الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 457-496

كِتَابُ الطَّلَاقِ

صفحات 457-496

..................................  فصل: ولا يُمْنَعُ مِن وَطْءِ زَوْجَتِه قبلَ فِعْلِ ما حَلَفَ عليه.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ ومالكٌ، وأبو عُبَيدٍ: لا يَطَأُ حتى يَفْعَلَ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدمُ الفِعْلِ، ووقوعُ الطَّلاقِ.
وروَى الأثْرَمُ عن أحمدَ مثلَ ذلك.
وقال الأنْصارِيُّ، ورَبِيعةُ، ومالكٌ: يُضْرَبُ له أجَلُ المُولِي، كما لو حَلَفَ أن لا يَطَأَها.
ولَنا، أنَّه نِكاحٌ صَحِيحٌ، لم يَقَعْ فيه طَلاقٌ ولا غيرُه من أسْبابِ التَّحْريمِ، فَحلَّ له الوَطْءُ فيه، كما لو قال: إن طَلَّقْتُكِ فأنتِ طالقٌ.
وقولُهم: الأصْلُ عَدَمُ [الفِعْلِ، ووُقوعُ] 1 الطَّلاقِ.
قُلْنا: هذا الأصْلُ لم يَقْتَضِ وُقوعَ الطَّلاقِ، فلم يَقْتَضِ حُكْمَه، ولو وَقَعَ الطَّلاقُ بعدَ وَطْئِه لم يَضُرَّ، كما لو طَلَّقَها ناجِزًا، وعلى أنَّ الطَّلاقَ ههُنا إنَّما يَقَعُ في زمنٍ لا 2 يُمْكِنُ الوَطْءُ بعدَه، بخِلافِ قولِه: إن وَطِئْتُكِ فأنتِ طالقٌ.
فصل: إذاحَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ شيئًا، ولم يُعَيِّنْ له وَقْتًا بلَفْظِه ولا نِيَّتِه، فهو على التَّراخِي أيضًا؛ لأنَّ لَفْظَه مُطْلَقٌ بالنِّسْبَةِ إلى الزَّمانِ كلِّه، فلا يَتَقَيُّدُ بدونِ تَقْييدِه، ولذلك لمَّا قال اللهُ تعالى في السَّاعةِ: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ 3. وقال: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا

وَإِنْ قَال: مَنْ لَمْ أُطَلِّقْهَا.
أَوْ: أَيَّ وَقْتٍ لَمْ أُطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ طَلَاقُهَا فِيهِ، طَلُقَتْ.
عَمِلْتُمْ} 1. [كان ذلك] 2 على التَّراخِي، ولَمّا قال الله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ 3. كان ذلك على التَّراخِي؛ فإنَّ الآيةَ نَزَلَتْ في نوْبَةِ الحُدَيبِيَةِ في سنةِ ستٍّ، وتَأَخَّرَ الفَتْحُ إلى سَنَةِ ثَمانٍ.
ولذلك رُوِيَ عن عمرَ، أنَّه قال: قلت للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أوَ ليس كنتَ تُحَدِّثُنا أنَّا سَنَأْتي البَيتَ ونَتَطوَّفُ به؟ قال: «بَلَى، فَأَخْبَرتُكَ أنَّك آتِيهِ الْعَامَ؟».
قلتُ: لا.
قال: «فَإنَّكَ آتِيهِ وَمُطوِّفٌ بهِ» 4. وهذا لا خِلافَ فيه نَعْلَمُه.

وَإِنْ قَال: إِذَا لَمْ أُطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَهَلْ تَطْلُقُ فِي الْحَالِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ.
وَإِنْ قَال: كُلَّمَا لَمْ أُطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ طَلَاقُهَا فِيهِ ثَلَاثًا، وَلَمْ يُطَلِّقهَا، طَلُقَتْ ثَلَاثًا، إلا الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فَإِنَّها تَبِينُ بِالْأُولَى.

3553 - مسألة: (وإن قال: إذا لم أُطَلِّقْكِ فَأنْتِ طَالقٌ)

ولم يُطَلِّقْهَا (فهل تَطْلُقُ في الحالِ؟ على وَجْهَينِ) بِناءً على قَوْلِنا: هي على الفَوْرِ، أو على التَّراخِي.
وقد ذَكَرْنا وَجْهَ القَوْلَينِ.
3554 -

مسألة: (وإن قال: كُلَّمَا لَم أُطَلِّقْكِ فَأنْتِ طَالقٌ. فمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ فِيهِ طَلاقُها ثلاثًا، ولم يُطَلِّقْها، طَلُقَتْ ثَلاثًا)

لأنَّ «كُلَّما» تَقْتَضِي التَّكْرارَ ([إلَّا التي لم يَدْخُلْ بها، فإنَّها تَبِينُ بالأُولَى]) 1

وَإِنْ قَال الْعَامِّيُّ: أَنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، فَهُوَ شَرْطٌ، وَإِنْ قَالهُ عَارِفٌ بِمُقْتَضَاهُ، طَلُقَتْ فِي الْحَالِ.
[لأنَّ «كلَّما» تقتضي التَّكْرارَ] (1) على ما بَيَّنَّا، قال الله تعالى: ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ (2). فيَقْتضى تَكْرَارَ الطَّلاقِ بتَكْرارِ الصِّفَةِ، والصِّفةُ عَدَمُ طَلاقِه لها، فإذا مَضَى زمنٌ يُمْكِنُ فيه أن يُطَلِّقَها ولم يَفْعَلْ، فقد وُجِدَتِ الصِّفَةُ، فتَقَعُ واحدةٌ وثانِيَةٌ وثالثةٌ، إن كانتْ مَدْخولًا بها، وإن لم تَكُنْ مدْخولًا بها، بانَتْ بالأُولَى، ولم يَلْزَمْها ما بعدَها؛ لأنَّ البائنَ لا يقَعُ عليها طَلاقٌ.

3555 -

مسألة: (وإن قال العامِّيُّ: أنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فأنْتِ طالقٌ. بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، فهو شَرْطٌ)

لأنَّ العَامِّيَّ لا يُريدُ بذلك إلَّا الشَّرْطَ، ولا يَعْرِفُ أنَّ مُقْتَضاها التَّعْليلُ، فلا يُريدُه، فلا يَثْبُتُ له حُكْمُ ما لا يَعْرِفُه ولا يُريدُه، كما لو نَطَقَ بكلمةِ الطَّلاقِ بلسانٍ لا يَعْرِفُه.
وإن كان نَحْويًّا،12

وَحُكِيَ عَنِ الْخَلَّالِ، أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَنْو مُقْتَضَاهُ فَهُوَ شَرْطٌ أَيضًا.
وَقَعَ طلاقُه في الحالِ؛ لأنَّ «أنْ» المفْتوحةَ ليستْ للشَّرْطِ إنَّما هي للتَّعْليلِ، فمعناه: أنتِ طالقٌ لأنَّكِ 1 دخلتِ الدَّارَ.
أو: لدُخولِك الدَّارَ.
كقولِه تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ 2. و ﴿تَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ 3. و ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ 4. قال القاضي: هذا التَّفْصيلُ قياسُ المذهبِ.
(وحُكِيَ عن الخَلَّالِ) أنَّ حُكْمَ النحْويِّ حُكْمُ العَامِّيِّ، في أنَّه لا يَقَعُ طَلاقُه بذلك، إلَّا أن يَنْويَه؛ لأنَّ الطَّلاقَ يُحْمَلُ على العُرْفِ في حَقِّهِما جميعًا.
وقال أبو بكرٍ: تَطْلُقُ في الحالِ في حَقِّهما جميعًا، عَمَلًا بمُقْتَضى اللُّغَةِ.
واخْتلَفَ أصحابُ الشافعيِّ على ثلاثةِ أوْجُهٍ؛ أحدُها، يَقَعُ في الحالِ في حقِّهما جميعًا، كقولِ أبي بكرٍ.
والثاني، يكونُ شَرْطًا في حَقِّ العامِّيِّ 5،

وَإِنْ قَال: إِنْ قُمْتِ وَأَنْتِ طَالِقٌ.
طَلُقَتْ فِي الْحَالِ.
وَإِنْ قَال: أَرَدْتُ الْجَزَاءَ.
أَوْ: أرَدْتُ أنْ أَجْعَلَ قِيَامَهَا وَطَلَاقَهَا شَرْطَينِ لِشَيْءٍ، ثُمَّ أَمْسَكْتُ.
دُيِّنَ، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَينِ.
وتَعْليلًا في حَقِّ النَّحْويِّ، على ما ذكَرَه القاضي.
والثالثُ، يَقَعُ الطَّلاقُ إلَّا أن يكونَ من (1) أهلِ الإِعْرابِ، فيقولُ: أردتُ الشَّرْطَ.
فيُقْبَلُ؛ لأنَّه لا يجوزُ صَرْفُ الكلامِ عن مُقْتَضاه إلَّا بقَصْدِه.
وإن قال: أنتِ طالقٌ إذْ دَخَلْتِ الدَّارَ.
طَلُقَتْ في الحالِ؛ لأنَّ «إذْ» للماضِي.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَقَعَ؛ لأنَّ الطَّلاقَ لا يَقَعُ في زمنٍ ماضٍ، كقولِه: أنتِ طالقٌ أمسِ.

3556 -

مسألة: (وإن قال: إن قُمْتِ وأنْتِ طالقٌ. طَلُقَتْ في الحالِ)

لأنَّ الواوَ ليستْ جوابًا للشرْطِ (فَإنْ قَال: أرَدْتُ) بِهَا (الجَزَاءَ.
أو: أرَدْتُ أن أجْعَلَ قِيَامَها وطَلاقَهَا شَرْطَينِ لِشَيءٍ، ثُمَّ أمْسَكْتُ.
دُيِّنَ) لأنَّ ما قاله مُحْتَمِلٌ (وهل يُقْبَلُ فِي الحُكْمِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ) إحْداهما،1

..................................  لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه خلافُ الظَّاهِرِ.
والثانيةُ، يُقْبَلُ؛ لأنَّ قوْلَه يَحْتَمِلُه، وهو أعْلمُ بمُرادِه، وإن جعلَ لهذا جَزاءً، فقال: إن دخَلْتِ الدَّارَ وأنتِ طالقٌ فعبْدِي حُرٌّ.
صَحَّ، ولم يَعْتِقِ العبدُ حتى تدْخُلَ الدَّارَ وهي طالقٌ؛ لأنَّ الواوَ ههُنا للحالِ، كقولِ اللهِ تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ 1. ولو قال: إن دخلْتِ الدارَ طالقًا [فأنتِ طالقٌ] 2. فدخلَتْ وهي طالقٌ، طَلُقَتْ أُخْرَى، [وإن دَخَلَتْها غيرَ طالِقٍ لم تَطلُقْ] 3؛ لأنَّ هذا حالٌ، فجرَى مَجْرَى قولِه: إن دخلْتِ الدَّارَ راكبةً.

..................................  فصل: فإن قال: إن دخَلْتِ الدَّارَ أنتِ طالقٌ.
لم تَطْلُقْ حتى 1 تَدخُلَ.
وبه قال بعضُ الشافعيَّةِ.
وقال محمدُ بنُ الحسَنِ: تَطْلُقُ في الحالِ؛ لأنَّه لم يُعَلِّقْه بدُخولِ الدَّارِ بالفاءِ التي إنَّما يُتَعَلَّقُ بها، فيكونُ كلامًا مُسْتأْنَفًا غيرَ مُعَلَّقٍ بشَرْطٍ، فيَثْبُتُ حُكْمُه في الحالِ.
ولَنا، أنَّه أتَى بحرفِ الشَّرْطِ، فيدُلُّ ذلك على أنَّه أرادَ التَّعْلِيقَ، وإنَّما حَذَفَ الفاءَ وهي مُرادَةٌ، كما يُحْذَفُ المبتدأُ تارةً، والخَبرُ أُخْرَى، لدَلالةِ باقي الكلامِ على المحْذوفِ، ويجوزُ أن يكونَ حَذْفُ الفاءِ على التَّقْديمِ [والتأخيرِ، فكأنَّه قال: أنتِ طالقٌ إن دَخَلْتِ الدَّارَ.
فقَدَّمَ الشَّرطَ، ومُرادُه] 2 التَّأْخيرُ، ومهما أمْكَنَ حَمْلُ كلامِ العاقلِ على فائدةٍ، وتَصْحيحُه عن الفسادِ، وَجَبَ، وفيما ذَكَرْنَا تَصْحيحُه، وفيما ذَكَرُوه [إلْغاؤُه.
وإن] 3 قال: أردتُ الإِيقاعَ في الحالِ.
وَقَعَ؛ لأنَّه يُقِرُّ على نفسِه

..................................  بما هو أغْلَظُ.
وإن قال: أنتِ طالقٌ وإن دخَلْتِ الدَّارَ.
وَقَعَ الطَّلاقُ في الحالِ؛ لأنَّ معناه أنتِ طالقٌ في كُلِّ حالٍ، ولا يَمْنَعُ من ذلك دُخولُكِ الدَّارَ، كقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قَال: لَا إِلهَ إلا اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَإِنْ زَنَى، وإِنْ سَرَقَ» 1. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «صِلْهمْ وَإِنْ قَطَعُوكَ، وَأَعْطِهِمْ وَإِنْ حَرَمُوكَ» 2. وإن قال: أردتُ الشَّرْطَ.
دُيِّنَ.
وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَينِ.
فإن قال: إن دخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ وإن دخَلَتِ الأُخْرَى.
فمتى دخَلَتِ الأُولَى طَلُقَتْ، سواءٌ دخلَتِ الأُخْرَى أو لم تَدْخُلْ، ولا تَطْلُقُ الأُخْرَى.
وقال ابنُ الصَّبَّاغِ: تَطْلُقُ بدُخولِ كلِّ واحدةٍ منهما.
ومُقْتَضَى اللُّغَةِ ما قُلْناه.
وإن قال: أردتُ جَعْلَ الثَّانِي شَرْطًا لطَلاقِها أيضًا.
طَلُقَتْ بكُلِّ واحدةٍ منهما؛ لأنّه يُقِرُّ على نفْسِه بما هو أغْلَظُ.
وإن قال: أردتُ أنَّ دخولَ الثَّانيةِ شَرْطٌ لطلاقِ الثَّانيةِ.
فهو على ما أرادَه.

..................................  وإن قال: إن دخلْتِ الدَّارَ وإن دخَلَتْ هذه الأُخْرَى فأنتِ طالقٌ.
فقد قيلَ: لا تَطْلُقُ إلَّا بدُخولِهما؛ لأنَّه جعلَ طَلاقَها جَزاءً لهذَينِ الشَّرْطَينِ.
ويَحْتَمِلُ أن تَطْلُقَ بأحَدِهما أيِّهما كان؛ لأنَّه ذكَرَ شَرْطَينِ بحَرْفَينِ، فيَقْتَضِي كلُّ واحدٍ منهما جَزاءً، فتَرك ذِكْرَ جزاءِ الأوَّلِ، وكان الجزاءُ الآخَرُ دَالًّا عليه، كما لو قال: ضَرَبْتُ وضَرَبَنِي زيدٌ.
قال الفَرَزْدَقُ 1: ولَكِنَّ نِصْفًا لو سَبَبْتُ وسَبَّنِي … بَنو عَبْدِ شَمْسٍ مِنْ قُرَيشٍ وَهَاشِمِ والتَّقدير سَبَّني هؤلاءِ وسَبَبْتهم.
وقال الله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ 2. أي عن اليمينِ قَعِيدٌ وعن الشِّمالِ قَعِيدٌ.
فصل: ولو قال: أنتِ طالقٌ لو قمْتِ.
كان ذلك شَرْطًا بمَنْزِلةِ قوْلِه: إن قُمْتِ.
ويُحْكَى هذا عن أبي يوسفَ؛ لأنَّها لو لم تَكُنْ للشَّرْطِ كانتْ

وَإِنْ قَال: إِنْ قُمْتِ فَقَعَدْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
أَوْ: إِنْ قَعَدْتِ إِذَا قُمْتِ.
أَوْ: إِنْ قَعَدْتِ إِنْ قُمْتِ.
لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَقُومَ ثُمَّ تَقْعُدَ.
لَغْوًا، والأصْلُ اعْتِبارُ كَلامِ المُكَلَّفِ.
وقيلَ: يَقَعُ الطَّلاقُ في الحالِ.
وهذا قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ، لأنَّها بعدَ الإِثْباتِ تُسْتَعْملُ لغيرِ المَنْعِ، كقَوْلِه تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ (1)، ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ (2). وإن قال: أردتُ أن أجْعلَ لها جوابًا.
دُيِّنَ.
[وهل] (3) يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَينِ.

3557 -

مسألة: (وإن قَال: إن قُمْتِ فَقَعَدْتِ فَأنْتِ طَالقٌ)

أو: إنْ قُمْتِ ثم قَعَدْتِ (لم تَطْلُقْ حَتَّى تَقُومَ ثُمَّ تَقْعُدَ) لأنَّهُمَا حَرْفَا تَرْتِيبٍ، وكذلك إن قال (إن قَعَدْتِ إذَا قُمْتِ.
أو: إنْ قَعَدْتِ إنْ قُمْتِ) لأنَّ اللَّفْظَ اقْتَضَى تَعْلِيقَ الطَّلاقِ بِالْقُعُودِ بَعْدَ الْقِيَامِ.
فصل: وإن قال: إن قُمْتِ إذا قَعَدْتِ.
أو: إن قُمْتِ إن قَعَدْتِ.123

..................................  لم تَطْلُقْ حتى تَقْعُدَ ثم تقومَ.
وكذلك إن قال: أنتِ طالقٌ إن أكَلْتِ إذا لَبِسْتِ.
أو: إن أكَلْتِ إن لَبسْتِ.
أو: إن أكَلْتِ متى لَبِسْتِ.
لم تَطْلُقْ حتى تَلْبَسَ ثم تَأْكُلَ.
ويُسَمِّيه النَّحْويُّونَ اعْتِراضَ الشَّرْطِ على الشَّرْطِ، فيَقْتَضِي تقْديمَ المُتَأَخِّرِ وتأْخِيرَ المتقدِّمِ؛ لأنَّه جَعَلَ الثَّانِيَ في اللَّفْظِ شَرْطًا للذي قبلَه، والشَّرْطُ يَتَقَدَّمُ المَشْروطَ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْويَكُمْ﴾ 1. فلو قال لامرأتِه: إن أعطيتُكِ، إن وعدْتُكِ، إن سألْتِيني 2، فأنتِ طالقٌ.
لم تَطْلُقْ حتى تسْألَه، ثم يَعِدَها، ثم يُعطِيهَا؛ لأنَّه شَرَطَ في العَطِّيَّةِ الوَعْدَ، وفي الوعدِ السُّؤال، فكأنَّه قال: إن سألْتِيني (2)، فوعَدْتُكِ، فأعْطَيتُكِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقال القاضي، إذا كان

وَإِنْ قَال: إِنْ قُمْتِ وَقَعَدْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
طَلُقَتْ بِوُجُودِهِمَا كَيفَمَا  الشَّرْطُ بـ «إذا» (1) كقوْلِنا، وفيما إذا كان بـ «إن» مثلَ قولِه: إن شَرِبْتِ إن أكلتِ.
أنَّها تَطْلُقُ بوُجودِهما كيفما وُجِدَا.
قال: لأنَّ أهلَ العُرْفِ لا يعْرِفون (2) ما يقولُه أهلُ العربيَّةِ في هذا، فتَعلَّقَتِ اليَمِينُ بما يَعْرِفُه أهلُ العُرْفِ، بخِلافِ ما إذا كان الشَّرْطُ بـ «إذا» (1). قال شيخُنا (3): والصَّحيحُ الأوَّلُ، وليس لأهلِ العُرْفِ في هذا عُرْفٌ؛ فإنَّ هذا الكلامَ غيرُ مُتَدَاوَلٍ بينَهم، ولا يَنْطِقُونَ به إلَّا نادرًا، فيَجِبُ الرُّجوعُ فيه إلى مُقْتَضاه عندَ أهلِ اللِّسانِ.
والله أعلمُ.

3558 -

مسألة: (وإن قال: إن قُمْتِ وَقَعَدْتِ فأنْتِ طالقٌ.

123

كَانَ.
وَعَنْهُ، تَطْلُقُ بِوُجُودِ أَحَدِهِمَا، إلا أنْ يَنْويَ.
وَالأوَّلُ أَصَحُّ.
طَلُقَتْ بِوُجُودِهَما كَيفَما كان) لأنَّ الواوَ لا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا، ولا تَطْلُقُ بوُجودِ أحدِهما؛ لأنَّهَا للجَمْعِ، فلم يقَعْ قبلَ وُجُودِهما جميعًا (وعنه) أنَّها (تَطْلُقُ بوُجودِ أحَدِهما) وخَرَّجَه القاضي وَجْهًا؛ بِناءً على إحْدَى الرِّوايَتَينِ، في مَن حَلَفَ لا يَفْعَلُ شيئًا، فَفَعلَ بعضَه.
والأوَّلُ أصَحُّ، وهذه الرِّوايةُ بَعِيدةٌ جدًّا، تُخالِفُ الأصُولَ ومُقْتَضَى اللُّغَةِ والعُرْفَ وعامَّةَ أهلِ العلمِ؛ فإنَّه لا خلافَ بينَهم في أنَّه إذا عَلَّقَ الطَّلاقَ على شَرْطَينِ مُرَتَّبَين، في مثلِ قولِه: إن قُمْتِ فقَعَدْتِ.
أنَّه لا يقَعُ بوُجودِ أحَدِهما، فكذلك هنا 1، ثم يَلْزَمُ على هذا ما لو قال: إن أعْطَيتِنِي دِرْهَمين فأنتِ طالقٌ.
أو: إذا مَضَى شَهْران فأنتِ طالقٌ.
فإنَّه لا خلافَ في أنَّها لا تَطلُقُ قبلَ وُجودِهما جميعًا، وكان قولُه يقْتَضِي الطَّلاقَ بإعْطائِه بعضَ دِرْهمٍ، ومُضِيِّ بعضِ يومٍ، وأصولُ الشَّرْعِ تَشْهدُ بأنَّ الحُكْمَ المُعَلَّقَ بشَرْطَينِ لا يَثْبُتُ إلَّا بهما، وقد نَصَّ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، في أنَّه إذا قال: إذا حِضْتِ حيضَةً فأنتِ طالقٌ.
أو: إذا صُمْتِ يومًا فأنتِ طالقٌ.

وَإِنْ قَال: إِنْ قُمْتِ أَوْ قَعَدْتِ فَأنْتِ طَالِقٌ.
طَلُقَتْ بِوُجُودِ أَحَدِهِمَا.
أنَّها لا تَطْلُقُ حتى تَحيضَ حَيضَةً كاملةً، وإذا غابَتِ الشَّمْسُ مِن اليومِ الذي تَصُومُ (1) فيه طَلُقَتْ، وأمَّا اليَمِينُ، فإَّنه متى كان في لَفْظِه أو نِيَّتِه ما يَقْتَضِي جميعَ المَحْلوفِ عليه، لم يَحْنَثْ إلَّا بفِعْلِ جميعِه، وفي مَسألتِنا ما يَقْتَضِي تَعْليقَ الطَّلاقِ بالشَّرْطينِ؛ لتَصْريحِه بهما، وجَعْلِهما شَرْطًا للطَّلاقِ، والحُكْمُ لا يَثْبُتُ بدونِ شَرْطِه، على أنَّ اليَمِينَ مُقْتَضاها المَنْعُ ممَّا حَلَفَ عليه، فيَقْتَضِي المنعَ مِن فِعْلِ جميعِه، كنَهْي الشَّارعِ عن شيءٍ يَقْتَضِي المنعَ مِن كلِّ جزءٍ منه، كما يَقْتَضِي المنعَ مِن جُمْلَتِه، وما عُلِّقَ على شَرْطٍ جُعِلَ جَزاءً وحُكْمًا له (2)، والجزاءُ لا يُوجَدُ بدونِ شَرْطِه، والحُكْمُ لا يتَحَقَّقُ قبلَ تَمامِ شَرْطِه، لُغَةً وعُرْفًا وشَرْعًا.

3559 -

مسألة: (وإنْ قَال: إنْ قُمْتِ أَوْ قَعَدْتِ فأنْتِ طالقٌ.

12

فَصْلٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِالْحَيضِ: إِذَا قَال: إِذَا حِضْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
طَلُقَتْ بِأَوَّلِ الْحَيضِ، فَإِنْ بَانَ أَنَّ الدَّمَ لَيسَ بِحَيضٍ، لَمْ تَطلُقْ بِهِ.
طَلُقَتْ بوُجُودِ أحَدِهما) لأنَّ «أو» لأحَدِ الشَّيئَينِ، وكذلك إنْ قال: إن أكَلْتِ.
أو: إنْ لَبِسْتِ.
أو: لا أكَلْتِ ولا لَبِسْتِ.
لأنَّ «أو» تَقْتَضِي تَعْليقَ الجزاءِ على واحدٍ من المَذْكورِ، كقولِه سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ 1. فصل في تَعْلِيقِه بالحيضِ: قال الشَّيخُ، رَحِمَه الله: (إذا قال) لامْرأتِه (إن حِضْتِ فأنتِ طالقٌ.
طَلُقَتْ بأوَّلِ الحَيضِ) لأنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ، ولذلك 2 حَكَمْنا أنَّه حَيضٌ في المنْعِ من الصَّلاةِ والصِّيامِ (فإنْ بانَ أنَّ الدَّمَ ليس بحَيضٍ) [إمَّا أن يَنْقُصَ عن أقلِّ الحيضِ، أو لكوْنِهَا بنتَ دونَ تسعِ سنينَ] 3 (لم تَطْلُقْ) وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأنَّا تَبَيَّنا أنَّ الصِّفَةَ لم تُوجَدْ.

وَإِذَا قَال لِطَاهِرٍ: إِذَا حِضْتِ حَيضَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ.
لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، وَلَاتَعْتَدُّ بِالْحَيضَةِ الَّتِي هِيَ فِيهَا.

3560 - مسألة: (وإذا قال لطاهرٍ: إذا حِضْتِ حَيضَةً فأنتِ طالقٌ. لم تَطْلُقْ حتى تَحِيضَ ثم تَطْهُرَ)

نصَّ عليه أحمدٌ 1؛ لأَنها لا تَحِيضُ حَيضَةً إلَّا بذلك (ولا تَعْتَدُّ بالحَيضةِ التي هي فيها) لأنَّها ليستْ حَيضَةً كاملةً.
وإن قال: إذا حِضْتِ حَيضَةً فأنتِ طالقٌ، وإذا حِضْتِ حَيضَتَينِ فأنتِ طالقٌ.
فحاضَتْ حَيضَةً، طَلُقَتْ واحدةً، فإذا حاضَتِ الثَّانيةَ، [طَلُقَتِ الثَّانِيةَ] 2 عندَ طُهْرِها.
وإن قال: إذا حِضْتِ حَيضةً

وَإِنْ قَال: إِذَا حِضْتِ نِصْفَ حَيضَةٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
احْتَمَلَ أَنْ يُعْتَبَرَ نِصْفُ عَادَتِهَا، وَاحْتَمَلَ أَنَّهَا مَتَى طَهُرَتْ، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ فِي نِصْفِهَا، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَلْغُوَ قَوْلُهُ: نِصْفَ حَيضَةٍ.
وَقِيلَ: إِذَا حَاضَتْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَنِصْفًا طَلُقَتْ.
فأنتِ طالقٌ، ثم إذا حِضْتِ حَيضتَينِ فأنتِ طالقٌ.
لم تَطْلُقِ الثَّانيةَ حتى تَطْهُرَ مِن الحَيضَةِ الثَّالثةِ؛ لأنَّ «ثُمَّ» للتَّرْتِيبِ، فتَقْتَضِي حَيضَتَين بعدَ الطَّلْقَةِ الأُولَى، لكَوْنِهما مُرَتَّبَتَينِ عليها (1).

3561 -

مسألة: (وإذا قال: إذا حِضْتِ نِصْفَ حَيضَةٍ فأنْتِ طالقٌ)

طَلُقَتْ إذَا ذَهَب نِصْفُ الحَيضَةِ، ويَنْبَغِي أن يُحْكَمَ بِوُقوعِ الطَّلاقِ إذا حاضَتْ نِصْفَ عادَتِها؛ لأنَّ الأحْكامَ تَعلَّقَتْ بالعادَةِ، فَيتعلَّقُ بها وُقوعُ الطَّلاقِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَقَعَ الطَّلاقُ حتى يَمْضِيَ 2 سبعةُ أَيَّامٍ ونِصْفٌ؛ لأنَّا لا نَتَيَقَّنُ مُضِيَّ نِصْفِ الحَيضِ إلَّا بذلك، إلَّا أنْ تَطْهُرَ لأقَلَّ1

وَإِنْ قَال: إِذَا طَهُرْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
طَلُقَتْ إِذَا انْقَطَعَ  مِن ذلك، ومتى طَهُرَتْ تَبَيَّنَّا وُقوعَ الطَّلاقِ في نِصْفِ الحَيضَةِ.
وحُكِيَ عن القاضِي أنَّه يَلْغُو قَولُه: نِصْفَ حَيضَةٍ.
فعلى هذا، يَتَعَلّقُ طَلَاقُها بأوَّلِ الدَّمِ؛ لأَنَّها لا نِصْفَ لَها، فيكونُ كقولِه: إذا حِضْتِ.
وقيل: يَلْغو قولُه: نِصفٌ.
فهو كقولِه: إذا حِضْتِ حَيضَةً.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ فإنَّ الحَيضَ لَه مُدَّةٌ، أقَلُّهَا يومٌ وليلةٌ أَوْ يوْمٌ، فيكونُ له نِصْفٌ (1) حَقِيقَةً، والجَهْلُ بِقَدْرِ ذلك لا يَمْنَعُ وجُودَه وتَعلُّقَ الحُكمِ بِه، كالحَمْلِ.

3562 -

مسألة: (وإن قال: إذا طَهُرْتِ فَأنْتِ طَالقٌ)

وكانت طاهرًا، لم تَطْلُقْ حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ.
وهذا يُحْكَى عن أبي يوسفَ.1

الدَّمُ، وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرًا، فَإِذَا طَهُرَتْ مِنْ حَيضَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ.
وَإِذَا  وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: الذي يَقْتَضِيه مذهبُ الشافعيِّ أنَّها تَطْلُقُ بما يتَجدَّدُ مِن طُهْرِها، وكذلك قال في قوْلِه: إذا حِضْتِ فأنتِ طالقٌ.
وكانت حائضًا، أنَّها تَطْلُقُ بما يتَجدَّدُ مِن الحَيضِ؛ لأنَّه قد وُجِدَ منها الحَيضُ والطُّهْرُ 1 فَوَقَع الطَّلاقُ لوُجودِ صِفَتِه.
ولَنا، أنَّ «إذا» اسمٌ لزَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، يَقْتَضِي فِعْلًا مُسْتَقْبَلًا، وهذا الطُّهْرُ والحَيضُ مُسْتَدامٌ غيرُ مُتجدِّدٍ، ولا يُفْهَمُ مِن إطْلاقِ 2: حاضَتِ المرأةُ وطَهُرَتْ.
إلَّا ابتداءُ ذلك، [فتَعلَّقَتِ الصِّفَةُ به] 3. فأمَّا إذا قال: إذا طَهُرْتِ فأنتِ طالقٌ.
وهي حائضٌ، طَلُقَتْ بانْقِطاعِ الدَّمِ قبلَ الغُسْلِ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في روايةِ إبراهيمَ الحَرْبِيِّ.
وذكرَ أبو بكَرٍ في «التَّنْبِيهِ» فيها قَوْلًا، أنَّها لا تَطْلُقُ حتى تَغْتَسِلَ، بناءً على العِدَّةِ في أنَّها لا تَنْقَضِي إلَّا بالغُسْلِ.
ولَنا، أنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ 4. أي: يَنْقطعَ دَمُهنَّ، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ (4). أي: اغْتَسَلْنَ.
ولأنَّه قد ثَبَتَ لها أحْكامُ الطّاهراتِ 5 في وُجوبِ الصَّلاةِ وصِحَّةِ الطَّهارةِ والصِّيامِ، وإنَّما

قَالتْ: حِضْتُ.
وَكَذَّبَهَا، قُبِلَ قَوْلُهَا فِي نَفْسِهَا.
بَقِيَ بعضُ الأحكامِ مَوقوفًا (1) على وُجودِ الغُسْلِ، ولأنَّها ليستْ حائضًا، فيَلْزَمُ أن تكونَ طاهِرًا؛ لأنَّهما ضِدَّانِ على التَّعْيينِ، فيَلْزَمُ مِن انْتِفاءِ أحدِهما وُجودُ الآخَرِ.

3563 -

مسألة: (وإذَا قَالتْ):

قد (حِضْتُ.
وكذَّبَها، قُبِلَ قَوْلُهَا فِي نَفْسِهَا) في إحْدَى الرِّوايَتَينِ بغيرِ يَمِينٍ؛ لأنَّهَا أمِينَةٌ على نَفْسِهَا.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
وهو ظاهرُ المذْهبِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ 2. قيلَ: هو الحَيضُ والحَمْلُ.
ولولا أنَّ قَوْلَها فيه مَقْبولٌ، ما حَرَّمَ اللهُ عليها كِتْمانَه، وصارَ كقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ 3. لَمَّا حَرَّمَ كِتْمانَها دلَّ علَى قَبُولِها، كذا ههُنا.
ولأنَّه معنًى فيها لا يُعْرَفُ إلَّا مِن جِهَتِها، فَوجَبَ الرُّجوعُ إلى قَوْلِها فيه، كقَضاءِ عِدَّتِها.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يُقْبَلُ قوْلُها، ويَخْتَبِرُها النِّساءُ، بإدْخالِ قُطْنَةٍ في الفَرْجِ في الزَّمانِ الذي ادَّعَتِ الحَيضَ فيه، فإن ظهرَ الدَّمُ فهي حائِضٌ، وإلَّا فَلا.1

..................................  قال أحمدُ في رِوايةِ مُهَنَّا، في رجلٍ قال لامْرأتِه: إذا حِضْتِ فأنتِ طالقٌ وعَبْدِي حُرٌّ.
قالت: قد حِضْتُ: يَنْظُرُ إليها النِّساءُ، فتُعْطى قُطْنَةً وتُخْرِجُها، فإن خَرجَ الدَّمُ 1 فهي حائضٌ، تَطْلُقُ ويَعْتِقُ العبدُ.
قال أبو بكرٍ: وبهذا أقولُ؛ لأنَّ الحَيضَ يُمْكِنُ التَّوصُّلُ إلى مَعْرِفَتِه من غيرِها، فلم يُقْبَلْ فيه مُجَرَّدُ قَوْلِها، كدُخولِ الدَّارِ.
والأوَّلُ المذهبُ، ولعلَّ أحمدَ إنَّما اعْتَبَرَ البَيِّنَةَ في هذه الرِّوايةِ من أجلِ عِتْقِ العبدِ، فإنَّ قوْلَها إنَّما يُقْبَلُ في حَقِّ نَفْسِها دُونَ غيرِها.
وهل تُعْتَبَرُ يَمِينُها إذا قُلْنا: القَوْلُ قولُها؟ على وَجْهَينِ، بِناءً على ما إذا ادَّعَتْ أنَّ زَوْجَها طَلَّقَها، وأنْكَرَها.
ولا يُقْبَلُ قولُها إلَّا في حَقِّ نفْسِها خاصَّةً دُونَ غيرِها، مِن طلاقِ أُخْرَى، أو عِتْقِ عبدٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رجلٍ قال لامرأتِه: إذا حِضْتِ فأنتِ طالقٌ وهذه معكِ.
لامرأةٍ أُخْرَى 2. قالت: قد حِضْتُ.
من ساعَتِها تَطْلُقُ

وَإِنْ قَال: قَدْ حِضْتِ.
فَأَنْكَرَتْهُ، طَلُقَتْ بِإِقْرَارِهِ.
وَإِنْ قَال: إِنْ حِضْتِ فَأَنْتِ وَضَرَّتُكِ طَالِقَتَانِ.
فَقَالتْ: قَدْ حِضْتُ.
وَكَذَّبَهَا، طَلُقَتْ دُونَ ضَرَّتِهَا.
هي، ولا تَطْلُقُ هذه حتى تَعْلَمَ، لأنَّها مُؤْتَمَنَةٌ [في حقِّ] (1) نفْسِها دُونَ غيرِها، فصارَتْ كالمُودَعِ يُقْبَلُ قولُه في الرَّدِّ على المُودِعِ دُونَ غيرِه.

3564 -

مسألة: (ولو قَال: قد حِضْتِ. فأنْكَرتْهُ، طَلُقَتْ بِإقْرَارِه)

لأنَّه أقَرَّ بما يُوجِبُ طَلاقَها، فأشْبَهَ ما لو قال: قد طَلَّقْتُها.
3565 -

مسألة: (وإن قال: إن حِضْتِ فأنْتِ وَضَرَّتُكِ طالقتان. فقالت: قد حِضْتُ. وَكَذَّبَها، طَلُقَتْ)

وَحْدَهَا؛ لأنَّ قولَها مَقْبولٌ على1

وَإِنْ قَال: إِنْ حِضْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ.
فَقَالتَا: قَدْ حِضْنَا.
فَصَدَّقَهُمَا، طَلُقَتَا، وَإِنْ أكْذَبَهُمَا، لَمْ تَطْلُقَا، وَإِنْ أكْذَبَ إِحْدَاهُمَا، طَلُقَتْ وَحْدَهَا.
نفْسِها، ولا تَطْلُقُ الضَّرَّةُ، إلَّا أنْ تُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى حَيضِهَا.
وإنِ ادَّعَتِ الضَّرَّةُ أنَّها قد حَاضَتْ، لَمْ يُقْبَلْ؛ لأنَّ مَعْرِفَتَها بِحَيضِ غَيرِهَا كَمَعْرِفَةِ الزَّوْجِ بِهِ، وإنَّما اؤْتُمِنَتْ عَلَى نَفْسِهَا فِي حَيضِهَا.
وإن قال: قد حِضْتِ.
وأنْكَرتْ، طَلُقَتا بإقْرارِه.

3566 -

مسألة: (وإن قال)

لامْرَأتَيهِ: (إنْ حِضْتُما فأنتُما طالِقَتان.
فقالتا: قد حِضْنَا.
فَصَدَّقَهُمَا، طَلُقَتَا) لأنَّهما أقَرَّتا وصَدَّقَهما، فوُجِدَتِ الصِّفَةُ في حَقِّهما (وإن كَذَّبَهما) لم تَطْلُقْ واحدةٌ منهما 1؛ لأنَّ طلاقَ كلِّ واحدةٍ منهما مُعَلَّقٌ على شَرْطَينِ، حَيضِها، وحَيضِ ضَرَّتِها، ولا يُقْبَلُ قولُ ضَرَّتِها عليها، فلم يُوجدِ الشَّرْطانِ.
(وإِن كَذَّبَ إحْداهما، طَلُقَتِ) المُكَذَّبَةُ (وَحْدَها) لأنَّ قولَها مَقْبولٌ في حَقِّها، وقد صَدَّقَ الزَّوْجُ ضَرَّتَها، فَوُجِدَ الشَّرْطانِ في طَلاقِها، ولم تَطْلُقِ المُصَدَّقَةُ؛ لأنَّ قولَ ضَرَّتِها غيرُ مَقْبولٍ في حَقِّها، ولم يُصَدِّقْها الزَّوجُ، فلم يُوجدْ شَرْطا طلاقِها.

وَإِنْ قَال ذَلِكَ لِأَرْبَعٍ فَقُلْنَ: قَدْ حِضْنَا.
فَصَدَّقَهُنَّ، طَلُقْنَ، وَإِنْ صَدَّقَ وَاحِدَةً أَو اثْنَتَينِ، لَمْ يَطْلُقْ مِنْهُنَّ شَيْءٌ،

3567 - مسألة: (وإن قال ذلك لأرْبَعٍ)

فَقَدْ عَلَّقَ طَلاقَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ على حَيضِ الأرْبَعِ، فَإنْ (قُلْنَ: قَدْ حِضْنَا.
فَصَدَّقَهُنَّ، طَلُقْنَ) لأنَّه قد وُجِدَ حَيضُهُنَّ بتَصْدِيقِه، وإن كَذَّبَهُنَّ لم تَطْلُقْ واحدةٌ منهُنَّ؛ لأنَّ شَرْطَ طَلاقِهنَّ حَيضُ الأرْبعِ، ولم يُوجَدْ (وإن صَدَّقَ واحدةً أو اثْنَتَينِ) لم تَطْلُقْ واحدةٌ مِنْهُنَّ؛ لأنَّه لم يُوجدِ الشَّرْطُ، لكَوْنِ قولِ كُلِّ

وَإِنْ صَدَّقَ ثَلَاثًا، طَلُقَتِ الْمُكَذَّبَةُ وَحْدَهَا.
وَإِنْ قَال: كُلَّمَا حَاضَتْ إِحْدَاكُنَّ فَضَرَائِرُهَا طَوَالِقُ.
فَقُلْنَ: قَدْ حِضْنَا.
فَصَدَّقَهُنَّ، طَلُقْنَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا،  واحدةٍ منهنَّ لا يُوجَدُ إلَّا في نَفْسِها (وإن صدَّقَ ثلاثًا، طَلُقَتِ المُكَذَّبَةُ وَحْدَها) لأنَّ قولَها مقْبولٌ في حَيضِها، وقد صدَّقَ الزَّوجُ صَواحِبَها، فوُجِدَ حَيضُ الأرْبعِ في حَقِّها، فطَلُقَتْ، ولا تَطْلُقُ المُصَدَّقاتُ؛ لأنَّ قولَ المُكَذَّبَةِ غيرُ مقْبولٍ في حَقِّهِنَّ.

3568 -

مسألة: (وإن قال: كُلَّما حَاضَتْ إِحْداكُنَّ فضَرَائِرُها طَوَالِقُ)

[أو: أيَّتُكُنَّ حاضَتْ فضَرَائِرُها طَوالِقُ] 1. فقد جعلَ حيضَ كلِّ واحدةٍ منهنَّ شَرْطًا لطَلاقِ ضَرائِرِها (فَقُلْنَ: قد حِضْنا.
فصدَّقهُنَّ)

وَإِنْ صَدَّقَ وَاحِدَةً لَمْ تَطْلُقْ، وَطَلُقَتْ ضَرَّاتُهَا طَلْقَةً طَلْقَةً، وَإِنْ صَدَّقَ اثْنَتَينِ، طَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا طَلْقَةً، وطَلُقَتِ الْمُكَذَّبَتَانِ طَلْقَتَينِ طَلْقَتَينِ، وَإِنْ صَدَّقَ ثَلَاثًا، طَلُقَتِ الْمُكَذَّبَةُ ثَلَاثًا.
طَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ منهنَّ [ثلاثًا؛ لأن لِكلِّ 1 واحدةٍ منهنَّ ثلاثَ ضَرَائِرَ، وإن كذَّبهنَّ، لم تَطْلُقْ واحدةٌ منهنَّ] 2؛ لأنَّ قوْلَهنَّ غيرُ مقْبولٍ عليه في طَلاقِ غيرِهنَّ (وإن صدَّقَ واحدةً) منْهنَّ (لم تَطْلُقْ) لأنَّه ليس لها صاحِبَةٌ ثَبَتَ حَيضُها (وطَلُقَتْ ضَرَّاتُها طَلْقَةً طلقةً) لأنَّ لهنَّ صاحبةً قد ثَبَتَ حَيضُها (وإن صَدَّقَ اثْنَتَينِ، طَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ منهما طلقةً) لأنَّ لكلِّ 3 واحدةٍ منهما ضَرَّةً مُصَدَّقَةً (وطَلُقَتِ المُكَذَّبَتانِ طَلْقَتَينِ طَلْقَتَينِ) لأنَّ لكلِّ واحدةٍ منهما ضَرَّتَينِ مُصَدَّقَتَينِ (وإن صدَّقَ ثلاثًا، طَلُقَتِ المُكَذَّبَةُ ثلاثًا) لأنَّ لها ثلاثَ ضَرائِرَ مُصَدَّقاتٍ، وطَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ مِن المُصَدَّقاتِ طَلْقَتَينِ؛ لأنَّ لكلِّ واحدةٍ ضَرَّتَينِ مُصدَّقَتَينِ.
فصل: إذا قال لامْرأتَيه: إن حِضْتُما حَيضةً واحدةً فأنْتما طالِقَتانِ.
لم تَطْلُقْ واحدةٌ منهما حتى تَحِيضَ كلُّ واحدةٍ منهما حَيضَةً واحدةً، ويكونُ التَّقْديرُ: إن حاضَتْ كُلُّ واحدةٍ منكما حَيضَةً واحدةً فأنتما طَالقتانِ.
ويكونُ كقولِه تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ 4. أي: اجْلِدُوا

..................................  كلَّ واحدٍ منهم ثَمانينَ جَلْدةً.
ويَحْتَمِلُ أن يتَعلَّقَ 1 الطَّلاقُ بحَيضِ إحْداهما حَيضَةً؛ لأنَّه [لمَّا تَعَذَّرَ] 2 وُجُودُ الفِعْلِ منهما، وَجَبَتْ إضافَتُه إلى إحْداهما، كقولِه تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ 3. وإنَّما يَخْرُجُ مِن أحَدِهما.
وقال القاضي: يَلْغُو قَولُه: حيضةً واحدةً؛ لأنَّ حَيضَةً واحدةً مِن امْرأتَينِ مُحَالٌ، فيَبْقَى كأنَّه قال: إن حِضْتُما فأنتُما طالقتان.
وهذا أحَدُ الوَجْهَينِ لأصحابِ الشافعيِّ.
والوَجْهُ الآخَرُ، لا تَنْعَقِدُ هذه الصِّفةُ؛ لأنَّها مُسْتحيلةٌ، فيَصِيرُ كتَعْليقِ الطَّلاقِ بالمُسْتَحيلاتِ.
والوَجْهُ الأوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ فيه تَصْحيحَ كلامِ المُكَلَّفِ بحَمْلِه على مَحَلٍّ 4 سائِغٍ، وتبعيدًا لوُقوعِ الطَّلاقِ، واليَقِينُ بقاءُ النِّكاحِ، فلا يَزُولُ حتى يُوجَدَ ما يَقَعُ به الطَّلاقُ يَقِينًا، وغيرُ هذا الوَجْهِ لا يَحْصُلُ به اليَقِينُ.
فإن أرادَ بكلامِه أحدَ هذه الوُجوهِ، حُمِلَ عليه، وإذا ادَّعَى ذلك قُبِلَ منه.
وإذا قال: أردتُ أن تكونَ الحَيضَةُ الواحدةُ منهما، فهو تعْليقٌ للطَّلاقِ بمُسْتحيلٍ، فيَحْتَمِلُ أن يَلْغُوَ قولُه 5: حيضةً.
ويَحْتَمِلُ أن لا 6 يَقَعَ الطَّلاقُ؛ لأنَّ هذه الصِّفَةَ لا تُوجَدُ، فلا يُوجَدُ ما عُلِّقَ عليها، ويَحْتَمِلُ أن يقعَ الطَّلاقُ في الحالِ ويَلْغُوَ

فَصْلٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِالْحَمْلِ: إِذَا قَال: إِنْ كُنْتِ حَامِلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلاقِ حِينَ الْيَمِينِ، وَإِلَّا فَلَا.
الشَّرْطُ، بِنَاءً على ما ذَكَرْناه في تعْليقِ الطَّلاقِ على المُسْتَحِيلِ.
فصل: إذا كان له أرْبعُ نِسْوةٍ، فقال: أيَّتُكُنَّ لم أطَأْها، فضَرائِرُها طَوالِقُ.
وقَيَّدَه بوقتٍ، فمَضَى الوقتُ ولم يَطأْهُنَّ، طَلُقْنَ ثلاثًا ثلاثًا؛ لأنَّ لكلِّ واحدةٍ ثلاثَ ضَرائرَ غيرِ مَوْطُوءاتٍ.
وإن وَطِئَ ثلاثًا وتَركَ واحدةً، لم تَطْلُقِ المتْروكةُ؛ لأنَّها ليست لها ضَرَّةٌ غيرُ مَوْطُوءةٍ، وتَطْلُقُ كلُّ واحدةٍ من المَوْطُوءاتِ طلقةً طلقةً.
وإن وَطِئَ اثْنَتَينِ طَلُقَتا طلْقَتَينِ [طَلْقَتَينِ، وطَلُقَتِ المَتْروكاتُ طلقةً طلقةً.
وإن وَطِئَ واحدةً طَلُقَتْ ثلاثًا، وطَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ مِنَ المَتْروكاتُ طَلْقَتَينِ طَلْقَتَينِ] 1. وإن لم يُقَيِّدْه بوقتٍ، كان وقتُ الطَّلاقِ مُقَيَّدًا بعُمْرِه وعُمْرِهنَّ، فأيَّتُهنَّ ماتتْ طَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ من ضَرائرِها طلقةً طلقةً، وإذا ماتتْ أُخْرَى فكذلك، وإن مات هو طَلُقْنَ كلُّهنَّ في آخِرِ جزءٍ من حياتِه.
فصلٌ في تعْليقِه بالحملِ: قال شيخُنا، رَحِمَه الله: (إذا قال: إن كنتِ حامِلًا فأنتِ طالقٌ.
فتَبَيَّنَ أنَّها كانت حامِلًا، تَبَيَّنَّا وُقوعَ الطَّلاقِ) مِن (حينِ اليمينِ، وإلَّا فلا) ويُعْلَمُ حَمْلُها بأنْ تَلِدَ لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ

وَإِنْ قَال: إِنْ لَمْ تَكُونِي حَامِلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَهِيَ بِالْعَكْسِ.
مِن حينِ اليمينِ، فيقَعُ الطَّلاقُ؛ لوُجودِ شَرْطِه، وإن وَلَدَتْ لأكثرَ مِن أربعِ سِنينَ، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّا عَلِمْنا براءَتَها من الحملِ، وإن وَلدَتْ لأكْثرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ ولأقَلَّ من أربعِ سِنينَ، ولم يكُنْ لها مَن يطَؤُها، طَلُقَتْ؛ لأنَّها كانْت حامِلًا، وإنْ كان لها زَوْجٌ يطَؤُها، فوَلَدَتْ لأقَلَّ من سِتَّةِ أشْهُرٍ من حينِ وَطْئِه، طَلُقَتْ؛ لأنَّنا عَلِمْنا أنَّه ليس من الوَطْءِ، وإن ولَدَتْ لأكثرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ من [حينِ وَطْءِ الزَّوْجِ بعدَ اليمينِ، ولأقَلَّ مِن أربعِ سِنينَ مِن حينِ عَقْدِ الصِّفَةِ، لم تَطْلُقْ] (1)؛ لأنَّ يَقِينَ النِّكاحِ باقٍ، والظَّاهِرُ حدوثُ الولدِ مِن الوطْءِ؛ لأنَّ الأصْلَ عدَمُه قبلَه.

3569 -

مسألة: (وإن قَال: إن لم تَكُونِي حَامِلًا فأنْتِ طَالقٌ.

1

وَيَحْرُمُ وَطْؤُها قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَين، إِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا.
فَهِيَ بالعَكْسِ) ففي كلِّ موْضِعٍ يقَعُ الطَّلاقُ في التي قبلَها، لا يقَعُ ههُنا، وفي كلِّ موضعٍ لا يَقَعُ ثَمَّ، يقَعُ ههُنا، لأنَّها ضِدُّها، إلَّا إذا أتَتْ بولدٍ لأكْثَرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ، ولأقَلَّ مِن أربعِ سِنينَ، هل يَقعُ الطّلاقُ ههُنا؟ فيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، تَطْلُقُ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الحَمْلِ قبلَ الوَطْءِ.
والثاني، لا تَطْلُقُ؛ لأنَّ الأصْلَ بقاءُ النِّكاحِ.

3570 -

مسألة: (ويَحْرُمُ وَطْؤُها قَبْلَ اسْتِبْرَائِها في إحْدَى

..................................  الرِّوَايَتَينِ، إن كان الطَّلاقُ بَائِنًا) نَصَّ عليه أحمدُ.
وكذلك يَحْرُمُ في التي قبلَها؛ لاحْتِمالِ الحَمْلِ، فغَلَبَ التَّحْرِيمُ.
وقال القاضي: يَحْرُمُ الوَطْءُ وإنْ كان الطَّلاقُ رَجْعِيًّا، سواءٌ قُلْنا: إنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُباحَةٌ أو مُحَرَّمَةٌ؛ لأنَّه يَمْنَعُ المعْرِفَةَ بوُقُوعِ الطَّلاقِ وعَدَمِه.
وقال أبو الخَطَّابِ: فيه روايةٌ أُخْرَى، أنَّ الوَطْءَ لا يَحْرُمُ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ النِّكاحِ، وبَراءةُ الرَّحِمِ من الحَمْلِ.
فإنِ اسْتَبْرَأَها، حَلَّ وَطْؤُها على الرِّوايَتَينِ.
ويَكْفِي في الاسْتِبْراءِ حَيضَةٌ.
قال أحمدُ في روايةِ أبي طالبٍ 1: إذا قال لامْرأتِه: متى حَمَلْتِ فأنتِ طالقٌ.
لا يَقْرَبُها حتى تَحِيضَ، فإذا طَهُرَتْ وَطِئَها، فإن تَأَخَّرَ حَيضُها أُرِيَتِ النِّساءَ مِن أهلِ المعْرفةِ، فإن لم يُوجَدْنَ أو خَفِيَ عَلَيهِنَّ، انْتُظِرَ عليها تِسْعَةُ أشهُرٍ غالبُ مُدَّةِ الحَمْلِ.
وذكَرَ القاضي روايةً

..................................  أُخْرَى، أنَّها تُسْتَبْرأُ بثلاثةِ قُرُوءٍ؛ لأنَّه اسْتِبْراءُ الحُرَّةِ.
وهو أحَدُ الوَجْهَينِ لأصحابِ الشافعيِّ.
قال شيخُنا 1: والصَّحيحُ ما ذَكَرْناه؛ لأنَّ المقْصودَ معرفَةُ بَراءَةِ رَحِمِها، وهو يَحْصُلُ بحَيضةٍ؛ بدليلِ قولِه عليه السلامُ: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تضَعَ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيضَةٍ» 2. يعني: تُعْلَمَ بَراءتُها من الحمْلِ بحيضةٍ.
ولأنَّ ما تُعْلَمُ به البَراءةُ في حقِّ الأمَةِ والحُرَّةِ واحدٌ؛ لأنَّه أمْرٌ حَقِيقيٌّ لا يَخْتلفُ بالرِّقِّ والحُرِّيِّةِ.
وأمَّا العِدَّةُ، ففيها نوعُ تَعَبُّدٍ لا يَجوزُ أنْ يُعَدَّى بالقِياسِ.
وهل يُعْتَدُّ بالاسْتِبْراءِ قبلَ عَقْدِ اليَمِينِ، أو بالحَيضَةِ التي حَلَفَ فيها؟ على

وَإِنْ قَال: إِنْ كُنْتِ حَامِلًا بِذَكَرٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَإِنْ كُنْتِ  وَجْهَين؛ أصَحُّهما، الاعْتِدادُ به؛ لأنَّه يَحْصُلُ به ما يَحْصُلُ بالاسْتِبْراءِ بعدَ اليَمينِ.
والثَّاني، لا يُعْتَدُّ به؛ لأنَّ الاسْتِبْراءَ لا يتَقَدَّمُ على سَبَبِه، ولأنَّه لا يُعْتَدُّ به في اسْتِبْراءِ الأمَةِ الممْلُوكةِ.
قال أحمدُ: إذا قال لامرأتِه: إذا حَبِلْتِ فأنتِ طالقٌ.
يَطَؤُها في كلِّ طُهْرٍ مرَّةً (1). يعني إذا حاضَتْ ثم طَهُرَتْ حلَّ وَطْؤُها؛ لأنَّ الحَيضَ عَلَمٌ على بَراءَتِها من الحَمْلِ، ووَطْؤُها سَبَبٌ له، فإذا وَطِئَها اعْتَزَلَها؛ لاحْتمالِ أن تكونَ قد حَمَلَتْ مِن وَطْئِه فطَلُقَتْ به.

3571 -

مسألة: (وإذا قَال: إنْ كُنْتِ حَامِلًا بِذَكَرٍ فأنتِ طالقٌ

1

حَامِلًا بِأُنْثَى فَأَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَينِ.
فَوَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى، طَلُقَتْ ثَلَاثًا.
وَلَوْ كَانَ مَكَانَ قَوْلِهِ: إِنْ كُنْتِ حَامِلًا.
إِنْ كَانَ حَمْلُكِ.
لَمْ تَطْلُقْ إِذَا كَانَتْ حَامِلًا بِهِمَا.
واحدةً، وإن كُنْتِ حَامِلًا بِأُنْثَى فأنْتِ طالقٌ اثْنَتَينِ.
فَوَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى، طَلُقَتْ ثَلاثًا) لوُجُودِ الصِّفَةِ.
ولو قال: إن كان حَمْلُكِ غُلامًا فأنتِ طالقٌ واحدةً، وإن كان حَمْلُكِ جاريةً فأنت طالقٌ اثْنَتَينِ.
فولَدَتْ غُلامًا وجاريةً، لم تطْلُقْ؛ لأنَّ حَمْلَها كلَّه ليس بغُلامٍ ولا جاريةٍ.
ذكَرَه القاضي في «المُجَرَّدِ»، وأبو الخطَّابِ.
وبه قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال القاضي في «الجامعِ»: في وُقوعِ الطَّلاقِ وَجْهانِ؛ بِناءً على الرِّوايَتَين في مَن حَلَفَ: لا لَبِسْتُ ثَوْبًا مِن غَزْلِها.
فَلبِسَ ثوبًا فيه مِن غَزْلِها.

فَصْلٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِالْولَادَةِ: إِذَا قَال: إِذَا وَلَدْتِ ذَكَرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَإِنْ وَلَدْتِ أُنْثَى فَأَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَينِ.
فَوَلَدَتْ ذَكَرًا ثُمَّ أُنْثَى، طَلُقَتْ بالْأَوَّلِ، وَبَانَتْ بِالثَّانِي وَلَمْ تَطْلُقْ بِهِ.
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ.
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: تَطْلُقُ بِهِ.
فصلٌ في تعْليقِه بالولادةِ: (إذا قال: إنْ وَلَدْتِ ذَكرًا فأنتِ طالقٌ واحدةً، وإن وَلَدْتِ أُنْثَى فأنتِ طالقٌ اثْنَتَينِ.
فوَلَدَتْ ذَكَرًا ثم أُنْثَى، طَلُقَتْ بالأوَّلِ، وبانَتْ بالثَّاني ولم تَطْلُقْ به.
ذكَرَه أبو بكرٍ) لأنَّ العِدَّةَ انْقَضَتْ بوَضْعِه، فصادَفَها الطَّلاقُ، فلم يَقَعْ، كما لو قال: إذا مِتُّ فأنتِ

..................................  طالقٌ.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
وحُكِيَ عن ابنِ حامدٍ، أنَّها تَطْلُقُ؛ لأنَّ زمنَ البَينُونَةِ زَمَنُ الوُقوعِ، فلا تَنافِيَ بينَهما.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لِما ذَكَرْنا.
وقد نَصَّ أحمدُ في مَن قال: أنتِ طالقٌ مع مَوْتِي.

..................................  أنَّها لا تَطْلُقُ.
فهذا أوْلَى.
فإن وَلَدَتْهُما دَفْعةً واحدةً، طَلُقَتْ ثلاثًا؛ لوُجودِ الشَّرْطَينِ.

وَإِنْ أَشْكَلَ كَيفِيَّةُ وَضْعِهِمَا، وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ، بِيَقِينٍ، وَلَغَا مَا زَادَ.
وَقَال الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يُقْرَعَ بَينَهُمَا.

3572 - مسألة: (فَإنْ أشْكَلَ كَيفِيَّةُ وَضْعِهما، وَقَعَتْ واحدةٌ بيَقِينٍ، وَلَغَا مَا زَادَ)

فَلَا تَلْزَمُهُ الثَّانِيَةُ؛ لأنَّه مَشْكُوكٌ فِيهِ، والوَرَعُ أنْ يَلْتَزِمَهُمَا.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
(وقال القاضي: قِياسُ المذهبِ أن يُقْرَعَ بينَهما) لأنَّه يَحْتَمِلُ كُلُّ واحدٍ 1 منهما احْتمالًا مُساويًا للآخَرِ 2، فيُقْرَعُ بينَهما، كما لو أعْتَقَ أحَدَ 3 عَبْدَيه مُعَيَّنًا 4، ثم

..................................  نَسِيَه.
فإن قَال: إن كان أوَّلُ ما تَلِدِينَ ذَكَرًا فأنتِ طالقٌ واحدةً، وإن كان أُنْثَى فأنتِ طالقٌ اثْنَتَينِ.
فوَلَدَتْهُما دَفْعةً واحدةً، لم يَقَعْ بها شيءٌ؛ لأنَّه لا أوَّلَ فيهما، فلم تُوجَدِ الصِّفَةُ.
وإن وَلَدَتْهُما دَفْعَتَينِ، طَلُقَتْ

جارٍ التحميل