..................................
ويُزَكِّى عن الجَمِيعِ، بخِلافِ ما إذا باع السلْعَةَ قبلَ الحَوْلِ.
ولَنا، أنَّه نَماءٌ جارٍ في حَوْلٍ، تابعٌ لأصْلِه في المِلْكِ، فضُمَّ إليه في الحَوْلِ، كالنِّتاجِ، وكما لو لم يَنضَّ، ولأنَّه ثَمَنُ عَرْض تَجِبُ زكاةُ بَعْضِه، يُضَمُّ إليه الباقِى قبلَ البَيْعِ، فضُمَّ إليه بعدَه، كبعضِ النِّصابِ، ولأنَّه لو بَقِىَ عَرْضًا زَكَّى جَمِيعَ القِيمَةِ، فإذا نَضَّ كان أوْلَى؛ لأنَّه يَصِيرُ مُتَحَقِّقًا.
والحَديثُ فيه مَقالٌ، وهو مَخْصُوصٌ بالنِّتاجِ، وبما لم يَنضَّ، فنَقِيسُ عليه.
..................................
فصل: وإذا اشْتَرى للتِّجارَةِ شِقْصًا مَشْفُوعًا بألْفٍ، فحال الحَوْلُ وهو يُساوِى ألْفَيْن، فعليه زكاةُ ألْفَيْن، فإن جاء الشَّفِيعُ أخَذَه بألْفٍ؛ لأنَّ الشَّفِيعَ إنَّما يَأخذُ بالثَّمَنِ لا بالقِيمَةِ، والزكاةُ على المُشْتَرِى؛ لأنَّها وَجَبَتْ في مِلْكِه، ولو لم يَأخذْه الشَّفِيعُ لكنْ وَجَد المُشْتَرِى به عَيْبًا فَرَدَّه، فإنَّما يأخذُ مِن البائِعِ ألْفًا.
ولو اشْتَراه بألْفَيْن، وحال الحَوْلُ وقِيمَتُه ألْفٌ، فعليه زكاةُ ألْفٍ ويَأخذُه الشَّفِيعُ إن أخَذَه، ويَرُدُّه بالعَيْبِ بألْفَيْن؛ لأنَّهما الثَّمَنُ الذى وَقَع به البَيْعُ.
فصل: وإذا دَفَع إلى رجلٍ ألْفًا مُضارَبَةً، على أنَّ الرِّبْحَ بينَهما، فحال
..................................
الحَوْلُ وهو ثَلَاثَةُ آلافٍ، فعلى رَبِّ المالِ زكاةُ أَلْفَيْن؛ لأنَّ رِبْحَ التِّجارَةِ حَوْلُه حَوْلُ أصْلِه على ما بَيَّنَّا وقال الشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: عليه زكاةُ الجَمِيعِ؛ لأنَّ الأصْلَ له، والرِّبْحُ نَماءُ مالِه.
ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنَّ حِصَّةَ المُضارِبِ له، وليست مِلْكًا لرَبِّ المالِ، بدَلِيلِ أنَّ للمُضارِبِ المُطالَبَةَ بها, ولو أراد رَبُّ المالِ دَفْعَ حِصَّتِه إليه مِن غيرِ هذا المالِ، لم يَلْزَمْه قَبُولُه، ولا يَجِبُ على الإِنْسانِ زكاةُ مِلْكِ غيرِه، ولأنَّ رَبَّ المالِ يقولُ: حِصَّتُك أيُّها العامِلُ مُتَرَدِّدَةٌ بينَ أن تَسْلَمَ فتكونَ لك، أو تَتْلَفَ فلا تكونُ لى ولا لك، فكيف يَجِبُ علىَّ زكاةُ ما ليس لي بوَجْهٍ ما؟ وقولُه: إنَّها نَماءُ مالِه.
قُلْنَا: إلَّا أنَّه لغيرِه، فلم تَجِبْ عليه زَكاتُه، كما لو وَهب نِتاجَ سائِمَتِه لغيرِه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُخْرِجُ الزكاةَ مِن المالِ؛ لأنَّه مِن مُؤْنَتِه، فكان منه، كمُؤْنَةِ حَمْلِه، ويُحْتَسَبُ مِن الرِّبْحِ؛ لأنَّه وِقايَةٌ لرَأسِ المالِ، كذلك ذَكَرَه شيخُنا في كِتَابِ «المُغْنِى» 1. وقال في كِتابِ «الكافِى» 2: تُحْتَسَبُ الزكاةُ مِن حِصَّةِ رَبِّ المالِ؛ لأنَّها واجبَةٌ عليه، فحُسِبَتْ مِن نَصِيبِه، كدَيْنِه.
فأمّا حِصَّةُ المُضارِبِ، فمَن أَوْجَبَها لم يُجَوِّزْ إخْراجَها مِن المالِ؛ لأنَّ الرِّبحَ وِقايَةٌ لرَأسِ المالِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَجُوزَ؛ لأنَّهما دَخَلا على حُكْمِ الإِسلام، ومِن حُكْمِه وُجُوبُ الزكاةِ، وإخْراجُها مِن المالِ.
ولأصحابِ الشافعىِّ في هذه المَسْألَةِ نحوٌ ممّا ذَكَرْنا.
وإذا أَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ لِصَاحِبِه في إِخْرَاجِ زَكَاتِهِ فَأَخْرَجَاهَا مَعًا، ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ نَصِيبَ صَاحِبِه،
944 - مسألة: (وإذا أذِنَ كلُّ واحِدٍ مِن الشَّرِيكَيْن لصاحِبِه في إخْراجِ زَكاتِه)
أو أذِنَ رَجُلان غيرُ الشِّرِيكَيْن كلُّ واحِدٍ منهما للآخَرِ في إخْراجِ زَكاتِه، فأخْرَجَ كل واحِدٍ منهما زَكاتَه وزكاةَ صاحِبه مَعًا في حالٍ واحِدَةٍ (ضَمِن كلُّ واحِدٍ منهما نَصِيبَ صاحِبِه) لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما انْعَزَلَ مِن طَرِيقِ الحُكْمِ عن الوَكالَةِ؛ لإِخْراج المُوَكِّلِ زَكاتَه بنَفْسِه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَضْمَن إذا لم يَعْلَمْ بإخْراجِ صاحِبِه، إذا قُلْنا: إنَّ الوَكِيلَ لا يَنْعَزِلُ قبلَ العِلْمِ بعَزْلِ المُوَكِّلِ أو بمَوْتِه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَضْمَنَ، وإن قُلْنا: إنَّه يَنْعَزِلُ؛ لأنَّه غَرَّه بتَسْلِيطِه على الإِخْراِجِ، وأمَرَه به، ولم يُعْلِمْه بإِخْراجِه، فكان خَطَرُ التَّغْرِيرِ عليه، كما لو غرَّه بحُرِّيَّةِ أمَةٍ.
قال
وَإنْ أَخْرَجَهَا أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ، ضَمِنَ الثَّانِى نَصِيبَ الْأَوَّلِ، عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَيَتَخَرَّجُ أن لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ.
شيخُنا (1): وهذا أحْسَنُ إن شاء اللَّه تعالى.
وعلى هذا، إن عَلِم أحَدُهما دُونَ الآخَرِ، فعلى العالِمِ الضَّمانُ دُونَ الآخرِ.
945 -
مسألة: (فإن أخْرَجَها أحَدُهما قبلَ الآخَرِ، ضَمِن الثانى نَصِيبَ الأوَّلِ، عَلِم أو لم يَعْلَمْ)
لِما ذَكَرْنا 2. وهذا على الوَجْهِ الأوَّلِ.
وعلى الوَجْهِ الثانى لا ضَمانَ عليه إذا لم يَعْلَمْ، لِما ذَكَرْنا.
واللَّهُ أعلمُ.1
بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ
بابُ زَكاةِ الْفِطْرِ
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ صَدَقَةَ الفِطْرِ فَرْضٌ.
قال إسحاقُ: هو كالإِجْماعِ مِن أهلِ العلم.
وحَكَى ابنُ عبدِ البَرِّ أنَّ بعضَ المُتَأخِّرِينَ مِن أصْحابِ مالكٍ وداودَ، يقولُون: هى سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ.
وسائِرُ العلماءِ على أنَّها واجِبَةٌ، لِما روَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَرَض زكاةَ الفِطْرِ مِن رَمضانَ على النّاسِ، صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن شَعِير، على كُلِّ حُرٍّ وعَبْدٍ، ذَكَرِ أو أنْثَى مِن المسلمين.
مُتَّفَقٌ عليه 1.
باب زكاة الفطر
على المسلمين من التمر والشحر، من كتاب الزكاة.
صحيح مسلم 2/ 677، 678.
كما أخرجه أبو داود، في: باب كم يؤدَّى في صدقة الفطر؟، من كتاب الزكاة.
سنن أبى داود 1/ 373، 374. والترمذى، في: باب ما جاء في صدقة الفطر، من أبواب الزكاة.
عارضة الأحوذى 3/ 182 - 184. والنسائى، في: باب فرض زكاة رمضان، وباب فرض زكاة رمضان على المملوك، باب فرض زكاة رمضان على الصغر، وباب فرض زكاة رمضان على المسلمين دون المعاهدين، وباب كم فرض، وباب السلت، من كتاب الزكاة.
المجتبى 5/ 34 - 36، 41. وابن ماجه، في: باب صدقة الفطر، من كتاب الزكاة.
سنن ابن ماجه 1/ 584. والدارمى، في: باب في زكاة الفطر، من كتاب الزكاة.
سنن الدارمى 1/ 392. والإمام مالك، في: باب ملكية زكاة الفطر، من كتاب الزكاة.
الموطأ 1/ 284. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 55، 63، 66، 114، 137.
..................................
وللبخارىِّ: والصَّغِيرِ والكَبِيرِ مِن المسلمين.
وعنه، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَر بزكاةِ الفِطْرِ أن تُؤَدَّى قبلَ خُرُوجِ النّاسِ إلى الصَّلاةِ.
وعن أبى سَعِيدٍ، قال: كُنَّا نُخْرِجُ زكاةَ الفِطْرِ صاعًا مِن طَعام، أو صاعًا مِن شَعِير، أو صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن أقطٍ 1، أو صاعًا مِن زَبِيب.
مُتَّفَقٌ عليهما 2. وقال سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزِيزِ في قَوْلِه تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ 3. هو زكاةُ الفِطْر.
وأُضِيفَتْ هذه
وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ تَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ نَفْسِه، إِذَا فَضَلَ عِنْدَهُ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِةِ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَتَهُ صَاعٌ، وَإنْ كَانَ مُكَاتبًا.
الزكاةُ إلى الفِطْرِ؛ لأنَّها تَجِبُ بالفِطْرِ مِن رَمضانَ.
قال ابنُ قُتَيْبَةَ (1): وقِيلَ لها فِطْرَة؛ لأنَّ الفِطْرَةَ الخِلْقَةُ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (2). وهذه يُرادُ بها الصَّدَقَةُ عن البَدَنِ والنَّفْسِ.
قال بعضُ أصْحابِنا: وهل تُسَمَّى فَرْضًا مع القَوْلِ بوُجُوبِها؟ على رِوايَتَيْن.
والصَّحِيحُ أنَّها فرْضٌ؛ لقَوْلِ ابنِ عُمَرَ: فَرَض رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- زكاةَ الفِطْرِ.
ولأنَّ الفَرْضَ إن كان الواجِبَ فهى واجِبَةٌ، وإن كان الواجِبَ المُتَأكِّدَ فهى مُتَأكَّدَةٌ مُجْمَعٌ عليها، على ما حَكاه ابنُ المُنْذِرِ.
946 -
مسألة: (وهى واجِبَة على كُلِّ مُسْلِمٍ تَلْزَمُه مُؤْنَةُ نَفْسِه، إذا فَضَل عِنْدَه عن قوتِه وقُوتِ عِيالِه يَوْمَ العِيدِ ولَيْلَتَه صاعٌ، وإن كان مُكَاتبًا)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ زكاةَ الفِطْرِ تَجِبُ على كُلِّ مسلم، تَلْزَمُه مُؤْنَةُ نَفْسِه صَغِيرًا كان أو كَبِيرًا، حُرًّا أو عَبْدًا، ذَكَرًا أو أنْثَى؛ لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ.
وهذا قَوْلُ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ.
وتَجِبُ على اليَتيمِ،12
..................................
ويُخْرِجُ عنه وَلِيُّه مِن مالِه، لا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَ فيه، إلَّا محمدَ بنَ الحسنِ، قال: ليس في مالِ الصَّغِيرِ صَدَقَةٌ.
وقال الحسنُ: صَدَقَةُ الفِطْرِ على مَن صام مِن الأحْرارِ، وعلى الرَّقِيقِ.
وعُمُومُ حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ يَقْتَضِى وُجُوبَها على اليَتيمِ والصَّغِيرِ مُطْلَقًا, ولأنَّه مُسْلِمٌ فوَجبت فِطْرَتُه، كما لو كان له أبٌ.
فصل: وتَجِبُ صَدَقَةُ الفِطْرِ على أهْلِ البادِيَةِ في قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ.
رُوِىَ ذلك عن ابنَ الزُّبَيْرِ.
وهو قَوْلُ الحسنَ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصْحابِ الرَّأْى.
وقال عَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، ورَبِيعَةُ: لا صَدَقَةَ عليهم.
ولَنا، عُمُومُ الحَدِيثِ، ولأنَّها زَكاةٌ فوَجبت عليهم كزكاةِ المالِ، ولأنَّهم مسلمون، أشْبَهُوا أهْلَ الأمْصارِ.
..................................
فصل: ولا تَجِبُ على كافِرٍ أصْلِىٍّ، حُرًّا كان أو عَبْدًا، أمّا المُرْتَدُّ ففى وُجُوبِها عليه اخْتِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى 1. قال شيخُنا 2: ولا نَعْلَمُ خِلافًا بينَهم في الحُرِّ البالِغِ الكافِرِ أنَّها لا تَجِبُ عليه.
وقال إمامُنا، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ: لا تَجِبُ على العَبْدِ أيضًا, ولا على الصَّغِيرِ.
ويُرْوَى عن عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وسعِيدِ ابنِ جُبَيْر، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْى، أن على السَّيِّدِ المسلمِ إخْراجَ الفِطْرَةِ عن عَبْدِه الذِّمِّىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يُخْرِجُ عن ابْنِه الصَّغِيرِ إذا ارْتَدَّ.
ورَوَوْا أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «أدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وعَبْدٍ، صَغِيرٍ أو كَبِيرٍ، يَهُودِىٍّ أو نَصْرَانِىٍّ، أو مَجُوسِىٍّ، نِصْفَ صَاعٍ منْ بُرٍّ» 3. ولأنَّ كُلَّ زَكاةٍ وَجَبَتْ بسَبَبِ عَبْدِه المسلمِ، وَجَبَتْ سبَبِ عبدِه الكافِرِ، كزكاةِ التِّجارَةِ.
ولَنا, قَوْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حَدِيثِ عن عُمَرَ: «مِنَ الْمُسْلِمِينَ».
وروَى أبو داودَ 4، عن ابنِ عباسٍ،
..................................
قال: فَرَض رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- زكاةَ الفِطْرِ طُهْرَةً للصَّائِمِ مِن الرَّفَثِ واللَّغْوِ، وطُعْمَةً للمَساكينِ، من أدَّاها قبلَ الصَّلاةِ فهى زَكاةٌ مَقْبُولَةٌ، ومَن أدَّاهَا بعدَ الصَّلاةِ فهى صَدَقَةٌ مِن الصَّدَقاتِ.
وحَدِيثُهم لم نَعْرِفْه، ولم يَذْكُرْه أصحابُ السُّنَنِ، وزكاةُ التِّجارَةِ تَجِبُ عن القِيمَةِ، ولذلك تَجِبُ في سائِرِ الحَيَواناتِ وسائِرِ الأمْوالِ، وهذه طُهْرَةٌ للبَدَنِ، ولهذا اخْتُصَّ بها الآدَمِيُّون، بخلافِ زكاةِ التِّجارَةِ.
فصل: فأن كان لكافِرٍ عَبْدٌ مسلمٌ، وهَلَّ هِلالُ شَوّالٍ وهو في 1 مِلْكِه، فحُكِىَ بن أحمدَ أنَّ على الكافِرِ إخْراجَ صَدَقَةِ الفِطْرِ عنه.
واخْتارَه القاضى.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أن لا تَجِبَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العلمِ أن لا صَدَقَةَ على الذِّمِّىِّ في عَبْدِه المسلمِ؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «مِنَ الْمُسْلِمِينَ».
ولأنَّه كافِرٌ، فلم تَجِبْ عليه الفِطْرَةُ كسائِرِ الكُفّارِ، ولأنَّها زكاةٌ فلم تَجِبْ على الكَفَرَةِ، كزَكاةِ المالِ.
..................................
ووَجْهُ الأُولَى، أنَّ العَبْدَ مِن أهْلِ الطُّهْرَةِ، فوَجَبَ أن تُؤَدَّى عنه الفِطْرَةُ، كما لو كان سَيِّدُه مسلمًا، وقَوْلُه: «مِنَ الْمُسْلِمِينَ».
يَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ به المُؤَدَّى عنه، بدَلِيلِ أنَّه لو كان للمسلمِ عَبْدٌ كافِرٌ لم تَجِبْ.
فِطْرَتُه، ولأنَّه ذَكَر في الحَدِيثِ كُلَّ عَبْدٍ وصَغِيرٍ، وهذا يَدُلُّ على أنَّه أرادَ المُؤَدَّى عنه، لا المُؤَدِّى ولأصْحاب الشافعىِّ في هذا وَجْهان كالمَذْهَبَيْن.
فصل: وهى واجِبَةٌ على مَن قَدَر عليها, ولا يُعْتَبَرُ في وُجُوبِها النِّصابُ.
وبهذا قال أبو هُرَيْرَةَ، وأبو العالِيَةِ، والشَّعْبِىُّ، وعطاء، وابنُ سيرِينَ، والزُّهْرِىّ، ومالكٌ، وابنُ المُبارَكِ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أصْحابُ الرَّأْى: لا تَجِبُ إلَّا على مَن يَمْلِكُ مائَتَى دِرْهَمٍ، أو ما قِيمَتُه نِصابٌ فاضِلًا عن مَسْكَنِه؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى» 1. والفَقِيرُ 2 لا غِنَى له، فلا تَجِبُ عليه، ولأنَّه تَحِلُّ له
..................................
الصَّدَقَةُ، فلا تَجِبُ عليه، كالعاجزِ عنها.
ولَنا، ما روَى ثَعْلَبَةُ بنُ أبى صُعَيْرٍ، عن أبِيه، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «أدُّوا صَدَقَةَ 1 الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ قَمْحٍ».
أوْ قال: «بُرٍّ، عَنْ كُلِّ إِنْسَانٍ، صَغِيرٍ أوْ كَبِيرٍ، حُرٍّ أوْ مَمْلُوكٍ، غَنِىٍّ أوْ فَقِيرٍ، ذَكَرٍ أوْ أنْثَى، أمَّا غَنِيُّكُمْ فَيُزَكِّيهِ اللَّه، وَأمَّا فَقِيرُكُمْ فَيَرُدُّ اللَّهُ عَلَيْهِ أكْثَرَ مِمَّا أعْطَى» 2. وفى رِوايَةِ أبى داودَ: «صَاعٌ مِنْ بُرٍّ أوْ قَمْحٍ عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ».
ولأنَّه حَقُّ مالٍ لا يَزِيدُ بزِيادَةِ المَالِ، فلم يُعْتَبَرْ وُجُودُ النِّصابِ له، كالكَفّارَةِ، ولا يَمْتَنِعُ أن يُؤْخَذَ منه ويُعْطَى، كمَن وَجَبَ عليه العُشْرُ.
والقِياسُ على العاجِزِ لا يَصِحُّ، وحَدِيثُهم مَحْمُولٌ على زكاةِ المالِ.
فصل: ومَن له دارٌ يَحْتاجُ إليها لسُكْناه، أو إلى أجْرِها لنَفَقَتِه، أو ثِيابُ بذْلَةٍ له، أو لمَن تَلْزَمُه مُؤْنَتُه، أو رَقِيقٌ يَحْتاجُ إلى خِدْمَتِهم هو أو مَن يَمُونُه، أَو بَهائِمُ يَحْتاجُون إلى رُكُوبِها والانْتِفاعِ بها في حَوائِجِهم الأصْلِيَّةِ، أو سائِمَةٌ يَحْتاجُ إلى نَمائِها لذلك، أو بضاعَة يَخْتَلّ رِبْحُها الذى يَحْتاجُ إليه بإخْراجِ الفِطْرَةِ منها، فلا فِطْرَةَ عليه لذلك؛ لأنَّ هذا مما تَتَعَلَّقُ به حاجَتُه
..................................
الأصْلِيَّةُ، فلم يَلْزَمْه بَيْعُه، كمُؤْنَةِ نَفْسِه يَوْمَ العِيدِ.
ومَن له كُتُبٌ يَحْتاجُ إليها للنَّظَرِ فيها والحِفْظِ منها, لا يَلْزَمُه بَيْعُها.
والمرأةُ إذا كان لها حَلْىٌ للُّبْسِ أو الكِراءِ المُحْتاجِ إليه، لم يَلْزَمْها بَيْعُه في الفِطْرَةِ.
وما فَضَل مِن ذلك كُلِّه عن حَوائِجِه الأصْلِيَّةِ، وأمْكَنَ بَيْعُه أو صَرْفُه في الفِطْرَةِ، وَجَبَتِ الفِطْرَةُ به؛ لأنَّه أمْكَنَه أداؤُها مِن غيرِ ضَرَرٍ أصْلِىٍّ أشْبَهَ ما لو مَلَك مِن الطَّعامِ ما يُؤَدِّيه فاضِلًا عن حاجَتِه.
فصل: وليس على السَّيِّدِ في مُكاتَبِه زكاةُ الفِطْرِ.
وهذا قَوْلُ أبى سَلَمَةَ ابنِ عبدِ الرحمنِ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، في أشْهَرِ قَوْلَيْه، وأَصْحابِ الرَّأْى.
وقال عَطاء، ومالكٌ، وابن المُنْذِرِ: على السَّيِّدِ؛ لأنَّه عَبْدٌ، أشْبَهَ سائِرَ العَبيدِ.
ولَنا، قَوْلُه عليه السَّلامُ: «مِمَّنْ تَمُونونَ» 1. وهذا لا يَمُونُه، ولأَنَّه لا تَلْزَمُه مُؤْنته، أشْبَهَ الأجْنَبِىَّ، وبهذا فارَقَ سائِرَ عَبِيدِه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ على المُكاتَبِ فِطْرَةَ نَفْسِه، وفِطْرَةَ مَن تَلْزَمُه نَفَقَتُه،
وَإنْ فَضَلَ بَعْضُ صَاعٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُهُ؟ عَلى رِوَايَتَيْنِ.
كزَوْجَتِه ورَقِيقِه.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ: لا تَجِبُ عليه قِياسًا على القِنِّ (1)، ولأنَّها زكاة، فلم تَجِبْ على المُكاتَبِ، كزكاةِ المالِ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَرَض صَدَقَةَ الفِطْرِ على الحُرِّ والعَبْدِ، والذَّكَرِ والأُنْثَى.
وهذا عَبْدٌ، لا يَخْلُو مِن كَوْنِه ذَكَرًا أو أُنْثَى، ولأنَّه تَلْزَمُه مُؤْنَةُ نَفْسِه، فلَزِمَتْه الفِطْرَةُ، كالحُرِّ، ويُفارِقُ زكاةَ المالِ؛ لأنَّه يُعْتَبَرُ لها الغِنَى والنِّصابُ والحَوْلُ، ولا يَحْمِلُها أحَدٌ عن غيرِه، بخِلافِ الفِطْرَةِ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على القِنِّ؛ لأنَّ مُؤْنَةَ القِنِّ على سَيِّدِه، بخلافِ المُكاتَبِ.
وتَجِبُ على المُكاتَبِ فِطْرَةُ مَن يَمُونُه؛ لعُمُومِ قَوْلِه عليه السَّلامُ: «عَمَّنْ تَمُونُونَ».
947 -
مسألة: (وإن فَضَل بَعْضُ صاعٍ، فهل يَلْزَمُه إخْراجُه؟ على روايَتَيْن)
إحْداهما، لا يَلْزَمُه.
اخْتارَها ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّها طُهْرَةٌ، فلا تَجِب على مَن يَعْجِزُ عن بَعْضِها، كالكَفّارَةِ.
والثَّانيةُ، يَلْزَمُه إخْراجُه؛1
وَتَلْزَمُهُ فِطْرَةُ مَنْ يَمُوُنهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لقَوْل النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذَا أمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَائْتُوا مِنْهُ ما اسْتَطَعْتُمْ» (1). ولأنَّها طُهْرَةٌ، فوَجَبَ منها ما قَدَر عليه، كالطّهارَةِ بالماءِ، ولأنَّ بعضَ الصَّاعِ يُخْرَجُ عن العَبْدِ المُشْتَرَكِ، فجازَ أن يُخْرَجَ عن غيرِه، كالصّاعِ.
948 -
مسألة: (وتَلْزَمُه فِطْرَةُ مَن يَمُونُه مِن المُسْلِمِين)
إذا وَجَد ما يُؤَدِّى عنهم؛ لحَدِيثِ ابنِ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَرَض صَدَقَةَ الفِطْرِ عن كُلِّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ، حُرٍّ وعَبْدٍ، مِمَّن تَمُونُونَ.1
..................................
فصل: والذين يَلْزَمُ الإِنْسانَ فِطْرَتُهم ثَلاثَةُ أصْنافٍ؛ الزَّوْجاتُ، والعَبِيدُ، والأقارِبُ.
فأمّا الزَّوجاتُ فتَلْزَمُه فِطْرَتُهُنَّ في قَوْلِ مالكٍ، واللَّيْثِ، والشافعىِّ، وإسحاقَ.
وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: لا تَجِبُ عليه، وعلى المرأةِ فِطْرَةُ نَفْسِها؛ لقَوْل رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «صَدَقَةُ الفِطْرِ عَلَى كُلِّ ذَكَرٍ وَأُنْثَى» 1. ولأَنَّها زكاةٌ، فوَجَبَتْ عليها، كزكاةِ مالِها.
ولَنا، الخَبَرُ الذى رَوَيْناه، ولأنَّ النِّكاحَ سَبَبٌ تَجِبُ به النَّفَقَةُ، فوَجَبَتْ به الفِطْرَةُ، كالمِلْكِ والقَرابَةِ، بخِلافِ زَكاةِ المالِ، فإنَّهَا لا تُتَحَمَّلُ بالمِلْكِ والقَرابَةِ.
فإن كان لامْرَأتِه مَن يَخْدِمُها بأُجْرَةٍ، فِليس على الزَّوْجِ فِطْرَتُه؛ لأنَّ الواجِبَ الأجْرُ دُونَ النَّفَقَةِ، وإن كان لها نَظَرْتَ، فإن كانت مِمَّن لا يَجِبُ لها خادِم، فليس عليه نَفَقَةُ خادِمِها ولا فِطْرَتُه، وإن كانت مِمَّن يُخْدَمُ مِثْلُها، فعلى الزَّوْجِ أن يُخْدِمَها، ثم هو مُخَيَّرٌ بينَ أن يَشْتَرِى لها خادِمًا، أو يَكْتَرِى، أو يُنْفِقَ على خادِمِها، فإنِ اخْتارَ الإِنْفاقَ على خادِمِها فعليه فِطْرَتُه، وإنِ اسْتَأْجَرَ لها خادِمًا فليس عليه نَفَقَتُه ولا فِطْرَتُه، سَواءٌ شَرَط عليه مُؤْنَتَه أو لم يَشْرِطْ؛ لأنَّ المُؤْنَةَ إذا كانت أُجْرَةً فهى مِن مالِ المُسْتَأْجِرِ، وإن كانت تَبَرُّعًا، فهو كما لو تَبَرَّعَ بالإِنْفاقِ على 2 أجْنَبِىٍّ، وسَنَذْكُرُه، إن شاء اللَّه تعالى.
..................................
فصل: الثانى، العَبِيدُ، وتَجِبُ فِطْرَتُهم على السَّيِّدِ إذا كانوا لغيرِ التِّجارَةِ إجْماعًا.
وإن كانوا للتِّجارَةِ فكذلك.
وهو قَوْلُ مالكٍ، واللَّيْثِ، والأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال عَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأْى: لا تَلْزَمُه فِطْرَتُهم؛ لأنَّها زكاةٌ، ولا تَجِبُ في مالٍ واحِدٍ زكاتان، وقد وَجَب فيهم زَكاةُ التِّجارَةِ، فيَمْتَنِعُ وُجُوبُ الزَّكاةِ الأُخْرَى، كالسّائِمَةِ إذا كانت للتِّجارَةِ.
ولَنا، عُمُومُ الأحادِيثِ، وقولُ ابنِ عُمَرَ: فَرَض رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- زكاةَ الفِطْرِ على الحُرِّ والعَبْدِ 1. وفى حديثِ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ: «ألَا إنَّ صَدَقَةَ الفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى، حُرٍّ أوْ عَبْدٍ، صَغِيرٍ أوْ كَبِيرٍ» 2. ولأنَّ نَفَقَتَهم واجِبَةٌ، أشْبَهُوا عَبِيدَ القُنْيَةِ، وزكاةُ الفِطْرِ تَجِبُ على البَدَنِ، ولهذا تَجِبُ على الأحْرارِ، وزكاةُ التِّجارَةِ تَجِبُ عن القِيمَةِ وهى المالُ، بخِلافِ السَّوْمِ والتِّجارَةِ، فإنَّهما يَجِبان بسَبَبِ مالٍ واحِدٍ.
ومتى كان عَبِيدُ التِّجارَةِ في يَدِ المُضارِب وَجَبَتْ فِطْرَتُهم مِن مالِ المُضارَبَةِ؛ لأنَّ مُؤْنَتَهم منها.
وحَكى ابنُ المُنْذِرِ عن الشافعىِّ، أنَّها على رَبِّ المالِ.
ولَنا، أنَّ الفِطْرَةَ تابِعَة للنَّفَقَةِ، وهى مِن المالِ، فكذلك الفِطْرَةُ.
فصل: وأمّا عَبِيدُ عَبِيدِه، فإن قُلْنا: إنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُهم بالتَّمْلِيكِ.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُؤَدِّى عَنْ جَمِيعِهِمْ، بَدَأَ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ بِامْرَأَتِه، ثُمَّ بِرَقِيقِهِ، ثُمَّ بِوَلَدِهِ،
ففِطْرَتُهم على السَّيِّدِ، لأنَّهم مِلْكُه.
وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ.
وقَوْلُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى.
وإن قُلْنا: يَمْلِكُ بالتَّمْلِيكِ.
فقد قِيلَ: لا تَجِبُ فِطْرَتُهم على أحَدٍ؛ لأنَّ السَّيِّدَ لا يَمْلِكُهم، ومِلْكُ العَبْدِ ناقِصٌ.
والصَّحِيحُ وُجُوبُ فِطْرَتِهم على العَبْدِ؛ لأنَّ نَفَقَتَهم واجِبَةٌ عليه، فكذلك فِطْرَتُهم.
وعَدَمُ تَمامِ المِلْك لا يَمْنَعُ وُجُوبَ الفِطْرَةِ، بدَلِيل وُجُوبِها على المُكاتَبِ عن نَفْسِه وعَبِيدِه، مع نقْصِ مِلْكِه.
فصل: وأمّا زَوْجَةُ العَبْدِ، فذَكَرَ أصحابُنا المُتَأخِّرُونَ أنَّ فِطْرَتَها على نَفْسِها إن كانت حُرَّةً، وعلى سَيِّدِها إن كانت أمَةً.
قال شيخُنا (1)، رَحِمَه اللَّهُ: وقِياسُ المَذْهَبِ عندِى وُجُوبُ فِطْرَتِها على سَيِّدِ العَبْدِ؛ لوُجُوبِ نَفَقَتِها عليه، كما أنَّه يَجِبُ على الزَّوْجِ نَفَقَةُ خادِمِ امْرَأتِه، مِع أنَّه لا يَمْلِكُها؛ لوُجُوبِ نَفَقَتِها, ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «أدُّوا صَدَقةَ الفِطْرِ عَمَّنْ تَمُونُونَ» (2). وهذه مِمَّن يَمُونُ.
وهكذا لو زَوَّجَ الابنُ أباه، وكان ممَّن تَجِبُ عليه نَفَقَتُه ونَفَقَةُ امرأتِه، فعليه فِطْرَتُهما.
949 -
مسألة: (فإن لم يَجِدْ ما يُؤَدِّى عن جَمِيعِهم، بَدَأ بنَفْسِه،
12
ثُمَّ بأُمِّهِ، ثُمَّ بِأَبِيهِ، ثُمَّ بِالأَقْرَبِ فَالأَقْرَبِ في الْمِيرَاثِ.
ثم بامرأتِه، ثم برَقِيقِه، ثم بوَلَدِه، ثم بأُمِّه، ثم بأبِيه، ثم بالأقْرَبِ فَالأقْرَبِ في المِيراثِ) إذا لم يَفْضُلْ عندَه إلَّا صاعٌ أخرَجَه عن نَفْسِه؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «ابْدَأ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» 1. ولأنَّ الفِطْرَةَ تَنْبَنِى على النَّفَقَةِ، فكما أنَّه يَبْدَأُ بنَفْسِه في النَّفَقَةِ، فكذلك في الفِطْرَةِ.
فإن فَضَل صاعٌ آخَرُ 2 أخْرَجَه عن امْرأتِه؛ لأنَّ نَفَقَتَها آكَدُ؛ لأنَّها تَجِبُ على سَبِيلِ المُعاوَضَةِ مع اليَسارِ والإِعْسارِ، ونفَقَةُ الأقارِبِ صِلَةٌ إنَّما تَجِبُ مع اليَسارِ.
فإن فَضَل آخَرُ، أخْرَجَه عن رَقِيقِه؛ لوُجُوبِ نَفَقَتِهم في الإِعْسارِ أيضًا.
قال ابنُ عَقِيلٍ: ويَحْتَمِلُ تَقْدِيمُهم على الزَّوْجَةِ؛ لأنَّ فِطْرَتَهُم مُتَّفَقٌ عليها، وفِطْرَتُها مُخْتَلَفٌ فيها.
فإن فَضَل آخَرُ أخْرَجَه عن وَلَدِه الصَّغِيرِ؛ لأنَّ نَفَقَتَه مَنْصُوصٌ عليها، ومُجْمَع عليها.
وفى الوالِدِ والوَلَدِ الكَبِيرِ وَجْهان؛ أحَدُهما، يُقَدَّمُ الوَلَدُ؛ لأنَّه كبَعْضِه، أشْبَهَ الصَّغِيرَ.
والثانِى، الوالِدُ؛ لأنَّه كبعضِ ولَدِه.
ويقَدِّمُ فِطْرَةَ الأُمِّ على فِطْرَةِ الأبِ؛ لأن الأمَّ مُقدَّمَةٌ في البِرِّ، بدَلِيلِ قَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- للأعْرابِىِّ حِينَ
..................................
قال: مَن أبَرُّ؟ قال: «أُمُّكَ».
قال: ثم مَن؟ قال: «أُمُّكَ».
قال: ثم مَن؟ قال: «أُمُّكَ».
قال: ثم مَن؟ قال: «ثُمَّ 1 أبُوكَ» 2. ولأنَّها ضَعِيفَةٌ عن الكَسْبِ.
ويَحْتَمِلُ تَقْدِيمُ فِطْرَةِ الأبِ، وحكاه ابنُ أبى موسى رِوايَةً عن أحمدَ؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «أنْتَ وَمَالُكَ لأبِيكَ» 3. ثم بالجَدِّ، ثم بالأقْرَبِ فالأقْرَبِ 4، على تَرْتِيبِ المِيراثِ.
ويَحْتَمِلُ تَقْدِيمُ فِطْرَةِ الوَلَدِ على فِطْرَةِ المرأةِ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: أمَر النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالصَّدَقَةِ، فقام رجلٌ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، عندِى دِينارٌ.
قال: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ».
قال: عندِى آخَرُ: قال: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ».
قال: عندِى آخَرُ.
قال: «تَصَدَّق بِهِ عَلَى زَوْجِكَ».
..................................
قال: عندِى آخَرُ.
قال: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ».
قال: عندِى آخَرُ.
قال: «أَنْتَ أبْصَرُ» 1. فقَدَّمَ الوَلَدَ في الصَّدَقَةِ عليها، فكذلك في 2 الصَّدَقَةِ عنه.
ولأنَّ الوَلَدَ كبَعْضِه، فيُقَدَّمُ كتَقْدِيمِ نَفْسِه، ولأنَّه إذا ضَيَّعَ وَلَدَه لم يَجِدْ مَن يُنْفِقُ عليه، والزَّوْجَةُ إذا لم يُنْفِقْ عليها فُرِّقَ بينَهما، وكان لها مَن يَمُونُها، مِن زَوْجٍ أو ذى رَحِمٍ، ولأنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ على سَبِيلِ المُعاوَضَةِ، فكانت أضْعَفَ في اسْتِتْباعِ الفِطْرَةِ مِن النَّفَقَةِ الواجِبَةِ على سَبِيلِ الصِّلَةِ؛ لأنَّ وُجُوبَ [العِوَضِ المُقَدَّرِ لا يَقْتَضِى وُجُوبَ] 3 زِيادَةٍ عليه يَتَصَدَّقُ بها عنه، ولذلك لم تَجِبْ فِطْرَةُ الأجِيرِ المَشْرُوطِ نَفَقَتُه، بخلافِ القَرابَةِ، فإنَّها كما اقْتَضَتْ صِلَتَه بالإنْفاقِ عليه، اقْتَضَتْ صِلَتَه بتَطْهِيرِه بإخْراجِ الفِطْرَةِ عنه.
واللَّه أعلمُ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخْرِجَ عَنِ الْجَنِينِ، وَلَا يَجِبُ.
950 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ الإِخْراجُ عن الجَنِينِ، ولا يَجِبُ)
يُسْتَحَبُّ إخْراجُ الفِطْرَةِ عن الجَنِينِ؛ لأنَّ عُثمانَ، رَضِىَ اللَّه عنه، كان يُخْرِجُها عنه، ولأنَّها صَدَقَةٌ عمَّن لا تَجِبُ عليه، فكانت مُسْتَحَبَّةً، كَسائِرِ صَدَقاتِ التَّطَوُّعِ.
وظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ فِطْرَةَ الجَنِينِ غيرُ واجِبَةٍ.
وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن علماءِ الأمْصارِ لا يُوجِبُ على الرجلِ زكاةَ الفِطْرِ عن الجَنِينِ في بَطْنِ أُمِّه.
وعن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّها تَجبُ عليه؛ لأنَّه آدَمِى، تَصِحُّ الوَصِيَّةُ له وبه ويَرِثُ، فيَدْخُل في عُمُومِ الأَخْبارِ، ويُقاسُ على المَوْلُودِ.
ولَنا، أنَّه جَنِينٌ فلم تَتَعَلَّقْ به الزكاةُ، كأجِنَّة البَهائِمِ، ولأنَّه لم تَثْبُتْ له أحْكامُ الدُّنْيا إلَّا في الإِرث والوَصِيَّةِ، بشَرْطِ خُرُوجِه حَيًّا، [فأُلْحِقَ هذا الحُكْمُ بسائِرِ] 1 الأحْكامِ.
وَمَنْ تَكَفَّلَ بِمُؤْنَةِ شَخْصٍ في شَهْرِ رَمَضَانَ، لَمْ تَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ عِنْد أَبِى الْخَطَّابِ.
وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهَا تَلْزَمُهُ.
951 - مسألة: (ومَن تَكَفَّلَ بمُؤْنَةِ شَخْصٍ في شَهْرِ رَمَضانَ، لم تَلْزَمْه فِطْرَتُه عندَ أبى الخَطّابِ. والمَنْصُوصُ أنَّها تَلْزَمُه)
وهذا قَوْلُ أكْثَرِ الأصْحابِ.
وقد نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ أبى داودَ، في من ضَمَّ إلى نَفْسِه يَتِيمَةً، يُؤَدِّى عنها؛ لعُمُومِ قَوْلِه عليه السلامُ: «أدُّوا صَدَقَةَ الفِطْرِ عَمَّنْ تَمُونُونَ» 1. وهذا مِمَّن يَمُونُ ولأنَّه شَخْصٌ يُنْفِقُ عليه، فلَزِمَتْه فِطْرَتُه، كعَبْدِه.
واخْتارَ أبو الخَطّابِ أنَّه لا تَلْزَمُه فِطْرَتُه؛ لأنَّه لا تَلْزَمُه مُؤْنَتُه، فلم تَلْزَمْه فِطْرَتُه، كما لو لم يَمُنْه.
وهذا قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، وهو الصَّحِيحُ، إن شاء اللَّهُ.
وكلامُ أحمدَ في هذا مَحْمُولٌ على
..................................
الاسْتِحْبابِ، والحَدِيثُ مَحْمُولٌ على مَن تَلْزَمُه مُؤْنَتُه، لا على حَقِيقَةِ المُؤْنَةِ، بدَلِيلِ أنَّه تَلْزَمُه فِطْرَةُ الآبِقِ ولم يَمُنْه.
ولو مَلَك عَبْدًا عندَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، أو تَزَوَّجَ، أو وُلِد له وَلَدٌ، لَزِمَتْه فِطْرَتُهم؛ لوُجُوبِ مُؤْنَتِهم عليه، وإن لم يَمُنْهم، ولو باع عبدَه، أو طَلَّقَ امرأتَه، أو ماتا، أو مات وَلَدُه، لم تَلْزَمْة فِطْرَتُهم، وإن مانَهم، ولأنَّ قَوْلَه: «عَمَّنْ تَمُونُونَ».
فِعْلٌ مُضارِعٌ يَقْتَضِى الحالَ أو الاسْتِقْبالَ دُونَ الماضِى، ومَن مانَه في رمضانَ إنَّما وُجِدَتْ منه المُؤْنَةُ في الماضِى، فلا يدخلُ في الخَبَرِ، ولوِ دَخَل فيه لاقْتَضَى بعُمُومِه وُجُوبَ الفِطْرَةِ على مَن مانَه لَيْلَةً واحِدَةً؛ لأنَّه ليس في الخَبَرِ ما يَقْتَضِى تَقْيِيدَه بالشَّهْرِ ولا بغَيْرِه، فالتَّقْيِيدُ بمُؤْنَةِ الشَّهْرِ تَحَكُّمٌ.
..................................
فعلى هذا تكونُ فِطْرَتُه على نَفْسِه، كما لو لم يَمُنْه.
وعلى قَوْلِ أصحابنا، المُعْتَبَرُ الإِنْفاقُ في جَمِيعِ الشَّهْرِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: قِياسُ مَذْهَبِنا أنَّه إذا مانَه آخِرَ لَيْلَةٍ وَجَبَتْ فِطْرَتُه، قِياسًا على مَن مَلَك عَبْدًا عندَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
فإن مانَه جَماعَةٌ في الشَّهْرِ كُلِّه، أو مانَه إنْسانٌ في بَعْض الشَّهْرِ، فعلى تَخْرِيجِ ابنِ عَقِيلٍ تكونُ فِطْرَتُه على أن مانَه آخِرَ لَيْلَةٍ، وعلى قَوْلِ غيرِه يَحْتَمِلُ أن لا تَجِبَ فِطْرَتُه على أحَدٍ ممَّن مانَه؛ لأنَّ سَبَبَ الوُجُوبِ المُؤْنَةُ في جَمِيعِ الشَّهْرِ، ولم يُوجَدْ.
ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ على الجَمِيعِ فِطْرَةٌ واحِدَةٌ بالحِصَصِ؛ لأنَّهم اشْتَرَكُوا في سَبَبِ الوُجُوبِ، أشْبَهَ ما لو اشْتَرَكُوا في مِلْكِ عَبْدٍ.
وَإذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شُرَكَاءَ، فَعَلَيْهِمْ صَاعٌ.
وَعَنْهُ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ صَاعٌ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ في مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ.
952 - مسألة: (وإذا كان العَبْدُ بينَ شُرَكاءَ، فعليهم صاعٌ. وعنه، على كُلِّ واحِدٍ صاعٌ. وكذلك الحُكْمُ في مَن بَعْضُه حُرٌّ)
فِطْرَةُ العَبْدِ المُشْتَرَكِ واجِبَةٌ على مَوالِيه.
وبه قال مالكٌ، ومحمدُ بنُ مَسْلَمَةَ 1، وعبدُ المَلِكِ، والشافعىُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال الحسنُ، وعِكْرِمَةُ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وأبو يُوسُفَ: لا فِطْرَةَ على واحِدٍ منهم؛ لأنَّه ليس عليه لأحَدٍ منهم وِلايةٌ تامَّةٌ، أشبَهَ المُكاتَبَ.
ولَنا، عُمُومُ الأحادِيثِ، ولأنَّه عَبْدٌ مسلمٌ مَمْلُوكٌ لمَن يَقْدِرُ على الفِطْرَةِ وهو مِن أهلِها فلَزِمَتْه، كمَمْلُوكِ الواحِدِ، وفارَقَ المُكاتَبَ، فإنَّه لا يَلْزَمُ سَيِّدَه مُؤْنَتُه، ولأنَّ المُكاتَبَ يُخْرِجُ عن نَفْسِه زكاةَ الفِطْرِ، بخلافِ القِنِّ، والوِلايةُ غيرُ مُعْتَبَرَةٍ في وُجُوبِ الفِطْرَةِ، بدَلِيلِ عَبْدِ الصَّبِىِّ، ثم إنَّ وِلايتَه للجَمِيعِ،
..................................
فتَكُونُ فِطْرَتُه عليهم.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في قَدْرِ الواجِبِ على كُلِّ واحِدٍ منهم، ففى إحْداهما، على كُلِّ واحِدٍ صاعٌ؛ لأنَّها طُهْرَةٌ، فوَجَبَ تَكْمِيلُها على كُلِّ واحِدٍ مِن الشُّرَكاءِ، ككفّارَةِ القَتْلِ.
والثانيةُ، على الجَمِيعِ صاعٌ واحِدٌ، على كُلِّ واحِدٍ بقَدْرِ مِلْكِه فيه.
هذا الظّاهِرُ عن أحمدَ.
قال فَوْزانُ 1: رَجَع أحمدُ عن هذه المَسْألَةِ، وقال: يُعْطِى كُلُّ واحِدٍ منهم نِصْفَ صاعٍ.
يَعْنِي رَجَعِ عن إيجابِ صاعٍ كامِلٍ على كُل واحِدٍ.
وهذا قَوْلُ سائِرِ مَن أوْجَبَ فِطْرَته على سادَتِه؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْجَبَ صاعًا عن كُلِّ واحِدٍ.
وهذا عامٌّ في المُشْتَرَكِ وغيرِه، ولأنَّ نَفَقَتَه تُقْسَمُ عليهم، فكذلك فِطْرَتُه التّابِعَةُ لها, ولأنَّه شَخْصٌ واحِدٌ، فلم يَجِبْ عنه أكثَرُ مِن صاعٍ، كسائِرِ الناسِ، ولأنَّها طُهْرَةٌ، فوَجَبَتْ على سادَتِه بالحِصَصِ، كماءِ الغُسْلِ مِن الجَنابَةِ إذا احْتِيجَ إليه.
وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذَكَرْناه للرِّوايَةِ الأُولَى.
فصل: ومَن بَعْضُه حُرٌّ، ففِطْرَتُه عليه وعلى سَيِّدِه.
وبه قال الشافعىُّ،
..................................
وأبو ثَوْرٍ.
وقال مالكٌ: على الحُرِّ بحِصَّتِه، وليس على العَبْدِ شئٌ.
ولَنا، أنَّه مسلمٌ تَلْزَمُ مُؤْنَتُه شَخْصَيْن مِن أهْلِ الفِطْرَةِ، فكانت فِطْرَتُه عليهما، كالمُشْتَرَكِ، وهل يَلْزَمُ كُلَّ واحِدٍ منهما صاعٌ أو بالحِصَصِ؟ يَنْبَنِى على ما ذَكَرْنا في العَبْدِ المُشْتَرَكِ، فإن كان أحَدُهما مُعْسِرًا فلا شئَ عليه، وعلى الآخَرِ 1 القَدْرُ الواجِبُ عليه، فإن كان بينَ السَّيِّدِ والعَبْدِ مُهايَأةٌ، أو كان المُشْتَرِكُون في العَبْدِ قد تَهايئُوا عليه، لم تَدْخُلِ الفِطْرَةُ في المُهايَأةِ؛ لأنَّ المُهايأةَ مُعاوَضَةُ كَسْبٍ بكَسْبٍ، وِالفِطْرَةُ حَقٌّ للَّهِ تعالى، فلم تَدْخُلْ في ذلك، كالصلاةِ.
ولو ألْحَقَتِ القافَةُ 2 وَلَدًا
وَإنْ عَجَزَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ عَنْ فِطْرَتِهَا، فَعَلَيْهَا أَوْ عَلَى سَيِّدِهَا إِنْ كَانَتْ أَمَةً فِطْرَتُهَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ.
برَجُلَيْن أو أكْثَرَ، فالحُكْمُ في فِطْرَتِه كالحُكْمِ في العَبْدِ المُشْتَرَكِ.
وكذلك المُعْسِرُ القَرِيبُ لاثْنَيْن أو لجماعةٍ، نَفَقَتُه عليهم، وفِطْرَتُه عليهم، حُكْمُها حُكْمُ فِطْرَةِ العَبْدِ المُشْتَرَكِ على ما ذُكِرَ فيه.
953 -
مسألة: (وإن عَجَز زَوْجُ المرأةِ عن فِطْرَتِها، فعليها أو على
..................................
سَيِّدِها إن كانَتْ أمَةً فِطْرَتُها.
ويَحْتَمِلُ أن لا تَجِبَ) إذا أعْسَرَ بفِطْرَةِ زَوْجَتِه، فعليها فِطْرَةُ نَفْسِها، أو على سَيِّدِها إن كانت مَمْلُوكَةً؛ لأنَّها تُتَحَمَّلُ إذا كان ثَمَّ مُتَحَمِّلٌ، فإذا لم يكنْ عاد إليها، كالنَّفَقَةِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ عليها شئٌ؛ لأنَّها لم تَجِبْ على أن وُجِدَ سَبَبُ الوُجُوبِ في حَقِّه لعُسْرَتِه، فلم تَجِبْ على غيرِه، كفِطْرَةِ نَفْسِه.
وتُفارِقُ النَّفَقةَ، فإنَّ
وَمَنْ كَانَ لَهُ غَائِبٌ أَوْ آبِقٌ فَعَلَيْهِ فِطْرَتُهُ، إلَّا أَنْ يَشُكَّ في حَيَاتِهِ فَتَسْقُطَ.
وُجُوبَها آكَدُ؛ لأنَّها ممَّا لا بُدَّ منه، وتَجِبُ على المُعْسِرِ والعاجِزِ، ويُرْجَعُ عليه بها عندَ يَسارِه، والفِطْرَةُ بخِلافِها.
954 -
مسألة: (ومَن كان له غائِبٌ أو آبِقٌ فعليه فِطْرَتُه، إلَّا
..................................
أن يَشُكَّ في حَياتِه فتَسْقُطَ) تَجِبُ فِطْرَةُ العَبْدِ الحاضِرِ، والغائِبِ الذى تُعْلَمُ حَياتُه، والآبِقِ، والمَرْهُونِ، والمغْصُوبِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ عَوامُّ أهلِ العلمِ على أنَّ على المَرْءِ زكاةَ الفِطْرِ عن مَمْلُوكِه الحاضِرِ غيرِ المُكاتَبِ، والمَغْصُوبِ، والآبِقِ.
والغائِبُ تَجِبُ فِطْرَتُه إذا عُلِمَ أنَّه حَىٌّ، سَواءٌ رَجا رَجْعَتَه أو أيِسَ منها، وسَواءٌ كان مُطْلَقًا أو مَحْبُوسًا، كالأسِيرِ وغيرِه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أكْثَرُ أهلِ العِلْمِ يَرَوْنَ أن تُؤَدَّى زكاةُ الفِطْرِ عن الرَّقِيقِ، غائِبِهم وحاضِرِهم؛ لأنَّه مالكٌ لهم، فوَجَبَتْ فِطْرَتُهم عليه، كالحاضِرِين.
وممَّن أوْجَبَ فِطْرَةَ الآبِقِ الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، والزُّهْرِىُّ إذا عُلِمَ مَكانُه، والأوْزاعِىُّ إن كان في دارِ الإِسْلامِ، ومالكٌ إن كانت غَيْبَتُه قرِيبَةً.
ولم يُوجِبْها عَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه الإِنْفاقُ عليه، فلا تَجِبُ فِطْرَتُه، كالمرأةِ
وَإنْ عَلِمَ حَيَاتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، أخْرَجَ لِمَا مَضَى.
النَّاشِزِ.
ولَنا، أنَّه مالُه (1)، فوَجَبَتْ زكاتُه في حالِ غَيْبَتِه, كمالِ التِّجارَةِ، ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه إخْراجُ زكاتِه حتَّى يَرْجعَ، كزَكاةِ الدَّيْن والمَغْصُوبِ.
ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ.
ووَجْهُ القَوْلِ الأَوَّل، أنَّ زَكاةَ الفِطْرِ تَجِبُ تابِعَةً للنَّفَقَةِ، والنَّفَقَةُ تَجِبُ مع الغَيْبَةِ، بدَلِيلِ أنَّ مَن رَدَّ الآبِقَ رَجَع بنَفَقَتِه.
فأمَّا مَن شُكَّ في حَياتِه وانْقَطَعَتْ أخْبارُه لم تَجِبْ فِطْرَتُه.
نصَّ عليه، في رِوايَةِ صالِحٍ؛ لأنَّه لا يَعْلَمُ بَقاءَ مِلْكِه عليه، ولأنَّه لو أعْتَقَه عن كَفَّارَتِه لم يُجْزِئْه، فلم تَجِبْ فِطْرَتُه، كالمَيِّتِ.
955 -
مسألة: (وإن عَلِم حَياتَه بعدَ ذلك، أخْرَجَ لِما مَضَى)
لأنَّه بان له وُجُودُ سَبَبِ الوُجُوبِ في الزَّمَنِ الماضِى، فوَجَبَ عليه الإِخْراجُ لما مَضَى، كما لو سَمِع بهَلاكِ مالِه الغائِبِ، ثم بان له أنَّه كان سَلِيمًا.1
وَلَا تَلْزَمُ الزَّوْجَ فِطْرَةُ النَّاشِزِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: تَلْزَمُهُ.
والحُكْمُ في القَرِيبِ الغائِبِ كالحُكْمِ في العَبِيدِ؛ لأنَّهم مِمَّن تَجِبُ فِطْرَتُهم مع الحُضُورِ، فكذلك مع الغَيْبَةِ، كالعَبِيدِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا تَجِبَ فِطْرَتهم مع الغَيْبَةِ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه بَعْثُ نَفَقَتِهم إليهم، ولا يَرْجِعُونَ بالنَّفَقَةِ الماضِيَة.
956 -
مسألة: (ولا تَلْزَمُ الزَّوْجَ فِطْرَةُ النَّاشِزِ. وقال أبو الخَطّابِ: تَلْزَمُه)
إذا نَشَزَتِ المرأةُ في وَقْتِ وُجُوبِ الفِطْرَةِ، ففِطْرَتُها على نَفْسِها دُونَ زَوْجِها؛ لأنَّ نَفَقَتَها لا تَلْزَمُه.
واخْتارَ أبو الخَطّابِ أنَّ عليه 1 فِطْرَتَها؛ لأنَّ الزَّوْجيَّةَ ثابِتَةٌ عليها فلَزِمَتْه فِطْرَتُها، كالمَرِيضَةِ التى لا تَحْتاجُ إلى نفَقَةٍ.
والأوَّلُ أَصَحُّ؛ لأنَّ هذه مِمَّن لا تَلْزَمُه مُؤْنَتُه، فلا تَلْزَمُه فِطْرَتُه، كالأجْنَبِيَّةِ، وفارَقَ المَرِيضَةَ؛ لأنَّ عَدَمَ الإِنْفاقِ عليها لعَدَمِ الحاجَةِ، لا لخَلَلٍ في المُقْتَضى لها، فلا يَمْنَعُ ذلك مِن ثُبُوتِ تَبَعِها، بخِلافِ النَّاشِزِ.
وكذلك كُلُّ امرأةٍ لا تَلْزَمُه نَفَقَتُها، كغيرِ المَدْخُولِ بها إذا لم تُسَلَّمْ إليه، والصَّغِيرةِ التى لا يُمْكِنُ الاسْتِمْتاعُ بها، فإنَّه لا تَلْزَمُه
وَمَنْ لَزِمَ غَيْرَهُ فِطْرَتُهُ فَأَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَهَلْ يُجْزِئُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنَ.
نَفَقَتُها ولا فِطْرَتُها؛ لأنَّها ليست مِمَّن يَمُونُ.
957 -
مسألة: (ومَن لَزِم غيرَه فِطْرَتُه فأخْرَجَ عن نَفْسِه بغيرِ إذْنِه، فهل يُجْزِئُه؟ على وَجْهَيْنِ)
مَن وَجَبَتْ نَفَقَتُه على غيرِه، كالمرأةِ والنَّسِيبِ الفَقِيرِ، إذا أخْرَجَ عن نفْسِه بإذْنِ مَن تَجِبُ عليه، صَحَّ بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه نائِبٌ عنه.
وِإن أخْرَجَ بغيرِ إذْنِه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُجْزِئُه؛ لأنَّه أخْرَجَ فِطْرَةَ نفْسِه، فأجْزَأه، كالتى وَجَبَتْ عليه.
والثانِى،
.................................. لا يُجْزِئُه؛ لأنَّه أدَّى ما وَجَب على غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلم يَصِحَّ [كما لو أدَّى] 1 عن غيرِه.
وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ الْفِطْرَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُطَالَبًا بِهِ.
958 - مسألة: (ولَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ الفِطْرَةِ، إلَّا أن يَكُونَ مُطالَبًا به)
إنَّما لم يَمْنَعِ الدَّيْنُ الفِطْرَةَ؛ لأنَّها آكَدُ؛ بدَلِيلِ وُجُوبِها على الفَقِيرِ، وشُمُولِها لكلِّ مسلم قَدَر على إخْراجِها، ووُجُوبِ تَحَمُّلِها عمَّن وَجَبَتْ نَفَقَتُه على غيرِه، ولا تَتَعَلَّقُ بقَدْرٍ مِن المالِ، فجَرَى مَجْرَى النَّفَقَةِ، ولأنَّ زَكاةَ المالِ تَجِبُ بالمِلْكِ، والدَّيْنُ يُؤَثِّرُ في المِلْكِ، فأثَّرَ فيها، وهذه تَجِبُ على البَدَنِ، والدَّيْنُ لا يُؤَثِّرُ فيه.
فأمَّا عندَ المُطالَبَةِ بالدَّيْنِ، فتَسْقُطُ الفِطْرَةُ، لوُجُوبِ أدائِه عندَها، وتَأَكُّدِه بكَوْنِه حَقَّ آدَمِىٍّ مُعَيَّنٍ لا يَسْقُطُ
..................................
بالإِعْسارِ، وكَوْنُه أسْبَقَ سَبَبًا وأقْدَمَ وُجُوبًا يَأْثَمُ بتَأْخِيرِه.
فصل: وإن مات مَن وَجَبَتْ عليه الفِطْرَةُ قبلَ أدائِها، أُخْرِجَتْ مِن مالِه، فإن كان عليه دَيْنٌ وله مَالٌ يَفِى بهما، قُضِيا جَمِيعًا، وإن لم يَفِ بهما، قُسِمَ بينَ الدَّيْنِ والصَّدَقَةِ بالحِصَصِ.
نَصَّ عليه أحمدُ في زَكاةِ المالِ، أنَّ التَّرِكَةَ تُقْسَمُ بينَهما، فكذا ههُنا.
فإن كان عليه زَكاةُ مالٍ وصَدَقَةُ الفِطْرِ ودَيْنٌ، فزَكاةُ الفِطْرِ والمال كالشئِ الواحِدِ، لاتِّحادِ مَصْرِفِهِما، فيُحاصَّان الدَّيْنَ، وأصْلُ هذا أنَّ حَقَّ اللَّه تعالى وحَقَّ الآدَمِىِّ، إذا تَعَلَّقا بمَحَلٍّ واحِدٍ، فكانا في الذِّمَّةِ، أو كانا في العَيْنِ، تَساوَيا في الاسْتِيفاءِ.
فصل: وإذا مات المُفْلِسُ ولهَ عَبِيدٌ، فهَلَّ شَوّالٌ قبلَ قِسْمَتِهم بينَ الغُرَماءِ، ففِطْرَتُهم على الوَرَثَةِ؛ لأنَّ الدَّيْنَ لا يَمْنَعُ نَقْلَ التَّرِكَةِ، بل غايَتُه أن يكونَ رَهْنًا بالدَّيْنِ، وفِطْرَةُ الرَّهْنِ على مالِكِه.
فصل: ولو مات عَبِيدُه أو مَن يَمُونُه بعدَ وُجُوبِ الفِطْرَةِ، لم تَسْقُطْ؛ لأنَّها دَيْنٌ ثَبَت في ذِمَّتِه بسَبَبِ عَبْدِه، فلم يَسْقُطْ بمَوْتِه، كما لو اسْتَدانَ العَبْدُ بإذْنِه دَيْنًا وَجَب في ذِمَّتِه، ولأنَّ زَكاةَ المالِ لا تَسْقُطُ بتَلَفِه 1، فالفِطْرَةُ أوْلَى، فإنَّ زَكاةَ المالِ تَتَعَلَّقُ بالعَيْنِ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن، وزَكاةُ الفِطْرِ بخِلافِه.
وَتَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْرِ، فَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ مَلَكَ عَبْدًا أَوْ زَوْجَةً، أو وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ، لَمْ تَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ، وَإنْ وُجِدَ ذَلِكَ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَجَبَتْ.
959 - مسألة: (وتَجِبُ بغُرُوب الشَّمْسِ مِن لَيْلَةِ الفِطْرِ، فمَن أسْلَمَ بعدَ ذلك، أو مَلَك عَبْدًا أو زَوْجَةً، أَو وُلِد له وَلدٌ، لم تَلْزَمْه فِطْرَتُه، وإن وُجِدَ ذلك قبلَ الغُرُوبِ، وَجَبَتْ)
ولو كان حينَ الوُجُوبِ مُعْسِرًا ثم أيْسَرَ في لَيْلَتِه تلك، أو في يَوْمِه، لم يَجِبْ عليه شئٌ.
ولو كان وَقْتَ الوُجُوبِ مُوسِرًا ثم أعْسَرَ لم تَسْقُطْ عنه، اعْتِبارًا بحالَةِ الوُجُوبِ.
ومَن مات لَيْلَةَ الفِطْرِ، بعدَ غُروبِ الشَّمْسِ، فعليه صَدَقَةُ الفِطْرِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، ومالكٌ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن عنه, والشافعىُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه.
وقال اللَّيْثُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى: تَجِبُ بطُلُوعِ الفَجْرِ يَوْمَ العِيدِ.
وهى رِوايَةٌ عن مالكٍ؛ لأنَّها قُرْبَةٌ تتَعَلَّقُ بالعِيدِ، فلم يَتَقَدَّمْ وقْتُها يَوْمَ العِيدِ، كالأُضْحِيَةِ.
ولَنا، قَوْلُ ابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَرَض زَكاةَ الفِطْرِ طُهْرَةً للصّائِمِ مِن الرَّفَثِ واللَّغْوِ 1. ولأنَّها تُضافُ إلى الفِطْرِ، فكانت واجِبَةً به، كزكاةِ المالِ، وذلك لأنَّ الإِضافَةَ دَلِيلُ الاخْتِصاصِ، والسَّبَبُ أخَصُّ بحُكْمِه مِن غيرِه،