  - صلى الله عليه وسلم - نهى عن البَيْعِ والشِّراءِ في المَسْجِدِ.
رَواه التِّرْمِذِىُّ 1. وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
ورَأى عِمْرانُ القَصِيرُ 2 رجلًا يَبِيعُ في المَسْجِدِ، فقال: يا هذا، إنَّ هذا سُوقُ الآخِرَةِ، فإن أرَدْتَ البَيْعَ فاخْرُجْ إلى سُوقِ الدُّنْيا.
وإذا مُنِع مِن البَيْعِ والشِّراءِ في غيرِ حالِ الاعتكافِ، ففيه أوْلَى.
فأمّا الصَّنْعَةُ، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّه لا يَجُوزُ منها ما يَتكَسَّبُ به، لأنَّه 3 بمَنْزِلَةِ البَيْعِ والشِّراءِ.
ويَجُوزُ ما يَعْمَلُه لنَفْسِه، كخِياطَةِ قَمِيصِه ونَحْوِه.
وقد روَى المَرُّوذِىُّ، قال: سَألْتُ أبا عبدِ اللهِ عن المُعْتَكِفِ، تَرَى له أن يَخِيطَ؟ قال: لا يَنْبَغِى له أن يَعْتَكِفَ إذا كان يُرِيدُ أن يَفْعَلَ.
وقال القاضى: لا تَجُوزُ الخِياطَةُ في المَسْجِدِ، سواء كان مُحْتاجًا إليها أو لم يَكُنْ؛ لأنَّ ذلك مَعِيشَةٌ وتَشَغُّلٌ عن الاعْتِكافِ، فأشْبَهَ البَيْعَ والشِّراءَ فيه.
قال شَيْخُنا 4: والأوْلَى أن يُباحَ له ما يَحْتاجُ إليه مِن ذلك، إذا كان يَسِيرًا، مثلَ أن يَنْشَقَّ قَمِيصُه فيَخِيطَه، أو يَنْحَلَّ شئٌ يَحْتاجُ إلى رَبْطِه فيَرْبِطَه؛ لأنَّ هذا يَسِير تَدْعُو الحاجَةُ إليه، فجَرَى مَجْرَى لُبْسِ قَمِيصِه وعِمامَتِه.
فصل: وليس الصَّمْتُ مِن شريعَةِ الإِسلامِ، وظاهرُ الأخبارِ

..................................  تَحريمُه.
قال قَيْس بنُ مسلمٍ 1: دَخَل أبو بَكْرٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، على امرأةٍ مِن أحْمَسَ، يُقال لها: زينبُ، فرَآها لا تَتَكَلَّمُ، فقال: ما لها لا تَتَكَلَّمُ؟ قالُوا: حَجَّتْ مُصْمِتَةً.
فقال لها: تَكَلَّمِى، هذا لا يَحِلُّ، هذا مِن عَمَلِ الجاهِلِيَّةِ.
فتَكَلَّمَتْ.
رَواه البخارِىُّ 2. وروَى أبو داودَ 3 بإسْنادِه عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: حَفِظْتُ عن رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لَا صُمَاتَ يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ».
ورُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه نَهَى عن صوْمِ الصَّمْتِ 4. فإن نَذَر ذلك لم يَلْزَمْه الوَفاءُ به.
وبه قال الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ، وابنُ المُنْذِرِ، ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، قال: بَيْنا النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُ، إذا هو برجلٍ قائِمٍ، فَسَألَ عنه، فقالوا: أبو إسْرائِيلَ، نَذَر أن يَقُومَ في الشَّمْسِ ولا يَقْعُدَ، ولا يَسْتَظِلَّ، ولا يَتَكَلَّمَ، ويَصُومَ.
فقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَقْعُدْ، ولْيُتِمَّ صَوْمَه».
رَواه البخارىُّ 5. ولأنَّه نَذَرَ فِعْلَ مَنْهِىٍّ عنه،

..................................  فلم يلْزَمْه، كنَذْرِ المُباشَرَةِ في المَسْجِدِ، وإن أرادَ فِعْلَه لم يَكُنْ له ذلك، سواءٌ نَذَرَه أو لم يَنْذُرْه.
وقال أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: له فِعْلُه إذا كان أسْلَمَ.
ولَنا، النَّهْىُ عنه، وظاهِرُه التَّحْرِيمُ، والأمْرُ بالكلامِ ومُقْتَضاهُ الوُجُوبُ، وقولُ أبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللهُ عنه: إنّ هذا لا يَحِلُّ، هذا مِن عَمَلِ الجاهِلِيَّةِ.
وهذا صَرِيحٌ، ولم يُخالِفْه أحَدٌ مِن الصَّحابَةِ فيما عَلِمْناه، واتِّباعُ ذلك أوْلَى.
فصل: ولا يَجُوزُ أن يَجْعَلَ القُرْآنَ بَدَلًا مِن الكلامِ؛ لأنَّه اسْتِعْمالٌ له في غيرِ ما هو له، أَشْبَهَ اسْتِعْمالَ المُصْحَفِ في التَّوَسُّدِ ونَحْوِه، وقد جاءَ: لا تُناظِرُوا بكتابِ الله 1. قيل: مَعْناه لا تَتَكَلَّمْ به عندَ الشئِ تَراه، كأنْ تَرَى رجلًا قد جاءَ في وَقْتِه، فتَقُول: و ﴿جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾ 2. ونحوَه.
ذَكَر أبو عُبَيْدٍ نَحْوَ هذا المَعْنَىَ.

وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ إِقْرَاءُ الْقُرْآنِ وَالْعِلْم، وَالْمُنَاظَرَةُ فِيهِ، إِلَّا عِنْدَ أَبِى الْخَطَّابِ، إِذَا قَصَدَ بِهِ الطَّاعَةَ.

1130 - مسألة: (ولا يُسْتَحَبُّ له إقْراءُ القُرْآنِ والعِلْمِ، والمُناظَرَةُ فيه، إلَّا عندَ [أبى الخطّابِ] 1، إذا قَصَد به الطّاعَةَ) أكْثَرُ أصحابِنا لا يَسْتَحِبُّون للمُعْتَكِفِ إقْراءَ القُرْآنِ، وتَدْرِيسَ العِلْمِ، ومُناظَرَةَ الفُقَهاءِ، ومُجالَسَتَهم، وكِتابَةَ الحَدِيثِ، ونَحْوَ ذلك مِمّا يَتَعَدَّى نَفْعُه. وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ. وقال أبو الحَسَنِ الآمدىُّ: في اسْتِحْبابِ ذلك رِوايَتان. واخْتارَ أبو الخَطّابِ أنَّه مُسْتَحَبٌّ إذا قَصَد به طاعةَ اللهِ تعالى، لا المُباهاةَ. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ ذلك أفْضَلُ العِباداتِ، ونَفْعُه يَتَعَدَّى، فكان أوْلَى مِن تَرْكِه، كالصلاةِ. واحْتَجَّ أصحابُنا بأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَعْتَكِفُ، فلم يُنْقَلْ عنه الاشْتِغالُ بغيرِ العِباداتِ المُخْتَصَّةِ به، ولأنَّ الاعْتِكافَ عِبادَةٌ مِن شَرْطِها المَسْجِدُ، فلم يُسْتَحَبَّ فيها ذلك،

..................................  كالطَّوافِ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بعيادَةِ المَرْضَى، وشُهُودِ الجنازَةِ.
فعلى هذا القَوْلِ، فِعْلُه لهذه الأفْعالِ أفْضَلُ مِن الاعْتِكافِ.
قال المَرُّوذِىُّ: قُلْتُ لأبِى عَبْدِ اللهِ: إنَّ رجلًا يُقْرِئُ في المَسْجِدِ، وهو يُرِيدُ أن يَعْتَكِفَ، ولَعَلَّه أن يَخْتِمَ في كُلِّ يَوْمٍ.
فقال: إذا فَعَل هذا كان لنَفْسِه، وإذا قَعَد في المَسْجدِ كان له ولغيرِه، يُقْرِئُ أحَبُّ إلىَّ.
وسُئِلَ: أيُّما أحَبُّ إليك؛ الاعتكَافُ، أو الخُرُوجُ إلى عَبّادانَ 1؟ فقال: ليس يَعْدِلُ الجِهادَ عندِى شئٌ.
يَعْنِى أنَّ الخُرُوجَ إلى عبّادانَ أفْضَلُ مِن الاعْتِكافِ.
فصل: ولا بَأْسَ أن يَتَزَوَّجَ المُعْتَكِفُ، ويَشْهَدَ النِّكاحَ في المَسْجِدِ؛ لأنَّه عِبادَةٌ لا تُحَرِّمُ الطيبَ، فلا تُحَرِّمُ النِّكاحَ، كالصومِ، ولأنَّ النِّكاحَ طاعَةٌ، وحُضُورَه قُرْبَةٌ، ومُدَّتُه لا تَتَطاوَلُ، فلم يُكْرَهْ، كتَشْمِيتِ العاطِسِ، ورَدِّ السلامِ.

..................................  فصل: ولا بَأْسَ أن يَتَنَظَّفَ بأنْواعِ التَّنَظُّفِ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُرَجِّلُ رَأْسَه وهو مُعْتَكِفٌ.
وله أن يَتَطَيَّبَ، ويَلْبَسَ الرَّفِيعَ مِن الثِّيابِ، وليس ذلك بمُسْتَحَبٍّ.
قال الإِمامُ أحمدُ: لا يُعْجِبُنِى أن يَتَطَيَّبَ؛ وذلك لأنَّ الاعْتِكافَ عِبادَةٌ تَخْتَصُّ مَكانًا، فكان تَرْكُ الطِّيبِ فيها مَشْرُوعًا، كالحَجَّ، وليس ذلك بمُحَرَّمٍ؛ لأنَّه لا يُحَرِّمُ اللِّباس ولا النِّكاحَ، أشْبَهَ الصَّوْمَ.
فصل: ولا بَأْسَ أن يَأْكُلَ المُعْتَكِفُ في المَسْجِدِ، ويَضَعُ سُفْرَةً يَسْقُط عليها ما يَقَعُ منه، كَيْلا يَتَلَوَّثَ المَسْجِدُ، ويَغْسِلُ يَدَه في الطَّسْتِ ليُفَرَّغَ خارِجَ المَسْجِدِ، ولا يَجُوزُ أن يَخْرُجَ ليَغْسِلَ يَدَه؛ لأنَّ له 1 من ذلك بُدًّا.
وهل يُكْرَهُ تَجْدِيدُ الطَّهارةِ في المَسْجِدِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهُما، لا يُكْرَهُ؛ لأنَّ أبا العالِيَةِ قال: حَدَّثَنِى مَن كان يَخْدُمُ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: أمّا ما حَفِظْتُ لكم منه، أنَّه كان يَتَوَضَّأُ في المَسْجِدِ 2. وعن ابنِ عُمَرَ، أنَّه

..................................  كان يَتَوَضَّأُ في المَسْجِدِ الحَرامِ على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، الرِّجالُ والنِّساءُ 1. وعن ابنِ سِيرينَ، قال: كان أبو بَكْرٍ، وعُمَرُ، والخُلَفاءُ، رَضِىَ اللهُ عنهم، يَتَوَضَّئُون في المَسْجِدِ.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، وابنِ جُرَيْجٍ 2. والثّانِيَةُ، يُكْرَهُ؛ لأنَّه لا يَسْلَمُ مِن أن يَبْصُقَ في المَسْجدِ أو يَتَمَخَّطَ، والبُصاقُ في المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، ولأنَّه يَبُلُّ مِن المَسْجِدِ مكَانًا يَمْنَعُ المُصَلِّينَ مِن الصلاةِ فيه.
وإن خَرَج مِن المَسْجِدِ للوُضُوءِ، وكان تَجْدِيدًا، بَطَل؛ لأنَّهُ خُرُوجٌ لِما له منه بُدٌّ، وإن كان وُضُوءًا عن حَدَثٍ لم يَبْطُلْ؛ لأنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إليه، سواءٌ كان في وَقْتِ الصلاةِ أو قَبْلَها، لأنَّه لا بدَّ مِن الوُضُوءِ للحَدَثِ، وإنَّما يَتَقَدَّمُ عن وقتِ الحاجَةِ إليه لمَصْلَحَةٍ، وهو كَوْنُه على وُضُوءٍ، رُبَّما يَحْتاجُ إلى صلاةِ النّافِلَةِ.

..................................  فصل: إذا أرادَ أن يَبُولَ في المسجدِ في طَسْتٍ، لم يُبَحْ له ذلك؛ لأنَّ المَساجِدَ لم تُبْنَ لهذا، وهو ممّا يَقْبُحُ ويَفْحُشُ ويُسْتَخَفُّ به، فوَجَبَ صِيانَةُ المَسْجِدِ عنه، كما لو أرادَ أن يَبُولَ في أرْضِه ثم يَغْسِلَه، وإن أرادَ الفَصْدَ والحِجامَةَ فيه، فكذلك.
ذَكَرَه القاضِى؛ لأنَّه إِراقَةُ نَجاسَةٍ في المَسْجِدِ، فَأشْبَهَ البَوْلَ فيه.
وإن دَعَتْ إليه حاجَةٌ كَبِيرَةٌ خرَج مِن المَسْجِدِ ففَعَلَه.

..................................  وإنِ اسْتَغْنَى [عنه، لم يَكُنْ] 1 له الخُرُوجُ إليه، كالمرضِ الذي يُمْكِنُ احْتِمالُه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أن يَجُوزَ الفَصْدُ في المَسْجِدِ في طَسْتٍ؛ بدَلِيلِ أنَّ المُسْتَحاضَةَ يَجُوزُ لها الاعْتِكافُ، ويَكُونُ تَحْتَها شئٌ يَقَعُ فيه الدَّمُ.
قالت عائِشَةُ، رَضِىَ اللهُ عنها: اعْتَكَفَتْ مع رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - امرأةٌ مِن أزْواجِه مُسْتَحاضَةٌ، فكانت تَرَى الحُمْرَةَ والصُّفْرَةَ، ورُبَّما وَضَعْنا الطَّسْتَ تَحْتَها وهي تُصَلِّى.
رَواه البخاريُّ 2. والأوَّلُ أوْلَى، والفَرْقُ بينَهما أنَّ المُسْتَحاضَةَ لا يُمْكِنُها التَّحَرُّزُ مِن ذلك إلَّا بتَرْكِ الاعْتِكافِ، بخِلافِ الفَصْدِ.
واللهُ أعلمُ.

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى 1415 هـ - 1995 م

المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756

المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته.. ووفقه لمرضاته

جارٍ التحميل