الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 5-44

من الإيمان، من كتاب الإيمان.
صحيح البخارى 1/ 15، 16. ومسلم، في

###: باب

فضل الجهاد والخروج في سبيل اللَّه، من كتاب الإمارة.
صحيح مسلم 3/ 1495، 1496. كما أخرجه النسائى، في: باب ما تكفل اللَّه عز وجل لمن يجاهد في سبيله، من كتاب الجهاد.
المجتبى 6/ 15. والإمام أحمد في: المسند 2/ 231، 384، 494. كما أخرجه البخارى، في: باب أفضل الناس مؤمن يجاهد...، من كتاب الجهاد.
صحيح البخارى 4/ 18، 19. والنسائى، في: باب ما تكفل اللَّه عز وجل لمن يجاهد في سبيله، وباب مثل المجاهد، في سبيل اللَّه، من كتاب الجهاد.
المجتبى 6/ 15، 16، 17. وابن ماجه، في: باب فضل الجهاد في سبيل اللَّه، من كتاب الجهاد.
سنن ابن ماجه 2/ 920، 921. والإمام مالك، في: باب الترغيب في الجهاد، من كتاب الجهاد.
الموطأ 2/ 443.

وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ.
فِى سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».
رَواه البخارىُّ (1).

1382 -

مسألة: (وهو فَرْضُ كِفايَةٍ)

2 معنى فَرْضِ الكِفايةِ، الذى إذا قام به مَن يَكْفِى، سَقَط عن سائِرِ النَّاسِ، وإن لم يَقُمْ به مَن يَكْفِى، أثِمَ النّاسُ كلُّهم.
فالخِطابُ في ابْتِدائِه يَتناولُ الجميعَ، كفَرْضِ الأعيانِ، ثم يَخْتَلِفان في أنَّ فَرْضَ الكِفايةِ يسْقُطُ بفِعْلِ البعضِ، وفَرْضُ الأعْيانِ لا يَسْقُطُ عن أحَدٍ بفِعْلِ غيرِه.
والجِهادُ مِن فُرُوضِ الكِفاياتِ، في قولِ عَوامِّ أهلِ العلمِ.
وحُكِىَ عن ابنِ المُسَيَّبِ، أنَّه فَرْضُ عَيْنٍ؛ لقولِه تَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ 3. ثم قال: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ 4. وقال سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ 5. وروَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «مَنْ مَاتَ وَلم يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ،1

..................................  مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ».
رَواه أبو داودَ 1. ولَنا، قولُ اللَّهِ تَعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ 2. وهذا يَدُلُّ على أنَّ القاعِدِينَ غيِرُ آثِمِين مِع جِهادِ غيرِهم، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ 3. ولأنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَبْعَثُ السَّرايا ويُقِيمُ هو وأصحابُه.
فأمَّا الآيةُ التى احْتَجَّ 4 بها، فقد قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عَنهما: نَسَخَها قولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾.
رَواه الأَثْرَمُ، وأبو داودَ 5. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ حينَ اسْتَنْفَرَهم النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى غَزْوَةِ تبوكَ، وكانت إجابَتُهم إلى ذلك واجبَةً عليهم، ولذلك هَجَر النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كَعْبَ بنَ مالكٍ وأصحابَه الذين خُلِّفُوا حتى تاب اللَّهُ عليهم 6. وكذلك يَجِبُ على مَن اسْتَنْفَرَه

وَلَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى ذَكَرٍ حُرٍّ مُكَلَّفٍ مُسْتَطِيعٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ  الإِمامُ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا».
مُتَّفَقٌ عليه (1). ومعنى الكِفايَةِ في الجِهادِ، أن يَنْهَضَ للجِهادِ قومٌ يَكْفُون في قِتالِهم؛ إمَّا أن يَكُونُوا جُنْدًا لَهم دَواوِينُ مِن أجْلِ ذلك، أو يَكُونُوا قد أعَدُّوا أنْفُسَهم له تَبَرُّعًا، بحيث إذا قَصَدَهمُ العَدُوُّ حصَلَتِ المَنَعَةُ بهم، ويكونُ في الثُّغُورِ مَن يَدْفَعُ العَدُوَّ عنها، ويُبْعَثُ في كلِّ سَنَةٍ جيشٌ يُغِيرُونَ على العَدُوِّ [في بِلادِهِم] (2).

1383 -

مسألة: (ولا يَجِبُ إلَّا على ذَكَرٍ حُرٍّ مُكَلَّفٍ مُسْتَطِيعٍ؛

12 = ومسلم، في: باب حديث توبة كعب بن مالك، من كتاب التوبة.
صحيح مسلم 4/ 2120 - 2129. والنسائى، في: باب الرخصة في الجلوس فيه والخروج منه بغير صلاة، من كتاب المساجد.
المجتبى 2/ 42، 43. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 456. وعبد الرزاق، في: باب حديث الثلاثة الذين خلفوا، من كتاب الجهاد.
المصنف 5/ 397 - 405. وابن أبى شيبة، في: باب ما حفظ أبو بكر في غزوة تبوك، من كتاب المغازى.
المصنف 14/ 540 - 545.

الْوَاجِدُ لِزَادِهِ وَمَا يَحْمِلُهُ إِذَا كَانَ بَعِيدًا.
وهو الصَّحِيحُ الواجِدُ لزادِه وما يَحْمِلُه إذا كان بَعِيدًا) يُشْتَرَطُ لوُجوبِ الجِهادِ سبعةُ شُرُوطٍ؛ الإِسلامُ، والبُلُوغُ، والعَقْلُ، والحُرِّيَّةُ، والذُّكُورِيَّةُ، والسَّلامَةُ مِن الضَّرَرِ، ووُجودُ النَّفَقَةِ.
فأمَّا الإسْلامُ والبُلُوغُ والعَقْلُ، فهى شُرُوطٌ لوُجُوبِ سائِر الفُروعِ، ولأنَّ الكافِرَ غيرُ مَأمُونٍ في الجِهادِ، والمَجْنُونَ لا يَتَأتى منه الجهادُ، والصَّبِىَّ ضَعِيفُ البِنْيَةِ.
وقد رُوِى عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: عُرِضْتُ على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ أُحُدٍ وأنا ابنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ، فلم يُجِزْنِى في المُقاتِلَةِ.
مُتَّفقٌ عليه 1.

..................................  وأمَّا الحُرِّيَّةُ فتُشْتَرَطُ؛ لِما رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُبايعُ الحُرَّ على الإِسْلامِ والجِهادِ، ويُبايعُ العبدَ على الإِسْلامِ دُونَ الجِهادِ 1. ولأنَّ الجِهادَ عِبادَةٌ تتَعَلَّقُ بقَطْعِ مَسافَةٍ، فلم تَجِبْ على العبدِ، كالحَجِّ.
وأمَّا الذُّكُورِيَّةُ، فتُشْتَرَطُ؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، رَضِىَ اللَّه عَنها، قالت: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ هل على النِّساءِ جهادٌ؟ فقال: «جِهَادٌ لَا قِتَالَ فيه؛ الحَجُّ، والعُمْرَةُ» 2. ولأنَّها ليستْ مِن أهلِ القِتالِ؛ لضَعْفِها وخَوَرِها، ولذلك لا يُسْهَمُ لها.
ولا يَجبُ على خُنْثَى مُشْكِلٍ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ كونُه ذكرًا، فلا يجبُ عليه مع الشَّكِّ في شَرْطِه.
وأمَّا السَّلامَةُ مِن الضَّرَرِ، فمعناه السَّلامَةُ مِن العَمَى والعَرَجِ والمرضِ، وذلك شرطٌ؛

..................................  لقولِ اللَّهِ سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ 1. ولأنَّ هذه الأعْذارَ تَمْنَعُه مِن الجِهادِ؛ فأمَّا العَمَى فمعْرُوفٌ، وأمَّا العَرَجُ، فالمانِعُ منهُ هو الفاحِشُ الذى يَمْنَعُ المشْىَ الجَيِّدَ والرُّكُوبَ، كالزَّمانَةِ ونحوِها، أمَّا اليَسِيرُ الذى يَتَمَكَّنُ معه مِن الرُّكُوب والمَشْى، وإنَّما يتَعَذَّرُ عليه شِدَّةُ العَدْوِ، فلا يَمْنَعُ وُجُوبَ الجِهادِ، لأَنَّه مُمْكِنٌ منه، فأشْبَهَ الأعْوَرَ.
والمرضُ المانِعُ هو الشَّدِيدُ، فأمَّا اليَسِيرُ الذى لا يَمْنَعُ الجِهادَ، كوجَعِ الضِّرْسِ، والصُّدَاعِ الخفيفِ، فلا يَمْنَعُ الوُجُوبَ، كالعَوَرِ.
وأمَّا وُجُودُ النَّفَقَةِ، فيُشْتَرَطُ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ 2. ولأنَّ الجِهادَ = المناسك.
سنن ابن ماجه 2/ 968. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 75، 79، 166.

وَأقَلُّ مَا يُفْعَلُ مَرَّةً فِى كُلِّ عَامٍ، إِلَّا أَنْ تَدْعُوَ حَاجَةٌ إِلَى تَأْخِيرِهِ.
لا يُمكِنُ إلَّا بآلةٍ، فاعْتُبِرَتِ القُدْرَةُ عليها.
فإنْ كان الجِهادُ على مَسافةٍ قَرِيبةٍ؛ اشْتُرِطَ أن يَجِدَ الزَّادَ، ونَفَقَةَ عِيالِه في مُدَّةِ غَيْبَتِه، وسلاحًا يُقاتِلُ به، ولا تُعْتَبَرُ الرّاحِلَةُ؛ لقُرْبِ السَّفَرِ.
وإن كانتِ المسافةُ تُقْصَرُ فيها الصَّلاةُ، اعْتُبِرَ مع ذلك الرّاحِلَةُ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (1).

1384 -

مسألة: (وأقلُّ ما يُفْعَلُ مَرَّةً في كلِّ عامٍ، إلَّا أن تَدْعُوَ الحاجَةُ إِلى تَأْخيرِه)

أقلُّ ما يُفْعَلُ الجِهادُ في كلِّ عامٍ مَرَّةً؛ لأنَّ الجِزْيَةَ1

..................................  تَجِبُ على أهلِ الذِّمَّةِ مَرَّةً في كلِّ عامٍ، وهى بَدَلٌ عن النُّصْرَةِ، فكذلك مُبْدَلُها وهو الجِهادُ.
فإنْ دَعَتِ الحاجَةُ إلى تأخيرهِ، مثلَ أن يكونَ بالمُسْلِمين ضَعْفٌ في عَدَدٍ أو عُدَّةٍ، أو يكونَ مُنْتَظِرًا لمَدَدٍ يسْتَعِينُ به، أو يكونَ في الطَّرِيقِ إليهم مانِعٌ، أو ليس فيها عَلَفٌ أو ماءٌ، أو يَعْلَمَ مِن عَدُوِّه حُسْنَ الرَّأْى في الإِسْلامِ، ويَطْمَعَ في إسْلامِهم إن أخَّرَ قِتالَهم، ونحوَ ذلك ممّا يَرَى المصْلَحَةَ معه في تَرْكِ القِتالِ، فيَجُوزُ تَرْكُه بِهُدْنَةٍ وبغيرِ هُدْنَةٍ؛ فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قد صالَحَ قُرَيْشًا عشرَ سنينَ، وأخَّرَ قتالَهم حتى نَقَضُوا عَهْدَه 1، وأخَّرَ قتالَ قبائلَ مِن العَربِ بغيرِ هُدْنَةٍ.
وإن دَعَتِ الحاجَةُ إلى القِتالِ في عامٍ أكثرَ مِن مَرَّةٍ، وَجَب؛ لأنَّه فَرْضُ كِفايَةٍ، فوَجَبَ منه ما تَدْعُو الحاجةُ إليه.

وَمَنْ حَضَرَ الصَّفَّ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْجِهَادِ، أَوْ حَصَرَ الْعَدُوُّ بَلَدَهُ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ.
فصل: (ومَن حَضَر الصَّفَّ مِن أهلِ فَرْضِ الجِهادِ، أو حَضَر العَدُوُّ بَلَدَه، تَعَيَّنَ عليه) وجملةُ ذلك، أنَّ الجِهادَ يتَعَيَّنُ في ثلاثةِ مواضعَ؛ أحدُها، إذا الْتَقى الزَّحْفانِ وتَقابَلَ الصَّفّانِ، يَحْرُمُ على مَن حَضَر الانْصِرافُ، ويتَعَيَّنُ عليه المُقامُ، لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ 1. وقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ 2 الآية.
الثانى، إذا نزلَ الكُفَّارُ ببَلَدٍ، تَعَيَّنَ على أهْلِه قتالُهم ودَفْعُهم.
الثالثُ، إذا اسْتَنْفَرَ الإِمامُ

..................................  قومًا لَزِمَهم النَّفِيرُ معه؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ

وَأفْضَلُ مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ الْجِهَادُ.
إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ} (1) الآية.
ولقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَإذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا».
مُتَّفَقٌ عليه (2).

1385 -

مسألة: (وأفْضَلُ ما يُتَطَوَّعُ به الجهادُ)

قال أحمدُ، رَحِمَه اللَّه: لا أعْلَمُ شيئًا مِن العملِ بعدَ الفَرائِضِ أفضَلَ مِن الجِهادِ.
روَى ذلك عنه جماعةٌ مِن أصحابِه.
قال الأثْرَمُ: قال أحمدُ: لا نعلمُ شيئًا مِن أبوابِ البِرِّ أفْضَلَ مِن السَّبِيلِ.
وقال الفَضْلُ بنُ زِيادٍ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّهِ، وذُكِرَ له أمْرُ الغَزْوِ، فَجَعَلَ يَبْكِى، ويقولُ: ما مِن أعْمالِ البِرِّ أفْضَلُ منه.
وقال عنه غيرُه: ليس يَعْدِلُ لقاءَ العَدُوِّ شَئٌ.
ومباشَرَةُ12

..................................  القتالِ بنفْسِه أفْضَلُ الأعمالِ، والذين يُقاتِلونَ العَدُوَّ، هم الذين يَدْفَعُونَ عن الإِسْلامِ وعن حَرِيمِهم، فأىُّ عَمَلٍ أفضلُ منه! الناسُ آمِنونَ وهم خائِفونَ، قد بذَلُوا مُهَجَ أنْفُسِهِم.
وقد روَى ابنُ مَسْعُودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: سألتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: أىُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟ قال: «الصَّلَاةُ لِمَوَاقِيتهَا».
قلتُ: ثم أىُّ؟ قال: «بِرُّ الْوَالِدَيْن».
قلتُ: ثم أىُّ؟ قال: «الجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ» 1. مُتَّفَقٌ على مَعْناه، وقال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسَنٌ صَحِيحٌ.
وروَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: سُئِلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: أىُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟ أو: أىُّ الأعْمالِ خَيْرٌ؟ قال: «الإِيمَانُ بِاللَّهِ ورَسُولِه».
قِيلَ: ثم أىُّ شئٍ؟ قال: «الجِهَادُ سَنَامُ العمَلِ».
قِيلَ: ثم أىُّ؟ قال: «حَجٌ مَبْرُورٌ».
قال التِّرْمِذِىُّ 2: هذا حديثٌ حَسَنٌ

..................................  صَحِيحٌ.
وروَى أبو سعيدٍ، قال: قِيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، أىُّ النَّاسِ أفْضَلُ؟ قال: «مَنْ يُجَاهِدُ فِى سَبيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ ومَالِه».
مُتَّفَقٌ عليه 1. [وعن ابنِ عَبّاسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «ألا أخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ؟ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بعِنَانِ فَرَسِهِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ».
قال التِّرْمِذِىُّ 2: هذا حديث حسَنٌ صَحِيحٌ] 3. وروَى الخَلَّالُ بإسْنادِه عن الحَسنِ، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، مَا بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مِنْ عَمَلٍ

وَغَزْوُ الْبَحْرِ أفضلُ مِنْ غَزْوِ الْبَرِّ.
أفْضَلُ مِنْ جِهَادٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، أو حَجَّةٍ مَبْرُورَةٍ، لا رَفَثَ فِيها ولا فُسُوقَ ولا جِدَالَ».
ولأنَّ الجهادَ بَذْلُ المُهْجَةِ والمالِ، ونَفْعَه يَعُمُّ المسلمين كُلَّهم، صغيرَهم وكبيرَهم، وقَوِيَّهم وضَعِيفَهم، ذَكَرَهم وأُنْثَاهُم، وغيرَه لا يُساوِيه في نفْعِه وخطَرِه، فلا يُساوِيه في فَضْلِه.

1386 -

مسألة: (وغَزْوُ البَحْرِ أفْضَلُ مِن غَزْوِ البَرِّ)

غَزْوُ البَحْرِ مشْروعٌ، وفضْلُه كبيرٌ.
قال أنَسُ بنُ مالكٍ: نام رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم اسْتَيْقَظَ وهو يضْحَكُ، قالت أمُّ حَرامٍ: فقُلْتُ: ما يُضْحِكُكَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: «نَاسٌ مِنْ أُمَّتِى عُرِضُوا عَلَىَّ غُزَاةً فِى سَبِيلِ اللَّهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ 1 هذَا البَحْرِ، مُلُوكًا علَى الأسِرَّةِ، أو مِثْلَ المُلُوكِ عَلَى الأسِرَّةِ».
مُتَّفَق عليه 2. قال ابنُ عبدِ البَر: أمُّ حرامٍ بنتُ مِلْحانَ أُخْتُ

..................................  أُمِّ سُلَيْمٍ خَالةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن الرَّضاعَةِ، أرْضَعَتْه أخْتٌ لهما ثالثةٌ.
ولم نَرَ 1 هذا عن أحدٍ سِوَاه، وأظُنُّه إنَّما قال هذا؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان ينامُ في بيْتها، وينْظُرُ إلى شعَرِها 2، ولَعَلَّ هذا كان قبلَ نُزُول الحِجابِ.
وروَى أبو داودَ 3 بإسْنادِه عن أُمِّ حَرامٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «الْمَائِدُ 4 فِى الْبَحْرِ، الَّذِى يُصِيبُه القَئُ، لَهُ أجْرُ شَهِيدٍ، والغَرِقُ لَهُ أجْرُ شَهِيدَيْنَ».
وروَى ابنُ ماجَه 5 بإسْنادِه عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «شَهِيدُ الْبَحرِ مِثْلُ شَهِيدَىِ البَرِّ، والْمَائِدُ فِى الْبَحْرِ كالمُتَشَحِّطِ 6 فِى دَمِه فِى الْبَرِّ، ومَا بَيْنَ الْمَوْجَتَيْنِ كَقَاطِعِ الدُّنْيَا فِى طَاعَةِ اللَّهِ، وإنَّ اللَّهَ وَكَّلَ مَلَكَ الْمَوْتِ بِقَبْضِ الأرْوَاحِ، إلَّا شَهِيدَ الْبَحْرِ، فإنَّه يَتَوَلَّى قَبْضَ أرْوَاحِهِمْ، ويَغْفِرُ لِشَهِيدِ الْبَرِّ الذُّنُوبَ كُلَّهَا إلَّا الدَّيْنَ، ويَغْفِرُ لِشَهِيدِ الْبَحْرِ الذُّنُوبَ والدَّيْنَ».
ولأنَّ البحرَ أعْظَمُ خَطَرًا ومَشَقَّة، فإنَّه بينَ خَطَرِ العَدُوِّ وخَطَرِ الغَرَقِ، ولا يتَمَكَّنُ مِن الفِرَارِ إلَّا مع أصحابِه، فكان أفْضَلَ مِن غيرِه.
فصل: وقِتالُ أهْلِ الكتابِ أفْضَلُ مِن قتالِ غيرِهم.
وكان ابنُ المُبارَكِ،

وَيُغْزَى مَعَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ.
رَضِىَ اللَّهُ عنه، يأْتِى مِن مَرْوَ (1) لغَزْوِ الرُّومِ.
فقيل له في ذلك.
فقال: إنَّ هؤلاء يُقاتِلون على دِينٍ.
وقد رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال لأُمِّ خَلَّادٍ: «إنَّ ابْنَكِ لَهُ أجْرُ شَهِيدَيْنِ».
قالت: ولِمَ ذاكَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: «لأنَّه قَتَلهُ أهْلُ الْكِتَابِ».
رَواه أبو داودَ (2).

1387 -

مسألة: (ويُغْزَى مع كلِّ بَرٍ وفاجِرٍ)

يعْنِى مع كلِّ إمامٍ، بَرًّا كان أو فاجِرًا.
وقد سُئِلَ أحمدُ عن الرجلِ يقول: أنا لا أغزُو ويَأْخذُه ولَدُ العبّاسِ، إنَّما يُوَفَّرُ الفئُ عليهم! فقال: سبحان اللَّهِ، هؤلاء قَوْمُ سَوْءٍ، هؤلاء القَعَدَةُ، مُثَبِّطُونَ جُهّالٌ، فيُقالُ: أرَأْيتُم لو أنَّ الناسَ كلَّهم قَعَدُوا كما قعَدْتُم، مَن كان يَغْزُو؟ أليس كان قد ذَهَب الإِسْلامُ؟ ما كانت تصْنَعُ الرُّومُ؟.
وقد روَى أبو داودَ 3، بإسْنادِه عن أبى هُريْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الْجِهَادُ وَاجِبٌ عليكُمْ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ؛ بَرًّا كَانَ، أو فَاجرًا».
وبإِسنادِه 4 عن أنسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ثَلَاثٌ مِنْ أصْلِ الإِيمان؛ الكَفُّ عمَّنْ قَالَ: لَا إلهَ إلَّا اللَّه.
لَا نُكَفِّرُهُ بِذَنْبٍ، وَلَا نُخْرِجُهُ مِنَ الإِسْلَامِ بِعَمَلٍ، والْجِهَادُ12

وَيُقَاتِلُ كُلُّ قَوْمٍ مَنْ يَليهِمْ مِنَ الْعَدُوِّ.
مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِى اللَّهُ إلَى أنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِى الدَّجَّالَ، لَا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ، وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ، والإِيمانُ بالأَقْدَارِ».
ولأنَّ تَرْكَ الجهادِ مع الفاجِرِ يُفْضِى إلى قَطْعِه، وظُهورِ الكُفَّارِ على المسلمين واسْتِئْصالِهم، وظُهورِ كلمةِ الكُفّارِ، وفيه فسادٌ عظيم، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (1). فصل: قال أحمدُ: لا يُعْجِبُنى أن يخْرُجَ مع الإِمامِ أو القائِدِ إذا عُرِفَ بالهَزِيمَةِ وتَضْيِيعِ المُسْلِمِين، وإنَّما يَغْزُو مع مَن له شَفَقَةٌ وحَيْطَةٌ على المُسْلِمين، فإن كان يُعْرَفُ بشُرْبِ الخَمْرِ والغُلولِ، يُغْزَى معه، إنَّما ذلك في نفْسِه، ويُرْوَى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» (2).

1388 -

مسألة: (ويُقاتِلُ كلُّ قَوْمٍ مَن يَليهِم مِن العَدُوِّ)

[الأصْلُ في هذا قولُ] 3 اللَّهِ تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ12

..................................  الْكُفَّارِ} 1. ولأنَّ الأقْرَبَ أكثرُ ضَرَرًا، وفى قِتالِه دَفْعُ ضَرَرهِ عن المُقابِلِ 2 له، وعمَّن وراءَه، ولأنَّ الاشْتِغالَ بالبعيدِ عنه يُمَكِّنُه مِن انْتِهازِ الفُرْصَةِ في المُسْلِمِين؛ لاشْتِغَالِهم عنه.
قِيلَ لأحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ: يحْكُون عن ابنِ المُبارَكِ أنَّه قيل له: تَرَكْتَ قِتالَ العَدُوِّ عندَك، وجِئْتَ إلى ههُنا؟ قال: هؤلاء أهْلُ كتابٍ.
فقال أبو عبدِ اللَّهِ: سبحان اللَّهِ، ما أدْرِى ما هذا القَوْلُ! يتْرُكُ العَدُوَّ عندَه، ويجئُ إلى ههُنا، أفَيَكُونُ هذا؟ أوَيَسْتَقِيمُ هذا؟ وقد قال اللَّه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾.
ولو أنَّ أهلَ خُراسانَ كلَّهم عَمِلُوا على هذا، لم يُجاهِدِ التُّرْكَ أحدٌ.
وهذا، واللَّه أعلمُ، إنَّما فَعَلَه ابنُ المُبارَكِ لكَوْنِه مُتَبَرِّعًا بالجِهادِ، والكِفايةُ حاصِلَةٌ بغَيْرِه مِن أهلِ الدِّيوانِ وأجْنادِ المسلمين، والمُتَبَرِّعُ له تَرْكُ الجِهادِ بالكُلِّيَّةِ، فكان له أنْ يُجاهِدَ حيث شاءَ، ومع مَن شاءَ.
إذا ثَبَت هذا، فإنْ كان له عُذْرٌ في البدَايةِ بالأْبعَدِ؛ لِكَوْنِه أخْوَفَ، أو لمَصْلَحَةٍ في البِدايَةِ به؛ لقُرْبِه وإمْكَانِ الفُرْصَةِ منه، أو لكَوْنِ الأقْرَبِ مُهادِنًا، أو يَمْنَعُ مانِعٌ مِن قِتالِه، فلا بَأْسَ بالبدايَةِ بالأْبعَدِ؛ للحاجَةِ.
فصل: وأمْرُ الجِهادِ مَوْكُولٌ إلى الإِمامِ واجْتِهادِه، ويَلْزَمُ الرَّعِيَّةَ طاعَتُه فيما يَراه مِن ذلك.
ويَنْبَغِى أن يَبْتَدِئَ بتَرْتِيبِ قَوْمٍ في أطْرافِ البلادِ يكُفُّونَ مَن بإزائِهِم مِن المُشْركين، ويأمُرَ بعَمَلِ حُصُونِهم، وحَفْر

..................................  خنادِقِهم، وحميعِ مصالِحهم، ويُؤَمِّرَ في كلِّ ناحِيَةٍ أمِيرًا، يُقَلِّدُهُم أمْرَ الحَرْبِ، وتدبيرَ الجِهادِ، ويَكُونُ ممَّن له رَأىٌ وعَقْلٌ ونَجْدَةٌ وبَصَرٌ بالحَرْبِ ومُكايَدَةِ العَدُوِّ، مع أمانَةٍ ورِفْقٍ بالمُسْلِمين ونُصْحٍ لهم، وإنما يَبْدأُ بذلك؛ لأنَّه لا يأْمَنُ عليها مِن المُشْرِكين.
ويَغْزُو 1 كلُّ قَوْمٍ مَن يَليهم، إلَّا أن يكونَ في بعضِ الجِهاتِ مَن لا يَكْفِيه مَن يَليه، فيَنْجُدَهم بقَوْمٍ آخَرِينَ، ويَكُونُون معهم، ويُوصِى مَن يُؤَمِّرُه أن لا يَحْمِلَ المُسْلِمين على مَهْلَكَةٍ، ولا يَأْمُرَهم بدُخُولِ مَطْمُورَةٍ يُخافُ أن يُقْتَلُوا تحتَها، فإن فَعَل ذلك، فقد أساءَ، ويَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تعالى، ولا عَقْلٌ عليه ولا كَفّارَةٌ إذا أُصِيبَ واحِدٌ منهم بطاعَتِه 2؛ لأنَّه فَعَل ذلك باخْتِيارِه.
فإن عُدِمَ الإِمامُ، لم يُؤَخَّرِ الجِهادُ؛ لأنَّ مصلحتَهُ تَفُوتُ بتَأْخِيرِه.
وإن حصَلَتْ غَنِيمَةٌ، قَسَمُوها على مُوجَبِ الشَّرْعِ.
قال القاضى: وتُؤَخَّرُ قِسْمَةُ الإِماءِ حتى يَقُومَ إمَامٌ؛ احْتِياطًا للفُروجِ.
فإن بَعَثَ الإِمامُ جَيْشًا، وأمَّرَ عليهم أمِيرًا، فقُتِلَ أو ماتَ، فللجَيْش أن يُؤَمِّرُوا أحَدَهم، كما فَعَل أصحابُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في جَيْشِ مُؤْتَةَ: لَمّا قُتِلَ أُمَراؤهم، أمَّرُوا عليهم خالِدَ بنَ الوليدِ، فبَلَغ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فرَضِىَ أمْرَهُم، وصَوَّبَ رَأيَهم، وسَمَّى خالِدًا يومئذٍ: «سَيْفَ اللَّهِ» 3.

..................................  فصل: قال أحمدُ: قال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّه عنه: وَفِّرُوا الأظْفارَ في أرْضِ العَدُوِّ، فإنَّه سِلاحٌ 1. قال أحمدُ: يُحْتاجُ إليها في أرْضِ العَدُوِّ، ألا تَرَى أنَّه إذا أرادَ أنْ يَحُلَّ الحبْلَ أو الشئَ، فإذا لم يكُنْ له أظْفار لم يَسْتَطِعْ.
وقال: عن الحكمِ 2 بنِ عمرٍو: أمَرَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنْ لا نُحْفِىَ الأظْفارَ في الجِهادِ، فإنَّ القوَّةَ الأظْفارُ.
فصل: قال أحمدُ: يُشَيَّعُ الرجلُ إذا خَرَج، ولا يتلقَّوْنَه، شَيَّعَ علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في غَزْوَةِ تَبُوكَ، ولم يتَلَقَّه.
ورُوِىَ عن أبى بكرٍ الصدِّيقِ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه شَيَّعَ يزيدَ بنَ أبى سُفْيانَ حينَ بعثَه إلى الشامِ، ويزيدُ راكبٌ، وأبو بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، يَمْشِى، فقال له يزيدُ: يا خليفةَ رسولِ اللَّه إِمَّا أن تَرْكَبَ، وإمَّا أن أنْزِلَ أنا فأمْشِىَ معك.
فقال: لا أركَبُ ولا تنزِلُ، إنِّى أحْتَسِبُ خُطاىَ هذه في سبيلِ اللَّهِ تعالى 3. وشَيَّعَ أبو عبدِ اللَّهِ أبا الحارثِ الصَّائِغَ ونَعلاه في يَدَيْه، وذَهَب إلى فِعْلِ أبى بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أرادَ أن تُغَبَّرَ قَدَماهُ في سبيلِ اللَّهِ.
وقال: = ابن الوليد، من أبواب المناقب.
عارضة الأحوذى 13/ 234. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 8، 204، 4/ 90، 5/ 299، 301.

وَتَمَامُ الرِّبَاطِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَهُوَ لُزُومُ الثَّغْرِ لِلْجِهَادِ.
عن عَوْفِ بنِ مالكٍ الخَثْعَمِىِّ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» (1). قال أحمدُ: ليس للخَثْعَمِىِّ صُحْبَةٌ، وهو قديمٌ.

1389 -

مسألة: (وتَمامُ الرِّباطِ أرْبَعُونَ يَوْمًا، وهو لُزُومُ الثَّغْرِ للجِهادِ)

معنى الرِّباطِ: الإِقامةُ بالثَّغْرِ، مُقَوِّيًا للمُسْلِمين على الكُفّارِ.
والثَّغْرُ، كلُّ مكانٍ يُخِيفُ أهلُه العَدُوَّ ويُخِيفُهم.
وأصلُه مِن رِباطِ الخيلِ؛ لأنَّ هؤلاء يَرْبُطُونَ خُيولَهم، وهؤلاء يَرْبُطُونَ خُيولَهم، كُلٌّ يُعِدُّ لصَاحِبِه، فسُمِّىَ المُقامُ بالثَّغْرِ رِباطًا وإن لم يكُنْ خَيْلٌ.
وفيه فَضْلٌ عظيمٌ، وأجْرٌ كبيرٌ.
قال أحمدُ: ليس يَعْدِلُ الجهادَ والرِّباطَ شئٌ، والرِّباطُ دَفعٌ عن المسلمين، وعن حَرِيمِهم، وقُوَّةٌ لأَهْلِ الثَّغْرِ ولأهلِ الغَزْوِ، فالرِّباطُ عندِى أصلُ الجِهادِ وَفَرْعُه، والجِهادُ أفْضلُ منه؛ للعَناءِ والتَّعَبِ والمشَقَّةِ.
وقد رُوِى في فَضْلِ الرِّباطِ أخبارٌ؛ منها ما روَى سَلْمَانُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «رِبَاطُ لَيْلَةٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وقِيَامِهِ، فَإنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِى كَانَ يَعْمَلُ، وأُجْرِىَ1 = في: باب من ينهى عن قتله في دار الحرب، من كتاب الجهاد 12/ 383، 384. والبيهقى، في: باب من ترك قتل من لا قتال فيه... من كتاب السير.
السنن الكبرى 9/ 89 - 91.

..................................  عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وأمِنَ الفُتَّانَ».
رَواه مسلمٌ 1. وعن فَضالَةَ بنِ عُبَيْدٍ رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ، إلَّا المُرَابِطَ فِى سبِيلِ اللَّهِ، فَإنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، ويُؤْمَنُ مِنْ فُتَّانِ القَبْرِ».
رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ 2، وقال: حديث حسَنٌ صَحِيحٌ.
وعن عثمانَ بنِ عَفَّانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال على المِنْبرِ: إنِّى كنتُ كتَمْتُكم حديثًا سَمِعْتُه مِن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، كراهِيَةَ تَفَرُّقِكُم عنِّى 3، ثم بَدا لى أنْ أُحَدِّثَكُمُوهُ؛ ليخْتارَ امرؤٌ منكم لنفْسِه، سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِى سبِيلِ اللَّهِ، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ منَ المَنَازِلِ».
رَواه أبو داودَ، والأثْرَمُ، وغيرُهما 4. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الرِّباطَ يَقِلُّ ويَكْثُرُ، فكلُّ مُدَّةٍ أقامَها بنِيَّةِ الرِّباطِ، فهى

..................................  رِباطٌ، قَلَّتْ أو كَثُرَتْ؛ ولهذا قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «رِبَاطُ يَوْمٍ»، و: «رِبَاطُ لَيْلَةٍ».
قال أحمدُ: يومٌ رِباطٌ، وليلةٌ رِباطٌ، وساعةٌ رِباطٌ.
وقال: عن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: مَن رَابَطَ يَوْمًا في سَبِيلِ اللَّهِ، كُتِبَ له أجْرُ الصَّائِمِ القَائِمِ، ومَنْ زَادَ زَادَه اللَّهُ 1. وروَى سعيدٌ 2، بإسْنادِه، عن أبى هُرَيْرَةَ، قال: رِباطُ يَوْمٍ في سبِيلِ اللَّهِ، أحَبُّ إلَىَّ من أن أُوَافِقَ لَيْلَةَ القَدْرِ في أحَدِ المَسْجِدَيْنِ؛ مَسْجدِ الحَرَام، ومَسْجِدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومَنْ رَابَطَ أرْبَعِين يومًا، فقد استَكْمَلَ الرِّباطَ، وتَمامُ الرِّباطِ أربعون يومًا.
رُوِى ذلك عن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وقد ذَكَرْنا خَبَر أبى هُرَيْرَةَ.
وروَى أبو الشَّيْخِ 3، في «كتابِ الثَّوابِ»، بإسْنادِه عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «تَمَامُ الرِّباطِ أرْبَعُونَ يومًا» 4. وروَى نافِعٌ، عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّه قَدِمَ على عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ مِن الرِّباطِ، فقال له: كم رابَطْتَ؟ قال: ثلاثين يومًا.
قال: عَزَمْتُ عليك إلَّا رَجَعْتَ حتى تُتِمَّها أربعين يومًا.
فإن رَابَطَ أكْثَرَ، فله أجْرُه.
كما قال أبو هُرَيْرَةَ: ومَن زادَ زادَه اللَّهُ.

..................................  فصل: وأفْضَلُ الرِّباطِ المُقامُ بأشَدِّ الثُّغُورِ خَوْفًا؛ لأنَّهم أحْوَجُ، ومُقامُه به أنْفَعُ.
قال أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ: أفْضَلُ الرِّباطِ أشَدُّهم كَلَبًا.
وقيل لأبى عبدِ اللَّهِ: فأينَ أحَبُّ إليك أن ينزِلَ الرَّجُلُ بأهْلِه؟ قال: كلُّ مَدِينَةٍ مَعْقِلٌ للمُسْلِمين، مثلَ دِمَشْقَ.
وقال: أرضُ الشامِ أرضُ المَحْشَرِ، ودِمَشْقُ موضِعٌ يجْتَمِعُ الناسُ إليه إذا غَلَبَتِ الرُّومُ.
قِيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ: فهذه الأحاديثُ التى جاءَت: «إنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ لِى بالشَّامِ» 1. ونحو هذا؟ قال: ما أكْثَرَ ما جاءَ فيه.
وقيل له: إنَّ هذا في الثُّغُورِ.
فأنْكَرَه، وقال: أرضُ القُدْسِ أينَ هى؟ «ولَا يَزَالُ أهْلُ الغَرْبِ ظَاهِرِينَ» هم أهلُ الشام.
ففَسَّرَ أحمدُ الغَرْبَ في هذا الحديثِ بالشَّامِ، وهو صَحِيحٌ، روَاه مسلم 2. وإنَّما فسَّره بذلك؛ لأنَّ الشَّامَ يُسَمَّى مغرِبًا، لأنَّه مغرِبٌ للعِراقِ، كما يُسَمَّى العِراقُ مَشْرِقًا، ولهذا قِيلَ: ولأهْلِ المَشْرِقِ ذاتُ عِرْقٍ.
وقد جاء في حديثٍ مُصَرَّحًا به: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أمَّتِى ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأتِىَ أمْرُ اللَّهِ وَهُمْ بِالشَّامِ».
وفى حديثِ مالكِ بنِ يُخامِرَ، عن مُعاذٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: «وَهُمْ بِالشَّامِ».
رَواه البخارىُّ 3. وروَى في «تاريخه» عن

..................................  أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ بِدِمَشْقَ ظَاهِرِينَ» 1. وقد رُوِى في الشّامِ أخْبَارٌ كثيرةٌ؛ منها حديثُ عبدِ اللَّهِ بنِ حَوالَةَ الأزْدِىِّ، رَضِى اللَّهُ عنه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «سَتُجَنَّدُونَ أجْنَادًا؛ جُنْدًا بالشَّامِ، وجُنْدًا بِالْعِرَاقِ، وجُنْدًا بِالْيَمَنِ».
فقلتُ: خِرْ لى يا رسولَ اللَّهِ.
قال: «عَلَيْكَ بِالشَّامِ، فإنَّهَا خِيرَةُ اللَّهِ مِنْ أرْضِهِ، يَجْتَبِى إلَيْهَا خِيرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ، فمَنْ أبى، فَلْيَلْحَقْ بِاليَمَنِ، ويُسْقَ 2 مِنْ غُدُرِهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ لِى بِالشَّامِ وأهْلِهِ».
رَواه أبو داودَ بمَعْناه 3، وكان أبو إدْرِيسَ إذا روَى هذا الحديثَ قال: ومَن تَكَفَّلَ اللَّه به، فلا ضَيْعَةَ عليه.
ورُوِىَ عن الأوْزَاعِىِّ، قال: أتَيْتُ المدينةَ، فسألْتُ: مَن بِها مِن العُلَماءِ؟ فقيل: محمدُ بنُ المُنْكَدِرِ، ومحمدُ بنُ كَعْبٍ القُرَظِى، ومحمدُ ابنُ علىِّ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ العباسِ، ومحمدُ بنُ علىِّ بنِ الحُسَيْنِ بنِ علىِّ ابنِ أبى طالبٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
فقلتُ: واللَّهِ لأبدَأنَّ بهذا قبلَهم، فَدَخَلْتُ إليه، فأخَذَ بِيَدِى، وقال: مِن أىِّ إخْوانِنا أنتَ؟ قلتُ: مِن أهْلِ الشَّامِ.
قال: مِن أيِّهم؟ قلتُ: مِن أهْلِ دِمَشْقَ.
قال: حَدَّثَنِى أبى، عن جَدِّى، عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ ثَلَاثُ = 3/ 1523. والترمذى، في: باب ما جاء في الشام، من أبواب الفتن.
عارضة الأحوذى 9/ 45. والإمام أحمد, في: المسند 4/ 101، 5/ 279.

وَلَا يُسْتَحَبُّ نَقْلُ أَهْلِهِ إِلَيْهِ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ خيْرٌ مِنْ أَلفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَنَازِلِ».
مَعَاقِلَ؛ فمَعْقِلُهُمْ فِى المَلْحَمَةِ الْكُبْرَى، الَّتِى تَكُونُ بِعُمْقِ أنْطاكِيَةَ (1)، دِمَشْقُ، ومَعْقِلُهُمْ مِنَ الدَّجَّالِ بَيْتُ المَقْدِسِ، ومَعْقِلُهُمْ مِنْ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ طُورُ سَيْناءَ».
رَواه أبو نُعَيْمٍ، في «الحِلْيةِ» (2). وعن أبى الدَّرْداءِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إنَّ فُسْطَاطَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ المَلْحَمَةِ بِالْغُوطَةِ، إلَى جَانِبِ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا: دِمَشْقُ، مِن خَيْرِ مَدَائِنِ الشَّامِ».
رَواه أبو داودَ (3).

1390 -

مسألة: (ولا يُسْتَحَبُّ نَقْلُ أهْلِه إليهِ. وقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِى سَبِيلِ اللَّهَ، خَيْرٌ مِنْ ألْفِ يَوْمٍ فِيما سِوَاهُ مِنَ المَنَازِلِ»)

قد ذَكَرْنا هذا الحديثَ، وهو صَحِيحٌ، رَواه أبو داودَ، وغيرُه 4. وأرادَ بالثَّغْرِ ههُنا الثَّغْرَ المَخُوفَ.
وهذا قولُ الحَسنِ،123

..................................  والأوْزَاعِىِّ؛ لِما روَى يزيدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: قال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لا تُنْزِلُوا المُسْلِمِينَ ضَفَّةَ البَحْرِ.
رَواه الأثْرَمُ 1. ولأنَّ الثُّغُورَ المَخُوفَةَ لا يُؤْمَنُ ظَفَرُ العَدُوِّ بها، وبمَن فيها، واسْتِيلاؤهم على الذُّرِّيَّةِ والنِّساءِ.
قِيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ، رَحِمَه اللَّه: فتخافُ على المُنْتَقِلِ بعِيالِه إلى الثَّغْرِ الإِثْمَ؟ قال: كيف لا أخافُ الإِثْمَ، وهو يُعَرِّضُ ذُريَته للمُشْرِكِينَ؟ وقال: كُنتُ آمُرُ بالتَّحَوُّلِ بالأهْلِ والعيالِ إلى الشامِ قبلَ اليَوْمِ، فأنَا أنْهَى عنه الآن؛ لأنَّ الأمْرَ قد اقْتَرَبَ.
وقال: لا بُدَّ لهؤلاءِ القومِ مِن يومٍ.
قيل: فذلك في آخِرِ الزَّمَانِ.
قال: فهذا آخِرُ الزمانِ.
قيل له: فالنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُقْرِعُ بينَ نِسائِه، فأيَّتُهُنَّ خَرَج سَهْمُها خرَج بها 2. قال: هذا للْواحِدَةِ، ليس الذُّرِّيَّةَ.
قال الشَّيْخُ 3، رَحِمَه اللَّه: وهذا مِن كلامِ

..................................  أحمدَ مَحْمُولٌ على أنَّ غيرَ أهلِ الثَّغْرِ لا يُسْتَحَبُّ لهم الانْتِقالُ بأهْلِهم إلى ثَغْرٍ مَخُوفٍ، فأمَّا أهْلُ الثَّغْرِ، فلا بُدَّ لهم مِن السُّكْنَى بأهْلِهم، لولا ذلك لخَرِبَتِ الثُّغُورُ وتَعَطَّلَتْ.
وخَصَّ الثَّغْرَ المَخُوفَ بالكَراهَةِ؛ لأنَّ الخَوْفَ عليها أكْثَرُ، ولأنَّ الغالبَ مِن غيرِ المَخُوفَةِ سَلامَتُها وسَلامةُ أهْلِها.
فصل: ويُسْتَحَبُّ لأهْلِ الثَّغْرِ أن يجْتَمِعُوا في مَسْجِدٍ واحدٍ، بحيثُ إذا حَضَر النَّفِيرُ صادَفَهم مُجْتَمِعِين، فيبْلُغُ الخبرُ جميعَهم، ويراهُم عينُ الكُفَّارِ، فيَعلمُ كثْرَتَهم، فيُخَوِّفُ بهم؛ لأنَّهم إذا كانوا مُتَفَرِّقِينَ رأى الجاسُوسُ قِلَّتَهم.
ورُوِىَ عن الأوْزَاعِىِّ، أنَّه قال في المساجِدِ التى بالثَّغْرِ: لو أنَّ لى عليها ولايةً لَسَمَّرْتُ أبوابَها، حتى تكونَ صَلاتُهم في مَسْجدٍ واحدٍ، حتى إذا جاءَ النَّفِير وهم مُتَفَرِّقُون، لم يَكُونوا مثلَهم إذا كانوا في موْضِعٍ واحدٍ.

..................................  فصلٌ في الحرَسِ في سبيلِ اللَّهِ: وفيه ثَوابٌ عَظيمٌ، وفَضْلٌ كبيرٌ.
قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ، عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِى سَبيلِ اللَّهِ».
رَواه التِّرْمِذِىُّ 1، وقال: حديثٌ حسَنٌ غريبٌ.
وعن سَهْلِ بنِ الحَنْظَلِيَّةِ، أنَّهم سارُوا مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ حُنَيْنٍ، فأطْنَبُوا السَّيْرَ حتى كان عَشِيَّةً، قال: «مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلَةَ؟» قال أنَسُ بنُ أبى مَرْثَدٍ الغَنَوِىُّ: أنَا يا رسولَ اللَّهِ.
قال: «فَارْكَبْ».
فرَكِبَ فَرَسًا له، وجاءَ إلى رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال له: «اسْتَقْبِلْ هذَا الشِّعْبَ، حَتَّى تَكُونَ فِى أعْلَاهُ، وَلَا نُغَرَّنَّ مِنْ قِبَلِكَ اللَّيْلَةَ».
فلمّا أصْبَحْنا جاءَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى مُصَلَّاهُ، فرَكَعَ ركْعَتَيْن، ثم قال: «هَلْ أحْسَسْتُم فَارِسَكُمْ؟» قالوا: لا.
فثُوِّبَ بالصَّلاةِ، فجَعَلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصَلِّى وهو يَلْتَفِتُ إلى الشِّعْبِ، حتى إذا قَضَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «أبشِرُوا، قَدْ جَاءَ فَارِسُكُمْ».
فإذا هو قد جاءَ حتى إذا وَقَف على رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: إنِّى انْطَلَقْتُ حتى كنتُ في أعْلَى هذا الشِّعْبِ، حيث أمَرَنِى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلمّا أصْبَحْتُ اطَّلَعْتُ الشِّعْبَيْن كِلَيْهِما، فنَظَرْتُ، فلم أرَ أحدًا.
فقال له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «هَلْ نَزَلْتَ اللَّيْلَةَ؟».
قال: لا، إلَّا مُصَلِّيًا أو قاضِىَ حاجَةٍ.
فقال له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «قَدْ أوْجَبْتَ، فَلَا عَلَيْكَ

وَتَجِبُ الْهِجْرَةُ عَلَى مَنْ يَعْجِزُ عَنْ إِظْهَارِ دِينِهِ فِى دَارِ الْحَرْبِ، وَتُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ.
أنْ لا تَعْمَلَ بَعْدَها».
رَواه أبو داود (1). وعن عُثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: سَمِعْتُ رِسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «حَرَسُ لَيْلَةٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أفْضَلُ مِنْ ألفِ لَيْلَةٍ، قِيَامِ لَيْلِهَا، وصِيَامِ نَهَارِهَا».
روَاه ابنُ سَنْجَرَ (2).

1391 -

مسألة: (وتَجِبُ. الهِجْرَةُ على مَن يَعْجِزُ عن إظْهارِ دِينِه في دارِ الحَرْبِ، وتُسْتَحَبُّ لِمَن قَدَر عليه)

الهجرةُ: هى الخروجُ مِن دارِ الكُفْرِ إلى دارِ الإِسْلامِ.
قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ 3 الآيات.
ورُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-12

..................................  أنَّه قال: «أنا بَرِئٌ مِنْ مُسْلِمٍ بَيْنَ مُشْرِكِين».
رَواه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ، والتِّرْمذِىُّ 1. ومَعْناه: لا يكونُ بموْضِعٍ يَرى نارَهم ويَرَوْنَ نارَه إذا أُوقِدَتْ.
في آىٍ وأخْبارٍ سِوَى هذَيْن كثيرٍ.
فصل: وحُكْمُ الهِجْرَةِ باقٍ، لا يَنْقَطِعُ إلى يوم القِيامَةِ.
في قولِ عامَّةِ أهلِ العِلْمِ.
وقال قومٌ: قد انْقَطَعَتِ الهِجْرَةُ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَا هِجْرةَ بَعْدَ الفَتْحِ» 2. وقال: «قَدِ انْقَطَعَتِ الهِجْرَةُ، ولكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ» (2). ورُوِىَ أنَّ صَفْوانَ بنَ امَيَّةَ لمّا أسْلَمَ، قيل له: لا دِينَ لِمَن لم يُهاجِرْ.
فأتَى المدينةَ، فقال له النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَا جَاءَ بِكَ أبا وَهْبٍ؟» قال: قيل: إنَّه لا دِينَ لِمَن لم يُهاجِرْ.
قال: «ارْجِعْ أُبا وَهْبٍ إلَى أباطِحِ مَكَّةَ، أَقِرُّوا عَلَى مَسَاكِنِكُمْ، فَقدِ انْقَطَعَتِ الهِجْرَةُ، وَلكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ».
روَى ذلك كلَّه سعيدٌ 3. ولَنا، ما روَى مُعاوِيَةُ، رَضِىَ اللَّه

..................................  عنه، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: «لَا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَاْ تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا».
رَواه أبو داودَ 1. ورُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «لَا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ مَا كَانَ الجِهَادُ».
رَواه سعيدٌ 2، وغيرُه.
مع إطْلاقِ الآياتِ والأخْبارِ الدَّالَّةِ عليها، وتحقُّقِ المعْنَى المُقْتَضِى لها في كلِّ زمانٍ.
وأمَّا الأحادِيثُ الأُوَلُ، فأرادَ بها: لا هِجْرَةَ بعدَ الفَتْحِ مِن بَلَدٍ قد فُتِح.
وقَوْلُه لِصَفْوانَ: «إنَّ الهِجْرَةَ قَدِ انْقَطَعَتْ».
يَعْنِى مِن مَكَّةِ؛ لأنَّ الهِجْرَةَ الخُروجُ مِن بَلَدِ الكُفّارِ، فإذا فُتِحَ لم يَيْقَ بَلَدَ الكُفّارِ، فلا تَبْقَى منه هِجْرَة.
وهكذا كلُّ بَلَدٍ فُتِحَ لا تَبْقَى منه هِجْرَةٌ، إنَّما الهِجْرَةُ النِّيَّةُ.
فصل: والنّاسُ في الهِجْرَةِ على ثَلَاثةِ أضْرُبٍ؛ أحدُها، مَن تَجِبُ عليه، وهو مَن يَقْدِرُ عليها، ولا يُمْكِنُه إظْهارُ دِينه، أوْ لا يُمْكِنُه إقامَةُ

..................................  وَاجباتِ دِينه مع المُقامِ بينَ الكُفّارِ، فهذا تَجِبُ عليه الهِجْرَةُ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ 1. وهذا وَعِيدٌ شديدٌ يَدُلُّ على الوُجُوبِ.
ولأنَّ القِيامَ بواجِبِ دِينِه واجِبٌ على مَن قَدَر عليه، والهِجْرَةُ مِن ضَرُورَةِ الواجِبِ وتَتِمَّتِه، وما لا يَتمُّ الواجِبُ إلَّا به فهو واجِبٌ.
والثانى، مَن لا هِجْرَةَ عليه، وهو مَن يَعْجِزُ عنها، إمّا لمَرضٍ، أو إكراهٍ على الإِقامَةِ، أو ضَعْفٍ؛ مِن النِّساءِ والوِلْدَانِ وشِبْهِهم، فهذا لا هِجْرَةَ عليه؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)﴾ 2. فهذه لا تُوصَفُ باسْتِحْبابٍ؛ لعَدَمِ القُدْرَةِ عليها.
الثالثُ، مَن تُسْتَحَبُّ له، ولا تَجِبُ

وَلَا يُجَاهِدُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا وَفَاءَ لَهُ، وَمَن أحَدُ أبَوَيْهِ مُسْلِمٌ، إِلَّا  عليه، وهو مَن يَقدِرُ عليها، لكِنَّه يتَمَكَّنُ مِن إظهارِ دِينِه مع إقامَتهِ في دارِ الكُفْرِ (1)، فيُسْتَحَبُّ له؛ ليَتَمَكَّنَ (2) مِن جِهادِهم وتَكْثِيرِ المُسلِمِين ومَعُونَتِهم، ويتَخَلَّصَ مِن تَكْثِيرِ الكُفَّارِ ومُخالَطتهم ورُؤيَةِ المُنْكَرِ بينَهم.
ولا تَجِبُ عليه؛ لإمْكانِ إقامَةِ واجِبِ دينِه بدُونِ الهِجْرَةِ.
وقد كان العَبّاسُ عَمُّ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، رَضِىَ اللَّهُ عنه، مُقِيمًا بمَكَّةَ مع إسْلامِه.
ورُوِىَ أنَّ نُعَيْمَ النَّحّامَ، حينَ أرادَ أن يُهاجِرَ، جاءَه قوْمُه بنو عَدِىٍّ، فقالوا له: أقِمْ عندَنا، وأنْت على دِينِكَ، ونحنُ نَمْنَعُكَ مِمن يُرِيدُ أذَاكَ، واكْفِنا ما كُنْتَ تَكْفِينا.
وكان يقومُ بيَتامَى بنى عَدِىٍّ وأرامِلِهم، فتَخَلَّفَ عن الهِجْرَةِ مُدَّةً، ثم هاجَرَ بعدُ، وقال له النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «قَوْمُكَ كَانُوا خَيْرًا لَكَ مِنْ قَوْمِى لِى؛ قَوْمِى أخْرَجُونِى، وأرَادُوا قَتْلِى، وقَوْمُكَ حَفِظُوكَ وَمَنَعُوكَ».
فقال: يا رسولَ اللَّهِ قوْمُكَ أخْرَجُوكَ إلى طاعَةِ اللَّهِ، وجِهادِ عَدُوِّه، وقَوْمِى ثَبَّطُونِى عن الهِجْرَةِ، وطاعةِ اللَّهِ.
أو نحوَ هذا القَوْلِ (3).

1392 -

مسألة: (ولا يُجاهِدُ مَن عليهِ دَيْنٌ لا وَفاءَ له، ومَن أحَدُ

123

بِإِذْنِ غَرِيمِهِ، وَأَبِيهِ، إِلَّا أنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ، فَإِنَّهُ لَا طَاعَةَ لَهُمَا فِى تَرْكِ فَرِيضَةٍ.
أبَوَيْه مُسْلِمٌ، إلَّا بإذْنِ غَرِيمِه، وأبِيهِ، إلَّا أن يَتَعَيَّنَ عليه الجِهادُ، فإنَّه لَا طَاعَةَ لَهُما في تَرْكِ فَرِيضَةٍ) مَن كان عليه دَيْنٌ حالٌّ أو مُؤَجَّلٌ، لم يَجُزْ له الخُروجُ إلى الغَزْوِ إلَّا بإذْنِ غَرِيمِه، إلَّا أنْ يَتْرُكَ وَفاءً، أو يُقِيمَ به كفِيلًا، أو يُوَثِّقَه برَهْنٍ.
وبهذا قال الشافعى.
ورَخَّصَ مالكٌ في الغَزْوِ لِمَن لا يَقْدِرُ على قَضاءِ دَيْنهِ؛ لأنَّه لا تَتَوَجَّهُ عليه المُطالَبَةُ به ولا حَبْسُه مِن أجْلِه، فلم يُمْنَعْ مِن الغَزْوِ، كما لو لم يَكُنْ عليه دَيْنٌ.
ولَنا، أن الجِهادَ تُقْصَدُ منه الشَّهادَة التى تَفُوتُ بها النَّفْسُ، فيَفُوتُ الحَقُّ بفَواتِها، وقد رُوِى أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنْ قُتِلْتُ في سَبِيلِ اللَّهِ صابِرًا مُحْتَسِبًا، يُكَفِّرُ عنى خَطاياىَ؟ قال: «نَعَمْ، إلَّا الدَّيْنَ، فَإنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لى ذَلِكَ» 1. وأمَّا إذا تَعَيَّنَ عليه الجِهادُ، فلا إذْنَ لِغَرِيمِه؛

..................................  لأنَّه تَعَلَّقَ بعَيْنِه، فكان مُقَدَّمًا على ما في ذِمَّتِه، كسائِرِ فُرُوضِ الأعْيانِ، ولكنْ يُسْتَحَبُّ له أن لا يتَعَرَّضَ لِمَظانِّ القَتْلِ؛ مِن المُبارَزَةِ، والوُقُوفِ في أوَّلِ المُقاتِلَةِ؛ لأنَّ فيه تَغْريرًا بتَفْوِيتِ الحَقِّ.
فإن تَرَك وفاءً، أو أقامَ كفِيلًا، فله الغَزْوُ بغيرِ إذْنٍ.
نصَّ عليه أحمدُ في مَن تَرك وَفاءً؛ لأنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرو بنِ حَرامٍ، خَرَج إلى أُحُدٍ، وعليه دَيْنٌ كثيرٌ، فاسْتُشْهِدَ، وقَضاهُ عنه ابنُه جابرٌ بعِلْمِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولم يَلُمْه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- على ذلك، ولم يُنْكِرْ فِعْلَه، بل مَدَحَه، وقال: «مَا زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بأجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ» 1. وقال لابنهِ جابرٍ: «أشَعَرْتَ أنَّ اللَّهَ أحْيَا أباكَ، وكَلَّمَهُ كِفَاحًا 2».

..................................  فصل: ومَن كان أبَواه مُسْلِمَيْن، لم يُجاهِدْ بغيرِ إذْنِهما تَطَوُّعًا.
رُوِى نحوُ ذلك عن 1 عُمَرَ، وعثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما.
وبه قال مالكٌ، والأوْزَاعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وسائِرُ أهْلِ العِلْمِ؛ لِما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: جاءَ رَجُلٌ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا رسولَ اللَّهِ، أُجاهِدُ؟ قال: «ألَكَ أبَوَانِ؟».
قال: نعم.
قال: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ».
وروَى ابنُ عَبّاسٍ نحوَه.
قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ.
وفى رِوايَةٍ، قال: جِئْتُ أُبايِعُكَ على الهِجْرَةِ، وتَرَكْتُ أُبوَىَّ يَبْكِيان.
قال: «ارْجِعْ إِلَيْهِمَا، فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أبكَيْتَهُمَا».
وعن أبى سعيدٍ، أنَّ رَجُلًا هاجَرَ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «هَلْ لَكَ بِالْيَمَنِ أحَدٌ؟» قال: نعم، أَبَواىَ.
قال: «أذِنَا لَكَ؟».
قال: لا.
قال: «فَارْجِعْ، فَاسْتَأذِنْهُمَا، فَإِنْ

..................................  أذِنَا لكَ فَجَاهِدْ، وإلَّا فَبِرَّهُمَا».
رَواهُنَّ أبو داودَ 1. ولأنَّ بِرَّ الوالدَيْن فَرْضُ عَيْنٍ، والجِهادَ فَرْضُ كِفايَةٍ، وفرضُ العَيْنِ يُقَدَّمُ.
وكذلك إن كان أحَدُهما مُسْلِمًا، لم يُجاهِدْ بغيرِ إذْنهِ؛ لأنَّ بِرَّه فَرْضُ عَيْنٍ، فقُدِّمَ على الجِهادِ، كالأبَوَيْن.
فأمَّا إن كانَا غيرَ مُسْلِمَيْن، فلا إذْنَ لهما.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
وقال الثَّوْرِىُّ: لا يَغْزُو إلَّا بإذْنِهما؛ لعُمُومِ الأخْبارِ.
ولَنا، أنَّ أصحابَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كانُوا يُجاهِدُونَ، وفيهم مَن أبَواه كافِرانِ، ولم يَسْتَأذِنْهُما؛ منهم أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، وأبو حُذَيْفَةَ بنُ عُتْبَةَ، كان مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ بَدْرٍ، وأبوه رئيسُ المُشْرِكِين يوْمَئِذٍ، وأبو عُبَيْدَةَ، قَتَل أباه في الجهادِ، فأنْزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ 2 الآية.
وهذا يَخُصُّ عُمُومَ الأخْبارِ.
فإن كانا رَقِيقَيْن،

..................................  فعُمُومُ كلامِه ههُنا يَقْتَضِى وُجُوبَ اسْتِئْذَانِهما.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لظاهِرِ الأخْبارِ، ولأنَّهما مُسْلِمان، أشبَها الحُرَّيْنِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُعْتَبَرَ إذْنُهما؛ لأنَّه لا وِلَايةَ لهما.
فإنْ كانا مَجْنُونَيْن، فلا إذْنَ لهما؛ لعَدَمِ اعْتِبارِ قَوْلِهما.
فصل: فإن تَعَيَّنَ عليه الجِهادُ، سَقَط إذْنُهما، وكذلك كلُّ فَرائِضِ الأعْيانِ، لا طَاعَةَ لهما في تَرْكِها؛ لأنَّ تَرْكَها مَعْصِيَةٌ، ولا طاعَةَ لأحَدٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وكذلك كلُّ ما وَجَب، كالحَجِّ، وصَلاةِ الجَماعَةِ والجُمَعِ، والسَّفَرِ للعِلْمِ الواجِبِ؛ لأنَّها فَرْضُ عَيْنٍ، فلم يُعْتَبَرْ إذْنُ الأبَوَيْنِ فيها، كالصَّلاةِ، ولأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ 1. ولم يَشْتَرِطْ إذْنَ الوَالِدَيْن.

جارٍ التحميل