فَإنِ اجْتَمَعَ أَنْوَاعٌ؛ تَقَدَّمَ الرِّجَالُ، ثُمَّ الصِّبْيَانُ، ثُمَّ الْخَنَاثَى، ثُمَّ النِّسَاءُ،
574 - مسألة: (وإنِ اجْتَمَع)
رجالٌ وصِبْيانٌ وخَناثَى ونِساءٌ (تَقَدَّم الرجالُ، ثم الصِّبْيانُ، ثم الخَناثَى، ثم النِّساءُ) لِما روَى أبو
..................................
داودَ 1، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى، فصَفَّ الرِّجالَ، ثم صَفَّ خَلْفَهُم الغِلْمانَ.
وتَقَدُّمُ الخَناثَى على النِّساءِ؛ لجَوازِ أن [يكُونوا رِجالًا] 2.
وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ فِي تَقْدِيمِهمْ إلَى الإمَام، إذا اجْتَمَعَتْ جَنَائِزُهُمْ.
(وكذلك يُفْعَلُ في تَقْدِيمِهم إلى الإمامِ، إذا اجْتَمَعَت جَنائِزُهم) وسَنَذْكُرُ ذلك في مَوْضِعِه، إن شاءَ اللهُ تَعالَى.
وَمَنْ لَم يَقِفْ مَعَهُ إِلَّا كَافِرٌ، أوِ امْرَأَةٌ، أوْ مُحْدِثٌ يَعْلَمُ حَدَثَهُ، فَهُوَ فَذٌّ.
وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ، إلَّا في النَّافِلَةِ.
575 - مسألة: (وَمَنْ لَم يَقِفْ مَعَهُ إِلَّا كَافِرٌ، أوِ امْرَأَةٌ، أوْ مُحْدِثٌ يَعْلَمُ حَدَثَهُ، فَهُوَ فَذٌّ. وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ، إلَّا في النَّافِلَةِ)
أمَّا إذا وَقَفَ معه كافِرٌ أو مُحْدِثٌ يَعْلَمُ حَدَثه لم تَصِحَّ صَلاتُه؛ لأن وجُودَه وعَدَمَه واحِدٌ.
وكذلك إذا وَقَف معه سائِرُ مَن لا تَصِحُّ صَلاتُه؛ لِما ذَكَرْنا.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أَّنه قال: إذا أَمَّ رَجُلَيْن، أحَدُهما غيرُ طاهِرٍ، أَتَمَّ الطّاهِرُ معه.
وهذا يَحْتَمِلُ أنَّه إرادَ عَلِمَ المُحْدِثُ حَدَثَ نَفْسِه، أتَمَّ الآخَرُ إن كان عن يَمِينِ الإمامِ، وإن لم يكنْ عن يَمِينِه تَقَدَّمَ، فصار عن يَمِنِيه.
فأمّا إن كانا خَلْفَه، وأتَمَّ الصلاةَ عِلْمِ المُحْدِثِ بحَدَثِه، لم تَصِحَّ.
وإن لم يَعْلَمْه صحَّ؛ لأنَّه لو كان إمامًا صحَّ الائْتِمامُ به، فصِحَّةُ مُصافَّتِه أوْلَى.
..................................
فصل: فإن لم يَقِفْ 1 معه إلَّا امْرَأةٌ، فقال ابنُ حامِدٍ: لا تَصحُّ صَلَاتُه، لأنَها لا تَؤُمُّه، فلا تَكُونُ معه صَفًّا، ولأنَّها مِن غير أهلِ الوُقُوفِ معه فوُجُودهُا كعَدَمِها.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: تَصِحُّ على أصَحِّ الوَجْهَيْن؛ لأنَّه وَقَف معه مُفْتَرِضٌ صَلاتُه صَحِيحَةٌ، أشْبَهَ ما لو وَقَف معه رجلٌ، وليس مِن شَرْطِ المُصافَّةِ أن يكونَ مِمَّن تَصِحُّ إمامَتُه، بدَلِيلِ القارِئُ مع الأُمِّيِّ، والفاسِقِ والمفُتْرِضِ مع المُتَنَفِّلِ.
وإن وَقَف معه خُنْثَى مُشْكِلٌ، لم يَكُنْ معه صَفًّا، على قوْلِ ابنِ حامِدٍ، لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ امْرَأةٌ.
فصل: وإن وَقَف معه فاسِقٌ أو مُتَتفِّلٌ صار صَفًّا، لأنَّ صلاتَهما صَحِيحَةٌ.
وكذلك لو وَقَف قارِئ مع أُمِّيّ، أو مَن به سَلَسُ البُوْلِ مع صَحِيح، أو قائِمٌ مع قاعِدٍ كانا صَفًّا؛ لِما ذَكَرْنا.
فصل: [فأمَّا الصَّبِي إذا وَقَفَ مع البالِغِ وَحْدَه] 2؛ فإن كان في النَّافِلَةِ صَحَّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ أنَسٍ.
وذَكَر أبو الخَطَّابِ رِوايَةً، أنَّه لا يَصِحُّ، بِناءً على صِحَّةِ 3 إمَامَتِه في النَّفْل.
وإن كان في الفَرْضِ، فقد روَى الأثْرَمُ عن أحمدَ، أنَّه توَقَّف في هذه المَسْألَةِ، وقال: ما أدْرِي.
..................................
فذُكِرَ له حَدِيثُ أنَس، فقال: ذلك في التَّطَوُّعِ.
واخْتَلَف فيه أصحابُنا، فقال بَعْضُهم: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يَصْلُحُ إمامًا للرجالِ في الفَرْضِ، [فلم يُصافِّهم كالمرأةِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَصِحُّ؛ لأنَّه يَصِحُّ أن يُصافَّ الرجلَ في النَّفْلِ، فيَصِحُّ في الفَرْض] 1، كالمُتَنَفِّلِ.
ولا يُشْتَرَطُ لصحةِ مصافَّتِه صَلاحِيَتُه للإمامَةِ، بدَلِيلِ الفاسِقِ والعَبْدِ والمُسافِرِ في الجُمُعَةِ، والأصْلُ المَقِيسُ عليه مَمْنُوعٌ.
فصل: إذا أمَّ الرَّجُلُ خُنْثَى مُشْكِلًا وحْدَه، فالصَّحِيحُ أنَّه يَقِفُ عن يَمِينِه؛ لأنَّه إن كان رَجُلًا فهذا مَوْقِفُه، وإن كان امرأةً لم تَبْطُلْ صلاتُها بوُقُوفِها مع الإمامِ؛ لو وَقَفَتْ مع الرجالِ.
ولا يَقِفُ وحدَه، لجَوازِ أن يكونَ رَجُلًا.
فإن كان معهما رَجُلٌ، وقَف الرَّجُلُ عن يَمِينِ الإمامِ،
..................................
والخُنْثَى عن يَسارِه، أو عن يَمِينِ الرَّجُلِ، ولا يَقفان خلْقه؛ لجوازِ أن يكونَ امرأَةً، إلَّا عندَ مَن أجاز للرَّجُلِ مُصافَّةَ المرأةِ.
فإن كان معهم رَجُلٌ آخَرُ، وقَف الثَّلَاثة خَلْفَه صَفًّا؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن كانا خُنْثَييْن مع الرَّجُلَيْن، فقال أصْحابُنا: يَقِفُ الخُنْثَيان صَفًّا خَلْفَ الرَّجُلَيْن؛ لاحْتِمالِ أن يكونا امرأتيْن.
ويَحْتَمِل أن يَقِفا مع الرَّجُلَيْن؛ لأنَّه يَحْتمِلُ أن يكون أحَدُهما رَجُلًا، فلا تصِحُّ صلاتُه.
وإن كان معهم نِساءً، وقفْنَ خَلْفَ الخَناثَى، على ما ذَكَرنا.
فصل: وإذا كان المَأمُومُ واحِدًا، فكَبَّر عن يَسارِ الإمامِ، أدارَ الإِمامُ عن يَمِينِه، ولم تَبْطلْ تَحْريمَتُه كما فَعَل النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بابنِ عباسٍ 1. وإن كَبَّر وحدَه خلفَ الإمامِ، ثم تَقَدَّم عن يَمِينِه، أو جاء آخَرُ فوَقَفَ معه، أو تَقَدَّم إلى الصَّفِّ بينَ يَدَيْه، أو كانا اثْنَيْن فكَبَّرَ أحَدُهما، وتَوَسْوَس الآخَرُ ثم كَبَّر قبلَ رَفْعِ الإمام رَأسَه مِن الرُّكُوعِ، أو كَبَّر واحِدٌ عن يَمِينِ الإِمام، فأحَسَّ بآخرَ، فتَأَخَّرَ معه قبل أن يُحْرِمَ الثّانِي ثم أحْرَم، أو أحرَم عن يَسارِ
..................................
الإمامِ، فجاءَ آخَرُ فوَقَفَ عن يَمِينِه قبل رَفْعِ الإمامِ رَأْسَه مِن الرُّكُوعِ، صَحَّتْ صَلاتُهم.
وقد نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الأثْرَمِ، في الرَّجُلينِ يقومان خلْفَ الإمامِ، ليس خَلْفَه غيْرُهُما [فإن كَبَّرَ أحدُهما قبلَ صاحِبِه] 1 خاف أن يَدْخُلَ في الصلاةِ خلْف الصَّف، فقال: ليس هذا مِن ذاك، ذاك في الصلاةِ بكَمالِها، أو صَلَّى رَكْعَةً كامِلَةً، وما أشْبَهَ هذا، فأمَّا هذا فأرْجُو أن لا يكونَ به بَأَسٌ.
ولو أحْرَم رَجُلٌ خلْفَ الصَّفِّ، ثم خَرج مِن الصَّفِّ رَجُلٌ فوَقَفَ معه، صَحَّ؛ لِما ذَكَرْنا.
فصل: وإن كَبَّر رَجُلٌ عن يَمِينِ الإمام، وجاء آخَرُ فكَبَّرَ عن يَسارِه، أخْرَجَهُما الإمامُ إلى ورائِه، كفِعْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بجابِرٍ وجَبّارٍ 2. ولا يَتَقَدَّمُ الإمامُ، إلَّا أن يكونَ وراءَهُ ضَيِّقٌ.
وإن تَقَدَّم، جاز، وإن كَبَّر الثّانِي مع الأوَّلِ عن اليَمِينَ وخرَجا، جاز.
وإن دَخَل الثّانِي، وهما في التَّشَهدِ، كَبَّر وجَلَس عن يَسارِ الإمامِ، أو عن يَمِينِ الآخَرِ، ولا يَتَأخَّران في التَّشَهُّدِ، لأنَّ فيه مَشَقَّةً.
وَمَنْ جَاءَ فَوَجَدَ فُرْجَةٌ وَقَفَ فِيهَا، فَان لَمْ يَجِدْ.
فصلِ: وإن أحْرَم اثْنان وراءَ الإمامِ، فخَرَجَ أحَدُهما لعُذْرٍ أو لغيره، دَخَل الآخر في الصَّفِّ، أو نَبَّهَ رجُلًا فخَرَج معه، أو دَخَل فوَقَفَ عن يَمِينِ الإمامِ، فإن لم يُمْكنْه شئٌ من ذلك نوَى الانْفِرادَ، وأتَمَّ مُنْفَرِدًا؛ لأنَّه عُذْرٌ حَدَث له، أشْبَه ما لو سَبَق إمامَه الحَدَثُ.
576 -
مسألة: (ومَن جاء فوَجَدَ فُرْجَةً وَقَف فيها، فإن لم يَجِدْ
وَقَف عَنْ يَمِين الْإمَامِ، فَانْ لَمْ يُمْكنْهُ، فَلَهُ أَنْ يُنَبِّهَ مَنْ يَقُومُ مَعَهُ،
وَقَف عنِ يَمِينِ الإمامِ) ولم يَجْذِبْ رَجُلًا ليَقُومَ معه (فإن لم يُمْكِنْه) ذلك، نَبَّه رَجُلًا 1 فخَرَجَ فوَقَف معه.
وهذا قَوْلُ عطاءٍ، والنَّخَعِيِّ.
وكَرِه ذلك مالكٌ، والأوْزاعِيُّ.
واسْتَقْبَحَه أحمدُ، وإسحاقُ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: جَوَّز أصحابُنا جَذبَ رَجُلٍ يَقُومُ معه صَفًّا.
قال: وعندِي أنَّه لا يَفْعَلُ؛ لِما فيه مِن التَّصَرُّفِ بغيرِ إذْنِه.
قال شيخُنا 2: والصَّحِيحُ جَوازُ ذلك، لأنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إليه فجازَ، كالسُّجُودِ على ظَهْر إنسانٍ أو قَدَمِه
فَإنْ صَلَّى فَذًّا رَكْعَة، لَمْ تَصِحَّ.
حالَ الزِّحامِ، وليس هذا تَصَرُّفًا فيه، بل هو تَنْبِيهٌ له، فجَرَى مَجْرَى مَسْألَتِه أن يُصَلِّيَ معه.
وقد رُوِيَ عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أَّنه قال: «لِينُوا في أيْدِي إخْوانِكُمْ» (1) يُرِيدُ ذلك.
فإنِ امْتَنَع مِن الخُرُوجِ (2) صَلَّى وحدَه.
577 -
مسألة: (فَإنْ صَلَّى فَذًّا رَكْعَة، لَمْ تَصِحَّ)
لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-:12
.................................. «لَا صَلَاةَ لِفَردٍ [خَلْفَ الصَّفِّ] 1». رَواه الأثْرَمُ 2.
وَإنْ رَكَعَ فَذًّا ثُمَّ دَخَلَ في الصَّفِّ، أوْ وَقَفَ مَعَهُ آخَرُ قَبْلِ رَفعِ الإِمَامِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ رَفَعَ وَلَمْ يَسْجُدْ صَحَّتْ.
وَقِيلَ: إنْ عَلِمَ النَّهْىَ لَمْ تَصِحَّ، وَانْ فَعَلَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ تَصِحَّ.
578 - مسألة: (وَإنْ رَكَعَ فَذًّا ثُمَّ دَخَلَ في الصَّفِّ، أوْ وَقَفَ مَعَهُ آخَرُ قَبْلِ رَفعِ الإِمَامِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ رَفَعَ وَلَمْ يَسْجُدْ صَحَّتْ.
وَقِيلَ: إنْ عَلِمَ النَّهْىَ لَمْ تَصِحَّ، وَإنْ فَعَلَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ تَصِحَّ)
عَن رَكَع دونَ الصَّفِّ، ثم دَخَل في الصف، لم يَخْلُ مِن ثلاثَةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن يُصَلى رَكْعَةً ثم يَدْخلَ، فلا تَصح صلاته؛ لِما ذَكرنا.
الثَّاني، أن يَمْشِيَ وهو راكِعٌ، ثم يَدْخُلَ في الصَّف قبلَ رَفْعِ الإمامِ رَأْسَهُ مِن الرُّكُوعِ، أو يَأتِيَ آخَرُ فيَقِفَ معه قبلَ رَفْعِ الإمامِ رَأسَه، فتَصِحُّ صلاتُه؛ لأنَّه أدْرَك مع الإمامِ في الصَّفِّ ما يُدْرِكُ به الرَّكْعَةَ.
وممَّن رَخَّصَ في ذلك زَيْدُ بنُ ثابِتِ.
وفعَلَه ابنُ مسعودٍ، وزَيْدُ بنُ وَهْبٍ، وعُرْوَةُ، وسَعِيدُ بن
..................................
جُبَيْرٍ.
وجَوَّزَه الزُّهْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، إذا كان قَرِيبًا من الصَّفِّ.
الحالُ الثَّالِثْ، أن لا يَدخُلَ في الصَّفِّ إلَّا بعدَ رَفْعِ الإمام رَأْسَه مِن الرُّكُوعِ، أو يقِفَ معه آخَرُ في هذه الحالِ، ففِيه ثَلاثُ رواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، تَصِحُّ صلاتُه.
وهذا مَذْهَبُ مالكٍ، والشافعيِّ؛ لأنَّ أَبا بكرَةَ فَعَل ذلك، وفَعَلَه مَن ذَكَرْنا مِن الصَّحَابَةِ، ولأنَّه لم يُصَلِّ رَكْعَةً كامِلَةً، أشْبَه ما لو أدْرَك الرُّكوعَ.
والثّانِيَةُ، تَبْطُلُ صلاتُه بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّه لم يُدْرِكْ في الصَّفِّ ما يُدْرِكُ به الرَّكْعَةَ، أشْبَه ما لو صَلَّى رَكعَةً كامِلَةً.
والثّالِثَةُ، أنَّه إن كان جاهِلًا بتَحْرِيمِ ذلك، صَحَّتْ صلاتُه، وإلَّا لَزمَتْه الإعادَةُ.
..................................
اخْتارَها الخِرَقِيُّ؛ لِما رُوِيَ أنَّ أَبا بَكْرَةَ انْتَهَى إلى النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- وهو راكِعٌ، فرَكعَ قبلَ أن يَصِلَ إلى الصَّفِّ، فذَكَرَ ذلك للنبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فقال: «زَادَكَ اللهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ».
رَواه البُخَارِيّ 1. فلم يَأمُرْه بإعادَةِ الصلاةِ، ونَهاه عن العَوْدِ، والنَّهْىُ يَقْتَضِي الفَسادَ.
ولم يُفَرِّقِ القاضِيّ والخرَقِيُّ في هذه المَسْألةِ بينَ مَن دَخَل قبلَ رَفْعِ رَأسِه مِن الرُّكُوع أو بعدَ الرَّفْعِ، وذلك مَنْصُوصُ أحمدَ.
والدَّلِيلُ يَقْتَضِي التَّفْرِيق، فيُحْمَلُ كلامُهم عليه، وقد ذَكَرَه أبو الخَطّابِ على نحْوِ ما ذَكَرْنا.
..................................
فصل: فإن فَعَل ذلك لغوِ عُذْرٍ، ولا خَشِيَ الفَواتَ لم تَصِحَّ صلاتُه، في أحَدِ الوَجْهَيْن؛ لأنَّه فاتَه ما تَفُرتُه الرَّكْعَةُ بفَواتِه، وإنَّما أَبِيحَ للمَعْذُورِ، لحَدِيثِ أبي بَكْرَةَ، فيَبْقَى فيما عداه على قَضِيَّةِ الدَّلِيلِ.
والثّانِي تَصِحُّ؛ لأنَّ المَوْقِفَ لا يَخْتَلِفُ بخِيفَةِ الفَواتِ وعَدَمِه؛ لو فَاتَتْه الرَّكْعَةُ كلُّها.
فصل: السُّنَّةُ أن يَتَقَدَّمَ في الصَّفِّ الأوَّلِ أَو لُو الفَضْلِ، [والسِّنِّ] 1، وأن يَلِيَ الإمامِ أكْمَلُهم وأفْضَلُهُم.
قال أحمدُ: يَلِي الإمامَ الشُّيُوخُ وأهلُ القُرْآنِ، ويُؤخَّرُ الصِّبْيانُ والغِلْمانُ؛ لِما روَى أبو مَسْعودٍ 2 الأنصارِيُّ، قال: كان رسِولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «لِيَلِنِي مِنْكُم أُولُو الأحْلَامِ والنُّهَى، ثم الَّذِينَ يَلُونَهُم، ثم الَّذِين يَلُونَهُمْ».
وقالَ أبو سعِيدٍ: إنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- رَأى في أصحابِه تَأَخُّرًا، فقال: «تَقَدَّموا فَائْتَمُوا بى، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، ولا يَزَالُ قَوْمْ يَتَأخَّرونَ حتَّى يُؤَخِّرَهُمُ الله عَزَّ وَجَل».
رَواهما أبو
..................................
داودَ 1. وعن قَيْسِ بنِ عُبادٍ، قال: أَتَيْتُ المَدِينَةَ لِلِقاءِ أصحابِ رسول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، [فأُقِيمَتِ الصلاةُ، وخَرَجَ عمرُ مع أصْحابِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-] 2، فقُمْتُ في الصَّفِّ الأوَّلِ، فجاءَ رَجُلٌ فنَظَرَ في وُجُوهِ القَوْمِ، فعَرَفَهُم غيرِي، فنَحّانِي وتام في مَكانِي، فما عَقَلْتُ صلاِتى، فلمَّا صَلَّى قال: يَا بُنَيَّ لا يَسُؤْكَ اللهُ، فإنِّي لم آتِ الَّذي أتيْتُ بجَهالَةِ، ولكنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال لنَا: «كونُوا في الصَّفِّ الَّذي يَلينِي».
وإنِّي نَظَرْتُ في وُجُوهِ القَوْمِ فعَرَفْتُهُم غيرَك.
وكان الرَّجُلُ أبَيَّ بنَ كعبٍ.
رَواه أحمدُ، والنَّسائِيُّ 3.
..................................
فصل: والصَّفُّ الأوَّلُ أفْضَلُ للرِّجالِ، والنِّساءُ بالعَكْس؛ لقَوْلِ رسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «خَيْرُ صُفوفِ الرِّجالِ أوَّلُهَا، وشَرُّهَا آخِرُهَا، وخَيْرُ صُفُوفِ النَّسَاء آخِرُهَا، وشَرُّهَا أوَّلُهَا».
رَواه أبو داودَ 1. وعن أنَسٍ، أنّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «أتمُّوا الصَّفّ الأوَّلَ، فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ في الصَّفِّ الْآخِرِ».
رَواه أبو داوُدَ 2. وعن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ.
قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «الصَّفُّ الأوَّلُ عَلَى مِثْلِ صَفِّ الْمَلَائِكَةِ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ فَضِيلَتَهُ لَابتدَرْتُمُوهُ».
رَواه الإمامُ أحمدُ 3. ومَيامِنُ الصُّفُوفِ أفْضَلُ؛
وَإِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ يَرَى مَنْ وَرَاءَ الْإمَامِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ، إذَا اتَّصَلَتِ الصُّفُوفُ، وَإِنْ لَمْ يَرَ مَنْ وَرَاءَهُ لَمْ تَصِحَّ.
وَعَنْهُ، تَصِحُّ إذَا كَانَا في الْمَسْجِدِ.
لقَوْلِ عائشةَ، رَضِيَ الله عنها: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى مَيَامِنِ الصُّفُوفِ».
رَواه أبو داودَ (1).
ويُسْتَحَبُّ أن يَقِفَ الإمامُ في مُقابَلَةِ وَسَطِ الصَّفِّ؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «وَسِّطُوا الإمَامَ وَسُدُّوا الْخَلَلَ» [رَواه أبو داودَ] (2).
579 -
مسألة: (وإذا كان المَأَمُومُ يَرَى مَن وراءَ الإِمامِ صَحَّتْ صلاتُه، إذا اتَّصَلَتِ الصُّفُوفُ. وإن لم يَرَ مَن وراءَه تَصِحَّ، وعنه، تَصِحُّ إذا كانا 3 في المَسْجِدِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا كان الإمامُ والمَأْمُومُ12
..................................
في المَسْجدِ لم 1 يُعْتَبَرِ اتِّصالُ الصُّفُوفِ.
قال الآمِديُّ: لا خِلافَ في المَذْهبِ، أنَّه إذا كان في أقْصَى المَسْجِدِ، وليس بينَه وبينَ الِإمامِ ما يَمْنَعُ الاسْتِطْراقَ والمُشاهَدَةَ، أنَّه يَصِحُّ اقْتِداؤُه به، وإن لم تَتَصِلِ الصُّفُوفُ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ وذلك لأنَّ المَسْجِدَ بُنِيَ للجَماعَةِ، فكلُّ مَن حَصَل فيه فقد حَصَل في مَحَلِّ الجَماعَةِ.
فإن كان المأمُومُ خارِجَ المَسْجِدِ، أو كانا جَمِيعًا في غيرِ المَسْجِدِ، صَحَّ أن يَأتَمَّ به، بشَرْطِ إمْكانِ المُشاهَدَةِ واتِّصالِ الصُّفُوفِ، وسَواءٌ كان المأمُومُ في رَحْبَةِ 2
..................................
المَسْجِدِ، أو في دارٍ، أبي على سَطْحٍ والإمامُ على سَطْحٍ آخَر، أو كانا 1 في صَحْراءَ، أو في سَفِينَتَيْن.
وهذا مَذْهبُ الشافعيِّ، إلَّا أنَّه يُشْتَرِطُ أن لا يكونَ بَيْنَهما ما يَمْنَعُ الاسْتِطْراقَ، في أحَدِ القَوْلَيْن.
ولَنا، أنَّ هذا لا تَأثِيرَ له في المَنْع مِن 2 الاقْتِداءِ بالإمامِ، ولم يَرِدْ فيه نَهْىٌ، ولا هو في مَعْنَى ذلك، فلم يَمْنَعْ صِحةَ الائْتِمامِ به، كالفَصْلِ اليَسِيرِ.
إِذا ثَبَت هذا، فإنَّ مَعْنَى اتِّصالِ الصُّفُوفِ أن لا يكونَ بينَهما بُعْدٌ لم تَجْرِ العادَةُ به، بحيث يَمْنَعُ إمكانَ الاقْتِداءِ.
وحُكِيَ عن الشافعيِّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه حَدَّ الاتِّصالَ بما دُونَ ثَلاِثِمائَةِ ذِراعٍ.
والتَّحْدِيداتُ بابُها التَّوْقِيفُ، ولا نَعْلَمُ في هذا نَصًّا ولا إجْماعًا يُعْتَمَدُ عليه، فوَجَبَ الرُّجُوعُ فيه إلى العُرْفَ، كالتَّفَرُّقِ، والإحْرازِ.
..................................
فصل: فإن كان بينَ المأمُوم والإمام حائِلٌ يَمْنَعُ رُؤْيَةَ الإمام ومَن وراءَه، فقال ابنُ حامِدٍ: فيه رِوايَتان؛ إحداهما، لا يَصِحُّ الائتِمامُ به.
اخْتارَه القاضي؛ لأنَّ عائشةَ قالت لنِساءٍ كُنَّ يُصَلينَ في حُجْرَتِها: لا تُصَلِّين
..................................
بصلاةِ الإمامِ، فإنَّكُنَّ دُونَه في حِجابٍ 1. ولأنَّه لا يُمْكِنُه الاقْتِداءُ به في الغالِبِ.
والثَّانِيَةُ، تَصِحُّ.
قال أحمدُ، في رجلٍ يُصَلِّيِ خارِجَ المَسْجِدِ يومَ الجُمُعَةِ وأَبْوابُ المسجدِ مُغْلَقَةٌ: أرجُو أن لا يكون به بَأسٌ.
وذلك لأنَّه يُمْكِنُه الاقْتِداءُ بالإمامِ، فصَحَّ عِن غيرِ مُشاهَدَةٍ، كالأعْمَى، ولأنَّ المُشاهَدَةَ تُرادُ للعِلْمِ بحالِ الإمامِ، والعلمُ [يَحْصُلُ بسَماعِ] 2 التَّكبِيرِ،
..................................
فجرَى مَجْرَى الرُّؤْيَةِ.
وعنه، أنَّه يَصِحُّ إذا كان في المَسجِدِ دُونَ غيرِه؛ لأنَّ المَسْجِدَ مَحَلُّ الجَماعَةِ، وفي مَظِنَّةِ القُرْبِ، ولأنَّه لا يُشْتَرَطُ فيه اتِّصالُ الصُّفُوفِ لذلك، فجازَ أن لا تُشْتَرَطَ الرُّؤْيَةُ.
واخْتارَ شيخُنا 1 التَّساوِيَ فيهما؛ لاسْتوائِهما في المَعْنَى المُجَوِّزِ أو المانِعِ، فوَجَبَ اسْتِواؤهما في الحُكْمِ.
وإنَّما صَحَّ مع عَدَمِ المُشاهَدَةِ، بشَرْطِ 2 أن يَسْمَعَ التَّكْبِيرَ، فإن لم يَسْمَعْه لم يَصِحَّ ائتِمامُه بحالٍ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه الاقْتِداءُ.
فصل: وكلُّ مَوْضِع اعْتَبَرْنا المُشاهَدَةَ، فإنَّه يَكْفِي مُشاهَدَةُ مَن وراءَ الإِمامِ؛ مِن بابٍ أمامَه أو 3 عن يَمِينِه أو عن يَسارِه، ومُشاهَدَةُ طَرَفِ
..................................
الصَّفِّ الَّذي وراءَه؛ لأنَّه يُمْكِنُه الاقْتِداءُ بذلك.
وإن حَصَلَتِ المُشاهَدَةُ في بَعْضِ أحْوالِ الصلاةِ كَفاه في الظّاهِرِ؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، قالت: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي مِن اللَّيْلِ، وجِدارُ الحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فرَأى النَّاسُ شَخْصَ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي، فقامَ أُناسُ يُصَلُّون بصلاتِه.
والحديثُ رَواه البخاريُّ 1. والظّاهِرُ أنَّهم كانُوا يَرَوْنَه في حالِ قِيامِه.
..................................
فصل: فإن كان بَيْنَهما طَرِيقٌ أو نَهْرٌ تَجْرِي فيه السُّفُنُ، أو كانا في سَفينَتَيْن مُتَفرِّقَتَيْن، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَصِحُّ.
اخْتارَه أصحابُنا.
وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الطَّرِيقَ ليست مَحَلًّا للصلاةِ، أشْبَهَ ما يَمْنَعُ الاتِّصالَ.
والثّانِي، يَصِحُّ.
اخْتارَه شيخُنا 1. وهو مَذْهَبُ مالكٍ، والشافعيِّ؛ لأنَّه لا نَصَّ في مَنْع ذلك، ولا إجْماعَ، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ، لأنَّه لا يَمْنَعُ الاقْتِداءَ، والمُؤثِّرُ في المَنْع ما يَمْنَعُ الرُّؤيَةَ أو سَماعَ الصَّوْتِ، وليس هذا بواحِدٍ منهما.
قولُهم 2: إن ما بَيْنَهما ليس مَحَلًّا للصلاةِ.
مَمْنُوعٌ، وإن سُلِّمَ في الطَّرِيقِ، فلا يَصِحُّ في النَّهْرِ، بدَلِيلِ صِحَّةِ الصلاةِ عليه في السَّفِينَةِ، وحالَ جُمُودِه.
ثم كَوْنُه ليس مَحَلًّا للصلاةِ إنَّما يُؤثِّرُ مَنْع الصلاةِ فيه، أمَّا في صِحَّةِ الاقْتِداء بالإمامِ فتَحَكُّمٌ مَحْضٌ، لا يَلْزَمُ الحَصِيرُ إليه.
فأمَّا إن كانت صلاةَ 3 جُمُعَةٍ أو عِيدٍ أو جِنازَةٍ، لم يُؤثِّرْ ذلك فيها؛ لأنَّها تَصِحُّ في الطَّرِيقِ، وقد صَلَّى أنَسٌ في مَوْتِ حُمَيْدِ ابن عبدِ الرَّحْمَنِ بصلاةِ الإمامِ، وبينَهما طَرِيقٌ 4. واللهُ أعلمُ.
وَلَا يَكُونُ الإِمَامُ أعْلَى مِنَ الْمَأمُومِ، فَإنْ فَعَلَ وَكَانَ كَثِيرًا، فَهَلْ تَصِحُّ صَلَاتُه؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
580 - مسألة: (وَلَا يَكُونُ الإِمَامُ أعْلَى مِنَ الْمَأمُومِ، فَإنْ فَعَلَ وَكَانَ كَثِيرًا، فَهَلْ تَصِحُّ صَلَاتُه؟ عَلَى 1 وَجْهَيْنِ) يُكرَهُ أن يكونَ الإمامُ أعْلَى مِن المَأمُومِ في ظاهِرِ المَذْهَبِ، سَواءٌ أراد تَعْلِيمَهم أو لم يُردْ. وهذا قَوْلُ مالكٍ، والأوزاعِيِّ، وأصحاب الرَّأْيِ. ورُوِيَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه لا يُكرَهُ. واخْتارَ الشافعيُّ للإمامِ الَّذي يُعَلِّمُ مَن خَلْفَه أن يُصَلِّيَ على الشئِ المُرْتَفِع، ليَراه مَن خَلْفَه، ليَقْتَدُوا به؛ لِما روَى سَهْلُ بنُ سَعْدٍ، = من كتاب الصلاة. السنن الكبرى 3/ 111.
..................................
قال: لقد رَأيْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قام عليه، يعْنِي المِنْبَرَ، فكَبَّرَ، وكَبَّرَ النَّاسُ وراءَه، ثم رَكع وهو على المِنْبَرِ، ثم رَفَع ونَزل القَهْقَرَى، حتَّى سَجَد في أصْلِ المِنْبَرِ، ثم عاد حتَّى فَرَغ مِن آخِرِ صلاتِه، ثِم أقْبَلَ على النَّاس فقال: أيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا فَعَلْتُ هَذَا لِتَأتَمُّوا بِي، وَلِتَعَلَمُوا صَلَاِتى».
مُتَّفَقٌ عليه 1. ولَنا، ما رُوِيَ أنَّ 2 عَمّارَ بنَ ياسِرٍ، صَلَّى بالمَدائِنِ، فتَقَدَّمَ فقامَ على دُكانٍ، والنَّاسُ أسْفل منه، فتَقَدَّمَ حُذيْفَةُ فأخَذَ بيَدِه، فاتَّبَعَه عَمّارٌ حتَّى أنْزَلَه حُذَيْفَةُ، فلَمّا فَرَغ مِن صلاتِه، قال له حُذَيْفَةُ: ألم تَسْمَعْ رسول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقُولُ: «إِذَا أمَّ الرَّجُلُ القَوْمَ، فَلَا يَقُومَنَّ في مَكَانٍ أرْفعَ.
مِن مَقَامِهِمْ؟» قال عَمَّار: فلذلك اتِّبَعْتُك حينَ أخَذْتَ على يَدَيَّ.
رَواه أبو داودَ 3. ولأنَّه يَحْتاجُ أن يَقْتَدِيَ بإمامِه، فيَنْظُرَ رُكُوعَه وسُجُودَه، فإذا كان أعْلَى منه احْتاجَ إلى رَفْعِ بَصَرِه إليه، وذلك مَنْهِيٍّ عنه في الصلاةِ.
..................................
فأمَّا حديثُ سَهْلٍ، فالظَّاهِرُ أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان على الدَّرَجَةِ السُّفْلَى؛ لِئَلَّا يَحْتاجَ إلى عَمَلٍ كَثِير في الصُّعُودِ والنُّزُولِ، فيَكُونُ ارْتِفاعًا يَسِيرًا لا بَأسَ به، جَمْعًا بينَ الأخْبارِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَخْتَصَّ ذلك بالنبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، لأنَّه فَعَل شيئًا ونَهَى عنه، فيكونُ فِعْلُه لنَفْسِه، ونَهْيُه لغَيْرِه، [ولذلك] 1 لا يُسْتَحَبُّ لغيرِه عليه السلامُ.
ولأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- ولم يُتِمَّ الصلاةَ على المِنْبَرِ، فإنَّ سُجُودَه وجُلُوسَه إنَّما كان على الأرض، بخِلافِ ما اخْتَلَفْنا فيه.
فصل: ولا بَأسَ بالعُلُوِّ اليَسِيرِ، كدَرَجَةِ المِنْبَرِ ونَحْوِها؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ سَهْل، ولأنَّ النَّهْىَ مُعَلَّلٌ بما يُفْضِي إليه مِن رَفْعِ البَصَرِ في الصلاةِ، وهذا يَخْتَصُّ الكَثِيرَ.
..................................
فصل: فإن كان العُلُو كَثيرا، أُبْطَلَ الصلاةَ في قَوْلِ ابنِ حامِدٍ.
وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ؛ لأنَّ النَّهْىَ يَقتَضِي فَسادَ المَنْهِيِّ عنه.
وقال القاضي: لا تَبْطُلُ.
وهو قولُ أصْحَابِ الرَّأى؛ لأنَّ عَمّارًا أتَمَّ صلَاته، ولو كانت فاسِدَةً لَاسْتَأْنَفَها، ولأنَّ النَّهْىَ مُعَلَّلٌ بما يُفْضِي إليه مِن رَفْع البَصَرِ، وهو لا يُبطِلُ الصلاةَ، فسَبَبُه أوْلَى.
فصل: فإن كان مع الإمام مَن هو مُساوٍ له، ومَن هو أسْفَلُ منه، اخْتَصَّتِ الكَراهةُ بمَن هو أسْفَلُ مَنه، لوُجُودِ المَعْنَى فيهم خاصَّةً.
ويَحْتَمِلُ أن يَتَناوَلَ النَّهْىُ الإمامَ، لكَوْنِه مَنْهيًّا عن القِيامِ في مَكانٍ أعْلَى مِن مَقامِهم.
فعلى هذا الاحْتِمالِ تَبْطُلُ صلاةُ الجَمِيع عندَ مَن أَبْطَلَ الصلاةَ بارْتِكابِ النَّهْيِ.
فصل: فإن كان المَأمُومُ أعْلَى مِن الإِمامِ، كالذى على سَطحِ المَسجدِ، أو رَفٍّ أو دِكَّةٍ عالِيةٍ، فلا بَأسَ؛ لأنَّه رُوِيَ عن أبي هُرَيْرَة، أنَّه صَلَّى بصلاةِ الإِمامِ على سَطْحِ المَسْجِدِ 1. وفَعَلَه سالِمٌ.
وبه قال
وَيُكْرَهُ لِلْإمَامِ أنْ يُصَلِّيَ في طَاقِ الْقِبْلَةِ، أوْ يَتَطَوَّعَ في مَوْضِعِ الْمَكْتُوبَةِ، إلَّا مِنْ حَاجَةٍ.
الشَّافعيّ، وأصحابُ الرَّأيِ.
وقال مالكٌ: يُعِيدُ إذا صَلَّى الجُمُعَةَ فوقَ سَطْح المسجدِ بصلاةِ الإمامَ.
ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن فِعْلِ أبي هُرَيْرَةَ، ولأنَّه يُمْكِنُه الاقْتِداءُ بإمامِه، أشْبَهَ المُتَساوِيَيْن، ولأنَّ عُلُوَّ الإمامِ إنَّما كُرِهَ لحاجَةِ المأَمُومِين إلى رَفْع البَصَرِ المَنْهِيِّ عنه، وهذا بخِلافِه.
581 -
مسألة: (وَيُكْرَهُ لِلْإمَامِ أنْ يُصَلِّيَ في طَاقِ الْقِبْلَةِ، أنْ يَتَطَوَّعَ في مَوْضِعِ الْمَكْتُوبَةِ، إلَّا مِنْ حَاجَةٍ)
يُكْرَهُ للإمام أن يَدْخُلَ 1 في طاقِ القِبْلَةِ.
كَرِهَ ذلك ابنُ مسعودٍ، وعَلْقَمَةُ، والأَسْوَدُ؛ لأنَّه يَسْتَتِرُ 2 عن بَعْضِ المَأمومين، فيُكْرَهُ؛ لو كان بينَه وبينَهم حِجابٌ.
وفَعَلَه سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وأبو عبدِ الرَّحمن السُّلَمِيُّ 3. فأمّا إن كان لحاجَةٍ، ككوْنِ المَسْجدِ ضَيِّقًا، لم يُكْرَهْ للحاجَةِ إليه.
..................................
فصل: ويُكْرَهُ للإمامِ أن يَتَطَوَّعَ في مَوْضِعِ المَكْتُوبَةِ.
نَصَّ عليه أحمدُ، وقال 1: كذا قال عليُّ بنُ أبي طالب، رَضِيَ اللهُ عنه.
فأمّا المَأمومُ فلا بَأسَ أن يَتطَوَّعَ مَكانَه، فَعَل ذلك ابن عُمَرَ.
وبه قال إسحاقُ.
ورُوِيَ عن المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «لَا يَتَطَوَّع الإمَامُ في مَكانِهِ الذِي يُصَلِّي فِيهِ بِالناسِ».
رَواه أبو داودَ 2. إلَّا أنَّ أحمدَ قال: لا أعْرِفُ ذلك عن غيرِ عليٍّ.
وَيُكْرَهُ لِلْمَأمُومِينَ الْوُقُوفُ بَيْنَ السَّوَارِي إذَا قَطَعَتْ صُفُوفَهُمْ.
582 - مسألة: (وَيُكْرَهُ لِلْمَأمُومِينَ الْوقُوفُ بَيْنَ السَّوَارِي إذَا قَطَعَتْ صُفُوفَهُمْ)
وكَرِه ذلك ابنُ مسعودٍ، والنَّخَعِيُّ [وابنُ عباسٍ وحُذَيْفَةُ] 1. ورَخَّصَ فيه ابنُ سِيرِينَ، ومالكٌ، وأصحابُ الرَّأيِ، وابنُ المُنْذِرِ.
ولَنا، ما روَى مُعاوِيَةُ بنُ قُرَّةً، عن أَبيه، قال: كُنَّا نُنْهَى أن نَصُفَّ بينَ السُّوارِي على عَهْدِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وتُطْرَدُ عنها طَرْدًا.
رَواه ابنُ ماجه 2. فإن كان الصَّفُّ صَغِيرًا لا يَنْقَطِعُ بها لم يُكْرَهْ؛ لعَدَمِ ما يُوجِبُ الكَراهَةَ.
ولا يُكْرَه ذلك للإمامَ.
وَيُكْرَهُ لِلْإمَامِ إطَالَةُ الْقُعُودِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ.
583 - مسألة: (ويُكْرَهُ للإمامِ إطالَةُ القُعُودِ بعدَ الصلاةِ، مُسْتَقِبلَ القِبْلَةِ)
لِما رَوَتْ عائشةُ، قالت: كان رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا سَلَّمَ لم يَقْعُدْ إلَّا مِقْدارَ ما يقولُ: «اللَّهُم أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتُ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَام».
رَواه ابنُ ماجه 1. ولأنَّه لا يُسْتَحَبُّ للمَأْمُومين الانصِرافُ قبلَ الإمامِ، فإذا أطال الجُلُوسَ شَقَّ عليهم.
فإن لم يَقُم اسْتُحِبَّ أن يَنْحَرفَ عن قِبْلَتِه؛ لِما رُوِيَ عن سَمُرَةَ، قال: كان رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا صَلَّىَ صلاةً أقْبَلَ علينا بوَجْهِه.
أخْرَجَه البخاريُّ 2. وعن عليٍّ، رَضىَ اللهُ عنه، أنَّه صَلَّى بقَومٍ العصرَ، ثم أسْنَد ظَهْرَه إلى القِبْلَةِ فاسْتَقْبَل القَوْمَ.
رَواه الأثْرَمُ.
قال الأثرَمُ: رَأيْتُ أَبا عبدِ الله إِذا سَلَّمَ يَلْتَفِتُ ويَتَرَبَّعُ.
قال أبو داودَ: رَأْيْتُه إذا كان إمامًا فسَلَّمَ انْحَرَفَ عن يَمِينِه.
وروَى جابرُ بنُ سَمُرَةَ، قال: كان رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا صَلَّى الفَجْرَ تَرَبَّعَ في مَجْلِسِه
فَإنْ كَانَ مَعَهُ نِسَاءٌ، لَبِثَ قَلِيلًا لِيَنْصَرِفَ النِّسَاءُ.
حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حسَنًا (1). وفي لَفْظٍ: كان إذا صَلَّى الفَجْرَ جَلَس في مُصَلّاه حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ.
رواه مسلمٌ (2).
584 -
مسألة: (فإن كان معه نِساءٌ، لَبِثَ قَلِيلًا ليَنْصَرِف النِّساءُ)
لِما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، قالت: إنَّ النِّساءَ كُنَّ إذا سَلَّمْنَ مِن المَكْتُوبَةِ قُمْنَ، وثَبَت رسول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- ومَن صَلَّى مِن الرِّجالِ ما شاء اللهُ، فإذا قام رسول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قام الرِّجالُ.
قال الزُّهْرِيُّ: فنَرَى ذلك، واللهُ أعلمُ، أنَّ ذلك لكى يَنْفُذَ مَن يَنْصَرِفُ مِن النِّساءِ.
رَواه البخاريُّ 3. ويُسْتَحَبُّ للنِّساءِ أن لا يَجْلِسْنَ بعدَ الصلاةِ، لذلك، ولأنَّ الإخْلالَ به مِن أحَدِ الفَرِيقَيْن يُفْضى إلى اخْتِلاطِ الرجالِ بالنِّساءِ.
ويُسْتَحَبُّ للمَأْمُومين أن لا يَقُومُوا قبلَ الإِمامِ؛ لِئَلاَّ يَذْكُرَ سَهْوًا فيَسْجُدَ، وقد قال النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنِّي إِمَامُكمْ، فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بالقِيَامِ، وَلَا بِالانْصِرَافِ».
رَواه مسلمٌ 4. إلَّا أن يُخالِفَ الإمامُ السُّنَّةَ في إطالَةِ الجُلُوس، أو يَنْحَرِفَ، فلا بَأْسَ ذلك.
فصل: ويَنْصرِفُ الإمامُ حيث يشاء، عن يَمين وشِمالٍ؛ لقَوْلِ ابنِ12
وَإذَا صَلَّتِ الْمَرْأَة بِالنِّسَاءِ، قَامَتْ وَسَطَهُنَّ في الصَّفِّ.
مسعودٍ: لا يَجْعَلْ أَحَدُكم للشَّيْطانِ حَظًّا مِن صَلاتِه، يَرَى أنَّ حَقًا عليه أن لا يَنْصَرِفَ إلَّا عن يَمينِه، لقد رَأَيْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أكْثَر ما يَنْصَرِفُ عن شِمالِه.
رَواه مسلمٌ (1). وعن هُلْبٍ (2)، أنَّه صَلَّى مع النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فكانَ يَنْصَرِفُ عن شِقَّيْه.
رَواه أبو داودَ (3).
585 -
مسألة: (وإن أَمْتِ امرأةٌ نِساءٍ، قامَتْ وَسَطَهُنَّ في الصَّفِّ)
اخْتَلَفَتِ الروايَةُ، هل يُسْتَحَبُّ للمرأةِ أن تُصلِّي بالنِّساءِ جَماعَةً؟ فعنه، أنَّه مُسْتَحَبٌّ.
يروَى ذلك عن عائشةَ، وأمِّ سَلَمَةَ، وعطاءٍ، والثَّوْريِّ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي ثَورٍ.
وعن أحمدَ، أنَّه غيرُ مُسْتَحَبٌّ وكَرِهَه أصْحابُ الرَّأْيِ.
وقال الشَّعْبِيُّ،123
..................................
والنَّخَعِيُّ، وقَتادَة: لَهُنَّ ذلك في التَّطَوُّعِ خاصَّةً.
وقال الحسنُ، وسليمانُ بنُ يَسارٍ: لا تَؤُمُّ مُطْلَقًا.
ونَحْوُه قَوْلُ مالكٍ؛ لأنَّه يُكْرَهُ لها الأذانُ، وهو دُعاءٌ إلى الجماعَةِ، فكُرِهَ ما يُرادُ له الأذانُ.
ولَنا، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أذِنَ لأُمِّ وَرقَةَ أن تَؤُمُّ أهْلَ دارِها.
رَواه أبو داودَ 1. ولأنَّهُنَّ مِن أهْلِ الفرائِضِ، أشْبَهْنَ الرِّجالَ.
وإنَّما كُرِهَ لَهُنَّ الأذانُ لِما فيه مِن رَفْعِ الصَّوْتِ، ولَسْنَ مِن أَهْلِه.
إذا ثَبَت ذلك، فإِنَّها تَقُومُ وَسَطَهُن في الصَّفِّ، لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا بينَ مَن رَأى أن تَؤُمهُنَّ؛ لأن ذلك يُرْوَى عن عائشةَ، وأمِّ سَلَمَةَ 2. رَواه سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ، عن أُمِّ سَلَمَةَ.
ولأنَّ المرْأةَ يُسْتَحَبُّ لها التَّسَتُّرُ، ولذلك لا يُسْتَحَبُّ لها التَّجافِي، وكوْنُها في وَسَطِ الصَّفِّ أسْتَرُ لها، فاسْتُحِبَّ لها كالعُرْيانِ.
فإن صَلَّتْ بينَ أيْدِيهِنَّ احْتَمَلَ أن يَصِحَّ؛ لكَوْنِه مَوْقِفًا في الجُمْلَةِ للرجلِ.
واحْتَمَلَ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّها خالَفَتْ مَوْقِفَها، أشْبَهَ ما لو خالَفَ الرجلُ مَوْقفَه.
فإِن أمَّتِ امرأةً واحِدَةً،
فَصْلٌ: وَيُعْذَرُ في تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، الْمَرِيضُ،
قامَتْ عن يَمِينِها، كالمَأمُومِ مِن الرِّجالِ، وإن وَقَفتْ خَلْفَها جازَ؛ لأنَّ المرأة يَجُوزُ وُقُوفُها وَحْدَها، بدَلِيلِ حديثِ أنسٍ (1).
فصل: وتَجْهَرُ في صلاةِ الجَهْرِ قياسًا على الرجلِ، فإن كان ثَمَّ رجالٌ لم تَجْهَرْ، إلَّا أن يَكُونُوا مِن مَحارمِها، فلا بَأسَ به.
والله أعلمُ.
586 -
مسألة: (ويُعْذَرُ في ترْكِ 2 الجُمُعَةِ والجَماعَةِ، المَرِيضُ) قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ خلافًا بينَ أهْلِ العِلْمِ، أنَّ للمَرِيضِ أن يَتَخَلَّفَ عن الجماعاتِ مِن أجْلِ المَرَضِ. وقد روَى ابنُ عباس، عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال: «مَنْ سَمِعَ النِّداءَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ اتِّباعِهِ عُذْرٌ». قالُوا: وما العُذْرُ يَا رسولَ اللهِ؟ قال: «خَوْفٌ [أو مَرَضٌ] 3. لم تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّى». رَواه أبو داودَ 4. وقد كان بلالٌ يُؤَذِّنُ بالصلاةِ،1
وَمَنْ يُدَافِعُ أَحدَ الأخْبَثَيْنِ، أو بِحَضْرَةِ طَعَام هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ».
ثم يَأْتِي النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- وهو مَرِيضٌ، فيقولُ: «مُرُوا أبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» (1).
587 -
مسألة: (ومَن يُدافِعُ أحَدَ الأخْبَثَيْن، أو بحَضْرَةِ طَعامٍ هو مُحْتاجٌ إليه)
لِما رَوَتْ عائشةُ، قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُ الأخْبَثَيْنِ».
رَواه مسلمٌ 2. وسَواءٌ خاف فَواتَ الجماعَةِ أو لم يَخَفْ؛ لقَوْلِه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا حَضَرَ العَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فابْدَأْوا بالعَشَاءِ».
رَواه مسلمٌ 3.1
وَالْخَائِفُ مِنْ ضيَاعِ مَالِهِ، أوْ فَوَاتِهِ، أوْ ضَرَرٍ فِيهِ، أوْ مَوْتِ قَرِيبهِ، أوْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ضَرَرٍ، أوْ سُلْطَانٍ، أَوْ مُلَازَمَةِ غَرِيمٍ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ،