..................................
المُسَيَّبِ: إذا أرادَ أن يَأكلَ، يَغْسِلُ كَفَّيه، ويَتَمَضْمَضُ.
وحُكِى نَحْوُه عن إمامِنا، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْي.
وقال مُجاهِدٌ: يَغْسِلُ كَفَّيه؛ لِما رُوِيَ عن عائِشَةَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أنْ يَأكل وهو جُنُبٌ, غَسَلَ يَدَيه.
رَواه أبو داودَ، والنَّسائِيّ، وابنُ ماجه 1. وقال مالك: يَغْسِلُ يَدَيه إن كان أصابَهُما أذًى.
وقال ابنُ المُسَيَّبِ، وأصحابُ الرَّأي: يَنامُ، ولا يمس ماءً؛ لِما رَوَتْ عائِشَةُ، قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم -، يَنامُ وهو جُنُبٌ، ولَا يَمسُّ ماءً.
رَواه أبو داودَ وابنُ ماجه 2. ولَنا، أنَّ عُمَرَ سَأل
..................................
النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: أيرْقُدُ أحَدُنا وهو جُنُبٌ؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَرْقُدْ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وعن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أتَى أَحَدُكُمْ أهْلَهُ، ثُمَّ أرَادَ أنْ يَعُودَ، فَلْيَتَوَضَّأ».
رَواه مسلمٌ 2. وعن عائِشَةَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذَا أراد أن يَأْكُلَ، أو يَنامَ، تَوَضَّأ.
يَعْنِي وهو جُنُبٌ.
رَواه أبو داودَ 3. فأمّا أحادِيثُهم؛ فأحادِيثُنا أصَحُّ، ويُمْكِنُ الجمْعُ بَينَها بحَمْلِها على الجَوازِ وحَمْلِ أحادِيثنا على الاسْتِحْبابِ.
..................................
فصل: وإذا غَمَسَتِ الحائِض، أو الجُنُبُ، أو الكافِرُ، أيدِيَهُم في الماءِ، فهو طاهِرٌ ما لم يَكُنْ على أيدِيهِم نَجاسَةٌ؛ لأنَّ أبدانَهُم طاهِرَةٌ، وهذه الأحْداثُ لا تَقْتَضِي تَنْجِيسَ الماءِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ عَوامُّ أهلِ العلمِ على أنَّ عَرَقَ الجُنُبِ طاهِرٌ.
يُرْوَى ذلك عن عائشةَ، وابنِ عباس، وابنِ عُمَرَ.
وهو قَوْلُ مالكٍ والشافعيِّ، ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافًا.
وقد روَى أبو هُرَيرَةَ أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لَقِيَه في بعضِ طُرُقِ المَدِينَةِ، قال: فانْخَنَسْت منه، فذَهَبْتُ فاغْتَسَلْتُ، ثم جِئْتُ، فقال: «أينَ كُنْتَ يَا أبا هُرَيرَةَ»؟ قال: يا رسولَ الله، كُنْتُ جُنُبًا، فكَرِهْتُ أن أجالِسَك وأنا على غيرِ طهارةٍ، فقال: «سُبْحَانَ الله، إِنَّ الْمُؤمِنَ لَا يَنْجُسُ».
مُتَّفقٌ عليه 1. ورُوي أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَدَّمَتْ إليه امرأةٌ مِن نِسائِه قَصْعَةً ليتَوَضَّأَ منها، فقالتِ امرأةٌ: إنِّي غَمَسْتُ يَدَىَ فيها وأنا جُنُبٌ.
فقال: «الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ» 2. وكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَشْرَبُ مِن سُورِ عائشةَ وهي حائِضٌ.
وتَوَضَّأ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِن مَزادَةِ مُشْرِكَةٍ.
مُتَّفَقٌ عليه.
وأجاب النبيّ - صلى الله عليه وسلم -
..................................
يَهُودِيًّا أضافَه بخُبْزٍ وإهالةٍ سَنِخَةٍ 1. قال شَيخُنا 2: ويَتَخَرَّجُ التَّفْرِيقُ بينَ الكِتابِيِّ الذي لا يَأكُلُ المَيتَةَ والخِنْزِيرَ، وبينَ غيرِه مِمَّن يَأكُلُ ذلك، ومَن لا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهم، كقَوْلِنا في آنِيَتهِم، وقد ذَكَرْناه 3.
فصل: فأمّا طُهُورِيَّةُ الماءِ، فإِنَّ الحائِضَ والكافِرَ لا يُؤثِّرُ غَمْسهما أيدِيَهما في الماءِ؛ لأنَّ حَدَثَهما لا يَرْتَفِعُ، وأمّا الجُنُبُ، فإن لم يَنْو بغَمْسِ.
يَدِه في الماءِ رَفْعَ الحَدَثِ عنها، فكَذلِك، بدَلِيلِ حَدِيثِ المرأةِ التي قالت: غَمَسْتُ يَدَيَّ في الماءِ وأنا جُنُبٌ.
فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ».
ولأنَّ الحَدَثَ لا يَرْتَفِعُ مِن غيرِ نِيَّةٍ، أشْبَهَ غَمْسَ الحائِض.
وإن نَوَتْ رَفْعَ حَدَثِها، فحُكْمُ الماءِ حُكْمُ ما لو اغْتَسَلَ الجُنُبُ فيه للجَنابَةِ، كذا ذَكَرَه شَيخُنا 4. وفي هذا نَظر؛ فإنَّهم قد قالوا: إنَّ الماءَ المُسْتَعْمَلَ إذا اخْتَلَطَ
..................................
بالماءِ الطَّهُورِ، إنَّما يُؤَثِّرُ فيه إِذا كان بحيث لوْ كان مائِعًا آخَرَ غَيَّرَه، والمُنْفَصِلُ عن اليَدِ ها هنا يَسِيرٌ، فيَنْبَغِي إِذا كان الماءُ كَثِيرًا، بحيث لا يُؤَثِّرُ فيه المُنْفَصِلُ عن غَسْلِ اليَدِ لو غُسِلَتْ مُنْفَرِدَةً بماءٍ، ثم صُبَّ فيه، أن لا يُؤثِّرَ ها هنا؛ لأنَّه في مَعْناه.
وإن كان الماءُ يَسِيرًا، بحيث يَغْلِبُ على الظَّنِّ أنَّ قَدْرَ المُنْفَصِلِ عن اليَدِ يُؤَثِّرُ فيه لو غُسِلَتْ مُنْفَرِدَةً، ثم صُبَّ فيه، أثَّرَ ها هنا.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على هذا؛ فإنَّه سُئِل عن جُنُبٍ، وُضِع له ماءٌ، فأدْخَلَ يَدَه يَنْظرٌ حَرَّه مِن بَرْدِه، قال: إن كان أُصْبُعًا فأرْجُو أن لا يَكُونَ به بَأْسٌ، وإن كانتِ اليَدَ أجْمَعَ.
فكأنَّه كَرِهَه.
فصل: قال بَعْضُ أصحابِنا: إِذا نَوَى رَفْعَ الحَدَثِ، ثم غَمَس يَدَه في الماءِ؛ ليَغْرِفَ بها، صار الماءُ مُسْتَعْمَلًا.
قال شَيخُنا 1: والصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ، أنَّ ذلك لا يُؤَثِّرُ؛ لأنَّ قَصْدَ الاغْتِرافِ مَنَع قَصْدَ غَسْلِها،
..................................
على ما بَيَّنّاه في المُتَوَضِّئِ إِذا اغْتَرَفَ مِن الإِناءِ لغَسْلِ يَدَيه بعدَ وَجْهِه.
وإنِ انْقَطَع حَيضُ المرأةِ فهي قبلَ الغُسْلِ كالجُنُبِ في ما ذَكَرْنا مِن التَّفْصِيلِ.
وقد اخْتَلَف 1 عن أحمدَ في هذا؛ فقال في مَوْضِعٍ، في الجُنُبِ والحائِضِ يَغْمِسُ يَدَيه في الإِناءِ: إذا كانا نَظِيفَين، فلا بَأْسَ به.
وقال في مَوضِع: كُنْتُ لا أرَى به بَأْسًا، ثم حُدِّثْتُ عن شُعْبَةَ، عن مُحارِبِ بنِ دِثارٍ، عن ابنِ عُمَرَ، وكأنِّي تَهَيَّبْتُه.
وسُئِل عن جُنُبٍ وُضِعَ له ماءٌ، فوَضَعَ يَدَه فيه يَنْظُرُ حَرَّه مِن بَرْدِه، فقال: إن كان أُصْبُعًا فأرْجُو أن لا يَكُونَ به بَأْسٌ، وإن كانتِ اليَدَ أجْمَعَ.
فكأنَّه كَرِهَه.
وسُئِل عن الرجل يَدْخُلُ الحَمّامَ، وليس معه ما يَصُبُّ به الماءَ على يَدِه، تَرَى له أن يَأْخُذَ بفِيه؟ فقال: لا، يَدُه وفَمُه واحِدٌ.
وقِياسُ المذْهبِ ما ذَكَرْنا، وكَلامُ أحمدَ مَحْمُولٌ على الكَراهَةِ؛ لِما فيه مِن الخِلافِ.
وقال أبو يُوسُفَ: إن أدْخَلَ الجُنُبُ يَدَه في الماءِ لم يَفْسُدْ، وإن أدْخَلَ رِجْلَه فَسَد؛ لأنَّ الجُنُبَ نَجِسٌ،
..................................
فعُفِيَ عن يَدِه؛ لمَوْضِعِ الحاجَةِ.
وكَرِهَ النَّخَعِيُّ الوُضُوءَ بسُؤْرِ الحائِضِ.
وأكْثَرُ أهلِ العلمِ لا يَرَوْنَ به بَأْسًا؛ منهم الحسنُ، ومُجاهِدٌ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ.
وقد دَلَّلْنا على طهارةِ الجُنُبِ والحائِضِ، والتَّفْرِيقُ بينَ اليَدِ والرِّجْلِ لا يَصِحُّ؛ لاسْتِوائِهما فيما إذا أصابَتْهما نَجاسَةٌ، كذلك في الجَنابَةِ.
قال شَيخُنا 1: ويَحْتَمِلُ أن نَقُولَ به؛ لأنَّ اليَدَ يُرادُ بها الاغْتِرافُ، وقَصْدُه هو المانِعُ مِن جَعْلِ الماءِ مُسْتَعْمَلًا، وهذا لا يُوجَدُ في الرِّجْلِ، فيُؤثِّرَ غَمْسُها في الماءِ.
واللهُ أعلمُ.
فُصُولٌ في الحَمّامِ: بناءُ الحَمّامِ، وكِراؤُه، وبَيعُه، وشِراؤُه، مَكْرُوهٌ عندَ أبي عبدِ اللهِ؛ فإِنَّه قال في الذي يَبْنِي حَمّامًا للنِّساءِ: ليس بعَدْلٍ.
وإنَّما كَرِهَه؛ لِما فيه مِن كَشْفِ العَوْرَةِ، والنَّظرَ إِليها، ودُخُولِ النِّساء إليه.
فصل: فأمّا دُخُولُ الحَمّام، فإِن دَخَل رجلٌ، وكان يَسْلَمُ مِن النَّظرَ إِلى عَوْراتِ النّاسِ، ونَظرَهِم إِلىَ عَوْرَتِه، فلا بَأْسَ به؛ فإنَّه يُرْوَى أنَّ ابنَ عباسٍ دَخَل حَمّامًا بالجُحْفَةِ.
ويُرْوَى ذلك عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وكان الحسنُ وابنُ سِيرِينَ يَدْخُلان الحَمّامَ.
رَواه الخَلّالُ.
وإن خَشِيَ أن لا يَسْلَمَ مِن ذلك، كُرِهَ له؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ وُقُوعَه في المَحْظُورِ، وهو النَّظرُ إِلى عَوْراتِ النّاسِ، ونَظرُهم إلى عَوْرَتِه، وهو مُحَرَّمٌ؛ بدَلِيلِ قَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا
..................................
يَنْظرٌ الرَّجُلُ إلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا تَنْظرٌ الْمَرْأةُ إلَى عَوْرَةِ الْمَرْأةِ».
وقَوْلِه - عليه السلام - «لَا تَمْشُوا عُرَاةً».
رَواهما مسلمٌ 1. قال أحمدُ: إن عَلِمْتَ أنَّ كلَّ مَن في الحَمّام عليه إزارٌ فادْخُلْه، وإلَّا فلا تَدْخُلْ.
فصل: فأمّا النِّساءُ فليس لَهُنَّ دُخُولُه، مع ما ذَكَرْنا مِن السِّتْرِ، إلَّا لعُذْرٍ؛ مِن حَيضٍ، أو نِفاسٍ، أو مَرَضٍ، أو حاجَةٍ إلى الغُسْلِ، ولا يُمْكِنُها أن تَغْتَسِلَ في بَيتها، لتَعَذُّرِ ذلك عليها، أو خَوْفِها مِن مَرَضٍ، أو ضَرَرٍ، فيُباحُ لها إذا سَتَرَتْ عَوْرَتَها، وغَضَّتْ بَصَرَها.
ولا يَجُوزُ مِن غيرِ عُذْرٍ، لِما رُوِيَ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «سَتُفْتَحُ أرْضُ الْعَجَمِ، وَسَتَجِدُونَ فِيهَا حَمَّامَاتٍ، فَامَنْعُوا نِسَاءَكُمْ، إلَّا حَائِضًا أوْ نُفَساءَ».
ورُوي أنَّ عائِشَةَ دَخَل عليها نِساءٌ مِن أهْلِ حِمْصَ، فقالت: لَعَلَّكُنَّ مِن النِّساءِ اللَّاتِي يَدْخُلْنَ الحَمّاماتِ، سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «إنَّ الْمَرْأةَ إذَا خَلَعَتْ ثِيَابَهَا فِي غَيرِ بَيتِ زَوْجِهَا هَتَكَتْ سِتْرَهَا بَينَهَا وَبَينَ اللهِ تَعَالى».
رَواهما ابنُ ماجه 2.
..................................
فصل: ومَن اغْتَسَلَ عُرْيانًا بينَ النّاسِ لم يَجُزْ؛ لِما ذَكَرْنا، وإن كان وَحْدَه جاز؛ لأنَّ موسى، - عليه السلام -، اغْتَسَلَ عُرْيانًا، وأيُّوبَ اغْتَسَلَ عُرْيانًا.
رَواهما البُخارِيُّ 1. وإن سَتَرَه إنسانٌ بثَوْبٍ، فلا بَأْسَ، فقد كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَتِرُ بثَوْبٍ، ويَغْتَسِلُ.
مُتَّفَقٌ عليه 2. ويُسْتَحَبُّ التَّسَتُّرُ وإِن كان خالِيًا، لقَوْلَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فَاللهُ أحَقُّ أنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ مِنَ النَّاسِ» 3. وقد قال أحمدُ: لا يُعْجِبُنِي أنْ يَدْخُلَ الماءَ إلَّا = عن دخول المرأة الحمام، من كتاب الاستئذان.
سنن الدارمي 2/ 281. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 41. 173، 199، 267.
..................................
مُسْتَتِرًا، إِنَّ للماءِ سُكّانًا.
لأنَّه يُرْوَى عن الحسنِ، والحُسَينِ، أنَّهما دَخَلا الماءَ وعليهما بُرْدان، فقِيلَ لهما في ذلك، فقالا: إنَّ للماءِ سُكّانًا.
ولأنَّ الماءَ لا يَسْتُرُ فتَبْدُوَ عَوْرَةُ مَن دَخَلَه عُرْيانًا.
واللهُ أعلمُ.
فصل: ويُجْزِئُه الوُضُوءُ والغُسْلُ مِن ماءِ الحَمّامِ.
قال أحمدُ: لا بَأْسَ بالوُضُوءِ مِن ماءِ الحَمّام؛ وذلك لأنَّ الأصْلَ الطهارةُ.
ورُوي عن أحمدَ، أنَّه قال: لا بَأْسَ أن يَأخُذَ مِن الأُنْبُوبَةِ.
وهذا على سَبِيلِ الاحْتِياطِ، ولو لم يَفْعَلْه جاز؛ لأنَّ الأَصلَ الطهارةُ.
وقد قال أحمدُ: ماءٌ الحَمّامِ عِنْدِي طاهِرٌ، وهو بمَنْزِلَةِ الماءِ الجارِي.
وهل يُكْرَهُ اسْتِعْمالُه؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُكْرَهُ، لأنَّه يُباشِرُه مَن يَتَحَرَّى ومَن لا يَتَحَرَّى.
وحَكاه ابنُ عَقِيلٍ رِوايَةً عن أحمدَ.
وقد روَى الأثْرَمُ عن أحمدَ، قال: منهم مَن يُشَدِّدُ فيه، ومنهم مَن يقولُ: هو بمَنْزِلَةِ الماءِ الجارِي.
والثاني، لا يُكْرَهُ؛ لكَوْنِ الأصلِ طَهارَتَه، فهو كالماءِ الذي شَكَكْنا في نَجاسَتِه.
واللهُ أعلمُ.
قال شيخُنا 1: وقَوْلُه: هو بمَنْزِلَةِ الماءِ الجارِي.
فيه دَلِيلٌ على أنَّ الماءَ الجارِيَ لا يَنْجُسُ إلا بالتَّغْيِيرِ؛ لأنَّه لو تَنَجَّسَ بمُجَرَّدِ المُلاقاةِ لم يكُنْ لكَوْنِه جاريًا أثَرٌ، وإنَّما جَعَلَه بمَنْزِلَةِ الماءِ الجارِي إذا كان الماءُ لفيضُ مِن الحَوْضِ ويَخْرُجُ، فإنَّ الذي يَأْتِي أخِيرًا يَدْفَعُ ما في الحَوْضِ، ويَثْبُتُ مَكانَه؛ بدَلِيلِ أنَّه لو كان ما في الحَوْضِ كَدِرًا، وتتابَعَتْ عليه دُفَعٌ مِن الماءِ صافِيًا، لزالتْ كُدُورَتُه.
= باب التستر عند النكاح.
من كتاب النكاح.
سنن ابن ماجه 1/ 618. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 3، 4. وروى البخاري طرفه «الله أحق أن يستحيى منه من الناس».
في: باب من اغتسل عريانا وحده في الخلوة ومن تستر فالتستر أفضل، من كتاب الغسل (الترجمة).
صحيح البخاري 1/ 78.
..................................
فصل: ولا بَأْسَ بذِكْرِ اللهِ في الحَمّامِ؛ فإنَّ ذِكْرَه سبحانه حَسَنٌ في كلِّ مَكانٍ، ما لم يَرِدِ المَنْعُ منه، وقد رُوِيَ أنَّ أبا هُرَيرَةَ دَخَل الحَمّام، فقال: لا إلهَ إلَّا اللهُ.
ورَوَتْ عائشةُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَذْكُرُ اللهَ على كلِّ أحْيانِه.
رَواه مسلمٌ 1. فأمّا قِراءَةُ القُرْآنِ فيه، فكَرِهَها أبو وائِلٍ 2، والشَّعْبِيُّ، والحسنُ، ومَكْحُولٌ.
وحَكاه ابنُ عَقِيلٍ عن عليٍّ وابنِ عُمَرَ؛ لأنَّه مَحَلٌّ للتَّكَشُّفِ، ويُفْعَلُ فيه ما لا يَحْسُنُ في غيرِه، فاسْتُحِبَّ صِيانَةُ القُرْآنِ عنه.
ولم يَكْرَهْه النَّخَعِيُّ، ومالكٌ، لأنّا لا نَعْلَمُ حُجَّةً تُوجِبُ الكَراهَةَ، فأمّا رَدُّ السَّلامِ، فقال أحمدُ: ما سَمِعْتُ فيه شَيئًا.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ.
والأوْلَى جَوازُه مِن غيرِ كَراهَةٍ؛ لعُمُومِ قَوْلِه - عليه السلام -: «أفْشُوا السَّلَامَ بَينَكُمْ» 3. ولأنَّه لم يَرِدْ فيه نَصٌّ، والأشْياءُ على الإِباحَةِ.
واللهُ أعلمُ.
بَابُ التَّيَمُّمِ
وَهُوَ بَدَلٌ لَا يَجُوزُ إلا بِشَرْطَينِ؛ أَحَدُهُمَا، دُخُولُ الْوَقْتِ.
بابُ التَّيَمُّمِ
التَّيَمُّمُ في اللُّغَةِ: القَصْدُ.
قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (1). وقال امْرُؤُ القَيسِ (2):
تَيَمَّمَتِ العَينَ التي عندَ ضارِجٍ … يَفِئُ عليها الظِّلُّ عَرْمَضُها طامِى (3)
وقولُ اللهِ تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (4). أي: اقْصِدُوه.
ثم نُقِلَ في عُرْفِ الفُقَهاءِ إلى مَسْحِ الوَجْهِ واليَدَين بشيءٍ مِن الصَّعِيدِ، والأصْلُ فيه الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمّا الكِتابُ، فقوْلُه تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيدِيكُمْ مِنْهُ﴾.
وأمّا السُّنَّةُ، فحَدِيثُ عَمّارٍ وغيرِه (5)، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ على جَواز التَّيمُّمِ في الجُمْلَةِ، وله شُرُوطٌ، وفَرائِضُ، وسُنَنٌ، ومُبْطِلاتٌ، تَأْتِي في أثْناءِ البابِ، إن شاء اللهُ تعالى.
165 -
مسألة؛ قال: (وهو بَدَلٌ، لا يَجُوزُ إلا بشَرطَين؛
12345
فَلَا يَجُوزُ لِفَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَلَا لِنَفْلٍ فِي وَقْتِ النَّهْي عَنْهُ.
أحَدُهما، دُخُولُ الوَقْتِ، فلا يجوزُ لفَرْضٍ قبلَ وَقْتِه، ولا لنَفْلٍ في وَقْتِ النَّهْي عنه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عن الماءِ، إنَّما يَجُوزُ عندَ تَعَذُّرِ الطهارةِ بالماءِ؛ لعَدَمِه، أو مَرَضٍ، أو خَوْفٍ، أو نَحْوه؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
ولقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «التُّرَابُ كَافِيكَ ما لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ» 1. ولحَدِيثِ صاحِبِ الشَّجَّةِ 2، وحديثِ عَمْرِو بنِ العاصِ 3، وغيرِ ذلك.
ويُشْتَرَطُ له ثلاثةُ شُرُوطٍ؛ أحَدُها، دُخُولُ الوَقْتِ، فلا يَجُوزُ لصلاةٍ مَفْرُوضَةٍ قبلَ دُخُولِ وَقْتِها، ولا لنافِلَةٍ في وَقتِ النَّهْي عنها؛ لأَنَّه ليس بوَقْتٍ لها، ولأَنَّه مُسْتَغْنٍ عن التَّيمُّمِ فيه، فأشْبَهَ ما لو تَيَمَّمَ عندَ وُجُودِ الماءِ، وإن كانت فائِتَةً، جازَ التَّيَمُّمُ لها في كلِّ وقتٍ؛ لجَوازِ فِعْلِها فيه.
وهذا قَوْلُ مالكٍ والشافعيِّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ التَّيَمُّم قبلَ وقتِ الصلاةِ؛ لأنَّها طهارةٌ مُشْتَرَطَةٌ للصلاةِ، فأُبِيحَ تَقْدِيمُها
..................................
على الوَقْتِ، كسائِرِ الطَّهاراتِ.
ورُوي عن أحمدَ، أنَّه قال: القِياسُ أنَّ التَّيَمُّمَ بمَنْزِلَةِ الطهارةِ حتى يَجدَ الماءَ، أو يُحْدِثَ.
فعلى هذا يَجُوزُ قبلَ دُخُولِ الوَقْتِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّها طهارةُ ضَرُورَةٍ، فلم تَجُزْ قبلَ الوَقتِ، كطهارةِ المُسْتَحاضَةِ.
وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بطهارةِ المُسْتَحاضَة، ويُفَارِقُ التَّيَمُّمُ سائِرَ الطَّهاراتِ؛ لكَوْنِها ليست لضَرُورَةٍ.
الثَّانِي، الْعَجْزُ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِعَدَمِهِ،
الشَّرْطُ (الثاني، العَجْزُ عن اسْتِعْمالِ الماءِ لعَدَمِه) لِما ذَكَرْنا.
وعَدَمُ الماءِ إِنَّما يُشْتَرَطُ لمَن تَيَمَّمَ لعُذْرِ عَدَمِ الماءِ، دُونَ مَن تَيَمَّمَ لغيرِه مِن الأعْذارِ.
الشَّرْطُ الثالثُ، طَلَبُ الماءِ، وفيه خِلافٌ نَذْكُرُه، إن شاء اللهُ.
فصل: وعَدَمُ الماءِ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ في السَّفَرِ الطَّويلِ والقَصِيرِ.
والطَّويلُ ما يُبِيحُ القَصْرَ، والقَصِيرُ ما دُونَه، مِثْلَ أن يَكُونَ بينَ قَرْيَتَين مُتَباعِدَتَين أو مُتَقارِبَتَين.
قال القاضي: لو خَرَج إلى ضَيعَةٍ له تُفارِقُ البُنْيانَ والمنازِلَ، ولو بخمْسِين خُطْوَةً، جاز له التَّيَمُّمُ، والصلاةُ على الرّاحِلَةِ، وأكْلُ المَيتَةِ للضَّرُورَةِ.
وهذا قَوْلُ مالكٍ والشافعيِّ.
وقال قَوْمٌ: لا يُباحُ إلَّا في الطَّويلِ، قِياسًا على سائِرِ رُخَصِ السَّفَرِ.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾.
إلى قَوْلِه: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ 1. فإِنَّه يَدُلُّ بمُطْلَقِه على إباحَةِ التَّيَمُّمِ في كلِّ سَفَرٍ، ولأنَّ السفرَ القَصِيرَ يَكْثُرُ، فيكثُرُ عَدَمُ الماءِ
..................................
فيه، فيُحْتاجُ إِلى التَّيَمُّمِ فيه، فيَنْبَغِي أن يَسْقُطَ به الفَرْضُ، كالطَّويلِ.
والقِياسُ على رُخَصِ السَّفَرِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ التَّيَمُّمَ يُباحُ في الحَضَرِ، على ما يَأْتِي، ولأنَّ التَّيَمُّمَ عَزِيمَةٌ، لا يَجُوزُ تَرْكُه، بخِلافِ سائِرِ الرُّخَصِ، [ولا فرْقَ بينَ سَفَرِ الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ؛ لأنَّ التَّيَمُّمَ عَزِيمَةٌ، لا يَجُوزُ تَرْكُه، بخِلافِ بَقِيَّةِ الرُّخَصِ] 1. فإن تَيَمَّمَ وصَلَّى، فهل يُعِيدُ؟ ذَكَر القاضي فيه احْتِمالين؛ أَوْلاهُما، لا يُعِيدُ؛ لأنَّه عَزِيمَةٌ.
فصل: فإن عَدِمَ الماءَ في الحَضَرِ، بأن انْقَطَع عنهم الماءُ، أو حُبِس وعَدِم الماءَ، تَيَمَّمَ وصَلَّى.
وهذا قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ.
وقال أبو حَنِيفةَ، في رِوايَةٍ عنه: لا يُصَلِّي؛ لأنَّ اللهَ تعالى شَرَطَ السَّفَرَ لجَوازِ التَّيَمُّمِ، فلا يَجُوزُ في غيرِه.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه سُئِل عن رجلٍ حُبِسَ في دارٍ، أو أُغْلِقَ 2 عليه البابُ [بمَنْزِلِ المُضِيفِ] 3،
..................................
أيتَيَمَّمُ؟ قاك: لا.
ولَنا، ما روَى أبو ذَرٍّ، أنّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ الْمُسْلِمِ، وَإنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمسَّهُ بَشَرَتَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيرٌ» 1. قال التِّرْمِذِيُّ: حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ.
وهذا عامٌّ في السَّفَرِ وغيرِه، ولأنَّه عادِمٌ للماءِ، أشْبَهَ المُسافِرَ.
فأمَّا الآيَةُ، فلَعَلَّ ذِكْرَ السَّفَرِ فيها خَرَج مَخْرَجَ الغالِبِ؛ لكَوْنِ الغالِبِ أنَّ الماءَ إنَّما يُعْدَمُ فيه, كما ذُكِر السَّفَرُ، وعَدَمُ وُجُودِ الكاتِبِ في الرَّهْنِ، ولَيسا شَرْطَين فيه، ثم إنَّ الآيةَ إنَّما تَدُلُّ على ذلك بدَلِيلِ الخِطابِ، وأبو حَنِيفَةَ لا يَقُولُ به، ولو كان حُجَّةً فالمَنْطُوقُ راجِحٌ عليه.
فعلى هذا إذا تَيَمَّمَ في الحَضَرِ لعَدَمِ الماءِ، وصَلَّى، فهل يُعِيدُ إذا قَدَر على الماءِ؟ على رِوايَتَين؛ إحْداهُما، يُعِيدُ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، لأنَّه عُذْرٌ نادِرٌ، فلا يَسْقُطُ به القَضاءُ، كالحَيضِ في الصَّوْمِ.
والثانيةُ، لا يُعيدُ.
وهو مذهبُ مالكٍ، لأنَّه أَتَى بما أُمِرَ به، فخَرَجَ عن العُهْدَةِ، ولأنَّه صَلَّى بالتَّيَمُّمِ المَشْرُوعِ على الوَجْهِ المشروعِ، فأشْبَهَ المَرِيضَ والمُسافِرَ، مع أنَّ عُمُومَ الخَبَرِ يَدُلُّ عليه.
وقال أبو الخَطّابِ: إِن حُبِسَ في المِصْرِ صَلَّى.
ولم
..................................
يَذْكرْ إعادَةً.
وذَكَر الرِّوايَتَين في غيرِه.
قال شَيخُنا 1: ويَحْتَمِلُ أنَّه إن كان عَدِمَ الماءَ لعُذْرٍ نادِرٍ، أو يَزُولُ قَرِيبًا، كرجلٍ أُغْلِقَ عليه البابُ، مِثْلَ الضَّيفِ وما أشْبَهَ هذا، فعليه الإِعادَةُ؛ لأنَّ هذا بمَنْزِلَةِ المُتَشاغِلِ بطَلَبِ الماءِ وتَحْصِيلِه.
وإن كان عُذْرًا مُمْتَدًّا ويُوجَدُ كَثِيرًا؛ كالمَحْبُوسِ، ومَن انْقَطَعَ الماءُ مِن قَرْيَتِه، واحْتاجَ إلى اسْتِقاءِ الماءِ مِن مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ، فله التَّيَمُّمُ، ولا إعادَةَ عليه؛ لأنَّ هذا عادِمٌ للماءِ بِعُذْرٍ مُتَطاولٍ مُعْتادٍ، فهو كالمُسافِرِ، ولأنَّ عَدَمَ هذا للماءِ 2 أكْثَرُ مِن عَدَمِ المُسافِرِ له، فالنَّصُّ على التَّيَمُّمِ للمسافِرِ تَنْبِيهٌ على التَّيَمُّمِ ههُنا.
وما قاله صحيحٌ.
واللهُ تعالى أعلمُ.
فصل: ومَن خَرَج مِن المِصْرِ إلى أرْضٍ مِن أعْمالِه؛ كالحَرّاثِ، والحَصّادِ، والحَطّابِ، وأشْباهِهم مِمَّن لا يُمْكِنُه حَمْلُ الماءِ معه لوُضُوئِه، فحَضَرَتِ الصلاةُ ولا ماءَ معه، ولا يُمْكِنُه الرُّجُوعُ ليَتَوَضَّأَ إلَّا بتَفْويتِ حاجَتِه، فله أن يُصَلِّيَ بالتَّيَمُّمِ، ولا إعادَةَ عليه؛ لأنَّه مُسافِرٌ، أشْبَهَ الخارِجَ إلى قَرْيَةٍ أُخْرَى.
ويَحْتَمِلُ أن تَلْزَمَه الإِعادَةُ؛ لكَوْنِه في أرْضٍ مِن عَمَلِ المِصْرِ، أشْبَهَ المُقِيمَ فيه.
فإن كانتِ الأرضُ التي خَرَج إليها مِن غيرِ أرْضِ قَرْيَتِه 3، فلا إعادةَ عليه، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه مُسافِرٌ.
أوْ لِضَرَرٍ فِي اسْتِعْمَالِهِ، مِنْ جُرْحٍ، أَوْ بَرْدٍ شَدِيدٍ، أَوْ مَرَضٍ يَخْشَى زِيَادَتَهُ أَوْ تَطَاوُلَهُ،
فصل: فإن لم يَجِدْ إلَّا ماءً وَلَغَ فيه بَغْلٌ أو حِمارٌ، فرُوى عن أحمدَ، أنَّه قال: إِذا لم يَجِدْ غيرَ سُؤْرِهما تَيَمَّمَ معه، فيُقَدِّمُ الوُضُوءَ، ثم يَتَيَمَّمُ.
نَصَّ عليه أحمدُ، ليَكُونَ عادِمًا للماءِ بيَقِينٍ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: ويَحْتَمِلُ في المَذْهَبِ أن يُصَلِّيَ بكلِّ واحِدٍ منهما، ليَحْصُلَ له تَأْدِيَةُ فَرْضِه بيَقِينٍ.
فعلى هذا يُقَدِّمُ التَّيَمُّمَ، ويُصَلِّي ثم يَتَوَضَّأُ، لجَوازِ أن يكُونَ الماءُ نَجِسًا، ولا يَضُرُّ ههُنا تَقْدِيمُ التَّيَمُّمِ مع كَوْنِه مُسْقِطًا للفَرْضِ، كما إِذا اشْتَبَهَتِ الثِّيابُ.
فإن أراد أن يُصَلِّيَ صلاةً أُخْرَى في وَقْتٍ واحِدٍ، لم يَحْتَجْ إِلى إعادَةِ الوُضُوءِ إذا لم يُحْدِثْ، لأنَّ الماءَ إن كان طاهِرًا، فالوُضُوءُ بحالِه، وإن كان نَجِسًا، فلا حاجَةَ إلى تَكْرارِ الوُضُوءِ بماءٍ نَجسٍ، ولا يَحْتاجُ في الصلاةِ الثانيةِ إِلى أن يَفْعَلَها مَرَّتَين؛ لأنَّه لا يَحْصُلُ له تأْدِيَة فَرْضِه بيَقِينٍ؛ لأنَّ أعْضاءَه قد تَنَجَّسَتْ بالماءِ على تَقْدِيرِ نَجاسَتِه، هذا إذا كان مُسْتَدِيمًا للطهارةِ الأُولَى.
ذَكَره ابنُ عَقِيلٍ، قال: ويُمْكِنُ تَأْدِيَتُه بيَقِين، بأن يَتَيَمَّمَ للحَدَثِ والنَّجاسَةِ، ويُصَلِّيَ؛ لأنَّه إن كان الماءُ طاهِرًا، فقد صَحَّتْ صَلاُته، وإن كان نَجِسًا، فقد تَيَمَّمَ للنَّجاسَةِ لي الحَدَثِ، فتَصِحُّ صلاتُه.
166 -
مسألة؛ قال: (أو لضَرَرٍ في اسْتِعْمالِه؛ مِن جُرْحٍ، أو بَرْدٍ شَدِيدٍ، أو مَرَضٍ يَخْشَى زِيادَتَه أو تَطاوُلَه)
هذه تَشْتَمِلُ على مَسائِلَ؛
..................................
أحَدُها، التَّيَمُّمُ لخَوْفِ البَرْدِ، متى أمْكَنَه تَسْخِينُ الماءِ، أو اسْتِعْمالُه على وجْهٍ يَأْمَنُ الضَّرَرَ، مثْلَ أنْ يَغْسِلَ عُضْوًا عضوًا، كُلَّما غَسَل شيئًا سَتَره، لَزِمَه ذلك.
وإن لم يَقْدِرْ، تَيَمَّمَ وصَلَّى، في قَوْلِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
وقال عَطاءٌ والحسنُ: يَغْتَسِلُ وإن مات.
ومُقْتَضَى قَوْلِ ابنِ مسعودٍ نَحْوُ ذلك.
ووَجْهُ الأوَّلِ قَوْلُه تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ 1. ولِما روَى عَمْرُو بنُ العاصِ، قال: احْتَلَمْتُ في لَيلَةٍ بارِدَةٍ في غَزْوَةِ ذاتِ السَّلاسِلِ، فَأشْفَقْتُ إنِ اغْتَسَلْتُ أن أهْلِكَ، فتَيَمَّمْتُ، ثم صَلَّيتُ بأصحابِي الصُّبْحَ، فذَكَرُوا ذلك للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «يَا عَمْرُو، صَلَّيتَ بِأصْحَابِكَ، وَأنْتَ جُنُبٌ»؛ فأخْبَرْتُه بالذي مَنَعَنِي مِن الاغْتِسالِ، وقُلْتُ: إنِّي سَمِعْتُ اللهَ عزَّ وجَلَّ يقُولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.
فضَحِكَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولم يَقُلْ شيئًا.
رَواه الخَلّالُ، وأبو داودَ 2.
..................................
وسُكُوتُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَدُلُّ على الجَوازِ؛ لأنَّه لا يُقِرُّ على الخَطَأ.
ولأنَّه خائِفٌ على نَفْسِه، أشْبَهَ المَرِيضَ.
وهل تَلْزَمُه الإِعادَةُ، إذا قَدَر على اسْتِعْمالِ الماءِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهُما، لا تَلْزَمُه، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، ومالكٍ، وأبي حَنِيفَةَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لحديثِ عَمْرٍو، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَأْمُرْه بإعادَةٍ، ولو وَجَبَتْ لَأمَرَه بها، فإنَّه لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ.
ولأنَّه خائِفٌ على نَفْسِه، أشْبَهَ المَرِيضَ.
والثانيةُ، تَلْزَمُه الإِعادَةُ في الحَضَرِ دُونَ السَّفَرِ.
وهو قولُ أبي يُوسُفَ، لمحمدٍ؛ لأنَّه عُذْرٌ نادِرٌ غيرُ مُتَّصِلٍ، فلم يَمْنَعِ الإِعادَةَ، كنِسْيانِ الطهارةِ.
قال الشيخُ 1: والأوَّلُ أصَحُّ.
ويُفارِقُ نسْيانَ الطهارةِ، فإنَّه لم يَأْتِ بما أُمِرَ به، وإنما ظَنَّ أنَّه أتَي به، بخِلافِ مَسْأَلَتِنا.
وقال الشافعيُّ: يُعِيدُ الحاضِرُ.
لِما ذَكَرْنا، وفي المُسافِرِ قَوْلان.
فصل: الثاني، الجَرِيحُ والمَرِيضٌ إذا خاف على نَفْسِه مِن اسْتِعْمالِ الماءِ، فله التَّيَمُّمُ.
هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم ابنُ عباسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وطاوُسٌ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ, ومالكٌ، والشافعيُّ.
وقال عَطاءٌ والحسنُ: لا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إلَّا عندَ عَدَمِ الماءِ.
ولَنا، قَوْلُ الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
وحديثُ عَمْرِو بنِ العاصِ حينَ تَيَمَّمَ مِن خَوْفِ البَرْدِ.
وحَدِيثُ صاحِبِ الشَّجَّةِ 2. ولأنَّه يُباحُ له التَّيَمُّمُ إذا خاف العَطَشَ، أو خاف مِن سَبُعٍ، فكذلك ههُنا؛ لأنَّ الخَوْفَ لا يَخْتَلِفُ،
أْو عَطَشٍ يَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ رَفِيقِهِ، أَوْ
إنَّما اخْتَلَفَتْ جِهاتُه.
واخْتَلَفُوا في الخَوْفِ المُبِيحِ للتَّيَمُّمِ؛ فرُويَ عن أحمدَ: لا يُبِيحُه إلَّا خَوْفُ التَّلَفِ.
وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
والصَّحِيحُ مِن لمَذْهَبِ، أنَّه يُباحُ له التَّيَمُّمُ إذا خاف زِيادَةَ المَرَضِ، أو تَباطُؤَ البُرْء، أو خاف شَيئًا فاحِشًا، أو ألَمًا غيرَ مُحْتَمَلٍ.
وهذا مذهبُ أَبي حَنِيفَةَ، والقَوْلُ الثاني للشافعيِّ؛ لعُمُومِ قَوْلِه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ (1). ولأنَّه يَجُوزُ له التَّيَمُّمُ إذا خاف ذهابَ شيءٍ مِن مالِه، أو ضَرَرًا في نَفْسِه؛ مِن لِصٍّ، أو سَبُعٍ، أو لم يَجِدِ الماءَ إلَّا بزِيادَةٍ كَثِيرَةٍ على ثَمَنِ مِثْلِه، فلَأن يَجُوزَ ههُنا أوْلَى.
ولأنَّ تَرْكَ القِيامِ في الصلاةِ، وتَأْخِيرَ الصومِ في المَرَضِ، لا يَنْحَصِرُ في خَوْفِ التَّلَفِ، فكذا ههُنا.
فأمّا المَرِيضُ والجَرِيحُ.
الذي لا يَخافُ الضَّررَ باسْتِعْمالِ الماءِ، مِثْلُ مَن به الصُّداعُ والحُمَّى الحارَّةُ، وأمْكَنَه اسْتِعْمالُ الماءِ الحارِّ (2)، ولا ضَرَرَ عليه فيه، لَزِمَه ذلك؛ لأنَّ إباحَةَ التَّيَمُّمِ لنَفْي الضَّرَرِ، ولا ضَرَرَ عليه.
وحُكِيَ عن مالكٍ وداودَ، إباحَةُ التَّيَمُّمِ للمَرِيضِ مُطْلَقًا؛ لظاهِرِ الآيَةِ.
ولَنا، أنَّه قادِرٌ على اسْتِعْمالِ الماءِ مِن غيرِ ضَرَرٍ، فأشْبَهَ الصَّحِيحَ، والآيَةُ اشْتُرِطَ فيها عَدَمُ الماءِ، فلم يَتَناوَلْ مَحَلَّ النِّزاعِ، على أنَّه لابُدَّ مِن إضْمارِ الضَّرُورَةِ، والضَّرورَةُ إنَّما تكُون عندَ الضَّرَرِ.
167 -
مسألة: (أو عَطَشٍ يَخافُه على نَفْسِه، أو رَفِيقِه، أو
12
بَهِيمَتِهِ،
بَهيمَتِه) متى خاف العَطَشَ على نَفْسِه، جازَ له التَّيَمُّمُ، ولا إعادَةَ عليه إجْماعًا، قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، على أنَّ المُسافِرَ إذا كان معه ماءٌ، وخَشِيَ العَطَشَ، أنَّه يُبْقِي الماءَ للشُّرْبِ، ويَتَيَمَّمُ، منهم عليٌّ، وابنُ عباسٍ، والحسنُ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والثَّوْرِيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي.
ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهُم.
وإن خاف على رَفِيقِه، أو رَقِيقِه، أو بَهائِمِه، فهو كما لو خاف على نَفْسِه؛ لأنَّ حُرْمَةَ رَفِيقِه كحُرْمَةِ نَفْسِه، والخائِفُ على بَهائِمِه خائِفٌ مِن ضَياعِ مالِه، وعليه ضَرَرٌ فيه، فجازَ له التَّيَمُّمُ، كالمَرِيضِ.
وإن وَجَد عَطْشانَ يَخافُ تَلَفَه، لَزِمَه سَقْيُه، ويَتَيَمَّمُ.
قِيلَ لأحمدَ: رجلٌ معه إداوَةٌ مِن ماءٍ للوُضُوءِ، فيَرَى قَوْمًا عِطاشًا، أحَبُّ إليك أن يَسْقِيَهُم، أو يَتَوَضَّأَ؟ قال: لا، بل يَسْقِيهِم.
ثم ذَكَر عِدَّةً مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَيَمَّمُون، ويَحْبِسُون الماءَ لشِفاهِهم.
وقال أبو بكرٍ والقاضي: لا يَلْزَمُه بَذْلُه، لأنَّه مُحْتاجٌ إليه.
ولَنا، أنَّ حُرْمَةَ الآدَمِيِّ تُقَدَّمُ
.................................. على الصلاةِ؛ بدَلِيلِ ما لو رأى حَرِيقًا، أو غَرِيقًا، عندَ ضِيقِ وَقْتِ الصلاةِ، لَزِمَه تَرْكُ الصلاةِ، والخُرُوجُ لإِنْقاذِه، فلَأَن يُقَدِّمَها على الطهارةِ بالماءِ أوْلَى، وقد رُويَ في حديثِ البَغِيِّ أنَّ اللهَ غَفَر لها بسَقْي الكَلْبِ عندَ العَطَشِ 1، فإذا كان في سَقْي الكَلْبِ فالآدَمِيُّ أوْلَى.
..................................
فصل: إذا وَجَد الخائِفُ مِن العَطَشِ ماءً طاهِرًا، وماءً نَجِسًا، يَكْفِيه أحَدُهما لشُرْبِه، فإنَّه يَحْبِسُ الطّاهِرَ لشُرْبِه، ويُرِيقُ النَّجِسَ إنِ اسْتَغْنَى عنه.
وقال القاضي: يَتَوَضَّأُ بالطّاهِرِ، ويَحْبِسُ النَّجسَ لشُرْبِه؛ لأنَّه وَجَدَ ماءً طاهِرًا يَسْتَغْنِي عن شُرْبِه، أشْبَهَ ما لو كان الكلَّ طاهِرًا.
ولنا، أنَّه لا يَقْدِرُ على ما يَجُوزُ شُرْبُه والوُضُوءُ به إلَّا الطّاهِرَ، فجازَ له حَبْسُه لشُرْبِه، كما لو انْفَرَدَ.
وإن وَجَدهُما وهو عَطْشانُ، شَرِب الطّاهِرَ، وأراقَ النَّجِسَ إذا اسْتَغْنَى عنه، سَواءٌ كان في الوَقْتِ أو قبلَه.
وقال بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ: إن كان في الوَقْتِ شَرِب النَّجسَ؛ لأنَّ الطّاهِرَ مُسْتَحِقٌّ للطهارةِ، فهو كالمَعْدُومِ.
ولا يَصِحُّ، لَأنَّ شُرْبَ النَّجِسِ حَرامٌ، وإنَّما يَصِيرُ الطّاهِرُ مُسْتَحِقًّا.
للطهارةِ إذا اسْتَغْنَى عن شُرْبِه، وهذا غَيرُ مُسْتَغْنٍ عن شُرْبِه، فوُجُودُ النَّجِسِ كعَدَمِه.
أَوْ خَشْيَةً عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ فِي طَلَبِهِ،
168 - مسألة؛ قال: (أو خَشْيَةً على [نَفْسِه أو] 1 مالِه في طَلَبِه) متى خاف على نَفْسِه، أو مالِه في طَلَبِ الماءِ، كمَن بينَه وبينَ الماءِ سَبُعٌ أو عَدُوٌّ، أو حَرِيقٌ، أو لِصٌّ، فهو كالعادِمِ؛ لأنَّه خائِفٌ للضَّرَرِ باسْتِعْمالِه أو التَّلَفِ، فهو كالمَرِيضِ. ولو كان الماءُ بمَجْمَعِ الفُسّاقِ، تَخافُ المرأةُ على نَفْسِها منهم، فهي كالعادِمَةِ. وقد تَوَقَّفَ أحمدُ عن هذه المسألةِ. وقال ابنُ أبي موسى: تَتَيَمَّمُ، ولا إعادَةَ عليها في أصَحِّ الوَجْهَين. قال شَيخُنا 2: والصَّحِيحُ جَوازُ التَّيَمُّمِ لها، وَجْهًا واحِدًا، ولا إعادَةَ
..................................
عليها، بل لا يَحِلُّ لها الخُرُوجُ إلى الماء؛ لِما فيه من التَّعَرُّضِ للزِّنَى، وهَتْكِ نَفْسِها وعِرضها، وتَنْكِيسِ رُؤُوسِ أَهْلِها، ورُبَّما أفْضَى إلى قَتْلِها، وقد أُبِيحَ لها التَّيَمُّمُ حِفْظًا للقَلِيلِ مِن مالِها المُباحِ لها بَذْلُه، وحِفْظَ نَفْسِها مِن زِيادَةِ مَرَضٍ، أو تباطُؤِ بُرْءٍ، فههُنا أوْلَى.
وكذلك إن كان يَخافُ إذا ذَهَب إلى الماءِ شُرُودَ دابَّتِه، أو سَرِقَتَها، أو يَخافُ على أهْلِه لِصًّا، أو سَبُعًا، فهو كالعادِمِ؛ لِما ذَكَرْنا.
فإن كان خَوْفُه جُبْنًا، لا عن سَبَبٍ يُخافُ مِن مِثْلِه، كالذي يَخافُ باللَّيلِ وليس شيءٌ يُخافُ منه، لم يَجُزْ له التَّيَمُّمُ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
قال شَيخُنا 1: ويَحْتَمِلُ أن يُباحَ له التَّيَمُّمُ ويُعِيدَ، إِذا اشْتَدَّ خَوْفُه؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ الخائِفِ لسَبَب.
ومَن كان خَوْفُه لسَبَبٍ ظَنَّه، مِثْلَ مَن رَأى سَوادًا ظَنَّه عَدُوًّا، فتَبَيَّنَ أنَّه ليس بعَدُوٍّ، أو رَأى كَلْبًا فظَنَّه نَمِرًا، فتَيَمَّمَ وصَلَّى، فبانَ خِلافُه، فهل تَلْزَمُه الإِعادَةُ؟ على وَجْهَين؛ أحَدُهما، لا تَلْزَمُه الإِعادَةُ؛ لأنَّه أتَى بما أُمِرَ به، فخَرَجَ عن عُهْدَتِه.
والثاني، تَلْزَمُه؛ لأنَّه تَيَمَّمَ مِن غيرِ سَبَبٍ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، أشْبَهَ مَن نَسِيَ الماءَ بمَوْضِعٍ يُمْكِنُه اسْتِعْمالُه.
..................................
فصل: ومَن كان مَرِيضًا لا يَقدِرُ على الحَرَكَةِ، ولا يَجِدُ مَن يُناولُه الماءَ، فهو كالعادِمِ.
قاله ابنُ أبي موسى.
وهو قولُ الحسنِ؛ لأنَّه لا سَبِيلَ له إلى الماءِ، أَشْبَهَ مَن وَجَدَه في بِئرٍ ليس له ما يَسْتَقِى به [منها.
وإن وَجَد مَن يُناولُه قبلَ خُرُوجِ الوَقْتِ، فهو كالواجِدِ في الحالِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ مَن يَجِدُ ما يَسْتَقِي به] 1 في الوَقْتِ.
وإن خاف خُرُوجَ الوَقْتِ قبلَ مَجِيئِه، فقال ابنُ أبي موسى والحسنُ: له التَّيَمُّمُ، ولا إعادةَ عليه.
لأنَّه عادِمٌ في الوَقْتِ، أشْبَهَ العادِمَ مُطْلَقًا، ويَحْتَمِلُ أن يَنْتَظِرَ مَجِئَ مَن يُناولُه؛ لأنَّه حاضِرٌ يَنْتَظِرُ حُصُولَ الماءِ، أَشْبَهَ المُشْتَغِلَ باسْتِقاءِ الماءِ وتَحْصِيلِه.
..................................
فصل: وإذا وَجَد بِئْرًا، وقَدَر على النُّزُولِ إلى مائِها مِن غيرِ ضَرَرٍ، أو الاغْتِرافِ بشيءٍ أو ثَوْبٍ يَبُلُّه ثم يَعْصِرُه، لَزِمَه ذلك وإن خاف فَوْتَ الوَقْتِ؛ لأنَّ الاشْتِغال به كالاشْتِغالِ بالوُضُوءِ.
وحُكْمُ مَن في السَّفِينَةِ في الماءِ، كحُكْمِ واجِدِ البِئْرِ، إن لم يُمْكِنْه الوُصُولُ إلى الماءِ إلَّا بمَشَقَّةٍ، أو تَغْرِيرٍ بالنَّفْسِ، فهو كالعادِمِ.
وهذا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ.
[وإذا كان الماءُ مَوْجُودًا، إلَّا أنَّه إنِ اشْتَغَلَ بتَحْصِيله واسْتِعْمالِه فات الوَقْتُ، لم يُبَحْ له التَّيَمُّمُ، سَواءٌ كان حاضِرًا أو مُسافِرًا، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصحابُ الرَّأْي.
وعن الأوْزاعِيِّ والثَّوْرِيِّ، أنَّه يَتَيَمَّمُ.
رَواه عنهما الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ 1. ورُوي عن مالكٍ وابنِ أبي ذِئْبٍ 2، كقَوْلِ الجُمْهُورِ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ 3. وهذا واجِدٌ، ولقَوْلِه، عليه السَّلامُ: «التُّرَابُ كَافِيكَ مَا لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ» 4. ولأنَّه قادِرٌ على الماءِ، فلم يَجُزْ له التَّيَمُّمُ، كما لو لم يَخَفْ فَوْتَ الوَقْتِ] 5.
أَوْ تَعَذُّرِهِ إلا بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ، أَوْ ثَمَنٍ يَعْجِزُ عَنْ أَدَائِهِ.
169 - مسألة؛ قال: (أو تَعَذُّرِه إلَّا بزِيادَةٍ كَثِيرَةٍ على ثَمَنِ مِثْلِه، أو ثَمَنٍ يَعْجِزُ عن أدائِه)
وجُمْلَتُه، أنَّه متى وَجَد ماءً بثَمَنِ مِثْلِه في مَوْضِعِه، لَزِمَه شِراؤُه إذا قَدَر على الثَّمَنِ مع اسْتِغْنائِه عنه، لقُوتِه ومُؤْنَةِ سَفَرِه؛ لأنَّه قادِرٌ على اسْتِعْمالِه مِن غيرِ ضَرَرٍ.
وكذلك إن كانتِ الزِّيادَةُ يَسِيرةً لا تُجْحِفُ بمالِه.
ذَكَرَه أبو الخَطّاب؛ لِما ذَكَرْنا.
وقال الشافعيُّ: لا يَلْزَمُه شِراوُّه مع الزِّيادَةِ، قَلِيلَةً كانت أَو كَثِيرَةً؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في الزِّيادَةِ، أشْبَهَ ما لو خاف لِصًّا يَأْخُذُ مِن مالِه ذلك المِقْدارَ.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
وهذا واجِدٌ، فإِنَّ القُدْرَةَ على ثَمَنِ العَينِ كالْقُدْرَةِ على العينِ، في المَنْعِ مِن الانْتِقالِ إلى البَدَلِ، كما لو بِيعَتْ بثَمَنِ
..................................
مِثْلِها؛ لأنَّ ضَرَرَ المالِ دُونَ ضَرَرِ النَّفْسِ، وقد قالوا في المَرِيضِ: يَلْزَمُه الغُسْلُ ما لم يَخَفِ التَّلَفَ.
فتَحَمُّلُ الضَّرَرِ اليَسِيرِ في المالِ أحْرَى.
وما ذَكَرُوه مِن الدَّلِيلِ يَبْطُلُ بما إذا كان بثَمَنِ المِثْلِ، فإن كان عاجِزًا عن الثَّمَنِ، فهو كالعادِمِ؛ [لأنَّهْ عاجِزٌ عن اسْتِعْمالِ الماءِ.
وإن بُذِلَ له ثَمَنُه، لم يَلْزَمْه قَبُولُه؛ لأَنَّ فيه مِنَّةً.
فأمّا إن وُهِبَ له ماءٌ، لَزِمَه قَبُولُه] 1، لأنَّه قادِرٌ على اسْتِعمالِ الماءِ، ولا مِنَّةَ في ذلك في العادَةِ.
فأمّا إن كانتِ الزِّيادَةُ كَثِيرَةً تُجْحِفُ بمالِه، لم يَلْزَمْه شِراؤُه، لأنَّ عليه ضَرَرًا كَثِيرًا، وإن كانت كثيرةً لا تُجْحِفُ يمالِه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَلْزَمُه شِراؤُه، لأنَّه واجِدٌ للماءِ، قادِرٌ عليه مِن غيرِ إجْحافٍ بمالِه، فلَزِمَه اسْتِعْمالُه، للآيَةِ، وكما لو كانتِ الزِّيادَةُ يَسِيرَةً.
والثاني، لا يَلْزَمُه، لأنَّ فيه ضَرَرًا، ولِما ذَكَرْنا في الزِّيادَةِ اليَسِيرَةِ.
..................................
فصل: فإن بُذِلَ له بثَمَنِ في الذِّمَّةِ يَقْدِرُ على أدائِه في بَلَدِه، فقال القاضي: يَلْزَمُه شِراؤُه، لأنَّه قادِرٌ على أخْذِه بما لا مَضَرَّةَ فيه.
وقال الآمِدِيُّ: لا يَلْزَمُه، لأنَّ عليه ضَرَرًا في بَقاءِ الدَّينِ في ذِمَّتِه، ورُبَّما تَلِفَ مالُه قبلَ أدَائِه.
وهو الصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ تعالى.
وإن لم يَكُنْ له في بَلَدِه ما يُؤدِّي ثَمَنَه، لم يَلْزَمْه شِراؤُه، لأنَّ عليه ضَرَرًا.
وإن لم يَبْذُلْه له، وكان فاضِلًا عن حاجَتِه، لم يَجُزْ له أخْذُه منه قَهْرًا؛ لأنَّ الضَّرُورَةَ لا تَدْعُو إليه، ولأنَّ هذا له بَدَلٌ، وهو التَّيَمُّمُ، بخِلافِ الطَّعامِ في المَجاعَةِ.
فَإِنْ كَانَ بَعْضُ بَدَنِهِ جَرِيحًا تَيَمَّمَ لَهُ وَغَسَلَ الْبَاقِيَ.
170 - مسألة: (فإن كان بَعْضُ بَدَنِه جَرِيحًا، تَيَمَّمَ له وغَسَل الباقِيَ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الجَرِيحَ والمَرِيضَ إذا أمْكَنَه غَسْلُ بَعْضِ بَدَنِه دُونَ بعضٍ، لَزِمه غَسْلُ ما أمْكَنَه غَسْلُه، وتَيَمَّمَ للباقِي.
وهو قَوْلُ
..................................
الشافعيِّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ ومالكٌ: إن كان أكثَرُ بَدَنِه صَحِيحًا، غَسَلَه ولا يَتَيَمَّمُ، وإن كان أكثرُه جَرِيحًا، تَيَمَّمَ ولا غُسْلَ عليه؛ لأنَّ الجَمْعَ بينَ البَدَلِ والمُبْدَلِ لا يَجِبُ، كالصِّيامِ والإِطْعامِ.
ولَنا، ما روَى جابِرٌ، قال: خَرَجْنا في سَفَرٍ، فأصابَ رَجُلًا مِنّا شَجَّةٌ في وَجْهِه، ثم احْتَلَمَ، فسأل أصْحابَه: هل تَجِدُونَ لي رُخْصَةً في التَّيَمُّمِ؟ قالوا: ما نَجِدُ لك رُخْصَةً، وأنت تَقْدِرُ على الماءِ.
فاغْتَسَلَ، فمات، فلَمّا قَدِمْنا على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أُخْبِرَ بذلك، فقال: «قَتَلُوهُ، قَتَلَهُمُ اللهُ، ألَّا سَألُوا إذْ لَمْ يَعْلَمُوا، فإنَّمَا شِفَاءُ الْعيِّ السُّؤّالُ، إنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصبَ عَلَى جُرْحِهِ، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيهِ، ثُمَّ يَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ».
رَواه أبو داودَ 1. ولأنَّها شَرْطٌ مِن شَرائِطِ الصلاةِ، فالعَجْزُ عن بَعْضِها لا يُسْقِطُ جَمِيعَها، كالسِّتارَةِ، وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالمَسْحِ على الخُفَّين مع غَسْلِ بَقِيَّةِ الأعْضاءِ.
فأمّا الذي قاسُوا عليه، فإنَّه جَمْعٌ بينَ البَدَلِ والمُبْدَلِ في مَحلِّ
..................................
واحِدٍ، بخِلافِ مَسْألَتِنا، فإنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عَمّا لم يُصِبْه الماءُ 1. وكلُّ ما لا يُمْكِنُ غَسْلُه مِن الصَّحِيحِ إلَّا بانْتِشارِ الماءِ إلى [الجَرِيحِ، حُكْمُه حُكْمُ الجَرِيحِ، فإِن لم يُمْكِنْه ضَبْطُه، وقَدَر أن يَسْتَنِيبَ مَن يَضْبِطُه، لَزِمَه ذلك، فإن] 2 عَجَز تَيَمَّم، وصَلَّى، وأجْزأه، لأنَّه عَجَز عن غَسْلِه، فأجْزأه التَّيَمُّم عنه، كالجَرِيحِ.
فصل: ولا يَلْزَمُه أن يَمْسَحَ على الجُرْحِ بالماءِ إذا أمْكَنَه ذلك، سَواءٌ كان مَعْصُوبًا أوْ لا.
هذا اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ.
وقال ابنُ عَقِيل: نَصَّ أحمدُ في رِوايَةِ صالِحٍ، في المَجْرُوحِ إذا خاف: مَسَح مَوْضِعَ الجُرْحِ، وغَسَلَ ما حَوْلَه.
لقَوْلِه - عليه السلام -: «إذَا أمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» 3. لأنَّه عَجَز عن غَسْلِهَ، وقَدَر على مَسْحِه، وهو بَعْضُ
..................................
الغَسْلِ، فوَجَبَ الإِتْيانُ بما قَدَر عليه، كمَن عَجَز عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وقَدَر على الإِيماءِ.
ووَجْهُ القوْلِ الأوَّلِ؛ أنَّه مَحَلٌّ واحِدٌ، فلا يَجْمَعُ فيه بينَ المَسْحِ والتَّيَمُّمِ، كالجَبِيرَةِ، فإذا قُلْنا: يَجِبُ المَسْحُ على مَوْضِعِ الجُرْحِ، فهل يَتَيَمَّمُ معه؟ على رِوايَتَين؛ إحْداهُما، لا يَتَيَمَّمُ، كالجُرْحِ المَعْصُوبِ عليه، والجَبِيرَةِ على الكَسْرِ.
والثانيةُ، عليه التَّيَمُّمُ؛ لأنَّ المَسْحَ بَعْضُ الغَسْلِ، فيَجِبُ أن يَتَيَمَّمَ للباقِي.
ويُفارِقُ هذا الجَبِيرَةَ؛ لأنَّ الفَرْضَ فيها انْتَقَلَ إلى الحائِلِ، فهي كالخُفَّينِ.
فصل: فإن كانت جميعُ أعْضاءِ الوُضُوءِ قَرِيحَةً، تَيَمَّمَ لها، فإن لم يُمْكِنْه التَّيَمُّمُ، صَلَّى على حَسَبِ حالِه، وفي الإِعادةِ رِوايَتان، كمَن عَدِمَ الماءَ والتُّرابَ، وسَنَذْكُرُ ذلك، إن شاء اللهُ.
..................................
فصل: إذا كان الجَرِيحُ جُنُبًا فهو مُخَيِّرٌ، إن شاء قَدَّمَ التَّيَمُّمَ على الغُسْلِ، وإن شاء أخَّرَه، بخِلافِ ما إذا كان التَّيَمُّمُ لعَدَمِ ما يَكْفِيه لطَهارَتِه، فإنَّه يَلْزَمُه اسْتِعْمالُ الماءِ أوَّلًا، لأنَّ التَّيَمُّمَ للعَدَم، ولا يَتَحَقَّقُ مع وُجُودِ الماءِ، وههُنا التَّيَمُّمُ للعَجْزِ، وهو مُتَحَقِّقٌ على كلِّ حالٍ.
ولأنَّ الجَرِيحَ يَعْلَمُ أنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عن غَسْلِ الجُرْحِ، والعادِمُ لا يَعْلَمُ القَدْرَ الذي يَتَيَمَّمُ له إلَّا بعدَ اسْتِعْمالِ الماءِ، فلَزِمَه تَقْدِيمُ اسْتِعْمالِه.
وإن كان الجَرِيحُ يَتَطَهَّرُ للحَدَثِ الأصْغَرِ، فذَكَرَ القاضي أنَّه يَلْزَمُه الترتِيبُ، فيَجْعَلُ التَّيَمُّمَ في مَكانِ الغَسْلِ الذي يَتَيَمَّمُ بَدَلًا عنه.
فإن كان الجُرْحُ في الوَجْهِ، بحيث لا يُمْكِنُه غَسْلُ شيءٍ منه، تَيَمَّمَ أوَّلًا، ثم أتمَّ الوُضُوءَ.
وإن كان في بَعْضِ وَجْهِه خُيِّر بينَ غَسْلِ الصَّحِيحِ مِنه ثم يَتَيَمَّمُ وبينَ التَّيَمُّمِ، ثم يَغْسِلُ صَحِيحَ وَجْهِه ويُتِمُّ الوُضُوءَ.
وإن كان الجُرْحُ في عُضْوٍ آخَرَ، لَزِمَه غَسْلُ ما قَبْلَه، ثم كان فيه على ما ذَكَرْنا في الوَجْهِ.
وإن كان في وَجْهِه ويَدَيه ورِجْلَيه، احْتاجَ في كلِّ عُضْوٍ إلى تَيَمُّمٍ في مَحَلِّ غَسْلِه، ليَحْصُلَ التَّرتِيبُ، ولو غَسَل صَحِيحَ وَجْهِه، ثم تَيَمَّم له وليَدَيه تَيَمُّمًا واحِدًا، لم يُجْزِه؛ لأنَّه
..................................
يُؤَدِّي إلى سُقُوطِ الفَرْضِ عن جُزْءٍ مِن الوَجْهِ واليَدَين في حالٍ واحِدَةٍ.
فإن قِيل: هذا يَبْطُلُ بالتَّيَمُّمِ عن جُمْلَةِ الطهارةِ، [حيث يَسْقُطُ الفَرْضُ عن جميعِ الأعْضاءِ جُمْلَة واحِدَةً.
قُلْنا: إذا كان عن جُمْلَةِ الطهارةِ] 1، فالحُكْمُ له دُونَها، وإن كان عن بَعْضِها، نابَ عن ذلك البَعْضِ، فاعْتُبِر فيه ما يُعْتَبَرُ فيما يَنُوبُ عنه مِن الترتِيب.
قال شَيخُنا 2: ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ هذا التَّرتِيبُ؛ لأنَّ التَّيَمُّمَ طهارة مُفْرَدَة، فلا يَجِبُ الترتِيبُ بينَها وبينَ الطهارةِ الأُخْرَى،؛ لو كان الجَرِيحُ جُنُبًا، ولأنَّه تَيَمَّمَ عن الحَدَثِ الأصْغَرِ، فلم 3 يَجِبْ أن يَتَيَمَّمَ عن كلِّ عُضْوٍ في مَوْضِع غَسْلِه، كما لو تَيَمَّمَ عن جُمْلَةِ الوُضُوءِ، ولأنَّ فيه حَرَجًا، فيَنْدَفِعُ بقَوْلِه تعالى: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ 4. وحَكَى الماوَرْدِيُّ 5، عن مَذْهَبِ الشافعيِّ مِثْلَ هذه، وحَكَى ابنُ الصَّبّاغِ 6 عنه مِثْلَ القَوْلِ الأوَّلِ.
والله تعالى أعلمُ.
..................................
فصل: وإن تَيَمَّمَ الجَرِيحُ لجُرْحٍ في بعضِ أعْضائِه، ثم خَرَج الوَقْتُ، بَطَل تَيَمُّمُه، ولم تَبْطُلْ طَهارَتُه بالماءِ إن كان غُسْلًا للجَنابَةِ أو نَحْوها؛ لأنَّ الترتِيبَ والمُوالاةَ غيرُ واجِبَين فيها.
وإن كانت وُضُوءًا، وكان الجُرْحُ في وَجْهِه، فإن قُلْنا: يَجِبُ التَّرْتِيبُ بينَ التَّيَمُّمِ والوُضُوءِ.
بَطَل الوُضوءُ ههُنا؛ لأنَّ طهارةَ العُضْو الذي نابَ التَّيَمُّمُ عنه بَطَلَتْ، فلو لم يَبْطُلْ [ما بعدَه لتَقَدَّمَتْ طهارةُ ما بعدَه عليه، فيَفُوتُ التَّرتِيبُ.
فإن قُلْنا: لا يَجِبُ التَّرتِيبُ.
لم يَبْطُلِ] 1 الوُضُوءُ، ويجوزُ 2 له التَّيَمُّمُ لا غيرُ.
وإن كان الجُرْحُ في رِجْلَيه، فعلى قَوْلِنا: لا يَجِبُ التَّرْتِيبُ.
لا تَجِبُ المُوالاةُ بينَهما أيضًا، وعليه التَّيَمُّمُ وَحْدَه.
وإن قُلْنا: يَجِسبُ التَّرْتِيبُ.
فيَنْبَغِي أن يُخَرَّجَ وُجُوبُ المُوالاةِ ههُنا على وُجُوبِها في الوُضُوءِ، وفيها رِوايَتان؛ فإن قُلْنا: تَجِبُ في الوُضُوءِ.
بَطَل الوُضُوءُ ههُنا؛ لفَواتِها، وإن قُلْنا: لا تَجِبُ.
كَفاه التَّيَمُّمُ وَحْدَه، قال شَيخُنا 3: ويَحْتَمِلُ أن لا تَجِبَ المُوالاةُ بينَ الوُضُوءِ والتَّيَمُّمِ وَجْهًا واحِدًا، لأنَّهُما.
طَهارَتان، فلم تَجِبِ المُوالاةُ بَينَهما، كسائِرِ الطَّهاراتِ، ولأنَّ في إيجابِها حَرَجًا، فيَنْتَفِي بقَوْلِه تعالى: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.
وَإنْ وَجَدَ مَاءً يَكْفِي بَعْضَ بَدَنِهِ لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ، وَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِي إِنْ كَانَ جُنُبًا، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهَلْ يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
171 - مسألة؛ قال: (وإن وَجَدَ فاءً يَكْفِي بَعْضَ بَدَنِه، لَزِمَه اسْتِعْمالُه، وتَيَمَّمَ للباقِي إنْ كان جُنُبًا. وإن كان مُحْدِثًا، فهل يَلْزَمُه اسْتِعْمالُه؟ على وَجْهَين)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّه إذا وَجَد الجُنُبُ ماءً يَكْفِي بَعْضَ