وَإِنْ شَرَطَهَا ثَيِّبًا كَافِرَةً، فَبَانَتْ بِكْرًا مُسْلِمَةً، فَلَا فَسْخَ لَهُ.
1591 - مسألة: (فإن شَرَطَهَا ثَيِّبًا كافرةً، فبانَتْ بِكْرًا مُسلِمَةً، فلا فَسْخَ له)
لأنَّه زادَه خَيْرًا، ولأنَّ 1 ذلك يَزِيدُ في الثَّمَنِ، فأشْبَهَ ما لو شَرَطَه غيرَ صانِعٍ، فبانَ صانِعًا.
وهذا قولُ الشّافِعِىِّ في البِكْرِ، واخْتِيارُ
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُ الْفَسْخَ لأَنَّ لَهُ فِيهِ قَصْدًا.
القاضِى، واسْتَبْعَدَ كَوْنَه يَقْصِدُ الثُّيوبَةَ؛ لعَجْزِه عن البِكْرِ (ويَحْتَمِلُ أنَّ له الفَسْخَ؛ لأَنَّ له فيه قَصْدًا) صَحِيحًا، وهو أنَّ طالِبَ الكافِرَةِ أكْثَرُ لصَلاحِيَتِها للمسلمين والكُفَّارِ، أو ليَسْتَرِيحَ مِن تَكْلِيفِها العِبادَاتِ، وقد يَشْتَرِطُ الثَّيِّبَ؛ لعَجْزِه عن البِكْرِ، أو ليَبيعَها لعاجِزٍ عن البِكْرِ.
فقد فاتَ قَصْدُه، وقد دَلَّ اشْتِراطُه على أنَّ له قَصْدًا صَحِيحًا.
فأمَّا إن شَرَطَ صِفَةً غيرَ مَقْصُودَةٍ، فبانَتْ بخِلافِها، مثلَ أن يَشْتَرِطَهِا سَبِطَةً 1، فبانَتْ جَعْدَةً، أو جاهِلَةً فبانَت عالِمَةً، فلا خِيارَ له؛ لأنَّه زادَه خَيْرًا.
فصل: فإن شَرَطِ الشَّاةَ لَبُونًا، صَحَّ.
وبه قال الشّافِعِىُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ في الضَّرْع، فلم يَجُزْ شَرْطُه.
ولَنا، أنّه أمْرٌ مَقْصُودٌ يَتَحَقَّقُ في 2 الحَيَوانِ، ويَأْخُذ قِسْطًا مِن الثَّمَنِ، فَصَحَّ اشْتِرَاطُه، كالصِّناعَةِ في الأمةِ، والهَمْلَجَةِ في الدّابَّةِ.
وإنَّما لم يَجُزْ
..................................
بَيْعُه مُفْردًا للجَهالَةِ، والجهالَةُ فيما كان تَبَعًا لا تَمْنَعُ الصِّحَّةَ، ولذلك 1 لو اشْتَرَاها بغيرِ شَرْطٍ صَحَّ بَيْعُه معها.
وكذلك يَصِحُّ بَيْعُ أساسَاتِ الحِيطانِ، والنَّوَى في التَّمْرِ، وإن لم يَجُزْ بَيْعُهما مُنْفَرِدَيْنِ.
فإن شَرَطَ أنَّها تَحْلِبُ [كُلَّ يومٍ] 2 قَدْرًا مَعْلُومًا، لم يَصِحِّ، لأنَّ اللَّبَنَ يَخْتَلِفُ، ولا يُمْكِنُ ضَبْطُه، فَتَعَذَّرَ الوفاءُ به.
وإن شَرَطَها غزِيرَةَ اللَّبَنِ، صَحَّ؛ لأنَّه يُمْكِنُ الوَفاءُ به.
وإن شَرَطَها حامِلًا، صَحَّ.
وقال القاضى: قِياسُ المَذْهَبِ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّ الحمْلَ لا حُكْمَ له.
ولهذا لا يَصِحُّ اللِّعانُ على الحَمْلِ، ويَحْتَمِلُ أنَّه رِيحٌ ولَنا، أنَّه صِفَةٌ مَقْصُودَةٌ يمكِنُ الوَفاءُ بها، فصَحَّ شَرْطُه، كالصِّناعَةِ، وكَوْنِها لَبُونًا.
وقولُه: إنَّ الحَمْلَ لا حُكْمَ له.
لا يَصِحُّ؛ فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قد حَكَمَ في الدِّيَةِ بأَرْبَعِين خَلِفَةً في بُطونِها أوْلَادُها 3. ومَنَعَ أخْذَ الحوامِلِ في الزَّكَاةِ 4. ومَنَعَ وَطْءَ الحَبَالَى
..................................
الْمَسْبِيَّاتِ 1. وأَرْخَصَ للحامِلِ في الفِطْرِ في رمضانَ إذا خافَتْ على وَلَدِها 2. ومَنَعَ مِن إِقامَةِ الحَدِّ عليها مِن أَجْلِ حَمْلِهَا 3. وظاهِرُ الحَدِيثِ المَرْوِىِّ في اللِّعانِ يَدُلُّ على أنَّه لاعَنَها حالَ حَمْلِها 4، فانْتَفَى عنه وَلَدُها.
فإن شَرَطَ أنَّها تَضَعُ الوَلَدَ في وَقْتٍ بعَيْنِه، لم يَصِحَّ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ الوفَاءُ به، وكذلك إن شَرَطَ أنَّها لا تَحْمِلُ؛ لذلك.
وقال مالِكٌ: لا يَصِحُّ في المُرْتَفِعاتِ، ويَصِحُّ في غَيْرِهِنَّ.
ولَنا، أنَّه باعَهَا بشَرْطِ البرَاءَةِ مِن الحَمْلِ، فلم يَصِح، كالمُرْتَفِعاتِ.
وإن شَرَطَها حائِلًا 5، فبانتْ حامِلًا، فإن كانت أَمَةً فهو عَيْبٌ يُثْبِتُ الخِيارَ، وإنْ كان في غيرها، فهو زِيادَةٌ لا يَسْتَحِقُّ به فَسْخًا.
ويَحْتَمِلُ أَنْ يَسْتَحِقَّ؛ لأنَّه قد يُرِيدُها لسَفرٍ، أو حَمْلِ شئٍ لا تَتَمَكنُ منه مع الحَمْلِ.
وإن شَرَطَ البَيْضَ في الدَّجَاجَةِ، فقيل: لا يَصِحُّ؛ لأَنَّه لا عَلَمَ عليه يُعْرَفُ به، ولم يَثْبُتْ له في الشَّرْعِ حُكْمٌ.
وقيل: يَصِحُّ؛ لأنَّه يُعْرَفُ بالعَادَةِ، فأَشْبَهَ اشْتِراطَ الشاةِ لَبُونًا.
وَإِنْ شَرَطَ الطَّائِرَ مُصَوِّتًا، أَوْ أَنَّهُ يَجِئُ مِنْ مَسَافَةٍ مَعْلُومَةٍ، صَحَّ.
وَقَالَ الْقَاضِى: لَا يَصِحُّ.
1592 - مسألة: (وَإِنْ شَرَطَ الطَّائِرَ مُصَوِّتًا، أَوْ أَنَّهُ يَجِئُ مِنْ مَسَافَةٍ مَعْلُومَةٍ، صَحَّ. وَقَالَ الْقَاضِى: لَا يَصِحُّ)
إذا شَرَطَ في الهَزَارِ والقُمْرِىِّ ونحوِهما أنَّه مُصَوِّتٌ، فقال بعضُ أصْحابِنا: لا يَصِحُّ.
وبه قال أبو حَنِيفَةَ؛ لأنَّ صِياحَ الطَّيْرِ يَجُوزُ أن يُوجَدَ وأن لا يُوجَدَ، ولأنَّه لا يُمْكِنُه إكْرَاهُه على التَّصْوِيتِ.
والأَوْلَى جَوازُه؛ لأنَّ فيه قَصْدًا صَحِيحًا، وهو
..................................
عادَةٌ له وخِلْقَةٌ فيه، فأَشْبَهَ الهَمْلَجَةَ في الدَّابَّةِ، والصَّيْدَ في الفَهْدِ.
وإنْ شَرَطَ في الحمامِ أنَّه يَجِئُ مِن مَسَافَةٍ مَعْلُومَةٍ، صَحَّ أيضًا.
اخْتَارَهُ أبو الخَطّابِ؛ لأنَّ هذه عادَةٌ مُسْتَمِرَّة، وفيها قَصْدٌ صحِيحٌ؛ لتَبْلِيغِ الأخْبَارِ، وحَمْلِ الكُتُبِ، فجَرَى مَجْرى الصَّيْدِ والهَمْلَجَةِ.
وقال القاضِى: لا
..................................
يَصِحُّ.
وهو قولُ أبى حَنِيفَةَ؛ لأنَّ فيه تَعْذِيبًا للحَيَوانِ، أَشْبَهَ ما لو شَرَطَ الكَبْشَ مُناطِحًا.
وإنْ شَرَطَ الغِناءَ في الجارِيَةِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الغِناءَ مَذْمُومٌ في الشَّرْعِ، فلم يَصِحَّ اشْتِراطُه، كالزِّنَى.
وإنْ شَرَطَ في الكَبْشِ النِّطَاحَ، أو في الدِّيكِ كونَه مُناقِرًا، لم تصِحَّ، لأنَّه مَنْهِىٌّ عنه في الشَّرْعِ، فجَرَى مَجْرَى الغِناءِ في الجارِيَةِ.
وإنْ شَرَطَ أنَّ الدِّيكَ يُوقِظُه للصَّلَاةِ، لم يَصِحَّ، لأَنَّه لا يُمْكِنُ الوَفاءُ به، وإنْ شَرَطَ أنَّه يَصِيحُ في أوقاتٍ مَعْلُومَةٍ، جرَى مَجْرَى التَّصْوِيتِ في القُمْرِىِّ، على ما ذَكَرْنا.
الثَّالِثُ، أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ نَفْعًا مَعْلُومًا في الْمَبِيعِ؛ كَسُكْنَى الدَّارِ شَهْرًا، وحُمْلَانِ الْبَعِيرِ إِلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ، أَوْ يَشْتَرِطَ الْمُشْتَرِى نَفْعَ الْبَائِعِ في الْمَبِيعِ؛ كَحَمْلِ الْحَطَبِ، وَتَكْسِيرِهِ، وَخِيَاطَةِ الثَّوْبِ، وَتَفْصِيلهِ، فَيَصِحُّ.
و (الثَّالِثُ، أَنْ يَشْتَرِطَ نَفْعًا مَعْلُومًا في الْمَبِيعِ؛ كَسُكْنَى الدَّارِ شَهْرًا، وحُمْلَانِ الْبَعِيرِ إِلَى مَوْضِعٍ مَعْلُوم، أَوْ يَشْتَرِطَ الْمُشْتَرِى نَفْعَ الْبَائِعِ في الْمَبِيعِ؛ كَحَمْلِ الْحَطَبِ، أَوْ تَكْسِيرِهِ، أَوْ خِيَاطَةِ الثَّوْبِ، أَوْ وَتَفْصِيلهِ).
ويَصِحّ أَنْ يَشْتَرِطَ البائِعُ نَفْعَ المَبِيعِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، مثلَ أَنْ يَبِيعَ دارًا ويَسْتَثْنِىَ سُكْنَاها سَنَةً، أو دابَّةً ويَشْتَرِطَ ظَهْرَهُ إلى مكانٍ مَعْلُومٍ، أو عَبْدًا ويَسْتَثْنِىَ خِدْمَتَه مُدَّةً مَعْلُومَةً.
نصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ الأوْزَاعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال الشَّافِعِىُّ، وأصحاب الرَّأْى: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يُرْوَى أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن بَيْعٍ
..................................
وشَرْطٍ 1. ولأنَّه يُنَافِى مُقْتَضَى البَيْعِ، فأشْبَهَ ما لو شَرَطَ أَنْ لا يُسَلِّمَه؛ [وذلك] 2، لأنَّه شرطَ تَأْخِيرِ تَسْلِيمِ المَبِيعِ إلى أَنْ يَسْتَوْفِىَ البائِعُ مَنْفَعَتَه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: فيه رِوَايَةٌ أُخرَى، أنَّه يَبْطُلُ البَيْعُ والشَّرْطُ، نَقَلَها عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ 3 في الرَّجُلِ يَشْتَرِى مِن الرَّجُلِ الجارِيَةَ ويَشْتَرِطُ أَنْ تَخْدِمَه، فالبَيْعُ باطِل.
قال شَيْخُنا 4: وهذه الرِّوَايَةُ لا تَدُلُّ على محَلِّ النِّزَاعِ في هذه المسألةِ، فإنَّ اشْتِراطَ خِدْمَةِ الجارِيَةِ باطِلٌ؛ لوَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، أنَّها مَجْهُولَةٌ، فإطْلَاقُه يَقْتَضِى خِدْمَتَها أَبَدًا، وهذا لا خِلافَ في بُطْلانِه، إنَّما الخِلافُ في اشْتِراطِ مَنْفعَةٍ مَعْلُومَةٍ.
الثانى، أَنْ يَشْتَرِطَ خِدْمَتَها بعدَ زَوالِ مِلْكِه عنها، وذلك يُفْضِى إلى الخَلْوَةِ بها، والخَطَرِ برُؤْيَتها، وصُحْبَتِها، وهذا لا يُوجَدُ في غَيْرِها، ولذلك مُنِعَ إعارَةُ الأَمَةِ الشَّابَّةِ لغيرِ مَحْرَمِها.
وقال مالِكٌ: إنِ اشْتَرَطَ رُكُوبًا إلى مكانٍ قرِيبٍ، جازَ، وإنْ كان إلى مكانٍ بَعِيدٍ، كُرِهَ؛ لأنَّ اليَسِيرَ تَدْخلُه المُسَامَحَةُ.
ولَنا، ما رَوَى جابِرٌ، أنَّه باعَ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَمَلًا، واشْتَرَطَ ظَهْرَه إلى
..................................
المَدِينَةِ.
وفى لَفْظٍ، قال: فَبِعْتُه بأُوقِيَّةٍ، واسْتَثْنَيْتُ حُمْلَانَهُ إلى أهْلِى.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وفى لَفْظٍ: فبِعْتُه بخَمْسِ أوَاقٍ، قال: قُلْتُ: على أنَّ لى ظَهْرَه إلى المَدِينَةِ.
قال: «وَلَكَ ظَهْرُه إلى المَدِينَةِ».
رواهُ مُسْلِمٌ 2. ولأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن الثُّنْيَا، إلَّا أَنْ تُعْلَمَ 3. وهذه مَعْلُومَةٌ، ولأنَّ المَنْفَعَةَ قد تَقَعُ مُسْتَثْناةً بِالشَّرْعِ على المُشْتَرِى، فيما إذا اشْتَرَى نَخْلًا مُؤَبَّرَةً، أو أرْضًا مَزْرُوعَةً، أو دَارًا مُؤْجَرَةً، أو أَمَةً مُزَوَّجَةً، فجازَ أَنْ يَسْتَثْنِيَها، كما لو اشْتَرَطَ البائِعُ الثَّمرَةَ قبل التَّأْبِيرِ، ولم يَصِحَّ نَهْىُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بَيْعٍ وشَرْطٍ 4. وإنَّما نهَى عن شَرْطَيْنِ في بَيْعٍ 5. فمَفْهُومُه إباحَةُ الشَّرْطِ الواحِدُ.
وقِياسُهُم مَنْقُوضٌ بشَرْطِ الخيارِ والتَّأْجِيلِ في الثَّمَنِ.
..................................
فصل: وإنْ باعَ أمَةً، واسْتَثْنَى وَطْأَهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً، لم يَصِحَّ؛ لأَنَّ الوَطْءَ لا يُباحُ في غيرِ مِلْكٍ أو نِكاحٍ، لقَوْلِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ 1. وفارَقَ اشْتِرَاطَ وَطْءِ المُكاتَبَةِ، حيثُ نُبِيحُه؛ لأنَّها مَمْلُوكَةٌ، فيُسْتَبَاحُ وَطْؤُها بالشَّرْطِ في المَحَلِّ المَمْلُوكِ.
واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ عَدَمَ الإِباحَةِ أَيْضًا.
وهو قولُ أَكثرِ الفُقَهاءِ.
فصل: وإن باعَ المُشْتَرِى العَيْنَ المُسْتَثْناةَ مَنْفَعَتُها، صَحَّ البَيْعُ، وتكونُ في يَدِ المُشْتَرِى الثَّانِى مُسْتَثْنَاةً أيضًا.
فإنْ كان عالِمًا بذلك، فلا خِيارَ له؛ لأنَّه دَخَلَ على بَصِيرَةٍ، فلم يَثْبُتْ له خِيارٌ، كما لو اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ، وإنْ لم يَعْلَمْ، فله خِيارُ الفَسْخِ، كمَن اشْتَرَى أمَةً مُزَوَّجَةً، أو دارًا مُؤْجَرَةً.
وإنْ أتْلَفَ المُشْتَرِى العينَ، فعليه أُجْرَةُ المِثْلِ؛ لتَفْوِيتِ المَنْفَعَةِ المُسْتَحَقَّةِ لغيرِه، وثَمَنُ المَبِيعِ 2، وإن تَلِفَتِ العَيْنُ بتَفْرِيطِه، = من كتاب التجارات.
سنن ابن ماجه 2/ 737، 738. والدارمى، في: باب في النهى عن شرطين في بيع، من كتاب البيوع.
سنن الدارمى 2/ 253. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 179.
..................................
فهو كَتَلَفِها بفِعْلِه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وقال: يَرْجِعُ البائِع على المُبْتاعِ بأُجْرَةِ المِثْلِ.
قال القاضِى: مَعْناهُ عِنْدِى، القَدْرُ الَّذى نَقَصَه البائِعُ لأَجْلِ الشَّرْطِ.
وظاهِرُ كلامِ أحمدَ خِلافُ هذا؛ لأنَّه يَضْمَنُ ما فات بتَفْرِيطِه، فضَمِنَه بعِوَضِه، وهو أُجْرَةُ المِثْلِ.
فأمَّا إنْ تَلِفَتْ بغَيْرِ فِعْلِه وتَفْرِيطِه، لم يَضْمَنْ.
قال الأَثْرَمُ: قُلْتُ لأبِى عبدِ اللَّهِ: فَعَلَى المُشْتَرِى أَنْ يَحْمِلَه على غَيْرِه؛ لأنَّه كان له حمْلان؟ قال: لا، إنَّما شرطَ عليه هذا بعَيْنِه.
لأنَّه لم يَمْلِكْها البائِعُ مِن جِهَتِه، فلم يَلْزَمْه عِوَضُها، كما لو تَلِفَتِ النَّخْلَةُ المُؤَبَّرَةُ بثَمَرَتِها، أو غيرُ المُؤَبَّرَةِ إذا اشْتَرَط البائِعُ ثَمَرَتَها، وكما لو باعَ حائِطًا واسْتَثْنَى منه شَجَرَةً بعَيْنِها، فتَلِفَتْ.
وقال القاضِى: عليه ضَمانُها، أخْذًا من عُمومِ كلامِ أحمدَ.
وإذا تَلِفَتِ العَيْنُ، رَجَعَ البائِعُ على المُبْتاعِ بأُجْرَةِ المِثْلِ.
وكَلامُه مَحْمُولٌ على حالَةِ التَّفْرِيطِ، على ما ذَكَرناه.
..................................
فصل: إذا اشْتَرَطَ البائِعُ مَنْفَعَةَ المَبِيعِ، فأرادَ المُشْتَرِى أَنْ يُعْطِيَه ما يَقُومُ مَقامَ المَبِيعِ في المَنْفَعَةِ، أو يُعَوِّضَه عنها، لم يَلْزَمْه قَبُولُه، وله اسْتِيفَاءُ المَنْفَعَةِ مِن غيرِ المَبِيعِ.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ حَقَّه تَعَلَّقَ بعَيْنِها، أَشْبَهَ ما لو اسْتَأْجَرَ عَيْنًا، فبَذَلَ له الآخَرُ مِثْلَها، ولأنَّ البائِعَ قد يكونُ له غَرَضٌ في اسْتِيفَاءِ مَنافِعِ تلك العَيْنِ، فلا يُجْبَرُ على قَبُولِ عِوَضِها.
فإنْ تَرَاضَيَا على ذلك، جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما.
وإنْ أرادَ البائِعُ إعارَةَ العَيْنِ أو إجارَتَها لمَن يقومُ مَقامَه، فله ذلك، في قياسِ المَذهَبِ؛ لأنَّها مَنافِعُ مُسْتَحَقَّةٌ له، فملَكَ ذلك فيها، كمنافِعِ الدَّارِ المُسْتَأْجَرَةِ المُوصَى بمَنَافِعِها، ولا تَجُوزُ إجَارَتُها إلَّا لمِثْلِه في الانْتِفاعِ، فإنْ أرادَ إجارَتَها أو إعارَتَها لمَن يَضُرُّ بالعَيْنِ بانْتِفاعِه، لم يجُزْ ذلك، كما لا يَجُوزُ له إجَارَةُ العَيْنِ المُسْتَأْجَرَةِ لمَن لا يقومُ مَقامَه.
ذَكَرَ ذلك ابنُ عَقِيلٍ.
..................................
فصل: ولو قال: بِعْتُكَ هذه الدّارَ، وأَجَرْتُكَهَا شَهْرًا.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّه إذا باعَه فقد مَلَك المُشْتَرِى المنافِعَ، فإذا أَجرَهُ إيَّاهَا، فقد شرَطَ أَنْ يكونَ له بَدَلٌ، في مُقابَلَةِ ما مَلَكَه المُشْتَرِى، فلم يَصِحَّ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: وقد نَهَى النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن قَفِيزِ الطَّحَّانٍ 1. ومَعْناهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ طَحّانًا لِيَطْحَنَ له كُرًّا 2 بقَفِيزٍ منه، فيَصِيرُ كَأَنَّه شَرَط له [عَمَلَه في] 3 القَفِيزِ عِوَضًا عن عَمَلِه في باقِى الكُرِّ المَطْحُونِ.
ويَحْتَمِلُ الجوازَ، بناءً على اشْتِراطِ مَنْفَعَةِ البائِعِ في المَبِيعِ، على ما نَذْكُرُه، إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.
فصل: ويَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِطَ المُشْتَرِى نَفْعَ البائِعِ في المَبِيعِ، مثلَ أَنْ يَشْتَرِىَ ثَوْبًا ويَشْتَرِطَ على بائِعِه خِياطَتَه قَمِيصًا، أو بَغْلَةً ويَشْتَرِطَ حَذْوَها نَعْلًا، أو جُرْزَةَ 4 حَطَبٍ ويَشْتَرِطَ حَمْلَها إلى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوَايَةِ مُهَنّا، وغيرِه.
واحْتَجَّ أحمدُ بما رُوِى أنَّ محمدَ بنَ مَسْلَمَةَ اشْتَرَى مِن نَبَطِىٍّ جُرْزَةَ (4) حَطَب، وشارَطَهُ على حَمْلِها.
وبه قال إسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ 5. وقال أبو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ أَنْ يَشتَرِىَ بَغْلَةً،
..................................
ويَشْتَرِطَ على البائِعِ حَذْوَها.
وحُكِىَ عن أبى ثَوْرٍ، والثَّوْرِىِّ، أنَّهُما أَبْطلا العَقْدَ بهذا الشَّرْطِ؛ لأنَّه شَرْطٌ فاسِدٌ، أشْبَهَ الشُّرُوطَ الفاسِدَةَ، ورُوِىَ عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه نَهَى عن بَيْعٍ وشَرْطٍ 1. ولَنا، ما تَقَدَّمَ في قَضِيَّةِ محمدِ ابنِ مَسْلَمَةَ، ولأنَّه بَيْع وإجارَة؛ لأنَّه باعَهُ الثَّوْبَ وأجَرَه نَفْسَه على خِياطَتِه، وكُلُّ واحِدٍ منهما يَصِحُّ إفْرادُه بالعَقْدِ، فإذا جَمَعَهُما، جازَ، كالعَيْنَيْنِ.
ولم يَصِحَّ أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن بَيْعٍ وشَرْطٍ.
قال أحمدُ: إنَّما نَهَى من شَرْطَيْنِ في بَيْعٍ 2. وهو يَدُلّ بمَفْهُومِه على جَوازِ الشَّرْطِ الواحِدِ.
ولابدَّ مِن العِلْمِ بالمَنْفَعَةِ لهما؛ ليَصِحَّ اشْتِراطُهما، لأنَّنا نَزَّلْنا ذلك مَنْزِلَةَ الإِجارَةِ.
فلو اشْتَرَطَ حملَ الحَطَبِ إلى مَنْزِلِه، والبائِعُ لا يَعْرِفُ مَنْزِلَه، لم يَصِحَّ.
وإنْ شرَطَ حَذْوَها نَعْلًا، فلا بُدَّ مِن مَعْرِفَةِ صِفَتِها، كما لو اسْتَأْجَرَه على ذلك ابْتَداءً.
قال أحمدُ، في الرَّجُلِ يَشْتَرِى البَغْلَةَ على أَنْ يحذُوَها: جائِزٌ، إذا أرادَ الشِّراكَ.
فإنْ تَعَذَّرَ العَمَلُ بتَلَفِ المَبِيعِ قبلَه، أو بمَوْتِ
..................................
البائِعِ، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ، ورَجَعَ المُشْتَرِى عليه بعِوَضِ ذلك.
وإن تَعَذَّرَ بمرَض، أُقِيمَ مُقَامَه مَن يَعْمَلُ العَمَلَ، والأُجْرَةُ عليه، كقَوْلِنا في الإِجَارَةِ.
فصل: وإذا اشْتَرَطَ المُشْتَرِى مَنْفَعَةَ البائِعِ في المَبِيعِ، فأَقامَ البائِعُ مُقامَه مَن يَعْمَلُ العَمَلَ، فله ذلك؛ لأنَّه 1 بمَنْزِلَةِ الأجِيرِ المُشْتَرَكِ، يجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ العَمَلَ بنَفْسِه، وبمَنْ يقومُ مَقامَه.
وإنْ أَرادَ بَذْلَ العِوَضِ عن ذلك، لم يَلْزَمِ المُشْتَرِى قَبُولُه، وإنْ أرادَ المُشْتَرِى أخْذَ العِوَضِ عنه، لم يَلْزَمِ البائِعَ بَذْلُه؛ لأنَّ المُعَاوَضَةَ عَقْدُ تَراضٍ، فلا يُجْبَرُ عليه أحَدٌ.
وإن تَرَاضَيَا علَيه، احْتَمَلَ الجوازَ؛ لأَنَّها مَنْفَعَةٌ يجوزُ أخْذُ العِوَضِ عنها لو لم يَشْتَرِطْها، فإذا مَلَكَها المُشْتَرِى، جازَ له أخْذُ العِوَضِ عنها، كما لو اسْتَأْجَرَها، وكما يَجُوزُ أَنْ تُؤْجَرَ المنافِعُ المُوصَى بها مِن ورَثَةِ المُوصِى.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَجُوزَ؛ لأنَّه مُشْتَرَطٌ بحُكْمِ العادَةِ والاسْتِحْسَانِ لأَجْلِ الحاجَةِ، فلم يَجُزْ أخْذُ العِوَضِ عنه، كالقَرْضِ، فإنَّه يَجُوزُ أن يُرَدَّ في الخُبزِ والخَمِيرِ، أقَلَّ أو أكْثَرَ.
ولو أرادَ أن يَأْخُذَ بقَدْرِ خُبْزِه وكَسْرِه بقَدْرِ
وَذَكَرَ الْخِرَقِىُّ في جَزِّ الرَّطْبَةِ، إِنْ شَرَطَهُ عَلَى الْبَائِعِ، لَمْ يَصِحَّ.
فيُخَرَّجُ ههنَا مِثْلُهُ.
الزِّيَادَة لم يَجُزْ.
ولأنَّه أَخَذَ عِوَضًا عن مِرْفَقٍ مُعْتَادٍ، جَرَتِ العادَةُ بَالعَفْوِ عنه دُونَ أخْذِ العِوَضِ، فأشْبَهَ المَنافِعَ المُسْتَثْناة شَرْعًا، وهو ما إذا باعَ أرْضًا فيها زَرْعٌ للبَائِعِ، واسْتَحَقَّ تَبْقِيَتَه إلى حينِ الحَصَادِ، فلو أَخَذَه قَصِيلًا ليَنْتَفِعَ بالأَرْضِ إلى وَقْتِ الحَصادِ، لم يَكُنْ له ذلك.
1593 -
مسألة: (وَذَكَرَ الْخِرَقِىُّ في جَزِّ الرَّطْبَةِ، إِنْ شَرَطَهُ عَلَى الْبَائِعِ، لَمْ يَصِحَّ. فيُخَرَّجُ ههنَا مِثْلُهُ)
إذا اشْتَرَى زَرْعًا، أو جَزَّةً مِن الرُّطْبَةِ، أو ثَمَرَة على الشَّجَرِ، فالحَصادُ، وجَزُّ الرَّطبَةِ، وجِذاذُ الثَّمَرَةِ على الْمُشْتَرِى؛ لأنَّ نَقْلَ المَبِيعِ، وتَفْرِيغَ مِلْكِ البائِعِ منه على المُشْتَرِى، كَنَقْلِ الطَّعامِ المَبِيعِ مِن دارِ البائِعِ، بخِلافِ الكَيْلِ والوَزْنِ والعَدَدِ، فإنَّها على البائِعِ؛ لأنَّها مِن مُؤْنَةِ تَسْلِيمِ المَبِيعِ إلى المُشْتَرِى، والتَّسْلِيمُ على البائِعِ، وههُنا حَصَلَ التَّسْلِيمُ بالتَّخْلِيَةِ بدُونِ القَطْعِ، بدَلِيلِ جَوازِ بَيْعِها والتَّصَرُّفِ فيها.
وهذا مَذْهَبُ أبى حَنِيفَةَ، والشَّافِعِىِّ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
فإن شَرَطَه على البائِعِ، فاخْتَلَفَ أصْحَابُنا، فقال الخِرَقِىُّ: يَبْطُلُ
..................................
البَيْعُ.
وقال ابنُ أبى مُوسَى: لا يَجُوزُ.
وقيل: يَجُوزُ.
فإن قُلْنا: لا يَجُوزُ.
فهل يَبْطُلُ البَيْعُ لبُطلانِ الشَّرْطِ؛ على رِوَايَتَيْنِ.
وقال القاضِى: المَذْهَبُ جوازُ الشَّرْطِ.
ذَكَرَه أبو بكْرٍ، وابنُ حامِدٍ.
وقال القاضِى: ولم أَجِدْ بما قالَه الخِرَقِىُّ رِوَايَةً في المَذْهَبِ.
واخْتَلَفَ فيه أصْحابُ الشافعىِّ، فقال بَعْضُهم: إذا شَرَطَ الحصادَ على البائِعِ بَطَلَ البَيْعُ، قولًا واحِدًا.
وقال بَعْضُهم: يكونُ على قَوْلَيْنِ.
فمَن أفْسَدَه، قال: لا يَصِحُّ؛ لثَلاثَةِ مَعَانٍ؛ أحدُها، أنَّه 1 شَرَطَ العَمَلَ في الزَّرْعِ قبلَ أن يَمْلِكَه.
والثانِى، أنَّه شَرَطَ ما لَا يَقْتَضِيه العَقْدُ.
والثالِثُ، أنَّه شَرَطَ تَأْخِيرَ التَّسْلِيمِ؛ لأنَّ مَعْنَى ذلك تَسْلِيمُه مَقْطُوعًا.
ومَن أَجازَه، قال: هذا بَيْعٌ وإجارَةٌ، وكُلُّ واحِدٍ منهما يَصِحُّ إفْرَادُه، فَصَحَّ جَمْعُهما، كالعَيْنَيْنِ.
وقولُهم: شَرَطَ العَمَلَ فيما لا يَمْلِكُه.
يَبْطُلُ بشرْطِ رَهْنِ المَبِيعِ على الثَّمَنِ في البَيْعِ.
والثانى، يَبْطُلُ بشَرْطِ الرَّهْنِ والكَفِيلِ والخِيارِ.
والثالثُ، ليس بتَأْخِير؛ لأنَّه يُمْكِنُه تَسْلِيمُه قائِمًا، ويَبْقَى الشَّرْطُ مِن
..................................
المُتَسَلِّمِ، فليس ذلك بتَأْخِيرِ التَّسْلِيمِ.
فإذا فَسَدَتْ هذه المَعانِى، صَحَّ؛ لِما ذَكَرْناه.
فإن قيلَ: فالبَيْعُ يُخالِفُ حُكْمُه حُكْمَ الإِجَارَةِ؛ لأنَّ الضَّمانَ يَنتقِلُ في البَيْعِ بتَسْلِيمِ العَيْنِ، بخِلافِ الإِجَارَةِ، فكيف يَصِحُّ الجَمْعُ بينَهما؟ قُلنا: كما يَصِحُّ بَيْعُ الشِّقْصِ والسَّيْفِ، وحُكْمُهما مُخْتَلِفٌ، بدَلِيلِ ثُبوتِ الشُّفْعَةِ في الشِّقْصِ دونَ السَّيْفِ، وقد صَحَّ الجَمْعُ بَيْنَهُما.
وقول الخِرَقِىِّ: إنَّ العَقْدَ ههُنا يَبْطُلُ.
يَحْتَمِلُ أن يَخْتَصَّ هذه المسألةَ وشِبْهَها، مِمّا يُفْضِى الشَّرْطُ فيه إلى التنَّازُعِ، فإنَّ البائِعَ قد يُرِيدُ قَطْعَها مِن أَعْلَاها؛ لِيَبْقَى له منها بَقِيَّةٌ، والمُشْتَرِى يريدُ الاسْتِقْصاءَ عليها، ليَزِيدَ له ما يَأْخُذُه، فيُفْضِى إلى التَّنازُعِ، وهو مَفْسَدَةٌ، فيَبْطُلُ البَيْعُ مِن أجْلِه.
ويَحْتَمِلُ أن يُقاسَ عليه ما أشْبَهَه مِن اشْتِراطِ مَنْفَعَةِ البائِعِ في المَبِيعِ.
كما ذَكَرْنا في صَدْرِ المسألةِ.
والأوَّلُ أوْلَى لوَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّه قد قال في مَوْضِعٍ آخرَ: ولا يُبْطِلُ البَيْعَ شَرْطٌ واحِدٌ.
وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ شَرْطَيْنِ، لَمْ يَصِحَّ.
والثانى، أنَّ المَذْهَبَ أنَّه يَصِحُّ اشْتِراطُ مَنْفَعَةِ البائِعِ في المَبِيعِ (1)، كما ذَكَرْنَا.
واللَّهُ أَعْلَمُ.
1594 -
مسألة: (وإِنْ جَمَعَ بينَ شَرْطَيْنِ، لم يَصِحَّ)
ثَبَتَ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، أنّه قال: الشرْطُ الوَاحِدُ لا بَأْسَ به، إنّما نُهِىَ عن الشَّرْطَيْنِ في البَيْعِ.
وهو ما رُوِى عن عبدِ اللَّه بِنِ عَمْرٍو، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «لا يَحِلُّ سَلَفٌ وبَيْعٌ، ولا شَرْطَانِ في بَيْعٍ، ولا بَيعُ ما ليْسَ1
..................................
عِنْدَكَ».
أخْرَجَه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ 1، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قال الأَثْرَمُ: قيلَ لأبِى عبدِ اللَّهِ: إنَّ هؤلاء يَكْرَهُونَ الشَّرْطَ في البَيْعِ.
فَنَفَضَ يَدَهُ، وقال: الشَّرْطُ الواحِدُ لا بَأْسَ به في البَيْعِ، إنَّما نَهَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن شَرْطَيْنِ في البَيْعِ.
وحَدِيثُ جابِرٍ يَدُلُّ على إباحَةِ الشَّرْطِ، حينَ باعَهُ جَمَلَه وشَرَطَ ظَهْرَه إلى المَدِينَةِ 2. واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ الشَّرْطَيْنِ المَنْهِىِّ عنهما، فرُوِىَ عن أحمدَ، أنّهُما شَرْطَانِ صَحِيحَانِ لَيْسَا مِن مَصْلَحَةِ العَقْدِ.
فحَكَى ابنُ المُنْذِرِ عنه، وعن إسحاقَ، في مَن اشْتَرَى ثَوْبًا، واشْتَرَطَ على البائِعِ خِيَاطَتَه و 3 قِصارَتَه، أو طَعامًا واشْتَرَطَ طَحْنَه وحَمْلَه، إن شَرَطَ أحدَ هذه الأشْياءِ فالبَيْعُ جائِزٌ، وإنِ اشْتَرَطَ شَرْطَيْنِ، فالبَيْعُ باطِلٌ.
وكذلك فَسَّرَ القاضِى في «شَرْحِه»
..................................
الشَّرْطَيْنِ المُبْطِلَيْنِ بنَحْوِ هذا التَّفْسِيرِ.
ورَوَى الأَثْرَمُ عن أحمدَ تَفْسِيرَ الشَّرْطَيْنِ، أَنْ يَشْتَرِيَها على أنَّه لا يَبِيعُها مِن أحَدٍ ولا يَطَؤُها.
فَفَسَّرَهُ بشَرْطَيْنِ فاسِدَيْنِ.
ورَوَى عنه إسماعيلُ بنُ سعيدٍ في الشَّرْطَيْنِ في البَيْعِ، أَنْ يقولَ: إذا بِعْتَها فأنَا أحَقُّ بها بالثَّمَنِ، وأنْ تَخْدِمَنِى سَنَةً.
فظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّ الشَّرْطَيْنِ المَنْهِىَّ عنهما ما كانَ مِن هذا النَّحْوِ.
وأمّا إنْ شَرَطَ شَرْطَيْنِ أو أكْثَرَ مِن مُقْتَضَى العَقْدِ، أو مِن مَصْلَحَتِه، مثلَ أَنْ يَبِيعَه بشَرْطِ الخِيارِ، والتَّأْجِيلِ، والرَّهْنِ، والضَّمِينِ، أو بِشَرْطِ أَنْ يُسَلِّمَ إليه المَبِيعَ أو الثَّمَنَ، فهذا لا يُؤَثِّرُ في العَقْدِ، وإنْ كَثُرَ.
وقال القاضِى في «المُجَرَّدِ»: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه متى شَرَطَ في العَقْدِ شَرْطَيْنِ، بَطَلَ، سواءٌ كانَا صَحِيحَيْنِ، أو فاسِدَيْنِ، لمَصْلَحَةِ العَقْدِ، أو لغَيْرِ مَصْلَحَتِه.
أخْذًا مِن ظاهِرِ الحَدِيثِ، وعَمَلًا بعُمُومِه.
ولم يُفَرِّقِ الشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى، بينَ الشَّرْطِ والشَّرْطَيْنِ، ورَوَوْا أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن بَيْعٍ وشَرْطٍ 1. ولأنَّ الصَّحِيحَ لا يُؤثِّرُ في البَيْعِ وإنْ
..................................
كَثُرَ، الفاسِدُ يُؤَثِّرُ فيه وإنِ اتَّحَدَ.
والحَديثُ الَّذى رَوَيْناهُ يَدُلُّ على الفَرْقِ.
ولأنَّ الغَرَرَ 1 اليَسِيرَ إذا احْتُمِلَ في العَقْدِ، لا يَلْزَمُ احْتِمالُ الكَثِيرِ.
وحَدِيثُهم ليس له أصْلٌ، وقد أنْكَرَه أحمدُ، ولا نَعْرِفُه مَرْوِيًّا في مُسْنَدٍ، فلا يُعَوَّلُ عليه.
والذي ذَكَرَه القاضِى في «المُجَرَّدِ» بَعِيدٌ أيضًا؛ فإنَّ شَرْطَ ما يَقْتَضِيه العَقْدُ، لا يُؤَثِّرُ فيه، بغَيْرِ خِلافٍ، وشَرْطَ ما هو مِنِ مَصْلَحَةِ العَقْدِ؛ كالأَجَلِ، والخِيارِ، والرَّهْنِ، والضَّمِينِ، وشَرْطَ صِفةٍ في المَبِيعِ؛ كالكِتَابَةِ، والصِّنَاعَةِ، فيه مَصْلَحَة العَقْدِ، فلا يَنْبَغِى أَنْ يُؤثِّرَ في بُطْلانِه، قَلَّتْ أو كَثُرَتْ.
ولم يَذْكُرْ أحمدُ في هذه المَسْأَلَةِ شَيئًا مِن هذا القِسْمِ، فالظاهِرُ أنَّه غيرُ مُرَادٍ له.
والأَوْلَى تَفْسِيرُه بما حَكَاهُ ابنُ المُنْذِرِ.
واللَّهُ أعلمُ.
فَصْلٌ: الضَّرْبُ الثَّانِى فَاسِدٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أنْوَاعٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ عَقْدًا آخَرَ؛ كَسَلَفٍ، أَوْ قَرْض، أو بَيْعٍ، أَوْ إِجَارَةٍ، أَوْ صَرْفٍ لِلثَّمَنِ، أَوْ غَيْرِهِ.
فَهَذَا يُبْطِلُ الْبَيْعَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَبْطُلَ الشَّرْطُ وَحْدَهُ.
(
فصل
: الضَّرْبُ الثَّانِى فَاسِدٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أنْوَاعٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا 1 عَلَى صَاحِبِهِ عَقْدًا آخَرَ؛ كَسَلَفٍ، أَوْ قَرْضٍ، أَوْ بَيْعٍ، أَوْ إِجَارَةٍ، أَوْ صَرْفٍ لِلثَّمَنِ، أَوْ غَيْرِهِ.
فَهَذَا يُبْطِلُ الْبَيْعَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَبْطُلَ الشَّرْطُ وَحْدَه) المَشْهُورُ في المَذْهَبِ أنَّ هذا الشَّرْطَ فاسِدٌ، يَبْطُلُ به البَيْعُ، لأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «لا يَحِلُّ بَيْعٌ وسَلَفٌ، ولا شَرْطَانِ في بَيْعٍ».
قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ 2. حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وهذا منه.
قال أحمدُ: وكذلك كُلُّ ما في مَعْنَى ذلك، مثلَ أن يَقُولَ: على أَنْ تُزَوِّجَنِى ابْنَتَكَ.
أو: على أَنْ اُزَوِّجَكَ ابْنَتِى.
فهذا كُلُّه لا يَصِحُّ.
قال ابنُ مَسْعُودٍ: صَفْقَتانِ في صَفْقَةٍ
..................................
رِبًا 1. وهذا قولُ أبى حَنِيفَةَ، والشَّافِعِىِّ، وجمهورِ العُلَمَاءِ.
وجَوَّزَهُ مالِكٌ، وجَعَلَ العِوَضَ المَذْكُورَ في الشَّرْطِ فاسِدًا، وقال: لا أَلْتَفِتُ إلى اللَّفْظِ الفاسِدِ، إذا كان مَعْلُومًا حَلالًا، فكأَنَّه باعَ السِّلْعَةَ بالدَّرَاهِمِ التى ذَكَرَ أنَّه يَأْخُذُها بِالدَّنَانِيرِ.
ولَنا، الخَبَرُ، والنَّهْىُ يَقْتَضِى الفَسادَ، ولأنَّ العَقْدَ يَجبُ بِالشَّرْطِ؛ لكَوْنِه لا يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ، فيَسْقُطُ، فيَفْسُدُ العَقدُ؛ لأنَّ البائِعَ لم يَرْضَ به، إلَّا بِالشَّرْطِ، فإذا فاتَ، فاتَ الرِّضَا به، ولأنَّه شَرَطَ عَقْدًا في عَقْدٍ، فلم يَصِحَّ، كنِكَاحِ الشِّغَارِ.
وقولُه: لا أَلْتَفِتُ إلى اللَّفْظِ الفَاسدِ 2. لا يَصِحُّ؛ لأنَّ البَيْعَ هو اللَّفْظُ، فإذا كان فاسِدًا فكيف
الثَّانِى، شَرْطُ مَا يُنَافِى مُقْتَضَى الْبَيْعِ، نَحْوَ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ لَا خَسَارَةَ عَلَيْهِ، أَوْ مَتَى نَفَقَ الْمَبِيعُ، وَإِلَّا رَدَّهُ، أَوْ أَنْ لَا يَبِيعَ، وَلَا يَهَبَ، وَلَا يَعْتِقَ، أَوْ إِنْ أَعْتَقَ، فَالْوَلَاءُ لَهُ، أَوْ يَشْتَرِطَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، فَهَذَا بَاطِلٌ في نَفْسِهِ.
وَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
يكونُ صَحِيحًا! ويَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ البَيْعُ ويَبْطُلَ الشَّرْطُ، بِناءً على ما إذا شَرَطَ ما يُنافِى مُقْتَضَى العَقْدِ، على ما نذْكُرُه إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالَى.
(الثانى، شَرْطُ ما يُنافِى مُقْتَضى البَيْعِ، نحوَ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ لا خَسَارَةَ عليه، أو متى نَفَقَ المَبِيعُ، وإلَّا رَدَّه، أو أَنْ لَا يَبِيعَ، ولا يَهَبَ، ولا يَعْتِقَ، أَوْ إنْ أعْتَقَ، فالوَلَاءُ له، أو يَشْتَرِطَ أَنْ يَفْعَلَ ذلك، فهذا باطِلٌ في نَفْسِه) لقَوْلِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حَدِيثِ بَرِيرَةَ حين شَرَطَ أَهْلُها الوَلاءَ: «مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» 1. نَصَّ على بُطْلانِ هذا الشَّرْطِ، وقِسْنَا عليه سائِرَ الشُّرُوطِ، لأنَّها في مَعْنَاهُ.
(وهل يَبْطُلُ بها البَيْعُ؟ على رِوَايَتَيْنِ).
قال القاضِى: المَنْصُوصُ عن أحمدَ أنَّ البَيْعَ صَحِيحٌ.
وهو
..................................
ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ.
وبه قال الحَسَنُ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحَكَمُ، وابنُ أبى لَيْلَى، وأبو ثَوْرٍ.
والثانيةُ، البَيْعُ فاسِدٌ.
وهو قولُ أبى حَنِيفةَ، والشّافِعِىِّ؛ لأنَّه شرطٌ فاسِدٌ، فأَفْسَدَ البَيْعَ، كما لو اشْتَرَطَ فيه عَقْدٌ آخَرَ.
ولأنَّ الشَّرْطَ إذا فَسَدَ، وجَبَ الرُّجُوعُ بما نَقَصَه الشَّرْطُ مِن الثَّمَنِ، وذلك مَجْهُولٌ، فيَصِيرُ الثَّمَنُ مَجْهُولًا.
ولأنَّ البائِعَ إنَّما رَضِىَ بزَوَالِ مِلْكِه عن المَبِيعِ بشَرْطِه، والمُشْتَرِىَ كذلك، إذا كان الشَّرْطُ له، فلو صَحَّ البَيْعُ بدُونِه، لزالَ مِلْكُه بغَيْر رضاه، والبَيْعُ مِن شَرْطِه التَّراضِى.
ولأنَّه قد رُوِى عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه نَهَى عن بَيْعٍ وشَرْطٍ.
وَوَجْهُ الأُولَى ما رَوَتْ عائِشَةُ، قالت: جاءَتْنِى بَرِيرَةُ، فقالت: كاتَبْتُ أَهْلِى على تِسْعِ أوَاقٍ، في كُلِّ عام أُوقِيَّة، فأَعِينينى.
فقلت: إنْ أحَبَّ أهْلُكِ أَنْ أعُدَّها لهم عَدَّةً واحِدَةً، ويكُونَ ولاؤُكِ لِى، فَعَلْتُ.
فذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إلى أهْلِها، فقالت لهم، فأَبَوْا عليها.
فجاءَت مِن عندِهم
..................................
ورَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- جالِسٌ، فقالت: إنِّى عَرَضْتُ عليهم، فأبَوْا إلَّا أَنْ يَكُونَ الوَلاءُ لهم.
فسَمِعَ النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأَخبَرَتْ عائِشَةُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: «خُذِيها واشْتَرِطِى لهم الوَلاءَ، فإنَّما الوَلَاءُ لمَنْ أعْتَقَ».
فَفَعَلَتْ عائِشَة، ثم قامَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في الناسِ، فحَمِدَ اللَّهَ وأثْنَى عليه، ثم قال: «أَمَّا بَعْدُ، ما بالُ رِجالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا ليست في كتابِ اللَّهِ تعالَى، ما كان مِن شَرْطٍ ليس في كتابِ اللَّهِ فهو باطِلٌ، وإنْ كان مِائَةَ شَرْطٍ، قضاءُ اللَّهِ أحَقُّ، وشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وإنَّما الوَلَاءُ لمَنْ أَعْتَقَ».
مُتَّفَقٌ عليه 1.
..................................
فأبْطَلَ الشَّرْطَ، ولم يُبْطِلِ العَقْدَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: خَبَرُ بَرِيرَةَ ثابِتٌ، ولا نَعْلَمُ خَبَرًا يُعارِضُه، فالقَوْلُ به يَجِبُ.
فإنْ قيل: المُرادُ بقَوْلِه: «اشْتَرِطِى لَهُمُ الوَلاءَ».
أَى عليهم.
بدَلِيلِ أنّه أمَرَها به، ولا يَأْمُرُها بفَاسِدٍ.
قلنا: لا يَصِحُّ هذا التَّأوِيلُ؛ لوَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، أنَّ الوَلَاءَ لها بإعْتَاقِها، فلا حاجَةَ إلى اشْتِراطِه.
الثانى، أنَّهُم أَبَوُا البَيْعَ، إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ لهم الولَاءُ، فكيف يَأْمُرُها بما عَلِمَ أنَّهُم لا يَقْبَلُونَه مِنها؟ وأمّا أمْرُها بذلك، فليس هو أمْرًا على الحَقِيقَةِ، وإنَّما هو صِيغَةُ الأمْرِ بمَعْنَى التَّسْوِيَةِ بينَ = في بيع المكاتب إذا فسخت الكتابة، من كتاب العتاق.
سنن أبى داود 2/ 114، 347. والترمذى، في: باب ما جاء في الرجل يتصدق أو يعتق عند الموت، من أبواب الوصايا.
عارضة الأحوذى 8/ 281. والنسائى، في: باب إذا تحولت الصدقة، من كتاب الزكاة، وفى: باب خيار الأمة، وباب خيار الأمة تعتق وزوجها حر، وباب خيار الأمة تعتق وزوجها مملوك، من كتاب الطلاق، وفى: باب البيع يكون فيه الشرط الفاسد...، وباب بيع المكاتب، وباب المكاتب يياع قبل أن يقبض...، من كتاب البيوع.
المجتبى 5/ 81، 6/ 132، 133، 134، 135، 7/ 264، 268، 269. وابن ماجه، في: باب خيار الأمة إذا أعتقت، من كتاب الطلاق، وفى: باب المكاتب، من كتاب العتق.
سنن ابن ماجه 1/ 671، 2/ 842، 843. والدارمى، في: باب في تخيير الأمة...، من كتاب الطلاق.
سنن الدارمى 2/ 169. والإمام مالك، في: باب ما جاء في الخيار، من كتاب الطلاق، وفى: باب مصير الولاء لمن أعتق، من كتاب العتق.
الموطأ 2/ 562، 780، 781. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 281، 321، 2/ 28، 100، 113، 144، 153، 156، 6/ 33، 42، 46، 82، 103، 121، 135، 172، 175، 178، 180، 186، 190، 213، 272.
..................................
الاشْتِراطِ وتَرْكِه، كَقولِ اللَّهِ تعالَى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ 1. وقَوْلِه: ﴿فَاصْبِرُواْ أَوْ لَا تَصْبِرُواْ﴾ 2. والتَّقْدِيرُ: واشْتَرِطِى لهم الوَلاءَ، أو لا تَشْتَرِطِى.
ولهذا قال عَقيبَهُ: «فإنَّما الوَلَاءُ لمَنْ أَعْتَقَ».
وحَدِيثُهم لا أصْلَ له على ما ذَكَرْنَا، وما ذَكَرُوه مِن المَعْنَى في مُقابَلَةِ النَّصِّ لا يُقْبَلُ.
فصل: وإذا حَكَمْنَا بِصِحَّةِ البَيْعِ، فللبَائِعِ الرُّجُوعُ بما نَقَصَه الشَّرْطُ مِن الثَّمَنِ.
ذكَرَه القاضِى.
وللمُشْتَرِى الرُّجُوعُ بزِيادَةِ الثَّمَنِ إنْ كان هو المُشْتَرِطَ؛ لأنَّ البائِعَ إنَّما سَمَح بالبَيْعِ بهذا الثَّمَنِ؛ لِما يحصُلُ له مِن الغَرَضِ بالشَّرْطِ، والمُشْتَرِى إنَّما سَمَحَ 3 بِزيَادَةِ الثَّمَنِ مِن أجْلِ شَرْطِه، فإذا لم يَحْصُلْ غَرَضُه، يَنْبَغِى أن يَرْجِعَ بما سَمَحَ به، كما لو وَجَدَه مَعِيبًا.
ويَحْتَمِلُ أن يَثْبُتَ له 4 الخِيارُ، ولا يَرْجِعَ بشئٍ، كمَن شَرَطَ رَهْنًا أو ضمِينًا، فامْتَنَعَ الرّاهِنُ والضَّمِينُ، ولأنَّ ما يَنْقُصُه الشَّرْطُ مِن الثَّمَنِ مَجْهُولٌ، فَيَصِيرُ الثَّمَنُ مَجْهُولًا، ولأنَّ النَّبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَحْكُمْ لأرْبابِ بَريرَةَ.
بشئٍ مع فَسَادِ الشَّرْطِ وصِحَّةِ البَيْعِ.
وإن حَكَمْنا بفَسَادِ العَقْدِ لم يحصُلْ به مِلْكٌ، سواءٌ قَبَضَه أو لم يَقْبِضْه، على ما نَذْكُرُه إن شاءَ اللَّهُ تَعالَى.
إِلَّا إِذَا شَرَطَ الْعِتْقَ، فَفِى صِحَّتِهِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، يَصِحُّ، وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ إِنْ أَبَاهُ.
1595 - مسألة: (إِلَّا إِذَا شَرَطَ الْعِتْقَ، فَفِى صِحَّتِهِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، يَصِحُّ)
وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، وظاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ عائِشَةَ اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ، وشرطَ عليها أهْلُها عِتقَها وولاءَها، فأَنْكَرَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- شرْطِ الوَلَاءِ دُونَ العِتقِ.
والثانيةُ، الشَّرْطُ فاسِدٌ.
وهو مَذْهَبُ أبى حَنِيفَةَ؛ لأنَّهُ شَرْطٌ يُنافِى مُقْتَضَى العقْدِ، أشْبَهَ ما لو شَرَط أن لا يَبِيعَه، ولأنَّه شرَط إزالَةَ مِلْكِه عنه، أشبَهَ ما إذا اشتَرَطَ أن يَبِيعَه، وليس
..................................
في حَدِيثِ عائِشَةَ أنَّها شَرَطَتْ لهم العِتقَ، إنَّما اخْبَرَتْهم أنَّها تُرِيدُ ذلك مِن غيرِ شَرْطٍ، فاشْتَرَطُوا ولاءَها.
فإن حَكَمْنَا بفَسَادِه، فحُكْمُه حُكْمُ سائِرِ الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ، على ما بَيَّنَّا، وإن حَكَمْنا بصِحَّتِه، فأعْتَقَه المُشْتَرِى، فقد وَفَّى بما شَرَط عليه.
وإن لم يُعْتِقْه ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يُجْبَرُ، لأنَّ شَرْطَ العِتْقِ إذا صَحَّ تَعَلَّقَ بعَيْنِه، فيُجْبَرُ، كما لو نَذرَ عِتْقَه.
والثانى، لا يُجْبَرُ؛ لأنَّ الشَّرْطَ لا يُوجِبُ فِعلَ المَشْرُوطِ، بدَلِيلِ ما لو شرَط الرَّهْنَ والضَّمِينَ.
فعلى هذا يَثْبُتُ للبائِعِ خِيَارُ الفَسْخِ؛ لأنَّه لم يُسَلِّمْ له ما شَرَطَ، أشْبَهَ ما لو شرَطَ عليه رَهْنًا فلم يَفِ به.
وإن تَعَيَّبَ الْمَبِيعُ، أو كان أَمَةً فأَحْبَلَها، أَعْتَقَه، وأَجْزَأه؛ لأنَّ الرِّقَّ باقٍ فيه.
وإنِ اسْتَغَلُّه، أو أخَذَ مِن كَسْبِه شيئًا، فهو له.
وإن ماتَ المَبِيعُ رَجَعَ البائِعُ على المُشْتَرِى بما نَقَصَه شَرْطُ العِتْقِ، فيُقالُ: كم قِيمَتُه لو بِيعَ مُطْلَقًا، وكم قِيمَتُه إذا بِيع بشَرْطِ العِتقِ؟ فيُرْجَعُ بقِسْطِ ذلك مِن ثَمَنِه، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، كالأَرْشِ.
وفى الآخَرِ، يُضْمَنُ بما نَقَصَ مِن قِيمَتِه.
وَعَنْهُ، في مَنْ بَاعَ جَارِيَةً، وَشَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرى، إِنْ بَاعَهَا، فهُوَ أَحَقُّ بِهَا بِالثّمَنِ، أنَّ البَيْعَ جَائِزٌ.
وَمَعْنَاهُ -وَاللَّهُ أَعْلمُ- أنَّهُ جَائِزٌ مَعَ فَسَادِ الشَّرْطِ.
1596 - مسألة: (وعنه في مَن باعَ جارِيَةً، وشَرَطَ على المُشْتَرِى، أنَّه إن باعَهَا، فهو أحَقُّ بها بالثَّمَنِ، أنّ البَيْعَ جائِزٌ)
رَوَى المَرُّوذِىُّ، عن أحمدَ، أنَّه قال: هو في مَعْنَى حَدِيثِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لا
..................................
شَرْطَانِ في بَيْعٍ».
يَعْنِى أنَّه فاسِدٌ؛ لأنَّهُ شَرَطَ أن يَبِيعَه إيَّاهُ، وأن يَبِيعَه بالثَّمَنِ الأوَّلِ، فهما شَرْطَانِ في بَيْعٍ نُهِىَ عنهما، ولأنَّه يُنافِى مُقْتَضَى العَقْدِ؛ لأنَّه شَرَطَ أن لا يَبِيعَه مِن غيرِه إذا أعْطاهُ ثَمنَه، فهو كما لو شَرَطَ أن لا يَبِيعَه إلَّا مِن فلانٍ.
وروَى عنه إسماعيلُ بنُ سَعِيدٍ: البَيْعُ جائِزٌ.
لِما رُوِى عن ابنِ مَسْعُودٍ، أنَّه قال: ابْتَعْتُ مِن امْرَأَتى زَيْنَبَ الثَّقَفِيَّةِ جارِيَةً، وشَرَطْتُ لها إن بِعْتُها فهى لها بالثَّمَنِ الذى ابْتَعْتُها به، فذَكَرْتُ ذلك لعمرَ، فقال: لا تَقْرَبْها ولأحَدٍ فيها شَرْطٌ 1. قال إسماعِيلُ: فذَكَرْتُ لأحمدَ الحَدِيثَ، فقال: البَيْعُ جائِزٌ، و «لا تَقْرَبْها»؛ لأنَّه كان فيها شَرْطٌ واحِدٌ للمَرْأَة، ولم يَقُلْ عمرُ في ذلك البَيْعِ: فاسِدٌ.
فحَمَلَ الحَدِيثَ على
..................................
ظاهِرِه، وأَخَذَ به.
وقد اتَّفَقَ عُمَرُ وابنُ مَسْعُودٍ على صِحَّتِه، والقِياسُ يَقْتَضِى فَسَادَه.
قال شَيْخنا 1: ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ كلامُ أحمدَ، في رِوايَةِ المَرُّوذِىِّ، على فَسادِ الشَّرْطِ، وفى رِوايَةِ إسماعيلَ بنِ سَعِيدٍ على جَوازِ البَيْعِ، فيكونُ البَيْعُ صَحِيحًا، والشَّرْطُ فاسِدًا، كما لو اشْتَرَاهَا بشرْطِ أن لا يَبِيعَها.
وقولُ أحمدَ: «لا تَقْرَبْها».
قد رُوِى مثْلُه في مَن اشْتَرَطَ في الأمَةِ أَنْ لا يَبِيعَها، ولا يَهَبَها، أو شَرَطَ عليه ولاءَها، [ولا] 2 يَقْرَبُها.
والبَيْعُ جائِزٌ؛ لحَدِيثِ عمرَ المذكُورِ.
وقال القاضِى: وهذا 3 على الكَرَاهَةِ، لا على التَّحْرِيمِ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: عندى أنَّه إنَّما مَنَعَ مِن الوَطْءِ؛ لمكانِ الخِلافِ في العَقْدِ؛ لكَوْنِه يَفْسُدُ بفَسَادِ الشَّرْطِ في بَعْضِ المذاهِبِ.
وَإِنْ شَرَطَ رَهْنًا فَاسِدًا وَنَحْوَهُ، فَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
1597 - مسألة: (وإن شَرَطَ رَهْنًا فاسِدًا)
كالخَمْرِ (ونحْوِه، فهل يَبْطُلُ البَيْعُ؟ على وَجْهَيْنِ) أصْلُهما الرِّوَايَتَانِ في الشُّروطِ الفاسِدَةِ، وقد مَضَى ذكْرُهما.
فصل: وَإذا قال رَجُلٌ لغَرِيمِه: بِعْنِى هذا على أن أَقْضِيَكَ دَيْنَكَ منه.
ففَعَلَ، فالشَّرْطُ باطِلٌ؛ لأَنَّه شَرَطَ أن لا يَتَصَرَّفَ فيه بغيرِ القَضاءِ.
وهل يَبْطُلُ 1 البَيْعُ؟ يَنْبَنِى على الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ في البَيْعِ، على ما ذَكَرْنا.
وإن قال: اقْضِنِى 2 حَقِّى على أن أبِيعَكَ كذا وكذا.
فالشَّرْطُ باطلٌ، والقَضاءُ صَحِيحٌ؛ لأنَّه أقْبَضَه حَقَّه.
وإن قال: اقْضِنِى (2) أَجْوَدَ من مالِى، على أن أَبِيعَكَ كذا.
فالقَضَاءُ والشَّرْطُ باطِلَانِ، وعليه رَدُّ ما قَبَضَه، ويُطالِبُ بمالِه.
..................................
فصل: ومَتَى حَكَمْنَا بفَسَادِ العَقْدِ، لم يَثْبُتْ به مِلْكٌ، سواءٌ اتَّصَلَ به القَبْضُ أو لَا.
ولا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ المُشْتَرِى فيه بِبَيْعٍ، ولا هِبَةٍ، ولا عِتْقٍ، ولا غيرِه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حَنِيفةَ: يَثْبُتُ المِلْكُ فيه إذا اتَّصَلَ به القَبْضُ، وللبَائِعِ الرُّجُوعُ فيه، فيَأْخُذُه مع زِيادَتِه المُنْفَصِلةِ 1، إلَّا أن يَتَصَرفَ فيه المُشْتَرِى تصَرُّفًا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ فيه، فيَأْخُذَ قِيمَتَه.
مُحْتَجًّا بحَدِيثِ بَرِيرَةَ؛ فإنَّ عائِشَةَ اشْتَرَتْها بشَرْطِ الوَلاءِ، فأعْتَقَتْها، فأَجَازَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- العِتْقَ، والبَيْعُ فاسِدٌ.
ولأنَّ المُشْتَرِىَ على صِفَةٍ يملِكُ المَبِيع ابْتِداءً بعَقْدٍ، وقد حَصَلَ عليه الضَّمَانُ للبَدَلِ عن 2 عَقْدٍ فيه تَسْلِيطٌ، فوَجَبَ أَنْ يَمْلِكَه، كالعَقْدِ الصَّحِيحِ.
ولَنا، أنَّه مَقْبُوضٌ بعَقْدٍ فاسِدٍ، فلم يمْلِكْهُ، كما لو كان الثَّمَنُ مَيْتَةً، أو دَمًا.
فأمّا حَدِيثُ بَرِيرَةَ، فإنّمَا يَدُلُّ على صِحَّةِ العَقْدِ، لا على ما ذَكَرُوه.
وليس في الحَدِيثِ أنَّ عائِشَةَ اشْتَرَتْهَا بهذا الشَّرْطِ، بل الظاهِرُ أنَّ أَهْلَها حينَ بَلَغَهُم إنْكَارُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- هذا الشَّرْطَ، تَرَكُوهُ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ الشَّرْطَ كان سابِقًا للعَقْدِ، فلم يُؤَثِّرْ فيه.
..................................
فصل: وعليه رَدُّ المَبِيعِ، مع نَمائِه [المُتَّصِلِ و] 1 المُنْفَصِلِ، وأُجْرَةِ مثلِه مُدَّةَ بقَائِه في يَدَهِ، وإنْ نَقَصَ ضَمِنَ نَقْصَهُ؛ لأنَّها جُمْلَةٌ مَضْمُونَةٌ، فأجْزَاؤُها تكونُ مَضْمُونَةً أيضًا.
وإنْ تَلِفَ المَبِيعُ في يَدِ المُشْتَرِى، فعليه ضَمانُه بقِيِمَتِه يومَ التَّلَفِ.
قاله القاضِى.
ولأنَّ أَحمَدَ نَصَّ عليه في الغَصْبِ.
ولأنَّه قَبَضَه بإذْنِ مالِكِه، فأشْبَهَ العارِيَّةَ.
وذَكَرَ الخِرَقِىُّ في الغَصْبِ، أنّه يَلْزَمُه قِيمَتُه أكْثَرَ ما كانت.
فيُخَرَّجُ ههنا كذلك.
ولأصْحابِ الشافِعِىِّ وَجْهَانِ كهذَيْنِ.
فصل: فإنْ كان المَبِيعُ أمَةً، فَوَطِئَها المُشْتَرِى، فلا حَدَّ عليه؛ لاعْتِقَادِه أَنَّها مِلْكُه، ولأنَّ في المِلْكِ اخْتِلَافًا.
وعليه مَهْرُ مِثْلِها؛ لأنَّ الحَدَّ إذا سَقَطَ للشُّبْهَةِ، وَجَبَ المَهْرُ.
ولأنَّ الوَطْءَ في مِلْكِ الغَيْرِ يُوجِبُ المَهْرَ.
وعليه أرْشُ البَكَارَةِ، إنْ كانَتْ بِكْرًا.
فإنْ قيلَ: أليس إذا تَزَوَّجَ امرأةً تَزْويجًا فاسِدًا، فَوَطِئَها، فأزَالَ بكَارَتَها، لا يَضْمَنُ البَكَارَةَ؟ قُلْنا: لأنَّ النِّكَاحَ.
تَضَمَّنَ الإِذْنَ في الوَطْء المُذْهِب للبَكَارَةِ؛ لأنَّه مَعْقودٌ على الوَطْءِ، ولا كذلك البَيْعُ، لأنَّه ليس بمَعْقودٍ على الوَطْءِ،
..................................
بدَلِيلِ أنَّه يَجُوزُ شِراءُ مَنْ لا يَحِلَّ وَطْؤُها.
فإنْ قيلَ: فإذا أوْجَبْتُم مَهْرَ بِكْرٍ، فكيف تُوجِبُونَ ضمانَ البَكَارَةِ، وقد دَخَلَ ضَمانُها في المَهْرِ؟ وإذا أوْجَبْتُم ضمانَ البَكَارَةِ، فكيف تُوجِبُونَ مَهْرَ بِكْرٍ، وقد أَدَّى عِوَضَ البَكَارَةِ بضَمانِه لها، فجَرَى مَجْرَى مَنْ أَزَالَ بكارَتَها بإصْبَعِه، ثم وَطِئَها؟ قُلْنا: لأَنَّ مَهْرَ البِكْرِ ضمانُ المَنْفَعَةِ، وأَرْشَ البَكَارَةِ ضمانُ جُزْءٍ، فلذلك اجْتَمَعَا، وأمّا الثَّانِى، فإنَّه إذا وَطِئَها بِكْرًا، فقد اسْتَوْفَى نَفْعَ هذا الجُزْءِ، فَوَجَبَتْ قِيمَةُ ما اسْتَوْفَى مِن نَفْعِه، وإذا أَتْلَفَه وَجَبَ ضمانُ عَيْنِه، ولا يَجُوزُ أن يَضْمَنَ العَيْنَ ويُسْقِطَ ضمانَ المَنْفَعَةِ، كما لو غَصَبَ عَيْنًا ذاتَ مَنْفَعَةٍ، فاسْتَوْفَى مَنْفَعَتَها، ثم أَتْلَفَها، أو غَصَبَ ثَوْبًا، فلَبِسَه حتى أَبْلاهُ وأتْلَفَه، فإنَّه يَضْمَنُ القِيمَةَ والمَنْفَعَةَ، كذا ههُنا.
فصل: وإنْ وَلَدَت كان وَلَدُها حُرًّا؛ لأنَّه وَطِئَها بشُبْهَةٍ، ويَلْحَقُ به؛ لذلك، ولا ولاءَ عليه؛ لأنَّه حُرُّ الأَصْلِ، وعلى الوَاطِئَ قِيمَتُه يومَ وَضْعِه؛ لأنَّه يومُ الحَيْلُولَةِ بَيْنَه وبينَ صاحِبِه.
فإنْ سَقَطَ مَيْتًا لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه إِنَّما يَضْمَنُه حينَ وَضْعِه، ولا قِيمَةَ له حِينَئِذٍ.
فإنْ قيلَ: فلو ضَرَبَ بَطْنَها فألْقَتْ جَنِينًا مَيْتًا وجَبَ ضَمانُه.
قُلْنا: الضّارِبُ يَجِبُ عليه غُرَّةٌ، وههُنا يَضْمَنُه بقِيمَتِه، ولا قِيمَةَ له، ولأنَّ الجانِىَ أتْلَفَه وقَطَعَ نماءَه، وههُنا يَضْمَنُه
..................................
بالحَيْلُولَةِ [بينه وبينَ سَيِّدِه، وَوَقْتُ الحَيْلُولةِ وَقْتُ السُّقُوطِ، وكان مَيْتًا، فلم يجبْ ضَمانُه، وعليه ضَمانُ نقْصِ الوِلادةِ] 1. فإن كان الضَّارِبُ أَجْنَبيًّا، فألْقَتْ جَنِينًا مَيْتًا، فعلى الضّارِبِ غُرَّةٌ؛ عَبْدٌ أو أَمَةٌ، للسَّيِّدِ أقَلُّ الأَمْرَيْنِ مِن دِيَةِ الجَنِينِ، أو قِيمتِه يومَ سَقَطَ؛ لأنَّ ضمانَ الضّارِبِ له قامَ مَقامَ خُرُوجِه حَيًّا، ولذلك ضَمِنَه للبائِعِ.
وإنَّما كان للسَّيِّدِ أقلُّ الأمْرَيْنِ؛ لأنَّ الغُرَّةَ إنْ كانَتْ أَكْثَرَ مِن القِيمَةِ، فالباقِى منها لوَرَثَتِه؛ لأنَّه حَصَلَ بالحُرِّيَّةِ، فلا يَسْتَحِقُّ السَّيِّدُ منها شيئًا.
وإنْ كانَتْ أقَلَّ، لم يَكُنْ على الضّارِبِ أكثرُ منها؛ لأنَّهُ بسَبَبِ ذلك ضَمِنَ.
وإنْ ضَرَبَ الواطِئُ بَطْنَها، فأَلْقَتِ الجَنِينَ مَيْتًا، فعليه الغُرَّةُ أيضًا، ولا يَرِثُ منها شيئًا، وللسَّيِّدِ أقَلُّ الأَمْرَيْنِ، كما ذَكَرْنا.
وإنْ سَلَّمَ الجارِيَةَ المَبِيعَةَ إلى البائِعِ حامِلًا، فوَلَدَتْ عندَه، ضَمِنَ نَقْصَ الوِلادَةِ، وأنْ تَلِفَتْ بذلك ضَمِنَها؛ لأنَّ تَلَفَها بسَبَبٍ منه.
وإنْ مَلَكَها الواطِئُ، لم تَصِرْ بذلك أُمَّ وَلَدٍ، على الصَّحِيحِ مِن المَذهَبِ؛ لأَنَّها عَلِقت منه في غيرِ مِلكِه، فأشْبَهَ 2 الزَّوْجَةَ.
وهكذا كُلُّ مَوْضِعٍ حَبِلَتْ في مِلْكِ غيرِه، لا تَصِيرُ له أُمَّ وَلَدٍ بهذا.