..................................
ذُنوبِهم، ويَتَوَقَّى بجُهدِه الضّربَ، وإذا كان صَغِيرًا لا يَعقِلُ فلا يَضْرِبْه.
ومَن 1 ضَرَب مِن هؤلاء كُلِّهم الضَّربَ المَأذُونَ فيه، لم يَضْمَنْ ما تَلِفَ.
وبهذا في الدّابَّةِ قال مالكٌ، والشافعي، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو يوسُفَ، ومحمد.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ: يَضْمَنُ؛ لأنه تَلِفَ بجِنايته، فضَمِنَ، كغيرِ المُسْتأجِرِ.
وكذلك قال الشافعيُّ في المُعَلمِ يَضْرِبُ الصَّبِيَّ؛ لأنَّه يُمكِنُه تَأدِيبُه بغيرِ الضربِ.
ولَنا، أنَّه تَلِفَ مِن فِعل مُسْتَحَقٍّ، فلم يَضْمَنْ، كما لو تَلِفَ تحتَ الحملِ، ولأنَّ الضَّربَ مَعنًى تَضَمَّنَه عَقْدُ 2 الإجارَةِ، فإذا تَلِفَ منه لم يَضْمَنْ، كالرُّكُوبِ.
وفارَق غيرَ المُسْتأجِرِ؛ لأنه مُتَعد.
وقولُ الشافعيِّ: يُمكِنُ التَّأدِيبُ بغيرِ الضَّربِ.
لا يَصِحُّ، فإنَّ العادَةَ خِلافُه، ولو أمكَنَ التّأدِيبُ بدُونِ 3 الضّربِ، لَما جازَ الضَّربُ، إذْ فيه إيلام لا حاجَةَ إليه.
فإن أسْرَفَ في هذا كلِّه، أو زادَ على ما يَحصُلُ الغِنَى به، أو ضَرَب مَن لا عَقْلَ له مِن الصِّبْيانِ، فعليه الضَّمانُ؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ حَصَلَ التَّلَفُ بعُدوانِه.
وحُكْمُ ضَربِ الرَّجُلُ (امرأتَه في النُّشُوزِ) على ما ذَكَرنا، قِياسًا على الصَّبِيِّ.
وَإنْ قَال: أذِنْتَ لِي فِي تَفْصِيلهِ قَبَاءً.
قَال: بَلْ قَمِيصًا.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْخَيَّاطِ.
نَصَّ عَلَيهِ.
2220 - مسألة: (وإن قال: أذِنْتَ لي في تَفْصيلِه قَباءً. قال: بل قَمِيصًا. فالقولُ قولُ الخَيّاطِ. نَصَّ عليه)
إذا اخْتَلَفَ المُؤجِرُ والمُسْتأجَرُ فقال: أذِنْتَ لي في قَطْعِه قَمِيصَ امرأةٍ.
قال: بل أذِنْتُ لك في قَطعِه قَمِيصَ رَجُل.
أو قال: أذِنْتَ لي في قَطْعِه قَمِيصًا.
قال: بل قَباءً.
أو قال الصَّبّاغُ: أمَرتَنِي بصَبْغِه أخمَرَ.
قال: بل أسْوَدَ.
فالقولُ قولُ الخَيّاطِ والصَّبّاغِ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايةِ ابنِ مَنْصُور.
وهذا قولُ ابنِ أبي لَيلَى.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ: القولُ قولُ صاحِبِ الثَّوْبِ.
واخْتَلَف أصحابُ الشافعيِّ؛ فمِنْهُم مَن قال: له قَوْلانِ، كالمَذهبَينِ.
ومنهم مَن قال: له قولٌ ثالِثٌ، أنَّهما يَتَحالفان، كالمُتَبايِعَين يَخْتَلِفَانِ في الثَّمَنِ.
ومنهم مَن قال: الصَّحِيحُ أنَّ القَوْلَ قولُ رَبِّ الثَّوْبِ؛ لأنَّهما اخْتَلَفا في صِفَةِ إذْنِه، والقولُ قولُه في أصلِ الإِذْنِ، فكذلك في صِفَتِه، ولأنَّ الأصلَ عَدَمُ الإذْنِ المُخْتَلَفِ فيه، فالقولُ قولُ مَن يَنْفِيه.
ولَنا، أنَّهُما اتَّفَقا على الإِذْنِ، واخْتَلَفا في صِفَتِه، فكان القولُ قولَ المَأذُونِ
..................................
له، كالمُضارِبِ إذا قال: أذِنْتَ لي في البَيعِ نَسَاءً.
فأنْكَرَه.
ولأنَّهما اتَّفقَا على مِلْكِ الخَيّاطِ القَطْعَ، والصَّبّاغِ الصِّبْغَ.
والظاهِرُ أنَّه فَعَل ما مَلَكَه، واخْتَلَفا في لزُوم الغُرمِ له، والأصلُ عَدَمُه.
فعلى هذا، يَخلِفُ الخَيّاطُ والصَّبّاغُ: لقد أذِنْتَ لي في قَطْعِه قَبَاءً وصَبْغِه أحمَرَ.
ويَسْقُطُ عنه الغُرمُ، ويَسْتَحِقُّ أجْرَ المِثْلِ؛ لأنَّه ثَبَت وُجُودُ فِعلِه المَأذُونِ فيه بعِوَض، ولا يَسْتَحِقُّ المُسَمَّى؛ لأنَّ المُسَمَّى يَثْبُتُ بقَوْلِه ودَعواه، فلا يَجِبُ بِيَمينه، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَوْ يُعطَى النَّاسُ بِدعوَاهم لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وأموَالهُم، وَلِكنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ».
أخْرَجَه مُسْلِمٌ 1. فأمّا المُسَمَّى في العَقْدِ فإنَّما يَعتَرِفُ رَبُّ الثَّوْبِ بتَسْمِيَته أجْرًا، لِقَطْعِه قَمِيصًا، أو صَبْغِه أسْوَدَ.
وأمّا مَن قال: القَوْلُ قولُ رَب الثَّوْبِ.
فإنَّه يَحْلِفُ باللهِ: ما أذِنْتُ في قَطْعِه قَبَاءً، ولا صَبْغِه أحمَرَ.
ويَسْقُطُ عنه المُسَمَّى، ولا يَجِبُ للخَيّاطِ والصَّبّاغِ أجْر؛ لأنَّهما فَعَلا غيرَ ما أذِنَ لهما فيه.
وذَكَر ابنُ أبي موسى، عن أحمدَ رِوايةً أخْرَى، أنَّ صاحِبِ الثَّوْبِ إذا لم يَكُنْ مِمَّن 2 يَلْبَسُ الأقْبِيةَ والسَّوادَ،
..................................
فالقولُ قولُه، وعلى الصّانِع 1 غُرمُ ما نَقَص بالقَطْعِ، وضَمان ما أفْسَدَ، ولا أجْرَ له؛ لأنَّ قَرِينَةَ حالِ رَبِّ الثَّوْبِ تَدُل على صِدقِه، فتَتَرَجَّحُ دَعواه بها، كما لو اخْتلَفَ الزَّوْجانِ في مَتاعِ البَيتِ، رَجَّحنَا دعوَى كل واحدٍ منهما فيما يَصلُحُ له.
ولو اخْتَلَفَ صانِعان في الآلةِ التي في دُكّانِهما، رَجّحنا قولَ كلِّ واحد منهما في آلةِ صِنَاعَتِه.
فعلى هذا، يَخلِفُ رَبُّ الثَّوْبِ: ما أذِنْتُ لك في قَطْعِه قَبَاءً.
ويَكْفي هذا؛ لأنَّه يَنْتَفِي به الإذْنُ، فيَصِيرُ قاطِعًا لغيرِ ما أذِنَ فيه.
فإنْ كان القَباءُ مَخِيطًا بخُيُوطٍ لِمالكِه، لم يَملِكِ الخَيّاطُ فَتْقَه، وكان لِمالِكِه أخْذُه مَخِيطًا بلا عِوَض، لأنَّه عَمِلَ في مِلْكِ غيرِه عَمَلًا مُجَرَّدًا عن عَين مَملُوكةٍ له، فلم يَكُنْ له إزالته، كما لو نَقَل مِلْكَ غيرِه مِن مَوْضِع إلى مَوْضِع، لم يَكُنْ له رَدُّه إذا رَضِيَ صاحِبُه بتَركِه فيه.
كان كانت الخُيُوطُ للخَيّاطِ، فله نَزْعُها؛ لأنَّها عَينُ مالِه، ولا يَلْزَمُه أخْذُ قِيمَتِها؛ لأنَّها مِلْكُه، ولا يَتْلَفُ بأخْذِها ما لَه حُرمَةٌ.
فإنِ اتَّفَقَا على تَعويضه عنها، جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، وإن قال رَبُّ الثَّوْبِ: أنا أشُدُّ في
..................................
كلِّ خَيطٍ خَيطًا.
حتى إذا سَلَّه 1 عادَ خَيطُ رَبِّ الثَّوْبِ في مكانِه، لم يَلْزَمِ الخَيّاطَ الإِجابَةُ إلى ذلك؛ لأنَّه انْتِفاعٌ بمِلْكِه.
وحُكْمُ الصَّبّاغِ في قَلْعِ الصِّبْغِ إنِ اخْتارَه، وفي غيرِ ذلك مِن أحكامِه، حُكْمُ صِبْغِ الغاصِبِ 2 على ما يأتِي في بَابِه.
قال شيخُنا 3: والذي يَقْوَى عندي، أنَّ القَوْلَ قولُ رَبِّ الثَّوْبِ؛ لِما ذَكَرنا في دَلِيلهم.
وما قاسُوا عليه فيما إذا قال المُضارِب: أذِنْتَ لي في البَيعِ نَساءً.
فأنْكَرَ رَبُّ المالِ، أنَّ القَوْلَ قَوْلُ المُضارِبِ، مَمنُوعٌ.
فصل: إذا دَفَع إلى خَيّاطٍ ثَوْبًا، فقال: إن كان يُقْطَعُ قَمِيصًا فاقْطَعهُ.
فقال: هو يُقْطَعُ.
وقَطَعَه، فلم يَكْفِ، ضَمِنَه.
ولو قال: انْظُر هذا يَكْفِيني قَمِيصًا.
قال: نعم.
قال: اقْطَعهُ.
فقَطَعَه، فلم يَكْفِه، لمِ يَضْمَنْ.
وبه قال الشافعيّ، وأصحابُ الرأي.
وقال أبو ثَوْرٍ: لا ضَمان عليه في المسْألَتَين، لأنَّه لو كان غَرَّه في الأولَى، لكان قد غَرَّهُ في الثانيةِ.
ولَنا، أنَّه إنَّما أذِنَ له في الأولَى بِشَرطِ كِفايته، فقَطَعَه بدُونِ شَرطِه، وفي الثانيةِ أذِنَ له مِن غيرِ شَرْطٍ، فافْتَرَقا، ولم يَجِبْ عَليه الضَّمانُ في الأولَى لِتَغْرِيرِه، بل لِعَدَمِ الإذْنِ في قَطْعِه، لأنَّ إذنه مُقَيَّد بشَرطِ كِفايته فلا يكونُ إذنًا في غيرِ ما وُجِدَ فيه الشَّرطُ، بخِلافِ الثانيةِ.
..................................
فصل: فإن أمَرَه أن يَقْطَعَ الثَّوْبَ قَمِيصَ رَجُل، فقَطَعَه قَمِيصَ امرَأةٍ، فعليه غُرمُ ما بينَ قِيمَتِه صَحِيحًا ومَقْطُوعًا؛ لأنَّ هذا قَطْعٌ غيرُ مَأذُونٍ فيه، فأشْبَه ما لو قَطَعَه مِن غيرِ إذْنٍ.
وقيل: يَغْرَمُ ما بينَ قَمِيصِ رَجُل وقَميص امرَأةٍ؛ لأنه مَأذُونٌ في قَمِيص في الجُملَةِ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ المَأذُونَ فيه قَمِيص مَوْصُوف بصِفَةٍ، فإذا قَطَع قَمِيصًا غيرَه، لم يَكُنْ فاعِلًا لِما أذِنَ فيه، فكان مُتَعديا بابْتِداءِ القَطْعِ، ولذلك لا يَسْتَحِقُّ على القَطْعِ أجْرًا، ولو فَعَل ما أمِرَ به، لاسْتَحَقَّ أجْرَه.
فصل: إذا دَفَع إلى حائِكٍ غَزْلًا، فقال: انْسِجْه لي عَشَرَةَ أذْرُعٍ في عَرضِ ذِراعٍ.
فنَسَجَه زائدًا على ما قَدَّرَ له في الطُّولِ والعرضِ، فلا أجْرَ له في الزِّيادَةِ؛ لأنَّه غيرُ مَأمُورٍ بها، وعليه ضَمانُ 1 نَقْصِ الغَزْلِ المَنْسوجِ فيها.
فأمّا ما عَدا الزّائِدَ فيُنْظَرُ فيه؛ فإن كان جاءَهُ زائِدًا في الطّولِ وحدَه، ولم يَنْقُصِ الأصلُ بالزِّيادَةِ، فله ما سَمَّى له مِن الأجْرِ، كما لو اسْتَأجَرَه أن يَضْرِبَ له مائةَ لَبِنَةٍ فضَرَبَ له مائَتَينِ.
وإن جاء به زائدًا في العَرضِ وحدَه، أو فيهما، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا أجْرَ له؛ لأنَّه مُخالِفٌ لأمرِ المُسْتَأجِرِ، فلم يَسْتَحِقَّ شيئًا، كما لو اسْتأجَرَه على بِناءِ حائِطٍ
..................................
عَرضَ ذِراعٍ، فبَناه عَرضَ ذراعِين.
والثاني، له المُسَمَّى؛ لأنَّه زادَ على ما أمِرَ به، فأشْبَه زِيادَةَ الطُّولَ.
ومَن قال بالوَجْهِ الأوّلِ، فَرَّقَ بينَ الطولِ والعرضِ، بأنَّه يُمكِنُ قَطْعُ الزّائِدِ في الطُّولِ، ويَبْقَى الثَّوْبُ على ما أرَادَ، ولا يمكِنُ ذلك في العَرضِ.
فأمّا إن جاءَ به ناقِصًا في الطُّولِ والعَرضِ، أو في أحَدِهما، ففيه أيضًا وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا أجْرَ له، وعليه ضَمانُ نَقْصِ الغَزْلِ؛ لأنَّه مُخالِف لِما أمِرَ به، فأشْبَه ما لو استأجَرَه على بِناءِ حائطٍ عَرضَ ذراعٍ فبَناهُ عَرضَ نِصفِ ذِراعٍ.
والثاني، له بحِصَّتِه مِن المُسَمَّىَ، كمَن اسْتُؤْجِرَ على ضَربِ لَبِن فضَرَبَ بعضَه.
ويَحتَمِلُ أنَّه إن جاءَ به ناقِصًا في العرضِ فلا شيءَ له، وإن كان ناقِصًا في الطُّولِ فله بحِصَّتِه مِن المُسَمَّى؛ لِما ذَكَرنا مِنِ الفَرقِ بينَ الطُّولِ والعَرضِ.
كان جاء به زائِدًا في أحَدِهما ناقِصًا في الآخرِ، فلا أجْرَ له في الزّائِد، وهو في النّاقِصِ على ما ذَكَرنا مِن التَّفْصِيلِ فيه.
وقال محمدُ بنُ الحَسَنِ، في المَوْضِعَينِ: يتَخَيَّرُ صاحِبُ الثَّوْبِ بينَ دَفْعِ الثَّوْبِ إلى النسّاجِ ومُطالبَتِه بثَمَنِ غَزْلِه، وبينَ أن يأخُذَه ويدفَعَ إليه المُسَمَّى في الزّائِدِ وبحِصَّةِ المَنْسُوجِ في النّاقِصِ؛ لأنَّ غَرَضَه لم يَسْلَم له؛ لأنَّه 1 يَنتَفِعُ
..................................
بالطَّويلِ ما لا يَنْتَفِعُ بالقَصِيرِ، ويَنْتَفِعُ بالقَصِيرِ ما لا يَنْتَفِعُ بالطَّويلِ، فكأنه أتلف عليه غَزْلَه.
ولَنا، أنَّه وَجَد عَينَ مالِه، فلم يَكُنْ له المُطالبَةُ بعِوَضِه، كما لو جاء به زائِدًا في الطول وحدَه.
فأمّا إن أثَّرتِ الزِّيادَةُ أو النَّقْصُ في الأصلِ، مثلَ أن يَأمُرَه بِنَسْجِ كشَرَةِ أذْرُعٍ؛ ليكُونَ الثَّوْبُ صَفِيقًا، فنَسجَه خَمسَةَ عَشَرَ، فصارَ خَفِيفًا، أو بالعَكْس، فلا أجْرَ له بحالٍ، وعليه ضَمانُ نَقْصِ 1 الغَزْلِ؛ لأنَّه لم يَأتِ بشيءٍ ممّا أمِرَ به.
فصل: إذا اخْتَلَفَ المُتكارِيانِ في قَدرِ الأجْرِ، فقال: أجَرتَنِيها سَنةً بدِينارٍ.
قال: بل بدِينارَين.
تحالفا، ويُبْدَأ بيَمينِ الآجِرِ.
نصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الإِجارَةَ نوْع مِن البَيعِ.
فإذا تَحالفا قبلَ مُضِيِّ شيءٍ مِن المُدَّةِ، فَسَخَا العَقْدَ ورَجَعَ كل واحدٍ منهما في مالِه.
وإن رَضِيَ أحَدُهما بما حَلَف عليه الآخَرُ، أقِرَّ العَقْدُ.
وإن فَسَخا العَقْدَ بعدَ المُدَّةِ أو شيءٍ منها، سَقَطَ المُسَمَّى ووَجَبَ أجْرُ المِثْلِ، كما لو اخْتَلَفا في المَبِيعِ بعدَ تَلَفِه.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وبه قال أبو حنيفةَ إن لم يَكُنْ عَمِلَ العَمَلَ،
..................................
وإن كان عَمِلَه فالقولُ قولُ المُسْتَأجرِ فيما بينَه وبينَ أجْرِ مِثْلِه.
وقال أبو ثَوْرٍ: القولُ قولُ المُستَأجرِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ للزِّيادَةِ في الأجْرِ، والقولُ قولُ المُنْكِرِ.
ولَنا، أنَّ الإجارَةَ نوْعٌ مِن البَيعِ، فيَتحالفان عندَ اخْتِلافِهما في عِوَضِها، كالبَيعِ، وكما قَبْلَ أن يعملَ العَمَلَ عندَ أبي حنيفةَ.
وقال ابنُ أبي موسى: القولُ قولُ المالكِ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا اخْتَلَفَ المُتَبَايعَانِ، فالقولُ ما قَال البائِعُ» 1. وهذا يَحتَمِلُ أن يَتناوَلَ ما إذا اخْتَلَفا في المُدَّةِ.
وأمّا إذا اخْتَلَفَا في العِوَضِ، فالصَّحِيحُ أنَّهما يتَحالفان؛ لِما ذَكرناه.
فصل: فإنِ اخْتَلَفا في المُدَّةِ، فقال: أجَرْتُكَها سنةً بدِينارٍ.
فقال: بل سَنَتَين بدِينارَينِ.
فالقولُ قولُ المالِكِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ للزِّيادَةِ، فكان القولُ قولَه فيما أنْكَره، لو قال: بِعتُكَ هذا العَبْدَ بمائةٍ.
فقال: بل هذَين العَبْدَين بمائتين.
كان قال: أجَرتُكَها سَنَةً بدِينارٍ.
فقال: بل سَنَتَين بدِينارٍ 2. فههُنا قد اخْتَلفا في قَنرِ العِوَضِ والمُدَّةِ فيتَحالفانِ؛ لأنَّه لم يُوجَد الاتِّفاقُ منهما على مُدَّةٍ بعِوَض، فصارَ كما لو اخْتَلفا في العِوَضِ مع اتّفاقِ المُدَّةِ.
وإن قال المالِكُ: أجَرتُكَها سَنَةً بدِينارٍ.
فقال الساكِنُ: بل اسْتَأجَرتَنِي على حِفْظِها بدِينارٍ.
فقال أحمدُ: القولُ قولُ رَبِّ الدارِ، إلَّا أن تكونَ للساكِنِ بَيِّنة.
وذلك لأنَّ سُكْنَى الدارِ قد وُجِدَ
..................................
مِن السّاكنَ واسْتِيفاءَ مَنْفَعَتِها، وهي مِلْكُ صاحِبِها، والقولُ قولُه في مِلْكِه، والأصلُ عَدَمُ [اسْتِئجارِ السّاكِنِ] 1 في الحِفْظِ، فكان القولُ قولَ مَن يَنْفِيه، ويَجبُ على الساكِنِ أجْرُ المِثْلِ.
فصل: وإنِ اخْتَلَفا في التَّعَدِّي في العَينِ المُسْتَأجَرَةِ، فالقولُ قولُ المُسْتأجِرِ، لأنَّه أمِين، فأشْبَه المُودَعَ، ولأنَّ الأصلَ عَدَمُ العُنوانِ والبَرَاءةُ مِن الضَّمانِ.
وإنِ ادَّعَى أنَّ العَبْدَ أبقَ مِن يَدِه، وأنَّ الدّابَّةَ شَرَدتْ أو نَفَقتْ، وأنْكَرَ المُؤْجِرُ، فالقولُ قولُ المُسْتأجِرِ؛ لِما ذَكَرنا، ولا أجْرَ عليه إذا حَلَفَ أنَّه ما انْتَفَعَ بها؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ الانْتِفاعِ.
وعنه، القولُ قولُ المُؤْجِرِ؛ لأن الأصلَ السَّلامةُ.
فأمّا إنِ ادَّعَى أن العَبْدَ مَرِضَ في يَدِه؛ فإن جاء به صَحِيحًا، فالقولُ قولُ المالِكِ، سواء وافَقَه العَبْدُ أو خالفَه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وإن جاء به مَرِيضًا، فالقولُ قولُ المُسْتَأجِرِ.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه إذا جاء به صحيحًا، فقد ادَّعَى ما يُخالِف الأصلَ، وليس معه دَلِيل عليه، وإن جاء به مَرِيضًا، فقد وُجِدَ ما يُخالِف الأصلَ يَقِينًا، فكان القولُ قولَه في مُدَّةِ المَرَضِ؛ لأنَّه أعلَمُ بذلك، لكَوْنِه في يَدِه.
وكذلك لو ادَّعَى إبَاقَه في حالِ إباقِه.
ونَقَلَ إسحاقُ بنُ مَنْصورٍ عن أحمدَ، أنَّه يُقْبَلُ قولُه في إباقِ العَبْدِ دُونَ مَرَضِه.
وبه قال الثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ.
قال أبو بكر: وبالأوَّلِ أقُولُ؛ لأنَّهما سواء في تَفْويتِ مَنْفَعتِه، فكانا سواءً
فصلٌ: وَتَجِبُ الأجْرَةُ بِنَفْس الْعَقْدِ، إِلَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى تأخِيرِها.
في دَعوَى ذلك.
وإن هلَكَتِ العَينُ، فاخْتَلَفا في وَقْتِ هلاكِها، أو أبقَ العَبْدُ أو مَرِضَ، واخْتَلَفا في وَقْتِ ذلك، فالقولُ قولُ المُسْتَأجِرِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ العَمَلِ، ولأنَّ ذلك حَصَلَ في يَدِه، وهو أعلَمُ به.
فصل: قال المُصَنِّفُ، رحمَه اللهُ: (وتَجِبُ الأجْرةُ بنَفْسِ العَقْدِ، إلَّا أن يَتَّفِقا على تَأخِيرِها) مَتَى أُطْلِقَ العَقْدُ في الإِجارَةِ مَلَكَ المُؤْجِرُ الأجْرةَ بنَفْسِ العَقْدِ، كما يَملِكُ البائِع الثَّمَنَ بالبَيعِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ، [ومالكٌ] 1: لا يملِكُها ولا يَسْتَحِقُّ المُطالبَةَ بها إلَّا يَومًا بِيَوْم، إلَّا أن يَشْتَرِطَ تَعجِيلَها.
قال أبو حنيفةَ: إلَّا أن تكونَ مُعَيَّنة، كالثَّوْبِ، والدّارِ، والعَبْدِ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ 2. أمَرَ بإيتائِهِنَّ بعدَ الرَّضاعِ.
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:
..................................
«يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ثَلَاثة أنا خَصمُهُم يَوْمَ القِيَامَةِ؛ رَجُلٌ اسْتَأجَرَ أجيرًا فَاسْتَوْفى مِنْهُ ولم يُوَفِّه أجرَهُ» 1. فتَوَعُّدُه على الامتِناعِ مِن دَفْعِ الأجْرِ بعدَ العَمَلِ دَلَّ على أنَّها حالةُ الوُجُوبِ.
ورُوِيَ عنه، عليه الصلاةُ والسلامُ، أنَّه قال: «أعطُوا الأجِيرَ أجْرَه قبلَ أن يَجِفَّ عَرَقُه».
رَواهُ ابنُ ماجه 2. ولأنَّه عِوَض لم يَملِكْ مُعَوَّضَه، فلم يَجِبْ تَسْلِيمُه، كالعِوَضِ في العَقْدِ الفاسِدِ، فإنَّ المَنافِعَ مَعدُومة لم تُملَكْ.
ولو مُلِكَتْ فلم يَتَسَلمها؛ لأنَّه يتَسلَّمُها شيئًا فشيئًا، فلا يَجِبُ عليه العِوَضُ مع تَعذر التَّسْلِيمِ في العَقْدِ.
ولَنا، أنَّه عِوَضٌ أُطْلِقَ ذِكْرُه في عَقْدِ مُعاوَضةٍ، فيُسْتَحقُّ بمُطْلَقِ العَقْدِ، كالثَّمنِ، والصداقِ، أو نقولُ: عِوَضٌ في عَقْدٍ يُتَعَجَّلُ بالشَّرطِ، فوَجَبَ أن يُتَعَجَّلَ بمُطْلَقِ العَقْدِ، كالذي ذَكرنا.
فأمّا الآيةُ فيَحتَمِلُ أنَّه أرادَ الإِيتاءَ عندَ الشُّرُوعِ في الإِرضاعِ، أو تَسْلِيم نَفْسِها، كقولِه تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ 3. أي:
..................................
إذا أرَدتَ القِراءَةَ.
ولأنَّ هذا تَمسُّكٌ 1 بدَلِيلِ الخِطابِ؛ ولا يقولُون به، وكذلك الحَدِيثُ، يُحَقِّقُه أنَّ الأمرَ بالإيتاءِ في وقتٍ لا يَمنَعُ وُجُوبَه قبلَه، كقولِه تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ 2.
وَلَا يَجِبُ تَسْلِيمُ أجْرَةِ الْعَمَلِ فِي الذِّمَّةِ حَتَّى يَتَسَلَّمَهُ.
والصداقُ يَجِبُ قبلَ الاسْتِمتاعِ.
وهذا هو الجَوابُ عن الحَدِيثِ، ويَدُلُّ عليه أنَّه إنَّما تَوَعَدَّ على تَزكِ الإيفاءِ بعدَ الفراغِ مِن العَمَلِ، وقد قُلْتُم: يَجِبُ الأجْرُ شيئًا فشيئًا.
ويَحتَمِلُ أَنه تَوَعَّدَه على تَركِ الوَفاءِ في الوَقْتِ الذي تَتَوَجَّه المُطالبة فيه عادةً.
جَوابٌ آخَرُ، أنَّ الآيَةَ والأخْبارَ إنَّما وَرَدَتْ في مَن اسْتُؤْجِرَ على عَمَل، فأمّا إن وَقَعتِ الإجارَةُ فيه على مُدَّةٍ فلا تَعَرضَ لها به.
2221 -
مسألة: (ولا يَجبُ تَسْلِيمُ أجْرَةِ العَمَلِ في الذِّمَّةِ حتى يَتَسَلَّمَه)
إذا اسْتُؤْجِرَ على عَمَل، فإنَّ الأجْرَ يُفلَكُ بالعَقْدِ أيضًا، لكن
..................................
لا يُسْتَحَقُّ تَسْلِيمُه إلا عندَ تَسْلِيمِ العَمَلِ.
وقال ابنُ أبي موسى: مَن اسْتُؤْجِرَ لعَمَل مَعلُوم، اسْتَحَقَّ الأجْرَ عندَ إيفاءِ العَمَلِ، وإنِ اسْتُؤْجرَ في كلِّ يوم بأجْر مَعلُوم، فله أجْرُ كلِّ يوم عندَ تَمامِه.
وقال أَبو الخَطّابِ: الأجْرُ يُملَكُ بالعَقْدِ، ويُسْتَحَقُّ التَّسْلِيمُ ويَسْتَقِرُّ بمُضِيِّ المُدَّةِ.
وإنَّما تَوقَّفَ اسْتِحقاقُ تَسْلِيمِه على العَمَلِ؛ لأنَّه عِوَضٌ، فلا يُسْتَحَقُّ تَسْلِيمُه إلَّا مع تَسْلِيمِ المُعَوَّضِ، كالصَّداقِ، والثَّمَنِ في المَبِيعِ.
وفارَقَ الإِجارَةَ على الأعيانِ؛ لأن تَسْلِيمَها أجْرِىَ مُجْرَى تَسْلِيم نَفْعِها، ومتى كانت على مَنْفَعةٍ في الذِّمَّةِ لم يحصُلْ تَسْلِيمُ المَنْفَعةِ ولا ما يَقُومُ مَقامَها، فتَوقَّفَ اسْتِحقاقُ تَسْلِيمِ الأجْرِ على تَسْلِيم العَمَلِ.
وقولُهم: لم يَملِكِ المَنافِعَ.
قد سَبَقَ الجَوابُ عنه.
فإن قِيلَ: فإنَّ المُؤْجِرَ إذا قَبَضَ الأجْرَ، انْتَفَع به كلِّه، بخِلافِ المُسْتأجِرِ، فإنَّه لا يحصُلُ له اسْتِيفاءُ المَنْفعةِ كلِّها.
قلنا: لا يَمنَعُ هذا، كما لو شَرَطَ التعجِيلَ وكانت الأجْرةُ عَينًا.
فأمّا إن شَرَطَ التَّأجِيلَ في الأجْرِ، فهو على ما شَرَطَ،
..................................
وإن شَرَطَ مُنَجَّمًا يومًا يومًا، أو شَهْرًا شهرًا، فهو على ما شَرَطاه؛ لأنَّ إجارَةَ العَينِ كبَيعِها، وبَيعُها يَصِحُّ بثَمَنٍ حالٍّ ومُؤَجَّل، كذلك إجارَتُها.
وفيه وَجْه آخَرُ: أنَّ الإِجارَةَ على المَنْفَعةِ في الذِّمَّةِ لا يجوزُ تَأجِيلُ عِوَضِها، [كالمُسْلَمِ فيه] 1.
فصل: إذا اسْتَوْفَى المُسْتأجِرُ المَنافِعَ، اسْتَقَرَّ الأجْرُ؛ لأنَّه قَبَضَ المَعقُودَ عليه، فاسْتَقَرَّ عليه البَدَلُ، كما لو قَبَض المَبِيعَ.
وإن تَسَلَّمَ العَينَ المُسْتَأجَرَةَ، ومَضَتِ المُدَّةُ، و 2 لا مانِعَ له مِن الانْتِفاعِ، اسْتَقَرَّتِ الأجْرَةُ أيضًا كان لم يَنْتَفِع؛ لأنَّ المَعقُودَ عليه تَلِفَ تحت يَدِه، وهي حَقُّه، فاسْتَقَرَّ عليه بَدَلُها، كثَمَنِ المَبِيعِ إذا تَلِفَ في يَدِ البائِعِ.
فإن كانت الإجارَةُ على عَمَل، فتَسلَّم 3 المَعقُودَ عليه، ومَضَتْ مُدَّة يمكِنُ اسْتِيفاءُ المَنْفَعةِ فيها، مثلَ أن يَكْتَرِيَ دابَّةً لِيركَبَها إلى حِمصَ، فقَبَضَها، ومَضَتْ
..................................
مُدَّة يمكِنُ رُكُوبُها فيها، فقال أصحابُنا: يَسْتَقِرُّ عليه الأجْرُ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ المَنافعَ تَلِفَتْ تحت يَدِه باخْتِيارِه، فاسْتَقَرَّ الضَّمان عليه، كما لو تَلِفَتِ العَينُ في يَدِ المُشْتَرِي، وكما لو كانتِ الإجارَةُ على مُدَّةٍ فمَضَتْ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَسْتَقِرُّ الأجْرُ عليه حتى يَسْتَوْفِيَ المَنْفَعةَ؛ لأنَّه عَقْد على مَنْفَعةٍ غيرِ مُؤَقَّتةٍ بزَمَن، فلم يَسْتَقِرَّ بَدَلُها قبلَ اسْتِيفائِها، كالأجْرِ في الأجِيرِ المُشْتَرَكِ.
وإن بَذَلَ تَسْلِيمَ العَينِ، فلم يَأخُذْها المُسْتَأجِرُ حتى انْقَضَتِ المُدَّةُ، اسْتَقَرَّ الأجْرُ عليه؛ لأنَّ المنافِعَ تَلِفَتْ باخْتِيارِه في مُدَّةِ الإِجارَةِ، فاسْتَقَرَّ عليه الأجْرُ، كما لو كانت في يَدِه.
وإن بَذَلَ تَسْلِيمَ العَينِ، وكانت الإِجارَةُ على عَمَل، فقال أصحابُنا: إذا مضتْ مُدَّة يمكنُ الاسْتِيفاءُ فيها، اسْتَقَرَّ عليه الأجْرُ.
وبهذا قال الشافعيُّ؛ لأنَّ المَنافِعَ تَلِفَتْ باخْتِيارِه.
وقال أبو حنيفةَ: لا أجْرَ عليه.
قال شيخُنا 1: وهو أصَحُّ 2 عندي، لأنَّه عَقْدٌ على ما في الذِّمَّةِ، فلم يَسْتَقِرَّ عِوَضُه ببَذْلِ التَّسْلِيمِ، كالمُسْلَمِ فيه، ولأنَّه عَقدٌ على مَنْفَعةٍ غيرِ مُؤَقَّتةِ بزَمَن، فلم يَسْتَقِرَّ عِوَضُها بالبَذْلِ، كالصَّداقِ إذا بَذَلَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِها، وامتَنَعَ الزَّوْجُ مِن أخْذِها.
وَإذَا انْقَضَتِ الإجَارَةُ وَفِي الْأرضِ غِرَاسٌ أوْ بِنَاءٌ لَمْ يُشْتَرَطْ قَلْعُهُ عِنْدَ انْقِضَائِها، خُيِّرَ الْمَالِكُ بَينَ أخذِهِ بِالْقِيمَةِ، أو تَركِهِ بِالأجْرَةِ، أو قَلْعِهِ وَضَمَانِ نَقْصِهِ.
وإنْ شُرِطَ قَلْعُهُ لَزِمَ ذَلِكَ، وَلَم تَجِبْ تَسْويَةُ الْأرضِ إلا بِشَرطٍ.
2222 - مسألة: (وإذا انْقَضتِ الإِجارَةُ وفي الأرضِ غرِاس أو بِناء، لم يُشْتَرَطْ قَلْعُه عندَ انْقِضاءِ)
الأجَلِ، فلِلمالِكِ (أخْذُه بالقِيمة) و (تَركُه بالأجْرةِ، أو قَلْعُه وضَمانُ نَقْصِه.
وإنِ) اشْتَرطَ القَلْعَ (لَزِمَه ذلك) ولا يَلْزَمُه (تَسْويةُ الأرضِ إلَّا بشَرطٍ) إذا اسْتَأجَرَ أرضًا للغِراسِ أو للبناءِ سَنَةً، صَحَّ؛ لأنَّه يُمكِنُه تَسْلِيمُ مَنْفَعَتِها المُباحَةِ
..................................
المَقْصُودَةِ، فأشْبَهتْ سائِرَ المَنافِعِ، وسواء شَرَطَ قَلْعَ الغِراسِ والبِناءِ عندَ انْقِضاءِ المُدَّةِ أو أطلَقَ، وله أن يَغْرِسَ قبلَ انْقِضاءِ المُاةِ، فإذا انْقَضَتْ لم يَكُنْ له أن يَغْرِسَ ولا أن يبنِيَ؛ لِزَوالِ عَقْدِه، فإذا انْقَضَتِ السنةُ، وكان قد شَرَطَ القَطْعَ عندَ انْقِضائِها، لَزِمَه ذلك؛ وَفاءً بمُوجَبِ شَرطِه.
وليس على صاحِبِ الأرضِ غَرامةُ نَقْصِه، ولا على المُسْتأجِرِ تَسْويةُ الحَفْرِ وإصلاحُ الأرضِ؛ لأنهما دَخَلا على هذا؛ لرِضاهُما بالقَلْعِ، واشْتِراطِهما عليه.
وإنِ اتفَقا على إبْقائِه بأجْرةٍ أو غيرِها، جازَ، إذا شَرَطا مُدَّةً مَعلُومةً.
وكذلك لو اكْتَرَى الأرضَ سَنةً بعدَ سَنةٍ، كما انْقَضَى عَقْد جَدَّدَ آخَرَ.
وإن أطْلَقَ العَقْدَ، فللمُكْتَرِي القَلْعُ؛ لأنَّه مِلْكُه، فله أخْذُه، كطعامِه في الدَّارِ التي باعها.
وإذا قَلَع فعليه تسْويةُ الحَفْرِ؛ لأنه نَقْصٌ دَخَلَ على مِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه.
وهكذا إن قَلَعَه قبلَ انْقِضاءِ المُدَّةِ ههُنا وفي التي قبلَها؛ لأنَّ القَلْعَ قبلَ الوَقْتِ لم يأذَنْ فيه المالِكُ، ولأنَّه تَصَرَّفَ في الأرضِ تَصرُّفًا نَقَصَها لم يَقْتَضِه عَقْدُ الإجارَةِ، وإن أبى القَلْعَ
..................................
لم يُجْبَر عليه، إلا أن يَضْمَنَ له المالِكُ النَّقْصَ، فيُجْبَرُ 1 حينئذٍ.
وبهذا قال الشافعيّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: عليه القَلْعُ مِن غيرِ ضَمانِ النَّقْصِ له؛ لأنَّ تَقْدِيرَ المُدَّةِ في الإجارَةِ يَقْتَضِي التَّفْرِيغَ عندَ انْقِضائِها، كما لو اسْتَأجَرَها للزَّرعِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَيسَ لِعِرقٍ ظالِم حَقٌّ» 2. مَفْهُومُه أنَّ غيرَ الظالِمِ له حَق، وهذا غيرُ ظالِم، ولأنه غَرَسَ بإذْنِ المالِكِ، ولم يَشْرُطْ قَلْعَه، فلم يُجْبَر على القَلْعِ مِن غيرِ ضَمانِ النَّقْصِ، كما لو اسْتعارَ منه أرضًا للغَرسِ مُدَّةً فرَجَعَ قبلَ انْقِضائِها،
..................................
ويُخالف الزّرعَ، فإنَّه لا يَقْتَضِي التَّأبِيدَ.
فإن قِيلَ: فإن كان إطْلاقُ العَقْدِ في الغِراسِ يَقْتَضِي التّأبِيدَ، فشَرطُ القْلعِ يُنافِي مُقْتَضَى العَقْدِ، فيَنْبَغِي أن يُفْسِدَه.
قلنا: إنَّما اقْتَضَى التّأبِيدَ مِن حيثُ إنَّ العادَةَ في الغِرَاسِ التبقِيَةُ، فإذا أطْلَقَه، حُمِلَ على العادَةِ، وإذا شَرَطَ خِلافَه، جازَ، كما إذا باعَ بغيرِ نَقْدِ البَلَدِ، أو شَرَطَ في الإِجارَةِ سَيرًا يُخالِف العادَةَ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ رَبَّ الأرضِ يُخَيَّرُ بينَ ثلاثةِ أشياءَ؛ أحدُها، أن يَدفَعَ قِيمةَ الغِراسِ والبِنَاءِ، فيَملِكَه مع أرضِه؛ لأنَّ الضَّرَرَ يَزُولُ عنهما به، أشْبَه الشَّفِيعَ في غِراسِ المُشْتَرِي الثاني، أن يَقْلَعَ الغِراسَ والبِنَاءَ، ويَضْمَنَ أرشَ نَقْصِه لذلك.
الثالثُ أن يُقِرَّ الغِراسَ والبِناءَ، ويأخُذَ منه أجرَ المِثْلِ.
وبهذا قال الشافعي؛ لأنَّ الضَّرَرَ يَزُولُ عنهما بذلك.
وقال مالكٌ: يتَخَيَّرُ بينَ دَفْعِ قِيمَتِه فيَملِكُه وبينَ مُطالبَتِه بالقَلْعِ مِن غيرِ ضَمانٍ، وبينَ تركِه، فيكونان شَرِيكَين.
والأوَّلُ أصَحُّ.
فإنِ اتَّفَقَا على بَيعِ الغَرسِ والبناءِ
..................................
للمالِكِ، جازَ، وإن باعَهُما صاحِبُهما لغيرِ مالِكِ الأرضِ، جازَ، ومُشْتَرِيهما يَقُومُ مَقامَ البائِعِ فيهما.
وقال أصحابُ الشافعي في أحَدِ الوَجْهينِ: ليس له بَيعُهما لغيرِ مالكِ الأرضِ؛ لأنَّ مِلْكَه ضَعِيفٌ، بدَلِيل أنَّ لِصاحِبِ الأرضِ تملُّكَه عليه بالقِيمةِ بغيرِ رِضاه.
ولَنا، أنَّه مِلك له يجوزُ بَيعُه لمالِكِ الأرضِ، فجازَ لغيره، كالشِّقْصِ المَشْفُوعِ، وبهذا يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه، فإنَّ للشَّفِيعِ تملُّكَ الشِّقْصِ بغيرِ رِضَا المُشْتَرِي، ويجوزُ بَيعُه لغيرِه 1.
فصل: فإن شَرَطَ في العَقْدِ تَبْقِيةَ الغِراسِ، فذَكَرَ القاضِي أنَّه صَحِيحٌ، وحُكْمُه حُكمُ ما لو أطْلَقَ العَقْدَ سواء.
وهو قولُ أصحابِ الشافعيِّ.
ويَحتَمِلُ أن يَبْطُلَ العَقْدُ؛ لأنَّه شَرَطَ ما يُنافِي مُقْتَضَى العَقْدِ، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطَ ذلك في الزَّرعِ الذي لا يَكْمُلُ قبلَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، ولأنَّ الشرطَ باطِل؛ بدَلِيلِ أنَّه لا يَجِبُ الوَفاءُ به، وهو مُؤثِّر.
فأبْطَلَه، كشَرطِ تَبْقِيةِ الزّرعَ بعدَ مُدَّةِ الإِجارَةِ.
وَإنْ كَانَ فِيها زَرعٌ بَقَاؤهُ بِتَفْرِيطِ الْمُسْتَأجِرِ، فَلِلْمَالِكِ أخْذُهُ بِالْقِيمَةِ، وَتَركُهُ بِالأجْرَةِ.
وَإنْ كَانَ بِغَيرِ تَفْرِيطٍ، لَزِمَ تركُهُ بِالأجْرَةِ.
2223 - مسألة: (وإن كان فيها زَرعٌ بقاؤه بتَفْرِيطِ المُسْتَأجِرِ، فللمالِكِ أخْذُه بالقِيمَةِ، وتَركُه بالأجْرَةِ. وإن كان بغيرِ تَفْرِيطٍ، لَزِمَ تَركُه بالأجْرَةِ)
إذا اسْتَأجَرَ أرضًا للزِّراعةِ مُدَّةً، فانقْضَتْ، وفيها زَرع لم يَبْلُغْ حَصادَه، لم يَخْلُ مِن حالينِ؛ أحدُهما، أن يكونَ لتَفْرِيطِ المُسْتَأجِرِ،
..................................
مثلَ أن يَزْرَعَ زَرعًا لم تَجْرِ العادَةُ بكَمالِه قبلَ انْقِضاء المُدَّةِ، فحُكْمُه حُكْمُ زَرعِ الغاصِبِ، يُخَيَّرُ المالِكُ [بعدَ المُدَّة] 1 بينَ أخَذِه بالقِيمةِ، أو تَركِه بالأجْرَةِ لِما زادَ على المُدَّةِ؛ لأنَّه أبقَى زَرعَه في أرضِ غيرِه بعُنوانِه، وإنِ اخْتارَ المُسْتَأجِرُ قَطْعَ زَرعِه في الحالِ وتَفْرِيغَ الأرضِ، فله ذلك؛ لأنَّه يُزِيلُ الضَّرَرَ، ويُسَلِّمُ الأرضَ على الوَجْهِ الذي اقْتَضاه العَقْدُ.
وذَكَرَ القاضِي، أنَّ على المُسْتَأجِرِ نَقْلَ الزّرعِ وتَفْرِيغَ الأرضِ، وإنِ اتفقَا على تَركِه بعِوَض أو غيرِه، جازَ.
وهذا مَذْهبُ الشافعيِّ، بِناءً على قَوْلِه في الغاصِبِ.
وقِياسُ المَذْهبِ ما ذَكَرناه.
الحالُ الثاني، أن يكونَ بَقاؤه بغير
..................................
تَفْرِيطِه، مثلَ أن يَزْرَعَ زَرعًا يَنْتَهِي في المُدَّةِ عادَةً، فأبْطَأ لبَردٍ أو غيرِه، فيَلْزَمُ المُؤْجرَ تركُه بالأجْرةِ إلى أن يَنْتَهِيَ، وله المُسَمى وأجْرُ المِثْلِ لِما زاد.
وهذا أَحَدُ الوَجهينِ لأصحابِ الشافعيِّ.
والوَجْهُ الثانِي، يَلْزَمُه نَقْلُه؛ لأنَّ المُدَّةَ ضُرِبَتْ لِنَقْلِ الزَّزعِ، فلَزِمَ العَمَلُ بمُوجَبِه، وقد وُجدَ منه تَفْرِيطٌ؛ لأنَّه كان يُمكِنُه أن يَسْتَظْهِرَ في المُدَّةِ، فلم يَفْعَلْ.
ولَنا، أن الزَّرعَ حَصَلَ في أرضِ غيرِه بإذْنِه مِن غيرِ تَفْرِيطٍ، فلَزِمَه 1 تَركُه، كما لو أعارَه أرضًا فزَرَعَها ثم رَجَعَ المالِكُ قبلَ كَمالِ الزَّرعِ.
وقولُهم: إنَّه مُفرِّطٌ.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّ هذه المُدَّةَ التي جَرَتِ العادَةُ بكَمالِ الزَّرعِ فيها، وفي زِيادَةِ المُدَّةِ تَفْويتُ زِيادَةِ الأجْرِ بغيرِ فائِدَةٍ، وتَضْيِيعُ زِيادَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ لِتَحصِيلِ شيءٍ مُتَوَهَّم، على خِلافِ العادَةِ، هو التَّفْرِيط، فلم يَكُنْ تَركُه تَفْرِيطًا.
ومتى أرادَ المُسْتأجِرُ زَرعَ شيءٍ لا يُدرَكُ مِثلُه في مُدَّةِ الإِجارَةِ، فللمالِكِ مَنْعُه؛ لأَنه سَبَبٌ لوُجُودِ زَرعِه في أرضِه بغيرِ حَق.
فإن زَرَعَ لم يملِكْ مُطالبَتَه بقَلْعِه قبلَ المُدَّةِ؛ لأنَّه في أرض يَملِكُ نَفْعَها، ولأنَّه لا يَملِكُ ذلك بعدَ المُدَّةِ، فقَبْلَها أوْلَى، ومَن أوْجَبَ عليه قَطْعَه بعدَ المُدَّةِ، قال: إذا لم يَكُنْ بُدٌّ مِن المُطالبةِ بالنَّقْلِ، فليَكُنْ عندَ المُدَّةِ التي يَسْتَحِقُّ تَسْلِيمَها إلى المُؤْجِرِ فارِغَةً.
..................................
فصل: إذا اكْتَرَى 1 الأرضَ لِزَرعِ مُدَّةٍ لا يَكْمُلُ فيها، مثلَ أنِ اكْتَرَى خَمسةَ أشْهُرٍ لِزَرع لا يَكْمُلُ إلا في سِتَّةٍ، نَظَرنا؛ فإن شَرَطَ تَفْرِيغَها عندَ انْقِضاءِ المُدَّةِ ونَقْلَه عنها، صَحَّ؛ لأنَّه لا يُفْضِي إلى الزِّيادَةِ على مُدَّتِه، وقد يكونُ له غرضٌ في ذلك، لأخْذِه إيّاه قَصِيلًا 2 أو غيرَه، ويَلْزَمُه ما الْتَزَمَ.
وإن أطْلَقَ العَقْدَ، ولم يَشْرُطْ شيئًا، احتَمَلَ أن يَصِحَّ؛ لأنَّ الانْتِفاعَ بالزرعِ 3 في هذه المُدَّةِ ممكِنٌ، واحتَمَلَ أنَّه إن 4 أمكَنَ أن يَنْتَفِعَ بالأرضِ في زَرع ضَرَرُه كَضَرَرِ الزَّرعِ المَشْرُوطِ ودُونِه، مثلَ أن يَزْرَعَها شَعِيرًا يأخُذُه قَصِيلًا، صَحَّ العَقْدُ (4)؛ لأنَّ الانْتِفاعَ بها في بعضِ ما اقْتَضاه العَقْدُ مُمكِن، وإن لم يَكُنْ كذلك، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه اكْترَى للزَّرعِ ما لا يُنْتَفَعُ بالزرعِ فيه، فأشْبَه إجارَةَ السَّبْخَةِ له.
فإن قلنا: يَصِحُّ.
فإذا انْقَضَتِ المُدَّةُ، ففيه وجهان؛ أحدُهُما، حُكْمُه حُكْمُ زرع
وَإذَا تَسَلَّمَ الْعَينَ فِي الإجَارَةِ الْفَاسِدَةِ، حَتَّى انْقَضَتِ الْمُدَّةُ، فَعَلَيهِ أجْرَةُ الْمِثْلِ، سَكَنَ أوْ لَمْ يَسْكُنْ.
المُسْتَأجِرِ لِما لا يَكْمُلُ في (1) مُدَّتِه؛ لأنَّه ههُنا مُفَرِّط، واحتَمَلَ أن يَلْزَمَ المُكْرِيَ تَركُه بالأجْرِ (1)؛ لأنَّ التَّفْرِيطَ منه، حيثُ أكْرَاه مُدَّةً لِزَرع لا يَكْمُلُ فيها.
كان شَرَطَ تَبْقِيَتَه حتى يَكْمُلَ، فالعَقْدُ فاسِد؛ لأنَّه جَمَعَ بينَ متضادينِ فإنَّ تَقْدِيرَ المُدَّةِ يَقْتَضِي النَّقْلَ فيها، وشَرطُ التبقِيةِ يُخِالِفُه، ولأنَّ مُدَّةَ التبقِيةِ مَجْهُولة، فإن زَرَع لم يُطالبْ بنَقْلِه، كالتي تقدمت.
2224 -
مسألة: (وإذا تَسَلَّمَ العَينَ بالإجارَةِ الفاسِدَةِ، فعليه أجْرَةُ المِثْلِ، سَكَنَ أو لم يَسْكُنْ)
إذا قَبَض العَينَ في الإجارَةِ الفاسِدَةِ، ومَضَتِ المُدَّةُ أو مُدَّة يُمكِنُ استِيفاءُ المَنْفَعَةِ فيها أو لا يُمكِنُ، ففيه روايتان؛1
..................................
إحْداهُما، عليه أُجْرَةُ المِثْلِ لمُدَّةِ بَقائِها في يَدِه.
وهذا مَذْهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ المَنافِعَ تَلِفَتْ تحتَ يَدِه بعِوَضٍ لم يُسَلَّمْ له، فرَجَعَ إلى قِيمَتِها، كما لو اسْتَوْفاها.
والثانيةُ، لا شيءَ له.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه عَقْدٌ فاسِدٌ على مَنافِعَ لم يَسْتَوْفِها، فلم يَلْزَمْه عِوَضُها 1 كالنِّكاحِ الفاسِدِ.
فأمّا إن بَذَلَ له التَّسْلِيمَ في الإجارَةِ الفاسِدَةِ فلم يَتَسَلَّمْها، فلا أجْرَ عليه؛ لأنَّ المَنافِعَ لم تَتْلَفْ تحتَ يَدِه ولا في مِلْكِه، وإنِ اسْتَوْفَى المَنْفعةَ في العَقْدِ الفاسِدِ، فعليه أجْرُ المِثْلِ.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَجِبُ أقَلُّ الأمْرَينِ مِن المُسَمَّى أو أجْرِ المِثْلِ، بِنَاءً منه على أنَّ 2 المَنافِعَ لا تُضْمَن إلا بالعَقْدِ.
ولَنا، أنَّ ما ضُمِنَ بالمُسَمَّى في العَقْدِ الصَّحِيحِ، وَجَبَ ضَمانُه بجَمِيعِ القِيمَةِ في الفاسِدِ، كالأعْيانِ، وما ذَكَرُوه غيرُ مُسَلَّمٍ.
وَإذَا اكْتَرَى بِدَرَاهِمَ، وَأَعْطَاهُ عَنْها دَنَانِيرَ، ثُمَّ انْفَسَخَ الْعَقْدُ، رَجَعَ الْمُسْتَأْجِرُ بِالدَّرَاهِمَ.
2225 - مسألة: (إذا اكْتَرَى بدَراهِمَ، وأعْطاه عنها دَنانِيرَ، ثم انْفَسخَ العَقْدُ، رَجَعَ المُسْتَأْجِرُ بالدَّراهمِ)
لأنَّ العَقْدَ إذا انْفَسَخَ، رَجَعَ كلُّ واحِدٍ مِن المُتعاقِدَين في العِوَضِ الذي بَذَلَه، وعِوَضُ العَقْدِ هو الدَّراهِمُ، فكان الرُّجُوعُ بها، والدَّنانِيرُ إنَّما أخَذَها المُؤْجِرُ بعَقْدٍ آخَرَ سِوَى الإجارَةِ، ولم يَنْفَسِخْ، فأشْبَهَ ما إذا قَبَضَ الدَّراهمَ ثم صَرَفَها بالدَّنانِيرِ.
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى 1415 هـ - 1995 م
المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756
المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة
يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته.. ووفقه لمرضاته
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بَابُ السَّبْقِ
تَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ عَلَى الدَّوَابِّ، وَالأَقْدَامِ، وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، وَالسُّفُنِ، وَالْمَزَارِيقِ، وَغَيرِهَا.
بَابُ السَّبْقِ
2226 -
مسألة: (تَجُوزُ المُسابَقَةُ على الدَّوابِّ، والأقْدام)
والخَيلِ (والسُّفُنِ والمَزارِيقِ 1، وسائِرِ الحَيَواناتِ) والأصْلُ في ذلك السُّنَّةُ والإجْماعُ؛ أمّا السُّنَّةُ، فرَوَى ابنُ عُمَرَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سابَقَ بينَ الخَيلِ المُضْمَرَةِ 2 مِن الْحَفْياء إلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ، وبينَ التي لم تُضْمَرْ
..................................
مِن [ثَنِيَّةِ الوَداعِ] 1 إلى مَسْجدِ بني زُرَيقٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 2. قال موسى بنُ عُقْبَةَ: مِن 3 الحَفْياءِ إلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ سِتَّةُ أمْيالٍ أو سَبْعَةُ أمْيالٍ.
وقال سُفْيانُ: مِن الثَّنِيَّةِ إلى مَسْجِدِ بني زُرَيقٍ مِيلٌ أو نحوُه.
وأجْمَعَ المسلمون على جَوازِ المُسابَقَةِ في الجُمْلَةِ.
والمُسابَقَةُ على ضَرْبَين؛ مُسابَقَة بغيرِ
..................................
عِوَضٍ، ومُسابَقَةٌ بعوَضٍ.
فأمّا المسابَقَةُ بغيرِ عِوَضٍ، فتَجُوزُ مُطْلَقًا مِن غيرِ تَقْيِيدٍ بشيءٍ مُعَيَّن؛ كالمُسابَقَةِ على الأقْدامِ، والسُّفُنِ، والطُّيورِ، والبِغالِ، والحُمُرِ، والفِيَلَةِ، والمَزارِيقِ.
وتَجُوزُ المُصارَعَةُ، ورَفْعُ الحِجارَة؛ ليُعْرَفَ الأَشَدُّ، وغيرُ هذا؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان مع عائشةَ في سَفَرٍ، فسابَقَتْه على رِجْلِها فسَبَقَتْه، قالت: فلَمّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سابَقْتُه فسَبَقَنِي، فقال: «هذِهِ بتِلْكَ».
رَواه أبو داودَ 1. وسابَقَ سَلَمَةُ بنُ الأكْوَعِ رجلًا مِن الأنْصارِ بينَ يَدَي النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في يَوْمِ
وَلَا تَجُوزُ بِعِوَضٍ، إلَّا فِي الْخَيلِ، وَالْإبِلِ، وَالسِّهَامِ،
ذي قَرَدٍ (1). وصارَعَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - رُكانَةَ فصَرَعَه.
رَواه التِّرمِذِيُّ (2). ومَرَّ بقَوْم يَرْبَعُونَ حَجَرًا -يَعْنِي يَرْفَعُونَه- ليَعْرِفُوا الأشَدَّ منهم، فلم يُنْكِرْ عليهم (3). وسائِرُ المُسابَقَةِ يُقاسُ على هذا.
2227 -
مسألة: (ولا تَجُوزُ بعِوَض، إلَّا في الخَيلِ، والإبِلِ، والسِّهامِ)
لِما رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا سَبْقَ إلَّا فِي نَصْلٍ، أوْ123
..................................
خُفٍّ، أوْ حَافِرٍ».
رَواه أبو داودَ 1. فالسَّبْقُ بسُكُونِ الباءِ؛ المُسابَقَةُ، والسَّبَقُ بفَتْحِها؛ الجُعْلُ 2 المُخْرَجُ في المُسابَقَةِ.
واخْتَصَّتْ هذه الثَّلاثةُ بتَجْويزِ العِوَضِ فيها؛ لأنَّها مِن آلاتِ الحَرْبِ المَأْمُورِ بتَعَلُّمِها وإحْكامِها والتَّنَوِّقِ 3 فيها.
وفي المُسابَقَةِ بها مع العِوَضِ مُبالغَةٌ في الاجْتِهادِ فيها والإحْكامِ لها، وقد وَرَد الشَّرْعُ بالأمْرِ بها والتَّرْغِيبِ في فِعْلِها، قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ 4. وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - «ألَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ».
[رَواه مسلمٌ] 5.
..................................
وروَى سعيدٌ، في «سُنَنِه» 1 عن خالِدِ بنِ زيدٍ، قال: كُنْتُ رجلًا رِامِيًا، وكان عُقْبَةُ بنُ عامِر الجُهَنِيُّ 2 يَمُرُّ فيقولُ: يا خالدُ، اخْرُجْ بنا نَرْمِي.
فلَمّا كان ذاتَ يومٍ، أْبْطَأتُ عنه، فقال: هَلُمَّ أُحَدِّثْكَ حَدِيثًا سَمِعْتُه مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «إنَّ الله يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثةً الْجَنَّةَ؛ صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ في صَنْعَتِهِ الْخَيرَ، والرَّامِيَ بِهِ، ومُنْبلَهُ، ارْمُوا وَارْكَبُوا، وَأنْ تَرْمُوا أحَبُّ إلَيَّ مِنْ أنْ تَرْكَبُوا، وَلَيسَ مِنَ اللَّهْو إلَّا ثَلاثٌ؛ تأدِيبُ الرَّجُلِ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتُهُ أهْلَهُ، وَرَمْيُهُ بِقَوْسِهِ وَنَبْلِهِ، ومَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعدَ مَا عَلِمَهُ رَغْبَةً عَنْهُ، فَإنَّهَا نِعْمَةٌ تَرَكَهَا».
رَواه أبو داودَ 3. وعن مُجاهِدٍ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الْمَلائكَةَ لَا تَحْضُرُ مِنْ لَهْوكُمِ إلَّا الرِّهَانَ وَالنِّضَال» 4. قال الأزْهَرِيُّ: النِّضالُ في الرَّمْي، والرِّهانُ في الخَيلِ، والسِّباقُ فيهما.
..................................
وقال مُجاهِدٌ: أدْرَكْتُ 1 ابنَ عُمَرَ يَشْتَدُّ بينَ الهَدَفَين، إذا أصاب خَصْلَةً قال: أنا بها، أنا بها.
وعن حُذَيفَةَ مِثْلُه 2. فلا تَجُوزُ المُسابَقَةُ بعِوَضٍ إلَّا في هذه الثلاثةِ.
وبهذا قال الزُّهْرِيُّ، ومالِكٌ.
وقال أهلُ العِراقِ: يَجُوزُ 3 ذلك في المُسابَقَةِ على الأقْدامِ، والمُصارَعَةِ؛ لوُرُودِ الأثَرِ بهما؛ فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سابَقَ عائشةَ، وصارَعَ رُكانَةَ 4. ولأصْحابِ الشافعيِّ وَجْهان، كالمَذْهَبَين.
ولهم في المُسابَقَةِ بالطُّيورِ والسُّفُنِ وَجْهان، بِناءً على الوَجْهين في المُسابَقَةِ على الأقْدامِ والمُصارَعَةِ.
ولَنا، ما ذَكرْنا مِن الحديثِ، فنَفَى السَّبْقَ في غيرِ هذه الثلاثةِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أراد به نَفْيَ الجُعْلِ، أي لا يَجُوزُ الجُعْلُ إلَّا في هذه الثلاثةِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُرادَ به نَفْيُ المُسابَقَةِ بعِوَضٍ، فإنَّه يتَعَيَّنُ حَمْلُ الخَبَرِ على أحَدِ الأمْرَين؛ للإِجْماعِ على جَوازِ المُسابَقَةِ بغيرِ عِوَضٍ في غيرِ هذه الثلاثةِ، وعلى كلِّ
..................................
تَقْديرٍ فالحديثُ حُجَّةٌ لَنا.
ولأنَّ غيرَ هذه الثلاثةِ لا يُحْتاجُ إليها في الجِهادِ كالحاجَةِ إلى الثلاثةِ، فلم تَجُزِ المُسابَقَةُ عليها بعِوضٍ، كالرَّمْي بالحِجَارَةِ ورَفْعِها.
إذا ثَبَت هذا، فالمُرادُ بالنَّصْلِ السِّهامُ مِن النُّشَّابِ والنَّبْلِ [دُونَ غيرِها] 1، وبالحافِرِ الخَيلُ وَحْدَها، وبالخُفِّ الإبِلُ خاصَّةً.
وقال أصْحابُ الشافعيِّ: تَجُوزُ المُسابَقَةُ بكلِّ ما له نَصْلٌ مِن المَزارِيقِ، وفي الرُّمْحِ والسَّيفِ وَجْهان، وفي الفِيلِ والبِغالِ والحَمِيرِ وَجْهان؛ لأنَّ للمَزارِيقِ والرِّماحِ والسُّيُوفِ نَصْلًا، وللفِيلِ خُفًّا، وللبِغالِ والحميرِ حَوافِرَ، فتَدْخُلُ في عُمُومِ الخبرِ.
ولَنا، أنَّ هذه الحَيَواناتِ المُخْتَلَفِ فيها لا تَصْلُحُ للكَرِّ والفَرِّ، ولا يُقاتَلُ عليها، ولا يُسْهَمُ لها، والفِيلُ لا يُقاتِلُ عليه أهلُ الإِسلام، والرِّماحُ والسُّيُوفُ لا يُرْمَى بها، فلم تَجُزِ المُسابَقَةُ عليها، كالبَقَرِ والتِّراسِ 2، والخَبَرُ ليس بعامٍّ فيما تَجُوزُ المُسابَقَةُ به، لأنَّه نَكِرَةٌ في إثْباتٍ، وإنَّما هو عامٌّ في نَفْي ما لا تجوزُ المُسابَقَةُ به بعِوَضٍ؛ لكَوْنِه نَكِرَةً في سِياقِ النَّفْي، ثم لو كان عامًّا، لحُمِلَ على ما عُهِدَتِ المُسابَقَةُ عليه ووَرَد الشَّرْعُ بالحَثِّ على تَعَلُّمِه، وهو ما ذَكَرناه.
بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ؛ أَحَدُهَا، تَعْيِينُ الْمَرْكُوبِ وَالرُّمَاةِ، سَوَاءٌ كَانَا اثْنَينِ أوْ جَمَاعَتَينِ.
وَلَا يُشْترطُ تَعْيِينُ الرَّاكِبَينِ، وَلَا الْقَوْسَينِ.
2228 - مسألة: ولا تَصِحُّ إلَّا (بشُرُوطٍ خَمْسَةٍ؛ أحَدُها، تَعْيِينُ المَرْكُوبِ والرُّماةِ)
لأنَّ القَصْدَ مَعْرِفَةُ جَوْهَرِ الدّابَّتَين وسُرْعَةِ عَدْوهما، ومَعْرِفَةُ حِذْقِ الرُّماةِ، ولا يَحْصُلُ إلَّا بالتَّعْيِينِ؛ لأنَّ المقْصُودَ مَعْرِفَةُ حِذْقِ رامٍ بعَينِه، لا مَعْرِفَةُ حِذْقِ رامٍ في الجُمْلَةِ، فلو عَقَدَ اثْنانِ نِضالًا على أنَّ مع كلِّ واحِدٍ منهما ثلاثةً غيرَ مُتَعَيِّنِين، لم يَجُزْ؛ لذلك.
2229 -
مسألة: (ولا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الرّاكِبَين ولا القَوْسَين)
لا يُشْتَرطُ تَعْيِينُ القَوْسِ ولا السِّهامِ في المُناضَلَةِ، ولو عَيَّنَها لم تَتَعَيَّنْ؛ لأنَّ القَصْدَ مَعْرِفَةُ الحِذْقِ، وهو لا يَخْتَلِفُ إلَّا بالرّامِي 1 دُونَ القَوْسِ والسِّهامِ.
وفي الرِّهانِ يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الحَيَوانِ الذي يُسابَقُ به؛ لِما ذَكرْنا.
ولا يُعْتَبَرُ تَعْيِينُ الرّاكِبِ؛ لأنَّ المقْصودَ مَعْرِفَةُ عَدْو الفَرَسِ، لا حِذْقِ الرّاكِبِ.
وكلُّ ما يتَعَيَّنُ لا يَجُوزُ إبْدالُه، كالمُتَعَيِّنِ في البَيعِ.
وما لا يَتَعَيَّنُ يَجُوزُ إبْدالُه لعُذْرٍ وغيرِه.
فعلى هذا، إن شَرَطا أن لا يَرْمِيَ بغيرِ هذا القَوْس، ولا بغيرِ هذا السَّهْمِ، أو لا يَرْكَبَ غيرُ هذا الرّاكِبِ، فهي شُرُوطٌ فاسِدَةٌ؛ لأنَّها 2 تُنافِي مُقْتَضَى العَقْدِ، فهو كما لو شَرَط إصابَةً بإصابَتَين.