..................................
فصل: ويَجُوزُ اقْتِضاءُ أحَدِ النَّقْدَينِ من الآخَرِ، ويكُونُ صَرْفًا بعَينٍ وذِمَّةٍ، في قوْلِ الأكْثَرِين.
ومَنَعَ منه ابنُ عَبّاسٍ، وأبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرّحمنِ، وابنُ شُبْرُمَةَ.
ورُوِيَ عن ابنِ مَسْعُودٍ؛ لأنَّ القَبْضَ شَرْطٌ، وقد تَخَلَّفَ 1. ولَنا، أنَّ ابنَ عمرَ قال: كنتُ أَبِيعُ الإِبِلَ، فأَبِيعُ بالدَّنَانِيرِ، وآخُذُ الدَّراهِمَ، وأبِيعُ بالدَّراهِمِ وآخذُ الدّنانِيرَ، آخُذُ هذه من هذه، وأُعْطِي هذه من هذه، فأَتَيتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - في بَيتِ حَفْصَةَ، فقُلْتُ: يارسولَ الله، رُوَيدَكَ أَسْأَلُكَ، إنِّي أَبِيعُ الإبِلَ بالبَقِيع، فأَبِيعُ بالدَّنَانِيرِ وآخُذُ الدَّراهِمَ، وأبِيعُ بالدَّرَاهِمِ وآخُذُ الدّنَانِيرَ، آخُذُ هذه من هذه، وأُعْطِي هذه منِ هذه، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا بَأْسَ أنْ تَأْخُذَها بسِعْرِ يَوْمِها، ما لم تَفرَّقَا وليس بَينَكُمَا شيءٌ».
روَاهُ أبو دَاوُدَ 2، والأثْرَمُ.
قال أحمدُ: إنّما يَقْضِيه إيَّاهَا بالسِّعْرِ.
لم يَخْتَلِفُوا إلَّا ما قال أصحابُ الرأي: إنَّه يَقْضِيه مكانَها ذَهَبًا على التَّراضِي، لأنه بَيعٌ في الحالِ، فجازَ ما تَرَاضَيَا عليه إذا اخْتَلَفَ الجِنْسُ،؛ لو كان العِوَضُ عَرْضا.
ولَنا، قولُ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم -: «لا بَأْسَ أنْ تَأْخُذَها بسِعْرِ يَوْمِها».
فشَرَطَ أَخْذَها
..................................
بالسِّعْرِ.
ورُوِيَ أنَّ بكْرَ بنَ عبدِ اللهِ، ومُوَرقًا 1 العِجْلِيَّ سَأَلَا ابنَ عمرَ عن كَرِيٍّ 2 لهما، له عليهما دَرَاهِمُ، وليس مَعَهُما إلَّا دَنانِيرُ؛ فقال ابنُ عمرَ: أَعْطُوهُ بسِعْرِ السُّوقِ.
ولأنَّ هذا جَرَى مَجْرَى القَضَاء، فَيُقَيَّدُ بالمِثْلِ، كالقَضاء من الجِنس، والتماثُلُ ها هنا بالقِيمَةِ؛ لتَعَذُّرِ التماثُلِ بالصُّورَةِ.
قيل لأبي عبدِ اللهِ: فإنّ أهْلَ السُّوقِ يَتَغَابَنُونَ بَينَهُم بالدّانَقِ في الدِّينارِ وما أَشْبَهَه، [فسَهَّلَ فيه إذا] 3 كان ممّا يَتَغابَنُ النّاسُ به، ما لم يَكُنْ حِيلَةً.
فصل: فإنْ كان المَقْضِيُّ الذي في الذَمَّةِ مُؤجَّلًا، فقد تَوَقَّفَ أحمدُ فيه.
وقال القاضِي: يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ؛ أحَدُهما، المَنْعُ.
وهو قولُ مالِكٍ، ومَشْهُورُ قَوْلَي الشّافِعِيِّ؛ لأنَّ ما في الذمَّةِ غيرُ مُسْتَحَقِّ القَبْضِ، فكان القَبْضُ نَاجِزًا في احدِهما، والنَّاجزُ يَأْخُذُ قِسْطًا من الثَّمَنِ.
والثانِي، الجَوَازُ.
وهو قولُ أبي حَنِيفَةَ؛ لأَنَّه ثابِتٌ في الذِّمَّةِ، وما في الذِّمَّةِ بمَنْزِلَةِ المَقْبُوض، فكَأنَّه رَضِيَ بتَعْجِيلِ المُؤجَّلِ.
وهذا هو الصَّحِيحُ إذا قَضَاه
..................................
بسِعْرِ يَوْمِها ولم يَجْعَلْ للمَقْضِيِّ فَضْلًا لأجْلِ تَأْجِيلِ ما في الذِّمَّةِ؛ لأنَّه إذا لم يَنْقُصْه عن سِعْرِها شيئًا، فقد رَضِيَ بتَعْجِيلِ ما فِي الذِّمَّةِ بغيرِ عِوَضٍ، فأَشْبَهَ ما لو قَضَاه من جِنْسِ الدَّينِ، ولم يَسْتَفْصِلِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ابنَ عمرَ حينَ سَأَلَه، ولو افْتَرَقَ الحالُ، لسَال واسْتَفْصَلَ.
هذا اخْتِيارُ شَيخِنا 1.
فصل: قال أحمدُ: لو كانَ لرَجُلٍ على رَجُلٍ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، فدَفَعَ إليه دِينارًا، وقال: اسْتَوْفِ حَقَّكَ منه.
فاسْتَوْفَاهُ بعد التَّفَرُّقِ، جازَ.
ولو كان عليه دَنانِيرُ، فوَكَّلَ غَرِيمَه في بَيعِ دارِه، واسْتِيفَاءِ دَينِه من ثَمَنِها، فَبَاعَها بدَراهِمَ، لم يَجُزْ أنْ يَأْخُذَ منها قَدْرَ حَقِّه؛ لأنَّه لم يَأْذَن له في مُصارَفَةِ نَفْسِه، ولأنَّهُ مُتَّهَمٌ.
نَصَّ أحمدُ على ذلك.
فصل: ولو كانَ له عندَ رَجُلٍ دِينارٌ ودِيعَةً، فَصَارَفَه به، وهو مَعْلُومٌ بقاؤُه أو مَظْنُونٌ، صَحَّ الصَّرْفُ، وإنْ ظَنَّ عَدَمَه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ حُكْمَه حُكْمُ المَعْدُومِ.
وإنْ شَكَّ فيه، فقال ابنُ عَقِيلٍ: يَصِحُّ.
وهو قَوْلُ بَعْضِ
..................................
الشّافِعِيَّةِ.
وقال القاضِي: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه غيرُ مَعْلُومِ البَقاءِ.
وهو مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ الأصْلَ بقاؤه، فصَحَّ البناءُ عليه عند الشَّكِّ؛ لأنَّ الشَّكَّ لا يُزيلُ اليَقِينَ، ولذلك صَحَّ بَيعُ الحَيَوانِ المَشْكُوكِ في حَياتِه.
فإنْ تَبَيَّن أنَّه كان تالِفًا حين العَقْدِ، تَبَيَّنَّا أنَّ العَقْدَ وَقَعَ باطِلًا.
فصل: وإذا عَرَفَ المُصْطرَفَانِ وَزْنَ العِوَضَينِ، جازَ أنْ يَتَبايَعَا بغَيرِ وَزْنٍ.
وكذلك لو أخبرَ أحَدُهما الآخَرَ بوَزْنِ ما مَعَه، فصَدَّقَهُ، فإذا باعَ دِينارًا بدِينارٍ كذلك، وافْتَرَقَا، فوَجَدَ أحَدُهما ما قَبَضَه ناقِصًا، بَطَلَ الصَّرْفُ؛ لأنَّهُما تَبَايَعَا ذَهَبًا بذَهَبٍ مُتَفاضِلًا.
فإنْ وَجَدَ أحَدُهما فيما قَبَضَه زِيادَةً على الدِّينارِ، فإنْ كان قال: بِعْتُكَ هذا الدِّينارَ
وَالدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعَقْدِ، فِي اظْهَرِ الرِّوَايَتَينِ، فَلَا يَجُوزُ إِبْدَالُهَا،
بهذا.
فالعَقْدُ باطِلٌ؛ لوُجُودِ التَّفَاضُلِ.
وإنْ قال: بِعْتُكَ دِينارًا بدِينارٍ.
ثم تَقَابَضَا، كان الزَّائِدُ في يَدِ القابِضِ مُشَاعًا مَضْمُونًا لمالِكِه؛ لأنَّه قَبَضَه على أنَّه عِوَضٌ، ولم يَفْسُدِ العَقْدُ؛ لأنَّه إنَّمَا باعَ دِينارًا بمثْلِهِ، وإنَّما وَقَعَ القَبْضُ للزِّيادَةِ على المَعْقُودِ عليه، فإنْ أَرادَ دَفْع عِوَضِ الزّائِدِ، جازَ، سَواءٌ كان من جِنْسِه أو من غيرِه؛ لأنَّها مُعَاوَضَة مُبْتَدَاة.
وإنْ أرادَ أحَدُهما الفَسْخَ، فله ذلك؛ لأَنَّ آخِذَ الزّائِدِ وَجَدَ المَبِيعَ مُخْتَلِطًا بغَيرِه، مَعِيبًا بعَيب الشَّرِكَةِ، ودافعُه لا يَلْزَمُه أخذ عِوَضِه، إلَّا أنْ يكونَا في المَجْلِسِ، فَيَرُدَّ الزائِدَ أو يَدْفَعَ بَدَلَه.
ولو كان لِرَجُلٍ على رَجُلٍ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، فَوَفّاهُ عَشَرَةً عَدَدًا، فوَجَدَها أحَدَ عَشَرَ، كان هذا الدِّينارُ الزّائدُ في يَدِ القابِضِ مُشَاعًا مَضْمُونًا لمالِكِه؛ لأنَّه قَبَضَه على أنَّه عِوَضٌ عمّا له، فكانَ مَضْمُونًا بهذا القَبْضِ، ولمالِكِه التَّصَرُّفُ فيه كيفَ شاءَ.
1700 -
مسألة: (والدَّرَاهِمُ والدَّنَانِيرُ تَتَعَيَّنُ بالتَّعْيِينِ في العَقْدِ، في أظهَرِ الرِّوَايَتَينِ، فلا يَجُوزُ إبْدالُها، وإنْ خَرَجَتْ مَغْصُوبَةً بَطَلَ العَقْدُ)
وَإنْ وَجَدَهَا مَعِيبَةً، خُيِّر بَينَ الإمْسَاكِ وَالْفَسْخِ، وَيَتَخَرَّجُ أنْ يُمْسِكَ وَيُطَالِبَ بِالأرْشِ، وإنْ خَرَجَتْ مَغْصُوبَة، بَطَلَ الْعَقْدُ.
وَالأخْرَى، لَا تَتَعَيَّنُ، فَلَا يَثْبُتُ فِيهَا ذَلِكَ.
وبه قال مالِكٌ، والشّافِعِيُّ.
وعن أحمدَ، لأنها لا تَتَعَيَّنُ بالعَقْدِ، فيَجُوزُ إِبْدالُها، ولا يَبْطُلُ العَقْدُ بخُرُوجِها مَغْصُوبَةً.
وهذا مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ؛ لأنَّه يَجُوزُ إطْلاقُها في العَقْدِ، فلم تَتَعَيَّنْ بالتَّعْيِينِ، كالمِكْيالِ والصَّنجَةِ.
ولَنا، أنَّه عِوَضٌ في عَقْدٍ، فيَتَعَيَّنُ بالتَّعْيِينِ كسائِرِ الأعْواضِ، ولأنَّه أحَدُ العِوَضَينِ، فيَتَعَيَّنُ بالتَّعْيينِ، كالآخرِ.
ويفارِقُ ما ذَكَرُوه، فإنّه ليس بعِوَضٍ، وإنّما يُرادُ لتَقْدِيرِ المَعْقُودِ عليه وتَعْرِيفِ قَدْره، ولا يَثْبُتُ فيها المِلْكُ بحالٍ، بخلافِ مسألتِنا.
وإنَّما جازَ إطْلاقُها؛ لأنَّ لها عُرْفًا تَنْصَرِفُ إليه، يقومُ في بابِها مَقَامَ الصّفَةِ.
فعلى هذا (إنْ وَجَدَها مَعِيبَة، خُيِّر بينَ الإمْسَاكِ والرَّدِّ) كالعِوَض الآخرِ.
(ويَتَخَرَّجُ أنْ يُمْسِكَ ويُطالِبَ بالأرْشِ) لأنَّه مَبِيعٌ، أشْبَهَ سائِرَ المَبِيعاتِ، وإن كان ذلك في الصرفِ، فقد ذَكَرْناه.
هذا إذا كان العَيبُ من جِنْسِ النُّقُودِ.
وإنْ كان من غيرِ جِنْسِها؛ كالنُّحاسِ في الفِضَّةِ، والفِضَّةِ في الذَّهَبِ، وكان في جَمِيعِها، بَطَلَ العَقْدُ، وإنْ كان في بَعْضِها، بَطَلَ فيه، وفي الباقِي وَجْهانِ، بناءً على تَفْرِيقِ الصّفْقَةِ، وإنْ قُلْنا: لا يَتَعَيَّنُ.
انْعَكَسَتْ هذه الأحْكَامُ.
..................................
فصل في إنْفاقِ المَغْشُوشِ من النُّقُودِ: وفيه رِوَايَتانِ؛ أظْهَرُهما، الجَوازُ نقلَ صالِحٌ عنه في دَرَاهِمَ يُقالُ لها المُسَيَّبِيَّةُ، عامَّتُها نُحاسٌ إلَّا شَيئًا فيها فِضَّة، فقال: إذا كان شَيئًا اصْطَلَحُوا عليه، مثلَ الفُلُوس، اصطَلَحُوا عليها، فأرْجُو أنْ لا يكُونَ بها بَأْسٌ.
والثانِيَةُ، التَّحْرِيمُ.
نَقَلَ حَنْبَلٌ في دراهِمَ يُخْلَطُ فيها مَشٌّ 1 ونُحاسٌ، يُشْتَرَى بها ويُبَاعُ، فلا يَجُوزُ أنْ يَبْتَاعَ بها أحَدٌ، كلُّ ما وَقَعَ عليه اسْمُ الغِشِّ، فالشِّراءُ به والبَيعُ حَرامٌ.
وقال أصحابُ الشّافِعِيِّ: إنْ كان الغِشٌّ ممّا لا قِيمَةَ له، جازَ الشِّراءُ بها، وإنْ كان ممّا له قِيمَةٌ، ففِي جَوازِ إنْفاقِها وَجْهانِ.
واحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ إنْفاقَ المَغْشوشَةِ بقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ غَشَنّا فلَيسَ مِنّا» 2. وبأنَّ عمرَ نَهَى عن بيعِ نُفَايَةِ بَيتِ المالِ 3. ولأنَّ المَقْصُودَ فية مَجْهُولٌ، أشْبَهَ تُرابَ الصّاغَةِ.
والأوْلَى أنْ يُحْمَلَ كلامُ أحمدَ في الجوازِ على الخُصُوصِ
..................................
فيما ظَهَرَ عَيبُه واصْطُلِح عليه، فإنَّ المُعامَلَةَ به جائِزَة، إذْ ليس فيه أكثَرُ من اشْتِمالِه علي جِنْسَينِ لا غَرَرَ فيهما، فلا يَمْنَعُ مِنْ بَيعِهما، كما لو كانا مُتَمَيِّزينِ، ولانَّ هذا مُسْتَفِيضٌ في الأعْصارِ، جارٍ بينَهم من غيرِ نَكيرٍ، وفي تَحْرِيمِه مَشَقَّه وضَرَرٌ، وليس شراؤه بها غِشًّا للمُسْلِمِينَ، ولا تَغْرِيرًا لهم، والمَقْصُودُ منها ظاهِرٌ مَرْئيٌّ مَعْلُومٌ، بخلافِ تُرابِ الصَّاغَةِ.
ورِوَايَةُ المَنْع مَحْمُولَةٌ علي ما يَخْفَى غِشُّه ويَقَعُ اللَّبْسُ به، فإنَّ ذلك يُفْضِي إلى التَّغْرِيرِ بالمُسْلِمِينَ.
وقد أشارَ أحمدُ إلى هذا، فقال في رَجُلٍ اجْتَمَعَتْ عندَه دَراهِمُ زُيُوفٌ: ما يَصْنَعُ بها؟ قال: يَسْبِكُها.
قيل له: فَيبِيعُها بدِينار؟ قال: لَا.
قيلَ: يَبِيعُها بفُلُوس؟ قال: لَا، إنِّي أخَافُ أنْ يَغُرَّ بها مُسْلِمًا.
قيلَ لأبِي عبدِ اللهِ: فيَتَصَدَّقُ بها؟ قال: إنِّي أخافُ أنْ يَغُرَّ بها مُسْلِمًا.
وقال: ما يَنْبَغِي له أنْ يَغُرَّ بها المُسْلِمِينَ، ولا أقولُ إنَّه حَرَامٌ؛ لأنَّه على تَأويل، وذلك إنَّما كَرِهْتُه؛ لأنَّه يَغُرُّ بها مُسْلِمًا.
فقد صَرَّحَ بأنَّه إنَّما كَرِهَهُ
..................................
لِما فيه من التَّغْرِيرِ بالمُسْلِمِينَ، وعلى هذا يُحْمَلُ مَنْعُ عمرَ بَيعَ نُفايَة بَيتِ المالِ؛ لِما فيه من التَّغْرِيرِ، فإنَّ مُشْتَرِيَها رُبَّما خَلَطَها بدَراهِمَ جَيِّدَةٍ، واشْتَرَى بها ممَّنْ لا يَعْرِفُ حالها، ولو كانت ممّا اصْطَلَحُوا على إنْفاقِه، لم تَكُنْ نُفايَةً.
فإنْ قيلَ: رُوِيَ عن عمرَ أنَّه قال: مَنْ زَافَتْ عليه دَرَاهِمُه فَلْيَخْرُجْ بها إلى البَقِيع، فَلْيَشْتَرِ بها سَحْقَ الثيابِ 1. وهذا دَلِيل على جَوَازِ إنْفَاقِ المَغْشُوشَةِ التي لم يُصْطَلَحْ عليها.
قُلْنا: قد قال أحمدُ: مَعْنَى زَافَتْ عليه دَرَاهِمُه.
أي نُفِيَتْ، ليس أنَّها زُيُوفٌ.
ويَتَعَيَّنُ حَمْلُه على هذا، جَمْعًا بينَ الرِّوَايَتَينِ عنه.
ويَحْتَمِلُ أنه أرادَ ما ظَهَرَ غِشُّه وبانَ زَيفُه بحيث لا يَخْفَى على أحدٍ، ولا يَحْصُلُ بها تَغْرِيرٌ.
وإنْ تَعَذَّرَ تَأويلُها، تَعارَضَتِ الرِّوَايَتَانِ عنه، ويُرْجَعُ إلى ما ذَكَرْنا من المَعْنَى.
ولا فَرْق بينَ ما كان غِشُّه يبقَى؛ كالنُّحَاسِ والرَّصاصِ، وما لا ثَباتَ له؛ كالزَّرْنيخِيَّةِ والأنْدَرانِيَّةِ، وهو زِرْنيخٌ ونُورَةٌ يُطْلَى عليه فِضَّةٌ فإذا دَخَلَ النّارَ استُهْلِكَ الغِشُّ وذَهَب.
..................................
فصل: ولا يَجُوزُ بَيعُ تُرابِ الصّاغَةِ والمَعْدِنِ بشيء من جِنْسِه؛ لأنَّهُ مالُ رِبًا بِيعَ بجِنْسِه على وَجْهٍ لا تعلم المُمَاثَلَةُ بينَهما، فلم يَصِحَّ، كبَيع الصبرَةِ بالصبرةِ، وإنْ بِيعَ بغَيرِ جِنْسِه.
وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ كَرَاهَةَ بَيع تُرابِ المَعادِنِ.
وهو قَوْلُ عَطاءٍ، والشَّعْبِيِّ، والشّافِعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وإسحاقَ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ.
وقال ابنُ أبِي مُوسَى في «الإِرْشادِ»: يَجُوزُ.
وهو قَوْلُ مالِكٍ.
ورُوِيَ ذلك عن الحَسَنِ، والنَّخَعِيِّ، ورَبِيعَةَ، واللَّيثِ.
قالوا: فإنِ اخْتَلَطَ و 1 أشْكلَ فَلْيَبِعْه بعَرْض، ولا يَبِعْه بعَين ولا وَرِقٍ؛ لأنَّه باعَهُ بما لا رِبًا فيه، فجازَ، كما لو اشْتَرَى ثَوْبًا بدِينارٍ ودِرْهَم.
فصل: والحِيَلُ كُلُّها مُحَرَّمَة، لا تَجُوزُ في شيءٍ من الدِّينِ، وهو أنْ يُظْهِرَ عَقْدًا مُباحًا يُرِيدُ به مُحَرَّمًا مُخادَعَةً وتَوَسُّلًا إلى فعْلِ ما حَرَّمَ اللهُ عزَّ وجَلَّ، واسْتِبَاحَةِ مَحْظُورَاتِه، أو إسْقَاطِ واجِبٍ، أو دَفْع حَقٍّ، ونحوَ ذَلك.
قال أيوبُ السَّخْتِيانِيُّ رَحمَه اللهُ: إنَّهم ليُخَادِعُونَ اللهَ سُبْحانَه كما يُخادِعُونَ صَبِيًّا، لو كانُوا يَأتُونَ الأمْرَ على وَجْهِه كانَ أيسْهَلَ عَلَيَّ.
فمِن ذلك؛ ما لو كانَ لرَجُلٍ عَشَرَةٌ صِحاح، ومع آخرَ خَمْسَةَ عَشَرَ مُكَسَّرَة، فاقْتَرَضَ كُلُّ واحِدٍ منهما ما مع صاحِبِه، ثم تَبَارَيَا، تَوَصُّلًا إلى بَيع
..................................
الصِّحاحِ بالمُكَسَّرَةِ مُتَفَاضِلًا، أو باعَهُ الصِّحاحَ بمثْلِها من المُكَسَّرَةِ، ثم وَهَبَهُ الخَمْسَةَ الزَّائِدَةَ، أو اشْتَرَى منه بها أوقِيَّةَ صَابُونٍ ونَحْوَها، مِمَّا يَأخُذُه بأقَلَّ من قِيمَتِه، أو اشْتَرَى منه بعَشَرَةٍ إلَّا حَبَّةً من الصَّحِيحِ بمِثْلِها من المُكَسرةِ، واشْتَرَى منه بالحَبَّةِ الباقِيَةِ ثَوْبًا قِيمَتُه خَمْسَةُ دَنانِيرَ.
وهكذا لو أقْرَضَه شَيئًا وباعَهُ سِلْعَةً بأكْثَرَ من قِيمَتِها، أو اشْتَرَى منه سِلْعَةً بأقَلَّ من قِيمَتِها تَوَسُّلًا إلى أخْذِ عِوَض عن القَرْض، فكُلُّ ما كانَ مِن هذا على وَجْهِ الحِيلَةِ فهو خَبيثٌ مُحَرَّم.
وبهذا قال مالِك.
وقال أبو حَنِيفَةَ والشّافعي 1: هذا كلُّه وأشْبَاهُه جائِر، إنْ لم يَكُنْ مَشْرُوطًا في العَقْدِ.
وقال بعضُ أصْحَابِ الشّافِعِيِّ: يُكْرَهُ أنْ يَدْخُلَا في البَيع على ذلك؛ لأنَّ كُلَّ ما لا يَجُوزُ شَرْطُه في العَقْدِ يُكْره أنْ يَدْخُلَا عليه.
ولنا، أنَّ اللهَ تَعالى عَذَّبَ أمَّةً بحِيلَةٍ احْتَالُوها، فمَسَخَهُم قِرَدَةً، وسَمَّاهُم مُعتَدِينَ، وجَعَلَ ذلك نَكَالًا ومَوْعِظَةً للمُتَّقِينَ؛ ليَتَّعِظُوا بهم، ويَمْتَنِعُوا من مِثْلِ أفعالِهم.
قال بعضُ المُفَسِّرِينَ في قولِه تَعالى: ﴿وَمَوْعِظَةً للمُتَّقِينَ﴾ 2 أي لأمَّةِ مُحمّدٍ - صلى الله عليه وسلم -. فرُويَ أنهم كانُوا يَنْصِبُونَ شِباكَهُم يومَ الجُمُعَةِ، ويَتْرُكُونَها إلى يَوْمِ الأحَد، ومنهم مَنْ كان يَحْفِرُ حَفَائِرَ، ويَجْعَلُ إليها مَجارِيَ، فَيَفْتَحُها يومَ الجُمُعَةِ،، فإذا جاءَ السَّمَكُ يومَ السبتِ، جَرَى مع الماءِ في المَجارِي، فيَقَعُ في الحَفائِرِ، فَيَدَعُها إلى يوْمِ الأحَدِ، ثم
..................................
يَأخُذُها، ويقولُ: ما اصْطَدْتُ يومَ السبتِ، ولا اعْتَدَيتُ فيه.
وهذا حِيلَةٌ.
وقال النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أدْخَلَ فَرَسًا بينَ فَرَسَينِ، وقد أمنَ أنْ يُسْبَقَ، فهو قِمارٌ».
رَواهُ أبو دَاوُدَ 1. فجَعَلَه قِمارًا مع إدْخَالِه الفَرَسَ الثالِثَ؛ لكَوْنِه لا يَمْنَعُ مَعْنَى القِمارِ، وهو كَوْنُ كُلِّ واحِدٍ من المُتَسَابِقَينِ لا يَنْفَكُّ عن كَوْنِه آخِذَا أو مأخُوذًا منه، وإنَّما أدْخِلَ صُورَةً، تَحَيُّلًا على إباحَةِ المُحَرَّمِ.
وسائِرُ الحِيَلِ مثلُ ذلك.
ولأنَّ اللهَ تَعالى إنَّما حرمَ المُحَرَّماتِ لمَفْسَدَتِها والضَّرَرِ الحاصِلِ منها، ولا تَزُولُ مَفْسَدَتُها مع بقاءِ مَعْنَاهَا، بإظْهَارِهِما صُورَةً غيرَ صُورَتِها، فوَجَبَ أنْ لا يَزُولَ التَّحْرِيمُ، كما لو سَمَّى الخَمْرَ بغيرِ اسْمِها، لم يُبِحْ ذلك شُرْبَها، وقد رُوِيَ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لَيَسْتَحِلَّنَّ قَوْمٌ من أمَّتِي الخَمْرَ يُسَمُّونَها بغَيرِ اسمِها» 2. ومن الحِيَلِ في غيرِ الرِّبَا أنَهُم يَتَوَصَّلُونَ إلى بَيعِ السِّنِين 3 المَنْهِيِّ عنه، أن يَسْتَأجِرُوا بَياضَ أرْضِ البُسْتَانِ بأمْثالِ أجْرَتِه، ثم يُساقِيه على ثَمَرِ شَجَرِه بجُزْءٍ من ألفِ جُزْءٍ للمالِكِ، وتِسْعُمائةٍ وتِسْعَة وتِسْعُونَ
وَيَحْرُمُ الرِّبَا بَينَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ، وَبَينَ الْمُسْلِمينَ فِي دَارِ
للعامِلِ، ولا يَأخُذُ منه المالِكُ شيئًا، ولا يريدُ ذلك، وإنَّما قَصْدُه بَيعُ الثَّمَرَةِ قبلَ وجُودِها بما سَمّاهُ أجْرَةً، والعامِلُ لا يَقْصِدُ أيضًا سِوَى ذلك، ورُبَّما لا يَنْتَفِعُ بالأرْضِ التي سَمَّى الأجْرَةَ في مُقابَلَتِها، ومَتَى لم يَخْرُجِ الثمرُ أو أصابَتْهُ جائِحَةٌ، جاءَ المُسْتَأجِرُ يَطْلُبُ الجائِحَةَ، ويَعْتَقِدُ أنه إنَّما بَذَلَ ماله في مُقَابَلَةِ الثَّمَرَةِ لا غيرُ، ورَبُّ الأرْضِ يَعْلَمُ ذلك.
فصل: وإنِ اشْتَرَى شَيئًا بمُكَسَّرَةٍ، لم يَجُزْ أنْ يُعْطِيَه صَحِيحًا أقَلَّ منها.
قال أحمدُ: هذا هو الرِّبَا المَحْضُ؛ وذلك لأنَّه يَأخُذُ عِوَضَ الفِضَّةِ أقلَّ منها، فَيَحْصُلُ التَّفاضُلُ.
ولو اشْتَرَاهُ بصَحِيحٍ، لم يَجُزْ أن يُعْطِيَه مُكَسَّرَةً أكثرَ منها؛ لذلك (1). فإنْ تَفَاسَخَا البَيعَ، ثمّ عَقَدا بالصِّحَاحِ، أو بالمُكَسَّرَةِ، جازَ.
ولو اشْتَرَى ثَوْبًا بنِصْفِ دِينارٍ، لَزِمَه نِصْفُ دِينارٍ شِقٌّ، فإنْ عادَ فاشْتَرَى شَيئًا آخَرَ بنِصْفٍ، لَزِمَه نِصْفٌ شِقٌّ أيضًا، فإنْ وَفَّاهُ دينارًا صَحِيحًا، بَطَل العَقْدُ الثانِي؛ لأنه تَضَمَّنَ اشْتِراطَ زِيادَةِ ثَمَنِ العَقْدِ الأوَّلِ، وإنْ كان ذلك قبلَ لزُومِ العَقْدِ الأوَّلِ، بَطَلَ أيضًا؛ لأنَّه وُجِدَ ما يُفْسِدُه قبك انْبِرامِه.
وإنْ كان بعدَ لزُومِه، لم يُؤثرْ ذلك فيه، ولا يَلْزمُه أكْثَرُ من ثَمَنِه الذي عَقَدَ البَيعَ به.
ومذهَبُ الشّافِعِيِّ في هذا كما ذَكَرْنَا.
1701 -
مسألة: (ويَحْرُمُ الرِّبَا بينَ المسْلِمِ والحَرْبِيِّ، وبينَ
1
الْحَرْبِ، كَمَا يَحْرُمُ بَينَ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الإسْلَامِ.
المُسْلِمِينَ في دارِ الحَرْبِ، كما يَحْرُمُ بينَ المُسْلِمِينَ في دارِ الإِسْلامِ).
وبذلك قال مالِك، والأوْزَاعِيّ، وأبو يُوسُفَ، والشّافِعِيُّ، وإسحاقُ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يَجْرِي الرِّبَا بَينَ مُسْلِم وحَرْبِي في دارِ الحَرْبِ.
وعنه في مُسْلِمَينِ أسْلَما في دارِ الحَرْبِ، لا رِبًا بَينَهُما؛ لِما رَوَى مَكْحُولٌ، عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: «لا رِبًا بَينَ المُسْلِمِينَ وأهلِ الحَرْبِ في دارِ
..................................
الحَرْبِ» 1. ولأنَّ أمْوالهم مُباحَةٌ، وإنَّما حَظرها الأمانُ في دار الإِسْلامِ، فما لم يَكُنْ كذلك كان مُبَاحًا.
ولَنا، قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ 2 وقوْلُه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (2). وقَوْلُه تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ 3. وعُمُومُ الأخبارِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ 4 التَّفاضُلِ.
وقولُه: «مَنْ زَادَ أو ازْدَادَ فَقَدْ أرْبَى» 5. عَامٌّ.
ولأنَّ ما كانَ مُحَرَّمًا في دارِ الإِسْلَامِ كان مُحَرَّمًا في دارِ الحَرْبِ، كالرِّبَا
..................................
بينَ المُسْلِمِينَ.
وخَبَرُهُم مُرْسَل لا تُعْرَفُ صِحَّتُه، ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ النَّهْيَ عن ذلك، ولا يَجُوزُ تَرْكُ ما وَرَدَ بتَحْرِيمِه القُرْآنُ، وتَظَاهَرَتْ به السنةُ بخَبَرٍ مَجْهُول، لم يُرْوَ في صَحِيحٍ ولا مُسْنَدٍ ولا كِتابٍ مَوْثوقٍ به، وما ذَكَرُوه من الإِباحَةِ مُنْتقِضٌ بالحَرْبِيِّ إذا دَخَلَ دارَ الإِسْلام، فإنّ ماله مُباحٌ، إلَّا ما حَظره الأمان.
بَابُ بَيعِ الْأصُولِ وَالثمَار
وَمَنْ بَاعَ دَارًا، تَنَاوَلَ الْبيعُ أَرْضَهَا، وَبِنَاءَهَا، وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا لِمَصْلَحَتِهَا، كَالسَّلَالِمِ، وَالرُّفُوفِ الْمُسَمَّرةِ، وَالأبْوَابِ المنْصُوبَةِ وَالْخَوَابِي الْمَدْفونَةِ، وَالرَّحَى الْمَنْصوبَةِ، بابُ بَيعَ الأصُولَ والثمارِ (ومَن باعَ دَارًا تَنَاوَلَ البَيعُ أَرْضَها، وبِنَاءَهَا، وما يَتَّصِلُ بها لمَصْلَحَتِها، كالسَّلَالمِ 1، والرُّفوفِ المُسَمَّرَةِ، والأبْوابِ المَنْصُوبَةِ، والخَوابِي 2 المَدْفُونَةِ، والرَّحَى المنْصُوبَةِ) وأشْباهِ ذلك؛ لأنَّه مُتَّصِل بها لمَصْلَحَتِها، أشْبَهَ حِيطانَها.
وَلَا يَدْخُلُ مَا هُوَ مودَعٌ فِيهَا، مِنَ الْكَنْزِ، وَالْأَحْجَارِ المدفُونَةِ.
وَلَا الْمُنْفَصِلُ مِنْهَا، كَالْحَبْلِ، وَالدَّلْو، وَالْبَكَرَةِ، وَالْقُفْلِ، وَالْفُرُش.
1702 - مسألة: (ولا يَدْخُلُ ما هو مُودَعٌ فيها، من الْكَنْزِ، والأحجَارِ المَدْفُونَةِ)
لأن ذلك مُودَعٌ فيها للنَّقْلِ عنها، فأشْبَهَ الفُرُش والسُّتُورَ، ولا يَدْخُلُ ما هو مُنْفَصِلٌ عنها لا يَخْتَصُّ بمَصْلَحَتِها (كالحَبْلِ، والدَّلْو، والبَكَرَةِ، والقُفْلِ، والفُرُشِ) وكذلك الرُّفُوفُ المَوْضُوعَةُ على الأوْتَادِ بغَيرِ تَسْمِيرٍ ولا غَرْزٍ في الحائِطِ، وحَجَرُ الرَّحَى إنْ لم يكُنْ مَنْصُوبًا، والخَوابِي المَوْضُوعَةُ من غيرِ أنْ يُطيَنَ عليها؛ لأنَّه مُنْفَصِلٌ عنها، لا يَخْتَصُّ بمَصْلَحَتِها، أشْبَهَ الثِّيابَ والطَّعامَ.
إلَّا مَا كَانَ مِنْ مَصَالِحِهَا، كَالْمِفْتَاحِ، وَحَجَرِ الرَّحَى الْفَوْقَانِيِّ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
1703 - مسألة: (فأمّا ما كانَ من مَصالِحِها)
لكنَّه مُنْفَصِل عنها (كالمِفْتَاحِ، وحَجَرِ الرَّحَى الفوقانِيِّ) إذا كان السُّفلانِيُّ مَنْصُوبًا (ففيه وَجْهانِ) أحَدُهما، يَدْخُلُ في البَيعِ؛ لأنه لمَصْلَحَتِها، فأشْبَهَ المَنْضُوبَ فيها.
والثانِي، لا يَدْخُلُ، لأنَّه مُنْفَصِلٌ عنها، فأشْبَهَ القُفْلَ والدَّلْوَ، ونحوَ ذلك.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
فصل: وما كانَ في الأرْضِ مِن الحِجَارَةِ المخْلُوقَةِ فيها، أو مَبْنِيٍّ فيها، كأسَاسَاتِ الحِيطانِ المُهَدَّمَةِ، فهو للمُشْتَرِي؛ لأنَّه من أَجْزَائِها، فهو كتُرابِها.
والمعادِنُ الجامِدَةُ فيها والآجُرُّ كالحِجَارَةِ في هذا.
وإذا كانَ
..................................
المُشْتَرِي [عالِمًا بذلك] 1 فلا خِيارَ له.
وإنْ لم يَعْلَمْ وكان يَضُرُّ بالأرْضِ ويَنقُصُها، كالصَّخْرِ المُضِرِّ بعُرُوقِ الشَّجَرِ، فهو عَيبٌ، حُكْمُه حُكْمُ سائِرِ العُيُوبِ.
فإنْ كانتِ الحِجَارَةُ والآجُرُّ مُودَعًا فيها، فهو للبائِع، كالكَنْزِ، ويَلْزَمُه نَقْلُها وتَسْويَةُ الأرْضِ وإصْلَاحُ الحُفَرِ؛ لأنَّه ضَرَر لَحِقَ لاسْتِصْلاحِ مِلْكِه، فكان عليه إزالتُه.
وإنْ كان قَلْعُها يَضُرُّ بالأرْض أو تَتَطَاوَلُ مُدَّتُه، فهو عَيب.
وإنْ لم يكُنْ في نَقْلِها ضَرَر، وكان يُمْكنُ نَقْلُها في أيام يَسِيرَةٍ، كالثَّلاثةِ فما دونَ، فليس بِعَيبٍ، وله مُطَالبَةُ البائِعِ؛ لأنَّه لا عُرْفَ في تَبْقِيَتها، بخلافِ الزَّرْعِ.
ومتى كان عالِمًا بالحالِ، فلا أجْرَةَ له في الزَّمَانِ الذي نُقِلَتْ فيه؛ لأنَّه عَلِمَ بذلك ورَضِيَ به، فهو كما لو اشْتَرَى أرْضًا فيها زَرْعٌ.
وإنْ لم يَعْلَمْ فاخْتَارَ إمْسَاكَ المَبِيعِ، فهل له أجْرَة لزَمانِ النَّقْلِ؟ على وَجْهَينِ؛ أحدُهما، له ذلك؛ لأنَّ المنافِعَ مَضْمُونَة على المُتْلِفِ، فكان عليه بدَلُها، كالآجُرِّ.
والثاني، لا يَجِبُ؛ لأنَّه لمَّا رَضِيَ بإمْسَاكِ المَبِيع رَضِيَ بتَلَفِ المَنْفَعَةِ
..................................
في زمانِ النَّقْلِ، فإنْ لم يَخْتَرِ الإِمْسَاكَ، فقال البائِعُ: أنا أدَعُ ذلك لك.
وكان ممّا لا ضَرَرَ في بقَائِه، لم يكُنْ له خِيَارٌ؛ لزَوَالِ الضَّرَرِ عنه.
فصل: فإنْ كان في الأرْضَ مَعادِنُ جامِدَة؛ كمعَادِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ ونَحْوها 1، دَخَلَتْ في المبِيعِ 2، ومُلِكَتْ بمِلْكِ الأرْضِ التي هي فيها؛ لأنَّها من أجْزَائِها، فهي كأحْجَارِها، ولكن لا يُبَاعُ مَعْدِنُ الذَّهَبِ بذَهَبٍ، ويَجُوزُ بَيعُها بغَيرِ جِنْسِها.
وإنْ ظَهَرَ في الأرْضِ مَعْدِنٌ لم يَعْلَمْ به البائِعُ، فله الخِيارُ؛ لأنَّه زِيادَةٌ لم يَعْلَمْ بها، فأشْبَهَ ما لو باعَهُ ثَوْبًا على أنَّه عَشَرَةُ أذْرُع فَبَانَ أحَدَ عَشَرَ.
هذا إذا كان قد مَلَكَ الأرْضَ بإحْياءٍ أو إقْطَاعٍ.
وقد رُوِيَ أنَّ وَلَدَ بلالِ بنِ الحارِثِ باعُوا عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ أرْضًا، فَظَهَر فيها مَعْدِنٌ، فقالُوا: إنَّما بِعْنَا الأرضَ، ولم نِبع المَعْدِنَ.
وأتوْا عمرَ بالكتابِ الذي فيه قَطِيعَةُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأبِيهِم، فأخذه فَقَبَّلَه ورَدَّ عليهم المَعْدِنَ 3. وإنْ كانَ البائِعُ مَلَكَ الأرْضَ بالبَيعِ، احْتَمَلَ أنْ لَا يَثْبُتَ له خِيار؛ لأنَّ الحَقَّ لغَيرِه، وهو المالِكُ الأولُ، واحْتَمَلَ أنْ يَثْبُتَ له الخِيارُ، كما لو اشْتَرَى مَعِيبًا، ثمَّ باعَهُ ولم يَعْلَمْ عَيبَه، فإنَّه يَسْتَحِقّ الرَّدَّ، وإنْ كانَ قد باعَهُ مثلَ ما اشْتَرَاه.
ورَوَى أبو طَالِبٍ عن أحمدَ: إذا ظَهَرَ
وَإنْ بَاعَ أرْضًا بِحُقُوقِهَا، دَخَلَ غرَاسُهَا وَبِنَاؤهَا فِي الْبَيع، وإنْ لَمْ.
يَقُلْ: بِحُقُوقِهَا.
فَعَلَى وَجْهَينِ.
المَعْدِنُ في مِلْكه ملَكَه.
وظاهِرُ هذا أنَّه لم يَجْعَلْه للبائِعِ، ولا جَعَلَ له خِيارًا؛ لأنه من أجزاءِ الأرْضَ، فأشبَهَ ما لو ظَهَرَ فيها حِجارَةٌ لها قِيمَةٌ كَبِيرَةٌ.
فصل: فإن كان فيها بِئْرٌ أو عَينٌ مُسْتَنْبَطَةٌ، فنَفْسُ البئْرِ وأَرْضُ العَينِ مَمْلُوكَةٌ لمالِكِ الأرْضِ، والماءُ الذي فيها غَيرُ مَمْلُوكٍ، في أصحِّ الرِّوَايَتَينِ.
ولأصْحابِ الشّافِعِيِّ وَجْهانِ كالرِّوايَتَينِ.
وفي مَعْنَى الماءِ المعادِنُ الجارِيَةُ في الأمْلَاكِ؛ كالقارِ، والنِّفْطِ، والمُومِياءِ، والمِلْحِ.
وكذلك ما يَنْبُتُ في الأرْضِ من الكَلأَ والشَّوْكِ، ففي هذا كُلِّه رِوَايَتان، فإنْ قُلْنا: هي مَمْلُوكَةٌ.
دَخَلَتْ في البَيعِ، وإلَّا لم تَدْخُلْ.
1704 -
مسألة: (وإنْ باعَ أرْضًا بحُقُوقها، دَخَلَ غِراسُها وبِناؤها في البَيعِ، وإنْ لم يَقُلْ: بحُقُوقِها. فعلى وَجْهَينِ)
إذا باعَ أرْضًا بحُقُوقِها، أو رَهَنَها، دَخَلَ في ذلك غِراسُها وبِناؤها.
وإنْ لم يَقُلْ:
..................................
بحُقُوقِها.
فهل يَدْخُلُ الغَرْسُ والبِنَاءُ فيهما؟ على وَجْهَينِ.
ونَصَّ الشّافِعِيُّ على أنّهما يَدْخُلانِ في البَيعِ دونَ الرَّهْنِ.
واخْتَلَفَ أصْحَابُه في ذلك؛ فمنهم من قال: فيهما جَمِيعًا قَوْلانِ.
ومنهم مَنْ فَرَّقَ بَينَهُما بكَوْنِ البَيعِ أقْوَى، فَيَسْتَتْبعُ البناءَ والشَّجَرَ، بخِلافِ الرَّهْنِ.
وَوَجْهُ دُخولِهما في البَيعِ، أنَّهُما من حُقُوقِ الأرْضِ، ولذلك يَدْخُلانِ إذا قال: بحُقُوقِها.
وما كان من حُقُوقِها يَدْخُل فيها بالإِطْلَاقِ، كطُرُقِها ومَنَافِعِها.
والوَجْهُ الثانِي، لا يَدْخُلانِ، لأنَّهُما لَيسَا من الأرْضِ، فلا يَدْخُلانِ في بَيعِها ورَهْنِها، كالثَّمَرَةِ المُوبَّرَة.
ومَنْ نَصَرَ الأوَّلَ فَرَّقَ بَينَهُما بكَوْنِ الثَّمَرَةِ تُرادُ للنَّقْلِ، وليست من حُقُوقِها، بخِلافِ الشَّجَرِ والبناءِ.
فإنْ قال: بِعْتُكَ هذا البُستَانَ.
دَخَلَ فيه الشَّجَرُ؛ لأنَّه اسمٌ للأرضِ والشَّجَرِ والحائِطِ؛ ولذلك لا تُسَمَّى الأَرْضُ المَكْشُوفَةُ بُسْتَانًا.
ويَدْخُلُ فيه البِناءُ.
ذَكَره ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّ ما دَخَلَ فيه الشَّجَرُ، دَخَلَ فيه البِناءُ.
ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَدْخُلَ؛ لأنَّ اسْمَ البُستانِ لا يَفْتَقِرُ إليه.
فأمّا إنْ باعَهُ شَجَرًا، لم تَدْخُلِ الأرْضُ في البَيعِ.
ذكَرَهُ أبو إسْحاقَ ابنُ شاقْلَا؛ لأنّ الاسمَ لا يَتَنَاوَلُها، ولا هي تَبَع للمَبِيعِ.
..................................
فصل: وإنْ قال: بِعْتُكَ هذه القَرْيَةَ.
وكانت في اللَّفْظِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ على دُخُولِ أرضِها، مثلَ المُسَاوَمَةِ على أرضِها، أو ذِكْرِ الزَّرْعِ والغَرْسِ فيها، وذِكْرِ حُدُودِها، أو بَذْلِ ثمَنٍ لا يَصْلُحُ إلا فيها وفي أرضِها، دَخَلَ في البَيعِ؛ لأنَّ الاسْمَ يَجُوزُ أنْ يُطْلَقَ عليها مع أرضِها، والقَرِينَةُ صارِفَةٌ إليه ودَالَّةٌ عليه، فأشْبَهَ ما لو صَرَّحَ به.
وإن لم تكُنْ قَرِينَةٌ تَصْرِفُ إلى ذلك، فالبَيعُ يَتَنَاوَلُ البُيوتَ والحِصْنَ الدّائِرَ عليها، فإنَّ القَرْيَةَ اسمٌ لذلك، وهو مَأخُوذٌ من الجَمْعِ؛ لأنه يَجْمَعُ النّاسَ، وسواءٌ قال: بحُقُوقِها.
أو لم يَقُلْ.
وأمّا الغِراسُ 1 بين بُنْيَانِها، فحُكْمُه حُكْمُ الغِرَاسِ في الأرْضِ، إنْ قال: بحُقُوقِها.
دَخَلَ، وإنْ لم يَقُلْ، فعلى وَجْهَينِ.
وَإنْ كَانَ فِيهَا زَرْعٌ يُجَزُّ مَرَّةً بَعْدَ أخْرَى، كالرَّطْبَةِ، وَالْبُقُولِ، أَوْ تَكَرَّرُ ثَمَرَتُهُ؛ كَالْقِثَّاءِ وَالبَاذِنْجَانِ، فَالأصُولُ لِلْمُشْترِي، وَالْجَزَّةُ الظَّاهِرَةُ وَاللَّقَطَةُ الظَّاهِرَةُ مِنَ الْقِثَّاءِ وَالْبَاذِنْجَانِ لِلْبَائِعِ، إلا أن يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ.
1705 - مسألة: (وإنْ كان فيها زَرْعٌ يُجَزُّ مَرَّةً بعَد أخْرَى؛ كالرَّطْبَةِ 1، والبُقُولِ، أو تَكَرَّرُ ثَمَرَتُه؛ كالقِثَّاءِ، والباذِنْجَانِ، فالأصُولُ للمُشْتَرِي، والجَزَّةُ الظاهِرَةُ للبَائِعِ) سواءٌ كان ممّا يَبْقَى سَنَةً؛
..................................
كالهِنْدِبَا 1، أو أكثرَ؛ كالرَّطْبَةِ، وعلى البائِعِ قَطْعُ ما يَسْتَحِقّه منه في الحالِ، فإنَّه ليس لذلك حَد يَنْتَهِي إليه، ولأنَّ ذلك يَطُولُ.
ويَخْرُجُ غيرُ ما كان ظاهِرًا، والزِّيَادَةُ من الأصُولِ التي هي 2 مِلْكُ المُشْتَرِي.
وكذلك إنْ كان ممَّا تَتَكَرَّرُ ثَمَرَتُه؛ كالقِثَّاءِ، والبِطِّيخِ، والباذنْجانِ، فالأصُولُ للمُشْتَرِي، والثَّمَرَةُ الظاهِرَةُ عندَ البَيعِ للبائِعِ؛ لأنَّ ذلك ممّا تَتَكَرَّرُ الثَّمَرَةُ فيه، أشْبَهَ الشَّجَرَ.
وإنْ كان ممّا تُؤخَذُ زَهْرَتُه وتَبْقَى عُرُوقُه في الأرْضِ؛ كالبَنَفْسَجِ، والنَّرْجِس، فالأصُولُ للمُشْتَرِي؛ لأنه جُعِلَ في الأرض للبَقَاءِ فيها، فهو كالرَّطْبَةِ، وكذلك أوْرَاقُه وغُصُونُهُ؛ لأنّه لا يُقْصَدُ أَخْذُه، فهو كوَرَقِ الشَّجَرِ وأغْصَانِه.
فأمّا زَهْرَتُه، فإنْ تَفَتَّحَتْ، فهي للبائِعِ، وما لم تَتَفَتَّحْ، للمُشْتَرِي.
واخْتَارَ ابنُ عَقِيل في هذا كُلِّه أنَّ البائِعَ إنْ قال: بِعْتُكَ هذه الأرْضَ بحُقُوقِها.
دَخَلَ فيها، وإلا ففِيه وَجْهانِ، كالشَّجَرِ.
..................................
فصل: وإذا اشْتَرَى أرْضًا وفيها بَذْرُ [ما يَسْتَحِقُّ] 1 المُشْتَرِي أصلَه، كالرَّطْبَةِ والبُقُولِ التي تُجَزُّ مَرَّةً بعد أُخْرَى، فهو للمُشْتَرِي؛ لأنه يُتْرَكُ في الأرْضِ للتبْقِيَةِ 2، فهو كأصُولِ الشَّجَرِ.
ولأنَّه لو كانَ ظاهِرًا كان له، فالمُسْتَتِرُ 3 أوْلَى، وسَواءٌ عَلِقَتْ عُرُوقُهُ 4، أو لا.
وإنْ كان بَذْرًا لِمَا يَسْتَحِقُّه البائِعُ، كالشَّعِيرِ، فهو له، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتَاعُ، فيكونُ له.
وقال الشّافِعِيّ: يَبْطُلُ البَيعُ؛ لأنَّ البَذْرَ مَقصُودٌ، وهو مَجْهُولٌ.
ولَنا، أنَّ البَذْرَ يَدْخُلُ تَبَعًا، فلم يَضُرَّ جَهْلُه، كما لو اشْتَرَى عَبْدًا واشْتَرَطَ ماله، ولأنَّه يَجُوزُ في التَّاجِ من الغَرَرِ ما لا يَجُوزُ في الأصْلِ، كبَيعِ اللَّبَنِ في الضَّرْعِ مع الشَّاةِ، والحَمْلِ مع الأمِّ، ولا تَضُرُّ جَهالتُه، ولا يَجُوزُ مُفْردًا.
فإن لم يَعْلَمِ المُشْتَرِي ذلك، فله فَسْخُ البَيعِ وإمْضاؤه؛ لأنَّه يُفَوِّتُ عليه مَنْفَعَةَ الأرْضِ مُدَّةً.
فإنْ تَرَكَه البائِعُ للمُشْتَرِي، أو قال:
..................................
أنا أُحَوِّلُه.
وأمْكَنَ ذلك في زَمَن يَسِيرِ لا يَضُرُّ بمنَافِعِ الأرْضِ، فلا خِيَارَ للمُشْتَرِي؛ لأنَّه أزَال العَيبَ بالنَّقْلِ، أو زَادَه خَيرًا بالتَّرْكِ، فَلَزِمَه قَبُولُه؛ لأنَّ فيه تَصْحِيحِ العَقْدِ.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
وكذلك إنِ اشْتَرَى نَخْلًا فيها طَلْعٌ، فبان مُؤبَّرًا، فله الخِيارُ؛ لأنه يُفَوِّتُ على المُشْتَرِي ثَمَرَةَ عامِهِ.
فإنْ تَرَكَها له 1 البائِعُ، فلا خِيارَ له.
وإنْ قال: أنا أقْطَعُها الآنَ.
لم يَسْقُطْ خِيارُه؛ لأنَّ ثَمَرَةَ العامِ تَفوتُ وإنْ قَطَعَهَا.
وإنِ اشْتَرَى أرْضًا فيها زَرْعٌ للبائِعِ، أو شَجَرًا فيه ثمَرٌ للبَائِعِ، والمُشْتَرِى جاهِلٌ، يظُنُّ أنَّ الزَّرْعَ والثَّمَرَ له، فله الخِيارُ، كما لو جَهِلَ وجُودَه؛ لأنه إنَّما رَضِيَ ببَذْلِ مَالِه عِوَضًا عن الأرْضِ والشَّجَرِ بما فيهما، فإذا بانَ بخِلَافِه ثَبَتَ له الخِيارُ، كمن اشْتَرَى مَعِيبًا يَظُنُّه صَحِيحًا.
فإنِ اخْتَلَفَا في ذلك، فالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي إذا كان مثلُه يَجْهَلُ ذلك، كالعامِّيِّ، وإنْ كان ممَّنْ يَعْلَمُ ذلك لم يُقْبَلْ قَوْلُه.
وَإنْ كَانَ فِيهَا زَرْعٌ لَا يُحْصَدُ إلا مَرَّةً، كَالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ مُبَقَّى إِلَى الْحَصَادِ، إلا أنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ.
1706 - مسألة: (وإنْ كانَ فيها زَرْعٌ لا يُحْصَدُ إلَّا مَرَّةً؛ كالبُرِّ، والشَّعِيرِ، فهو للبائِعِ مُبَقَّى إلي الحَصَادِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَه المُبْتَاعُ)
إذا كان في الأرْضَ زَرْعٌ لا يُحْصَدُ إلَّا مَرَّةً، كالبُرِّ، والقَطَاني 1، وما المَقْصُودُ منه مُسْتَتِرٌ، كالجَزَرِ، والفُجْلِ، والثُّومِ، وأشْباهِ ذلك، فاشْتَرَطَهُ المُشْتَرِي، فهو له، قَصيلًا كان أو ذَا حَبٍّ، مُسْتَتِرًا أو ظَاهِرًا، مَعْلُومًا أو مَجْهُولًا؛ لكونِه دَخَلَ في البَيعِ تَبَعًا للأرْض، فلم يَضُرَّ جَهْلُه وعَدَمُ كما لِه، كما لو اشْتَرَى شَجَرَةً فاشْتَرَطَ ثَمَرَتَها بعد تَأبِيرِها.
وإنْ أطْلِقَ البَيعُ، فهو للبائِعِ، لأنَّه مُودَع في الأرْضِ، فهو كالكَنْزِ، والقُماشِ.
وهذا قولُ أبي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ.
ولا أَعْلَمُ فيه مُخالِفًا.
إذا ثَبَتَ ذلك،
..................................
فإنّه يكونُ للبائِع مُبَقَّى في الأرْضِ إلى الحَصَادِ بغَيرِ أجْرَةٍ؛ لأنَّ المَنْفَعَة حَصَلَتْ مُسْتَثْنَاةَ له، وعليه حَصَادُه في أوَّلِ وَقْتِ حَصَادِه وإنْ كان بَقاؤه أنفَعَ له، على ما نَذْكُرُ في الثَّمَرَة.
وبهذا قال الشّافِعِيُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: عليه نَقْلُه عَقِيبَ البَيعِ.
كقَوْلِه في الثَّمَرَةِ، وسَنَذْكُرُ ذلك.
وهكذا الحُكْمُ في القَصَبِ الفارِسِيِّ 1؛ لأنَّ له وَقْتًا يُقْطَعُ فيه، إلَّا أنَّ العُروق للمُشتَرِي؛ لأنها تتْرَكُ في الأرْضِ للبَقَاءِ فيها.
والقَصَبُ كالثَّمَرَةِ.
وإنْ لم يكُنْ ظَهَرَ من القَصَبِ شيء، فهو للمُشْتَرِي.
فأمّا قَصَبُ السُّكَّرِ، فهو كالزَّرْعِ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ كالقَصَبِ الفارسِيِّ؛ لأنه يُؤخَذُ سَنَةً بعدَ سَنَةٍ.
فإنْ حَصَدَه قبلَ أوانِ الحَصادِ ليَنْتَفِعَ بالأرْضِ في غيرِه، لم
..................................
يَمْلِكْ الانْتِفَاعَ بها؛ لأنَّ مَنْفَعَتَها إنَّما حَصلَتْ مُسْتَثْناةً عن مُقْتَضَى العَقْدِ ضَرُورَةَ بَقاءِ الزَّرْعِ، فَتَتَقَدَّرُ ببَقائِه، كالثَّمَرَةِ على الشَّجَرِ، وكما لو كان المَبِيعُ طَعامًا لا يُنْقَلُ مِثْلُه عادَةً إلَّا في شَهْر، لم يُكَلَّفْ إلَّا ذلك، فإن تَكَلَّفَ نَقْلَهُ في أقَلَّ من شَهْر؛ ليَنْتَفِعَ بالدّارِ في غيرِه، لم يَجُزْ، كذا ههُنا.
ومتى حُصِدَ الزَّرْعُ وبَقِيَتْ له عُرُوقٌ تَسْتَضِرُّ بها الأرْضُ، فعلى البائِعِ إزَالتها.
وإنْ تحَفَّرَتِ الأرْضُ، فعليه تَسْويَةُ حُفَرِها؛ لأنَّه اسْتِصْلاحٌ لمِلْكِه، فهو كما لو باعَ دَارًا فيها خابِيَةٌ كِبيرَة لا تخْرُجُ إلَّا بهَدْمِ البابِ، فهَدَمَه، كان عليه الضَّمانُ، وكذلك كُلّ نَقْص دَخَلَ على مِلْكِ شَخْص لاسْتِصْلاح مِلْكِ آخَرَ من غيرِ إذْنِ الأوَّلِ ولا فِعْلٍ صَدَرَ عنه النَّقْصُ وأسْنِدَ إليه، كان الضَّمانُ على مُدْخِلِ النَّقْصِ 1.
فَصْل: وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا مُؤبَّرًا؛ وَهُوَ مَا تَشَقَّقَ طَلْعُهُ، فَالثَّمَرُ لِلْبَائِعِ مَتْرُوكًا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ إِلَى الجِذاذِ، إلا أنْ يَشتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ.
فصل 1: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (ومَنْ باعَ نَخْلًا مُؤبَّرًا؛ وهو ما تَشَقَّقَ طَلْعُه، فالثَّمَرُ للبائِعِ مَتْرُوكًا في رُءُوس النَّخْلِ إلى الجذَاذِ 2، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتَاعُ) الإِبارُ: التَّلْقِيحُ.
قاله ابنُ عبدِ البَرِّ، إلَّا أنّه لا يكُونُ حتى يَتَشَقَّقَ الطَّلعُ، فَعُبِّرَ به عن ظُهُورِ الثَّمَرَةِ؛ للزُومِه منه.
يُقالُ: أبرتُ النَّخْلَةَ -بالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ- فهي مُؤبَّرَة
..................................
ومَأبورَةٌ.
ومنه قولُه - عليه السلام -: «خَيرُ المالِ سِكَّةٌ مَأبورَةٌ» 1. والسِّكَّةُ: النَّخْلُ المَصْفُوفُ.
[وأبَرْتُ النَّخْلَةَ آبُرُها أبرًا وإبَارًا، وأبرْتُهَا تأبِيرًا، وتأبَرتِ النَّخْلَةُ، وائْتَبَرَتْ] 2. والحُكْمُ مُتَعَلِّقٌ بالظُّهُورِ دونَ نَفْسِ التَّلْقِيحِ؛ ولذلك فَسَّرَه ههُنا به.
قال القاضِي: وقد يَتَشَقَّقُ الطَّلْعُ بنَفْسِه، وقد يُشَقِّقُه الصَّعَّادُ فيَظْهَرُ.
وأيهما كان فهو المُرادُ ههُنا.
وهذا قَوْلُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ.
وحَكَى ابنُ أبِي مُوسَى رِوَايَةً عن أحمدَ، أنَّه إذا تَشَقَّقَ طَلْعُه ولم يُؤبَّرْ، أنّه للبائِعِ؛ لظاهِرِ الحَدِيثِ.
والمَشْهُورُ الأولُ.
وهذه المسألةُ تَشْتَمِلُ على فُصُولٍ؛ أحدُها، أنَّ البَيعَ متى وَقَعَ على نخْل مُثْمِرٍ، ولم يَشْتَرِطِ الثَّمَرَةَ، وكانتِ الثمَرَةُ مُؤبَّرَةً، فهي للبائِعِ.
وإن كانت غيرَ مُؤبَّرَةٍ، فهي للمُشْتَرِي.
وبهذا قال مالِكٌ، واللَّيثُ، والشّافِعِيُّ.
وقال ابنُ أبي لَيلَى: هي للمُشْتَرِي في الحالينِ؛ لأنّها مُتَّصِلَةٌ بالأصْلِ اتِّصَال خِلْقَةٍ، فكانتْ تابِعَةً له؛ كالأغْصَانِ.
وقال أبو حَنِيفَةَ،
..................................
والأوْزَاعِيُّ: هي للبائِعِ [في الحالينِ] 1؛ لأنه نماءٌ له حَدٌّ، فلم يتْبَعْ أصْلهُ [في البَيع] (1)، كالزَّرعِ في الأرضِ.
ولَنا، قولُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤبَّرَ، فثَمَرَتُها للَّذي بَاعَها، إلَّا أنْ يَشتَرِطَ المُبْتَاعُ».
مُتَّفَقٌ عليه 2. وهذا صَرِيحٌ في رَدِّ قَوْلِ ابنِ أبي لَيلَى، وحُجَّةٌ على أبي حَنِيفَةَ، والأوْزَاعِيِّ بمَفْهُومِه؛ لأنه جَعَلَ التَّأبِيرَ حَدًّا لمِلْكِ البائِعِ للثَّمَرَة، فيكونُ ما قَبْلَه للمُشْتَرِي، وإلَّا لم يكُنْ حَدًّا، ولا كان التَّأبِيرُ مُفِيدًا.
ولأنه نماءٌ كامِنٌ، لظُهُورِه غايَةٌ، فكانَ تابِعًا لأصْلِه قبلَ ظُهُورِه [وغيرَ تابع له بعد ظُهورِ] (8)، كالحَمْلِ في الحَيَوانِ، فأمّا الأغْصَانُ، فإنّها تَدْخُلُ في اسمِ النَّخْلِ، وليس لانْفِصالِها غايَةٌ، والزَّرْعُ ليس من نماءِ الأرْضِ، وإنَّما هو مُودَعٌ فيها.
..................................
الفصلُ الثاني: أنّه مَتَى اشْتَرَطَها أحَدُ المُتَبَايِعَينِ، فهي له، مُؤبَّرَةً كانت أو غيرَ مُؤبَّرَةٍ، البائِعُ والمُشْتري فيه 1 سَواءٌ.
وقال مالِكٌ: إنِ اشْتَرَطَها المُشْتَرِي بعد التَّأبِيرِ، جازَ؛ لأنهُ بمَنْزِلَةِ شِرائِها 2 مع أصْلِها، وإنِ اشْتَرَطَها البائِعُ قبلَ التَّأبِيرِ، لم يَجُزْ، لأنَّ ذلك بمَنْزِلَةِ شِرائِه لها قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها بشَرْطِ التبقِيَةِ.
ولَنا، أنّه اسْتَثْنَى بَعْضَ ما وَقَعَ عليه العَقْدُ، وهو مَعْلُومٌ، فصَحَّ، كما لو باعَ حائِطًا واسْتَثْنَى نَخْلَةً بعَينها.
ولأنه أحَدُ المُتَبَايعَينِ، فصَحَّ اشْتِرَاطُه للثَّمَرَةِ 3، كالمُشْتَرِي، وقد ثَبَتَ الأصْلُ بالاتِّفاقِ عليه.
ولو اشْتَرَطَ أحدُهما (1) جزءًا من الثمَرَةِ مَعْلُومًا، كان كاشْتِراطِ جَمِيعِها في الجَوازِ، في قَوْلِ الجُمْهُورِ.
وقال ابنُ القاسِمِ من أصحاب مالِكٍ: لا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ بَعْضِها؛ لأنَّ الخَبَرَ إنما وَرَدَ باشْتِرَاطِ جَمِيعِها.
ولَنا، أنَّ ما جازَ اشْتِراطُ جَمِيعِه، جَازَ اشْتِرَاطُ بَعْضِه، كمُدَّةِ الخِيارِ.
وهكذا الحُكْمُ في مالِ العَبْدِ إذا اشْتَرَطَ بَعْضَهُ.
..................................
الفصلُ الثالثُ: أنَّ الثَّمَرَةَ إذا بَقِيَتْ للبائِعِ، فله تَرْكُها في الشَّجَرِ إلى أوانِ الجِذاذِ، سَواءٌ اسْتَحَقَّها بشَرْطِه، أو بظُهُورِها.
وبه قال مِالِكٌ، والشّافِعِيُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُه قَطْعُها وتَفْرِيغُ النَّخْلِ منها؛ لأنه مَبِيعٌ مَشْغُولٌ بمِلْكِ البائِعِ، فَلَزِمَ نَقْلُه وتَفْرِيغُه، كما لو باعَ دارًا فيها طَعامٌ له أو قُماشٌ.
ولَنا، أنَّ النَّقْلَ والتَّفْرِيغَ للمَبِيعِ على حَسَبِ 1 العادةِ، كما لو باعَ دارًا فيها طَعامٌ، لم يَجِبْ نَقْلُه إلَّا على حَسَبِ العادَةِ في ذلك، وهو أنْ يَنْقُلَه نَهارًا، شَيئًا بعد شيءٍ، ولا يَلْزَمُه النَّقْلُ لَيلًا، ولا جَمْعُ دَوَابِّ البَلَدِ لنَقْلِه، كذلك ههُنا، تَفْرِيغُ النَّخْلِ من الثَّمَرَةِ في أوَانِ تَفرِيغِها، وذلك أوانُ جِذاذِها، وقِياسُه حُجَّةٌ لَنَا؛ لما بَيَّناهُ.
إذا تَقَرَّرَ هذا، فالمَرْجِعُ في جَذِّه إلى ما جَرَت به العادَةُ، فإنْ كان المَبِيعُ نَخْلًا، فحِينَ تَتَنَاهَى حَلَاوَة ثَمَرِها، وإنْ كان ممّا بُسْرُه خَيرٌ من رُطَبِهِ، أو ما جَرَتِ العادَةُ بأخْذِه بُسْرًا، فإنّه يَجُذُّه حينَ تَسْتَحْكِمُ حَلَاوَةُ بُسْرِه؛ لأنَّ هذا هو العادَةُ، فإذَا اسْتَحْكَمَتْ حَلَاوَتُه، فعليه قَطْعُه.
وإنْ قيلَ: بَقاؤه في شَجَرِه خَيرٌ له وأبقَى.
لم يَمْنَعْ وجُوبَ القَطْعِ؛ لأنَّ العادَةَ في ذلك قد وُجِدَت، فليس له إبْقاؤه بعد ذلك.
وإنْ كان المَبِيعُ عِنَبًا أو فاكِهَةً سِوَاهُ فأخذُه حينَ يَتَنَاهَى إدْراكُه ويُجَذُّ مِثْلُه.
وهذا قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ.
..................................
فصل: فإنْ أُبِّرَ بَعْضُه دونَ بَعْض، فما أُبِّرَ للبائِعِ، وما لم يُؤبَّرْ للمُشْتَرِي.
نَصَّ عليه أحمدُ، واخْتارَه أبو بكْرِ؛ للخَبَرِ الذي عليه مَبْنَى هذه المَسْألةِ.
وقال ابنُ حامِدٍ: الكُلُّ للبائِعِ.
وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، لأنَّا إذا لم نجْعَلِ الكُلَّ للبائِعِ أدَّى إلى الإِضْرارِ، باشْتِرَاكِ الأيدِي، فيَجِبُ.
أنْ نَجْعَلَ ما لم يُؤبَّرْ تَبَعًا لما أُبِّرَ، كثَمَرِ النَّخْلَةِ الواحِدَةِ، إذا أُبِّرَ بَعْضُها فإنَّ الجَمِيعَ للبائِعِ بالاتِّفاقِ، وقد يَتْبَعُ الباطِنُ الظّاهِرَ منه، كأساساتِ الحِيطانِ تَتْبَعُ الظَّاهِرَ منه.
وهذا الخِلافُ في النَّوْعِ الواحِدِ؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنّه يَتَقَارَبُ ويَتَلاحَقُ فيَخْتَلِطُ، فأمّا إنْ أُبِّرَ نَوْع، لم يَتْبَعْهُ النَّوْعُ الآخَرُ.
ولم يُفَرِّقْ أبو الخَطَّابِ بين النَّوْعِ والجِنْسِ كُلِّه.
وهو ظاهِرُ مذهبِ الشّافِعِيِّ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى سوءِ المُشَارَكَةِ واخْتِلافِ الأيدِي، كما في النَّوْعِ الواحِدِ.
والأشبهُ الفَرْقُ بين النَّوْعِ والنَّوْعينِ، لأنَّ النَّوْعَينِ يَتَباعَدَانِ، ويَتَمَيَّزُ أحَدُهما عن الآخَر، ولا يُخْشَى اخْتِلاطُهما، أشْبَها الجِنْسَينِ.
وما ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بالجِنْسينِ، ولا يَصِحُّ الِقياسُ على النَّوْعِ الواحِدِ؛ لافْتِراقِهما فيما ذَكَرْنا.
ولو باعَ حائِطَينِ قد أَبَّرَ أحَدَهُما، لم
..................................
يَتْبَعْه لآخَرُ؛ لأنَّه لا 1 يُفْضِي إلى سُوءِ المُشارَكَةِ واخْتِلافِ الأيدِي؛ لانْفِرادِ كُلِّ واحِدٍ منهما عن صاحِبِه.
ولو أَبَّرَ بَعْض الحائِطِ، فأفرَدَ بالبَيعِ ما لم يُؤبَّرْ، فللمَبِيعِ حُكْمُ نَفْسِه، ولا يَتْبَعُ غيرَه.
وخَرَّجَ القاضِي وَجْهًا في أنَّه يَتْبعُ غيرَ المَبِيعِ، فيكونُ للبائِعِ، كما لو باعَ الحائِطَ كُلَّه.
وهو أحَدُ الوَجْهَينِ لأصْحابِ الشّافِعِيِّ.
ولَنا، أنَّ المَبِيعَ لم يُؤَبَّرْ منه شيءٌ، فوَجَبَ أنْ يكونَ للمُشْتَرِي؛ لمَفْهُومِ الحَدِيثِ، وكما لو كان مُنْفَرِدًا في بُسْتانٍ وَحْدَه.
ولأنَّه لا يُفْضِي إلى سُوءِ المُشارَكَةِ، ولا اخْتِلافِ الأيدِي، ولا إلى ضَرَرٍ، فبَقِيَ على حُكْمِ الأصْلِ.
فإنْ بيعَتِ النَّخْلَةُ المُوبَّرَةُ كُلُّها أو بَعْضُها، ثم حَدَثَ طَلْعٌ، فهو للمُشْتَرِي؛ لأَنَّه حَدَثَ في مِلْكِه، أشْبَهَ ما لو حَدَثَ بعد أخْذِ الثَّمَرَةِ، ولأنَّ ما أطْلَعَ بعدَ تَأبِيرِ غيرِه لا يَكادُ يَشْتَبِهُ به (1)؛ لتَباعُدِ ما بَينَهُما.
فصل: وطَلْعُ الفُحَّالِ 2 كطَلْعِ الإِناثِ فيما ذَكَرْنَا.
وهو ظاهِرُ كلامِ الشَّافِعِيِّ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه للبائِعِ بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّه 3 يُؤخَذُ للأكلِ
..................................
قبلَ ظُهورِه، فهو كثَمَرَةٍ لا تُخْلَقُ إلَّا ظاهِرَةً، كالتِّينِ، ويكونُ ظُهُورُ طَلْعِه كظُهُورِ ثَمَرَةِ غَيرِه.
ولنا، أنّها ثَمَرَةُ نَخْلٍ إذا تُرِكَتْ ظَهَرَت، فهي كالإِناثِ، ولأنَّه يَدْخُلُ في عُمومِ الخَبَرِ.
وما ذُكِرَ للوَجْهِ الآخَر لا يَصِحُّ، فإنَّ أكْلَه ليس هو المَقْصُودَ منه، وإنّما يُرادُ للتَّلْقِيحِ به، وذلك يكونُ بعد ظُهُورِه، فأشْبَهَ طَلْعَ الإِناثِ.
فإنْ باعَ نَخْلًا فيه فُحَّالٌ وإناثٌ لم يَتَشَقَّقْ منه شيء، فالكُلُّ للمُشْتَرِي، إلَّا على الوَجْهِ الآخَر، فإنَّ طَلْعَ الفُحَّالِ يكونُ للبائِعِ.
وإنْ تَشَقَّقَ طَلْعُ 1 أحَدِ النَّوْعَينِ دون الآخَر، فما تَشقَّقَ للبائِعِ، وما لم يَتَشَقَّقْ للمُشْتَرِي، إلَّا عندَ مَنْ سَوَّى بينَ الأنْوَاعِ كُلها.
فصل: وكُلُّ عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ يَجْرِي مَجْرَى البَيعِ، في أنَّ الثَّمَرَةَ المُؤبَّرَةَ تكُونُ لمَن انْتَقَلَ عنه الأصْلُ، وغيرَ المُوبَّرَةِ لمَن انْتَقَلَ إليه، مثلَ أن يُصْدِقَ المَرْأة نَخْلًا، أو يَخْلَعَها به، أو يَجْعَلَهُ عِوَضًا في إجارَةٍ أو عَقْدِ صُلْح؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فجَرَىَ مَجْرَى البَيعِ.
وإنِ انْتَقَلَ بغَيرِ مُعاوَضَةٍ، كالهِبَةِ، والرَّهْنِ، أو فَسْخٍ لأجْلِ العَيب، أو فَلَس المُشْترِي، أو رُجُوعِ الأبِ في هِبَةِ وَلَدِه، أو تَقَايَلَا البَيعَ، أَو كان صَداقًا
وَكَذَلِكَ الشجَرُ إِذَا كَانَ فِيهِ ثَمَرٌ بَادٍ؛ كَالْعِنَبِ، وَالتِّينِ، وَالتُّوتِ، والرُّمَّانِ، وَالْجَوْزِ، وَمَا ظَهَرَ مِنْ نَوْرِهِ؛ كَالمِشْمِش، وَالتُّفَّاحِ، وَالسَّفَرْجَلِ، واللَّوْزِ، وَمَا خَرَجَ مِنْ أكْمَامِهِ؛ كَالْوَرْدِ، وَالْقُطْن.
وَمَا قبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ لِلْمُشْترِي.
فرَجَعَ إلى الزَّوْجِ؛ لفَسْخِ المَرْأة النِّكَاحَ، أو نِصْفُهُ؛ لطلاقِ الزوْجِ، فإنَّه في الفَسْخِ يَتْبَعُ الأصْلَ، سَواءٌ أبِّرَ، أو لم يُؤبَّرْ؛ لأنَّه نَماءٌ مُتَّصِلٌ، فأشْبَهَ السِّمَنَ، وفي الهِبَةِ والرَّهْنِ حُكْمُهما حُكْمُ البَيعِ، في أنَّه يَتْبَعُ قبلَ التَّأبِيرِ، ولا يَتْبَعُ بعدَه؛ لأنَّ المِلْكَ زال عن الأصْلِ بغيرِ فَسْخ، أشْبَهَ البَيعَ.
وأمّا رُجُوعُ البائِعِ لفَلَسِ المُشْتَرِي، أو الزَّوْجِ لانفِساخِ النِّكاحِ، فيُذْكَرانِ في بابِهما.
1707 -
مسألة: (وكذلك الشَّجَرُ إذا كان فيه ثمرٌ بادٍ؛ كالتُّوتِ، والتِّينِ، والرُّمَّانِ، والجَوْزِ، وما ظَهَرَ من نَوْرِهِ؛ كَالمِشْمِشِ، والتُّفَّاحِ، والسفَرْجَلِ، واللَّوْزِ، وَمَا خرَجَ مِنْ أكْمَامِه؛ كَالْوَرْدِ، وَالْقُطْنِ.
وما قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ للْمُشْتَرِي)
والشَّجَرُ على خَمْسَةِ أضْرُبٍ؛ أحدُها، ما تكونُ ثَمَرَتُه في أكْمام ثم تَتَفتَّحُ فتَظْهَرُ، كالنَّخْلِ الذي بَيَّنَّا