قَالَ أحمَدُ فِى الرَّجُلِ يُوَكِّلُ وَكِيلًا، وَيُشْهدُ عَلَى نَفْسِهِ رَجُلًا وَامْرَأتيْنِ: إِنْ كَانَتْ فِى الْمُطَالَبَةِ بِدَيْن، فَأما غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا.
ذلك، أنَّ ما ليس بعُقُوبَةٍ، ولا يُقْصدُ به المالُ، كالنِّكاحِ، والرَّجْعَةِ، والطَّلاقِ، والعَتاقِ، والِإيلاءِ، والظِّهارِ، والنَّسبِ، والتَّوْكيلِ، والوَصِيَّةِ إليه، والوَلاءِ، والكِتابَةِ، وأشْباهِ هذا، فقال القاضى: المُعَوَّلُ عليه في المذهبِ، أنَّ هذا لا يَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْن ذَكَرَيْن، ولا تُقْبَلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ بحالٍ.
وقد نَصَّ أحمدُ في رِوايةِ الجماعةِ، على أنَّه لا تجوزُ شَهادةُ النِّساءِ في النِّكاحِ والطَّلاقِ.
وقد نُقِلَ عن أحمدَ في الوَكالَةِ (إن كانتْ بمُطالَبَةِ دَيْنٍ) يعنى تُقْبَلُ فيه 1 شَهادةُ رجلٍ وامرأتَيْن (فأمَّا غيرُ ذلك فلا) ووَجْهُ ذلك أنَّ الوَكالَةَ في اقْتِضاءِ الدَّيْنِ يُقْصَدُ منها المالُ، فيُقْبَلُ فيها شَهادةُ رَجلٍ وامْرأتَيْن، كالحَوالَةِ.
قال القاضى: فيُخَرَّجُ مِن هذا
..................................
أن النِّكاحَ وحُقوقَه، من الرَّجْعَةِ وشِبْهِها، لا تُقْبَلُ فيها شَهادةُ النِّساءِ، روايةً واحدةً، وما عَداه يُخَرَّجُ على رِوايَتَيْن.
وقال أبو الخَطَّابِ: في النِّكاحِ والعَتاقِ أيضًا رِوَايتان؛ إحْداهما، لا تُقْبَلُ فيه إلَّا شَهادةُ رجُلَيْنِ.
وهو قولُ النَّخَعِىِّ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، وأهلِ المدينةِ، والشافعىِّ.
وبه قال سَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، ورَبِيعَةُ، في الطَّلاقِ.
والثانيةُ، تُقْبَلُ فيه شَهادةُ رَجُل وامْرأتَيْن.
رُوِىَ ذلك عن جابرِ بنَ زيدٍ، وإياسَ بنِ مُعاوِيةَ، والشَّعْبِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأىِ.
ورُوِىَ ذلك في النِّكاحِ عن عَطاء.
واحْتَجُّوا بأنه لا يَسْقُطُ بالشبْهَةِ، فيَثْبُت برَجُل وامْرأتَيْن، كالمالِ.
ولَنا، أنَّه ليس بمال، ولا يُقْصَدُ منه 1 المالُ، ويَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ، فلم يكُنْ للنساء في شَهادَتِه مَدْخَل، كالحُدودِ والقِصاصِ.
وما ذكَرُوه لا يَصِح، فإنًّ الشبْهَةَ لا مَدْخَلَ لها في النِّكاحِ، وإنْ تُصُوِّرَ بأن تكونَ المرأةُ مُرْتابَة بالحَمْلِ، لم يَصِحَّ النِّكاحُ.
..................................
فصل: وقد نُقِلَ عن أحمدَ، في الإعْسارِ ما يَدُلُّ على أنَّه لا يَثْبُتُ إلَّا بثلائةٍ؛ لحديثِ قَبِيصَةَ بنِ المُخارِقِ، وفيه: «حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَة مِنْ ذَوِى الحِجَا مِنْ قَوْمِه، لَقَدْ أصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ» 1. قال أحمدُ: هكذا جاءَ الحديثُ.
فظاهِرُ هذا أنَّه أخَذَ به.
ورُوِىَ عنه، لا يُقْبَلُ أَّنه وَصَّى، حتى يَشْهَدَ له رَجُلانِ أو رجُل عَدْلٌ.
فظاهِرُ هذا أَّنه [يُقْبَلُ في الوصِيَّةِ شهادةُ رجل واحدٍ.
وقال في الرجلِ يُوَصِّى ولا يحضُرُه إلا النِّساءُ، قال: أجِيزُ شَهادةَ النساءِ.
فظاهِرُ هذا أنَّه] 2 أثْبَتَ الوَصِيَّةَ بشَهادةِ النِّساءِ على الانْفِرادِ، إذا لم يحْضُرْه الرجالُ.
قال القاضى: المذهبُ في هذا كلِّه لا يثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْن، وحَدِيثُ قَبِيصَةَ في حِلِّ المسْألةِ، لا في الإعْسارِ.
..................................
فصل: ولا يَثْبُتُ شئٌ ممَّا ذكَرْنا بشاهِدٍ ويَمِينِ المُدَّعِى؛ لأنَّه إذا لم يثْبُتْ بشَهادَةِ رجُل وامرأتَيْن، [فلَأن لا] 1 يثْبُتَ بشاهِدٍ واحدٍ ويَمِين أوْلَى.
قال أحمدُ، ومالكٌ، في الشاهدِ واليَمِينِ: إنَّما يكونُ ذلك في الأمْوالِ خاصَّةً، لا يَقَعُ في حَدٍّ، ولا نِكاحٍ، ولا طَلَاق، ولا عَتَاقٍ، ولا سَرِقَةٍ، ولا قَتل.
وعن أحمدَ في العِتْقِ أنه 2 يَثْبُت بشاهِدٍ ويَمِينِ العَبْدِ.
ذكَرَه الخِرَقِىُّ، فقال: إذا ادَّعى العَبْدُ (2) أنَّ سَيِّدَه أعْتَقَه، وأتَى بشاهدٍ، حَلَفَ مع شاهِدِه، وصارَ حُرًّا، ونَصَّ عليه أحمدُ.
وقال في الشَّريكَيْن في عبدٍ، ادَّعَى كُلُّ واحدٍ منهما أنَّ شَرِيكَه أعْتَقَ حقَّه منه، وكانا مُعْسِرَيْنِ عَدْلَيْنِ: فللعَبْدِ أنْ يَحْلِفَ مع كُلِّ واحدٍ منهما ويَصِيرَ حُرا، أو يَحْلِفَ مع أحَدِهما ويَصِيرَ نِصْفُه حُرًّا.
فيُخَرَّجُ مثلُ هذا في الكِتابَةِ،
..................................
والوَلاءِ، والوَصِيّةِ، والوَدِيعَةِ، والوَكالَةِ، فيكونُ في الجَميِعِ رِوايتان، ما خَلا العُقُوباتِ البَدَنِيَّةَ، والنِّكاحَ وحقوقَه، فإنَّها لا تثْبُت بشَاهدٍ ويَمِين، قَوْلًا واحدًا.
قال القاضى: المَعْمُولُ عليه في جَمِيعِ ما ذكَرْناه، أنّه لا يثْبُتُ إلَّا بشَاهِدَيْن.
وهو قولُ الشافعىِّ.
وقد رَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ 1 بإسْنادِه عن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللهُ عنه، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «اسْتَشَرْتُ جِبْرِيلَ فِى القَضَاءِ بالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، فأشَارَ عَلَىّ فِى الأمْوَالِ، لَا تَعْدُو ذَلِكَ» وقال عمرُو بنُ دِينار، عن ابنِ عباس، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قَضَى بالشّاهِدِ واليَمِينِ؟ قال: نعم في الأمْوالِ.
وتَفْسِيرُ الرَّاوِى أوْلَى مِن تَفْسِيرِ غيرِه.
رَواه الإمامُ أحمدُ، وغيرُه 2، بإسنادِه.
الرَّابع، الْمَالُ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ؛ كَالْبَيْعِ، وَالقَرْضِ، وَالرهْنِ، وَالْوَصِيَّةِ لَهُ، وَجِنَايَةِ الْخَطَأَ، تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرأتَيْنِ، وَشَاهِدٌ وَيَمِينُ المُدَّعِى.
وَهَلْ تُقْبَلُ فِى جِنَايَةِ الْعَمْدِ المُوجِبَةِ لِلْمَالِ دُونَ القِصَاصِ، كَالْهَاشِمَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ، شَهَادَةُ رَجُل وَامْرَأتَيْنِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
(الرَّابعُ، المالُ، وما يُقْصَدُ به المالُ؛ كما لبَيْعِ، والرَّهْنِ، والقَرْضِ، والوَصِيةِ له، وجِنايَةِ الخَطَأ، تُقْبَلُ فيه شَهادة رجل وامرأتَيْن، وشاهِدٌ ويَمِينُ المُدَّعِى.
وهل تُقْبَلُ في جِنايَةِ العَمْدِ المُوجِبَةِ للْمَالِ دُونَ القِصاصِ، كالهاشِمَةِ والمُنَقِّلَةِ، شَهادَةُ رَجُل وامْرأتَيْن؟ عَلَى رِوايَتَيْن)
..................................
وجملةُ ذلك، أنّ المالَ؛ كالقَرْضِ، [والغَصْبِ] 1، والرُّهونِ، والدُّيونِ كلِّها، وما يُقْصَدُ به المالُ؛ كالبَيْعِ، والوَقْفِ، والِإجارَةِ، والهِبَةِ، والصُّلْحِ، والمُساقَاةِ، والمُضارَبَةِ، والشَّرِكَةِ، والوَصِيَّةِ له، والجِنايَةِ المُوجِبَةِ للمال، كالخَطَأ وعَمْدِ الخَطَأَ، والعَمْدِ المُوجب للمالِ دونَ القِصاصِ، كالجائِفَةِ وما دونَ المُوضِحَةِ مِن الشِّجاجِ، يَثْبُتُ بشَهادَةِ رجل وامْرأتَيْن.
وقال أبو بكر: لا تثْبُتُ الجِنايَةُ في البَدَنِ بشَهادةِ رجل وامرأتَيْن؛ لأنَّها جِنايَة، فأشْبَهَتْ ما يُوجب القِصاصَ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ مُوجَبَها المالُ، فأشْبَهَتِ البَيْعَ، وفارَقَ ما يُوجب القِصاصَ؛ لأنَّ القِصاصَ لا تُقْبَلُ فيه شهادةُ النِّساءِ، فكذلك 2 ما يُوجِبُه.
والمالُ يَثْبُتُ بشَهادَةِ النِّساءِ، فكذلك ما يُوجِبُه.
ولا خِلافَ في أنَّ المالَ يَثْبُتُ بشَهادةِ النِّساءِ مع الرِّجالِ، وقد نَصَّ الله تعالى على ذلك في كتابِه العزيزِ بقولِه سبحانه: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ 3. وأجْمَعَ أهلُ العلمِ على
..................................
القَوْلِ به.
فصل: وأكثرُ أهلِ العلمِ يَرَوْنَ ثُبُوتَ المالِ لمُدَّعِيه بشاهِدٍ ويَمِينٍ.
رُوِىَ ذلك عن أبى بكر، [وعمرَ] 1، وعثمانَ 2، وعلىٍّ 3، رَضِىَ اللهُ عنهم.
وبه قال الفُقَهاءُ السَّبْعَةُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وشُرَيْح، والحسنُ، وإياسٌ، وعبدُ الله بنُ عُتْبَةَ، وأبو سَلَمةَ ابنُ عبدِ الرحمنِ، ويحيى بنُ يَعْمُرَ، ورَبِيعَةُ، ومالكٌ، وابنُ أبى ليلَى، وأبو الزِّنادِ، والشافعىُّ.
وقال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأىِ، والأوْزاعِىُّ: لا يُقْضَى بشاهدٍ ويَمِين.
وقال محمدُ بنُ الحسنِ: مَن قَضَى بالشّاهدِ واليَمِينِ، نَقَضْتُ حُكْمَه؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾.
فمَن زادَ في ذلك، فقد زادَ في النَّصِّ، والزِّيادةُ في النَّصِّ نَسْخٌ، ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِى، والْيمينُ عَلَى مَنْ أنْكَرَ» 4. فحصَرَ اليَمِينَ في جانِبِ المُدَّعَى عليه, كما حصَرَ البَيِّنَةَ في جانِبِ المُدَّعِى.
ولَنا، ما رَوَى سُهَيْلٌ، عن أبيه،
..................................
عن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ الله عنه، قال: قَضَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - باليَمِينِ مع الشَّاهِدِ الواحدِ.
رواه سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ، في «سُنَنِه»، والأئِمَّةُ مِن أهلِ السُّنَنِ والمَسانِيدِ 1، قال الترْمِذِىُّ: هذا حديث غريبٌ، وفى البابِ عن على، وابنِ عبَّاس، وجابر.
وقال النَّسَائِىُّ 2: إسْنادُ ابنِ عبَّاس في اليَمِينِ مع الشّاهِدِ إسْنادٌ جَيِّدٌ.
ولأنَّ اليَمِينَ تُشْرَعُ في مَن ظَهَرَ صِدْقُه، وقَوِىَ جانِبُه، ولذلك شُرِعَتْ في حَقِّ صاحِبِ اليَدِ لقُوَّةِ جَنَبَتِه بها، وفى حَقِّ المُنْكِرِ لِقُوَّةِ جَنَبَتِه، فإنَّ الأصْلَ بَراءَةُ ذِمتِهْ، والمُدَّعِى ههُنا قد ظَهَر صِدْقُه، فوَجَبَ أن تُشْرَعَ اليَمِينُ في حَقِّه.
ولا حُجَّةَ لهم في الآيةِ؛ لأنَّها
..................................
دَلَّتْ على مَشْرُوعِيَّةِ الشَّاهِدَيْنِ 1، [والشَّاهِدِ] 2 والمرْأتَيْن، ولا نِزَاعَ في هذا.
وقوْلُهم: إنَّ الزِّيادةَ في النَّصِّ نَسْخ.
غيرُ صَحِيحٍ؛ لأنَّ النَّسْخَ الرَّفْعُ والِإزَالَةُ، والزِّيادَةُ في الشئِ تَقْرِير له، لا رَفْعٌ، والحُكْمُ بالشّاهِدِ واليَمِينِ لا يَمْنَعُ الحُكْمَ بالشّاهِدَيْن، ولا يَرْفَعُه، ولأنَّ الزِّيادَةَ لو كانت مُتَّصلَةً بالمَزِيدِ عليه لم ترفَعْه، ولم تكُنْ نسْخًا، فكذلك إذا انْفَصَلَتْ عنه، ولأنَّ الآيةَ وارِدَة في التَّحَمُّل دُونَ الأداءِ، ولهذا قال: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ 3. والنِّزاعُ في الأداءِ، وحدِيثُهم ضَعِيفٌ، وليس هو للحَصْرِ، بدَليلِ أنَّ اليَمِينَ تُشْرَعُ في حَقِّ المُودَعِ إذا ادَّعَى رَدَّ الوَدِيعَةِ وتَلَفَها، وفى حَقِّ الأمَناءِ لظُهورِ
..................................
جانِبِهم 1، وفى حَقِّ المُلاعِنِ، وفى القَسامَةِ، وتُشْرَعُ 2 في حَقِّ البائع والمُشْتَرِى إذا اخْتَلَفا في الثَّمَنِ والسِّلْعَةُ قائِمَة.
وقولُ محمدٍ في نَقْضِ قَضاءِ مَن قَضَى بالشّاهدِ واليَمِينِ، يَتضمَّنُ القَوْلَ بنَقْضِ قَضاءِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، والخُلَفاء الذين قَضَوْا به، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ 3. والقضاءُ بما قَضَى به رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - محمدُ بنُ عبدِ الله، أوْلَى مِن قَضاءِ محمدِ بنِ الحسنِ المُخالِفِ له.
..................................
فصل: قال القاضى: يجوزُ أن يَحْلِفَ على ما لا تجوزُ الشَّهادةُ عليه، مثلَ أنْ يَجِدَ بخَطِّه دَيْنًا له على إنْسانٍ، وهو يَعْرِفُ أنَّه لا يَكْتُبُ إلَّا حقَّا، ولم يَذْكُرْه، أو يَجِدَ في رُوزْمانِجِ 1 أبيه بخطِّه دَيْنًا له على إنْسانٍ، ويَعْرِفُ مِن أبيه الأمانةَ، وأنَّه لا يَكْتُبُ إلا حقَّا، فله أن يحْلِفَ عليه، ولا يجوزُ أن يَشْهَدَ به، ولو أخبرَه بحَقِّ 2 أبِيه ثِقَة، فسكَنَ إليه، جازَ أن يَخلِفَ عليه، ولم يَجُزْ له 3 أن يَشْهَدَ به.
وبهذا قال الشافعىُّ.
والفَرْقُ بينَ اليَمِينِ والشَّهادةِ مِن وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّ الشَّهادةَ لغيرِه، فيَحْتَمِلُ أنَّ مَن له الشَّهادةُ قد زَوَّرَ على خَطِّه، ولا يَحْتَمِلُ هذا فيما يَحْلِفُ عليه؛ لأنَّ الحقَّ إنَّما هو للحالفِ، فلا يُزَوِّرُ أحدٌ عليه.
الثانى، أنَّ ما يَكْتُبُه الإنسانُ مِن حُقُوقِه يَكْثُرُ فيَنْسَى بعضَه، بخِلافِ الشَّهادةِ.
والأوْلَى التَّوَرُّعُ عن ذلك، إن شاءَ اللهُ تعالى.
..................................
فصل: وكلُّ مَوْضِع قُبِلَ فيه الشّاهِدُ واليَمِينُ، فلا فَرْقَ بينَ كَوْنِ المُدَّعِى مُسْلِمًا أو كافِرًا، عَدْلًا أو فاسِقًا، رَجُلًا أو امرأةً.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ مَن شُرِعَتْ في حَقِّه اليَمِينُ لا يَخْتَلِف حُكْمُه باخْتِلافِ هذه الأوْصافِ، كالمُنْكِرِ إذا لم تكُنْ بينةٌ.
فصل: قال أحمدُ: مَضَتِ السُّنَّةُ أن يُقْضَى باليمِينِ مع الشّاهدِ الواحدِ، فإنْ أبى أن يَحْلِفَ، اسْتُحْلِفَ المَطْلوبُ.
وهذا قول مالكٍ، والشافعىِّ.
ويُرْوَى عن أحمدُ: فإن أبى المطْلوبُ أن يَحْلِفَ، ثَبَتَ الحقُّ عليه.
..................................
فصل: ولا تُقْبَلُ شَهادةُ امرأتَيْن ويَمِينُ المُدَّعِى.
وبه قال الشافعى.
وقال مالكٌ: يُقْبَلُ ذلك في الأمْوالِ؛ لأنَّهما في الأمْوالِ أُقِيمَتَا مُقامَ الرَّجلِ، فحُلِفَ معهما, كما يُحْلَفُ مع الرَّجلِ.
ويَحْتَمِلُ لَنا مثلُ ذلك.
ولَنا، أنَّ البَينةَ على المالِ إذا خَلَت 1 مِن رَجُل لم تُقْبَلْ, كما لو شَهِدَ أرْبَعُ نِسْوةٍ، وما ذكَرُوه يَبْطُلُ بهذه الصُّورةِ، فإنَّهما لو اقِيمَتا مُقامَ رجلٍ مِن كلِّ وَجْهٍ، لَكفَى أربعُ نِسْوةٍ مقامَ رَجليْن، ولَقُبِلَ في غيرِ الأمْوالِ شَهادةُ رجل وامرأتَيْن؛ لأنَّ شَهادةَ المرأتَيْن ضَعيفة، تَقَوَّتْ بالرَّجُلِ، واليَمِينُ ضَعِيفة، فيُضَمُّ ضعيفٌ إلى ضعيفٍ، فلا يُقْبَلُ.
الخَامِسُ، مَا لَا يَطلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ؛ كَعُيُوبِ النِّسَاءِ تَحْتَ الثيّاَبِ،
فصل: ولا يُشْتَرَطُ أن يقولَ في يَمِينِه: وإنَّ شاهِدِى صادِقٌ في شَهادَتِه.
وقيلَ: يُشْتَرطُ.
وهل تُقْبَلُ شَهادةُ رجلٍ وامرأتَيْن، وشاهِدٌ ويَمِينٌ في دَعْوَى قَتْلِ الكافرِ، لاسْتِحْقاقِ سَلَبِه، ودَعْوَى [الأسِيرِ إسْلامًا] 1 سابِقًا لمَنْعِ رِقِّه؟ على رِوَايَتَيْن في 2 «المُحَرَّرِ».
(الخامِسُ، ما لا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ؛ كعُيوبِ النِّساءِ تحتَ الثِّيابِ،
وَالرَّضَاعِ، وَالاسْتِهْلَالِ، وَالْبَكَارَةِ، والثُّيُوبَةِ، وَالْحَيْضِ، ونَحْوِهِ، فَيُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَعَنْهُ، لَا يُقْبَلُ فِيهِ أقَلُّ مِنَ امْرأتَيْنِ.
وإنْ شَهِدَ بِهِ الرَّجُلُ كَانَ أوْلَى بِثُبُوتِهِ.
والرَّضاعِ، والاسْتِهْلالِ، والبَكارَةِ، والثُّيوبَةِ، والحَيْضِ، ونحوِه، فيُقْبَلُ فيه شهادةُ امرأةٍ واحدَةٍ.
وعنه، لا يُقْبَلُ فيه أقَل مِن امرأتَيْن.
وإن شَهِدَ به الرَّجُلُ كان أوْلَى بثُبُوتِه) لا نَعْلَمُ بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا في قَبولِ شَهادةِ النِّساءِ المُنْفَرِداتِ في الجُمْلةِ.
قال القاضى: والذى تُقْبَلُ فيه شَهادَتُهُنَّ مُنْفَرِدَاتٍ خَمْسةُ أشْياءَ؛ الوِلادةُ، والاسْتِهْلالُ، والرَّضاعُ، والعَيوبُ تحتَ الثِّيابِ؛ كالرَّتْقِ، والقَرْنِ، والبَكارَةِ، والثَّيابَةِ، والبَرَصِ، وانْقِضاءُ العِدَّةِ.
وعن أبى حنيفةَ، لا تُقْبَلُ شَهادَتُهنَّ مُنْفَرِداتٍ على الرَّضاعِ؛ لأنَّه يجوزُ أن يَطَّلِعَ عليه محارمُ المرأةِ مِن الرِّجالِ، فلم يَثْبُتْ بالنِّساء مُنْفَرِداتٍ، كالنِّكاحِ.
ولَنا، ما رَوَى عُقْبَةُ بنُ الحارِثِ، قال:
..................................
تزَوَّجْتُ أُمَّ يحيى بنتَ أبى إهابٍ، فأتتْ أمَةٌ سَوادءُ، فقالتْ: قد أرضَعْتُكُما.
فأَتَيْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم -، فذَكَرْتُ ذلك له، فأَعْرَضَ عنِّى، ثم أتيْتُه فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّها كاذِبَةٌ.
فقال: «وَكَيْفَ، وَقَدْ زَعَمَتْ ذَلِكَ؟» [متفق عليه] 1. ولأنَّها شَهادةٌ على عَوْرةٍ للنِّساءِ فيها مَدْخَلٌ، فقُبِلَ فيها شَهادَةُ النِّساءِ، كالوِلادةِ، ويُخالِفُ عَقْدَ النِّكاحِ؛ فإنَّه ليس بعَوْرَةٍ.
وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ أيضًا، أنَّ شَهادةَ النِّساءِ المُنْفَرِداتِ لا تُقْبَلُ في الاسْتِهْلالِ؛ لأنَّه يكونُ بعدَ الوِلادةِ.
وخالَفَه صاحِبَاه، وأكثَرُ أهلِ العلمِ؛ لأنَّها تكونُ حالَ الوِلادةِ، فيَتَعَذَّرُ حُضورُ الرِّجالِ، فأشْبَهَتِ الوِلادةِ نفْسَها.
وقد رُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه أجازَ شَهادةَ القابِلَةِ وَحْدَها في الاسْتِهْلالِ.
رواه الإمامُ أحمدُ، وسعيدُ بنُ مَنْصُورٍ 2، مِن حديثِ جابر الجُعْفِىِّ.
وأجازه شُرَيْحٌ، والحسنُ، والحارِثُ العُكْلِىُّ، وحَمَّادٌ.
فإذا ثبَت هذا، فكُلُّ مَوْضِع قُلْنا: تُقْبَلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ المُنْفَرِداتِ.
فإنَّه يُقْبَلُ فيه شَهادةُ المرأةِ الواحدةِ.
وقال طاوسٌ: تجوزُ
..................................
شَهادةُ المرأةِ في الرَّضاعِ، وإن كانت سَوْداءَ 1. وعن أحمدَ، رِواية أخْرَى: لا يُقْبَلُ فيه إلا امْرأتانِ.
وهو قولُ الحَكَمِ، وابنِ أبى ليلَى، وابنِ شُبْرُمَةَ.
وإليه ذهبَ مالكٌ، والثَّوْرِىُّ؛ لأنَّ كُلَّ جِنْس يثْبُتُ به الحقُّ يَكْفِى فيه اثْنان، كالرِّجالِ، ولأنَّ الرجالَ أكْمَلُ مِنْهُنَّ، ولا يُقْبَلُ منهم إلَّا اثْنان.
وقال عُثمانُ 2: يَكْفِى ثلاث؛ لأنَّ كلَّ مَوْضِع قُبِلَ فيه النِّساءُ، كان العَدَدُ ثَلاثةً, كما لو كان مَعَهُنَّ رَجلُ.
وقال أبو حنيفةَ: تُقْبَلُ شَهادةُ المرأةِ الواحدةِ في وِلادَةِ الزَّوْجاتِ دون 3 وِلادة المُطَلَّقَةِ.
وقال عَطاءٌ، والشَّعْبِىُّ، وقَتادةُ، [والشافعىُّ] 4: لا يُقْبَلُ فيهَا إلَّا أرْبعٌ؛ لأنَّها شَهادةٌ مِن شَرْطِها الحُرِّيَّةُ، فلم تُقْبَلْ فيها الواحِدةُ، كسائرِ الشَّهاداتِ، ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بشَهَادَةِ رَجُلٍ» 5 ولَنا، حديثُ عُقْبَةَ بنِ الحارِثِ، الذى ذكَرْناه.
ورَوَى حُذَيْفَةُ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -
..................................
أجَاز شَهادَة القَابلَةِ 1. ذَكرَه الفُقَهاءُ في كُتُبِهم.
ورَوَى أبو الخَطّابِ عن ابنِ عمرَ، أَنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -. قال: «يُجْزِئُ فِى الرَّضَاعِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ» 2. ولأنَّه مَعْنًى يثْبُتُ بقَوْلِ النِّساءِ المُنْفَرِداتِ، فلا يُشْتَرطُ فيه العَدَدُ، كالرِّوايةِ وأخْبارِ الدِّياناتِ 3. وما ذكَرَه الشافعىُّ مِن اشْتِراطِ الحُرِّيَّةِ غيرُ مُسَلَّمٍ، وقولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُل».
في الموْضِعِ الذى تَشْهَدُ فيه مع الرَّجُلِ.
فإن شَهِدَ الرجلُ بذلك، قُبِلَ وَحْدَه.
وهو قولُ أبى الخطَّابِ؛ لأنَّه أكْمَلُ مِن المَرْأةِ، فإذا اكْتُفِىَ بها وَحْدَها، فَلَأن يُكْتَفَى به أوْلَى، ولأنَّ ما قُبِلَ فيه قَوْلُ المرأةِ الواحدةِ، قُبِلَ فيه قَوْلُ الرجلِ، كالرِّوايةِ.
فصلٌ: وَإذَا شَهِدَ بِقَتْلِ العَمْدِ رَجُلٌ وَامْرَأتانِ، لَمْ يَثبُتْ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ.
وَإنْ شَهِدُوا [351 ظ] بِالسرِقَةِ، ثبَتَ المَالُ دُونَ الْقَطْعَ.
فصل: قال، رَحمَه الله: (وإذا شَهِدَ بقَتْلِ العَمْدِ رَجلٌ وامْرأتانِ، لم يَثْبُتْ قِصاصٌ ولا دِيَةٌ.
وإن شَهِدُوا بالسرِقَةِ، ثَبَت المالُ دُونَ القَطْعِ) لأنَّ السَّرِقةَ تُوجِبُ المالَ والقَطْعَ، فإذا قَصُرَتْ عن أحدِهما، أثْبَتُتِ الآخَرَ، والقَتْلُ يُوجِبُ القِصاصَ، والمالُ بدَل منه، فإذا لم يَثْبُتِ الأصْلُ، لم يَجِبْ بدَلُه.
وإن قُلْنا: مُوجَبُه أحدُ شَيْئَيْن.
لم يتَعَيَّنْ أحدُهما إلَّا بالاخْتِيارِ، فلو أوْجَبْنا الدِّيَةَ وَحْدَها، أوْجَبْنا مُعَيَّنًا.
وقال ابنُ أبى موسى: لا يَجِبُ المالُ فيما إذا شَهِدُوا بالسَّرِقَةِ؛ لأنَّها شَهادةٌ لا تُوجِبُ الحدَّ،
وَإنِ ادَّعَى رَجُلٌ الْخُلْعَ، قُبِلَ فِيهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ.
وإنِ ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ، لَمْ يُقْبَلْ فِيهِ إلَّا رَجُلَانِ.
وهو أحدُ مُوجَبَيْها (1)، فإذا بطَلَتْ في أحَدِهما بطَلَتْ في الآخَرِ.
5067 -
مسألة: (وإنِ ادعَى رَجُلٌ الخُلْعَ، قُبِلَ فيه رَجُلٌ وامْرَأتان)
أو شاهِدٌ ويَمِينُ المُدَّعِى؛ لأنَّه يَدعِى المالَ الذى خالَعَتْ به (وإنِ ادعَتْه المرأةُ، لم يُقْبَلْ فيه إلَّا رَجلانِ) لأنَّها لا تَقْصِدُ منه إلَّا الفَسْخَ وخَلاصَها من الزَّوْج، ولا يثْبُتُ ذلك بهذه البَيِّنَةِ.
فأمَّا إنِ اخْتلَفا في عِوَضِ الخُلْعِ خاصَّةً، ثَبَتَ برَجُلٍ وامْرأتَيْن، وكذلك إنِ اخْتلَفا في الصَّداقَ؛ لأنَّه مالٌ.
فصل: وإنِ ادَّعَى رجلٌ أنَّه ضَرَبَ أخاه بسَهْمٍ عَمْدًا فقتَلَه، ونفَذَ إلى أخِيه الآخَرِ فقتلَه خَطَأً، وأقامَ بذلك شاهِدًا وامْرَأتَيْن، أو شاهدًا وحلَفَ معه، ثَبَت قَتْلُ الثانى؛ لأنَّه خَطَأٌ مُوجَبُه المالُ، ولم يَثْبُتْ قَتْلُ الأوَّلِ؛ لأنَّه عَمْدٌ مُوجَبُه القِصاصُ، فهما كالجِنايَتَيْنِ المُفْتَرِقَتَيْن.
وعلى قولِ أبى1
وَإذَا شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرأتَانِ لِرَجُلٍ بِجَارِيَةٍ أنَهَا أُمُّ وَلَدِهِ، وَوَلَدُهَا مِنْهُ، قُضِىَ لَهُ بِالْجَارِيَةِ أُمُّ وَلَدٍ.
وَهَلْ تَثْبتُ حُرِّيَّةُ الْوَلَدِ وَنَسَبُهُ مِنْ مُدَّعِيهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
بكر، لا يَثْبُتُ منهما شئٌ؛ لأنَّ الجِنايةَ عندَه لا تَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْن، سَواءٌ كان مُوجَبُها المالَ أو غيرَه.
ولو ادَّعَى رجلٌ على آخَرَ أنَّه سَرَقَ منه وغَصَبَه مالًا، فحلَفَ بالطَّلاقِ والعَتاقِ ما سرَقَ منه ولا غَصَبَه، فأقامَ المُدَّعِى شاهِدًا و (1) امْرأتَيْن شَهِدا بالسَّرقَةِ والغَصْبِ، أو شاهِدًا وحَلَفَ معه، اسْتَحَقَّ المسروقَ والمغْصوبَ؛ لأنَّه أتَى ببَيِّنَةٍ يثْبُتُ ذلك بمثْلِها، ولم يثْبُتْ طلاقٌ ولا عِتْقٌ؛ لأنَّ هذه البَينةَ حُجَّةٌ في المالِ دونَ الطَّلاقِ والعَتاقِ.
وهو ظاهرُ مذهبِ الشافعىِّ.
5068 -
مسألة: (وإذَا شَهِدَ رَجُلٌ وامْرَأتان لرَجُلٍ بجارِيَةٍ أنَّها أُمُّ وَلَدِه، ووَلَدُها منه، قُضِىَ له بالجارِيَةِ أُمُّ ولدٍ. وهل تَثْبُتُ حُرِّيَّةُ الوَلَدِ ونسَبُه مِن مُدَّعِيه؟ على رِوايَتَيْن)
أمّا الجارِيةُ فنَحْكُمُ له بها؛ لأنَّ أُمُّ الوَلدِ1
..................................
مَمْلُوكَةٌ له، ولهذا يَمْلِكُ وَطْأها وإجارَتَها وإعارَتَها وتَزْوِيجَها، ويَثْبُتُ لها حُكْمُ الاسْتِيلادِ بإقْرارِه؛ لأنَّ إقْرارَه يَنْفُذُ في مِلْكِه، والمِلْكُ 1 يَثْبُتُ بالشّاهدِ والمرْأتَيْن، والشَّاهدِ واليَمِينِ، ولا نَحْكُمُ له بالولدِ؛ لأنَّه يَدَّعِى نَسَبَه، والنَّسَبُ لا يثْبُتُ بذلك، ويَدَّعِى حُرِّيَّته أيضًا.
فعلى هذا، يُقَرُّ 2 الولدُ في يَدِ المُنْكِرِ مَمْلُوكًا له.
وهذا أحدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ.
وقال في الآخر: يأخُذُها وولَدَها، ويكونُ ابنَه؛ لأنَّ مَن ثَبَتَت له العَيْنُ، ثَبَت له نَماؤها، والولدُ نَماؤها.
وذكرَ فيها أبو الخَطَّابِ عن أحمدَ رِوايَتَيْن، كقَوْلَىِ 3 الشَّافعىِّ.
ولَنا، أنَّه لم يَدَّعِ الولدَ مِلْكًا، وإنَّما يَدَّعِى حُرِّيَته ونَسَبَه، وهذان لا يَثْبُتان بهذه البَيِّنَةِ، فيَبْقَيانِ على ما كانا عليه.
..................................
فصل: فإنِ ادَّعَى أنَّها كانتْ مِلْكَه فأعتَقَها، لم يثْبُتْ ذلك بشاهد وامرأتَيْن؛ لأنَّ البَيِّنَة شهِدَتْ بمِلْكٍ قَديم، فلم يَثْبُتْ، والحُريَّةُ لا تَثْبُتُ 1 برجلٍ وامرأتَيْن.
ويَحْتَمِلُ أن تَثْبُت، كالتى قبلَها.
واللهُ تعالى أعلمُ.
بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَالرُّجُوعِ عَنِ الشَّهَادَةِ
تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيمَا يُقْبَلُ فِيهِ كِتَابُ الْقَاضِى، وَتُرَدُّ فِيمَا يُرَدُّ فِيهِ.
بابُ الشَّهادةِ على الشَّهادَةِ والرُّجُوعِ عن الشّهادَةِ
(تُقْبَلُ الشَّهادَةُ على الشَّهادَةِ فيما يُقْبَلُ فيه كِتابُ القاضى، وتُرَدُّ فيما يُرَدُّ فيه) الكلامُ في هذه المسألةِ في فُصول ثَلاثَةٍ؛ أحدُها، في 1 جَوازِها.
والثانى، في مَوْضِعِها.
والثالثُ، في شَرْطِها.
أمّا الأوَّلُ: فإنَّ الشَّهادةَ على الشَّهادةِ جائِزَةٌ، بإجْماعِ العُلَماءِ.
وبه يقولُ مالكٌ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
قال أبو عبيدٍ: أجْمَعَتِ العُلَماءُ مِن أهلِ الحِجازِ والعِراقِ، على إمْضاءِ الشَّهادةِ على الشَّهادةِ في الأمْوالِ.
ولأنَّ الحاجةَ داعِيَة إليها، فإنَّها لو لم تُقْبَلْ، لبَطَلَتِ الشَّهادةُ على الوُقُوفِ 2، وما يتَأخَّرُ إثْباتُه عندَ الحاكمِ ثم يَمُوتُ شُهودُه، وفى ذلك ضَرَرٌ على النَّاسِ، ومَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ، فوجَبَ أن تُقْبَلَ، كشَهادَةِ الأصْلِ.
..................................
الفصل الثانى: أنَّها تُقْبَلُ في المالِ، وما يُقْصَدُ به المالُ, كما ذكَر أبو عُبَيْدٍ، ولا تُقْبَلُ في حَدٍّ.
وهذا قولُ الشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وأبى حنيفةَ.
وقال مالكُ، والشافعىُّ في قولٍ، وأبو ثَوْرٍ: تُقْبَلُ في الحُدودِ، وفى كُلِّ حقٍّ؛ لأنَّ ذلك يثْبُتُ بشَهادةِ الأصْلِ، فيَثْبُتُ بالشَّهادةِ على الشَّهادةِ، كالمالِ.
ولَنا، أنَّ الحُدودَ مَبْنِيَّةٌ على السَّتْرِ والدَّرْءِ بالشّبُهاتِ، والإِسْقاطِ بالرُّجوعِ عن الإِقْرارِ، والشَّهادةُ على الشهادةِ فيها شُبْهَةٌ؛ فإنَّها يَتَطَرَّقُ إليها احْتِمالُ الغَلَطِ والسَّهْوِ والكَذِبِ في شُهودِ الفَرْعِ، مع احْتِمالِ ذلك في شُهودِ الأصْلِ، وهذا احْتِمال زائدٌ، لا يُوجَدُ في شُهودِ الأصْلِ، وهو مُعْتَبَرٌ، بدَلِيلِ أنَّها لا تُقْبَلُ مع القُدْرَةِ على شُهُودِ الأصْلِ، فوَجَب أن لا تُقْبَلَ فيما يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ، ولأنَها إنَّما تُقْبَلُ للحاجَةِ، ولا حاجَةَ إليها في الحَدِّ؛ لأنَّ سَتْرَ صاحبه أوْلَى مِن الشَّهادةِ عليه، ولأنَّه لا نَصَّ فيها، ولا يَصِحُّ قِياسُها [على الأَموالِ؛ لِما بينَهما مِن الفَرْقِ في الحاجَةِ والتَّساهُلِ فيها، ولا يَصِحُّ قِياسُها] 1 على شَهادةِ الأصْلِ؛ لِما ذكَرْنا، فيَبْطُلُ إثْباتُها.
وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّها لا تُقْبَلُ في القِصاصِ أيضًا، ولا حَدِّ القَذْفِ؛ لأنَّه قال: إنَّما تجوزُ في الحُقوقِ، أمّا الدماءُ والحَدُّ فلا.
..................................
وهذا قولُ أبى حنيفةَ.
وقال مالكٌ، والشافعىُّ: تُقْبَلُ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لقولِه: في كُلِّ شئٍ إلَّا في الحُدودِ؛ لأنَّه حَقُّ آدَمِى، لا يَسْقُطُ بالرُّجوعِ عن الإِقْرارِ به، ولا يُسْتَحَبُّ سَتْرُه، فأشْبَهَ الأمْوالَ.
وذكرَ أصْحابُنا هذا رِوايةً [عن أحمدَ؛ لأنَّ ابنَ منصورٍ نَقَلَ أنَّ سُفْيانَ قال: شهادةُ رجلٍ مكانَ رجلٍ في الطَّلاقِ جائِزةٌ.
قال أحمدُ: ما أحْسَنَ ما قال.
فجَعَلَه أصْحابُنا رِوايَةً في القِصاصِ] 1. وليس هذا بِرِوايَةٍ؛ فإنَّ الطَّلاقَ لا يُشْبِهُ القِصاصَ.
والمذهبُ أنَّها لا تُقْبَلُ فيه؛ لأنَّه عُقُوبَة بَدَنِيَّة 2، تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، وتُبْنَى على الإسْقاطِ، فأشْبَهَتِ الحُدودَ، فأمَّا ما عَدا الحُدودَ والقِصاصَ والأموالَ، كالنِّكاحِ والطَّلاقِ وسائرِ ما لا يَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْن، فنَصَّ أحمدُ على قَبُولِها في الطَّلاقِ والحُقوقِ، فدَلَّ على قَبُولِها في جميعِ هذه الحُقوقِ.
وهو قولُ الخِرَقِىِّ.
وقال ابنُ حامدٍ: لا تُقْبَلُ في النِّكاحِ.
ونحوُه قولُ أبى بَكرٍ.
فعلَى قولِهما، لا تُقْبَلُ إلَّا في المالِ، وما يُقْصَدُ به المالُ.
وهو قولُ أبى عُبَيْدٍ؛ لأنَّه حَقٌّ لا يثْبُتُ إلَّا بشَاهِدَيْن، فأشْبَهَ حَدَّ القَذْفِ.
ووَجْهُ الأوّلِ، أنَّه حَقٌّ لا يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، فيَثْبُتُ بالشَّهادةِ على الشَّهادةِ، كالمالِ، وبهذا فارَقَ الحُدودَ.
وَلَا تُقْبَلُ إلَّا أنْ تَتَعَذَّرَ شَهَادَةُ شُهُودِ الْأصْلِ؛ بمَوْتٍ، أوْ مَرَضٍ, أوْ غَيْبَةٍ إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
وَقِيلَ: لَا تُقْبَلُ إلًّا بَعْدَ مَوْتِهِمْ.
الفصلُ الثالثُ: في شُرُوطِها، وهى ثَلاثةٌ؛ أحدُها، أن تتَعَذَّرَ [الشَهادَةُ مِن شُهودِ الأصْل.
5069 -
مسألة: (ولا تُقْبَلُ إلَّا أن تَتَعَذَّرَ (1) شَهادةُ شُهُودِ الأصْلِ؛ بمَوْتٍ، أو مَرَض، أو غَيْبَةٍ إلى مَسافَةِ القَصْرِ)
وعنه، لا تُقْبَلُ إلَّا أن يَمُوتَ شاهِدُ الأصْلِ.
هذا أحدُ الشروطِ، وهِو تَعَذُّرُ شَهادةِ الأصْلِ؛ لموْتٍ، أو غَيْبَةٍ، أو مَرَضٍ، أو حَبْسٍ، أو خوْفٍ مِن سُلْطانٍ1
..................................
أو غيره.
وبهذا قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشَّافعىُّ.
وحُكِىَ عن أبى يوسف، ومحمدٍ، جَوازُها مع القُدْرَةِ على شَهادةِ الأصْلِ، قِياسًا على الرِّوايةِ وأخْبارِ الدِّياناتِ.
ورُوِىَ عن الشَّعْبِىِّ، أنَّها لا تُقْبَلُ إلَّا أن يَمُوتَ شاهِدُ الأصْلِ؛ لأنَّهما إذا كانا حَيَّيْنِ، رُجِىَ حُضورُهما، فكانا كالحاضِرَيْن.
وعن أحمد مثلُ هذا، إلَّا أنَّ القاضىَ تَأوَّلَه على الموتِ، وما في معناه مِن الغَيْبَةِ البَعيدَةِ ونحوِها.
ويُمْكِن تأويلُ قولِ الشَّعْبِىِّ على هذا، فَيَزُولُ هذا الخِلافُ.
ولَنا على اشْتِراطِ تعَذرِ شهادَةِ 1 شاهِدِ الأصْلِ، أنَّه إذا أمْكَنَ الحاكمَ أن يَسْمَعَ شَهادةَ شاهِدَىِ الأصْلِ، اسْتَغْنَى عن البَحْثِ عن عَدالَةِ شاهِدَىِ الفَرْعِ، وكان أحْوطَ للشهادةِ، فإنَّ سَماعَه منهما مَعْلُوم، وصِدْقَ شاهِدَىِ الفَرْعِ عليهما مَظْنون، والعملُ باليَقِينِ 2 مع إمْكانِه أوْلَى مِن اتِّباعِ الظَّنِّ، ولأنَّ شَهادَةَ الأصْلِ تُثْبِتُ نَفْسَ الحقِّ، وهذه إنَّما تُثْبِتُ الشَّهادةَ عليه، ولأنَّ في شَهادةِ الفَرْعِ ضَعْفًا؛ لأنَّه يَتَطَرَّقُ إليها احْتِمالان؛ احْتِمالُ غَلَطِ شاهِدَىِ [الأصْلِ، واحْتِمالُ غَلَطِ شاهِدَىِ] 3 الفَرْعِ، فيكونُ ذلك وَهْنًا فيها، ولذلك لم تَنْتَهِضْ لإثْباتِ الحُدودِ والقِصاصِ، فيَنبغِى أن لا تَثْبُتَ إلَّا عندَ عَدَمِ شَهادةِ الأصْلِ،
..................................
كسائرِ الأبدالِ، ولا يَصِحُّ قِياسُها على أخْبارِ الدِّياناتِ؛ لأنَّه خُفِّفَ فيها، ولذلك 1 لا يُعْتَبَرُ فيها العدَدُ، ولا الذكورِيَّةُ، ولا الحُريَّةُ، ولا اللَّفْظُ، والحاجَةُ داعِيَةٌ إليها في حَقِّ عُمومِ الناسِ، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
ولَنا على قَبُولِها عندَ تَعذُّرِها بغيرِ الموْتِ، أنَّه قد تَعذَّرَتْ شَهادةُ الأصْلِ، فتُقْبَلُ شَهادةُ الفَرْعِ, كما لو ماتَ شاهِدا 2 الأصْلِ، ويُخالِفُ الحاضِرَيْن؛ فإنَّ سَماعَ شَهادَتِهما مُمْكِن، فلم يَجُزْ غيرُ ذلك.
إذا ثَبَت هذا، فذكرَ القاضى أن الغَيْبَةَ المُشْترَطةَ لسَماعِ شَهادَةِ 3 الفَرْعِ، أن يكونَ شاهدُ الأصْل بمَوْضِعٍ لا يُمْكِنُه أن يَشْهَدَ ثم يَرْجِعَ مِن يَوْمِه.
وهذا قالَه أبو يوسف، وأبو حامِدٍ مِن أصْحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّ الشَّاهِدَ تَشُقُّ عليه المُطالَبَةُ بمِثْلِ هذا السَّفَرِ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ 4. وإذا لم يُكَلَّفِ الحُضورَ، تَعذّرَ سَماعُ شَهادتِه، فاحْتِيجَ إلى سَماعِ شَهادَةِ الفَرْعِ.
وقال أبو الخَطَّابِ: تُعْتَبَرُ مَسافةُ القَصْرِ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأبى الطّيِّبِ الطَّبرِىِّ، مع اخْتِلافِهم في
وَلَا يَجُوزُ لِشَاهِدِ الْفَرْعِ أنْ يَشْهَدَ، إلَّا أنْ يَسْتَرْعِيَهُ شَاهِدُ الْأصْلِ، فَيَقُولَ: اشْهَدْ عَلَى شَهَادتِى أَنِّى أشْهَدُ أنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ، وَقَدْ عَرَفْتُهُ بِعَيْنهِ، وَاسْمِهِ، وَنَسَبِهِ، أقَرَّ عِنْدِى، وَأشْهَدَنِى عَلَى نَفْسِهِ طَوْعًا بِكَذَا.
أوْ: شَهِدْتُ عَلَيْهِ.
أوْ: أقَرَّ عِنْدِى بكَذَا.
فإنْ سَمِعَهُ يَقُولُ: أشْهَدُ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا.
لَمْ يَجُزْ أنْ يَشْهَدَ، إَلَّا أنْ يَسْمَعَهُ يَشْهَدُ عِنْدَ [352 و] الْحَاكِمِ، أوْ يَشْهَدُ بِحَقٍّ يَعْزِيهِ إلَى سَبَب؛ مِنْ بَيْع، أوْ إجَارَةٍ، أوْ قَرْض، فَهَلْ يَشْهَدُ بِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
مَسافةِ القَصْرِ كلٌّ على أصْلِه؛ لأنَّ ما دونَ ذلك في حُكْمِ الحاضرِ، في التَّرَخُّصِ وغيرِه، بخِلافِ مَسافةِ القَصْرِ.
ويُعْتَبَرُ دَوامُ هذا الشرْطِ إلى الحُكْمِ، سنَذْكُرُه، إن شاءَ اللهُ تعالى.
5070 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ لشاهِدِ الفَرْعِ أن يَشْهَدَ حَتَّى يَسْتَرْعِيَه شاهِدُ الأصْلِ، فَيَقُولَ: اشْهَدْ على شَهادَتِى أنِّى أشْهَدُ أنَّ فُلَانَ ابنَ فُلَانٍ، وقد عَرَفْتُه بعَيْيهِ، واسْمِهِ، ونَسَبِهِ، أقَرَّ عِنْدِى، وَأشْهَدَنِى على نَفْسِهِ طَوْعًا بكذَا.
أو: شَهِدْتُ عليه.
أو: أقَرَّ عِنْدِى بِكَذَا.
وإنْ سَمِعَهُ يَقُولُ: أشْهَدُ على فُلَانٍ بِكَذَا.
لم يَجُزْ أن يَشْهَدَ، إلَّا أن يَسْمَعَه يَشْهَدُ عِنْدَ الحَاكِمِ، أو يَشْهَدُ بحَقٍّ يَعْزِيهِ إلى سَبَبٍ؛ مِن بَيْعٍ، أو إجارَةٍ، أو قَرْض، فهل يَشْهَدُ به؟ على وَجْهَيْنِ)
يُشتَرطُ لجَوازِ شَهادةِ الفَرْعِ،
..................................
أن يَسْتَرْعِيَه على ما ذكَرْنا.
فإن سَمِعَ شاهِدًا يَسْتَرْعِى آخَرَ شَهادةً يَشْهَدُ عليها، جازَ لهذا السَّامعِ أن يَشْهَدَ بها؛ لحُصُولِ الاسْتِرْعاءِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ له أن يَشْهَدَ إلَّا أن يَسْتَرْعِيَه بعَيْيه.
وهو قولُ أبى حنيفةَ.
قال أحمدُ: لا تَكونُ شَهادةً إلَّا أن يكونَ يُشْهِدُكَ، فأمّا إن سَمِعْتَه 1 يتَحَدَّثُ، فإنَّما ذلك حديثٌ.
وبما ذكَرْناه قال الشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وأبو عُبَيْدٍ.
فأمّا إن سَمِعَ شاهِدًا يَشْهَدُ عندَ الحاكمِ بحَقٍّ، أو سَمِعَه يَشْهَدُ بحَقٍّ يَعْزِيهِ إلى سَبَبٍ، نحوَ أن يقولَ: أشْهَدُ أنَّ لفُلانٍ على فُلانٍ ألفًا مِن ثَمَنِ مَبِيع.
فهل يَشْهَدُ به؟ فيه رِوَايتانِ.
ذكَرَهما أبو الخَطَّاب.
وذكرَ القاضى، أنَّ له الشَّهادةَ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه بالشَّهادةِ عندَ الحاكم، ونِسْبَتِه الحقَّ إلى سَبَبِه يَزُولُ الاحْتِمالُ، ويرتَفِعُ الإِشْكالُ، فتجوزُ له الشَّهادةُ على
..................................
شَهادَتِه, كما لو اسْتَرْعاه.
والرِّوايةُ الأخْرَى، لا يجوزُ له أن يَشْهَدَ على شَهادَتِه.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأبى عُبَيْدٍ؛ لأنَّ الشَّهادةَ [على الشَّهادَةِ] 1 فيها معْنَى النِّيابَةِ، فلا يَنُوبُ عنه إلَّا بإذْنِه.
ومَن نَصَر الأوَّلَ قال: هذا يَنْقُلُ شَهادَتَه، ولا يَنُوبُ عنه؛ لأنَّه لا يَشهَدُ مِثْلَ شَهادَتِه،
..................................
[إنَّما شَهِدَ على شَهادتِه.
فأمّا إن قالَ: اشْهَدْ أنِّى أشْهَدُ على فُلانٍ بكذا.
فالأشْبَهُ أنَّه يجوزُ أن يَشْهَدَ على شَهادتِه] 1. وهو قولُ أبى يوسُفَ؛ لأنَّ معنَى ذلك: اشْهَدْ على شَهادَتِى.
[وقال أبو حنيفةَ: لا يَجُوزُ إلَّا أنْ يَقولَ: اشْهَدْ على شَهادَتِى] 2 أنِّى أشْهَدُ، لأنَّه إذا قال: اشْهَدْ.
فقد أمرَه بالشَّهادةِ، ولم يَسْتَرْعِه.
وما عَدا هذه المَواضِعَ، لا يجوزُ أن يَشْهَدَ فيها على الشَّهادةِ، فإذا سَمِعَه يقولُ: أشْهَدُ أنَّ لفُلانٍ على فُلانٍ ألفَ دِرْهم.
لم يَجُزْ أن يَشْهَدَ على شَهادتِه؛ لأنَّه لم يَسْتَرعِه الشهادةَ، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ وَعَدَه بها، وقد يُوصَفُ الوَعْدُ بالوُجوب مَجازًا؛ فإنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «العِدَةُ دَيْنٌ» 3. ويَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ بالشَّهادةِ العِلْمَ، فلم يَجُزْ لسَامِعِه الشَّهادةُ به.
فإن قيل: فلو سَمِعَ رَجلًا يقولُ: لفُلانٍ علىَّ 4 ألفُ دِرْهم.
جازَ أن يَشْهَدَ بذلك، فكذا هذا.
قُلْنا: الفَرْقُ بينَهما مِن وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّ الشَّهادةَ تَحْتَمِلُ العِلْمَ، ولا يحْتَمِلُ الإِقْرارُ ذلك.
..................................
الثانى، أنَّ الإقْرارَ أوْسَعُ في لُزُومِه مِن الشَّهادةِ، بدليلِ صِحَّتِه في المَجْهولِ، وأنَّه لا يُراعَى فيه العَددُ، بخِلافِ الشَّهادةِ، ولأنَّ الإِقْرارَ قولُ الإِنسانِ على نَفْسِه، وهو غيرُ مُتَّهَم عليها، فيكونُ أقْوَى منها، ولهذا لا تُسْمَعُ الشَّهادةُ في حَقِّ المُقِرِّ، ولا يُحْكَمُ بها.
ولو قال شاهدُ الأصْلِ: أنا أشْهَدُ أنَّ لفُلانٍ على فلانٍ ألْفًا، فاشْهَدْ به أنتَ عليه.
لم يَجُزْ أن يَشْهَدَ على شَهادتِه؛ لأنَّه ما اسْتَرْعاه شَهادتَه فيَشْهَدَ عليها، ولا هو شاهِدٌ بالحَقِّ؛ لأنَّه ما سَمِعَ الاعْتِرافَ به ممَّن هو عليه، ولا شاهَدَ سَبَبَه.
..................................
فصل: فأما كَيْفِيَّةُ الأداءِ 1 إذا كان قد اسْتَرْعاه الشَّهادةَ، فإنَّه يقولُ: أشهَدُ أنَّ فُلانَ بنَ فُلانٍ، وقد عَرَفْتُه 2 بعينِه واسْمِهِ ونَسَبهِ وعَدَالَتِه، أشْهَدَنِى أنَّه يَشْهَدُ أنَّ لفُلانِ بنِ فُلانٍ كذا.
أو: أنَّ فُلانًا أقَرَّ عندِى بكذا.
وإن لِم يَعْرِفْ عَدالَتَه لم يَذْكُرْها.
وإن سَمِعَه يُشْهِدُ غيرَه، قال: أشْهَدُ أنَّ فُلان بنَ فُلانٍ، أشْهَدَ على شَهَادته أنَّ لفُلانِ بنِ فُلانٍ، على فُلانِ بنِ فُلانٍ كذا وكذا.
وإن كان سَمِعَه يَشْهَدُ عندَ الحاكمِ، قال: أشْهَدُ أنَّ فُلانَ بنَ فُلانٍ، شهِدَ على فُلانِ بنِ فُلانٍ، عندَ الحاكمِ بكذا.
وإن كان نَسَب الحقَّ إلى سَبَبِه، قال: أشهَدُ أن فُلانَ بنَ فُلانٍ قال: أشْهَدُ أنَّ لفُلانِ بنِ فُلانٍ، على فُلانِ بنِ فُلانٍ كذا وكذا، مِن جِهَةِ كذا وكذا.
وإذا أرادَ الحاكِمُ أن يَكتُبَ ذلك، كتَبَه، على ما ذكَرْنا.
وَتَثْبُتُ شَهَادَةُ شَاهِدَىِ الأَصْلِ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَيْهِمَا، سَوَاءٌ شَهِدَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أوْ شَهِدَ عَلَى كُلِّ
فصل: ويُشْتَرطُ أن يُعَيِّنا شاهِدَىِ الأصْلِ، على ما ذكَرْنا، ويُسمِّياهُما.
وقال ابنُ جَرِيرٍ: إذا قالا: ذكَرَيْنِ، حُرَّيْنِ، عَدْلَيْنِ.
جازَ، وإنْ لم يُسَمِّيا؛ لأنَّ الغَرَضَ مَعْرِفَةُ الصِّفاتِ دُونَ العَيْنِ.
وليس بصَحِيحٍ؛ لجَوازِ أن يَكونا عَدْلَيْن عندَهما، وهما مَجْروحَان عندَ غيرِهما، ولأنَّ المَشْهودَ عليه ربَّما أمْكَنَه جَرْحُ الشُّهودِ، فإذا لم يَعْرِفْ أعْيانَهما، تَعذَّرَ عليه ذلك.
5071 -
مسألة: (وتَثْبُتُ شَهادَةُ شاهِدَىِ الأصْلِ بشَهادَةِ شاهِدَيْنِ، يَشْهَدَانِ عليهما، سَواءٌ شَهِدَا على كُلِّ واحِدٍ منهما، أو شَهِدَ
وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدٌ مِنْ شُهُودِ الْفَرْعِ.
وَقَالَ أبو عَبْدِ الله ابْنُ بَطَّةَ: لَا تَثْبُتُ حَتَّى يَشْهَدَ أرْبَعَة؛ عَلَى كُلِّ شَاهِدِ أصْلٍ شَاهِدَا فَرْعٍ.
على كُلِّ واحِدٍ منهما شاهِدٌ مِن شُهُودِ الفَرْعِ.
وقال أبو عبدِ الله ابنُ بَطَّةَ: لا تَثْبُتُ حتى يَشْهَدَ أرْبَعَةٌ؛ على كُلِّ شاهِدِ أصْلٍ شَاهِدَا فَرْعٍ) وجملةُ ذلك، أنَّه يَجُوزُ أن يَشْهَدَ على كلِّ واحدٍ مِن شَاهِدَىِ الأصْلِ شاهِدُ 1 فَرْع، فيَشْهَدَ شاهِدَا فَرْعٍ على شاهِدَىْ أصْل.
قال القاضى: لا يَخْتَلِفُ كلامُ أحمدَ في هذا.
وهو قولُ شُرَيْحٍ، والشَّعْبِىِّ، والحسنِ، وابنِ شُبْرُمَةَ، وابنِ أبى ليلَى، والثوْرِىِّ، وإسْحاقَ، والبَتِّىِّ، والعَنْبَرِىِّ.
قال إسْحاقُ: لم يَزَلْ أهلُ العلمِ على هذا، حتى جاءَ هؤلاءِ.
قال أحمدُ: وشَاهِدٌ على شاهدٍ يجوزُ، لم يَزَلِ النَّاسُ على ذا؛ شُرَيْحٌ فمَن دُونَه، إلَّا
..................................
أنَّ أبا حنيفةَ أنْكَرَه.
وذهَبَ أبو عبدِ الله ابنُ بَطَّةَ إلى أنَّه لا يُقْبَلُ على كلِّ شاهدِ أصْل إلَّا شاهِدَا فَرْعٍ.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ؛ لأنَّ شَاهِدَىِ الفَرْعِ يُثْبِتانِ شَهادةَ شاهِدَىِ الأصْلِ، فلا تثْبُتُ شَهادةُ كلِّ واحدٍ منهما بأقلَّ مِن شاهِدَيْن, كما لا يثْبُتُ إقْرارُ مُقِرَّيْنِ بشَهادَةِ اثْنَيْن، يَشْهَدُ على كلِّ واحدٍ منهما واحِدٌ.
ولَنا، أنَّ هذا يَثْبُتُ بشَاهِدَيْن، وقد شَهِدَ اثْنان بما يُثْبِتُه، فيَثْبُتُ, كما لو شَهِدَا بنَفْسِ الحَقِّ، ولأنَّ شَاهِدَىِ الفَرْعِ بَدَلٌ مِن شاهِدَىِ الأصْلِ، فيَكْفِى في عَددِهما 1 ما يَكْفِى في شَهادةِ الأصْلِ، ولأنَّ هذا إجْماعٌ، على ما ذكَرَه أحمدُ وإسْحاقُ، ولأنَّ شاهِدَىِ الفَرْعِ لا يَنْقُلانِ عن شاهِدَىِ الأصْلِ حَقًّا عليهما، فوَجَبَ أن يُقْبَلَ فيه قولُ واحدٍ، كأخْبارِ الدِّياناتِ، فإنَّهما إنَّما 2 يَنْقُلانِ
..................................
الشَّهادةَ، وليستْ حقا عليهما، ولهذا لو أنْكَراها 1 لم يُعِدِ الحاكمُ عليهما، ولم يَطْلُبْها 2 منهما.
وهذا الجوابُ عمَّا ذكَرُوه.
إذا ثَبَت هذا، فمَن اعْتَبَر لكُلِّ شاهِدِ أصْل شاهِدَىْ فَرْع، أجازَ أن يَشهَدَ شاهدان على كُلِّ واحدٍ مِن شاهِدَىِ الأصل.
وبه قال مالكٌ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
قال الشافعىُّ: رأيتُ كثيرًا مِن الحُكًّامِ والمُفْتِينَ يُجِيزُه.
وخرَّجَه على قَوْلَيْنِ؛ أحدُهما، جَوازُه.
والآخر، لا يجوزُ حتى يكونَ شُهودُ الفَرْعِ أربعةً، على كُلِّ شاهدِ أصل شاهِدَا فَرْع.
واخْتارَه المُزَنِىُّ؛ لأنَّ مَن يَثْبتُ به أحدُ طَرَفَىِ الشَّهادَةِ، لا يثْبتُ به الطَّرَفُ الآخرُ, كما لو شَهِدَ أصْلًا، ثم شَهِدَ مع آخَرَ على شَهادَةِ شاهِدِ الأصْلِ الآخر.
ولَنا، أنَّهما شهِدَا على قَوْلَيْنِ، فوجَبَ أن يقْبَلَ, كما لو شهِدَا بإقْرارِ اثْنَيْن، أو بإقْرارَيْن بحَقَّيْن.
وإنَّما لم يَجُزْ أن يَشهَدَ شاهدُ الأصْلِ فَرْعًا؛ لأنَّه يُؤَدِّى إلى أن يكونَ بَدلًا أصْلا [في شَهادةٍ] 3 بحق، وذلك لا يجوزُ، ولأنَّهم يُثْبِتونَ بشَهادتِهم شَهادةَ الأصْلِ، وليستْ شَهادةُ أحدِهم 4 طَرَفًا 5 لشهادةِ