الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 126-165

كِتَابُ الْبَيْعِ

صفحات 126-165

..................................  رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في بَقَرَةٍ باعَها رَجُلٌ، واشْتَرَطَ رَأْسَها، فقَضَى بِالشَّرْوَى.
يَعْنِي أَنْ يُعْطِىَ رَأْسًا مثلَ رَأْسٍ.
ولأنَّ المُسْتَثْنَى والمُسْتَثْنَى منه مَعْلُومانِ، فَصَحَّ، كما لو باعَ حائطًا واسْتَثْنَى منه نخلَةً مُعَيَنّةً، وكونُه لا يجوزُ إفْرادُه بالبَيْعِ، لا يَمْنَعُ صِحَّةَ اسْتِثْنَائِه، كما أنَّ الثمرَةَ قبلَ التَّأْبِيرِ لا يَجُوزُ إفْرادُها بالبَيْعِ بشَرْطِ 1 التَّبْقِيَةِ، ويجوزُ اسْتِثْناؤُها والحملُ مَجْهُولٌ.
وفيه مَنْعٌ.
فإنِ امْتَنَعَ المُشْتَرِى مِن ذَبْحِها لم يُجْبَرْ، ويَلْزَمُه قِيمَةُ ذلك على التَّقْرِيبِ.
نَصَّ عليه؛ لِما رُوِى عن عَلِىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قَضَى في رَجُلٍ اشْتَرَى ناقَةً، وشرَط ثُنْيَاهَا، فقال: اذْهَبُوا إلى السُّوقِ، فإذا بَلَغت أقْصى ثَمَنِها،

..................................  فأعْطُوه حِسَابَ ثُنْيَاهَا مِن ثَمَنِها.
فصل: فإنِ اسْتَثْنَى شَحْمَ الحَيَوانِ، لم يَصِحَّ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
قال أبو بكْرٍ: لا يَخْتَلِفُونَ عن أبِى عبدِ اللَّهِ، أنَّه لاِ يَجُوزُ.
[وذلك] 1؛ لأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، نَهَى عن الثُّنْيَا إلَّا أَنْ تُعْلَمَ.
ولأنَّه مَجْهُولٌ لا يَصِحُّ إفْرَادُه بالبَيْعِ، فلم يَصِحَّ اسْتِثْناؤُه، كفَخِذِهَا، وإنِ اسْتَثْنَى الحَمْلَ، لم يَصِحَّ الاسْتِثْناءُ؛ لِما ذَكَرْنا.
وهو قَوْلُ أبى حَنِيفَةَ، ومالِكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشّافِعِىِّ.
ونُقِلَ عن أحمدَ صِحَّتُه، وبه قال الحَسَنُ، والنَّخَعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
لِمَا رَوَى نافِعٌ، أنَّ ابنَ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، باعَ جارِيَةً واسْتَثْنَى ما في بَطْنِها 2. ولأنَّه يَصِحُّ اسْتِثْناؤُه في الْعَتْقِ، فَصَحَّ في البَيْعِ قِياسًا عليه.
ولَنا، ما تَقَدَّمَ.
و 3 الصَّحِيحُ مِن حَدِيثِ ابنِ

..................................  عمرَ، أنَّه أَعتَقَ جَارِيَةً، واسْتَثْنَى ما في بَطْنِها؛ لأَنَّ الثِّقاتِ الحُفَّاظَ حَدَّثُوا بالحَدِيثِ؛ فقالُوا: أعْتَقَ جارِيَةً.
والإِسْنادُ واحِدٌ.
قاله أبو بَكْرٍ.
ولا يَلْزَمُ مِن الصِّحَّةِ في العَتْقِ الصِّحَّةُ في البَيْعِ؛ لأنَّ العَتْقَ لا تَمْنَعُه الجَهالَةُ ولا العَجْزُ عن التَّسْلِيمِ، ولا تُعْتَبَرُ فيه شُروطُ البَيْعِ.
فصل: وإنْ باعَ جارِيَةً حامِلًا بِحُرٍّ.
فقال القاضِى: لا يَصِحُّ.
وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّهُ يَدْخلُ في البَيْعِ، فكَأَنَّهُ مُسْتَثْنًى.
والأَوْلَى صِحَّتُه؛ لأنَّ المَبِيعَ مَعْلُومٌ، وجَهالَةُ الحَمْلِ لا تَضُرُّ؛ لأَنَّه ليس بمَبِيعٍ، ولا مُسْتَثْنًى باللَّفْظِ، وقد يُسْتَثْنَى بالشَّرْعِ ما لا يَصِحُّ اسْتِثْناؤُه باللَّفْظِ، كما لو باعَ أمَةً مُزَوَّجَةً، صَحَّ، وَوَقَعَتْ مَنْفَعَةُ البُضْعِ مُسْتَثْنَاةً بالشَّرْعِ.

..................................  ولو اسْتَثْناهَا بلَفْظِه، لم يجُزْ.
ولو باعَ أَرْضًا فيها زَرْعٌ للبائِعِ، أو نَخْلَةً مُؤبَّرَةً، وَقَعَتْ مَنْفَعَتُها مُسْتَثناةً مُدَّةَ بقاءِ الزَّرْعِ والثَّمَرَةِ، ولو اسْتَثْناهَا بقَوْلِهِ، لم يَجُزْ.
فصل: ولو باعَهُ سِمْسِمًا، واسْتَثْنَى الكُسْبَ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه قد باعَهُ الشَّيْرَجَ 1 في الحَقِيقَةِ، وهو غيرُ مَعْلُومٍ، فإنَّه غيرُ مُعَيَّنٍ، ولا مَوْصُوفٍ، ولأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن الثُّنْيَا، إلَّا أَنْ تُعْلَمَ.
وكذلك إنْ باعَهُ قُطْنًا، واسْتَثْنَى الحبَّ، لم يَجُزْ؛ للجَهالَةِ.
وكذلك إن باعَهُ السِّمْسِمَ، واسْتَثْنَى الشّيْرَجَ، لم يَجُزْ؛ لذلك.

وَيَصِحُّ بَيْعُ مَا مَأْكُولُهُ في جَوْفِهِ، وَبَيْعُ الْبَاقِلَّاءِ، وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ في قِشرتِهِ، وَالْحَبِّ المُشْتَدِّ في سُنْبُلِهِ.

1574 - مسألة: (ويَجُوزُ بَيْعُ ما مَأْكُولُه في جَوْفِه، وبَيْعُ الباقِلَّا والجَوْزِ واللَّوْزِ في قِشْرَتِهِ، والحَبِّ المُشْتَدِّ في سُنْبُلِهِ)

يجوزُ بَيْعُ ما مَأْكُولُه في جَوْفِه، كالرُّمّانِ والبَيْضِ والجَوْزِ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى بَيْعِه، كذلك؛ لكَوْنِه يَفْسُدُ إذا أُخْرِجَ مِن قِشْرِه.

فصل

: ويَجُوزُ بَيْعُ الجَوْزِ واللَّوْزِ والفُسْتُقِ والباقِلَّا والرُّطَبِ في قِشْرَتِهِ مَقْطُوعًا وفى شَجَرِه، وبَيْعُ الطَّلْعِ قبلَ تَشَقُّقِه مَقْطُوعًا، وفى شَجَرِه، وبَيْعُ الحَبِّ المُشْتَدِّ في سُنْبُلِه.
وبه قال أبو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ.
وقال الشّافِعِىُّ: لا يَجُوزُ حتَّى يُنْزَعَ قِشْرُه الأَعْلَى، إلَّا في الطَّلْعِ والسُّنْبُلِ.
في أحَدِ القَوْلَيْنِ.
واحْتَجَّ بأنَّه مَسْتُورٌ بما لا يُدَّخَرُ عليه، ولا مَصْلَحَةَ فيه، فلم يَجُزْ بَيْعُه، كتُرابِ الصَّاغَةِ والمَعادِنِ، وبَيْع الحَيَوَانِ المَذْبُوحِ في سَلْخِه.
ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن بَيْع الثِّمارِ حتَّى يَبْدُو صَلَاحُها 1. وعن بَيْعِ السُّنْبُلِ حتَّى يَبْيَضَّ، ويَأْمَنَ 2 العاهَةَ 3.

فَصْلٌ: السَّابعُ، أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مَعْلُومًا.
فَإِنْ بَاعَهُ  فَمَفْهُومُه إِبَاحَةُ بَيْعِه إذا بَدَا صَلاحُهُ، وابْيَضَّ سُنْبُلُه.
ولأنَّه مَسْتُورٌ بحائِلٍ مِن أصْلِ خِلْقَتِه، فجازَ بَيْعُه، كالرُّمَّانِ والبَيْضِ والقِشْرِ الأَسْفَلِ.
ولا يَصِحُّ قَوْلُهم: ليس مِن مَصْلَحَتِه.
فإنَّه لا قِوَامَ له في شَجَرِه إلَّا بِه، والباقِلَّا يُؤْكَلُ رَطْبًا، وقِشْرُه يَحْفَظُ رُطُوبَتَه.
ولأنَّ البِاقِلَّا يُباعُ في أَسْواقِ المُسْلِمِينَ مِن غيرِ نَكِيرٍ، وهذا إجْماعٌ.
وكذلك الجَوْزُ واللَّوْزُ في شَجَرِهِما.
والحَيَوانُ المَذْبُوحُ يَجُوزُ بَيْعُه في سَلْخِه، فإنَّه إذا جازَ بَيْعُه قبلَ ذَبْحِه، وهو مُرَادٌ للذَّبْحِ، فكذلك إذا ذُبِحَ.
كما أنَّ الرُّمّانَةَ إذا جازَ بَيْعُها قبلَ كَسْرِها، فكذلك إذا كُسِرَتْ.
وأمّا تُرابُ الصَّاغَةِ والمَعادِنِ، فلَنا فيهما مَنْعٌ، وإنْ سُلِّمَ، فليس ذلك مِن أصْلِ الخِلْقَةِ في ترابِ الصّاغَةِ، ولا بَقاؤُه فيه مِن مَصْلَحَتِه، بخِلافِ مَسْأَلتِنَا.

(

فصل

: السابعُ، أَنْ يكونَ الثَّمَنُ مَعلُومًا.
فإنْ باعَهُ السِّلْعَةَ برَقْمِها، = 3/ 1165، 1166. وأبو داود، في: باب في بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها...، من كتاب البيوع.
سنن أبى داود 2/ 227. والترمذى، في: باب ما جاء في كراهية بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، من أبواب البيوع.
عارضة الأحوذى 5/ 234. والنسائى، في: باب بيع السنبل حتى يبيض، من كتاب البيوع.
المجتبى 7/ 238. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 5.

السِّلْعَةَ بِرَقْمِهَا، أَوْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ذَهَبًا وَفِضَّةً، أَوْ بِمَا يَنْقَطِعُ بِهِ السِّعْرُ، أَوْ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلَانٌ، أَوْ بِدِينَارٍ مُطْلَقٍ، وَفِي الْبَلَدِ نُقُودٌ، لَمْ يَصِحَّ.
وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَقْدٌ واحِدٌ، انْصَرَفَ إِلَيْهِ.
أو بأَلْفِ دِرْهَمٍ ذَهَبًا وفِضَّةً، أو بما يَنْقَطِعُ به السِّعْرُ، أو بما باعَ به فُلَانٌ، أو بدِينَارٍ مُطْلَقٍ، وفى البَلَدِ نُقُودٌ، لم يَصِحَّ البَيْعُ.
وإن كان فيه نقْدٌ واحِدٌ، انْصَرَفَ إليه) يُشْتَرَطُ أَنْ يكونَ الثَّمَنُ في البَيْعٍ مَعْلُومًا عندَ المُتَعاقِدَيْنِ؛ لأنَّهُ أحَدُ العِوَضَيْنِ، فاشْتُرِطَ العِلْمُ به، كالآخرِ، وقِيَاسًا على رأْسِ مالِ السَّلَمِ.
فإنْ باعَه السِّلْعَةَ برَقْمِها، وهما لا يَعْلَمانِه، أو أَحَدُهما، لم يَصِحَّ البَيْعُ؛ للجَهَالَةِ فيه.
وكذلك إنْ باعَهُ بأَلْفِ دِرْهَمٍ ذَهَبًا وفِضَّةً 1؛ لأنَّه

..................................  مَجْهُولٌ، ولأَنَّهُ بَيْعُ غَرَرٍ، فَيَدْخُلُ في عُمُومِ النَّهْى عن بَيْعِ الغَرَرِ.
وإن باعَهُ بمائَةٍ ذَهَبًا وفِضَّةً، لم يَصِحَّ البَيْعُ.
وبهذا قال الشَّافِعِىُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ ويكونُ نِصْفَيْنِ؛ لأنَّ الإِطْلَاقَ يَقْتَضِى التَّسْوِيَةَ، كالإِقْرَارِ.
ولَنا، أنَّ قَدْرَ كُلِّ واحِدٍ منهما مَجْهُولٌ، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: بمائَةٍ بَعْضُها ذَهَبٌ.
وقَوْلُه: إَّنه يَقْتَضِى التَّسْوِيَةَ.
مَمْنُوعٌ، فإنَّه لو فَسَّرَه بغيرِ ذلك صَحَّ.
وكذلك لو أقَرَّ له بمائَةٍ ذَهَبًا وفِضَّة، فالقولُ

وَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ بِعَشَرَةٍ صِحَاحًا، أَوْ إِحْدَى عَشْرَةَ مُكَسَّرَةً.
أَوْ:  قَوْلُه في قَدْرِ كُلِّ واحِدٍ منهما.
وإنْ باعَهُ بما يَنْقَطِع السِّعْرُ به، أو بما باعَ به فلانٌ عَبْدَه، وهما لا يَعْلَمانِه، أو أَحَدُهما، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ.
وإنْ باعَهُ بدِينارٍ مُطْلَقٍ، وفى البَلَدِ نُقُودٌ، لم يَصِحَّ؛ لجَهَالَتِه، وإنْ كان فيه نَقْدٌ واحِدٌ انْصَرَفَ إليه؛ لأنَّه تَعَيَّنَ بانْفِرَادِه وعَدَمِ مُشَارَكَةِ غَيْرِه، ولهذا لَو أقَرَّ بدِينارٍ أو أوْصَى به، انْصَرَفَ إليه.

1575 -

مسألة: (وإنْ قال: بِعْتُكَ بعَشَرَةٍ صِحَاحٍ، أو إحْدَى عَشْرَةَ

بِعَشَرَةٍ نَقْدًا، أَوْ عِشْرِينَ نَسِيئَةً.
لَمْ يَصِحَّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ.
مُكَسَّرَةً.
أو: بعَشَرَةٍ نَقْدًا، أو عِشْرِينَ نَسِيئَةً.
لم يَصِحَّ) لأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ 1. وهذا هو.
كذلك فَسَّرَه مالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، وإسْحاقُ.
وهذا قَوْلُ أكثرَ أَهْلِ العِلْمِ؛ لأنَّه لم يَجْزِمْ له ببَيْعٍ واحِدٍ، أَشْبَهَ ما لو قال: بِعْتُكَ أحَدَ هذَيْنِ.
ولأنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ، فلم يَصِحَّ، كالبَيْعِ بالرَّقْمِ المَجْهُولِ.
وقد رُوِى عن طاوُسٍ، والحَكَمِ، وحَمَّادٍ، أنَّهُم قالُوا: لا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: أبِيعُكَ بالنَّقْدِ بكَذَا، وبالنَّسِيئَةِ بكذا.
فيَذْهَبُ على 2 أحَدِهما.
فيَحْتَمِلُ أنَّه جَرَى بينهما بعدُ ما يَجرِى في العَقْدِ، فكأَنَّ المُشْتَرِىَ قال: أنا آخُذُه بالنَّسِيئَةِ بكذا.
فقال: خُذْهُ.
أو: قد رَضِيتُ.
ونحوَ ذلك، فيَكُونُ عَقْدًا كافِيًا 3، كقَوْلِ الجُمْهُورِ.

وَإِنْ بَاعَهُ الصُّبْرَةَ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ، وَالْقَطِيعَ كُلَّ شَاةٍ بدِرْهَمٍ, وَالثَّوْبَ كُلَّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ، صَحَّ.
فعَلَى هذا، إن لم يُوجَدْ ما يَدُلُّ على الإِيجَابِ، أو ما يَقُومُ مَقامَه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ ما مَضَى مِن القَوْلِ لا يَصْلُحُ أن يكونَ إِيجابًا.
وقد رُوِى عن أحمدَ (1)، في مَن قال: إن خِطْتَه اليومَ فَلَكَ دِرْهَمٌ، وإن خِطْتَه غَدًا فلَكَ نِصْفُ دِرْهَمٍ.
أنّه يَصِحُّ.
فَيَحْتَمِلُ أن يَلْحَقَ (2) به هذا البَيْعُ، فَيُخَرَّجَ وَجْهًا في الصِّحَّةِ.
ويَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُما مِن حيث إنَّ العَقْدَ ثَمَّ يُمْكِنُ أن يَصِحَّ؛ لكَوْنِه جَعَالَةً، بخِلافِ البَيْعِ.
ولأنَّ العَمَلَ الذى يَسْتَحِقُّ به الأُجْرَةَ لا يُمْكِنُ وُقُوعُه إلَّا على إحْدَى الصِّفَتَيْنِ، فَتَتَعَيَّنُ الأُجْرَةُ المُسَمَّاةُ عِوَضًا له (3)، فلا يُفْضِى إلى التَّنَازُعِ، وهذا بخِلافِه.

1576 -

مسألة: (وإن باعَهُ الصُّبْرَةَ كُلَّ قَفِيزٍ بدِرْهَمٍ، والثَّوْبَ كلَّ ذراعٍ بدرهمٍ، والقَطِيعَ كلَّ شاةٍ بدرهمٍ، صَحَّ)

إذا باعَهُ الصُّبْرَةَ كُلَّ123

..................................  قفِيزٍ بدرْهَمٍ، صَحَّ، وإنْ لم يَعْلَمَا قَدْرَ قُفْزانِها حالَ العَقْدِ.
وبهذا قال مالِكٌ, والشّافِعِىُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ في قَفِيزٍ واحِدٍ، ويَبْطُلُ فيما

..................................  سِواهُ؛ لأنَّ جُمْلَةَ الثَّمَنِ مَجْهُولَةٌ، فلم يَصِحَّ، كبَيْعِ المتاعِ برَقْمِه.
ولَنا، أنَّ المَبِيعَ مَعْلُومٌ بالمُشاهَدَةِ، والثَّمَنَ مَعْلُومٌ؛ لإِشارَتِه إلى ما يُعْرَفُ

..................................  مَبْلَغُه بجِهَةٍ لا تَتَعَلَّقُ بالمُتَعَاقِدَيْنِ، وهو كَيْلُ الصُّبْرَةِ، فجازَ، كما لو باعَ ما رَأْسُ مالِه اثْنانِ وسَبْعُونَ مُرابَحَةً 1، لكُلِّ ثَلاثَةٍ عُشْرُ دِرْهَمٍ، فإنّه لا يُعْلَمُ في الحالِ، وإنَّما يُعْلَمُ بالحِسَابِ، كذا ههُنا.
ولأنَّ المَبِيعَ مَعْلُومٌ بالمُشَاهَدَةِ، والثَّمَنَ مَعْلُومٌ قَدْرَ ما يقابِلُ كُلَّ جُزْءٍ مِن المَبِيعِ، فصَحَّ، كالأَصْلِ المَذْكُورِ.
وكذلك حُكْمُ الثَّوْبِ والأَرْضِ، والقَطِيعِ مِن الغَنَمِ، إذا كان مُشَاهَدًا، فَباعَه إيَّاهُ كُلَّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ، أو كُلَّ شاةٍ بدِرْهَمٍ، صَحَّ، وإنْ لم يَعْلَما قَدْرَ ذلك حالَ العَقْدِ؛ لِما ذَكَرْنا في الصُّبْرَةِ.

وَإِنْ بَاعَهُ مِنَ الصُّبْرَةِ، كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ، لَمْ يَصِحَّ.

1577 - مسألة: (وإنْ باعَه مِن الصُّبْرَةِ، كُلَّ قَفِيزٍ بدِرْهَمٍ، لم يَصِحَّ)

لأنَّ «مِن» للتَّبْعِيضِ، و «كُلَّ» للعَدَدِ، فَيَكُونُ ذلك العَدَدُ منها مَجْهُولًا.
ويَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ البَيْعُ، بناءً على قَوْلِه في الإِجَارَةِ إذا أجَرَه كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: وهو الأَشْبَهُ.
كالمَسْأَلَةِ التى قَبْلَها؛ لأنَّ «مِن» وإنْ أُعْطِيَتِ البَعْضَ، فما هو بَعْضٌ مَجْهُولٌ، بل قد جَعَلَ لكُلِّ جُزْءٍ مَعْلُومٍ منها ثَمَنًا مَعْلُومًا، فهو كما لو قال: قَفِيزًا منها.
وكمسألةِ الإِجارَةِ.
فصل: وإن قال: بِعْتُكَ هذه الصُّبْرَةَ بعَشَرَةِ دَراهِمَ، على أَنْ أزِيدَك قَفِيزًا، أو أنْقُصَكَ قَفِيزًا.
لم يَصِح؛ لأنَّه لا يَدْرِى أَيَزِيدُه أم يُنْقِصُه.
وإنْ قال: على أَنْ أزيدَكَ قَفِيزًا.
لم يَجُزْ؛ لأنَّ القَفِيزَ مَجْهُولٌ.
وإنْ قال: على أَنْ أزِيدَك قَفِيزًا مِن هذه الصُّبْرَةِ الأُخْرَى.
أو وَصَفَهُ بصِفَةٍ يُعْلَمُ بها، صَحَّ؛ لأنَّ مَعْناهُ: بِعْتُك هذه الصُّبْرَةَ، وقَفِيزًا مِن هذه الأُخْرَى بعَشَرَةِ دَراهِمَ.
وإنْ قال: على أن أنْقُصَك قَفِيزًا.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّ مَعْنَاهُ: بِعْتُكَ هذه الصُّبْرَةَ إلَّا قَفِيزًا، كُلَّ قَفِيزٍ بدرهم وشئٍ مَجْهُولٍ.
ولو قال: بِعْتُكَ هذه

..................................  الصُّبْرَةَ، كلَّ قَفِيزٍ بدِرْهَمٍ على أَنْ أزيدَك قَفِيزًا من هذهِ الصُّبْرَةِ الأُخْرَى.
لم يَصِحَّ؛ لإِفْضَائِه إلى جَهالَةِ الثَّمَنِ في التَّفْصيلِ، لأنَّه يَصِير قَفِيزًا وشَيْئًا بدِرْهَمٍ، وهما لا يَعْرفَانِه؛ لعَدَمِ مَعْرِفَتِهما بكمِّيَّةِ ما في الصُّبْرَةِ مِن القفْزَانِ.
ولو قَصَدَ أنِّى أحُطُّ ثَمَنَ قَفِيزٍ مِن الصُّبْرَةِ، ولا أحْتَسِبُ به، لم يَصِحَّ؛ للجَهَالَةِ التى ذَكَرْنَاها.
وإن عَلِمَا قَدْرَ قُفْزَانِ الصُّبْرَةِ، أو قال: هذه عَشَرَةُ أقْفِزَةٍ بِعْتُكَهَا، كُلَّ قَفِيزٍ بدِرْهَمٍ، على أَنْ أزيدَكَ قَفِيزًا مِن هذه الصُّبْرَةِ.
أو وَصَفَه بصِفَةٍ يُعْلَمُ بها، صَحَّ؛ لأنَّ مَعْناهُ بعْتكَ كُلَّ قَفِيزٍ وعُشْرَه 1 بدِرْهَمٍ.
وإنْ لم يُعْلَمِ القَفِيزُ 2، أو 3 جَعَلَه هِبَةً، لم يَصِحَّ.
وإنْ أَرادَ أنِّى لا أحْتَسِبُ عليك بثَمَنِ قَفِيزٍ منها، صَحَّ أيْضًا؛ لأنَّهما لَمّا عَلِمَا جُمْلَةَ الصُّبْرَةِ، عَلِمَا ما يَنْقُصُ مِن الثَّمَنِ.
ولو قال: على أَنْ أنقُصَكَ قَفِيزًا.
صَحَّ؛ لأنَّ مَعْناهُ: بِعْتكَ تِسْعَةَ أقْفِزَةٍ بعَشَرَةِ دَراهِمَ.
وحُكِىَ عن أبى بَكْرٍ، أنَّه يَصِحُّ في جَمِيعِ المَسَائِلِ، على قِياسِ قولِ أحمدَ؛ لأنَّه يُجيزُ الشَّرْطَ الواحِدَ 4. ولا يَصِحُّ ما قالَه؛ لأنَّ المَبِيعَ مَجْهُولٌ، فلا يَصِحُّ بَيْعُه، بخِلافِ الشَّرْطِ الذى لا يُفْضِى إلى الجَهَالَةِ.
وما لا تَتَساوَى أجْزَاؤُه؛ كالأَرْضِ، والثَّوْبِ، والقَطِيعِ مِن الغَنَمِ، فيه

..................................  نحوٌ مِن مَسائِلِ الصُّبْرَةِ.
وإنْ قال: بِعْتُك هذه الأرْضَ -أو: هذه الدَّارَ.
أو: هذا الثَّوْبَ.
أو: هذا القَطِيعَ- بأَلْفِ دِرْهَمٍ.
صَحَّ إذا شَاهَدَاه.
وإنْ قال: بِعْتُكَ نِصْفَه -أو: ثُلُثَه.
أو: رُبْعَه- بكَذا.
صَحَّ.
وإنْ قال: بِعْتُكَ مِن الثَّوْبِ كُلَّ ذِرَاعٍ بدِرْهَمٍ.
أو: مِن القَطِيعِ، كُلَّ شاةٍ بدِرْهَمٍ.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ.
فصل: ويَصِحُّ بَيعُ الصُّبْرَةِ جُزافًا مع جَهْلِ المُتَبايِعَيْنِ بِقَدْرِها.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وقد نصَّ عليه أحمدُ.
ودَلَّ عليه حَدِيثُ ابنِ عمرَ، وهو قَوْلُه: كُنّا نَشْتَرِى الطَّعامَ مِن الرُّكْبَانِ جُزَافًا، فِنَهَانَا رسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنْ نَبِيعَه حتَّى نَنْقُلَه مِن مكانِه.
مُتَّفَقٌ عليه 1. ولأَنَّه مَعْلُومٌ بالرُّؤْيَةِ، فَصَحَّ بَيْعُه، كالثِّيَابِ، والحَيَوانِ.
ولا يضُرُّ عَدَمُ مُشَاهَدَةِ باطِنِ الصُّبْرَةِ، فإنَّ ذلك يَشُقُّ؛ لكَوْنِ الحَبِّ بَعْضُه على بَعْضٍ، ولا يُمْكِنُ بَسْطُها حَبَّةً حَبَّةً، ولأنَّ الحبَّ تَتَسَاوَى أجْزَاؤُه في الظاهِرِ، فاكْتُفِىَ برُؤْيَةِ ظاهِرِه، بخِلافِ الثَّوْبِ، فإنَّ نَشْرَه لا يَشُقُّ، وتَخْتَلِفُ أجْزَاؤُهُ، ولا يَحْتَاجُ إِلى مَعْرِفَةِ قَدْرِها مع المُشَاهَدَةِ؛ لأنَّه عَلِمَ ما اشْتَرَى بأبْلَغِ الطُّرُقِ، وهو الرُّؤْيَةُ.

..................................  وكذلك لو قال: بِعْتُكَ نِصْفَ هذه الصُّبْرَةِ.
أو: جُزْءًا منها مَعْلُومًا.
لأَنَّ ما جازَ بَيْعُ جُمْلَتِه، جازَ بَيْعُ بَعْضِه، كالحَيَوانِ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: ولا يَصِحُّ هذا، إلَّا أَنْ تَكُونَ الصُّبْرَةُ مُتَسَاوِيَةَ الأَجْزَاءِ، فإن كانت مُخْتَلِفَةً، مثلَ صُبْرَةِ بَقَّالِ القَرْيةِ، لم يَصِحَّ.
ويَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ؛ لأنَّه يَشْتَرِى منها جُزْءًا مُشاعًا، فيَسْتَحِقُّ مِن جَيِّدِها ورَدِيئها بقِسْطِه.
ولا فَرْقَ بينَ الأَثْمانِ والمُثْمَنَاتِ في صِحَّةِ بَيْعِها جُزَافًا.
وقال مالِكٌ: لا يَجُوزُ في الأَثْمانِ؛ لأنَّ لها خَطَرًا, ولا يَشُقُّ وَزْنُها ولا عَدَدُها، فأَشْبَهَ الرَّقِيقَ، الثِّيابَ.
ولَنا، أَنَّه مَعْلُومٌ بالمُشَاهَدَةِ، فأشْبَهَ المُثْمَنَاتِ والنُّقْرَةَ 1 والحَلْىَ.
ويَبْطُلُ بذلك ما قَالَه.
وأمّا الرَّقِيقُ، فإنَّه يَجُوزُ بَيْعُهم إذا شاهَدَهُم ولم يَعُدَّهُم، وكذلك الثِّيَابُ إذا نَشَرَها 2 ورَأَى جَمِيعَ أَجْزَائِها.
فصل: فإنْ كان البائِعُ يَعْلَمُ قَدْرَ الصُّبْرَةِ، لم يَجُزْ بَيْعُها جُزَافًا.
نَصَّ عليه أحْمَدُ.
وهو اخْتِيارُ الخِرَقِىِّ.
وكَرِهَهُ عطاءٌ، وابنُ سِيرِينَ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ.
وبه قال مالِكٌ، وإسحاقُ.
ورُوِىَ ذلك عن طاوُسٍ.
قال مالِكٌ: لم يَزَلْ أهْلُ العِلْمِ يَنْهَوْنَ عن ذلك.
وعن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، أنَّه مَكْرُوهٌ غيرُ مُحَرَّمٍ، فقد رَوَى بكرُ بنُ محمدٍ، عن أبِيهِ، عنه، أنَّه سُئِلَ عن الرَّجُلِ يَبِيعُ الطَّعَامَ جُزَافًا، وقد عَرَفَ كَيْلَه.
فقلتُ

..................................  له: إنّ مالِكًا يقولُ: إذا باعَ الطّعَامَ ولم يَعْلَمِ المُشْتَرِى، فإنِ اخْتَارَ أَنْ يَرُدَّه رَدَّهُ.
قال: هذا تَغْلِيطٌ شَدِيدٌ، ولكنْ لا يُعْجِبُنِى إذا عَرَفَ كَيْلَه، إلَّا أَنْ يُخْبِرَه، فإنْ باعَه، فهو جائِزٌ عليه، وقد أساءَ.
ولم يَرَ أبو حَنِيفَةَ، والشَّافِعِىُّ بذلك بأْسًا؛ لأنَّه إذا جازَ البَيْعُ بيع جَهْلِهما بمقْدارِه فمع العِلْمِ مِن أحَدِهما أوْلَى.
ووَجْهُ الأوَّلِ ما رَوَى الأَوْزَاعِىُّ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَن عَرَفَ مَبْلَغَ شَئٍ فلا يَبعْه 1 جُزافًا حتَّى يُبَيِّنهُ» 2. قال القاضى: وقد رُوِى عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه نَهَى عن بَيْعِ الطعام مُجازَفَةً، وهو يَعْلَمُ كَيْلَه (2). وأيضًا الإِجْماعُ الذى نَقَلَه مالِكٌ.
ولأنَّ البائِعَ لا يَعْدِلُ إلى البَيْعِ جُزَافًا مع عِلْمِه بقَدْرِ الكَيْلِ، إلَّا للتَّغْرِيرِ ظَاهِرًا، وقد قال عليه السّلامُ: «مَنْ غَشَّنَا فلَيْسَ مِنَّا» 3. فصارَ كتَدْلِيسِ العَيْبِ 4. فإنْ باعَ ما عَلِمَ كَيْلَه صُبْرَةً، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ في رِوايَةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ، أنَّ البَيْعَ صَحِيحٌ لازِمٌ.
وهو قولُ أبى حَنِيفَةَ، والشافِعِىِّ؛ لأنَّ المَبِيعَ مَعْلُومٌ

..................................  لهما, لا تَغْرِيرَ مِن أحَدِهما، أشْبَهَ ما لو عَلِمَا كَيْلَه أو جَهِلاهُ.
ولم يَثْبُتْ ما رُوِى مِن النَّهْى فيه، وإنَّما كَرِهَه أحمدُ كراهَةَ تنزِيهٍ؛ لاخْتِلافِ العُلَماءِ فيه.
ولأنَّ تَسْويَتَهما في العِلْمِ والجَهْلِ أبعدُ مِن التَّغْرِيرِ.
وقال القاضِى وأصحاِبُه: هذا بمنزِلَةِ التَّدْلِيسِ والغِشِّ، إن عَلِمَ به المُشْتَرِى فلا خيارَ له؛ لأَنَّه دَخَلَ على بصيرَةٍ، فهو كمَن اشْتَرَى مُصَرَّاةً، يَعلَمُ تَصْرِيَتَها.
وإن لم يَعْلَمْ أنَّ البائِعَ كِان عالِمًا بذلك، فله الخِيارُ في الفَسْخِ والإِمْضاءِ.
وهذا قولُ مالِكٍ؛ لأَنَّه غِشٌّ وغَرَرٌ مِن البائِعِ، فصَحَّ العَقْدُ معه، ويَثْبُتُ للمُشْتَرِى الخِيارُ.
وذَهَبَ بعضُ أصحابِه إلى أنَّ البَيْعَ فاسِدٌ، والنَّهْىَ يَقْتَضِى الفَسَادَ.
فصل: فإنْ أخْبَرَهُ البائِعُ بكَيْلِه، ثم باعَهُ بذلك الكَيْلِ، فالبَيْعُ صَحِيحٌ.
فإنْ قَبَضَه باكْتِيَالِه، تمَّ البَيْعُ والقَبْضُ، وإنْ قَبَضَه بغيرِ كَيْلٍ، كان بمَنْزِلَةِ قَبْضِه جُزَافًا؛ إن كان المَبِيعُ 1 باقِيًا كَالَه عليه، فإنْ كان قدْرَ حَقِّهِ الذى أَخْبَرَه، فقد اسْتَوْفاهُ، وإنْ كان زائِدًا رَدَّ الفَضْلَ، وإنْ كان ناقِصًا أخَذَ النَّقْصَ، وإنْ كان قد تَلِفَ فالقَوْلُ قَوْلُ القابِضِ [في قَدْرِه] 2 مع يَمِينِه، سواءٌ قَلَّ القَبْضُ أو كثُرَ؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ القَبْضِ وبقاءُ الحَقِّ.
وليس للمُشْتَرِى التَّصَرُّفُ في الجميعِ قبلَ كَيْلِه؛ لأنَّ للبائِع فيه عُلْقَةً، فإنَّه لو زاد، كانتِ الزِّيَادَةُ له، ولا يَتَصَرَّفُ في أَقَلَّ مِن حَقِّه،

..................................  بغيرِ كَيْلٍ؛ لأنَّ ذَلك يَمْنَعُه مِن مَعْرِفَةِ كَيْلِه.
وإنْ تَصَرَّفَ فيما يَتَحَقَّقُ أنَّه مُسْتَحَقٌّ له، مثلَ أَنْ يكونَ حَقُّه قَفِيزًا، فيَتَصَرَّفَ في ذلك أو في أقَلَّ منه بالكَيْل، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، له ذلك؛ لأنَّه تَصَرَّفَ في حَقِّه بعدَ قبْضِه، فجازَ، كما لو كِيل له.
والثانى، لا يَجُوزُ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ له التُّصَرُّفُ في الجَمِيعِ، فلم يَجُزْ له التَّصَرُّفُ في البَعْضِ، كما قبلَ القَبْضِ.
وإن قَبَضَه بالوَزْنِ، فهو كما لو قَبَضَه جُزَافًا.
فأمّا إنْ أعْلَمَهُ بكَيْلِه، ثم باعَهُ إيّاهُ مُجازَفَةً، على أنَّه له بذلك الثَّمَنِ، سواءٌ زادَ أو نَقَصَ، لم يَجُزْ؛ لِما رَوَى الأَثْرَمُ، بإسْنادِه، عن الحَكَمِ، قال: قَدِمَ طَعامٌ لعثمانَ على عَهْدِ رسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: «اذْهَبُوا بِنَا إلى عثمانَ نُعِينُه على طعامِه».
فَقامَ إلى جَنْبِه، فقال عثمانُ: في هذه الغِرَارَةِ 1 كذا وكذا، وأبِيعُها بكذا وكذا.
فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذا سَمَّيْتَ الكَيْلَ فَكِلْ» 2. قال أحمدُ: إذا أخْبَرَه البائِعُ أنَّ في كُلِّ قارُورَةٍ مَنًّا 3، فأَخَذَ بذلك، ولا يَكْتَالُه، فلا يُعْجِبُنى؛ لقولِه لعثمانَ: «إذَا سَمَّيْتَ الكَيْلَ فَكِلْ».
قيلَ له: إنَّهُم يَقُولُونَ: إذَا فُتِحَ فَسَدَ.
قال: فَلِمَ لا يَفْتَحُونَ واحِدَةً ويَزِنونَ 4 الباقِىَ؟.

..................................  فصل: ولو كالَ طَعامًا، وآخر يُشَاهِدُه، فلِمَنْ شاهَدَ الكَيْلَ شِراؤُه بغيرِ كَيْلٍ ثانٍ؛ لأَنَّه شاهَدَ كَيْلَه، أشْبَهَ ما لو كِيلَ له.
وعنه، يَحْتَاجُ إلى كَيْلٍ؛ للخَبَرِ، وكالبَيْعِ الأوَّلِ.
ولو كالَهُ البائِعُ للمُشْتَرِى، ثم اشْتَراهُ منه، فكذلك؛ لِما ذَكَرْنا.
ولو اشْتَرَى اثْنانِ طَعامًا، فاكْتَالاهُ، ثم اشْتَرَى أحَدُهما حِصَّةَ شَرِيكِه قبلَ تَفرُّقِهِما، فهو جائِزٌ.
وإن لم يَحْضُر المُشْتَرِى الكَيْلَ، لم يَجُزْ إلَّا بكَيْلٍ.
وقال ابنُ أبى مُوسَى: فيه رِوايَةٌ أُخْرَى، لا بدَّ مِن كَيْلِه.
وإن باعَه للثانِى 1 في هذه المواضِعِ على أنَّه صُبْرةٌ، جازَ، ولم يَحْتَجْ إلى كيْلٍ ثانٍ.
وقَبْضُهُ 2 بنَقْلِه، كالصُّبْرَةِ.
فصل: قال أحمدُ في رجُلٍ يَشْتَرِى الجَوْزَ، فيَعُدُّ في مِكْتَلٍ 3 ألفَ جَوْزَةٍ، ثم يأخُذُ الجَوْزَ كُلَّه على ذلك العِيارِ: لا يَجُوزُ.
وقال في رجُلٍ ابْتاعَ أعْكامًا 4 كَيْلًا، وقال للبائِعِ: كِلْ لِى عِكْمًا منها، وآخُذُ ما بَقِىَ على هذا الكَيْلِ: أكْرَهُ هذا حتَّى يَكِيلَها كُلَّها.
قال الثَّوْرِىُّ: كان أصْحَابُنا يَكْرَهُونَ هذا.
وذلك؛ لأنَّ ما في العُكُومِ يَخْتَلِفُ، فلا يُعْلَمُ ما في بَعْضِها بكَيْلِ البَعْضِ، والجَوْزُ يَخْتَلِفُ، فيكوَنُ في أحَدِ المِكْيَلَيْنِ أكْثَرُ مِن الآخَرِ، فلا يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ بالكَيْلِ، كما لا يَصِحُّ تَقْدِيرُ المَكِيلِ بالوَزْنِ, ولا المَوْزُونِ بالكَيْلِ.

..................................  فصل: وإذا باعَ الأدْهانَ في ظُرُوفِها جُمْلَةً، وقد شاهَدَها، جازَ؛ لأنَّ أجْزَاءَها 1 لا تَخْتَلِفُ، فهِى 2 كالصُّبْرَةِ.
وكذلك الحُكْمُ في العَسَلِ، والدِّبْسِ، والخَلِّ، وسائِرِ المائِعَاتِ التى لا تَخْتلِفُ.
فإن باعَهُ كُلَّ رَطْلٍ بدِرْهَمٍ، أو باعَهُ رَطْلًا منه، أو أرْطالًا مَعْلُومَةً، يَعْلَمُ أنَّ فيها أكْثَرَ منها، أو باعَهُ أجْزاءً مُشاعَةً، أو جُزْءًا، أو باعَهُ إيَّاهُ مع الظَّرْفِ بعَشَرَةِ دَراهِمَ، أو بثَمَنٍ مَعْلُومٍ، جازَ.
وإن باعَهُ السَّمْنَ والظَّرْفَ، كُلَّ رَطْلٍ بدِرْهَمٍ، وهما يَعْلَمَانِ مَبْلَغَ كُلِّ واحِدٍ منهما، صَحَّ؛ لأنَّه قد عُلِمَ المَبِيعُ والثَّمَنُ.
وإن لم يَعْلَمَا ذلك، جازَ أيضًا؛ لأنَّه قد رَضِىَ أَنْ يَشْتَرِىَ الظَّرْفَ كُلَّ رَطْلٍ بدِرْهَمٍ، وما فيه كذلك، فأشْبَهَ ما لو اشْتَرَى ظَرْفَيْنِ، في أَحَدِهما سَمْنٌ وفى آخرَ زَيْتٌ، كُلَّ رَطْلٍ بدِرْهَمٍ.
وقال القاضِى: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ وَزْنَ الظَّرْفِ يَزِيدُ ويَنقُصُ، فيَدْخُلُ على غَرَرٍ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ بَيْعَ كُلِّ واحِدٍ منهما مُنْفَرِدًا يَصِحُّ؛ لذلك 3، فكذلك إذا جَمَعَهُما، كالأَرْضِ المُخْتَلِفَةِ الأَجْزَاءِ، والثِّيابِ وغَيْرِها.
فأمّا إنْ باعَهُ كُلَّ رَطْلٍ بدِرْهَمٍ، على أَنْ يَزِنَ الظَّرْفَ، فيحْتَسبَ عليه بوَزْنِه، ولا يكونُ مَبِيعًا، وهما يَعْلَمانِ زِنَةَ كُلِّ واحِدٍ منهما، صَحَّ؛ لأنَّه إذا عَلِمَ أنَّ الدُّهْنَ عَشَرَةٌ، والظَّرْفَ رَطْلان، كان مَعْنَاهُ: بِعْتُكَ عَشَرَةَ أرْطَالٍ باثْنَىْ

..................................  عَشَرَ دِرْهَمًا.
وإنْ كانَا لا يَعْلَمَانِ زِنَةَ الظَّرْفِ والدُّهْنِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه يُؤَدِّى إلى جَهالَةِ الثَّمَنِ في الحالِ.
وسواءٌ جَهِلَا زِنَتَهُما جَمِيعًا، أو زِنَةَ أحَدِهما؛ لذلك 1. فصل: وإنْ وَجَدَ في ظَرْفِ الدُّهْنِ رُبًّا 2، فقال ابنُ المُنْذِرِ: قال أحمدُ، وإسحاقُ: إنْ كان سَمَّانًا عندَه سَمْنٌ، أَعطَاهُ بوَزْنِه سَمْنًا، وإن لم يَكُنْ عِنْدَه سَمْنٌ، أعْطَاهُ بقَدْرِ الرُّبِّ مِن الثَّمَنِ.
وأَلزَمَهُ شُرَيْحٌ بقَدْرِ الرُّبِّ سَمْنًا بكُلِّ حالٍ.
وقال الثَّوْرِىُّ: إنْ شاءَ أخَذَ الذى وَجَدَ، ولا يُكَلَّفُ أَنْ يُعْطِيَه بقَدْرِ الرُّبِّ سَمْنًا.
ولَنا، أنَّه وَجَدَ المَبِيعَ المَكِيلَ 3 ناقِصًا، فأَشْبَهَ ما لو اشْتَرَى صُبْرَةً فوَجَدَ تحتَها رَبْوَةً، أو اشْتَرَاها على أنَّها عَشَرَةُ أَقفِزَةٍ، فبانَتْ تِسْعَةً، فإنَّه يأخُذُ المَوْجُودَ بقِسْطِه من الثَّمَنِ، كذلك هذا.
فعلى هذا، إنَّما يَأْخُذُ المَوْجُودَ بقِسْطِه مِن الثَّمَنِ، ولا يَلْزَمُ البائِعَ أَنْ يُعْطِيَه سَمْنًا، سواء كان مَوْجُودًا عندَه، أو لم يكُنْ، فإن تَرَاضَيَا على إعْطائِه سَمْنًا، جازَ.

وَإِنْ بَاعَهُ بِمِائَةِ دِرْهَم إِلَّا دِينَارًا، لَمْ يَصِحَّ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِى.
وَيَجِئُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِىِّ أَنَّهُ يَصِحُّ.

1578 - مسألة: (وإنْ باعَه بمائَةِ دِرْهَمٍ إلَّا دِينارًا، لم يَصِحَّ. ذَكَرَه القاضِى. [ويجئُ على قَوْلِ الخِرَقِىِّ أنَّه يَصِحُّ)

إذا باعَه بمائةِ درهم إلَّا دينارًا لم يَصِحَّ] 1، لأنَّه قَصَدَ اسْتِثْنَاءَ قِيمَةِ الدِّينارِ، وذلك غيرُ مَعْلُومٍ، واسْتِثْناءُ المَجْهُولِ مِن المَعْلُومِ يُصَيِّرُه مَجْهُولًا، ولأنَّه اسْتِثْناءٌ مِن غيرِ الجِنْسِ، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: بمائَةٍ إلَّا قَفِيزًا مِن حِنْطَةٍ.
ويجئُ على قولِ الخِرَقِىِّ أنَّه يَصِحُّ في مَن اسْتَثْنَى في الإِقْرَارِ عَيْنًا مِن وَرِقٍ، أو وَرِقًا من عَيْنٍ، فإنَّه يَصِحُّ.
فعلى هذا يُحْذَفُ مِن الجُمْلَةِ بقيمَةِ الدِّينارِ.
ولو

فَصْلٌ فِى تَفْريقِ الصَّفْقَةِ: وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
وَلَهُ ثَلاثُ صُوَرٍ؛ أَحَدُهَا، بَاعَ مَعْلُومًا وَمَجْهُولًا، فَلَا يَصِحُّ.
قال: بمائَةٍ إلَّا قَفِيزًا مِن حِنْطَةٍ.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّه اسْتِثْناءٌ مِن غيرِ الجِنْسِ.
فأمّا الذَّهَبُ والفِضَّةُ فهما كالجِنْسِ الواحِدِ.

(فصلٌ في تفريقِ الصَّفْقَةِ: وهو أَنْ يجمَعَ بينَ ما يَجُوزُ بَيْعُه و) بَيْنَ (ما لا يَجُوزُ) صَفْقَة واحِدَةً، بثَمَنٍ واحِدٍ (وله ثَلاثُ صورٍ؛ أحَدُها، أَنْ يَبِيعَ مَعْلُومًا ومَجْهُولًا) كَقَوْلِك: بِعْتُك هذه الفَرَسَ، وما في بَطْنِ هذه الفَرَسِ الأُخْرَى، بكذا. فهذا بَيْع باطِلٌ بكُلِّ حالٍ، ولا أَعلَمُ في بُطْلانِه خِلافًا؛ لأنَّ المَجْهُولَ لا يَصِحُّ بَيْعُه بجهالَتِه، والمَعْلُومَ مَجْهُولُ الثَّمَنِ

الثَّانِيَةُ، بَاعَ مُشَاعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ؛ كَعَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا، أَوْ ما يَنْقَسِمُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ بِالْأَجْزَاءِ، كَقَفِيزَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ لَهُمَا، فَيَصِحُّ فِى نصِيبِهِ بقِسْطِهِ.
فِى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَلِلْمُشْتَرِى الْخِيَارُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا.
ولا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِه؛ لأنَّ مَعْرِفَتَه إنَّما تَكُونُ بتَقْسِيطِ الثَّمَنِ عليهما، والمَجْهُولُ لا يُمكنُ تَقْوِيمُه، فيَتَعَذَّرُ التَّقْسِيطُ.
(الثانِيَةُ، باعَ مُشاعًا بينهَ وبينَ غيرِه) بغيرِ إذْنِ شَرِيكِه (كعَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بينَهما، أو مَا يَنْقَسِمُ عليه الثَّمَنُ بالأَجْزَاءِ، كقَفِيزَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ لهما، فيَصِحُّ في مِلْكِه بقِسْطِه) مِن الثَّمَنِ، وَيَفْسُدُ في نَصِيبِ الآخرِ.
والثانِى، لا يَصِحُّ فيهما.
وأَصْلُ

..................................  الوَجْهَيْنِ، أَنَّ أحمدَ نَصَّ في مَن تَزَوَّجَ حُرَّةً وأمَةً، على رِوَايَتَيْنِ، إحْداهما، يفسُدُ فيهما.
والثانيةُ، يَصِحُّ في الحُرَّةِ.
والوَجْهُ الأَوَّلُ قولُ مالِكٍ، وأبى حَنِيفَةَ، وأحَدُ قَوْلَى الشَّافِعِىِّ.
وقال في الآخرِ: لا يَصِحُّ.
وهو قولُ أبى ثَوْرٍ؛ لأنَّ الصَّفْقَةَ جَمَعَتْ حَلَالًا وحَرَامًا، فغَلَبَ التَّحْرِيمُ، ولأنَّ الصَّفْقَةَ إذا لم يُمْكِنْ تَصْحِيحُها في جَمِيعِ المَعْقُودِ عليه، بَطَلَتْ في الكُلِّ، كالجَمْعِ بين الأُخْتَيْنِ، وبَيْعِ دِرْهَم بدِرْهَمَيْنِ.
وَوَجْهُ الأوَّل أنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما له حُكْمٌ لو كان مُنْفَرِدًا، فإذا جَمَعَ بينَهما ثَبَتَ لِكُلِّ واحِدٍ حُكْمُه، كما لو باعَ شِقْصًا وسَيْفًا.
ولأَنَّ ما يَجُوزُ بَيْعُه قد صَدَرَ فيه البَيْعُ من أهْلِه في مَحَلِّه بشَرْطِه، فصَحَّ، كما لو انْفَرَدَ، ولأنَّ البَيْعَ سَبَبٌ اقْتَضَى الحُكْمَ في مَحَلَّيْنِ، فامْتَنَعَ حُكْمُه في أحَدِ المَحَلَّيْنِ؛ لنَبْوَتِه 1 عن قَبولِه، فيَصِحُّ في الآخرِ، كما لو وَصَّى بشئٍ لآدَمِىٍّ وبَهِيمَةٍ.
وأمّا الدِّرْهَمانِ والأُخْتَانِ، فليس واحِدٌ منهما أوْلَى بالفَسَادِ مِن الآخرِ، فلذلك فسدَ فيهما، وهذا بخِلَافِه.

الثَّالِثَةُ، بَاعَ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوْ عَبْدًا وَحُرًّا، أَوْ خَلًّا وَخَمْرًا، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ أُولَاهُمَا، لَا يَصِحُّ.
وَالأُخْرَى، يَصِحُّ فِى عَبْدِه وَفِى الْخَلِّ بِقِسْطِهِ.
فصل: ومتىِ حَكَمْنا بالصِّحَّةِ ههنا، وكان المُشْتَرِى عالِمًا بالحالِ، فلا خِيارَ له؛ لأنَّه دَخَلَ على بَصِيرَةٍ.
وإنْ لم يَعْلَمْ، مِثْلَ أنِ اشْتَرَى عَبْدًا يَظه كُلَّه للبائِعِ، فبانَ أنَّه لا يَمْلِكُ إلَّا نِصْفَه، فله الخِيارُ بينَ الفَسْخِ والإِمْسَاكِ؛ لأَنَّ الصَّفْقَةَ تَبَعَّضَتْ عليه.
وأمّا البائِعُ فلا خِيارَ له؛ لأنَّه رَضِىَ بزَوالِ مِلْكِه عَمّا يَجُوزُ بَيْعُه 1 بقِسْطِه.
ولو وَقَعَ العَقْدُ على شَيْئَيْنِ يَفْتَقِرُ إلى القَبْضِ فيهما، فتَلِفَ أحَدُهما قبلَ قَبْضِه، فقال القاضِى: للمُشْتَرِى الخِيارُ بينَ إمساكِ الباقى بحِصَّتِه وبينَ الفَسْخِ؛ لأنَّ حُكْمَ ما قبلَ القَبْضِ -في كوْنِ المَبِيعِ مِن ضمانِ البائِعِ- حُكْمُ ما قبلَ العَقْدِ، بدَليلِ أنَّه لو تَعَيَّبَ قبلَ قَبْضِه، لمَلَكَ المُشْتَرِى الفَسْخَ به.
(الثالِثةُ، باعَ عَبْدَه وعَبْدَ غَيْرِه بغيرِ إذْنِه، أو عَبْدًا وحُرًّا، أو خَلًّا وخَمْرًا، ففيه رِوَايَتَانِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ في هذه

..................................  المَسْأَلَةِ، فنقلَ صالِحٌ عن أحمدَ، في مَن اشْتَرَى عَبْدَيْن، فوَجَدَ أَحَدَهما حُرًّا، رَجَعَ بقِيمَتِه مِن الثَّمَنِ.
ونقلَ عنه مُهَنَّا، في مَن تَزَوَّجَ امْرَأَةً على عَبْدَيْن، فوَجَدَ أحَدَهما حُرًّا، فلها قِيمَةُ العَبْدَيْنِ.
فأَبْطَلَ الصَّدَاقَ فيهما جَمِيعًا.
وللشّافِعِىِّ قَوْلانِ، كالرِّوَايَتَيْنِ.
وأبْطَلَ مالِكٌ العَقْدَ فيهما، إلَّا أن يَبِيعَ مِلْكَهُ ومِلْكَ غَيْرِه، فيَصِحَّ في مِلْكِه، ويَقِفَ في مِلْكِ غيرِه على الإِجازَةِ.
ونحوُه قولُ أبى حَنِيفَةَ؛ فإنَّه قال: إنْ كان أحَدُهما لا يَصِحُّ بَيْعُه بنَصٍّ أو إجْماعٍ، كالحُرِّ والخَمْرِ، لم يَصِح العَقْدُ فيهما، وإنْ لم يَثْبُتْ بذلك، كمِلْكِه وملْكِ غيرِه، صَحَّ فيما يمْلِكُه؛ لأنَّ ما اخْتُلِفَ فيه يمكنُ أَنْ يَلْحَقَه حُكْمُ الإِجازَةِ بحُكمِ حاكِمٍ بصِحَّةِ بَيْعِه.
وقال أبو ثَوْرٍ: لا يَصِحُّ بَيْعُه، كما لِما تَقَدَّمَ في القِسْمِ الثَّانِى، ولأنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ؛ لأنَّه إنَّما

..................................  يَتَبَيَّنُ بالتَّقْسِيطِ للثَّمَنِ على القِيمَةِ، وذلك مَجْهُولٌ في الحالِ، فلم يَصِحَّ البَيْعُ به، كما لو قال: بِعْتُكَ هذه السِّلْعَةَ برَقْمِها.
أو: بحِصَّتِه 1 مِن رَأْسِ المالِ.
ولأنَّه لو صَرَّحَ به، فقال: بِعْتُك هذا بقِسْطِه مِن الثَّمَنِ.
لم يَصِحَّ.
فكذلك إذا لم يُصَرِّحْ.
وهذا هو الصَّحِيحُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالَى.
ووَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى، أنَّه متى سَمَّى ثَمَنًا في مَبِيعٍ، فَسَقَطَ 2 بَعْضه، لا يُوجِبُ ذلك 3 جهالَةً تَمْنَعُ الصِّحَّةَ، كما لو وَجَدَ بعضَ المَبِيعِ مَعِيبًا فأَخَذَ أرْشَه.
وإذا قلنا بالصِّحَّةِ، فللمُشْتَرِى الخِيارُ، إذا لم يكُنْ

..................................  عالِمًا، كالقِسْمِ الثَّانِى، لتَبَعُّضِ الصَّفْقَةِ عليه.
والحُكْمُ في الرَّهْنِ والهِبَةِ وسائِرِ العُقُودِ إذا جَمَعَتْ ما يَجُوزُ وما لا يَجُوزُ، كالحُكْمِ في البَيْعِ، إلَّا أنَّ الظّاهِرَ فيها الصِّحَّةُ، لأنَّها ليست عُقُودَ مُعاوَضَةٍ، فلا تُوثِّرُ جَهالَةُ العِوَضَ فيها.
فصل: وإنْ وَقَعَ العَقْدُ على مَكِيلٍ أو مَوْزُونٍ، فتَلِفَ بَعْضُه قبلَ قَبْضِه، لم يَنْفَسِخِ العَقْدُ في الباقِى.
رِوايَةً واحِدَةً.
سواءٌ كانَا مِن جنْسٍ واحِدٍ أو جِنْسَيْنِ، ويَأْخُذُ المُشْتَرِى الباقِىَ بحِصَّتِه من الثَّمَنِ، لأنَّ العَقْدَ وقَعَ صَحِيحًا، فذَهابُ بَعْضِه لا يَفْسَخُه، كما بعدَ القَبْضِ، وكما لو وَجَدَ أحَدَ المبِيعَيْنِ مَعِيبًا فَرَدَّهُ، أو أقَالَ أحَدُ المُتَبايِعَيْنِ الآخرَ في بعضِ المَبِيعِ.

وَإِنْ بَاعَ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ بِثَمَن وَاحِدٍ، فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنَ.

1579 - مسألة: (وإنْ باعَ عَبْدَه وعَبْدَ غَيْرِه بإذْنِه بثَمَن واحِدٍ، فهل يَصِحُّ؟ على وَجْهَيْنِ)

أحَدُهما، يَصِحُّ فيهما، ويَتَقَسَّطُ الثَّمَنُ على قدْر قِيمَتِهما.
وهو قولُ مالِكٍ، وَأبى حَنِيفةَ، وأحَدُ قَوْلَى الشّافِعِىِّ؛

..................................  لأَنَّ جُمْلَةَ الثَّمَنِ مَعْلُومَة، فَصَحَّ، كما لو كانَا لرَجُلٍ واحِدٍ، وكما لو بَاعَا عَبْدًا واحِدًا لهما.
والثانِى، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما مَبِيعٌ بقِسْطِه مِن الثَّمَنِ، وهو مَجْهُولٌ، على ما قَدَّمْنَا.
وفارَقَ ما إذا كانَا لرَجُلٍ واحِدٍ، فَإنَّ جُمْلَةَ المَبِيعِ مُقابَلَةٌ بجُمْلَةِ الثَّمَنِ مِن غيرِ تَقْسِيطٍ، والعَبْدُ المُشْتَرَكُ يَنْقَسِمُ عليه الثَّمَنُ بالأجْزَاءِ، فلا جَهالَةَ فيه.
فأمّا إنْ باعَ قَفِيزَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ له ولغَيْرِه بثَمَنٍ واحِدٍ بإذْنِه، صَحَّ؛ لأنَّ الثمَنَ يَتَقسَّط عليهما بالأجْزاءِ، فلا يُفْضِى إلى جَهالَةِ الثَّمَنِ.
وكذلك إنْ باعَهُ عَبْدًا لهما

وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ، أَو بَيْعٍ وَصَرْفٍ، صَحَّ فِيهمَا، وَيُقَسَّطُ الْعِوَضُ عَلَيْهِمَا، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
بثَمَن واحِدٍ صَحَّ؛ لما ذَكَرْنَا.

1580 -

مسألة: (وإنْ جَمَعَ بينَ بَيْعٍ وإجارَةٍ، أو بَيْعٍ وصَرْفٍ، صَحَّ فيهما، ويُقَسَّطُ العِوَضُ عليهما، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ)

إذا جَمَعَ بينَ عَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَىِ الحَدِّ؛ كالبَيعِ والإِجَارَةِ، والبَيْعِ والصَّرْفِ، بعِوَضٍ واحِدٍ، صَحَّ فيهما؛ لأنَّ اخْتِلافَ حُكْمِ العَقْدَيْنِ لا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، كما لو جَمَعَ بينَ ما فيه شُفْعَةٌ وما لا شُفْعَةَ فيه.
وكذلك إنْ باعَ سَيْفًا مُحَلًّى

..................................  بذَهَبٍ وفِضَّةٍ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يَصِحُّ، لأنَّ حُكْمَهُما مُخْتَلِفٌ، وليس أَحَدُهما أَوْلَى مِن الآخرِ، فبَطَلَ فيهما، فإنَّ البَيْعَ فيه خِيارٌ، ولا يُشْتَرَطُ فيه التَّقَابُضُ في المَجْلِسِ، ولا يَنْفَسِخُ العَقْدُ بتَلَفِ المَبِيعِ، والصَّرْفُ يُشْتَرَطُ له التَّقابُضُ، ويَنْفَسِخُ العَقدُ بتَلَفِ العَيْنِ [في الإِجَارَةِ] 1. وإنْ جَمَعَ بينَ نِكاحٍ وبَيْعٍ بعِوَض واحِدٍ، فقال: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِى، وبِعْتُكَ دَارِى بمائَةٍ.
صَحَّ النِّكَاحُ؛ لكَوْنِه لا يَفْسُدُ بفَسَادِ العِوَضِ.
وفى البَيْعِ وَجْهان.
وللشافعىِّ قَوْلانِ، كالوَجْهَيْنِ.

وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ كِتَابَةٍ وَبَيْعٍ، فَكَاتَبَ عَبْدَهُ وَبَاعَهُ شَيْئًا صَفْقَةً وَاحِدَةً، بَطَلَ الْبَيْعُ، وَفِى الْكِتَابَةِ وَجْهَانِ.

1581 - مسألة: (وإنْ جَمَعَ بينَ كِتَابَةٍ وبَيْعٍ، فكاتَبَ عَبْدَه وباعَهُ شَيْئًا صَفْقَةً واحِدَةً)

مثلَ أَنْ يقُولَ؛ بِعْتُكَ عَبْدِى هذا، وكاتَبْتُكَ بمائَةٍ، كُلَّ شَهْرٍ عَشَرَةٌ (بَطَلَ البَيْعُ) وَجْهًا واحِدًا، لأنَّه باعَ عَبْدَه لعَبْدٍ، فلم يَصِحَّ، كبَيْعِه إيّاهُ مِن غيرِ كِتابَةٍ.
وهل تَبْطُلُ الكِتَابَ؟ يَنْبَنِى على

..................................  رِوَايَتَيْنِ في تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ

فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ بَعْدَ نِدَائِهَا.

فصل

: قال، رَضِىَ اللَّهُ عنه: (ولا يَصِحُّ البَيْعُ مِمَّنْ تَلْزَمُه الجُمُعَةُ بعدَ نِدائِها) لا يَحِلُّ البَيْعُ بعدَ نِداء الجُمُعَةِ قبلَ الصَّلاةِ لمَن تَجِبُ عليه الجُمُعَةُ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ 1. فإنْ باعَ، لم يَصِحَّ البَيْعُ؛ للنَّهْىِ عنه.
وِالنِّدَاءُ الذى يَتَعَلَّقُ به المَنْعُ هو النِّدَاءُ عَقِيبَ جُلُوسِ الإِمامِ على المِنْبَرِ؛ لأنَّه النِّداءُ الذى كان على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَتَعَلَّقَ الحُكْمُ به، والنِّداءُ الثالثُ 2 زِيدَ في زَمَنِ عثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.

..................................  وحَكَى القاضِى رِوَايَةً عن أحمدَ، أنَّ البَيْعَ يَحْرُمُ بزَوالِ الشَّمْسِ، وإنْ لم يَجْلِسِ الإِمامُ على المِنْبَرِ.
ولا يَصِحُّ هذا؛ لأنَّ اللَّهَ تَعالَى عَلَّقَهُ على النِّداءِ، لا على الوَقْتِ، ولأنَّ المَقْصُودَ بهذا إدْراكُ الجُمُعَةِ، وهو حاصِلٌ بما ذَكَرْنا دُون ما ذَكَرَه، ولأنَّه لو اخْتَصَّ تَحْرِيمُ البَيْعِ بالوَقْتِ لَما اخْتَصَّ بالزَّوَالِ، فإنَّ ما قَبْلَه وَقْتٌ أيضًا.
فأَمَّا مَن لا تَجِبُ عليه الجُمُعَةُ مِن النِّساءِ والمُسافِرِين وغيرِهم، فلا يَثْبُتُ في حَقِّهِ هذا الحُكْمُ.
وذَكَرَ ابنُ أبِى

جارٍ التحميل