وَإنْ بَاعَ نَوْعَيْ جِنْسٍ بِنَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْهُ؛ كَدِينَارٍ قُرَاضَةً وَصَحِيحٍ
وكذلك لو باعَ بثَمنٍ وأَطْلَقَ، وفي البَلَدِ نُقُودٌ، بَطَلَ العَقْدُ، ولم يُحْمَلْ على نَقْدِ أقْرَبِ البِلادِ إليه.
أمّا إذا اشْتَرَى من إنْسانٍ شيئًا، فإنَّه يَصِحُّ؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه مِلْكه؛ لأنَّ اليَدَ دَلِيلُ المِلْك.
وإذا باعَ لحمًا، فالظَّاهِرُ أنَّه مُذَكًّى؛ لأنَّ المُسْلِمَ في الظّاهِرِ لا يَبِيعُ المَيتَةَ.
1691 -
مسألة: (وإنْ باعَ نَوْعَيْ جِنْس بنَوْعٍ واحِدٍ مِنْه؛
بِصَحِيحَينِ، جَازَ.
أَومَأَ إِلَيهِ أَحْمَدُ، وَذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ.
وَعِنْدَ الْقَاضِي، هِيَ كَالَّتِي قَبْلَهَا.
كدِينارٍ قُرَاضَةً 1 وصَحِيح بصَحِيحَينِ) أو حِنْطَةٍ حَمْراءَ وسَمْراءَ بِبَيضاءَ، أو تَمْرًا بَرْنِيًّا ومَعْقِلِيًّا بإبْراهِيمِيٍّ، فإنّ ذلك يَصِحُّ.
قاله أبو بَكْرٍ (وأوْمَأ إليه أحمدُ) واخْتارَ القاضِي أنَّ الحُكْمَ فيها كالتي قبلها.
وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ؛ لأنَّ العَقْدَ يَقْتَضِي انْقِسَامَ الثَّمَنِ على عِوَضِه، على حَسَبِ اخْتِلَافِه في قِيمَتِه، كما ذَكَرْنا.
ورُوِيَ عن أحمدَ مَنْعُ ذلك في النَّقْدِ، وتَجْويزُه في الثَّمَنِ.
نَقَلَه أحمدُ بنُ القاسِمِ؛ لأنَّ الأنْواع في غيرِ الأَثْمانِ يَكْثُرُ اخْتِلَاطُها، ويَشُقُّ تَمْيِيزُ ما، فعُفِيَ عنها، بخِلافِ الأَثْمانِ.
ولَنا، قولُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ مِثْلًا بمِثْل، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ مِثْلًا بمِثْلٍ».
الحَدِيث 2. وهذا يَدُلّ على إِباحَةِ البَيعِ عندَ وُجُودِ
.................................. المُماثَلَةِ المَرْعِيَّةِ، وهي في المَوْزُونِ وَزْنًا، وفي المَكِيلِ كَيلًا، ولأَنَّ الجَوْدَةَ ساقِطَةٌ في بابِ الرِّبَويَّاتِ، فيما قُوبِلَ بجِنْسِه، فيما إذا اتَّحَدَ النَّوْعُ في كُلِّ واحِدٍ من الطرًّفَينِ، فكذلك إذا اخْتَلَفَا، واخْتِلافُ القِيمَةِ يَنْبَنِي على الجَوْدَةِ والرَّدَاءَةِ، ولأنَّه باعَ ذَهَبًا بذَهَبٍ مُتَسَاويًا في الوَزْنِ، فصَحَّ، كما لو اتَّفَقَ النَّوْعُ، وإنَّما يُقْسَمُ العِوَضُ على المُعَوَّضِ فيما يَشْتَمِلُ على جِنْسَينِ، أو في غيرِ الرِّبَويَّاتِ، بدَلِيلِ ما لو باعَ نَوْعًا بنَوْعٍ يَشْتَمِلُ على جَيِّدٍ ورَدِئٍ.
وَفِي بَيعِ النَّوَى بِتَمْرٍ فِيهِ النَّوَى، وَاللَّبَنِ بِشَاةٍ ذَاتِ لَبَنٍ، وَالصُّوفِ بِنَعْجَةٍ عَلَيهَا صُوفٌ، رِوَايَتَانِ.
1692 - مسألة: (وفي بَيعِ النَّوَى بتَمْرٍ فيه النَّوَى، واللَّبَنِ بشَاةٍ ذاتِ لَبَنٍ، والصُّوفِ بنَعْجَةٍ عليها صُوف، رِوَايَتَانِ)
إذا باعَ النَّوَى بتَمْرٍ نَواهُ فيه، فعِلى رِوايَتَينِ؛ إحداهُما، لا يَجُوزُ.
رَواهُ عنه مُهَنَّا، وابنُ القاسِمِ؛ لأنَّه كَمَسألةِ مُدِّ عَجْوَةٍ، وكما لو باعَ تمْرًا فيه نَواهُ بتَمْر مَنْزُوعِ النَّوَى.
والثانِيَةُ، يَجُوزُ.
رَوَاهَا ابنُ مَنْصُورٍ؛ لأن النَّوى في التَّمْرِ غيرُ مَقْصُودٍ، فجازَ، كما لو باعَ دارًا مُمَوَّهًا سَقْفُهَا بذَهبٍ.
فعلى هذا، يجوزُ بَيعُه مُتَفاضِلًا ومُتَسَاويًا؛ لأن النَّوَى الذي في التَّمْرِ لا عِبْرَةَ به، فصارَ كبَيعِ النَّوَى بتَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى.
فصل: وإنْ باعَ شاةً ذاتَ لَبَنٍ بلبنٍ، أو شاةً عليها صُوفٌ بصُوفٍ،
..................................
أو باعَ لَبونًا بلبونٍ، أو ذاتَ صُوفٍ بمِثْلِها، خُرجَ فيه الرِّوَايَتانِ، كالتي قَبْلَها؛ إِحداهُما، الجَوازُ.
اخْتَارَهُ ابنُ حامِدٍ.
وهو قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ، وسواءٌ كانتِ الشّاةُ حَيَّةً أو مُذَكَّاةً؛ لأنَّ ما فيه الرِّبَا غيرُ مَقْصُودٍ.
والثاني، المَنْعُ.
وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ؛ لأنَّه باعَ مال الربَا بأَصْلِه الذي فيه منه، أَشْبَهَ بَيعَ اللَّحْمِ بالحَيَوانِ.
والأوَّلُ أوْلَى، والفَرْقُ بَينَهفا أنّ اللَّحْمَ في 1 الحَيَوانِ مَقْصُودٌ، بخِلافِ اللَّبَنِ والصُّوفِ.
ولو كانتِ الشّاةُ مَحْلُوبَةَ اللَّبَنِ، جازَ بَيعُها بمِثْلِها، وباللَّبَنِ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ اللَّبَنَ لا أثَرَ له، ولا يُقَابِلُه شيءٌ من الثَّمَنِ، فأشْبَهَ المِلْحَ في الشَّيرَجِ والخُبْزِ والجُبْنِ، وحَبّاتِ الشّعِيرِ في الحِنْطَةِ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وكذلك لو كان اللَّبَنُ المُنْفَرِدُ من غيرِ جِنْسِ لَبَنِ الشّاةِ، جازَ بكُلِّ حالٍ.
ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَجُوزَ على قَوْلِنا: إنَّ اللَّبَنَ جِنْسٌ واحِدٌ.
ولو باعَ نَخْلَةً عليها ثَمَر بتَمْرٍ 2 أو بنَخْلَةٍ عليها تمْرٌ 3، ففيه أيضًا وَجْهانِ؛ أحدُهما، الجَوازُ.
اخْتارَهُ أبو بكْرٍ؛ لأنَّ التَّمْرَ 4 غيرُ مَقْصُودٍ بالبَيعِ.
والثانِي، لا يَجُوزُ.
..................................
ووَجْهُ الوَجْهَينِ ما ذَكَرْنَا في المسألةِ قَبْلَها.
واخْتَارَ القاضِي المَنْع، وفَرَّقَ بَينَهما وبَينَ الشَّاةِ ذاتِ اللَّبَنِ بكَوْنِ الثَّمَرَةِ يَصِحُّ إفْرادُها بالبَيعِ، وهي مَعْلُومَة، بخِلافِ اللَّبَنِ في الشَّاةِ.
وهذا الفرقُ غيرُ مُؤثِّرٍ، فإنّ ما يَمْنَعُ إذا جازَ إفرادُه، يَمْنَعُ وإنْ لم يَجُزْ إفْرادُه، كالسَّيفِ المُحَلَّى يُباعُ بجِنْسِ حِلْيَيه، وما لا يَمْنَعُ، لا يَمْنَعُ وإنْ جازَ إفْرادُه، كمالِ العَبْدِ.
فصل: وإنْ باعَ دارًا سَقْفُفَا مُمَوَّهٌ بذَهَبٍ، أو دارًا بدارٍ مُمَوَّهٌ سَقْفُ كُلِّ واحِدَةٍ منهما، جازَ؛ لأنَّ ما فيه الرِّبَا غيرُ مَقْصُودٍ بالبَيعِ، فوُجُودُه كعَدَمِه.
وكذلك لو اشْتَرَى عَبْدًا له مالٌ، فاشْتَرَطَ ماله، وهو من جِنْسِ الثَّمَنِ، جازَ، إذا كان المالُ غيرَ مَقْصُودٍ، فهو كالسَّقْفِ المُمَوَّهِ، ولو اشْتَرَى عَبْدًا بعَبْدٍ، واشْتَرَطَ كلُّ واحِدٍ منهما مال العَبْدِ، جازَ أيضًا، إذا كان المالُ غيرَ مَقْصُودٍ.
فصل: وإنْ باعَ جِنْسًا فيه الرِّبَا بجِنْسِه، ومع كُلٍّ واحِدٌ فن غيرِ جِنْسِه غيرُ مَقْصُودٍ، فهو على أقسَام؛ أحدُها، أنْ يكونَ غيرُ المَقْصُودِ يَسِيرًا لا يُؤثِّرُ في كَيل ولا وَزْنٍ، كالمِلْحِ فيما يُعْمَلُ فيه، وحَبَّاتِ الشَّعِيرِ في الحِنْطةِ، فلا يَمْنَعُ؛ لأنَّه يَسِيرٌ لا يُخِلُّ بالتّمَاثلِ، وكذلك لو وُجِدَ في أحَدِهما دونَ الآخرِ، لم يَمْنَعْ؛ لذلك، ولو باعَ ذلك بجِنْسِ غيرِ المَقْصُودِ الذي معه، كبَيعِ الخُبْزِ بالمِلْحِ، جَازَ؛ لأنَّ وُجُودَ ذلك كعَدَمِه.
الثاني، أنْ يكون غيرُ المَقْصُودِ كَثِيرًا، إلَّا أنَّه لمَصْلَحَةِ
..................................
المَقصُودِ، كالماءِ في خَلِّ التَّمْرِ، والزَّبِيبِ، ودِبْسِ التَّمْرِ، فيَجُوزُ بَيعُه بمثْلِه، ويَتَنَزَّلُ خِلْطُه بمَنْزِلَةِ رُطُوبَتِه؛ لكَوْنِه من مَصْلَحَتِه، فلم يَمْنَعْ من بَيعِه بما يُماثِلُه، كالرُّطَبِ بالرُّطَبِ.
ولا يَجُوزُ بَيعُه بما ليس فيه خِلْطٌ، كبَيعِ خَلِّ العِنَبِ بخَلِّ الزَّبِيبِ؛ لإِفْضائِه إلى التّفاضُلِ، فجَرَى مَجْرى بَيعِ التَّمْرِ بالرُّطَبِ.
ومَنَعَ الشّافِعِيُّ ذلك كُلَّه إلَّا بَيعَ الشَّيرَجِ بالشَّيرَجِ؛ لكَوْنِ الماءِ لا يَظْهَرُ في الشَّيرَجِ.
الثالثُ، أنْ يكُونَ غيرُ المَقْصُودِ كَثِيرًا، وليس من مَصْلَحَتِه؛ كاللَّبَنِ المَشُوبِ بالماء بمثْلِه، والأثْمانِ المغْشُوشَةِ بغَيرِها، فلا يَجُوزُ بَيعُ بَعضها ببَعْضٍ؛ لأنَّ خِلْطَهُ ليس من مَصْلَحَتِه، وهو يُخِلُّ بالتّماثُلِ المَقْصُودِ فيه.
وإنْ باعَهُ بجِنْسِ غيرِ المَقْصُودِ، كبَيعِه الدِّينارَ المغْشُوشَ بالفِضَّةِ بالدَّرَاهِمِ، احْتَمَلَ الجوازَ؛ لأنَّه يَبِيعُه بجِنْس غيرِ مَقْصُودٍ فيه، فأشْبَهَ بَيعَ اللَّبَنِ بشَاةٍ فيها لَبَنٌ، ويَحْتَمِلُ المنعَ، بناءً على الوَجْهِ الآخَرِ في الأصْلِ.
وإنْ باعَ دِينارًا مَغْشُوشًا بمِثْلِه، والغِشُّ فيهما مُتَفاوتٌ أو غيرُ مَعْلُومِ المِقْدارِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يُخِلُّ بالتَّمَاثُلِ المَقْصُودِ.
وإنْ عَلِمَ التَّسَاويَ في الذَّهَبِ والغشَّ الذي فيهما، خُرِّجَ على وَجْهَينِ؛ أوْلاهُما، الجَوازُ؛ لأنَّهُما تماثَلَا في المَقْصُودِ وفي غَيرِه، ولا يُفْضِي إلى التَّفَاضُلِ بالتَّوْزِيعِ بالقِيمَةِ؛ لكونِ الغِشِّ غيرَ مَقْصُودٍ، فكَأَنَّه لا قِيمَةَ له.
فصل: ولو دَفَعَ إلى إنْسانٍ دِرْهَمًا، وقال: أعْطِنِي بنِصْفِ هذِا الدِّرْهَمِ نِصْف دِرْهَمٍ، وبنِصْفِه فُلُوسًا.
أو: حاجَةً أُخْرَى.
جازَ؛ لأَنَّه
وَلَا يَجُوزُ بَيعُ تَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى بِمَا نَوَاهُ فِيهِ.
اشْتَرَى نِصْفًا بنِصْفٍ، وهما مُتَسَاويانِ، فصَحَّ، كما لو دَفَعَ إليه دِرْهَمَينِ، فقال: بِعْنِي بهذا الدِّرْهَمِ فُلُوسًا، وأعْطِنِي بالآخَرِ نِضفينِ.
وإن قال: أعْطِني بهذا الدِّرْهَمِ نِصْفَا وفُلُوسًا.
جازَ أيضًا، لأنَّ مَعْناهُ ذلك، ولأنَّ ذلك لا يُفْضِي إلى التَّفاضُلِ بالتَّوْزِيعِ بالقِيمَةِ، فإنَّ قِيمَةَ النِّصْفِ الذي في الدِّرْهَمِ، كقِيمَةِ النِّصْفِ الذي مع الفُلُوسِ يَقِينًا، وقِيمَةُ الفُلُوسِ كقِيمَةِ النِّصْفِ الآخرِ، سواءٌ.
1693 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيعُ تَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى بما نَواهُ فيه)
لاشْتِمالِ أَحَدِهما على ما لَيسَ من جِنْسِه دونَ الآخَرِ، وإنْ نَزَعَ النَّوَى، ثمّ باعَ النَّوَى والتَّمْرَ بنَوًى وتَمْرٍ، لم يَجُزْ، لأنَّ التَبّعَيَّةَ زَالت بنَزْعِه، فصارَ كمَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ، بخِلافِ ما إذا كانَ في كُلِّ واحِدٍ نَواهُ.
وإنْ باعَ تَمْرًا مَنْزُوعَ النَّوَى بتَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى، جازَ،؛ لو باعَ تَمْرًا فيه النَّوَى بَعْضَه ببَعْضٍ.
وقال أصحابُ الشّافِعِيِّ: لا يَجُوزُ، في أحَدِ الوَجْهَينِ،
وَالْمَرْجِعُ فِي الْكَيلِ وَالْوَزْنِ إِلَى عُرْفِ أَهْلِ الْحِجَازِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وَمَا لا عُرْفَ لَهُ بهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُعْتَبَرُ عُرْفة فِي مَوْضِعِهِ،
لأَنَّهما لم يَتَسَاوَيا في حالِ الكَمالِ، ولأنَّه يَتَجَافَى في المِكْيالِ.
ولَنا، قولُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «التَّمْر بالتَّمْرِ [مُدْى بمُدْىٍ] (1). ولأنَّهُما تَسَاوَيَا في حالٍ على وَجْهٍ لا يَنْفَرِدُ أحَاهما بالنُّقْصَانِ، فجازَ، كما لو كان في كلِّ واحِدٍ نَواة.
ويجوز بَيع النَّوَى بالنَّوى كَيلًا كذلك.
1694 -
مسألة: (والمَرْجِعُ في الكَيلِ والوَزْنِ إلى عُرْفِ أهْلِ الحِجَازِ في زَمَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وما لا عُرْفَ لهم به 2، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يُعْتَبَر عُرْفُه في مَوْضِعِه) ولا يُرَدُّ إلى أَقْرَبِ الأشْيَاءِ شَبَهًا به1
وَالْآخَرُ يُرَدُّ إِلَى أقْرَبِ الْأَشْيَاءِ شَبَهًا بِهِ بِالحِجَازِ.
بالحِجازِ، ونحوُ هذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: الاعْتِبارُ في كُلِّ بلَدٍ بعَادَتِه.
ولَنا، ما رَوَى [عبدُ اللهِ بنُ عمرَ] 1 عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: «المِكْيَالُ مِكْيالُ المَدِينَةِ، والمِيزَانُ مِيزَانُ مَكَّةَ» 2. والنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إنّما يُحْمَلُ كلامُه على بَيانِ الأَحْكام.
ولأَنَّ ما كان مَكِيلًا بالحجازِ في زَمَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - انْصَرَفَ التَّحْرِيمُ إليهَ في تَفَاضُلِ الكَيلِ، فلا يجوزُ أنْ يَتَغَيَّرَ بعد ذلك، وهكذا الوَزْنُ.
فأمّا ما لا عُرْفَ له بالحِجَازِ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما (يُرَدُّ إلى أقْرَبِ الأَشْيَاءِ شَبَهًا به بالحِجَازِ) كما أنَّ الحَوادِثَ تُرَدُّ إلى أَشْبَهِ المَنْصُوصِ عليه بها، وهو القِيَاسُ.
والثانِي، يُعْتَبَرُ عُرْفُه في مَوْضِعِه؛ لأنَّ ما لم يكُنْ له في الشَّرْعِ حَدٌّ، يُرْجَعُ فيه إلى العُرْفِ،
..................................
كالقَبْضِ، والحَرْزِ، والتَّفَرُّقِ.
وعلى هذا، إنِ اخْتَلَفَتِ البِلادُ، فالاعْتِبَارُ بالغالِبِ، فإنْ لم يكُنْ غالِبٌ، تَعَيَّنَ الوَجْهُ الأولُ.
ومَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كهَذينِ الوَجْهَينِ.
فصل: والبُرُّ والشَّعِيرُ مَكِيلانِ، مَنْصُوصٌ عليهما بقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «البُرُّ بالبُرِّ كَيلًا بكَيلٍ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ كَيلًا بكَيلٍ» 1. وكذلك سائِرُ الحُبُوب، والأبازِيرِ، والأُشْنَانُ والجِصُّ والنُّورَةُ وما أشبَهَها.
والتَّمْرُ مَكِيلٌ، وهو من المَنْصُوصِ عليه، وكذلك سائِرُ ثَمَرَةِ النَّخْلِ من الرُّطَبِ والبُسْرِ وغيرِهما، وسائِرُ ما تَجِبُ فيه الزَّكَاةُ من الثِّمارِ؛
..................................
مثلَ الزَّبِيبِ، والفُسْتُقِ، والبُنْدُقِ، واللَّوْزِ، والعُنَّابِ، والمِشْمِشِ، والزَّيتُونِ، والبُطْمِ.
والمِلْحُ مَكِيلٌ، وهو من المَنْصُوصِ عليه بقَوْلِه عليه السَّلامُ: «المِلْحُ بالمِلْحِ [مُدْىٌ بمُدْىٍ] 1». والذَّهَبُ والفِضَّةُ مَوْزُونانِ بقَوْلِه - عليه السلام -: «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ وَزْنًا بوَزْنٍ» 2. وكذلك ما أَشْبَهَهُما من جَواهِرِ الأرْضِ؛ كالحَدِيدِ، والرَّصَاصِ، والصُّفْرِ، والنُّحاسِ، والزُّجاج، والزِّئْبَقِ.
وكذلك الإِبرِيسَمُ، والقُطْنُ، والكَتَّانُ، والصُّوفُ، وغزْلُ ذلك، وما أَشْبَهَه.
..................................
ومنه الخبزُ، واللَّحْمُ، والشَّحْمُ، والجُبْنُ، والزُّبْدُ، والشَّمْعُ، والزَّعْفَرَانُ، والعُصْفُرُ، والوَرْسُ، وما أشْبَهَ ذلك.
فصل: والدَّقِيقُ والسَّويقُ مَكِيلانِ؛ لأَنَّ أَصْلَهُما مَكِيلٌ، ولم يُوجَدْ ما يَنْقُلُهما عنه، ولأَنَّهُما يُشْبِهانِ ما يُكَالُ.
وذكَرَ القاضِي في الدَّقِيقِ، أنّه يَجُوزُ بَيعُ بَعْضِه بِبَعْضٍ وَزْنًا، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يكونَ مَوْزُونًا، وأَصْلُه مَكِيلٌ، كالخُبْزِ.
ولَنا، ما ذَكَرْناهُ، ولأنَّه يُقَدَّرُ بالصّاعِ، بدَلِيلِ أنّه يُخْرَجُ في الفِطْرِ صَاعٌ من دَقِيقٍ، وقد جاءَ ذلك في الحَدِيثِ.
والصّاعُ
..................................
إنّما يُقَدَّرُ به المَكِيلاتُ، وعلى هذا يكونُ الأَقِطُ مَكِيلًا؛ لأنَّ في حَدِيثِ صَدَقَةِ الفِطْرِ: صاعٌ من أَقِطٍ 1. فأمَّا اللَّبَنُ وغَيرُه من المائِعَاتِ؛ كالأدْهانِ، من الزَّيتِ، والشَّيرَجِ، والعَسَلِ، والدِّبْسِ، والخَلِّ، ونحو ذلك، فالظّاهِرُ أنَّها مَكِيلَة.
قال القاضِي في الأَدْهانِ: هي مَكِيلَةٌ.
وفي اللَّبَنِ: يَصِحُّ السَّلَمُ فيه كَيلًا.
وقال أصحابُ الشّافِعِيِّ: لا يُبَاعُ اللَّبَنُ بَعْضُه بِبَعْض إلَّا كَيلًا.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنّه سُئِلَ عن السَّلَفِ في اللَّبَنِ، فقال: نعم، كَيلًا أو وَزْنًا.
وذلك لأنَّ الاءَ مُقَدَّرٌ بالصّاعِ، ولذلك 2 قالُوا: كان النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَتَوَضَّأُ بالمُدِّ، ويَغْتَسِلُ بالصّاعِ 3، ويَغْتَسِلُ هو وزَوْجَتُه من الفَرَقِ 4. وهذه مَكايِيلُ قُدرَ بها الماءُ، وكذلك سائِرُ المائِعاتِ.
ورُوِيَ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه نَهَى عن بَيعِ ما في ضُرُوعِ الأَنْعَامِ
..................................
إلَّا بكَيلٍ.
روَاهُ ابنُ ماجَه 1. وأمّا غيرُ المَكِيلِ والمَوْزُونِ، فما لم يكُنْ له أصْلٌ بالحِجازِ في كيل ولا وَزْنٍ، ولا يُشْبِهُ ما جَرَى فيه عُرْفٌ بذلك، [كالثِّيابِ، والحَيَوانِ] 2، والمَعْدُودَاتِ؛ من الجَوْزِ، والبَيضِ، والرُّمَّانِ، والقِثَّاءِ، والخِيَارِ، وسائِرِ الخُضَرِ، والبقُولِ، والسَّفَرْجَلِ، والتُّفّاحِ، والكُمَّثْرَى، والخَوْخِ، ونحوها، فهذه إذا اعْتَبَرْنا التَّماثُلَ فيها، فإنّه يُعْتَبَرُ في الوَزْنِ؛ لأنَّه أخْصَرُ.
ذَكَرَه القاضِي في الفَواكِهِ الرَّطْبَةِ.
وهو أحَدُ الوَجْهَينِ لأَصْحابِ الشّافِعِيِّ.
والآخَرُ، قالُوا: يُعْتَبَرُ ما أَمْكَنَ كَيلُه بالكَيلِ؛ لأنَّ الأَصْلَ الأَعْيَانُ الأرْبَعَةُ، وهي مَكِيلَةٌ، ومن شأْنِ الفرْعِ أنْ يُرَدَّ إلى أصْلِه بحُكْمِه، والأصْلُ حُكْمُه تحريمُ التَّفاضُلِ بالكَيلِ، فكذلك يكونُ حُكْمُ فُرُوعِها 3. ولَنا، أنَّ الوَزْنَ أَخْصَرُ، فوَجَبَ اعْتِبارُه في غيرِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ، كالذي لا يُمكِنُ كَيلُه، وإنَّما اعْتُبرَ الكَيلُ في المَنْصُوص؛ لأَنَّه يُقدَّرُ به في العادَةِ، وهذا بخِلافِه.
فَصْلٌ: وَأمَّا رِبَا النَّسِيئَةِ، فَكُلُّ شَيئَينِ لَيسَ أحَدُهُمَا ثَمَنًا، عِلَّةُ رِبَا الْفَضْلِ فِيهِمَا وَاحِدَةٌ، كَالْمَكِيلِ الْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ بِالْمَوْزُونِ، لَا يَجُوزُ النَّسَاءُ فِيهِمَا، وَإنْ تَفرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ، بَطَلَ الْعَقْدُ.
فصل: قال، رَضِيَ الله عنه: (وأمَّا رِبَا النَّسِيئَةِ، فكلُّ شَيئَينِ ليس أحَدُهما ثَمَنًا، عِلَّة رِبَا الفَضْلِ فيهما واحِدَةٌ؛ كالمَكِيلِ بالمَكِيلِ، والمَوْزونِ بالمَوْزونِ، لا يجوز النَّساءُ فيهما، وإنْ تَفَرَّقَا قبلَ التَّقائضِ، بطلَ العَقْدُ) متى كان أحَدُ العِوَضَينِ ثمنًا، والآخَر مُثَمَّنًا، جازَ النَّساءُ بَينَهما بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ الشَّرْعَ أرْخصَ في السَّلَمِ، والأصْل في رَأْسِ مالِ السَّلَمِ الدَّراهِمُ والدَّنانِير، فلو حَرم النَّساءُ ها هنا، لانْسَدَّ بابُ السَّلَمِ في المَوْزونَاتِ، في الغالِبِ.
وإنْ لم يكنْ أحَدُهما ثمنًا، فكلُّ شَيئَينِ يَجْرِي فيهما الرِّبَا بعِلّةٍ واحِدَةٍ؛ كالمَكِيلِ بالمَكِيلِ، والمَوْزونِ بالمَوزونِ، والمَطْعُومِ بالمَطْعُومِ عند مَنْ يُعَلِّل به، يَحْرُمُ بَيعُ أحَدِهما بالآخَرِ نسِيئَةً، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لقَوْلِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: «فإذا اخْتَلَفَتْ هذه الأصْنَافُ، فبِيعوا كَيفَ شِئْتم يَدًا بِيَدٍ» 1. وفي لَفْظٍ: «لا بَأْسَ بِبَيع
..................................
الذَّهَبِ بالفِضَّةِ -والفِضَّةُ أكْثَرُهما- يدًا بِيَدٍ، وأمّا النَّسِيئَةُ فلَا، ولا بَأْسَ بِبَيعِ البُرِّ بالشَّعِيرِ -والشَّعِيرُ أكْثَرُهما- يدًا بِيَدٍ، وأمّا النَّسِيئَةُ فلا».
رَواهُ أبو داودَ 1.
فصل: وإنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ، بَطَلَ العَقْدُ.
وبه قال الشّافِعِيُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يُشْتَرَطُ التَّقابُضُ في غيرِ النَّقْدَينِ؛ لأنَّ ما عَداهُما ليس بأَثْمانٍ، فلم يُشتَرَطِ التَّقابُضُ فيهمأ، كغَيرِ أمْوال الرِّبَا، وكبيعِ ذلك بأحَدِ النَّقْدَينِ.
ولَنا 2، قَوْلُه عليه السّلامُ: «فإذا اخْتَلَفَتْ هذه الأصْنَافُ فبيعُوا كيفَ شِئْتُم يَدًا بِيَدٍ».
فالمُرادُ به القَبْضُ.
ولأَنَّهُما مالانِ من أمْوالِ الرِّبَا عِلَّتُهما واحِدَةٌ، فحَرُمَ التَّفَرُّقُ بينهما قبلَ القَبْضِ، كالذَّهَبِ بالفِضَّةِ.
وَإنْ بَاعَ مَكِيلًا بِمَوْزُونٍ، جَازَ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْض.
وَفِي النَّسَاءِ رِوَايَتَانِ.
1695 - مسألة: (وإنْ بَاعَ مَكِيلًا بمَوْزُونٍ)
كاللَّحْمِ بالبُرِّ (جازَ التَّفَرُّقُ قبلَ القَبْضِ، وفي النّساءِ روَايَتَانِ) وهذا ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ، وقال: هو رِوَايَةٌ واحِدَةٌ؛ لأن عِلَّتَها مُخْتَلِفَةٌ، فجازَ التَّفَرُّق قبل القَبْضِ، كالثَّمَنِ بالثَّمَنِ.
ويَحْتَمِلُ كلامُ الخِرَقِيِّ وجوبَ التَّقَابُضِ؛ لأَنَّه قال: وما كان من جِنْسَينِ فجائِزٌ التّفَاضُلُ فيه يَدًا بِيَدٍ.
وهل يجوزُ النَّساءُ؛ فيه رِوَايَتَانِ؛ إحداهُما، لا يَجُوزُ.
ذَكَرَها الخِرَقِيُّ؛ لأَنَّهُما مالانِ من أمْوالِ الرِّبَا، فلم يَجُزِ النَّساءُ فيهما، كالمَكِيلِ بالمَكِيلِ.
وَمَا لا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ؛ كالثيابِ، وَالْحَيَوَانِ، يَجُوزُ النَّسَاءُ فِيهِمَا.
وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ.
وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ فِي الْجنْسِ الْوَاحِدِ، كَالْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ، وَيَجُوزُ فِي الْجِنْسَينِ، كَالثِّيَابِ بِالْحَيَوانِ.
والثانِيَةُ، يَجُوزُ.
وهو قَوْلُ النَّخَعِيِّ، لأنَّهُما لم يَجْتَمِعا في أحَدِ وَصْفَيْ عِلَّةِ رِبَا الفَضْلِ، فجازَ النَّساءُ فيهما، كالثِّيابِ بالحَيَوانِ، وعند مَن يُعَلِّلُ بالطَّعْمِ لا يُجِيزُه ها هنا، وَجْهًا واحِدًا.
1696 -
مسألة: (وما لا يَدْخُلُه رِبَا الفَضْلِ؛ كالثِّيابِ، والحَيَوانِ، [يجوزُ النَّساءُ فيهما.
وعنه، لا يَجُوزُ.
وعنه، لا يَجُوزُ في الجنسِ الواحِدِ؛ كالحيَوانِ بالحَيَوانِ، ويَجُوزُ في الجِنْسَينِ؛ كالثِّيَابِ بالحَيَوانِ])
1 فيه أرْبَعُ رِوايَاتٍ، إحْدَاهُنَّ، لا يَحْرُمُ النَّساءُ فيه، سواءٌ
..................................
بِيعَ بجِنْسِه أو بغَيرِه، مُتَسَاويًا أو مُتَفَاضِلًا.
وقال القاضِي: إن كان مَطْعُومًا حَرُمَ النَّساءُ فيه، وإنْ لم يَكُنْ مَكِيلًا ولا مَوْزُونًا.
وهذا مَبْنِيٌّ على أنَّ العِلَّةَ الطَّعْمُ.
وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
ووجْهُ جَوازِ النَّساءِ ما رَوَى أبو داودَ 1 عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَه أنْ يُجَهِّزَ جَيشًا، فنَفِدَتِ الإِبِلُ، فأمَرَهُ أنْ يَأْخُذَ في قِلاصِ 2 الصَّدَقَةِ، فكان يَأْخُذُ التعِيرَ بالبَعِيرَينِ إلى إِبِلِ الصَّدَقَةِ.
ورَوَى سعيدٌ في سُنَنِه، عن أبي مَعْشَرٍ، عن صالِحِ بنِ كَيسَانَ، عن الحسنِ بنِ محمدِ بنِ عَلِيٍّ: أنَّ عَلِيًّا باعَ بَعِيرًا له، يقالُ له: عُصَيفِيرٌ، بأرْبَعَةِ أبْعِرَةٍ إلى أجَل 3. ولأنهُما مَالانِ، لا يَجْرِي فيهما رِبَا الفَضْلِ، فجازَ النَّساءُ فيهما، كالعَرْضِ بِالدِّينارِ، ولأنَّ النَّساءَ أحَدُ نَوْعَي الرِّبَا، فلم يَجُزْ في الأمْوالِ كُلِّها، كالنَّوْعِ الآخرِ.
..................................
فعلى هذه الرِّوايَةِ، عِلَّةُ تَحْرِيمِ النَّساءِ الوصْفُ الذي مع الجِنْسِ.
أمّا الكَيلُ، أو الوَزْنُ، أو الطَّعْمُ عند من يُعَلِّلُ به، فيَخْتَصُّ تحريمُ النَّساءِ بالمَكِيلِ والمَوْزُونِ عند من يُعَلِّلُ [بهما، وبالمَطْعُومِ عند مَنْ يُعَلِّلُ] 1 به.
اخْتَارَها القاضِي.
والرِّوَايَةُ الثانِيَةُ، يَحْرُمُ النَّساءُ في كُلِّ مالٍ بِيعَ بمالٍ آخَرَ، سواء كان من جِنْسِه أوْ لَا؛ لِما رَوَى سَمُرَةُ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن بَيْعِ الحَيَوانِ بالحَيَوانِ نَسِيئَةً.
قال التِّرْمِذِيُّ 2: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
ولم يُفرِّقْ بينَ الجِنْسِ والجِنْسَينِ، ولأنَّه بَيعُ عَرْضٍ بعَرْضٍ، فحَرُمَ النَّسَاءُ بَينَهُما، كالجِنْسَينِ من أَموالِ الرِّبَا، فيكونُ عِلَّةُ النَّسَاءِ بينهما المالِيَّةَ، على هذه الرِّوَايَةِ.
قال القاضِي: فعلى هذا، لو باعَ عَرْضًا بعَرْضٍ ومع أحَدِهما دراهِمُ العُرُوضِ نَقْدًا، والدَّرَاهِمُ نَسِيئَةٌ، جازَ، وإنْ كان بالعَكْسِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى النَّسِيئَةِ في العُرُوضِ.
قال
..................................
شَيخُنا 1: وهذه الرِّوَايَةُ ضَعِيفَةٌ جدًّا؛ لأنَّه إثْباتُ حُكْمٍ يُخالِفُ الأصْلَ بغيرِ نَصٍّ ولا إجْماعٍ ولا قِياسٍ صَحِيحٍ، فإنَّ [في المَحلِّ] 2 المُجْمَعِ عليه، أو المَنْصُوصِ عليه، أوصافًا لها أَثَرٌ في تَحْرِيمِ الفَضْلِ، فلا يَجُوزُ حَذْفُها عن دَرَجَةِ الاعْتِبارِ، وما هذا سَبِيلُه لا يَجُوزُ إثبات الحُكْمِ فيه، وإنْ لم يُخالِفْ أَصْلًا، فكيفَ يَثْبُتُ 3 مع مُخَالفَةِ الأصْلِ في حِلِّ البَيعِ.
فأمّا حَدِيثُ سَمُرَةَ فهو من رِوَايَةِ الحَسَنِ عن سَمُرَة، وأبو عبدِ اللهِ لا يُصَحِّحُ سماعَ الحَسَنِ من سَمُرَةَ.
قاله الأثْرَمُ.
والرِّوايَةُ الثالِثَةُ، يَحْرُمُ النَّساءُ في كُلِّ ما بِيعَ بجِنْسِه، كالحَيَوانِ بالحَيَوانِ، والثِّيَابِ بالثِّيَابِ، ولا يَحْرُمُ في غيرِ ذلك.
وهذا مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ.
ويُرْوَى كراهَةُ بَيعِ الحَيَوانِ بالحَيَوانِ نَساءً، عن ابنِ الحَنَفِيَّةِ 4، وعبدِ اللهِ بنِ عُبَيدِ بنِ عُمَيرِ، وعِكْرِمَةِ بنِ خالِدٍ 5، وابنِ سِيرِينَ، والثَّوْريِّ،
..................................
والحَسَنِ.
ورُوِيَ ذلك عن عَمّارٍ، وابنِ عمرَ؛ لحَدِيثِ سَمُرَةَ، ولأَنَّ الجِنْسَ أحَدُ وَصْفَيْ عِلَّةِ رِبَا الفَضْلِ، فحَرُم النَّساءُ؛ كالكَيلِ والوَزْنِ.
والرِّوَايَةُ الرّابِعَةُ، لا يَحْرُمُ النَّسَاءُ إلَّا فيما بِيعَ بجِنْسِه مُتَفَاضِلًا؛ لِما رَوَى جابِرٌ، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الحَيَوانُ اثْنَان 1 بواحِدٍ لا يَصْلُحُ نَساءً، ولا بَأْسَ به يَدًا بِيَدٍ».
قال التِّرْمِذِيُّ 2: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
ورَوَى الإمامُ أحمدُ 3 بإسْنَادِه عن ابنِ عمرَ، أنَّ رَجُلًا قال: يا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيتَ الرَّجُلَ يَبِيعُ الفَرَسَ بالأفْرإسِ، والنَّجِيبَةَ بالإِبِلِ؟ فقال: «لا بَأْسَ إذا كان يَدًا بِيَدٍ».
وهذا يَدُلّ بمَفْهُومِه على إِباحَةِ النَّساءِ مع التَّمَاثُلِ.
والرِّوَايَةُ الأولَى أَصَحُّ؛ لمُوافَقَتِها الأَصْلَ.
والأحَادِيثُ المُخالِفَةُ لها، قد قال أحمدُ: ليس فيها حَدِيثٌ يُعْتَمَدُ عليه، ويُعْجِبُنِي أنْ يَتَوَقَّاه.
وذُكِرَ له حَدِيث ابنِ عَبّاسٍ وابنِ عمرَ في هذا، فقال: هما مُرْسَلَانِ.
وحَدِيثُ سَمُرَةَ
وَلَا يَجُوزُ بَيعُ الكَالِئِ بِالْكَالِئِ، وَهُوَ بَيعُ الدَّينِ بِالدَّينِ.
قد أجَبْنَا عنه، وحَدِيثُ جابِرِ، قال أبو عبدِ اللهِ: هذا حَجَّاجٌ زادَ فيه: «نَساءً»، ولَيثُ بنُ سَعْدٍ (1) [سَمِعَه مِن أبي الزُّبَيرِ، لا يَذْكُرُ فيه: «نَسَاءً»، وحجَّاجٌ هذا هو حجَّاجُ بنُ أرْطَاةَ] (2). قال يَعْقُوبُ بنُ شَيبَةَ: هو واهِي الحَدِيثِ، وهو صَدُوقٌ.
وإنْ كان أحَدُ المَبِيعَين مِمّا لا رِبًا فيه، والآخَرُ فيه رِبًا؛ كالمَكِيلِ بالمَعْدُودِ، ففي تَحْرِيمِ النَّساءِ فيهما رِوَايَتانِ.
1697 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيعُ الكالِئِ بالكالِئِ؛ وهو بَيعُ الدَّين بالدَّينِ)
لأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعِ الكالِئِ بالكالِئِ.
روَاهُ أبو عُبَيدٍ12
فَصْلٌ: وَمَتَى افْتَرَقَ الْمُتَصَارِفَانِ قَبْلَ التَّقَابُضِ، أَو افْتَرَقَا عَنْ مَجْلِسِ السَّلَمِ قَبْلَ قَبْضِ رَأْس مَالِهِ، بَطَلَ الْعَقْدُ.
في الغَرِيبِ 1.
فصل: قال، رَحِمَهُ الله تَعالى: (ومَتَى افْتَرقَ المُتَصارِفَانِ قبلَ التَّقَابُضِ، أو افْتَرَقَا عن مَجْلِسِ السَّلَمِ قبلَ قَبْضِ رَأْسِ مالِه، بَطَلَ العَقْدُ) أمّا إذا افْتَرَقَا عن مَجْلِسِ السَّلَمِ قَبْلَ قَبْضِ رَأْسِ المالِ، فَسَيُذْكَرُ في بابِهِ، إنْ شاءَ الله تَعالى.
وأمّا الصَّرْفُ؛ فهو بَيعُ الأثْمانِ بَعضِها بِبَعْضٍ، والقَبْضُ في المَجْلِسِ شَرْط لصِحَّتِه بغَيرِ خِلافٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ على أنَّ المُتَصَارِفَينِ
..................................
إذا افْتَرَقَا قبلَ أن يَتَقَابَضَا، أنَّ الصَّرْفَ فاسِدٌ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الذَّهَبُ بالوَرِقِ رِبًا إلَّا هاءَ وهاءَ 1» 2. وقَوْلِه عليه السَّلامُ: «بِيعُوا الذَّهَبَ بالفِضَّةِ كيفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ» 3. ونَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن بَيعِ الذَّهَبِ بالوَرِقِ دَينًا 4. ونَهَى أنْ يُباعَ غائِبٌ منها بنَاجِزٍ 5. وكُلُّها أحادِيثُ صِحاحٌ.
ويُجْزِيء القَبْضُ في المَجْلِسِ، وإنْ طال، ولو تَمَاشَيَا مُصْطَحِبَينِ إلى مَنْزِلِ أحَدِهما، أو إلى الصَّرَّافِ، فَتَقَابَضَا عندَه، جازَ.
وبه قال [الشَّافِعيُّ و] 6 أبو حَنِيفَةَ وأصْحابُه.
وقال مالِكٌ: لا خيرَ في ذلك؛ لأنَّهُما فارَقَا مَجْلِسَهُما.
ولَنا، أنَّهما لم يَفْتَرِقَا قبلَ التَّقابُضِ، فأشْبَهَ ما لو كانَا في سفِينَةٍ تَسِيرُ بهما، أو رَاكِبَينِ على دابَّةٍ واحِدَةٍ تَمْشِي بهما.
وقد دَلَّ على ذلك حَدِيثُ أبي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ في قولِه
وَإنْ قَبَضَ الْبَعْضَ، ثُمَّ افْتَرَقَا، بَطَل فِي الْجَمِيعِ، فِي أحدِ الْوَجْهَينِ.
وفِي الآخرِ، يَبْطُلُ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ.
للَّذَينِ مَشَيَا إليه من جانِبِ العَسْكَرِ: وما أراكُما افْتَرَقْتُما (1). وإن تَفَرَّقَا قبلَ التَّقَابُضِ بَطَلَ العَقْدُ؛ لفَواتِ شَرْطِه.
1698 -
مسألة: (وإنْ قَبَضَ البَعْضَ، ثمّ افْتَرَقَا، بَطَلَ في الجَمِيعِ، في أحَدِ الوَجْهَينِ. وفي الآخَرِ، يَبْطُلُ فيما لم يَقْبِضْ)
بناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
ولو وَكَّلَ أحَدُهما وَكِيلا في القَبْضِ، فقَبَضَ الوَكِيلُ قبلَ تَفَرُّقِهما، جازَ، وقامَ قَبْضُ وَكِملِه مَقامَ، سَواءٌ فارَقَ الوَكِيلُ المَجْلِسَ قبلَ القَبْضِ، أو لم يُفارِقْه.
وإنِ افْتَرَقا قبلَ قَبْضِ الوَكِيلِ، بَطَلَ؛ لأنَّ القَبْضَ في المَجْلِس شَرْطٌ، وقد فاتَ.
وإنْ تَخايَرا قَبلَ القَبْضِ في المَجْلِسِ، لم يَبْطُلِ العَقْدُ بذلك؛ لأنَّهُما لم يَفْتَرِقَا قبلَ القَبْضِ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَبْطُلَ، إذا قُلْنَا بلُزُومِ العَقْدِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ؛ لأنَّ العَقْدَ لم يَبْقَ فيه خِيارٌ قبلَ القَبْضِ، أشْبَهَ ما لو افْتَرَقَا.
والصحِيحُ الأوَّلُ، فإنَّ الشَّرْطَ التَّقَابُضُ في المَجْلِسِ، وقد وُجِدَ، واشْتِراطُ التَّقَابُضِ قبلَ اللُّزُومِ تحَكُّمٌ بغيرِ دَلِيلٍ.
ثم يَبْطُلُ بما إذا تخايَرَا قبلَ الصَّرْفِ ثم اصْطرَفا، فإنّ الصَّرْف يَقَعُ لازِمًا صَحِيحًا قبلَ القبْضِ، ثم يُشْتَرَطُ القَبْضُ في المَجْلِسَ.1
..................................
فصل: ولو صارَفَ رَجُلًا دينارًا بعَشَرَةِ دَراهِمَ، وَليس معه إلَّا خَمْسَة، لم يَجُزْ أنْ يَتَفَرَّقَا قبلَ قَبْضِ العَشَرَةِ، فإنْ قَبَضَ الخَمْسَةَ وافْتَرَقَا، فهل يَبْطُلُ في الجَمِيعِ، أو في نِصْفِ الدِّينارِ؟ يَنْبَنِي على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
فإنْ أرادَا صِحَّةَ العَقْدِ، فَسَخَا الصَّرْفَ في النِّصْفِ الذي ليس معه عِوَضُه، أو يَفْسَخَانِ العَقْدَ كُلَّه، ثم يَشْتَرِى منه نِصْفَ الدِّينارِ بخَمْسَةٍ ويَدْفَعُها إليه، ثم يَأْخُذُ الدِّينارَ كُلَّه، فيَكُونُ نِصْفُه له، والباقِي أمانَةً في يَدِه، ويَتَفَرَّقَانِ، ثمّ إذا صارَفَه بعد ذلك بالباقِي له من الدِّينارِ، أو اشْتَرَى به منه شَيئًا، أو جَعَلَه سَلَمًا في شيءٍ، أو وَهَبَه إيّاهُ، جازَ.
ولو اشْتَرَى فِضَّةً بدِينارٍ ونِصْفٍ، ودَفَع إلى البائِعِ دِينارَينِ، وقال: أنت وَكِيلِي في نِصْفِ الدّينارِ الزّائِدِ.
صَحَّ.
ولو صارَفَه عَشَرَةَ دَراهِمَ بدينارٍ، فأَعْطَاهُ أكثرَ من دِينارٍ ليَزِنَ له حَقَّهُ في وَقْتٍ آخرَ، جازَ وإنْ طال، ويكونُ الزَّائِدُ أمانَةً في يَدِه، لا شيءَ عليه في تَلَفِه.
نَصَّ أحمدُ على أكْثَرِ هذه المَسَائِلِ.
فإنْ لم يكُنْ مع أحَدِهما إلَّا خَمْسَةُ دَراهِمَ، فاشْتَرَى بها نِصْفَ دِينارٍ، وقَبَضَ دِينارًا كامِلًا، ودَفَع إليه الدَّرَاهِمَ، ثم اقْتَرَضَها منه، واشْتَرَى بها النِّصْفَ الباقِيَ، أو اشْتَرَى الدِّينَارَ منه بعَشَرَةٍ ابْتِداءً، ودَفَعَ إليه الخَمْسَةَ، ثم اقْتَرَضَها منه، ودَفَعَها 1 إليه عِوَضًا عن النِّصْفِ الآخرِ على غيرِ وَجْهِ الحِيلَةِ، فلا بَأْسَ.
وَإنْ تَقَابَضَا، ثُمَّ افْتَرَقَا، فَوَجَدَ أحَدُهُمَا مَا قَبَضَهُ رَدِيئًا، فَرَدَّهُ، بَطَلَ الْعَقْدُ، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
وَالأخْرَى، إِنْ قَبَضَ عِوَضَهُ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ، لَمْ يَبْطُل، وَإنْ رَدَّ بَعْضَهُ، وَقُلْنَا: يَبْطُلُ فِي الْمَرْدُودِ.
فَهَلْ يَبْطُلُ فِي غيرِه؟ عَلَى وَجهَينِ.
1699 - مسألة: (وإنْ تَقَابَضَا، ثم افْتَرَقَا، فوَجَدَ أحَدُهما ما قَبَضَه رَدِيئًا، فرَدَّهُ، بَطَلَ العَقْدُ، في إحْدَى الرِّوَايَتَينِ)
هذا إنْ كان فيه عَيبٌ مِن غيرِ جِنْسِه؛ لأنَّهُما تَفَرَّقا قَبْلَ قَبْضِ المَعْقُودِ عليه فيما يُشْتَرَطُ قَبْضُه.
اخْتَارَه الخِرَقِيُّ 1. والأخْرَى، لا يَبْطُلُ؛ لأَنَّ (قَبْضَ عِوَضِه في مَجْلِسِ الرَّدِّ) يقومُ مَقامَ قَبْضِه في المجلِسِ (وإنْ رَدّ بَعْضَه، وقُلْنا: يَبْطُلُ في المَرْدُودِ.
فهل يَبْطُلُ في الباقِي؟ على رِوَايَتَينِ) بناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وإنْ كان العَيبُ من جِنْسِه، فسَنَذْكُرُه إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
..................................
فصل: وإذا باعَ مُدَّى تَمْرٍ رَدِئٍ بدِرْهَم، ثم اشْتَرَى بالدِّرْهَمِ تَمْرًا جَيِّدًا، أو اشْتَرَى من رَجُلٍ دينارًا صَحِيحًا بدَراهِمَ، وتَقَابَضَا، ثمّ اشْتَرَى منه بالدّرَاهِمِ قُراضَةً عن غيرِ مُواطَأةٍ ولا حِيلَةٍ، فلا بأْسَ به.
وقال ابنُ أبي مُوسَى: لا يَجُوزُ، إلَّا أنْ يَمْضِيَ إلى غَيرِه لِيَبْتَاعَ منه، فلا يَسْتَقِيمُ له، فيَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى البائِعِ فيَبْتَاعَ منه.
وقال أحمدُ في رِوَايَةِ الأثْرَم: يَبِيعُها من غَيرِه أحَبُّ إلَيَّ.
قلتُ له: فإنْ لم يُعْلِمْه أنّه يُرِيدُ أنْ يَبِيعَها منهَ؟ فقال: يَبيعُها من غَيرِه، فهو أطْيَبُ لنَفْسِه، وأَحْرَى أنْ يَسْتَوْفِيَ الذَّهَبَ منه، فإنَّه إذا رَدَّها إليه لَعَلَّه أنْ لا يُوَفِّيَهُ الذَّهَبَ ولا يُحْكِمَ الوَزْنَ ولا يَسْتَقْصِيَ.
يقولُ: هي تَرْجِعُ إليه.
قيل لأبِي عبدِ اللهِ: فذَهَبَ ليَشْتَرِيَ الدّراهِمَ بالذَّهَبِ الذي أخَذَها منه من غيرِه فلم يَجِدْها، فرَجَعَ إليه؟ فقال: إذا كان لا يُبَالِي اشْتَرَى منه أو من غيرِه، فَنَعَم.
فظاهِرُ هذا أنَّه على وَجْهِ الاستِحْبَابِ، لا الإِيجابِ.
ولَعَلَّ أحمدَ إنّما أرادَ اجْتِنابَ المُواطَأَةِ على هذا، ولهذا قال: إذا كالت لا يُبَالِي اشتَرَى منه أو من غيرِه، فنَعَمْ.
وقال مالِكٌ: إنْ فَعَلَ ذلك مَرَّةً، جازَ، وإنْ فَعَلَه أكثرَ من مَرَّةٍ، لم يَجُزْ؛
..................................
لأنَّه يُضَارِعُ الرِّبَا.
ولَنا، ما رَوَى أبو سَعِيدٍ، قال: جاءَ بِلالٌ إلى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «من أينَ هذا؟» قال بلالٌ: كان عِنْدَنا تمْرٌ رَدِئٌ، فبِعْتُ صاعَينِ بصَاعٍ، ليَطعَمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - «أوَّهْ، عَينُ الرِّبا، عَينُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ، ولَكِنْ إذا أرَدْتَ أنْ تَشتَرِيَ فَبعِ التَّمْرَ بِبَيعٍ آخرَ ثم اشْتَرِ به».
ورَوَى أبو سَعِيدٍ، أنّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَعْمَلَ رَجُلًا على خَيبرَ فجاءَه بتَمْر جَنِيبٍ 1، فقال: «أَكُلُّ تَمْرٍ خَيبَرَ هكذا؟» فقال: لَا واللهِ، إنّا لنَأْخُذُ الصّاعَ من هذا بالصَّاعَين، والصَّاعَينِ بالثَّلَاثَةِ.
فقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَفْعَلْ، بعِ التَّمْرَ بالدَّرَاهمِ، ثم اشْتَرِ بالدَّراهمِ جَنِيبًا».
مُتَّفَقٌ عليهما 2. ولم يَأْمُرْه أنْ يَبِيعَهُ مِنْ غيرِ مَنْ يَشْتَرِي منه، ولو كان ذلك مُحَرَّمًا لبَيَّنَهُ له وعَرَّفَه إيّاهُ، ولأنَّه باعَ الجِنْسَ بغَيرِه مِنْ غيرِ شَرْطٍ ولا مُوَاطأَةٍ، فجازَ، كما لو باعَهُ
..................................
من غَيرِه.
ولأنَّ ما جازَ من التَّبايُعاتِ مَرَّةً، جازَ على الإِطْلَاقِ، كسائِرِ البِياعَاتِ، فإنْ تَواطَآ على ذلك، لم يَجُزْ، وكان حِيلَةً مُحَرَّمَةً.
وبه قال مالِكٌ.
وقال أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ: يَجُوزُ، ما لم يكُنْ مَشْرُوطًا في العَقْدِ.
ولَنا، أنَّه إذا كان عن مُوَاطَأَةٍ كان حِيلَةً، والحِيَلُ مُحَرَّمَة، على ما سَنَذْكُرُه.
فصل: والصَّرْفُ يَنْقَسِمُ إلى قِسْمَينِ؛ أحدُهما، أنْ يَبِيعَ عَينًا بعَينٍ، وهو أنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ هذا الدِّينارَ بهذه الدَّراهِمِ.
والثّانِي، أنْ يَقَعَ العَقْدُ على مَوْصُوفٍ، نحوَ أنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ ديتارًا مِصْرِيًّا بعَشَرَةِ دَراهِمَ ناصِرِيَّةٍ.
وقد يكونُ أحَدُ العِوَضَينِ مُعَيَّنًا دونَ الآخرِ، وكلُّ ذلك جائِزٌ.
وظاهِرُ المَذْهَبِ، أنَّ النُّقُودَ تَتَعَيَّنُ بالتَّعْيِينِ في العُقودِ، فيَثْبُتُ المِلْكُ في أعْيانِها.
فإنْ تَبَايَعَا عَينًا بعَينٍ، ثم تَقَابَضَا، فوَجَدَ أحَدُهما عَيبًا فيما قَبَضه، فذلك قسْمانِ؛ أحَدُهما، أنْ يكُونَ العَيبُ غِشًّا من غيرِ جِنْسِ المَبِيعِ، كالنُّحاسِ في الدَّرَاهِمِ، والمِسِّ 1 في الذَّهَبِ، فالصَّرْفُ باطِل.
وهو قَوْلُ = في: باب ما يكره من بيع التمر، من كتاب البيوع.
الموطأ 2/ 623.
..................................
الشّافِعِيِّ.
وذَكَرَ أبو بكْرٍ فيها ثلاثَ رِواياتٍ؛ إحداهُنَّ، البَيعُ باطِلٌ.
والثانِيَةُ، صَحِيحٌ، وللمُشْتَرِي الخِيارُ، والرَّدُّ 1 وأخْذُ البَدَلِ.
والثالِثَةُ، يَلْزَمُه العَقْدُ، وليس له رَدٌّ ولا بَدَلٌ.
ولَنا، أنَّه باعَهُ غيرَ ما سَمَّى له، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: بِعْتُكَ هذه البَغْلَةَ.
فإذا هو حِمارٌ.
أو: هذا الثَّوْبَ القَزَّ.
وإذا هو كَتَّانٌ.
وأمّا القَوْلُ بأَنَّه يَلْزَمُه البَيعُ، فلا يَصِحُّ؛ لأنَّه اشْتَرَى مَعِيبًا لم يَعْلَمْ عَيبَه، فلم يَلْزَمْه ذلك بغيرِ أرْشٍ، كسائِرِ البِيَاعَاتِ.
القِسْمُ الثانِي، أنْ يكونَ العَيبُ من جِنْسِه، كالسَّوَادِ في الفِضَّةِ، والخُشُونَةِ، و (5) كَوْنِها تَتَفَطَّرُ عند الضربِ، أو أنَّ سَكَّتَهَا مُخالِفَةٌ لسَكَّةِ السُّلْطانِ، فيَصِحُّ العَقْدُ، ويُخَيَّر المُشْتَرِي بينَ الإِمْسَاكِ والرَّدِّ 2، ولا بَدَلَ له؛ لأنَّ العَقْدَ وَقَعَ على مُعَيَّنٍ، فإذا أخَذَ غَيره، أخَذَ ما لم يَشْتَرِه.
وإنْ قُلْنا: إنَّ النَّقْدَ لا يَتَعَيَّنُ بالتَّعْيِينِ في العَقْدِ.
فله أخْذُ البَدَلِ، ولا يَبْطُل العَقْدُ؛ لأنَّ الذي قَبَضَه ليس هو المَعْقُودَ عليه، فأشْبَهَ المُسْلَمَ إذا قَبَضَه فوَجَدَ به عَيبًا.
ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ في هذا الفَصْلِ على ما ذَكَرْنَا.
..................................
فصل: ولو أرادَ 1 أخْذَ أرْشِ العَيبِ، والعِوَضَانِ في الصَّرْفِ من جِنْسٍ واحِدٍ، لم يَجُزْ؛ لحُصُولِ الزِّيَادَةِ في أحَدِ العِوَضَينِ، وفَواتِ المُماثَلَةِ المُشْتَرَطَةِ في المَجْلِسِ 2 الواحِدِ.
وخَرَّجَ القاضِي وَجْهًا لجَوازِ أخْذِ الأرْشِ في المَجْلِسِ؛ لأنَّ الزِّيَادَةَ طَرَأتْ بعدَ العَقْدِ.
وليس لذلك وَجْهٌ، فإنَّ أرْشَ العَيبِ من العِوَضِ يُجْبَرُ به في المُرَابَحَةِ، ويُرَدُّ به 3 إذا رَدَّ المَبِيعَ بفَسْخٍ أو إقالةٍ، ولو لم يكُنْ من العِوَضِ، فَبِأيِّ شيءٍ اسْتَحَقَّهُ المُشْتَرِي؟ فإنَّه ليس بهِبَةٍ، على أنَّ الزِّيادَةَ في المجْلِسِ من العِوَضِ، وإنْ لم يكُنْ أرْشًا، فالأرْشُ أوْلَى.
وإنْ كان الصرفُ بغَيرِ جِنْسِه، فله أخْذُ الأرْشِ في المَجْلِسِ؛ لأنَّ المُماثَلَةَ غيرُ مُعْتَبَرَةٍ، وتَخَلُّفُ قَبْضِ بَعْضِ العِوَضِ عن بَعْضٍ لا يَضُرُّ ما دَامَا في المَجْلِسِ، فجازَ كما في سائِرِ المَبِيع، وإنْ كان بعدَ الِتَّفَرُّقِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى حُصولِ التَّفَرُّقِ قبلَ قبضِ أحَدِ العِوَضَينِ، إلَّا أنْ يَجْعَلَا الأرْشَ من غيرِ جِنْسِ
..................................
الثَّمَنِ، كأنَّه أخَذَ أرْشَ عيبِ الفِضَّةِ حِنْطَةً، فيَجُوزُ.
وكذلك الحُكْمُ في سائِرِ أمْوالِ الرِّبَا، فيما بِيعَ بجِنْسِه أو بغيرِ جِنْسِه، مما يُشْتَرَطُ فيه القَبْضُ، فإذا كان ممّا لا يُشْتَرَطُ قَبْضُه.
كمن باعَ قَفِيزَ حِنْطَةٍ بقَفِيزَيْ شَعِيرٍ، فوَجَدَ أحَدُهُما عَيبًا، فأخَذَ أرْشَه دِرْهَمًا، جازَ وإنْ كان بعدَ التَّفَرُّقِ؛ لأَنه لم يَحْصُلِ التَّفَرُّقُ قبلَ قبْضِ ما يُشْتَرَطُ فيه القَبْضُ.
فصل: وإنْ تَلِفَ العِوَضُ في الصَّرْفِ بعد القَبْضِ، ثم عَلِمَ عَيبَه، فَسَخَ العَقْدَ، ويَرُدُّ المَوْجُودَ، وتَبْقَى قِيمَةُ العَيبِ 1 في ذِمَّةِ من تَلِفَ في يَدِه، فيَرُدُّ مثْلَها، أو عِوَضَها إنِ اتَّفَقَا عليه، سواءٌ كان الصَّرْفُ بجِنْسِه أو بغيرِ جِنْسِه.
ذكَره ابنُ عَقِيلٍ.
وهو قولُ الشّافِعِي.
قال ابنُ عقيلٍ: وقد رُوِيَ عن أحمدَ جَوازُ أخْذِ الأرْشِ.
والأوَّلُ أوْلَى، إلَّا أنْ يكُونَا في المَجْلِسِ والعِوَضانِ من جِنْسَين.
القسمُ الثانِي، أنْ يَصْطرَفا في الذِّمَّةِ، فيَصِحُّ، سواء كانتِ الدَّرَاهِمُ والدَّنانِيرُ عندهما أوْ لَا، إذا تَقَابَضَا قبلَ الافْتِراقِ.
..................................
وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ.
وحُكِيَ عن مالِكٍ: لا يَجُوزُ الصَّرْفُ، إلَّا أنْ تَكُونَ العَينانِ حاضِرَتَينِ.
وعنه، لا يَجُوزُ حتى تَظْهَرَ إحْدَى العَينَينِ وتُعَيَّنَ.
وعن زُفَرَ مثْلُه؛ لأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تَبِيعُوا غَائِبًا مِنْهَا بنَاجِزٍ» 1. ولأَنه إذا لم يُعَيَّنْ أحَدُ العِوَضَينِ، كانَ بَيعَ دَينٍ بدَينٍ.
ولَنا، أنَّهما تَقَابَضَا في المَجْلِسِ، فصَحَّ، كما لو كانَا حاضِرَينِ.
والحَدِيثُ يرادُ به أنْ لا يباعَ عاجِلٌ بآجِلٍ، أو مَقْبُوضٌ بغيرِ مَقْبُوضٍ؛ بدَلِيلِ ما لو عَيَّنَ 2 أحَدَهما، فإَّنه يَصِحُّ وإنْ كان الآخَرُ غائِبًا، ولأنَّ القَبْضَ في المَجْلِسِ جَرَى مَجْرَى القَبْضِ حالةَ العَقْدِ، ألَا تَرَى إلى قَوْلِه: «عَينًا بعَين، يدًا بِيَدٍ»؟ والقَبْضُ يَجْرِي في المَجْلِسِ.، كذا التَّعْيِينُ.
إذا ثَبَتَ هذا، فلا بُدَّ من تعْيِينهما 3 بالتَّقَابُضِ في المَجْلِسِ.
ومتى تَقَابَضَا فوَجَدَ أحَدُهما بما قَبَضَه عَيبًا قبلَ التَّفَرُّقِ، فله المُطَالبَةُ بالبَدَلِ، سواء كان العَيبُ من جِنْسِه، أو من غيرِ جِنْسِه؛ لأَنَّ العَقْدَ وقَعَ على مُطْلَقٍ لا عَيبَ فيه، فكان
..................................
له المُطَالبَةُ بما وَقَعَ عليه العَقْدُ، كالمُسْلَمِ فيه.
وإنْ رَضِيَهُ بعَيبه، والعَيبُ من جِنْسِه، جازَ، كما لو رَضِيَ بالمُسْلَمِ فيه مَعِيبًا، وإنِ اخْتَارَ أَخْذَ أَرْشِه، وكان العِوَضانِ من جِنْسَينِ، جازَ، وإن كانا من جِنْسٍ لم يَجُزْ، وقد ذَكَرْنَاهُ.
وإنْ تَقَابَضَا ثم افْتَرَقَا، ثم وَجَدَ العَيبَ من جِنْسِه، فله إبْدَالُه، في إحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
اخْتارَها الخَلّالُ، والخِرَقِيُّ.
ورُوِيَ ذلك عن الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
وبه قال أبو يُوسُفَ ومحمدٌ.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشّافِعِيِّ؛ لأنَّ ما جازَ إبْدَالُه قبلَ التَّفَرُّقِ، جازَ بعد التَّفَرُّقِ، كالمُسْلَمِ فيه.
والثانِيَةُ، ليس له ذلك.
اخْتَارَهَا أبو بكْرٍ.
وهو مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ، والقَوْلُ الثانِي للشَّافِعِيِّ؛ لأَنَّه يَقْبِضُه بعدَ التَّفَرُّقِ، ولا يَجُوزُ ذلك في الصَّرْفِ ومَنْ نصرَ الرِّوَايَةَ الأولَى قال: قَبْضُ الأوَّلِ صَحَّ به العَقْدُ، وقَبْضُ الثاني بَدَلٌ عن الأوَّلِ.
ويُشْتَرَطُ أن يَأْخُذَ البَدَلَ في مَجْلِسِ الرَّدِّ، فإن لم يَأْخُذْه فيه، بَطَل العَقْدُ.
وإنْ وَجَدَ البَعْضَ رَدِيئًا، فرَدَّه، فعلى الرِّوَايَةِ الأولَى، له البَدَلُ، وعلى الثانِيَةِ، يَبْطُلُ في المَرْدُودِ.
وهل يَصِحُّ فيما لم يَرُدَّ؟ على وَجْهَينِ، بناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
ولا فَرْقَ بينَ
..................................
كَوْنِ المَبِيعِ من جِنْسٍ، أو من جِنْسَينِ.
وقال مالِكٌ: إنْ وَجَدَ دِرْهَمًا زَيفًا فَرَضِيَ به، جازَ، وإنْ رَدَّه، انْتقَضَ الصَّرْفُ في دينارٍ، وإن رَدَّ أحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا، انْتقَضَ في دِينارَينِ، وكُلَّما زادَ على دينارٍ، انْتَقَضَ الصَّرْفُ في دينارٍ آخَرَ.
ولَنا، أنَّ ما لا عَيبَ فيه لم يُرَدَّ، فلم يَنْتَقِضَ الصَّرْفُ فيما يُقابِلُه، كسائِرِ العِوَضِ.
وإنِ اخْتارَ واجِدُ العَيبِ الفَسْخَ، فعلى قَوْلِنا: له البَدَلُ.
ليس له الفَسْخُ إذا [أبْدَلَ له] 1؛ لأنَّه يُمْكِنُه أخْذُ حَقِّهِ غيرَ مَعِيبٍ.
وعلى الرِّوَايَةِ الأخْرَى، له الفَسْخُ أو الإِمْساكُ في الجَمِيعِ، لأنَّه تَعَذَّرَ عليه الوُصُولُ إلى ما عَقَدَ عليه مع إبْقاءِ العَقْدِ.
وإنِ اخْتَارَ أخْذَ أرْشِ العَيبِ بعد التَّفَرُّقِ، لم يَكُنْ له ذلك؛ لأنَّه عِوَضٌ يَقْبِضُه بعدَ التَّفَرُّقِ عن الصَّرْفِ، ويَجوزُ على الرِّوَايَةِ الأخْرَى.
فصل: ومِنْ شَرْطِ المُصَارَفَةِ في الذِّمَّةِ أنْ يكونَ العِوَضَانِ مَعْلُومَينِ، إمّا بصِفَةٍ يَتَمَيَّزانِ بها، أو يكونَ للبَلَدِ نَقْدٌ مَعْلُومٌ أو غالِبٌ، فيَنْصَرِف الإِطْلَاقُ إليه.
ولو قال: بِعْتُكَ دِينارًا مِصْرِيًّا لا بعِشْرِين دِرْهمًا من نَقْدِ عَشَرَةٍ بدِينارٍ.
لم يَصِحَّ، إلَّا أنْ لا يَكُونَ في البَلَدِ نَقْدُ عَشَرَةٍ بدِينَارٍ، إلَّا نَوْعٌ واحِدٌ، فتَنْصَرِفُ الصِّفَةُ إليه، وكذلك الحُكْمُ في البَيعِ.
..................................
فصل: وإذا كان لرَجُلٍ في ذِمَّةِ رَجُلٍ ذَهَبٌ، وللآخَرِ عليه دَراهِمُ، فاصْطرفَا بما في ذِمَمِهما، لم يَصِحَّ.
وبهذا قال اللَّيثُ، والشّافِعِيُّ.
وحكى ابنُ عبدِ البَرِّ 1 عن مالِكٍ، وأبي حَنِيفَةَ جَوازَهُ؛ لأنَّ الذمَّةَ الحاضِرَةَ كالعَينِ الحاضِرَةِ، ولذلك جازَ أنْ يَشْتَرِيَ الدَّراهِمَ بدِينارٍ مِن غيرِ تَعْيِينٍ.
ولَنا، أنَّه بَيعُ دَينٍ بدَينٍ، وقد قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ بَيعَ الدَّينِ بالدَّينِ لا يَجُوزُ.
قال أحمدُ: إنَّما هو إجْماع.
وقد رَوَى أبو عُبَيدٍ في الغَرِيبِ 2، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيع الكالِئِ بالكالِئِ.
وفَسَّرَه [بِبَيع الدَّينِ] 3 بالدَّينِ.
إلَّا أنَّ الأثْرَمَ رَوَى أنَّ أحمدَ سُئِلَ: أيَصِحُّ هذا الحَدِيثُ؟ قال: لا.
فأمّا الصَّرْفُ فإنَّما صَحَّ بغَيرِ تَعْيِينٍ، بشَرْطِ أنْ يَتَقَابَضَا في المَجْلِسِ، فجَرَى القَبْضُ والتَّعْيِينُ في المَجْلِسِ مَجْرَى وجُودِه حالةَ العَقْدِ.
ولو كان لرَجُلٍ على رَجُلٍ دَنانِيرُ، فقَضاهُ دَراهِمَ شيئًا بعدَ شَيءٍ، فإنْ كان يُعْطِيهِ كُلَّ دِرْهَم بحِسابِه من
..................................
الدِّينارِ 1 صَحَّ.
نَصَّ عليه.
وإنْ لم يَفْعَلْ ذلك، ثم تَحاسَبَا بعدُ، فَصارَفَه بها وَقْتَ المُحاسَبَةِ، لم يَجُزْ.
نصَّ عليه أيضًا؛ لأنَّ الدّنانِيرَ دَينٌ، والدّراهِمَ قد صارَتْ دَينًا، فيَصِيرُ بَيعَ دَينٍ بدَينٍ.
وإن قَبَضَ أحَدُهما من الآخَرِ ما لَه عليه، ثم صارَفَه بعَين وذِمَّةٍ، صَحَّ.
وإذا أعْطَاهُ الدَّراهِمَ شيئًا بعدَ شيءٍ، ولم يُقْبِضْه 2 إيّاها وَقْتَ دَفْعِها إليه، ثم أحْضَرَها، وقَوَّمَاهَا، فإنَّه يَحْتَسِبُ بقِيمَتِها يومَ القَضاءِ، لا يَوْمَ دَفْعِها إليه؛ لأنَّها قبلَ ذلك لم تَصِرْ في مِلْكِه، إنَّما هي وَدِيعَةٌ في يَدِه.
فإنْ تَلِفَتْ أو نَقَصَتْ، فهي من ضَمَانِ مالِكِها، ويَحْتَمِلُ أنْ تكونَ من ضَمانِ القابِضِ إذا قَبَضَها بنيَّةِ الاسْتِيفاءِ؛ لأنَّها مَقْبُوضَةٌ على أنَّها عِوَضٌ ووَفاءٌ، والمَقْبُوضُ في عَقْدٍ فاسِدٍ كالمَقْبُوضِ في عَقْدٍ صَحِيحٍ، فيما يَرْجِعُ إلى الضَّمانِ وعَدَمِه.
ولو كان لرَجُلٍ عند صَيرَفِيٍّ دَنانِيرُ، فأَخَذَ منه دَراهِمَ أدْوارًا 3، لتَكُونَ هذه بهذه، لم يكُنْ كذلك، بل كُلُّ واحِدٍ منهما في ذِمَّةِ من قَبَّضَه، فإذا أرادَا التَّصَارُفَ أحْضَرا 4 أحَدَهما، واصْطرفَا بعَينٍ وذِمَّةٍ.