الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 573-27

كِتَابُ الْحُدُودِ

صفحات 573-27

..................................  فقال لأصحابِه: ما تَرَوْنَ في هذا؟ قالوا: اقْطَعْهُ يا أميرَ المُؤْمِنين.
قال: قَتَلْتُه إذًا، وما عليه القَتْلُ، بأىِّ شئٍ يَأْكُلُ الطَّعامَ؟ بأىِّ شئٍ يَتَوَضَّأُ للصلاةِ؟ بأىِّ شئٍ يَغْتَسِلُ مِن جَنابَتِه؟ بأىِّ شئٍ يقومُ على حاجَتِه؟ فرَدَّه إلى السِّجْنِ أيَّامًا، ثم أخْرَجَه فاسْتَشارَ أصحابَه، فقالوا مثلَ قولِهم الأَوَّلِ، وقال مثلَ ما قالَ أوَّلَ مَرَّةٍ 1، فجَلَدَه جَلْدًا شديدًا، ثم أرْسَلَه 2. ورُوِىَ عنه، أنَّه قال: إنِّى لأسْتَحِى مِن اللَّه أِن لا أدَعَ له يَدًا يَبْطِشُ بها، ولا رِجْلًا يَمْشِى عليها (2). ولأَنَّ في قَطْعِ اليدَيْن تَفوِيتَ مَنْفَعَةِ الجِنْسِ، فلم يُشْرَعْ في حَدٍّ، كالقَتْلِ، ولأنَّه لو جازَ قطعُ اليَدَيْن، لقُطِعَتِ اليُسْرَى في المرَّةِ الثَّانيةِ 3، لأنَّها آلةُ البَطْشِ كاليُمْنَى، وإنَّما لم تُقْطَعْ للمَفْسَدَةِ في قَطْعِها، لأَنَّ ذلك بمَنْزِلَةِ الإِهْلاكِ، فإنَّه لا يُمْكِنُه أن يَتَوَضَّأ، ولا يَغْتَسِلِ، ولا يَسْتَنْجِى، ولا يَحْتَرِزَ مِن نَجاسةٍ، ولا يُزِيلَها عنه، ولا يَدْفَعَ عن نفْسِه، ولا يأكلَ، ولا يَبْطِشَ، وهذه المَفْسَدَةُ حاصِلَةٌ بقَطْعِها في المرَّةِ الثالِثَةِ.
فأمَّا حديثُ جابرٍ، ففى حَقِّ رجل اسْتَحَقَّ القَتْلَ،

وَمَنْ سَرَقَ وَلَيْسَ لَهُ يَدٌ يُمْنَى، قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى، وَإِنْ سَرَقَ  بدليلِ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَمَرَ به في أوَّلِ مَرِّةٍ، وفى كُلِّ مَرَّةٍ.
وقال النَّسائِىُّ فيه: حديثٌ مُنْكَرٌ.
وأمَّا الحديثُ الآخرُ، فلم يَذْكُرْه أصحابُ السُّنَنِ، ولم نَعْلَمْ صحَّتَه، وفعلُ أبى بكرٍ وعمرَ، قد عارَضَه قولُ علىٍّ.
ورُوِىَ عن عمرَ أنَّه رَجَع إلى قَولِ علىٍّ، فرَوَى سعيدٌ، حدَّثنا أبو الأحْوَصِ، عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عائذٍ (1)، قال: أتِىَ عمرُ بِرجلٍ أقْطَعِ اليَدِ والرِّجْلِ قد سَرَق، فأمَرَ به عمرُ أن تُقْطَعَ رِجْلُه، فقال علىٌّ: إنَّما قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (2) -إلى آخرِ الآيةِ- وقد قَطَعْتَ يدَ هذا ورِجْلَه، فلا يَنْبَغِى أن تَقْطَعَ رِجْلَه فَتَدَعَه ليس له قائمةٌ يَمْشِى عليها، إمَّا أن تُعَزِّرَه، أو تَسْتَوْدِعَه السِّجْنَ.
فاستوْدَعه السِّجْنَ (3).

4528 -

مسألة: (ومَن سَرَق وليس له يَد يُمْنَى، قُطِعَتْ رِجْلُه

123

وَلَهُ يُمْنَى فَذَهَبَتْ، سَقَطَ الْقَطْعُ، وَإِنْ ذَهَبَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى، لَمْ تُقْطَعِ الْيُمْنَى، عَلَى الرِّوَايَةِ الأُولَى، وَتُقْطعُ عَلَى الأُخرَى.
اليُسْرَى، وإن سَرَق وله يُمْنَى، فذَهَبَتْ، سَقَط القَطْعُ، وإن ذَهَبَتْ يَدُه اليُسْرَى، لم تُقْطَعِ اليُمْنَى، على الرِّوايَةِ الأُولَى، وتُقْطَعُ على الأُخرَى) إذا سَرَق ولا يُمْنَى له، قُطِعَتْ رِجْلُه اليُسْرَى، كما تُقْطَعُ في السَّرِقَةِ الثَّانيةِ، فإن كانت يُمْناه شَلَّاءَ، ففيه رِوايَتان، إحداهما، تُقْطَعُ رِجْلُه اليُسْرَى، لأَنَّ الشَّلَّاءَ لا نَفْعَ فيها ولا جَمالَ، فأشْبَهَتْ كَفًّا لا أصابع عليه.
قال إبراهيمُ الحَرْبِىُّ، عن أحمدَ، في مَن سَرَق ويُمْناه جافَّةٌ: تُقْطَعُ رِجْلُه.
والثانيةُ، أنَّه يُسْألُ أهلُ الخِبْرَةِ، فإن قالوا: إنَّها إذا قُطِعَتْ رَقَأَ دَمُها، وانْحَسَمَتْ عُرُوقُها.
قُطِعَتْ؛ لأنَّه أمْكَنَ قَطْعُ يَمِينِه فوَجَب، كما لو كانت صحيحةً.
وإن قالوا: لا يَرْقَأ دَمُها.
لم تُقْطَعْ؛ لأنَّه يُخافُ 1 تَلَفُه، وتُقْطَعُ رِجْلُه.

..................................  وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
فإن كانت أصابع اليُمْنَى كلُّها ذاهِبَةً، ففيها وَجْهان؛ أحدُهما، لا تُقْطَعُ، وتُقْطَعُ الرِّجْلُ؛ لأَنَّ الكَفَّ لا يجبُ فيه دِيَةُ اليَدِ، فأشْبَهَ الذِّرَاعَ.
والثانى، تُقْطَعُ؛ لأَنَّ الرَّاحَةَ بعضُ ما يُقْطَعُ في السَّرِقَةِ، فإذا كان مَوْجُودًا قُطِعَ، كما لو ذَهَب الخِنْصَرُ أو (1) البِنْصَرُ.
وإن ذَهَب بعضُ الأصابعِ، وكان الذَّاهِبُ الخِنْصَرَ أو البِنْصَرَ، أو واحدةً سِوَاهما، قُطِعَتْ؛ لأَنَّ مُعْظَمَ نَفْعِها باقٍ، وإن لم يَبْقَ إلَّا واحِدَة، فهى كالتى ذَهَب جميعُ أصابِعِها، وإن بَقِىَ اثْنَتان، فهل تُلْحَقُ بالصَّحِيحَةِ، أو بما قُطِعَ جميعُ أصابِعِها؟ على وَجْهَيْن.
والأَوْلَى قَطْعُها؛ لأَنَّ نَفْعَها لم يَذْهَبْ بالكُلِّيَّةِ.

4529 -

مسألة: (وإن سَرَق وله يُمْنَى، فذَهَبَتْ، سَقَط القَطْعُ)

أمَّا إذا سَرَق وله يُمْنَى فقُطِعَتْ في قِصاصٍ، أو ذَهَبَتْ بأكِلَةٍ 2، أو تَعَدَّى عليها مُتَعَدٍّ فقَطَعَها، سَقَط القَطْعُ، ولا شئَ على العادِى إلَّا الأدَبُ.1

وَإِنْ وَجَبَ قَطْعُ يُمْنَاهُ، فَقَطَعَ الْقَاطِعُ يُسْرَاهُ عَمْدًا، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال قَتادةُ: يُقْتَصُّ مِن القاطِعِ، وتُقْطَعُ رِجْلُ السارِقِ.
وهذا غيرُ صحيحٍ، فإنَّ يَدَ السارِقِ ذَهَبَتْ، والقاطِعُ قَطَعَ (1) عُضْوًا غيرَ مَعْصُوم.
وإن قَطَعَها قاطِعٌ بعدَ السَّرِقَةِ، وقبلَ ثُبُوتِها، والحُكْمِ بالقَطْعِ، ثم ثَبَت ذلك، فكذلك.
ولو شَهِد بالسَّرِقَةِ، فحَبَسَه الحاكِمُ ليُعَدِّلَ الشُّهودَ، فقَطَعَه قاطِعٌ، ثم عُدِّلُوا، فكذلك، وإن لم يُعَدَّلُوا، وَجَب القِصاصُ على القاطِعِ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أصحابُ الرَّأْى: لا قِصاصَ عليه؛ لأَنَّ صِدْقَهم مُحْتَمِلٌ، فيكونُ ذلك شُبْهَةً.
ولَنا، أنَّه قَطَع طَرَفًا ممَّن يُكافِئُه عَمْدًا بغيرِ حَقٍّ، فلَزِمَه القَطْعُ، كما لو قَطَعَه ولم تَقُمْ بَيِّنَةٌ.

4530 -

مسألة: (وإن ذَهَبَتْ يدُه اليُسْرَى)

أو كانت مَقْطُوعَةً، أو شَلَّاءَ، أو مَقْطُوعَةَ الأصابع، أو شُلَّتْ قبلَ قَطْعِ يُمْناهُ (لم تُقْطَعْ يُمْناه على الرِّوايَةِ الأُولَى، وتُقْطَعُ على) الثانِيَةِ.
فصل: (وإن [وَجَب قَطْعُ يُمْناهُ، فقَطَعَ] 2 قاطِعٌ يُسْراه عَمْدًا، فعليه1

..................................  القَوَدُ) لأنَّه قَطَع طَرَفًا مَعْصُومًا.
وإن قَطَعَه غيرَ مُتَعَمِّدٍ، فعليه دِيَتُه، ولا تُقْطَعُ يَمِينُ السَّارِقِ.
وبه قال أبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّها تُقْطَعُ؛ بِناءً على قَطْعِها في المرَّةِ الثالثةِ.
وإن قُلْنا: لا تُقْطَعُ.
فهل تُقْطَعُ رِجْلُه؟ فيه وَجْهان؛ أصَحُّهما، لا يجبُ، لأنَّه لم يجبْ بالسَّرِقَةِ، وسُقوطُ القطْعِ عن يمينه لا يَقْتَضِى قَطْعَ رِجْلِه 1، كما لو كان المَقْطُوعُ يَمِينَه.
والثانى، تُقْطَعُ رِجْله؛ لأنَّه تَعَذَّرَ قَطْعُ يَمِينِه، فقُطِعَتْ رِجْلُه، كما لو كانتِ اليُسْرَى مَقْطُوعَةً حالَ السَّرِقَةِ.
وإن كانت يُمْناه صَحِيحَةً، ويُسْرَاه ناقِصَةً نَقْصًا يَذْهَبُ بمُعْظَم نَفْعِها، مثلَ أن تَذْهَبَ منها الوُسْطَى و 2 السَّبَّابَةُ أو الإِبهامُ، احْتَمَلَ أنَّه كقَطْعِها، ويَنْتَقِلُ إلى رِجْلِه.
وهذا قولُ أصحابِ الرَّأْىِ.
واحْتَمَلَ أن تُقْطَعَ يُمْناه؛ لأَنَّ له يَدًا يَنْتَفِعُ بها، أشْبَهَ ما لو قُطِعَتْ خِنْصَرُها.
وإن كانت يَدَاه صَحِيحَتَيْن، ورِجْلُه اليُمْنَى شَلَّاءَ أو مقطوعَةً، فقال شيخُنا 3: لا أعلمُ فيها قولًا لأصحابِنا، ويَحْتَمِلُ وَجْهَيْن؛ أحدُهما، تُقْطَعُ يَمِينُه.
وهو مذهبُ

وَإِنْ قَطَعَهَا خَطَأ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا.
وَفِى قَطْعِ يَمِين السَّارِقِ وَجْهَانِ.
الشافعىِّ؛ لأنَّه سارِقٌ له يُمْنَى، فقُطِعَتْ عَمَلًا بالكتابِ والسُّنَّةِ، ولأنَّه سارِقٌ له يَدَان، فقُطِعَتْ يُمْناه، كما لو كانتِ المَقْطُوعَةُ رِجْلَه اليُسْرَى.
والثانى، لا يُقْطَعُ منه شئ.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأْى؛ لأَنَّ قَطْعَ يُمْناهُ يَذْهَبُ بمَنْفَعَةِ المَشْى مِن الرِّجْلَيْن.
فأمَّا إن كانت رِجْلُه اليُسْرَى شَلَّاءَ، ويَداه صَحِيحَتان، قُطِعَتْ يدُه اليُمْنَى؛ لأنَّه لا يُخشَى تَعَذى ضَرَرِ القَطْعِ إلى غير المَقْطُوعِ.
وعلى قِياسِ هذه المسألةِ، لو سَرَق ويدُه اليُسْرَى مَقْطُوعَةَ أو شَلَّاءُ، لم يُقْطَعْ منه شئٌ؛ لذلك.
وأنْكَرَ هذا ابنُ المُنْذِرِ 1. وقال: أصحابُ الرَّأْى، بقوْلِهم هذا، خالَفُوا كِتابَ اللَّهِ وسُنَّةَ رَسُولِه -صلى اللَّه عليه وسلم-.

4531 -

مسألة: إن وَجَب قَطْعُ يُمْناهُ، فقَطَع القاطِعُ يُسْرَاهُ، بَدَلًا عن يَمِينِه، أجْزَأت، ولا شئَ على القاطِعِ إلَّا الأدَبُ.
وهو قولُ الشَّعْبِىِّ، وأصحابِ الرَّأْى؛ لأَنَّ قَطْعَ يُمْنَى السَّارِقِ يُفْضِى إلى تَفْوِيتِ مَنْفَعَةِ الجِنْسِ، وقَطْعِ يَدَيْه بسَرِقَةٍ واحدةٍ، فلا يُشْرَعُ، فإذا انْتَفَى قَطْعُ يَمِينِه، حَصَلَ قَطْعُ يَسارِه مُجْزِئًا عن القَطْعِ الواجِبِ، فلا يجبُ على فاعِلِه قِصَاصٌ.
وقال أصحابُنا: (في)

وُجُوبِ (قَطْعِ يُمْنَى السَّارِقِ وَجْهان)

وَيَجْتَمِعُ الْقَطْعُ وَالضَّمَانُ، فَتُرَدُّ الْعَيْنُ الْمَسْرُوقَةُ إِلَى مَالِكِهَا،  وللشافعىِّ فيما إذا لم يَعلَم القاطِعُ كَوْنَها يَسارًا، وظَنَّ أنَّ قَطْعَها يُجْزِئُ قَوْلان؛ أحدُهما، لا تُقْطَعُ يَمِينُ السارِقِ؛ كيْلا تُقْطَعَ يَدَاه بسَرِقَةٍ واحدةٍ.
والثانى، تُقْطَعُ، كما لو قُطِعَت يُسْرَاه قِصَاصًا.
فأمَّا القاطِعُ، فاتَّفَقَ أصحابُنا، وأصحابُ الشافعىِّ على أنَّه إن قَطَعَها مِن غيرِ اخْتِيار مِن السارِقِ، أو كان السارِقُ أخْرَجَها دَهْشَةً أو ظَنًّا منه أنَّها تُجْزِئُ، وقَطَعَها القاطِعُ عالِمًا بأنَّها يُسْرَاه، وأنَّها لا تُجْزِئُ، فعليه القِصَاصُ، وإن لم يَعْلَمْ أنَّها يُسْرَاهُ، أو ظَنَّ أنَّها مُجْزِئَةٌ، فعليه دِيَتُها.
وإن كان السارِق أخْرَجَها مُخْتارًا عالمًا بالأمْرَيْن، فلا شئَ على القاطِعِ؛ لأنَّه أذِنَ في قَطْعِها، فأشْبَهَ غيرَ السارِقِ.
والذى اخْتارَه شيخُنا ما ذَكرْناه في أوَّلِ الفَصْلِ.
واللَّهُ أعلمُ.

4532 -

مسألة: (ويَجْتَمِعُ القَطْعُ والضَّمَانُ، فَتُرَدُّ العَيْنُ

وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً، غَرِمَ قِيمَتَهَا وَقُطِعَ.
المَسْرُوقَةُ إلى مالِكِهَا، وإن كانت تالِفَةً، غَرِمَ قِيمَتَها وقُطِعَ) لا يخْتلِفُ أهلُ العلمِ في وُجوبِ رَدِّ العَيْنِ المَسْرُوقَةِ على مالِكِهَا إذا كانت بَاقِيةً، وإن كانت تالِفَةً، فعلى السارِقِ رَدُّ قِيمَتِها، أو مِثْلِها إن كانتْ مِثْلِيَّةً، قُطِعَ أو لم يُقْطَعْ، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا.
وهذا قولُ الحسنِ، والنَّخَعِىِّ، وحَمَّادٍ، والبتِّىِّ، واللَّيْثِ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ، وأبى ثَوْرٍ.
وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: لا يَجْتَمِعُ الغُرْمُ والقَطْعُ، إن غَرِمَها قبلَ القَطْعِ سَقَط القَطْعُ، وإن قُطِعَ قبلَ الغُرْمِ سَقَط الغُرْمُ.
وقال عَطاءٌ، وابنُ سِيرِينَ، والشَّعْبِىُّ، ومَكْحُولٌ: لا غُرْمَ على السَّارِقِ إذا قُطِعَ.
ووافَقَهم مالكٌ في المُعْسِرِ، ووَافَقَنا في المُوسِرِ.
قال أبو حنيفةَ، في رِجلٍ سَرَق مَرَّاتٍ، ثم قُطِعَ: يَغْرَمُ الكلَّ، إلَّا الأخِيرَةَ.
وقال أبو يوسف: لا يَغْرَمُ شيئًا، لأنَّه قُطِعَ بالكُلِّ، فلا يَغْرَمُ شيئًا منه، كالسَّرِقَةِ الأخيرَةِ.
واحْتَجَّا بما رُوِى عن عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «إِذَا أَقَمْتُمُ الحَدَّ عَلَى السَّارِقِ، فَلا غُرْمَ عَلَيْهِ» 1. ولأَنَّ التَّضْمِينَ يَقْتَضِى التَّمْلِيكَ، والمِلْكَ يَمْنَعُ القَطْعَ، فلا يُجْمَعُ بينَهما.
ولَنا، أنَّها عَيْنٌ يجبُ ضَمانُها بالرَّدِّ لو كانت باقِيَةً، فيجبُ ضَمانُها إذا كانت

..................................  تالِفَةً، كما لو لم يُقْطَعْ، ولأَنَّ القَطْعَ والغُرْمَ حَقَّان يَجِبانِ لمُسْتَحِقَّيْن، فجازَ اجْتِماعُهما، كالجَزاءِ والقِيمَةِ في الصَّيْدِ الحَرَمِىِّ المَمْلوكِ.
وحديثُهم يَرْوِيه سعدُ بنُ إبراهيمَ، عن منصورٍ 1، وسعدُ بنُ إبراهيمَ مجهولٌ.
قاله ابنُ المُنْذِرِ 2. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ 3: الحديثُ ليس بالقَوِىِّ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ، ليس عليه أُجْرَةُ القاطِعِ.
وما ذَكَرُوه فهو بِناءٌ على أُصُولِهم، ولا نُسَلِّمُها لهم.
فصل: إذا فَعَل في العينِ فِعْلًا نَقَصَها به، كقَطْعِ الثَّوْبِ ونحوِه، وَجَب رَدُّه ورَدُّ نَقْصِه، ووَجَب القَطْعُ.
وقال أبو حنيفةَ: إن كانَ نَقْصًا لا يَقْطَعُ حَقَّ المَغْصوبِ منه إذا فَعَلَه الغِاصِبُ، رَدَّ العَيْنَ ولا ضَمانَ عليه، وإن كان يَقْطَعُ حَقَّ المالكِ، كقَطْعِ الثَّوبِ وخِياطَتِه، فلا ضَمانَ عليه، ويَسْقُطُ حَقُّ المَسْرُوقِ منه مِن العَيْنِ، وإن كان زيادةً في العَيْنِ، كصَبْغِه أَحْمَرَ أو أصفرَ، فلا يَرُدُّ العَيْنَ 4، ولا يَحِلُّ له التَّصَرُّفُ فيها.
وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: يَرُدُّ العَيْنَ.
وبَنَى هذا على أصْلِه في أنَّ الغُرْمَ يُسقِطُ عنه القَطْعَ.
وأمَّا إذا صَبَغَه 5، فقال: لا يَرُدُّه؛ لأنَّه لو رَدَّه لكان شريكًا فيه بصَبْغِه، ولا يجوزُ أن يُقْطَعَ فيما هو شَرِيكٌ فيه.
وهذا ليس بصَحِيحٍ؛ لأَنَّ صَبْغَه كان قبلَ القَطْعِ، فلو كان شَرِيكًا بالصَّبْغِ لسَقَطَ القَطْعُ، وإن

..................................  كان يَصِيرُ شريكًا بالرَّدِّ، فالشَّرِكَةُ الطارِئَةُ بعدَ القَطْعِ لا تُؤَثِّرُ، كما لو اشْتَرَى نِصْفَه من مالِكِه بعدَ القَطْعِ.
وقد سَلَّمَ أبو حنيفةَ، أنَّه لو سَرَق فِضَّةً، فضَرَبَها دَرَاهِمَ، قُطِعَ، ولَزِمَه رَدُّها.
وقال صاحِباه: لا يُقْطَعُ 1، ويَسْقُط حَقُّ صاحِبِها منها بضَرْبِها.
وهذا شئٌ بَنَيَاهُ 2 على أصُولِهما في أنَّ تَغْييرَ اسْمِها يُزِيلُ مِلْكَ صاحِبِها، وأنَّ مِلْكَ السَّارِقِ لها يُسْقِطُ القَطْعَ عنه، وهوْ غيرُ مُسَلَّمٍ لهما.
فصل: ويَسْتَوِى في وُجوبِ الحَدِّ على السَّارِقِ الحُرُّ والحُرَّةُ، والعَبْدُ والأمَةُ، ولا خِلافَ في وُجُوُبِ الحَدِّ على الحُرِّ 3 والحُرَّةِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ 4. ولأنَّهما اسْتَويَا في سائرِ الحُدُودِ، فكذلك في هذا، وقد قَطَع النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سارِقَ رِدَاءِ صَفْوانَ 5، وقَطَعَ المُخْزُومِيَّةَ التى سَرَقَتِ القَطِيفَةَ 6. فأمَّا العَبْدُ والأمَةُ، فإنَّ جُمْهورَ الفُقَهاءِ وأهلَ الفَتوَى على وُجوبِ القَطْعِ عليهما 7 بالسَّرِقَةِ، إلَّا ما حكِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: لا قَطْعَ عليهما 8؛

..................................  لأنَّه حَدٌّ لا يُمْكِنُ تَنْصِيفُه، فلم يجبْ في حَقِّهِما، كالرَّجْمِ، ولأنَّه حَدٌّ فلا يُساوِى العَبْدُ فيه الحُرَّ كسائِرِ الحدُودِ.
ولَنا، عمُومُ الآيةِ، ورَوَى الأَثْرَمُ، أنَّ رَقِيقًا لحاطِبِ بنِ أبى بَلْتَعَةَ سَرَقُوا نَاقَةً لرجلٍ من مُزَيْنَةَ، فانتَحَرُوها، فأمَرَ كَثِيرُ بنُ الصَّلْتِ أن تُقْطَعَ أيدِيهم، ثم قال عمرُ: واللَّهِ إنِّى لأراك 1 تُجِيعُهم، ولكنْ لأغْرِّمَنَّكَ غُرْمًا يَشُقُّ عليك.
ثم قال للمُزَنِىِّ: كم ثمنُ ناقَتِكَ؟ قال: أربعُمائَةِ دِرْهَم.
قال عمرُ 2: أعْطِه ثمانَمائةِ دِرْهمٍ 3. وروَى القاسِمُ، عن أبيه، أنَّ عبدًا أقَرَّ بالسَّرِقَةِ عندَ علىٍّ، فقَطَعَه 4. وفى رِوايةٍ قال: كان عبدًا.
يعنى الذى قَطَعَه علىٌّ.
رَواه الإِمامُ أحمدُ بإسْنادِه 5. وهذه قِصَصٌ تَنْتَشِرُ 6 ولم تُنْكَرْ، فتكونُ إجْماعًا.
وقولُهم: لا يُمْكِنُ تَنْصِيفُه.
قُلْنا: ولا يُمْكِنُ تَعْطِيلُه، فيَجِبُ تَكْمِيلُه، وقِياسُهم نَقْلِبُه عليهم، فنقولُ: حَدٌّ 7 فلا يُتَعَطَّلُ في حَقِّ العبْدِ والأمَةِ، كسائرِ الحدودِ.
وفارَقَ الرَّجْمَ، فإنَّ حَدَّ الزِّنَى لا يَتَعَطَّلُ بِتَعْطِيلِه، بخِلافِ القَطْعِ، فإنَّ حَدَّ السَّرِقَةِ يَتَعَطَّلُ بتَعْطِيلِه.
فصل: ويُقْطَعُ الآبِقُ بسَرِقَتِه.
رُوِى ذلك عن ابنِ عمرَ، وعمرَ بنِ

وَهَلْ يَجِبُ الزَّيْتُ الَّذِى يُحْسَمُ بِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ مِنْ مَالِ السَّارِقِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
عبدِ العزيزِ، وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ.
وقال مروانُ، وسعيدُ بنُ العاصِ (1)، وأبو حنيفةَ: لا يُقْطَعُ؛ لأَنَّ قَطْعَه قَضَاءٌ على سَيِّدِه، ولا يُقْضَى على الغائِبِ.
ولَنا، عُمومُ الكتابِ والسُّنَّةِ، وأنَّه مُكَلَّفٌ سَرَق نِصابًا مِن حِرْزِ مثلِه، فيُقْطَعُ، كغيرِ الآبِقِ.
وقولُهم: إنَّه قَضَاء على سَيِّدِه.
مَمْنُوعٌ، فإنَّه لا يُعْتَبَرُ فيه إقرارُ السَّيِّدِ، ولا يَضُرُّ إنْكارُه.
وإنَّما يُعْتَبَرُ ذلك مِن العَبْدِ، ثم القَضاءُ على الغائِبِ بالبَيِّنَةِ جائز، على ما ذُكِرَ في مَوْضِعِه.

4533 -

مسألة: (وهل يَجِبُ الزَّيْتُ الذى يُحْسَمُ به من بَيْتِ المالِ أو مِن مالِ السَّارِقِ؟ على وَجْهَيْن)

أحدُهما، من بيتِ المالِ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَمَرَ به القاطِعَ في حديثِ سارِقِ الشَّمْلَةِ، فقال: «اقْطَعُوهُ، وَاحْسِمُوهُ» 2. ولأنَّه مِن المصالحِ، وذلك يَقْتَضِى أن يكونَ مِن بيتِ1

..................................  المالِ، فإن لم يَحْسِمْ، فذَكَرَ القاضى أنَّه لا شئَ عليه؛ لأَنَّ عليه القَطْعَ، لا مُداوَاةَ المحْدُودِ.
والثانى، مِن مالِ السَّارِقِ؛ لأنَّه مُداواةٌ له، فكان في مالِه كمُداواتِه في مَرَضِه.
ويُسْتَحَبُّ للمَقْطُوعِ حَسْمُ نَفْسِه، فإن لم يَفْعَلْ لم يَأثَمْ؛ لأنَّه تَرَك التَّدَاوِىَ في المَرَضِ.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.

..................................  واللَّه أعلمُ 1.

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى 1417 هـ - 1996 م

المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756

المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل اللَّه مثوبته.. ووفقه لمرضاته

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بَابُ حَدِّ الْمُحَاربِينَ

وَهُمْ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ.
بابُ حَدِّ المُحارِبِين (وهم قُطَّاعُ الطريقِ) والأصْلُ في حُكْمِهم قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ 1. وهذه الآيةُ في قولِ ابنِ عباسٍ وكثيرٍ من العُلَماءِ، نَزَلت في قُطَّاعِ الطَّريقِ مِن المسلمين 2. وبه يقولُ مالك، والشافعى، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
وحُكِىَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه قال: نزَلَتْ هذه الآيةُ في المُرْتَدِّين 3. وحُكِىَ ذلك عن الحسنَ، وعَطاءٍ، وعبدِ الكريمِ 4؛ لأَنَّ سَبَبَ نُزُولِها قصةُ العُرَنِيِّين، وكانوا ارْتَدُّوا عن

..................................  الإِسلامِ، وَقَتَلُوا الرُّعَاةَ، واسْتاقُوا إبلَ الصَّدَقَةِ، فبَعَثَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَن جاءَ بهم، فقَطَعَ أيدِيَهم وأرجُلَهم، وسَمَلَ أعْيُنَهم، وألْقاهم في الحَرَّةِ حتى ماتُوا، قال أنَسٌ: فأنْزلَ اللَّهُ تعالى في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية.
أخْرَجَه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ 1. ولأَنَّ مُحارَبَةَ اللَّهِ ورسولِه إنَّما تكونُ مِن الكُفَّارِ لا مِن المسلمين.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ 2. والكُفَّارُ تُقْبَلُ تَوْبَتُهم بعدَ القُدْرَةِ، كما تُقْبَلُ قبلَها، ويَسْقُطُ عنهم القَتْلُ والقَطْعُ في كلِّ حالٍ، والمُحارَبَةُ قد تكونُ مِن المسلمين؛ بدليلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ 3. = ومائة.
سير أعلام النبلاء 6/ 80 - 83.

وَهُمُ الَّذِينَ يَعْرِضُونَ لِلنَّاس بِالسِّلَاحِ فِى الصَّحْرَاءِ، فَيَغْصِبُونَهُمُ الْمَالَ مُجَاهَرَةً، فَأمَّا مَنْ يَأخُذُهُ سَرِقَةً، فَلَيْسَ بِمُحَارِبٍ.

4534 - مسألة: (وهمُ الَّذِينَ يَعْرِضونَ للناسِ بالسِّلاحِ في الصحراءِ، فيَغْصِبُونَهم المالَ مُجَاهَرَةً، فأمَّا مَن يَأخُذُه على وَجْهِ السَّرِقَةِ فليس بمُحَارِبٍ)

المحارِبُونَ الذين تَثْبُتُ لهم أحْكامُ المُحارَبَةِ التى نَذْكُرُها بعدُ، إن شاءَ اللَّهُ تعالى، يُعْتَبَرُ لهم ثلاثةُ شُرُوطٍ؛ أحدُها، أن 1 يكونَ ذلك في الصحراءِ.

وَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فِى الْبُنْيَانِ، لَمْ يَكُونُوا مُحَارِبِينَ فِى قَوْلِ الْخِرَقِىِّ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حُكْمُهُمْ فِى الْمِصْرِ وَالصَّحْرَاءِ وَاحِدٌ.

4535 - مسألة: (وإن فَعَلُوا ذلك في البُنْيَانِ، لم يَكُونُوا مُحَارِبِينَ في قولِ الخِرَقِىِّ)

وقد تَوَقَّفَ أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ فيهم.
فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ 1 أنَّهم غيرُ مُحارِبينَ.
وبه قال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ 2؛ لأَنَّ الواجِبَ يُسَمَّى حَدَّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وقَطْعُ الطَّرِيقِ إنَّما هو في الصحراءِ، ولأَنَّ مَن في المِصْرِ يَلْحَقُ به الغَوْثُ غالبًا، فتذهبُ شَوْكَةُ المُعْتَدِينَ، ويكونون مُخْتَلِسِينَ، والمُخْتَلِسُ ليس بقاطِعٍ، ولا حَدَّ عليه.
(وقال أبو بكرٍ): وكثير مِن أصحابِنا (حُكْمُهم في المِصْرِ والصحراءِ واحِدٌ) وبه قال الأوْزاعِىُّ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ؛ لتَناوُلِ الآيَةِ بعُمومِها كلَّ مُحارِبٍ، ولأَنَّ ذلك إذا وُجِدَ في المِصْرِ، كان أعْظمَ جَوْرًا وأكْثرَ ضَرَرًا، فكان بذلك أوْلَى.
وذَكَرَ القاضى أنَّ هذا إن

..................................  كان في المِصْرِ، بحيثُ لو كَبَسُوا دارًا، فكان أهلُ الدَّارِ بحيثُ لو صاحُوا جاءَهُم الغَوْثُ، فليسَ هؤلاءِ قُطَّاعَ طَرِيقٍ؛ لأنَّهم في مَوْضِعٍ يَلْحَقُهمُ الغَوْثُ عادَةً، وإن حَصرُوا 1 قريةً أو بلدةً ففَتَحُوه، وغَلَبُوا على أهلِه، أو مَحَلَّةً مُفْرَدَةً، بحيثُ لا يَلْحَقُهم الغَوْثُ عادَةً، فهم مُحارِبون؛ لأنَّهم لا يَلْحَقُهم الغَوْثُ عادَةً 2، فأشْبَهَ قُطَّاعَ الطَّرِيقِ في الصحراءِ.
الشَّرْطُ الثانى، أن يكونَ معهم سِلاحٌ، فإن لم يكُنْ معهم 3 سلاحٌ، فليسوا مُحارِبِين؛ لأنَّهم لا يَمْنَعونَ مَن يَقْصِدُهم.
ولا نعلمُ في هذا خِلافًا.
فإن عَرَضوا بالعِصِىِّ والحِجَارَةِ، فهم مُحارِبُون.
وبه قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أبو حنيفةَ: ليسوا مُحارِبينَ؛ لأنَّهم لا سِلاحَ معهم.
ولَنا، أنَّ ذلك مِن جمْلَةِ السلاحِ الذى يَأتِى على النَّفْسِ والطَّرَفِ، فأشْبَهَ الحَدَّ.
الشرطُ الثالثُ، أن يَأْتُوا مُجاهَرَةً، ويأْخُذُوا المالَ قَهْرًا، فأمَّا إن أخَذُوه مُخْتَفِينَ، فهم سُرَّاقٌ، وإنِ اخْتَطَفُوه وهَرَبوا

وَإِذَا قُدِرَ عَلَيْهِمْ، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ قَدْ قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ وَأَخَذَ الْمَالَ، قُتِلَ حَتْمًا، وَصُلِبَ حَتَّى يُشْتَهَرَ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُصْلَبُ قَدْرَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلْبِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يُقْطَعُ مَعَ ذَلِكَ.
فهم مُنْتَهِبونَ، لا قَطْعَ عليهم.
وكذلك إن خَرَج الواحِدُ والاثنان على آخِرِ قَافلةٍ، فاسْتَلَبُوِا منها شيئًا، فليسوا بمُحارِبينَ؛ لأنَّهم لا يَرْجِعُون إلى مَنَعَةٍ وقُوَّةٍ، وإن خرَجُوا على عددٍ يَسِيرٍ فقَهَرُوهُم 1، فهم قُطَّاعُ طريقٍ.

4536 -

مسألة: (فإذا قُدِرَ عليهم، فمَن كان منهمْ قد قتَل مَن يُكافِئُه وأخذَ المالَ، قُتِلَ حَتْمًا، وصُلِبَ حَتى يُشْتَهَرَ.
وقال أبو بَكرٍ: يُصْلَبُ قَدْرَ ما يَقَعُ عليه اسمُ الصَّلْبِ.
وعن أحمدَ، أنَّه يُقْطَعُ مع ذلك)

وجملةُ ذلك، أنَّ المُحارِبَ إذا قَتَل مَن يُكافِئُه، وأخَذَ المالَ، قتِلَ حَتْمًا، وصُلِبَ حتى يُشْتَهَرَ.
رُوِى نحوُ هذا عن ابنِ عباسٍ 2. وبه قال قَتادَةُ،

..................................  وأبو مِجْلَزٍ، وحَمَّاد، واللَّيْثُ، والشافعىُّ.
وعن أحمدَ، أنَّه [إذا قَتَل وأخذ المالَ، قُتِلَ وقُطِعَ] 1؛ لأَنَّ كلَّ واحدَةٍ مِن الجِنايَتَيْن تُوجِبُ حَدًّا مُنْفَرِدًا، فإذا اجْتَمَعَا، وَجب حَدُّهما معًا، كما لو زَنَى، وسَرَق 2. وذَهَبَتْ طائفةٌ إلى أنَّ الإِمامَ مُخَيَّر فيهم بينَ القتلِ والصَّلْبِ، والقَطْعِ والنَّفْىِ؛ لأَنَّ «أو» تَقْتَضِى التَّخْيِيرَ، كقولِه تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ 3. وهذا قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، ومُجاهدٍ، وعَطاءٍ، والحسنِ، والضَّحَّاكِ، والنَّخَعِىِّ، وأبى الزِّنَادِ، وأبى ثَوْرٍ، وداودَ.
ورُوِىَ عن ابنِ عباس: ما كان في القرآنِ «أوْ» فصاحِبُه بالخِيارِ 4. وقال أصحابُ الرِّأىِ: إن قَتَل قُتِلَ، وإن أخَذَ المالَ قُطِعَ، وإن قَتَل وأخَذَ المالَ، فالإمامُ مُخيَّرٌ بينَ قَتْلِه وصَلْبِه، وبينَ قَتْلِه وقَطْعِه، وبينَ أن يَجْمَعَ له

..................................  ذلك كلَّه؛ لأنَّه قد وُجِدَ منه ما يُوجِبُ القَتْلَ والقَطْعَ، فكان للإِمامِ فِعْلُهما، كما لو قَتَل وقَطَع في غيرِ قَطْعِ طريقٍ.
وقال مالكٌ: إذا قَطَع الطَّرِيقَ، فرَآه الإِمامُ جَلْدًا ذا رَأْىٍ، قَتَلَه، وإن كان جَلْدًا لا رَأْىَ له، قَطَعَه، ولم يَعْتَبِرْ فِعْلَه.
ولَنا، على أنَّه لا يُقْتَلُ إذا لم يَقْتُلْ، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِم إلَّا بإحْدَى ثَلَاثٍ، كُفْر بَعْدَ إِيمَانٍ، أَوْ زِنى بَعْدَ إحْصَانٍ، أَوْ قَتْلِ نَفْس بغَيْرِ حَق» 1. فأمَّا «أو» فقد قال ابنُ عباسٍ مثلَ قَوْلِنا، فإمَّا أن يكونَ تَوْقِيفًا، أو لغةً، وأيُّهما كان، فهو حُجَّةٌ، يَدُلُّ عليه أنَّه بَدَأَ بالأغْلَظِ فالأغْلَظِ، وعُرِفَ من 2 القرآنِ فيما 3 أُرِيدَ به التَّخْييرُ البداءَةُ بالأَخَفِّ، ككَفَارَةِ اليَمِينِ، وما أُرِيدَ به التَّرْتِيبُ بَدَأ بالأَغْلَظِ، ككَفَّارَةِ الظِّهارِ والقَتْلِ، ويَدُلُّ عليه أيضًا، أنَّ العُقُوباتِ تخْتَلِفُ باخْتِلافِ الإِجْرامِ، ولذلك اخْتَلَفَ حُكْمُ الزَّانِى والقَاذِفِ

..................................  والسَّارِقِ، وقد سَوَّوْا بينَهم ههُنا مع اخْتِلافِ جِناياتِهم، وهذا يَرُدُّ على مالكٍ، فإنَّه إنَّما اعْتَبَرَ الجَلْدَ والرَّأْىَ 1 دُونَ الجِناياتِ، وهو مُخالِفٌ للأُصُولِ التى ذَكَرْناها.
وأمَّا قولُ أبى حنيفةَ، فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ القَتْلَ لو وَجَب لحَقِّ اللَّهِ تعالى، لم يُخَيرِ الإِمامُ فيه، كقَطْعِ السَّارِقِ، وكما لو انْفَرَدَ بأخْذِ المالِ، ولأَنَّ حُدودَ اللَّهِ تعالى إذا كَان فيها قَتْل، سَقَط سائِرُها، كما لو سرَق وزَنَى وهو مُحْصَنٌ.
وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ، قال: وادَعَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أبا بَرْزَةَ الأسْلَمِىَّ 2، فجاءَ ناسٌ يُريدونَ الإِسْلامَ، فقَطَعَ عليهم أصحابُه، فنَزَلَ جبريلُ عليه السَّلامُ بالحدِّ فيهم، أنَّ مَن قَتَل وأخَذَ المالَ قُتِلَ وصُلِبَ، ومَن قَتَل ولم يأْخُذِ المالَ، قُتِلَ، ومن أخذَ المالَ ولم يَقْتُلْ، قُطِعَتْ يدُه ورِجْلُه من خلافٍ.
وقيل: إنَّه رَواه أبو داودَ 3. وهذا كالمُسْنَدِ، وهو نَصٌّ.
إذا ثَبَت هذا فإنَّ قاطِعَ الطريق لا

وَإِنْ قَتَلَ مَنْ لَا يُكَافِئُهُ، فَهَلْ يُقْتَلُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
يَخْلُو من أحوالٍ خمسٍ؛ الأُولى، إذا قَتَل وأخَذَ المالَ، فإنَّه يُقْتَلُ ويُصْلَبُ في ظاهرِ المذهبِ، وقَتْلُه مُتَحَتِّمٌ لا يَدْخُلُه عَفْو.
أجْمَعَ على هذا كلُّ أهلِ العلمِ.
حكاه ابنُ المُنْذِرِ (1). ورُوِىَ ذلك عن عمرَ (2). وبه قال سليمانُ ابنُ موسى، والزُّهْرِىُّ، ومالك، وأصحابُ الرَّأْى.
ولأنَّه حَدٌّ من حدودِ اللَّهِ فلم يَسْقُطْ بالعَفْوِ، كسائرِ الحدودِ.

4537 -

مسألة: (وإن قَتَلَ مَن لا يكافِئُه، فهل يُقْتَلُ؟ على رِوايَتَيْن)

إحداهما، لا تُعْتَبَرُ المكافَأَةُ 3، بل يُؤْخَذُ الحُرُّ بالعبدِ، والمسلمُ بالذِّمِّىِّ، والأبُ بالابنِ؛ لأَنَّ هذا القَتْلَ حَد 4 للَّهِ تعالى، فلا تُعْتَبَرُ فيه المُكافأةُ، كالزِّنى والسَّرِقَةِ.
والثانيةُ تُعْتَبَرُ المُكافأةُ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بكَافِرٍ» 5. والحَدُّ فيه انْحتامُه، بدليل أنَّه لو تاب 612

..................................  قبلَ القُدْرَةِ عليه، سَقَطَ عنه الانحِتَامُ، ولم يَسْقُطِ القِصاصُ.
فعلى هذه الرِّوايةِ، إذا قَتَل المسلمُ ذِمِّيًّا، أو 1 الحُرُّ عبدًا، وأخَذَ مالَه، قُطِعَتْ يَدُه ورِجْلُه [مِن خِلافٍ] 2؛ لأخْذِه المالَ، وغَرِمَ ديَةَ الذِّمِّىِّ وقِيمَةَ العبدِ، وإن قَتَلَه ولم يَأْخُذْ مالًا غَرِمَ دِيَتَه ونُفِىَ.
وذَكَر القَاضى أنَّه إنَّما يَتَحَتَّمُ قَتْلُه إذا قَتَلَه ليَأْخُذَ المالَ، وإن قَتَلَه لغيرِ ذلك، مثلَ أن يَقْصِدَ قَتْلَه لعَداوَةٍ بينَهما، فالواجِبُ قِصاصٌ غيرُ مُتَحَتِّم.
وإذا قَتَلَ صُلِبَ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾.
والكَلامُ فيه في ثلاثةِ أُمورٍ؛ أحدُها، في وَقْتِه، وهو بعدَ القتلِ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال الأوْزاعِىُّ، ومالك، واللَّيْثُ، وأبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: يُصْلَبُ حَيًا ثم يُقْتَلُ مَصْلُوبًا، يُطْعَنُ بالحَرْبَةِ؛ لأَنَّ الصَّلْبَ عُقوبَةٌ، وإنَّما يُعاقَبُ الحَىُّ لا المَيِّتُ، ولأنَّه جَزاءٌ على المُحارَبَةِ فيُشْرَعُ في الحَياةِ كسائرِ الأجْزِيَةِ، ولأَنَّ الصَّلْبَ بعدَ قتلِه يَمْنَعُ دَفنَه وتَكْفِينَه 3، فلا يجوزُ.
ولَنا، أنَّ اللَّهَ تعالى قَدَّمَ القتلَ على الصلبِ لَفْظًا، والتَّرْتِيبُ بينَهما ثابت بغيرِ خِلافٍ، فيَجبُ تَقْدِيمُ الأَوَّلِ في اللَّفْظِ، كقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ 4. ولأنَّ القتلَ إذا أُطْلِقَ

..................................  على لسانِ الشَّرْعِ، كان قَتْلًا بالسيفِ.
ولهذا قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَان عَلَى كُلِّ شَئٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ» 1. وأحْسَنُ القتلِ هو القتلُ بالسيفِ.
وفى صَلْبِه حَيًّا تَعْذِيبٌ له، وقد نَهَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن تعذيبِ الحَيَوانِ.
وقولُهم: إنَّه جَزاءٌ على المُحارَبَةِ.
قُلْنا: لو شُرِعَ لِردْعِه، لسَقَطَ بقتلِه، كما تَسْقُطُ سائرُ الحدودِ مع القتلِ، وإنَّما شُرِعَ الصَّلْبُ رَدْعًا لغيرِه، ليَشْتَهِرَ أمْرُه، وهذا يَحْصُلُ بصلبِه بعدَ قتلِه.
وقولُهم: يَمْنَعُ تَكْفِينَه ودَفْنَه.
قُلْنا: هذا لازِمٌ لهم 2؛ لأنَّهم يَتْرُكُونَه بعدَ قتلِه مَصْلُوبًا.
الثانى، في قَدْرِه، ولا تَوْقِيتَ فيه إلَّا قَدْرَ ما يَشْتَهِرُ أمْرُه.
هكذا ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
وقال أبو بكرٍ: يُصْلَبُ قَدْرَ ما يَقَعُ عليه اسمُ الصَّلْبِ؛ لأَنَّ أحمدَ لم يُوقِّتْ في الصَّلبِ شيئًا.
والصَّحيحُ تَوْقيتُه بما ذَكَرَه الخِرَقِىُّ من الشُّهْرَةٍ؛ لأَنَّ المقصودَ يَحْصُلُ به.
وقال الشافعىُّ، وأبو حنيفة: يُصْلَبُ ثلاثًا.
وهذا تَوْقِيتٌ بغيرِ توْقِيفٍ، فلا يجوزُ، مع أنَّه في الظاهرِ يُفْضى إلى تَغَيُّرِه، ونَتَنِه 3، وأذى المسلمين برائِحَتِه ونَظَرِه، ويَمْنَعُ تَغْسِيلَه وتَكْفِينَه ودَفْنَه، فلا يجوزُ بغيرِ 4 دليلٍ.

وَإِنْ جَنَى جِنَايَةً تُوجِبُ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْس، فَهَلْ يَتَحَتَّمُ اسْتِيفَاؤُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
الثالثُ، في وجوبِه، وهو واجِبٌ حَتْمٌ في حَقِّ مَن قَتَل وأخَذَ المالَ، لا يَسْقُطُ بعَفْو ولا غيرِه.
وقال أصحابُ الرَّأْى: إن شاءَ الإِمامُ صَلَب، وإن شاءَ لم يَصْلِبْ.
ولَنا، حديثُ ابنِ عباسٍ، أنَّ جبريلَ نَزَل بأنَّ مَن قَتَل وأخَذَ المالَ صُلِبَ (1). ولأنَّه شُرِعَ حَدًّا، فلم يُتَخَيَّرْ بينَ فِعْلِه وتَرْكِه، كالقَتْلِ وسائرِ الحدودِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه إذا اشْتُهِرَ أنْزِلَ، ودُفِعَ إلى أهلِه، فيُغَسَّلُ ويُكَفَّنُ، ويُصَلَّى عليه، ويُدْفَنُ.
فصل: فإن ماتَ قبلَ قَتْلِه، لم يُصْلَبْ؛ لأَنَّ الصَّلْبَ من تَمامِ الحَد، وقد فاتَ الحَدُّ بمَوْتِه، فيَسْقُطُ ما هو من تَمامِه.
وإن قَتَلَ في المُحارَبَةِ بمُثَقَّل، قُتِلَ، كما لو قَتَل بمُحَدَّدٍ؛ لاسْتِوائِهما في وُجُوبِ القِصَاصِ بهما.
وإن قَتَل بآلةٍ لا يجبُ القِصاصُ بالقتلِ بها، كالسَّوْطِ والعَصا والحَجَرِ الصَّغِيرِ، فالظَّاهِرُ أنَّهم يُقْتَلُون أيضًا؛ لأنَّهم دَخَلُوا في العُمُومِ.

4538 -

مسألة: (وإن جَنَى جِنايةً تُوجِبُ القِصاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، فهل يَتَحَتَّمُ اسْتِيفَاؤه؟ على رِوايَتَيْن)

إذا جَرَح المُحارِبُ جُرْحًا1

..................................  في مثلِه القِصَاصُ، فهل يَتَحَتَّمُ فيه القِصاصُ؟ على رِوايَتَيْن؛ إحداهُما، لا يَتَحَتَّمُ؛ لأَنَّ الشَّرعَ لم يَرِدْ بشَرْعِ الحَدِّ في حَقِّه بالجِراحِ، فإنَّ اللَّهَ تعالى ذَكَر في حُدُودِ المُحارِبينَ القتلَ والصَّلْبَ والقَطْعَ والنَّفْىَ، فلم يَتَعَلَّقْ بالمُحاربَةِ غيرُها، فلا يَتَحَتَّمُ، بخِلافِ القتلِ، فإنَّه حَدٌّ، فتَحَتَّمَ، كسائرِ الحُدُودِ، فحينَئذٍ لا يجبُ فيه أكثرُ من القِصاصِ.
والثانيةُ، يَتَحَتَّمُ؛ لأَنَّ [الجُرْحَ تابعٌ] 1 للقَتْلِ، فيَثْبُتُ فيه 2 مثلُ حكمِه، ولأنَّه نَوْعُ قَوَدٍ، أشْبَهَ القَوَدَ في النَّفْسِ.
والأُولَى 3 أوْلَى.
وإن جَرَحَه جُرْحًا لا قِصاصَ فيه، كالجائِفَةِ، فليس فيه إلَّا الدِّيَةُ، وإن جَرَح إنْسانًا وقَتَلَ آخَرَ، اقْتُصَّ منه للجِراحِ، وقُتِلَ للمُحارَبَةِ.
وقال أبو حنيفةَ: تَسْقُطُ

وَحُكْمُ الرِّدْءِ حُكْمُ الْمُبَاشِرِ.
الجِراحُ؛ لأَنَّ الحُدودَ إذا اجْتَمَعَتْ وفيها قتلٌ، سَقَط ما سِوَى القَتْلِ.
ولَنا، أنَّها جِنايَةٌ يجبُ بها القِصاصُ في غيرِ المحارَبَةِ، فيجبُ بها في المُحارَبَةِ، كالقَتْلِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ القِصاصَ في الجِراحِ حَدٌّ، إنَّما هو قِصاصٌ مُتَمَحِّضٌ، فأشْبَهَ ما لو كان الجُرْحُ في غيرِ المُحارَبَةِ، وإن سَلَّمْنا أنَّه حَدٌّ، فإنَّه مَشْرُوعٌ مع القتلِ، فلم يَسْقُطْ به، كالصَّلْبِ، وقَطْعِ اليَدِ والرِّجْلِ عندَهم.

4539 -

مسألة: (وحُكْمُ الرِّدْءِ 1 حُكْمُ المُبَاشِرِ) وبهذا قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ. وقال الشافعىُّ: ليس على الرِّدْءِ إلَّا التَّعْزِيرُ؛ لأن 2 الحَدَّ يجبُ بارْتِكابِ المَعْصِيَةِ، فلا يَتَعَلَّقُ بالمُعِينِ، كسائرِ الحُدودِ. ولَنا، أنَّه حُكْم يتعلَّقُ بالمُحارَبَةِ، فاسْتَوَى فيه الرِّدْءُ والمُباشِرُ،

..................................  كاسْتِحْقاقِ الغنيمةِ؛ وذلك 1 لأَنَّ المُحارَبَةَ مَبْنِيَّةٌ على حُصولِ المَنَعَةِ 2 والمُعاضَدَةِ والمُناصَرَةِ، فلا يَتَمَكَّنُ المُباشِرُ من فِعْلِه إلَّا بقُوَّةِ الرِّدْءِ، بخِلافِ سائرِ الحُدُودِ.
فعلى هذا، إذا قَتَل واحدٌ منهم، ثَبَت حُكْمُ القتْلِ في حَقِّ جميعِهم، فيجبُ قتلُ الكلِّ.
وإن قَتَلَ بعضُهم، وأخذَ بعضُهم المالَ، جازَ قتلُهم وصَلْبُهم، كما لو فَعَل الأَمْرَيْن كلُّ واحدٍ منهم.
فصل: وإن كان فيهم صَبِىٌّ، أو مجْنُونٌ، أو ذُو رَحِمٍ من المقْطُوعِ عليه، لم يَسْقُطِ الحَدُّ عن غيرِه، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وقال أبو حنيفة:.
يَسْقُطُ عن جميعِهم، ويصيرُ القتلُ للأوْلياءِ، إن شاءوا قَتَلُوا، وإن شاعوا عَفَوْا؛ لأَنَّ حُكْمَ الجميعِ واحِد، فالشُّبْهَةُ في فعْلِ واحدٍ شُبْهَةٌ في حَقِّ الجميعِ.
ولَنا، أنَّها شُبْهَةٌ اخْتَصَّ بها واحِدٌ، فلم يَسْقُطِ الحَدُّ عن الباقِين، كما لو اشْتَرَكُوا في وَطْءِ امرأةٍ.
وما ذَكَرُوه لا أصْلَ له.
فعلى هذا، لا حَدَّ على الصَّبِىِّ والمجْنونِ وإن باشَرَا 3 القتلَ وأخَذَا 4 المالَ؛ لأنَّهما ليسا من أهلِ الحدودِ، وعليهما ضَمانُ ما أَخَذَا (4) من المالِ في

..................................  أمْوالِهما، ودِيَةُ قَتِيلهما 1 على عاقِلَتِهما، ولا شئَ على الرِّدْءِ لهما؛ لأنَّه إذا لم يَثْبُتْ [ذلك للمُباشِرِ، لم يَثْبُتْ لمَن هو تَبَعٌ له بطَرِيقِ الأُوْلَى.
وإن كان المُباشِرُ غيرَهما، لم يَلْزَمْهُما شئٌ؛ لأنَّهما لم يَثْبُتْ] 2 في حَقِّهِما حكمُ المُحارَبَةِ، [وثُبوتُ الحُكمِ في حَقِّ الرِّدْءِ ثَبَت بالمُحارَبَةِ] 3. فصل: فإن كان فيهم امرأةٌ، ثَبَت لها حكمُ المُحارَبَةِ، فمتى قَتَلَتْ، أو أخَذَتِ المالَ، فحكْمُها حكمُ قُطّاعِ الطَّرِيقِ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يجبُ عليها الحَدُّ، ولا على مَن معها، لأنَّها ليستْ من أهلِ المُحارَبَةِ، فأشْبَهَتِ الصَّبِىَّ: المَجْنونَ.
ولَنا، أنَّها تُحَدُّ في السَّرِقَةِ، فيَلْزَمُها [حُكمُ المُحارَبَةِ] 4، كالرجلِ، [وتُخالِفُ الصَّبِىَّ والمجنونَ؛ لأنَّها مُكَلَّفَة يَلْزَمُها 5 القِصاصُ وسائِرُ الحدودِ، فيَلْزَمُها هذا الحَدُّ، كالرجلِ] (2). إذا ثَبَت هذا، فإنَّها إن باشَرَتِ القَتْلَ، أو 6 أخْذَ المالِ، ثَبَت حُكْمُ المُحارَبَةِ في حَقِّ مَن معها؛ لأنَّهم رِدْءٌ لها.
وإن فَعَل ذلك غيرُها، ثَبَت حُكْمُه في حَقِّها؛ لأنَّها رِدْءٌ له، كالرجلِ سَواءً.
وإن قَطَع أهلُ الذِّمَّةِ الطَّرِيقَ، أو كان مع المحاربين المسلمِين ذِمِّىٌّ، فهل يَنْتَقِضُ

وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ، قُتِلَ.
وَهَلْ يُصْلَبُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْن.
عَهْدُهم بذلك؟ فيه رِوايَتان؛ فإن قُلْنا: يَنْتَقِضُ عَهْدُهم.
حَلَّتْ دِماؤُهم وأمْوالُهم بكلِّ حالٍ.
وإن قُلْنا: لا يَنْتَقِضُ عَهْدُهم.
حَكَمْنا عليهم بما يجبُ على المسلمِين.

4540 -

مسألة: (ومَن قَتَل ولمْ يَأخُذِ المالَ، قُتِلَ. وهل يُصْلَبُ؟ على رِوايَتَيْن)

إحْداهما، يُصْلَبون؛ لأنَّهم مُحارِبونَ يجبُ قتْلُهم فيُصْلَبُون، كالَّذينَ أخذُوا المالَ.
والثانيةُ، لا يُصْلَبُون.
وهى أصَحُّ؛ لأَنَّ الخَبَرَ المَرْوِىَّ فيهم قال فيه: وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأخُذِ المَالَ، قُتِلَ 1. ولم يذْكُرْ صَلْبًا، ولأَنَّ جِنايَتهم بأخْذِ المالِ مع القتلِ تَزِيدُ على

وَمَنْ أخذَ المالَ وَلَمْ يَقْتُلْ، قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى فِى مَقَام وَاحِدٍ، وَحُسِمَتَا، وَخُلِّىَ.
الجنايةِ بالقتلِ وحدَه، فيجبُ أن تكونَ عُقوبتُهم أغْلَظَ، ولو شُرِعَ الصَّلْبُ ههُنا لاسْتَويَا، والحُكْمُ في تَحَتُّمِ القتلِ وكَوْنِه حَدًّا ههُنا، كالحُكْمِ فيه إذا قَتَل وأخَذَ المالَ.

4541 -

مسألة: (ومَن أخَذَ المالَ ولم يَقْتُلْ، قُطِعَتْ يَدُه اليُمْنَى ورِجْلُه اليُسْرَى في مَقام واحِدٍ، وحُسِمَتا، وخُلِّىَ)

وهذا معنى قولِه سبحانَه: ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ 1 وإنَّما قَطَعْنا يَدَه اليُمْنَى للمعنى الذى قَطَعْنا به يمينَ السَّارِقِ، ثم قَطَعْنا رِجْلَه اليُسْرَى لتَتَحَقَّقَ المُخالَفَةُ، وليكونَ أرْفقَ 2 به في إمْكانِ مَشْيِه.
ولا يُنْتَظَرُ انْدِمالُ اليدِ في قَطْعِ الرِّجْلِ، بل يُقْطَعان معًا، يُبْدَأ بيمينه فتُقْطَعُ وتُحْسَمُ، ثم برِجْلِه؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالى بَدَأَ بذِكْرِ الأيْدِى.
ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ، في أنَّه لا يُقْطَعُ منه غيرُ يدٍ

وَلَا يُقْطَعُ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ أَخَذَ مَا يُقْطَعُ السَّارِقُ فِى مِثْلِهِ.
ورِجْلٍ، إذا كانتْ يَداهُ ورِجْلاه صحيحتَيْن.

4542 -

مسألة: (ولا يُقْطَعُ منهم إلَّا مَن أَخَذَ ما يُقْطَعُ السَّارِقُ فِى مِثْلِه)

وبهذا قال الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال مالكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ 1: للإِمامِ أن يَحْكُمَ عليه حُكْمَ المُحارِبِ؛ لأنَّه مُحارِبٌ للَّهِ ورسولِه، سَاعٍ 2 في الأرْضِ بالفَسادِ، فيَدْخُلُ في عُموم الآيةِ، ولأنَّه لا يُعْتَبَرُ الحِرْزُ، فكذلك النِّصابُ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا قَطْعَ إلَّا فِى ربعِ دِينَارٍ فصَاعِدًا 3» 4. ولم يُفَصِّلْ، ولأَنَّ هذه جِنايةٌ تَعَلَّقَتْ بها عقوبة في حَقِّ غيرِ المُحارِبِ، فلا تَتَغَلَّظُ في المُحاربِ بأكثرَ من وَجْهٍ واحدٍ، كالقتلِ يُغَلَّظُ بالانْحِتامِ، كذلك ههُنا يُغلَّظُ بقَطْعِ الرِّجْلِ معها، ولا يَتَغَلَّظُ بما دونَ النِّصابِ، وأمَّا الحِرْزُ فهو مُعْتَبَرٌ، فإنَّهم لو أخَذَوا مالًا مُضَيَّعًا لا حافِظَ له، لم يجبِ القَطْعُ.
فإن أخَذُوا

فَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ مَقْطُوعَةً، أَوْ مُسْتَحَقَّةً فِى قِصَاصٍ، أَوْ شَلَّاءَ، قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى، وَهَلْ تُقْطَعُ يُسْرَى يَدَيْهِ؟ يَنْبَنِى عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِى قَطْعِ يُسْرَى السَّارِقِ، فِى المَرَّةِ الثَّالِثَةِ.
ما 1 يَبْلُغُ نِصابًا ولا تَبْلُغُ حِصَّةُ كُلِّ واحدٍ منهم نِصابًا، قُطِعُوا، على قياسِ قوْلِنا في السَّرِقَةِ.
وقياسُ قولِ الشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى، أنَّه لا يجبُ القَطْعُ حتى تَبْلُغ حِصَّةُ كلِّ واحدٍ منهم نِصابًا، ويُشْتَرَطُ أيضًا أن لا تكونَ لهم شُبْهَةٌ فيما يَأْخُذُونَه من المالِ، على ما ذَكَرْنا في المَسْرُوقِ.

4543 -

مسألة: (فإن كانت يَمينُه مَقْطُوعَةً، أو مُسْتَحَقَّةً في قِصاصٍ، أو شَلَّاءَ، قُطعَتْ رجْلُه اليُسْرَى، وهل تُقْطَعُ يُسْرَى يَدَيْهِ؟ يَنْبَنِى على الرِّوَايَتَيْن في قَطْعِ يُسْرَى السَّارِقِ، في المَرَّةِ الثَّالِثةِ)

إذا كان مَعْدومَ اليَدِ أو الرِّجْلِ، إما لكَوْنِه قد قُطِعَ في قَطْعِ طَرِيقٍ، أو سَرِقَةٍ، أو قِصَاصٍ، أو بمَرَضٍ، أو تكونُ مُسْتَحَقَّةً في قِصاصٍ، أو شَلَّاءَ،

وَمَنْ لَمْ يَقْتُلْ وَلَا أخَذَ الْمَالَ، نُفِىَ وَشُرِّدَ، فَلَا يُتْرَكُ يَأْوِى إِلَى  قُطِعَتْ رِجْلُه اليُسْرى، كما لو كانت يُمْناهُ مَوجُودَةً، وكذلك إن كانتْ يَدُه اليُمْنَى مَوْجُودَةً، ورِجْلُه اليُسْرَى مَعْدُومَةً، فإنَّا نَقْطَعُ الموْجُودَ منهما حَسْبُ، ويَسْقُطُ القطعُ (1) في المعْدُومِ؛ لأَنَّ ما تَعَلَّقَ به الغَرَضُ مَعْدُومٌ، فسَقَطَ كالغُسْلِ في الوُضوءِ، وهل تُقْطَعُ يُسْرَى يَدَيْه؟ يَنْبَنِى على الروايَتَيْن في قَطْعِ يُسْرَى السَّارِقِ في المرَّةِ الثالثةِ، فإن قُلْنا: تُقْطَعُ ثَمَّ.
قُطِعَتْ ههنا، وإن قُلْنا: لا تُقْطَعُ.
وهو المُخْتَارُ، سَقَط قَطْعُها؛ لأَنَّ قَطْعَهَا يُفْضِى إلى تَفْوِيتِ مَنْفَعَةِ البَطْشِ.
وإن كان ما وَجَب قَطْعُه أشَلَّ، فذَكَرَ أهلُ الطِّبِّ أنَّ قَطْعَه يُفْضِى إلى تَلَفِه، لم يُقْطَعْ، وكان حُكْمُه حُكْمَ المَعْدومِ.
وإن قالوا: لا يُفْضِى إلى تَلَفِه.
ففى قَطْعِه رِوايَتان، ذَكَرْناهما في قَطْعِ السَّارِقِ.

4544 -

مسألة: (ومَن لم يَقْتُلْ ولا أخَذَ المالَ، نُفِىَ وشُرِّدَ، فلا

1

بَلَدٍ.
وَعَنْهُ، أنَّ نَفْيَهُ تَعْزِيرُهُ بِمَا يَرْدَعُهُ.
يُتْرَكُ يَأْوِى إلى بَلَدٍ.
وعنه، أنَّ نَفْيَه تَعْزِيرُه بما يَرْدَعُه) وجلتُه، أنَّ المُحارِبينَ إذا أخافُوا 1 السَّبِيلَ، ولم يَقْتُلُوا، ولا أخَذُوا المالَ، فإنَّهم يُنْفَوْنَ مِن الأرْضِ؟ لقولِه سُبحانَه: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ 2. يُرْوَى عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النَّفْىَ يكونُ في هذه الحالةِ، وهو قولُ النَّخَعِىُّ، وقَتادَةَ، وعَطَاءٍ الخُراسَانِىِّ.
والنَّفْىُ هو تَشْرِيدُهم عن الأمْصارِ والبُلْدانِ، فلا يُتْرَكُونَ يَأْوُونَ بلدًا.
يُرْوَى نحوُ هذا عن الحسنِ، والزُّهْرِىِّ.
وفى ابنِ عباسٍ، أنَّه يُنْفَى من بلدِه إلى غيرِه، كنَفْىِ الزَّانِى.
وبه قال طَائفةٌ من أهلِ العلمِ.
قال أبو الزِّنادِ: كان مَنْفَى النَّاسِ إلى باضِعٍ 3، من أرْضِ الحَبَشَةِ، ودَهْلك 4 أقْصَى تِهامَةِ اليَمَنِ.
وقال مالكٌ: يُحْبَسُ في البلدِ الذى يُنْفَى 5 إليه، كقولِه في الزَّانِى.
وقال أبو حنيفةَ: [نَفْيُه حَبْسُه] 6 حتى يُحْدِثَ تَوْبَةً.
ونحوَ هذا قال الشافعىُّ، فإنَّه قال في هذه

جارٍ التحميل