..................................
وغيرُه 1. واخْتَلَفَ أهلُ العلمِ في الجَمْعِ بينَ هذين الخَبَرَين، فقال قومٌ: في حديثِ عليٍّ تَقْدِيمٌ وتَأخِيرٌ، وتقديرُه أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ يومَ خيبَرَ، ونهَى عن مُتْعَةِ النِّساءِ، ولم يَذْكُرْ مِيقاتَ النَّهْي عنها، وقد بَيَّنه الرَّبيعُ بنُ سَبْرَةَ في حَدِيثه، أنَّه كان في حَجَّةِ الوَداعِ.
حَكاه الإِمامُ أحمدُ عن قومٍ، وذَكَرَه ابنُ عبدِ البَرِّ 2. وقال الشافعيُّ: لا أعْلَمُ شيئًا أحَلَّه اللهُ ثم حَرَّمَهُ، ثم أحَلَّه [ثم حَرَّمَه] 3، إلَّا المُتْعَةَ.
فحَمَلَ الأمْرَ على ظاهِرِه، وأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حَرَّمَها يَوْمَ خيبرَ، ثُم أحَلَّها في حَجَّةِ الوَداعِ ثَلاثَةَ أيامٍ، ثم حَرَّمَها.
ولأنَّه لا 4 يَتَعَلَّقُ بها أحكامُ النِّكاحِ؛ مِن
..................................
الطَّلاقِ، والظِّهارِ، واللِّعانِ، والتَّوَارُثِ، فكان باطِلًا، كسائرِ الأنْكِحَةِ الباطلةِ.
وأمَّا قولُ ابنِ عباسٍ، فقد حُكِيَ عنه الرُّجُوعُ عنه 1، فرَوَى أبو بكرٍ، بإسنادِه عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ لقد [أكْثَرَ النَّاسُ] 2 في المُتْعَةِ، حتى قال فيها الشاعرُ 3:
أقولُ وقد طال الثَّواءُ بِنَا مَعًا … يا صَاحِ هَلْ لكَ في فُتْيَا ابنِ عباسِ
هَل لَكَ في رَخْصَةِ الأطْرَافِ آنِسَةٍ … تكونُ مَثْواكَ حتى مَصْدَرِ الناسِ 4
فقام خَطِيبًا، فقال: إنَّ المُتْعَةَ كالمَيتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ 5.
وعن محمدِ بنِ كعبٍ، عنِ ابنِ عباسٍ، قال: إنَّماكانتِ المُتْعَةُ في أوَّلِ الإِسْلامِ، كان الرجلُ يَقْدَمُ البَلْدَةَ ليس فيها مَعْرِفَةٌ، فيَتَزَوَّجُ المرأةَ بقَدْرِ ما يَرَى 6 أنَّه يُقِيمُ، فتَحْفَظُ له مَتاعَه، وتُصْلِحُ له شَيئَه 7، حتى نَزَلَتْ
وَنِكَاحٌ شَرَطَ فِيهِ طَلَاقَهَا فِي وَقْتٍ
هذه الآيَةُ: ﴿إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾ (1). قال ابنُ عباسٍ: فكلُّ فرْجٍ سِوَاهُما حَرامٌ.
رَواه التِّرْمِذِيُّ.
فأمَّا إذْنُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فيها، فقد ثَبَت نَسْخُه، وأمَّا حديثُ عمرَ -إن صَحَّ عنه- فالظاهرُ أنَّه إنَّما قَصَد الإِخْبارَ عن تَحْرِيمِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لها ونَهْيِه عنها، إذْ لا يَجُوزُ أن يَنْهَى عمَّا كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أباحَه وبَقِيَ على إباحَتِه.
فصل: فإن تَزَوَّجَها بغيرِ (2) شَرْطٍ، إلَّا أنَّ في نِيَّته طَلاقَها بعدَ شَهْرٍ، أو إذا انْقَضَتْ حاجَتُه، فالنِّكاحُ صَحِيحٌ، في قول عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا الأوْزاعِيَّ، قال: هو نِكاحُ مُتْعَةٍ.
والصَّحِيحُ أنَّه لا بَأسَ به، ولا تَضُرُّ نيَّته، وليس على الرجل أن يَنْوِيَ حَبْسَ امْرَأَتِه (3) إن وَافَقَتْه، وإلَّا طَلَّقَها.
3178 -
مسألة: وكذلك إن شَرَط أن يُطَلِّقَها في وَقْتٍ بعَينِه، فلا يَصِحُّ النِّكاحُ، سَواءٌ كان معلومًا أو مجهولًا،
مثلَ أن يُشتَرَطَ عليه طَلاقَها123
أَوْ عَلَّقَ ابْتِدَاءَهُ عَلَى شَرْطٍ، كَقَوْلِهِ: زَوَّجْتُكَ إِذَا جَاءَ رَأسُ الشَّهْرِ.
أَوْ: إِنْ رَضِيَتْ أُمُّهَا.
فَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ.
إن قَدِمَ أبوها أو أخُوها.
ويَتَخَرَّجُ أن يَصِحَّ النِّكاحُ ويَبْطُلَ الشَّرْطُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، وأظْهَرُ قَوْلَي الشافعيِّ.
قاله في عامَّةِ كُتُبِه، لأنَّ النِّكاحَ وَقَع مُطْلَقًا، وإنَّما شَرَط على نفْسِه شَرْطًا، وذلك لا يُوثِّرُ فيه، كما لو شَرَط أن لا يَتَزَوَّجَ عليها ولا يُسَافِرَ بها.
ولَنا، أنَّ هذا شَرْطٌ مانِعٌ مِن بَقاءِ النِّكاحِ، فأشْبَهَ نِكاحَ المُتْعَةِ، ولأنَّه شَرَط انْتِفاءَ النِّكاحِ في وَقْتٍ بعينِه، أشْبَهَ نِكاحَ المُتْعَةِ، ويُفارِقُ ما قاسُوا عليه، فإنَّه لم يَشْتَرِطْ قَطْعَ النِّكاحِ.
3179 -
مسألة: (وإن عَلَّقَ ابْتِدَاءَه على شَرْطٍ، كقَوْلِه: زَوَّجْتُكَ إذا جاء رَأسُ الشَّهْرِ. أو: إن رَضِيَتْ أُمُّها. فهذا كلُّه باطِلٌ مِن أصْلِه)
لأنَّه عَقْدُ مُعاوضَةٍ، فلم يَصِحَّ تَعْلِيقُه على شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ، كالبَيعِ، ولأنَّه وَقَف النِّكاحَ علي شَرْطٍ، ولا يَجُوزُ وَقْفُه على شرطٍ.
وهو قولُ الشافعيِّ.
النَّوْعُ الثَّانِي، أنْ يَشْتَرِطَ أنَّهُ لَا مَهْرَ لَهَا وَلَا نَفَقَةَ، أوْ يَقْسِمَ لَهَا أَكْثَرَ مِن امْرأتهِ الأُخْرَى أَوْ أقَلَّ، فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَيَصِحُّ النِّكَاحُ.
وعن مالكٍ نحوُه.
وذَكَر أبوالخطاب فيما إذا شَرَط إن رَضِيَتْ أُمُّها، رِوايَةً أنّ النكاحَ صحيحٌ؛ لأنَّه يَصِحُّ مع 1 الجَهْلِ بالعِوَضِ، فلم يَبْطُلْ بالشَّرْطِ الفاسِدِ، كالعِتْقِ، ويَبْطُلُ الشرْطُ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِما ذَكَرْنا.
(النوعُ الثاني، أن يَشْرُطَ أنَّه لا مَهرَ لها ولا نَفَقَةَ، أو يَقْسِمَ لها أكثرَ مِن امرأتِه الأُخْرَى أو أقَلَّ، فالشَّرْطُ باطِلٌ، ويَصِحُّ النِّكاحُ) وكذلك إن شَرَط
..................................
أنَّه إن أصْدَقَها رَجَعَ عليها، أو تَشْرُطُ عليه أن لا يَطَأها، أو يَعْزِلَ عنها، أو لا يكونَ عندَها في الجُمُعَةِ إلَّا ليلةً، أو شَرَط لها النّهارَ دونَ الليلِ، أو شَرَط على المرأةِ أن تُنْفِقَ عليه، أو تُعْطِيَه شيئًا، فهذه الشُّرُوطُ كلُّها باطِلة في نَفْسِها، لأنَّها تُنافِي مُقْتَضَاه، وتَتَضَمَّنُ إسْقاطَ حُقُوقٍ تَجِبُ بالعَقْدِ قبلِ انْعِقادِه، فلم يَصِحَّ، كما لو أسْقَطَ الشَّفِيعُ شُفْعَتَه قبلَ البَيعِ.
فأمَّا العقدُ في نفْسِه فهو صَحِيحٌ؛ لأنَّ هذه الشروطَ تَعُودُ إلى مَعْنًى زائدٍ في العَقْدِ، لا يُشتَرَطُ ذِكْرُه، ولا يَضُرُّ الجَهْلُ به، فلم يُبْطِلْه، كما لو شَرَط في العَقْدِ صَدَاقًا مُحَرَّمًا.
ولأنَّ النِّكاحَ يَصِحُّ مع الجَهْلِ بالعِوَضِ، فجازَ أن يَنْعَقِدَ مع الشَّرطِ الفاسدِ، كالعَتاقِ.
وقد نَصَّ أحمدُ، في مَن تَزَوَّجَ امرأةً وشَرَط عليها أن يَبِيتَ عندَها في كلِّ جُمُعَةٍ ليلةً، ثم رَجَعَتْ وقالتْ: لا أرْضَى إلَّا ليلةً وليلةً.
فقال: لها أن تَتْرُكَ 1 بطِيبِ نفْسٍ منها، فإنَّ ذلك جائزٌ.
..................................
وإن قالتْ: لا أرْضَى إلَّا بالمُقاسَمَةِ كان ذلك حَقًّا لها، تُطالِبُه به إن شاءتْ.
ونَقَل عنه الأثْرَمُ، في الرجلِ يَتَزَوَّجُ المرأةَ ويَشْرُطُ عليها أن يَأتِيَها في الأَيَّامِ: يَجُوزُ الشَّرْطُ، فإن شاءَتْ رَجَعَت.
وقال في الرجلِ يَتَزَوَّجُ المرأةَ على أن تُنْفِقَ عليه في كلِّ شهرٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، أو عَشَرَةَ دَرَاهِمَ: النِّكاحُ جائزٌ، ولها أن تَرْجِعَ في هذا الشَّرْطِ.
ونُقِلَ عن أحمدَ كلامٌ في بعضِ هذه الشُّروطِ يَحْتَمِلُ إبْطال العَقْدِ، فنَقَلَ عنه المَرُّوذِيُّ في النَّهاريَّاتِ واللَّيليَّاتِ: ليس هذا مِن نِكاحِ أهلِ الإِسْلامِ.
ومِمَّن كَرِهَ تَزْويجَ النَّهارِيَّات؛ حَمَّادُ بنُ أبي سُليمانَ، وابنُ شُبْرُمَةَ.
وقال الثَّوْرِيُّ: الشَّرْطُ باطِل.
وقال أصحابُ الرَّأي: إذا سَأَلتْه أن يَعْدِلَ لها، عَدَل.
وكان الحَسَنُ، وعطاءٌ، لا يَرَيان بنِكاحِ النَّهاريّاتِ بَأسًا.
وكان الحسنُ لا يَرَى بَأسًا أن يَتَزَوَّجَها ويَجْعَلَ لها مِن الشَّهْرِ أيَّامًا مَعْلُومَةً.
قال شيخُنا 1: ولَعَلَّ كَراهةَ مَنْ كَرِه ذلك، راجِعٌ إلى إبْطالِ الشَّرْطِ، وإجَازَةَ مَن أجازَه، راجعٌ إلى أصْلِ النِّكاحِ، فتكونُ أقوالُهم مُتَّفِقَةً على صِحَّةِ النِّكاحِ وإبْطالِ الشَّرْطِ، كما قُلْنا، واللهُ أعلمُ.
وقال القاضِي: إنَّما كَرِه أحمدُ هذا النِّكاحِ؛ لأنَّه يَقَعُ على وَجْهِ 2 السِّرِّ، وهو مَنْهِيٌّ عنه.
فإن شُرِطَ عليه ترْكُ
الثَّالِثُ، أَنْ يَشْتَرِطَ الْخِيَارَ، أَوْ إِنْ جَاءَهَا بِالْمَهْرِ فِي وَقْتٍ، وَإلَّا فَلَا نِكَاحَ بَينَهُمَا, فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَفِي صِحَّةِ النِّكَاحِ رِوَايَتَانِ.
الوَطْءِ، احْتَمَلَ أن يَفْسُدَ العَقْدُ؛ لأنَّه شُرِط ما يُنافِي المقصودَ مِن النِّكاحِ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وكذلك إن شُرِطَ عليه أن لا تُسَلَّمَ إليه، فهو بمَنْزِلَةِ مَن اشْتَرَى شيئًا على أن لا يَقْبِضَهُ.
وإن شَرَط عليها أن لا يَطَأها 1، لم يَفْسُدْ؛ لأنَّ الوَطْءَ حَقُّه عليها.
ويَحْتَمِلُ أن يَفْسُدَ؛ لأنَّ لها فيه حَقًّا، ولذلك تَمْلِكُ مُطالبَته به إذا آلى، والفَسْخَ إذَا تَعَذَّرَ بالجَبِّ والعُنَّةِ.
(الثالثُ، أن يَشْرُطَ الخيارَ، أو إن جاءَها بالمَهْرِ في وَقْتٍ، وإلَّا فلا نِكاحَ بينَهما، فالشَّرْطُ باطِلٌ، وفي صِحَّةِ النِّكاحِ رِوايتان) إحدَاهما، النِّكاحُ صحيحٌ، والشَّرْطُ باطلٌ.
وبه قال أبو ثَوْرٍ، فيما إذا شَرَط الخيارَ.
وحَكاه عن أبي حنيفةَ.
وزَعَم أنَّه لا خِلافَ فيه.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: قال أحمدُ، وإسحاقُ -إذا تَزَوَّجَها على أنَّه إن جاءَها بالمَهْرِ في وَقْتِ كذا، وإلَّا فلا نِكاحَ بينَهما: الشَّرْطُ باطلٌ والعقدُ جائزٌ.
وهو قولُ عطاء،
..................................
والثَّوْرِيِّ، وأبي حنيفةَ، والأوْزَاعِي.
ورُوِيَ ذلك عن الزُّهْرِيِّ؛ لأنَّ النِّكاحَ عقدٌ لازمٌ، لا يَدْخُلُه خِيارٌ؛ لما في ذلك مِن المَفْسَدَةِ والضَّرَرِ على الحرائرِ، لكَوْنِها تُرَدُّ بعدَ ابْتِذالِها 1 بعقدِ النِّكاحِ، والشَّناعَةِ 2 عليها بأنَّها رُدَّتْ رَغْبَةً عنها لدَناءَتِها، والشَّرْطُ الآخَرُ تعليق للنِّكاحِ على شَرْطٍ، فهو في 3 معنى الخِيارِ، ويَصِحُّ النِّكاحُ؛ لأنَّ النِّكاحَ يَصِحُّ في المجهُولِ، فلم يَفْسُدْ بالشَّرْطِ الفاسدِ، كالعِتقِ.
وروَى ابنُ منصورٍ عن أحمدَ في هذا، أنَّ الشَّرْطَ والعقدَ جائِزان؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «المُسْلِمُونَ عَلى شُرُوطِهِم» 4 وذَكَر القاضِي في كتابِه «الرِّوايَتَين والوَجْهَين»: أمّا صِحَّةُ العقدِ، فلأنَّ اللَّفْظَ الذي يَقْتَضِي الدَّوامَ قد وُجِدَ، وإنَّما حَصَل الشَّرْطُ في المَهْرِ، فلم يُؤثِّرْ في العقدِ، وأمّا المَهْرُ، فإنها لَمَّا مَلَكَتْ فَسْخَ النِّكاحِ عندَ تَعَذُّر 5 تَسْلِيمِ المَهْرِ، جاز أن يُشتَرَطَ هذا
..................................
المعنى في العقدِ، ولا يُؤثِّرَ فيه.
والرِّوايةُ الأخْرَى، يَبْطُلُ العقدُ في هذا كُلِّه؛ لأنَّ النِّكاحَ لا يكونُ إلَّا لازِمًا، وهذا يُوجِبُ جَوازَه، ولأنَّه وَقَفَه على شَرْطٍ، ولا يجوزُ وَقْفُه على شَرْطٍ، كالبَيعِ.
وهذا قولُ الشافعيِّ، ونحوُه عن مالِكٍ وأبي عُبَيدٍ.
فصل: فإن شَرَط الخِيارَ في الصَّداقِ خاصَّةً، لم يَفْسُدِ النِّكاحُ؛ لأنَّ النِّكاحَ يَنْفرِدُ عن ذِكْرِ الصَّداقِ، لا يَفْسُدُ النِّكاحُ بفَسادِهِ، فبأن لا يَفْسُدَ بشرطِ الخِيارِ فيه أوْلَى، بخِلافِ البَيعِ، فإنَّه إذا فَسَد أحدُ العِوَضَين فَسَد الآخَرُ.
إذا ثَبَت هذا، ففي الصَّداقِ ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها، يَصِحُّ الصَّداقُ ويَبْطُلُ شَرْطُ الخِيارِ، كما يَفْسُدُ الشَّرْطُ في النِّكاحِ ويَصِحُّ النِّكاح.
والثاني، يَصِحُّ، ويَثْبُتُ الخِيارُ فيه؛ لأنَّ عَقْدَ الصَّداقِ عَقْدٌ مُنْفَرِدٌ،
فَصْلٌ: فَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أنَّهَا مُسْلِمَةٌ فَبَانَتْ كِتَابِيَّةً، فَلَهُ الْخِيَارُ، وَإنْ شَرَطَهَا كِتَابِيَّةً فَبَانَتْ مُسْلِمَةً، فَلَا خِيَارَ لَهُ.
وَقَال أبو بَكْرٍ: لَهُ الْخِيَارُ.
يَجْرِي مَجْرَى الأثْمانِ (1)، ويَثْبُتُ فيه الخيارُ كالبِيَاعاتِ.
والثالثُ، يَبْطُلُ الصَّداقُ؛ لأنَّها لم تَرْضَ به، فلم يَلْزَمْها، كما لو لم تُوافِقْه على شيءٍ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله تَعالى: (فإن تَزَوَّجَهَا على أنَّها مُسْلِمَةٌ فَبَانَتْ كِتابِيَّةً، فله الخِيارُ) لأنَّه نَقْصٌ وضَرَرٌ يَتَعَدَّى إلى الوَلَدِ، فأشْبَهَ ما لو شَرَطَها حُرَّةً فبانَتْ أمَةً.
3180 -
مسألة: (فإن شَرَطَها كِتابِيَّةً فَبَانَتْ مُسْلِمَةً، فلا خِيارَ له)
لأنَّها زِيادَةٌ (وقال أبو بكرٍ: له الخِيارُ) لأنَّه قد يكونُ له غَرَضٌ في عَدَمِ وُجُوبِ العِباداتِ عليها.
والأوَّلُ أوْلَى.1
وَإنْ شَرَطَهَا أَمَةً، فَبَانَتْ حُرَّةً، فَلَا خِيَارَ لَهُ، فصل: (وإن شَرَطَها أمَةً فبانَتْ حُرَّةً) وكان مِمّن 1 له نِكاحُ الإِمَاءِ (فلا خِيارَ له) لأنَّ وَلَدَه يَسْلَمُ مِنِ الرِّقِّ، ويَتَمَكَّنُ مِن الاسْتِمْتاعِ بها ليلًا ونَهارًا، وكذا لو شَرَطَها ذاتَ نسَبٍ فبانت أشْرَفَ منه، أو على صِفَةٍ دَنِيَّةٍ 2 فبانت خيرًا مِن شَرْطِه؛ لأنَّها زِيادَةٌ.
وَإِنْ شَرَطَهَا بِكْرًا، أوْ جَمِيلَةً، أوْ نَسِيبَةً، أو شَرَطَ نَفْيَ الْعُيُوبِ الَّتِي لَا يَنْفَسِخُ بِهَا النِّكَاحُ، فَبَانَتْ بِخِلَافِهِ، فَهَلْ لَهُ الْخِيَارُ؟ عَلَى وَجْهَينَ.
3181 - مسألة: (وإن شَرَطَها بِكْرًا)
فبانَتْ ثَيِّبًا، فعن أحمدَ كلامٌ يَحْتَمِلُ أمْرَين؛ أحَدُهما، لا خِيارَ له؛ لأنَّ النِّكاحَ لا يُرَدُّ فيه بعَيب سِوَى العُيُوبِ الثمانيةِ، ولا يَثْبُتُ فيه الخِيارُ، فلا يُرَدُّ بمُخالفَةِ الشَّرْطِ.
والثاني، له الخِيارُ؛ [لأنَّه شَرَط صِفَةً مَقْصُودَةً فبانَ خِلافُها، فيَثْبُتُ له الخِيارُ] 1، كما لو شَرَط الحُرِّيَّةَ.
وكذلك لو شَرَطَها حَسْناءَ فبانت شَوْهاءَ، أو ذَاتَ نَسَبٍ فبانتْ دُونَه، أو بيضاءَ فبانَتْ سوداءَ، أو طَويلةً فبانَتْ قَصِيرةً، خُرِّجَ في ذلك كلِّه وَجْهان.
ونحوُ هذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وكذلك لو (شَرَط نَفْيَ العيوبِ التي لا يَنْفَسِخُ بها النِّكاحُ) كالعَمَى، والخَرَسِ، والصَّمَمِ،
..................................
ونحوه، فبانَ بخِلافِ ذلك ففيه الوَجْهان.
ومِمَّن ألزمَ الزَّوْجَ مَن هذه صِفَتُها؛ الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأي.
حَكاهُ ابنُ المُنْذِرِ.
وروَى الزُّهْرِيُّ أنَّ رجلًا تَزَوَّجَ امرأةً فلم يَجِدْها عَذْراءَ، وكانتِ الحَيضَةُ خَرَقَتْ عُذْرَتَها، فأرْسَلَتْ إليه عائشةُ: إنَّ الحَيضَةَ تَذْهَبُ بالعُذْرَةِ 1. وعن الحسنِ، والشَّعْبِيِّ، وإبراهيمَ، في الرجلِ إذا لم يَجِدِ امرأتَه عَذْراءَ: ليس عليه شيءٌ للعُذْرَةِ، إنَّ الحَيضَةَ تُذْهِبُ العُذْرَةَ، والوَثْبَةُ، والتَّعَنُّسُ 2، والحِمْلُ الثقِيلُ 3.
فصل: إذا تَزَوَّجَ امرأةً يَظُنُّها مُسلمةً فبانَتْ كَافِرةً، فله الخِيارُ.
وهذا
وَإنْ تَزَوَّجَ أمَةً يَظُنُّهَا حُرَّةً، فَأصَابَهَا، وَوَلَدَتْ مِنْهُ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ، وَيَفْدِيهِمْ بِمِثْلِهِمْ يَوْمَ ولَادَتِهِمْ، وَيَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ غَرَّهُ، وَيُفَرَّقُ بَينَهُمَا إِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الإمَاءِ، وَإنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، فَلَهُ الْخِيَارُ، فَإِنْ رَضِيَ بِالْمُقَامِ مَعَهَا، فَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهُوَ رَقِيقٌ، قولُ الشَّافعيِّ، كما إذا شَرَطَ ذلك.
3182 -
مسألة: (وإن تَزَوَّجَ أمَةً يَظُنُّها حُرَّةً)
أو على أنَّها حُرَّة (فأصابَها، وَوَلدت منه، فالوَلَدُ حُرٌّ، ويَفْدِيهم بمِثْلِهِم يَوْمَ ولادَتِهم، ويَرْجِعُ بذلك على مَن غَرَّه، ويُفَرَّقُ بينَهما إن لم يَكُنْ مِمّن يجوزُ له نِكاحُ الإماءِ، وإن كان مِمَّن يجوزُ له) نِكاحُ الإِماءِ (فله الخِيارُ، فإن رَضِيَ بالمُقامِ معها، فما وَلَدَتْ بعدَ ذلك فهو رَقِيقٌ) الكلامُ في هذه المسألةِ في فصولٍ.
..................................
أحَدُها، أنَّ النِّكاحَ لا يَفْسُدُ بالغُرُورِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
وقال الشافعي في أحدِ قَوْلَيه: يَفْسُدُ، لأنَّه عَقَدَ على حُرَّةٍ، ولم تُوجَدْ، فأشْبَهَ ما لو قال: بِعْتُكَ هذا الفَرَسَ.
فإذا هو حمارٌ.
ولَنا، أنَّ المَعْقُودَ عليه في النِّكاحِ الشَّخْصُ دُونَ الصِّفاتِ، فلا يُؤَثِّرُ عَدَمُها في صِحَّتِه، كما لو قال: زَوَّجْتُكَ هذه الحسناءَ.
فإذا هي شَوْهاءُ 1. وكذا نقولُ في الأصلِ الذي ذَكَرُوه: إنَّ العَقْدَ صَحِيحٌ، لأنَّ المَعْقُودَ عليه العَينُ المُشارُ إليها.
وإن سَلَّمْنا، فالفَرْقُ بينَهما مِن وَجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّ ثَمَّ فاتتِ 2 الذاتُ، فإنَّ ذاتَ الفَرَسِ غيرُ ذاتِ الحمارِ، وهاهُنا اخْتَلَفَا في الصِّفَاتِ.
والثاني، أنَّ البَيعَ يُؤثِّرُ فيه فَواتُ الصِّفاتِ، بدَليلِ أنَّه يُرَدُّ بفَوَاتِ أيِّ شيءٍ كان فيه نَفْعٌ منها، والنِّكاحُ بخِلافِه.
.................................. الفصل الثاني: أنَّ أوْلادَه منها أحْرارٌ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه اعْتَقَدَ حُرِّيَّتَها، فكان وَلَدُه أحرارًا؛ لاعْتِقادِه 1 ما يَقْتَضِي حُرِّيَّتَهم، كما لو اشْتَرَى جارِيَةً يَظُنُّها مِلْكًا لبائِعِها، فبانتْ مَغْصُوبَةً بعدَ أن أوْلَدَها.
..................................
الفصل الثالث: أنَّ على الزَّوْجِ فِداءَ أوْلادِه.
كذلك قَضَى عمرُ، وعليٌّ، وابنُ عباس.
وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافعَيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، ليس عليه فِدَاؤُهُم؛ لأنَّ الوَلَدَ يَنْعَقِدُ حُرَّ الأصْلِ، فلم يَضْمَنْه لسَيِّدِ الأمَةِ 1؛ لأنَّه لم يَمْلِكْه.
وعنه أنَّه يُقالُ له: [افْتَدِ أوْلادَكَ] 2، وإلَّا فهم يَتْبَعُونَ الأُمَّ.
فظاهِرُ هذا أنَّه خَيَّرَه بينَ فِدَائِهِم وبينَ تَرْكِهِم رَقِيقًا؛ لأنَّهم رَقِيقٌ بحُكْمِ الأصْلِ، فلم يَلْزَمْه فِداؤُهم، كما لو وَطِئَها وهو يَعْلَمُ رِقَّها.
قال الخَلَّالُ:
..................................
اتُّفِقَ عن أبي عبدِ اللهِ أنَّه يَفْدِي وَلَدَه، وقال إسحاقُ عنه في موضعٍ: إنَّ الوَلَدَ له، وليس عليه أن يَفْدِيَهُم.
وأحْسَبُه قولًا أوَّلَ لأبي عبدِ اللهِ.
والصَّحيحُ أنَّ عليه فِداءَهم؛ لقَضاءِ الصحابةِ به، ولأنَّه نَماءُ الأمَةِ المَمْلُوكَةِ، فسَبِيلُه أن يكونَ مَمْلوكًا لمالِكِها، وقد فَوَّتَ رِقَّه باعْتِقادِ الحُريَّةِ، فلَزِمَه ضَمانُهم، كما لو فَوَّتَ رِقَّهُم بفِعْلِه.
وفي فِدائِهم ثلاثُ مَسائلَ؛ الأُولَى، في وَقْتِه، وذلك حينَ وَضْعِ الوَلَدِ.
قَضَى بذلك عمرُ، وعليٌّ، وابنُ عباس.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو بكر، والثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي: يَضْمَنُهُم بقِيمَتِهم يومَ الخُصُومَةِ؛ لأنَّه إنَّما يَضْمَنُهم بالمَنْعِ، ولم يمْنَعْهُم إلَّا حال الخُصُومَةِ.
ولَنا، أنَّه مَحْكُومٌ بحُرِّيَّتِه عندَ الوَضْعِ، فوَجَبَ أن يَضْمَنَه حِينَئِذٍ؛ لأنَّه فات رِقُّه مِن حِينِئذٍ، ولأنَّ القِيمَةَ التي تزِيدُ بعدَ الوَضْعِ لم تَكُنْ مَمْلُوكَةً لمالِكِ الأمَةِ، فلم يَضْمَنْها، كما بعدَ الخُصُومةِ.
فإن قِيلَ: فقد كان مَحْكُومًا بحُرِّيَّتِه وهو [حينَ العُلُوقِ] 1. قُلْنا: إنَّه لم يُمْكِنْ 2 تَضْمِينُه حينَئذٍ؛ لعَدَمِ قِيمَتِه والاطِّلاعِ عليه، فأوْجَبْنا ضَمانَه في أوَّلِ حالٍ أمْكَنَ تَضْمِينُه، وهو حالُ الوَضْعِ.
..................................
المسألةُ الثانيةُ، في صِفَةِ الفِداءِ، وفيها ثلاثُ رِواياتٍ، إحْداهُنَّ، بقِيمَتِهم.
وهو قولُ أكثرِ الفقهاءِ؟ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أعْتَقَ شِقْصًا مِنْ عَبْدٍ، قُوِّمَ عَلَيهِ نصِيب شَرِيكِهِ» 1. ولأنَّ الحَيَوانَ مِن المُتَقَوَّماتِ، لا مِن ذَواتِ الأمْثالِ، فيَجِبُ ضَمانُه بقِيمَتِه، كما لو أتْلَفَه.
والثانيةُ، يَضْمَنُهُم بمِثْلِهِم عَبِيدًا، الذَّكَرُ بذَكَرٍ، الأُنْثَى بأْنْثَى؛ لِما روَى سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، قال: أَبقَتْ 2 جارِيةٌ لرجل مِن العَرَب، وانْتَمَتْ إلى بعضِ العَرَبِ، فتَزَوَّجَها رجلٌ مِن بَنِي عُذْرَةَ، ثم إنَّ سَيِّدَها دَبَّ، فاسْتاقَها واسْتَاقَ وَلَدَها، فاخْتَصَمُوا إلى عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِيَ اللهُ عنه، فقَضَى للعُذْرِيِّ بفِداءِ وَلَدِه بغُرَّةٍ 3 غُرَّةٍ؛ مَكانَ كلِّ غُلامٍ بغُلامٍ، ومَكانَ كلِّ جارِيةٍ بجارِيةٍ، وكان عمرُ يُقَومُ الغُرَّةَ على أهلِ القُرَى ومَن لم يَجِدْ غُرَّةً سِتِّينَ دِينارًا.
ولأنَّ وَلَدَ المَغْرُورِ حُرٌّ، فلا يُضْمَنُ بِقيمَتِه، كسائرِ الأحْرارِ.
فعلى هذه الرِّوايةِ، يَنْبَغِي أن يُنْظَرَ إلى مِثْلِهِم في الصِّفاتِ
..................................
تقريبًا؛ لأنَّ الحَيَوانَ ليس مِن ذَواتِ الأمْثالِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ مِثْلُهُم في القِيمَةِ.
وهو قولُ أبي بكرٍ.
والثالثةُ، هو مُخَيَّرٌ بينَ فِدائِهم بمِثْلِهِم أو قِيمَتِهم.
قال أحمدُ في روايةِ المَيمُونِيِّ: إمَّا القِيمَةُ أو رَأْسٌ برَأْسٍ؛ لأنَّهما جميعًا يُرْوَيان عن عمرَ، ولكن لا أَدْرِى أيُّ الإِسْنادَين أقْوَى.
وهذا اختيارُ أبي بكرٍ.
قال في «المُقْنِعِ»: الفِدْيَةُ غُرَّةٌ بقَدْرِ القِيمةِ، أو القِيمةُ، وأيُّهما أعْطَى أجْزَأَ.
ووَجْهُ ذلك أنَّه تَرَدَّدَ بينَ الجَنِينِ الذي يُضْمَنُ بغُرَّةٍ، وبينَ إلْحاقِه بغيرِه 1 مِن المَضْموناتِ، فاقْتَضَى التَّخْيِيرَ بينَهما.
والصحيحُ أنَّه يُضْمَنُ بالقِيمَةِ، كسائرِ المَضْمُوناتِ المُتَقَوَّماتِ.
وقولُ عمرَ قد اخْتُلِفَ عنه فيه، قال أحمدُ في روايةِ أبي طالبٍ: وعليه قِيمَتُهُم، مثل قولِ عمرَ.
وإذا تعارَضَتِ الرِّواياتُ عنه، وَجَب الرُّجُوعُ إلى القِياسِ.
المسألة الثالثة 2: في مَن يُضْمَنُ منهم، وهو 3 مَن وُلِدَ حَيًّا في وَقْتٍ يعيشُ لمِثْلِه، سَواءٌ عاش أو مات بعدَ ذلك.
وقال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ،
..................................
وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي: لا ضَمانَ على الأبِ لمَن ماتَ منهم قبلَ الخُصُومَةِ.
وهذا يَنْبَنِي على وَقْتِ الضَّمانِ 1، وقد ذكَرْناه.
فأمَّا السَّقْطُ ومَن وُلِدَ لوَقْتٍ لا يَعِيشُ [في مِثْلِه] 2، وهو دون سِتَّةِ أشْهُرٍ، فلا ضَمانَ له؛ لأنَّه لا قِيمَةَ له.
فصل في المَهْرِ: ولا يَخْلُو أن يكونَ مِمَّن يَجُوزُ له نِكاحُ الإِماءِ أو لا؛ فإن كان مِمَّن يَجُوزُ له ذلك، وقد نَكَحَها نِكاحًا صحيحًا، فلها المُسَمَّى، فإن كان لم يدْخُلْ بها واختارَ الفَسْخَ، فلا مَهْرَ لها؛ لأنَّ الفَسْخَ لعُذْرٍ مِن جِهَتِها، فهي كالمَعِيبَةِ يُفْسَخُ نِكَاحُها، وإن كان مِمَّن لا يجوزُ له 3 نِكاحُ الإِمَاءِ، فالعَقْدُ فاسِدٌ مِن أصْلِه، ولا مَهْرَ فيه إن كان قبلَ الدُّخولِ، فإن دَخَل بها، فعليه مَهْرُها.
وهل يَجبُ المُسَمَّى أو مَهْرُ المِثْلِ؟ على روايتَين، يُذْكَران في الواجِبِ في النِّكَاحِ الفاسدِ، إن شاء اللهُ تعالى.
وكذلك إن كان مِمَّن يجوزُ له نِكاحُ الإِمَاءِ، لكن تَزَوَّجَها بغيرِ إذْنِ سَيِّدِها، أو نحو ذلك ممّا يَفْسُدُ به النِّكاحُ.
..................................
الفصل الرابع: أنَّه يَرْجِعُ بما غَرِمَه على مَن غَرَّه، مِن المَهْرِ وقِيمةِ الأوْلادِ.
وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ، وروايةٌ عن أحمدَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: كذلك قَضَى عمرُ، وعليٌّ، وابنُ عباسٍ، وبه قال الشافعيُّ في القدِيمِ.
وفيه رِوايةٌ أُخْرَى، لا يَرْجِعُ بالمَهْرِ.
اخْتارَه أبو بكرٍ، قال 1: وهو قولُ عليٍّ.
وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي، والشافعيُّ في الجديدِ؛ لأنَّه وَجَب عليه في مُقابَلةِ نَفْعٍ وَصَل إليه، وهو الوطءُ، فلم يَرْجِعْ به، كما لو اشْتَرَى مَغْصُوبًا فأكَلَه، بخِلافِ قِيمةِ الوَلَدِ، فإنَّه لم يَحْصُلْ في مُقَابَلتِه عِوَضٌ؛ لأنَّها وَجَبَتْ بحُرِّيَّةِ الوَلَدِ، وحُرِّيَّةُ الولدِ له لا لأبيه.
وقال القاضي: الأظْهَرُ أنَّه 2 يَرْجِعُ بالمَهْرِ؛ لأنَّ أحمدَ قال: كنتُ أذهبُ إلى حديثِ عليٍّ، ثم إنِّي هِبْتُه، وكأنِّي أمِيلُ إلى حديثِ عمرَ.
يعني في الرُّجُوعِ.
ولأنَّ العاقِدَ ضَمِن له سلامَةَ الوَطْءِ، كما ضَمِن له سلامةَ الوَلَدِ، فكما يَرْجِعُ عليه بقِيمَةِ الوَلَدِ كذلك يَرْجِعُ بالمَهْرِ.
قال: وعلى
..................................
هذا الأصلِ يَرْجِعُ بأُجْرةِ الخِدْمَةِ إذا غَرِمَها.
قال شيخُنا 1: ولا أعْرِفُ عن أصحابِنا بينَهما فَرْقًا.
إذا ثَبَت هذا، وكان الغُرُورُ مِن السَّيِّدِ، عَتَقَت، وإن كان بلَفْظٍ غيرِ هذا لم تَثْبُتْ به الحُرِّيَّةُ، فلا شيءَ له؛ لأنَّه لا فائدةَ في أن يَجِبَ له ما يَرْجِعُ به عليه.
وإن كان الغرورُ مِن وَكِيِله، رَجَع عليه في الحالِ، وكذك إن كان مِن أجنبيٍّ.
وإن كان منها، فليس لها في الحالِ مالٌ، فيُخَرَّجُ فيها وَجْهان، بناءً على دَينِ العبدِ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، هل يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه، أو بِذِمًّتِه يُتْبَعُ به بعدَ العِتْقِ؟ قال القاضِي: قِياسُ قولِ الخِرَقِيِّ أنَّه يَتَعَلَّقُ بذِمَّتِها؛ لأنَّه قال في الأمَةِ إذا خَالعَتْ زَوْجَها [بغيرِ إذْنِ] 2 سَيِّدِها: يَتْبَعُها به إذا عَتَقَتْ.
كذا ههُنا، ويَتْبَعُها 3 بجَمِيعِه.
وظاهرُ كلام أحمدَ أنَّ الغُرُورَ إذا كان مِن الأمَةِ، لم يَرْجِعْ على أحدٍ؛ فإنَّه قال، إذا جَاءتِ الأمَةُ 4 فقالت: إنِّي حُرَّةٌ.
فولَّتْ أمْرَها رجلًا، فَزَوَّجَها [مِن رجلٍ، ثم ظَهَر عليها مَوْلاها، قال: فِكاكُ وَلَدِه على الأبِ؛ لأنَّه لم يَغُرَّه أحَدٌ.
أمّا إذا غَرَّه رجلٌ فزَوَّجَها] 5 على أنَّها حُرَّةٌ، فالفِداءُ على مَن غَرَّه.
يُرْوَى هذا عن عليٍّ، وإبراهيمَ، وحَمَّادٍ.
وكذلك قال الشَّعْبِيُّ.
وإن قُلْنا: يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِها 6. فالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بينَ فِدائِها
..................................
بقِيمَتِها إن كانت أقَلَّ ممَّا يَرْجِعُ به عليها، أو يُسَلِّمُها 1، فإنِ اخْتارَ فِداءَها بقِيمَتِها، سَقَط قَدْرُ ذلك عن الزَّوْجِ، فإنَّه لا فائدةَ في أن يُوجِبَه عليه ثم يَرُدَّه إليه.
وإنِ اختارَ تَسْلِيمَها، سَلَّمَها وأخَذَ ما وَجَب له.
وذَكَر القاضي أنَّ الغُرُورَ المُوجِبَ للرُّجُوعِ، أن يكونَ اشْتِراطُ الحُرِّيَّةِ مُقارِنًا للعَقْدِ، فيقولَ: زَوَّجْتُكَها على أنَّها حُرَّةٌ.
وإن لم يَكُنْ كذلك، لم يَمْلِكِ الفَسْخَ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
والصحيحُ خِلافُ هذا، فإنَّ الصحابةَ الذين قَضَوْا بالرُّجُوعِ لم يُفَرِّقُوا بينَ أنواعِ الغُرُورِ، ولم يَسْتَفْصِلُوا، والظَّاهرُ أنَّ العَقْدَ لم يَقَعْ هكذا، ولم تَجْرِ به العادةُ في العُقُودِ، ولا يجوزُ حَمْلُ 2 قَضَائِهم 3 المُطْلَقِ على صُورةٍ نادرةٍ لم تُنْقَلْ، ولأنَّ الغرورَ 4 قد يكونُ مِن المرأَة، ولا لَفْظَ لها في العَقْدِ، ولأنَّه متى أخْبَرَه بحُرِّيَّتِها أو أوْهَمَه ذلك بقَرائِنَ تُغَلِّبُ على ظَنِّه حُرِّيِّتِها، فنَكَحَها على ذلك، ورَغِب فيها، وأصْدَقَها صَداقَ الحَرائِرِ، ثم لَزِمَه الغُرْمُ، فقد اسْتَضَرَّ بِناءً على قولِ المُخْبِرِ له والغَارِّ، فتَجِبُ إزالةُ الضَّرَرِ عنه بإثْباتِ الرُّجُوعِ على مَن غَرَّه وأضَرَّ به.
فعلى هذا، إن كان الغُرُورُ مِن اثْنَين أو أكْثَرَ، فالرُّجُوعُ على جَميعِهم، وإن كان الغُرُورُ منها ومِن الوَكِيلِ، فعلى كلِّ واحدٍ منهما نِصْفُه.
الفصل الخامس: أنَّه إن كان الزَّوْجُ مِمَّن يَحْرُمُ عليه نِكاحُ الإِمَاءِ،
..................................
فإنَّه يُفَرَّقُ بينَهما؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنَّ النكاحَ فاسدٌ مِن أصْلِه؛ لعَدَمِ شَرْطِه.
وهكذا إن كان تَزْويجُها بغيرِ إذْنِ سَيِّدِها، أو اخْتَلَّ شرطٌ مِن شُرُوطِ النِّكاحِ، فهو فاسدٌ، يُفَرَّقُ بينَهما.
والحكمُ في الرُّجُوعِ على ما ذَكَرْنا.
وإن كان مِمَّن يجوزُ له نِكاحُ الإِمَاءِ، وكانتِ الشَّرَائِطُ مُجْتَمِعَةً، فالعَقْدُ صحيحٌ، وللزَّوْجِ الخِيارُ بينَ الفَسْخِ والمُقامِ على النِّكاحِ.
وهذا معنى قول الخِرَقِيِّ، وظاهِرُ مذهبِ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا خِيارَ له؛ لأنَّ الكَفاءَةَ غيرُ مُعْتَبَرَةٍ في جانبِ المرأةِ، ولأنَّه يَمْلِكُ الطَّلاقَ، فَيُسْتَغْنى به عن الفَسْخِ.
ولِنا، أنَّه عَقْدٌ غُرَّ فيه أحدُ الزَّوْجَينِ بحُرِّيَّةِ الآخَرِ، فيَثْبُتُ له الخيارُ كالآخَرِ، ولأنَّ الكَفاءةَ وإن لم تُعْتَبَرْ، فإنَّ عليه ضَرَرًا في اسْتِرْقاقِ وَلَدِه ورِقِّ امْرَأَتِه، وذلك أعْظَمُ مِن فَقْدِ الكَفاءةِ.
فأمَّا الطَّلاقُ فلا يَنْدَفِعُ به الضَّرَرُ؛ فإنَّه يُسْقِطُ نِصْفَ المُسَمَّى، والفَسْخُ يُسْقِطُ جَمِيعَه.
فإذا فَسَخ قبلَ الدُّخُولِ فلا مَهْرَ لها، وإن رَضِيَ بالمُقامِ معها، فله ذلك؛ لأنَّه يَحِلُّ له نِكاحُ الإِمَاءِ، وما.
وَلَدَتْ بعدَ ذلك فهو رَقِيقٌ لسَيِّدِها؛ لأنَّ المانِعَ مِن رِقِّهِم في الغُرُورِ اعْتِقادُ الزَّوْجِ حُرِّيَّتَها، وقد زال ذلك بالعِلْمِ.
ولو وَطِئَها قبلَ العِلْمِ فعَلِقَتْ منه، ثم عَلِم قبلَ الوَضْعِ، فهو حُرٌّ؛ لأنَّه وَطِئَها مُعْتَقِدًا حُرِّيَّتَها.
فصل: والحكمُ في المُدَبَّرَةِ وأُمِّ الوَلَدِ [والمُعْتَقَةِ بصِفَةٍ] 1، كالأمَةِ
..................................
القِنِّ؛ لأنَّها ناقِصَةٌ بالرِّقّ، إلَّا أنَّ وَلَدَ أُمِّ الوَلَدِ 1 يُقَوَّمُ كأنَّه عَبْدٌ له حُكْمُ أُمِّه، وكذلك مَن أُعْتِقَ بعضُها، إلَّا أنَّه إذا فَدَى الوَلَدَ، لم يَلْزَمْه إلَّا فِداءُ ما فيه مِن الرِّقِّ؛ لأنَّ بَقِيَّتَه حُرٌّ بِحُرِّيَّةِ أُمِّه، لا باعْتِقادِ الوَاطِئ.
فإن كانت مُكاتَبَةً، فكذلك، إلَّا أنَّ مَهْرَها لها؛ لأنَّه مِن كَسْبِها، وكَسْبُها لها، وتَجِبُ قِيمَةُ وَلَدِها على الرِّوايةِ المشهورةِ.
قال أبو بكرٍ: ويكونُ ذلك تَسْتَعِينُ به في كِتابَتِها.
فإن كان الغُرُورُ منها، فلا شيءَ لها، إذ لا فائدةَ في إيجابِ شيءٍ 2 لها يَرْجِعُ به عليها، وإن كان الغُرُورُ مِن غيرِها، غَرِمَه لها، ورَجَع به على مَن غرَّه.
فصل: ولا يَثْبُتُ أنَّها أمَةٌ بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، ويَثْبُتُ بالبَيِّنَةِ.
فإن أقَرَّتْ أنَّها أمَةٌ، فقال أحمدُ في رِوايةِ أبي الحارثِ: لا يَسْتَحِقُّها بإقْرارِها؛ لأنَّ إقْرارَها يُزِيلُ النِّكاحَ عنها، ويُثْبِتُ حَقًّا على غيرِها، فلم يُقْبَلْ، كإقْرارِها بمالٍ على غيرِها.
وقال في رِوايةِ حَنْبَلٍ: لا شيءَ حتى تَثْبُتَ له، أو تُقِزَّ هي أنَّها أمَتُه.
فظاهِرُ هذا أنَّه يُقْبَلُ إقْرارُها؛ لأنَّها مُقِرَّةٌ على نَفْسِها بالرِّقِّ، أشْبَهَ غيرَ الزَّوْجَةِ.
والأوَّلُ أوْلَى.
ولا نُسَلِّمُ أنَّه يُقْبَلُ مِن غيرِ ذاتِ الزَّوْجِ إقْرارُها بالرِّقِّ بعدَ إقْرارِها بالحُرِّيَّةِ؛ لأنَّها أقَرَّتْ بما يَتَعَلَّقُ به حَقُّ الله تعالى.
فصل: فإن حَمَلَتِ المَغْرُورُ بها، فضَرَبَها ضارِبٌ فألْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا،
وَإِنْ كَانَ الْمَغْرُورُ عَبْدًا، فَوَلَدُهُ أَحْرَارٌ، وَيَفْدِيهِمْ إِذَا عَتَقَ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنَ غَرَّهُ.
فعلى الضاربِ غُرَّةٌ؛ لأنَّه محكومٌ بحُرِّيَّتِه، ويَرِثُها وَرَثَتُه (1). فإن كان الضاربُ أباه، لم يَرِثْه.
ولا يَجِبُ بَدَلُ (2) هذا الولدِ (3) للسَّيِّدِ؛ لأنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّ بَدَلَ (2) حَيٍّ، وهذا مَيِّتٌ.
ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ له عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ لأنِّ الواطئَ فَوَّتَ ذلك عليه [باعْتِقادِ الحُرِّيَّةِ، ولَوْلاه لوَجَبَ ذلك له] (4).
فصل: ويَثْبُت له الخِيارُ إذا ظَنَّها حُرَّةً فبانَتْ أمَةً، كما إذا شَرَط ذلك.
وقال الشافعيُّ: لا خِيارَ له.
ووَافَقَنا (5) فيما إذا ظَنَّ أنَّها مُسْلِمَةٌ فبانَتْ كافِرَةً، أنَّه يَثْبُتُ له الخِيارُ.
وقال بَعْضُهم: فيهما (6) جميعًا قَوْلان.
ولَنا، أنَّ نَقْصَ الرِّقِّ أعْظَمُ ضَرَرًا، فإنَّه يُؤَثِّرُ في رِقِّ وَلَدِه، ومَنْعِ كمالِ اسْتِمْتاعِه، فكان له الخِيارُ، كما لو كانت كافرةً.
3183 -
مسألة: (وإن كان المَغْرُورُ عَبْدًا، فوَلَدُه أحْرارٌ، ويَفْدِيهم إذا عَتَقَ، ويَرْجِعُ به على مَن غَرَّه)
وجملةُ ذلك، أنَّ حُكْمَ العبدِ123456
..................................
المَغْرُورِ حُكْمُ الحُرِّ في حُرِّيَّةِ أولادِه.
وقال أبو حنيفةَ: وَلَدُه رَقِيقٌ؛ لأنَّ أبَوَيه رقِيقٌ.
ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنَّه وَطِئَها مُعْتَقِدًا حُرِّيَّتَها، فأشْبَهَ الحُرَّ، فإنَّ هذا هو العِلَّةُ المُقْتَضِيَةُ للحُرِّيَّةِ في مَحَلِّ الوفاقِ، ولولا ذلك لكان رَقِيقًا، فإنَّ عِلَّةَ رِقِّ الوَلَدِ رِقُّ الأُمِّ خَاصَّةً، ولا عِبْرَةَ بالأبِ، بدلِيلِ وَلَدِ الحُرِّ مِن الأمَةِ، ووَلَدِ الحُرَّةِ مِن العَبْدِ.
وعلى العَبْدِ فِداؤُهم؛ لأنَّه فَوَّتَ رِقَّهُم باعْتِقادِه وفِعْلِه، ولا مال له في الحالِ، فيُخرَّجُ في ذلك وَجْهان؛ أحدُهما، يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه كجِنايَته.
والثاني، بذِمَّتِه يُتْبَعُ به بعدَ العِتْقِ.
وهو قولُ الخِرَقِيِّ، فيكُونُ بمَنْزِلَةِ الخُلْعِ مِن الأمَةِ إذا بَذَلَتْه بغيرِ إذْنِ سَيِّدِها.
ويُفارِقُ الاسْتِدانةَ والجِنايةَ؛ لأنَّه إذا 1 اسْتَدانَ أتْلَفَ مال الغَرِيمِ، فكان جِنايةً منه، وههُنا لم يَجْنِ في الأوْلادِ جنايةً، وإنَّما عَتَقُوا مِن طَرِيقِ الحُكْمِ، وما حَصَل له 2 منهم عِوَضٌ، فيَكونُ ذلك في ذِمَّتِه يُتْبَعُ به بعدَ
..................................
العِتْقِ، ويَرْجِعُ به حينَ يَغْرَمُه، فإنَّه لا يَنْبَغِي أن يَجِبَ له بَذْلُ ما لم يَفُتْ 1 عليه، وأمَّا الحُرِّيَّةُ فتُتَعَجَّلُ في الحالِ.
وإن قُلْنا: إنَّ الفِداءَ يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه.
وَجَب في الحال، ويَرْجعُ به سَيِّدُه في الحالِ، ويَثْبُتُ للعبدِ الخِيارُ، كثُبُوتِه للحُرِّ الذي يَحِلُّ له نِكاحُ الإِمَاءِ؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في رِقِّ وَلَدِه، ونقصًا في اسْتِمْتاعِه، فإنَّها لا تكونُ عندَه ليلًا ونهارًا، ولم يَرْضَ به.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَثْبُتَ له خِيارٌ؛ لأنَّه فَقَد 2 صِفَةً لا يَنْقُصُ بها عن رُتْبَتِه، فأشْبَهَ ما لو شَرَط نَسَبَ امرأةٍ 3 فبانَتْ بخِلافِه؛ لأنَّها مُسَاويةٌ لنَسَبِه،
..................................
بخِلافِ تَغْرِيرِ الحُرِّ.
وقال بعضُ الشافعيةِ: لا خِيارَ له.
وقال بعضُهم: فيه قَوْلان.
والأَوْلَى ما ذَكَرْناه.
وإذا اخْتارَ الإِقامَةَ، فالمَهْرُ واجِبٌ، لا يَرْجِعُ به على أحَدٍ، وإنِ اختارَ الفَسْخَ قبلَ الدُّخُولِ، فلا مَهْرَ، وإن كان بعدَه والنِّكاحُ بإذْنِ سَيِّدِه، فالمَهْرُ واجِبٌ عليه، وفي الرُّجُوعِ اخْتِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى.
وإن كان بغيرِ إذْنِه، فالنِّكاحُ فاسدٌ.
فإن دَخَل بها، ففي قَدْرِ ما يَجِبُ به وَجْهان؛ أحدُهما، مَهْرُ المِثْلِ.
والثاني، الخُمْسانِ.
وهل يَرْجِعُ به؟ على وَجْهِين.
وَإِنْ تَزَوَّجَتْ رَجُلًا عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ، أَوْ تَظُنُّهُ حُرًّا، فَبَانَ عَبْدًا، فَلَهَا الْخِيَارُ.
3184 - مسألة: (وإن تَزَوَّجَتِ)
المرأةُ (عبدًا على أنَّه حُرٌّ، أو
..................................
تَظُنُّه حُرًّا، فبانَ عَبْدًا، فلها الخِيارُ) أمّا النِّكاحُ فهو صحيحٌ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، وأحدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّ اخْتِلافَ الصِّفَةِ لا يَمْنَعُ صِحَّةَ العَقْدِ، كما لو تَزَوَّجَ أمَةً على أنَّها حُرَّةٌ.
وهذا إذا كَمَلَتْ شُرُوطُ النِّكاحِ، وكان بإذْنِ سَيِّدِه 1. وإن كانتِ المرأةُ حُرَّةً، وقُلْنا: الحُرِّيَّةُ ليست مِن شُرُوطِ الكَفاءةِ.
أو 2: إنَّ فَقْدَ الكَفاءَةِ لا يُبْطِلُ النِّكاحَ.
فهو صحيحٌ، و 3 للمرأةِ الخِيارُ بينَ الفَسْخِ والإِمْضاءِ، فإنِ اخْتارَتْ إمْضاءَه 4، فلأَولِيائِها الاعْتراضُ عليها؛ لعَدَمِ الكَفاءَةِ.
وإن كانت أمَةً فيَنْبَغِي أن يكونَ لها الخِيارُ أيضًا؛ لأنَّه لمَّا ثَبَت الخِيارُ للعَبْدِ إذا غُرَّ مِن أمَةٍ، ثَبَت للأَمَةِ إذا غُرَّتْ بعَبْدٍ.
وكلُّ مَوْضِعٍ حَكَمْنا بفَسادِ العَقْدِ به ففُرِّقَ بينَهما قبلَ الدُّخُولِ، فلا مَهْرَ لها، وإن كان بعدَه فلها مَهْرُ المِثْلِ أو المُسَمَّى، على ما قَدَّمْنا مِن الاخْتِلافِ.
وكلُّ مَوْضِعٍ فُسِخَ النِّكاحُ مع القولِ بصِحَّتِه قبلَ الدُّخُولِ، فلا شيءَ لها، وإن كان بعدَه فلها المُسَمَّى؛ لأنَّه فَسْخٌ طَرَأ على نِكاحٍ 5، فأشْبَهَ الطَّلاقَ.
فَصْلٌ: وَإِنْ عَتَقَتِ الْأَمَةُ وَزَوْجُهَا حُرٌّ، فَلَا خِيَارَ لَهَا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ،
فصل: فإن غَرَّها بنَسَبٍ فبانَ دُونَه، وكان ذلك مُخِلًّا بالكَفاءَةِ، وقُلْنا بصِحَّةِ النِّكاحِ، فلها الخِيارُ، فإنِ اخْتارتِ الإِمْضاءَ، فلأوْلِيائِها الاعْتِراضُ عليها، وإن لم يُخِلَّ بالكفاءةِ، فلا خِيارَ لها؛ لأنَّ ذلك ليس بمُعْتَبَرٍ في النِّكاحِ، فأشبَهَ ما لو شَرَطَتْه فَقِيهًا فبَانَ بخِلافِه.
وكذلك إنِ اشْتَرَطَتْ غيرَ النَّسَبِ، فإن كان ممَّا يُعْتَبَرُ في الكَفاءةِ، فهو كما لو تَبَيَّنَ أنَّه غيرُ مُكافِئ، لها في النَّسبِ، وإن لم يُعْتَبَرْ في الكَفاءةِ، كالفِقْهِ والجَمالِ وأشْباهِ ذلك، فلا خِيارَ لها؛ لأنَّ ذلك ممّا لا يُؤثِّرُ في النِّكاحِ، [فلا يُؤثِّرُ اشْتِرَاطُه.
[وذُكِرَ فيما] 1 إذا بان نَسَبُه دونَ ما ذَكَرَه، وَجْهٌ في ثُبُوتِ الخِيارِ لها] 2 وإن لم يُخلَّ بالكَفاءة.
والأَوْلَى ما ذَكَرْناه.
فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ الله عنه: (وإن عَتَقَتِ الأمَةُ وزَوْجُها حُرٌّ، فلا خِيارَ لها في ظاهِرِ المذهبِ) هذا قولُ ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وسعيدِ
..................................
ابنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ، وعطاءٍ، وسليمانَ بنِ يسارٍ، وأبي قِلابَةَ، وابنِ أبي لَيلَى، ومالكٍ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ.
وقال طاوُسٌ، وابنُ سِيرِينَ، ومجاهدٌ، والنَّخَعِيُّ، وحَمَّادُ بنُ أبي سليمانَ، والثَّوْرِيُّ، وأصْحابُ الرَّأي: لها الخِيارُ؛ لِما روَى الأسْوَدُ عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خَيَّرَ بَرِيرَة، وكان زَوْجُها حرًّا.
رَواه النَّسائِيُّ 1. ولأنَّها كَمَلَتْ بالحُرِّيَّةِ، فكان لها الخِيارُ، كما لو كان زَوْجُها عَبْدًا.
ورُوِيَ ذلك عن أحمدَ.
ولَنا، أنَّها كافَأَت زَوْجَها في الكَمالِ، فلم يَثْبُتْ لها الخِيارُ،
..................................
كما لو أسْلَمَتِ الكِتابِيَّةُ تحتَ المُسْلِم.
فأمَّا خبرُ الأسودِ عن عائشةَ، فقد روَى عنها القاسمُ بنُ محمدٍ، وعُرْوَةُ، أنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كان عبدًا 1. وهما أخَصُّ بها مِن الأسْوَدِ؛ لأنَّهما ابنُ أخِيها وابنُ أُخْتِها.
وقد روَى [الأعْمَشُ، عن إبراهيمَ، عن الأسْوَدِ] 2، عن عائشةَ، أنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كان عبدًا.
فتعارضَتْ رِوايتَاه.
وقال ابنُ عباسٍ: كان زَوْجُ بَرِيرَةَ عبدًا أسودَ لبَنِي المُغِيرَةِ، يُقَالُ له: مُغِيثٌ.
رَواه البخارِيُّ، وغيرُه 3.
وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَلَهَا الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ،
وقالت صَفِيَّةُ بنتُ أبي عُبَيدٍ: كان زَوْجُ بَرِيرَةَ عبدًا (1). قال أحمدُ: هذا ابنُ عباسٍ وعائشةُ قالا في زَوْجِ بَرِيرَةَ: إنه عبْدٌ.
رِوَايَةُ علماءِ المدينةِ وعَمَلُهم، وإذا روَى أهْلُ المدينةِ حَدِيثًا وعَمِلُوا بِه، فهو أصَحُّ شيءٍ، وإنَّما يَصِحُّ [أنَّه حُرٌّ] (2) عن الأسودِ وَحْدَه، فأمَّا غيرُه فليس بذاك.
قال: والعَقْدُ صحيحٌ، فلا يُفْسَخُ بالمُخْتَلَفِ فيه، والحُرُّ فيه اخْتِلافٌ، والعَبْدُ لا اخْتِلافَ فيه.
ويُخالِفُ الحُرُّ العَبْدَ؛ لأنَّ العَبْدَ ناقِصٌ، فإذْا كَمَلَتْ تحتَه، تَضَرَّرَتْ ببَقائِها عندَه، بخِلافِ الحُرِّ.
3185 -
مسألة: (وإن كان عَبْدًا فلها الخِيارُ في فَسْخِ النِّكاحِ)
أجْمَعَ أهلُ العلمِ على هذا.
ذَكَرَه ابنُ المُنْذِرِ، وابنُ عبدِ البرِّ 3، وغيرُهما.
والأصْلُ فيه حديثُ بَرِيرَةَ، قالت عائشةُ: كاتَبَتْ بَرِيرَةُ، فَخَيَّرَها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في زَوْجِها، وكان عبدًا، فاخْتارَتْ نفسَها.
قال12
وَلَهَا الْفَسْخُ بِغَيرِ حُكْمِ حَاكِمٍ.
عروةُ: ولو كان حرًّا ما خَيَّرَها.
رَواه مالكٌ، وأبو داودَ، والنَّسائِيُّ (1). ولأنَّ عليها ضَرَرًا في كَوْنِها حُرَّةً تحتَ العَبْدِ، فكان لها الخِيارُ، كما لو تَزَوَّجَ حُرَّةً على أنَّه حُرٌّ فبانَ عبدًا.
فإنِ اخْتارَتِ الفَسْخَ، فلها فِراقُه، وإن رَضِيَتِ المُقامَ معه لم يَكُنْ لها فِراقُه بعدَ ذلك؛ لأنَّها أسْقَطَتْ حَقَّها، وهذا ممّا لا خِلافَ فيه بحمدِ اللهِ.
3186 -
مسألة: (ولها الفَسْخُ)
بنَفْسِها (مِن غيرِ حُكْمِ حاكمٍ) لأنَّه فَسْخٌ مُجْمَعٌ عليه، غيرُ مُجْتَهَدٍ فيه، فلا يَفْتَقِرُ إلى حُكْمِ حاكِمٍ، كالرَّدِّ بالعَيبِ في المَبِيعِ، بخِلافِ خِيارِ العَيبِ في النِّكاحِ، فإنَّه مُجْتَهَدٌ فيه، فافْتَقَرَ إلى حُكْمِ الحاكِمِ، كالفَسْخِ للإِعْسَارِ.
وروَى الحسنُ بنُ 2 عَمْرِو بنِ أُمَيَّةَ، قال: سَمِعْتُ رِجالًا يتَحَدَّثُونَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «إذا أُعْتِقَتِ الأمَةُ، فَهِيَ بالخِيَارِ مَا لَمْ يَطَأْهَا، إنْ شَاءَتْ فَارَقَتْ، فَإنْ وَطِئَهَا فَلَا خِيَارَ لَهَا».
رَواه الإِمامُ أحمدُ في «المُسْنَدِ» 3.1
..................................
فصل: فإنِ اختارَتِ المُعْتَقَةُ 1 الفِراقَ، كان فَسْخًا ليس بطَلاقٍ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والثَّوريُّ، والحسنُ بنُ حَيٍّ 2، والشافعيُّ.
وذَهَب مالكٌ والأوْزاعِيُّ، واللَّيثُ، إلى أنَّه طَلاقٌ بائِنٌ.
قال مالكٌ: إلَّا أن تُطَلِّقَ نَفْسَها ثَلاثًا فتَطْلُقَ ثلاثًا.
واحْتَجَّ له بقصةِ زَبْرَاءَ، حينَ طَلَّقَتْ نَفْسَها ثَلاثًا 3، فلم يَبْلُغْنا أنَّ أحدًا مِن الصحابَةِ أَنْكَرَ ذلك، ولأنَّها تَمْلِكُ الفِراقَ، فمَلَكَتِ الطَّلاقَ، كالرجلِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الطَّلَاقُ لِمَنْ أخَذَ بِالسَّاقِ» 4. ولأنَّها فُرْقَةٌ مِن قِبَلِ الزَّوْجَةِ، فكانت فَسْخًا، كما لو اخْتَلَف دِينُهما، أو أرْضَعَتْ مَن يَنْفَسِخُ نِكاحُه = السنن الكبرى 3/ 180. وهو موافق أيضًا لما ترجمه الحافظ المزي في: تحفة الأشراف 11/ 138. وكذا ابن حجر في: النكت الظراف.
ولم نجد لحسن بن عمرو ترجمة.
وذكر الحافظ المزي أنه عند النسائي -لعله في رواية ابن الأحمر- من طريق الشعبي عن عمرو بن أمية الضمري.... قال النسائي: هذا عندي حديث منكر.
تحفة الأشراف 11/ 139. والحديث في المسند 4/ 65 من رواية الفضل بن عمرو بن أمية عن أبيه.
وانظر: التاريخ الكبير للبخاري 1/ 4 / 7/ 115. الجرح والتعديل 2/ 3 / 7/ 64. وفي المسند 4/ 66 من رواية الفضل بن الحسن بن عمرو بن أمية.
وانظر: التاريخ الكبير 1/ 4 / 7/ 114، 115. تهذيب التهذيب 8/ 269، 270. وفي المسند 5/ 378. من رواية الفضل بن عمرو بن أمية عن أبيه، ومن رواية الفضل بن الحسن بن عمرو بن أمية.
فَإِنْ أُعْتِقَ قَبْلَ فَسْخِهَا، أَوْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ وَطْئِهَا، بَطَلَ خِيَارُهَا.
برَضاعِه (1). وفِعْلُ زَبْرَاءَ ليس بحُجَّةٍ، ولم يَثْبُتِ انْتِشارُه في الصَّحابةِ.
فعلى هذا، لو (2) قالت: اخْتَرْتُ نفسِي.
أو: فَسَخْتُ النِّكاحَ.
انْفَسَخٍ.
ولو قالتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي.
ونَوَتِ المُفَارَقَةَ، كان كِنايةً عن الفَسْخِ؛ لأنَّه يُؤَدِّي مَعْناه، فصَلَحَ كنايةً عنه، كالكِنايةِ بالفَسْخِ عن الطَّلاقِ.
3187 -
مسألة: (فإن أُعْتِقَ قبلَ فَسْخِها، أو أمْكَنَتْه مِن وَطْئِها، بَطَل خِيارُها)
أمَّا إذا أُعْتِقَ الزَّوْجُ قبلَ خِيارِها، سَقَط؛ لأنَّ الخِيارَ لدَفعِ الضَّرَرِ بالرِّقِّ، وقد زَال بعِتْقِه، فسَقَطَ، كالمَبِيعِ إذا زال عَيبُه.
وهذا أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وإن وَطِئَها، بَطَل خِيارُها، عَلِمَتْ بالخِيارِ أو لم تَعْلَمْ.
نَصَّ عليه أحمدُ، واخْتارَه الخِرَقِيُّ.
ورُوِيَ ذلك عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، وأُخْتِه حَفْصَةَ، ونافِعٍ، والزُّهْرِيِّ، وقَتادَةَ.
وحَكَاه بعضُ أهلِ العلمِ عن [الفقهاءِ السَّبْعَةِ] 3. وذَكَر القاضي أنَّ لها الخِيارَ إذا لم تَعْلَمْ،12