الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 461-500

كِتَابُ الْأَيْمَانِ

صفحات 461-500

..................................  مَوْضُوعَه في العَرَبِيَّةِ لذلك، قال اللهُ تعالى: ﴿تَاللهِ تَفْتَوأ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾.
أي: لا تَفْتَؤُ.
وقال الشاعر: تَاللهِ يَبْقَى عَلَى الأَيَّامِ ذُو حِيَدٍ وقال آخرُ: فَقُلْتُ يَمِينَ اللهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا أي: لا أَبْرَحُ.
فصل: وإن قال: لاهَا اللهِ.
ونَوَى اليَمِينَ، كان يَمِينًا؛ لأنَّ أبا بكرٍ، رَضِيَ اللهُ عنه، قال في سَلَبِ قتيلِ أبي قَتادَةَ: لَاها اللهِ، إذًا يَعْمِدُ 1 إلى أسَدٍ مِن أُسْدِ اللهِ، يُقاتِلُ عن اللهِ وعن رسولِه، فيُعْطِيكَ سَلَبَه! فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «صَدَقَ» 2. وإن لم يَنْو اليَمِينَ، فالظاهِرُ أنَّه لا يكونُ يَمِينًا؛ لأنَّه لم يَقْتَرِنْ به عُرْفٌ 3 ولا نِيَّةٌ، ولا في جَوأبِه حَرْفٌ يَدُل على القَسَمِ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.

وَيُكْرَهُ الْحَلِفُ بِغَيرِ اللهِ تَعَالى.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا.

4692 - مسألة: (ويُكْرَهُ الحَلِفُ بغيرِ اللهِ تعالى. ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ مُحرَّمًا)

وذلك نَحْوُ أن يَحْلِفَ بأبِيهِ، أو بِالْكَعْبَةِ، أو بِصَحابِيٍّ، أو إمام، أو غيرِه.
قال الشافعيُّ: أخْشَى أن يكونَ مَعْصيَةً.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 1: هذا أمْرٌ مُجْتَمَعٌ 2 عليه.
وقيلَ: يجوزُ 3 ذلك؛ لأنَّ اللهَ تعالى أقْسَمَ بمَخْلُوقاتِه، فقال: (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا} 4. ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ 5. وقال النّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - للأعْرابِيِّ الَّذي سَأَل عن الصلاةِ: «أفْلَحَ، وأبِيهِ، إن صَدَقَ» 6. وقال في حديث أبي العُشَراءِ: «وَأبِيكَ لَوْ طَعَنْتَ في فَخِذِهَا لأَجْزَأَكَ» 7. ولَنا، ما روَى عمرُ بنُ الخطابِ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أدْرَكَه وهو يَحْلِفُ بأبِيه،

..................................  فقال: «إنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ باللهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ».
قال عمرُ: فواللهِ ما حَلَفْتُ بها بعدَ ذلك، ذاكِرًا ولا آثِرًا.
مُتَّفَقٌ عليه 1. يعني ولا حَاكِيًا عن غيرِى.
وعن ابنِ عمرَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ حَلَفَ بِغَيرِ اللهِ، فَقَدْ أشْرَكَ».
قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ 2. فأمَّا قَسَمُ اللهِ بمَصْنُوعاتِه، فإنَّما أقْسَمَ [بها دالَّةً] 3 على قُدْرَتِه وعَظَمَتِه، وللهِ تعالى أن يُقْسِمَ بما شاءَ، ولا وَجْهَ للقِياسِ على إقْسامِه.
وقد قيل: إنَّ في إقْسامِه إضْمارَ القَسَمِ بربِّ هذه المخلوقاتِ، فقولُه: ﴿وَالضُّحَى﴾ 4. أي ورَبِّ الضُّحَى.
وأمَّا قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -

..................................  للأعْرابِيِّ: «أفْلَحَ، وأَبِيهِ، [إِن صَدَقَ] 1». فقال ابنُ عبدِ البَرِّ 2: هذه اللفظَةُ غيرُ مَحْفُوظَةٍ من وَجْهٍ صحيح.
وحديثُ أبي العُشَراءِ، قال أحمدُ: لو كانَ يَثْبُتُ.
يعني أنَّه لم يَثْبُتْ، ثم إن لم يَكُنِ الحَلِفُ بغيرِ اللهِ مُحَرَّمًا، فهو مَكْرُوهٌ؛ لأنَّ مَن حَلَف بغيرِ اللهِ، فقد عَظَّمَ غيرَه تَعْظِيمًا يُشْبِهُ تَعْظِيمَ الرَّبِّ تبارَكَ وتعالى، ولهذا سُمِّيَ شِرْكًا، لكَوْنِه أشْرَكَ غيرَ اللهِ مع اللهِ تعالى في تَعْظِيمِه بالقَسَمِ به.
فعلى هذا، يَسْتَغْفِرُ اللهَ إذا أقْسَمَ بغيرِ الله 3. قال الشَّافِعِيُّ: مَنْ حَلَفَ بغيرِ اللهِ فَلْيَقُلْ: أسْتَغْفِرُ اللهَ.

وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْيَمِينِ بِهِ، سَواءٌ أَضَافَهُ إِلَى اللهِ تَعَالى، مِثْلَ قَوْلِهِ: ومَعْلُومِ اللهِ، وَخَلْقِهِ، وَرِزْقِهِ، وَبَيتِهِ.
أَوْ لَمْ يُضِفْهُ، مِثْلَ: وَالْكَعْبَةِ، وَأَبى.

4693 - مسألة: (وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْيَمِينِ بِهِ، سَواءٌ أَضَافَهُ إِلَى اللهِ تَعَالى، مِثْلَ قَوْلِهِ: ومَعْلُومِ اللهِ، وَخَلْقِهِ، وَرِزْقِهِ، وَبَيتِهِ.
أَوْ لَمْ يُضِفْهُ، مِثْلَ: وَالْكَعْبَةِ، وَأَبى)

يعني لا تجبُ الكَفّارَةُ بالحِنْثِ فيها.
هذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ.
وهو قولُ أكثرِ الفُقَهاءِ.

وقَال أَصْحَابُنَا: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْحَلِفِ بِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خَاصَّةً.

4694 - مسألة: (وقال أصحابُنا: تَجِبُ الكَفَّارَةُ بالحَلِفِ برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - خَاصَّةً)

ورُويَ عن أحمدَ، أنَّه قال: إذا حَلَف بحَقِّ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فحَنِثَ، فعليه الكَفَّارَةُ، لأنَّه أحَدُ شَرْطَىِ الشَّهادَةِ، فالْحَلِفُ به مُوجِبٌ للكَفَّارَةِ، كالحَلِفِ باللهِ تعالى.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، أو لِيَصْمُتْ».
ولأنَّه حَلِفٌ بغيرِ اللهِ تعالى، فلم يُوجِبِ الكَفَّارَةَ بالحِنْثِ فيه، كسائِرِ الأنْبِياءِ، ولأنَّه مخلوقٌ، فلم تَجِبِ الكَفَّارَةُ بالحَلِفِ به، كالحَلِفِ بإبراهيمَ - عليه السلام -،

فَصْلٌ: وَيُشَتَرَطُ لِوجُوب الْكَفَّارَةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُنْعَقِدةً، وَهِيَ الًّتى يُمْكِنُ فِيهَا الْبِرُّ وَالْحِنْثُ، وَذَلِكَ الْحَلِفُ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ مُمْكِنٍ.
ولأنَّه ليس بمَنْصوصٍ عليه، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ، ولا يَصِحُّ قِياسُ اسمِ غيرِ اللهِ على اسْمِه؛ لعَدَمِ الشَّبَهِ، وانْتِفاءِ المُماثَلَةِ.
وكلامُ أحمدَ يُحْمَلُ على الاسْتِحْبابِ.
فَصْلٌ: وَيُشَتَرَطُ لِوجُوب الْكَفَّارَةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُنْعَقِدةً، وَهِيَ الَّتي يُمْكِنُ فِيهَا الْبِرُّ وَالْحِنْثُ، وَذَلِكَ الْحَلِفُ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ مُمْكِنٍ) قال ابنُ عبدِ البَر 1: اليَمِينُ التي فيها الكَفَّارَةُ بإجْماعِ المسلمين، هي التي على المُسْتَقْبَلِ مِن الأفْعالِ.
كمَن حَلَف ليَضْرِبَنَّ غُلامَه أَوْ لا يَضْرِبُه، فإن فَعَل، فعليه الكَفَّارَةُ.
وذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّ الحِنْثَ إذا كان طاعةً، لم يُوجِبْ كَفَّارَةً.
وقال قومٌ: مَن حَلَفَ على فِعْلِ مَعْصِيَةٍ، فكَفَّارَتُها تَرْكُها.
وقال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ: اللَّغْوُ أن

..................................  يحْلِفَ الرجلُ 1 فيما لا يَنْبَغِي له.
يعني فلا كَفَّارَةَ عليه في الحِنْثِ.
وقد روَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا نَذْرَ وَلَا يَمِينَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ، وَلَا في مَعْصِيَةِ اللهِ، ولَا في قَطِيعَةِ رَحِمٍ، ومَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين فَرَأَى غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَلْيَدَعْهَا، ولْيَأتِ الَّذِي هُوَ خَير، فإنَّ تَرْكَهَا كَفَّارَةٌ».
روَاه أبو داودَ 2. ولأنَّ الكَفَّارَةَ إنَّما تَجِبُ لرَفْعِ 3 الإِثْمِ، ولا إثْمَ في الطَّاعَةِ، ولأنَّ اليَمِينَ كالنَّذْرِ، ولا نَذْرَ في مَعْصِيَةِ اللهَ.
ولَنا، قولُ النبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خير، ولْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِه» 4. وقال: «إِنِّي وَاللهِ، إنْ شَاءَ اللهُ، لَا أحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، إلَّا أَتَيتُ الَّذِي هُوَ خَيرٌ، وكَفَّرْت عَنْ يَمِينِي».

فَأَمَّا الْيَمِينُ عَلَى الْمَاضِي، فَلَيسَتْ مُنْعَقِدَةً، وَهِيَ نَوْعَانِ، يَمِينُ الغَمُوسِ، وَهِيَ الَّتي يَحْلِفُ بِهَا كَاذِبًا عَالِمًا  أخْرَجَه البخاريُّ (1). وحَدِيثُهم لا يُعارِضُ حدِيثَنا؛ لأنَّ حَدِيثَنا أصَحُّ منه وأثْبَتُ.
ثم إنَّه يَحْتَمِلُ أنَّ تَرْكَها كَفَّارَةٌ لإثْمِ الحَلِفِ، والكَفَّارَةُ المُخْتلَفُ فيها كَفَّارَةُ المُخالفَةِ.
وقولُهم: إنَّ الحِنْثَ طاعةٌ.
قُلْنا: فاليَمِينُ غيرُ طاعَةٍ، فتَلْزَمُه الكَفَّارَةُ؛ للمُخالفَةِ، ولتَعْظِيمِ اسْمِ الله عَزَّ وجَلَّ إذا حَلَف به ولم يَبَرَّ يَمِينَه.
إذا ثَبَت ذلك، نَظرنا في يَمِينِه، فإن كانت على تَرْكِ شيءٍ ففَعَلَه، حَنِثَ، ووَجَبَتِ الكَفَّارَةُ.
وإن كانت على فِعْلِ شيءٍ فلم يَفْعَلْه، وكانت يَمِينُه مُؤقَّتَةً بلَفْظِه، أو بنِيَّتِه، أو قَرِينَةِ حالِه، ففاتَ الوَقْتُ، حَنِث، [وكَفَّر] (2). وإن كانت مُطْلَقَةً، لم يَحْنَثْ إلَّا بفَواتِ وَقْتِ الإِمْكانِ؛ لأنَّه ما دامَ في الوَقْتِ، والفعلُ مُمْكِن، فيَحْتَمِلُ أنَّه يفْعَلُ فلا يَحْنَثُ.

4695 -

مسألة: (فَأَمَّا الْيَمِينُ عَلَى الْمَاضِي، فَلَيسَتْ مُنْعَقِدَةً، وَهِيَ نَوْعَانِ، يَمِينُ الغَمُوسِ، وَهِيَ الَّتي يَحْلِفُ بِهَا كَاذِبًا عَالِمًا بكَذِبه.

12

بِكَذِبِهِ.
وَعَنْهُ، فِيهَا الْكَفَّارَةُ.
وَمِثْلُهَا الْحَلِفُ عَلَى مُسْتَحِيلٍ، كَقَتْلِ الْمَيِّتِ وَإِحْيَائِهِ، وَشُرْبِ مَاءِ الْكُوزِ وَلَا مَاء فِيهِ.
وعنه، فيها الكَفَّارَةُ.
ومِثْلُها الحَلِفُ على مُسْتَحِيلٍ، كقَتْلِ المَيِّتِ وإحْيائِه، وشُرْبِ ماءِ الكُوزِ ولا ماءَ فيه) ظاهِرُ المذهب أنَّ يَمِينَ الغَمُوسِ لا كَفَّارَةَ فيها.
نَقَلَه الجماعَةُ عن أحمدَ.
وهو قولُ أكثرِ أَهلِ العلمِ؛ منهم ابنُ مسْعُودٍ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، واللَّيثُ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الحَدِيثِ، وأصْحابُ الرَّأْي مِن أهلِ الكوفَةِ.
وإنَّما سُمِّيَتْ هذه يَمِينَ الغَمُوسِ؛ لأنَّها تَغْمِسُ صاحِبَها فِي الإِثْمِ.
قال ابنُ مسعودٍ: كُنَّا نَعُدُّ مِن 1 اليَمِينِ التي لا كَفَّارَةَ لها،

..................................  اليَمِينَ الغَمُوسَ 1. وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّب، قال: هي مِن الكبائِرِ، وهي أعظمُ مِن أن تُكَفَّرَ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّ فيها الكَفَّارَةَ.
ورُوِيَ ذلك عن عَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، والحَكَمِ، والبَتِّيِّ.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّه وُجِدَتْ منه اليَمِينُ باللهِ، والمُخالفَةُ مع القَصْدِ، فلَزِمَتْه الكَفَّارَةُ، كالمُسْتَقْبَلَةِ 2. ولَنا، أنَّها يمِينٌ غيرُ مُنْعَقِدَةٍ، فلا تُوجِبُ الكَفَّارَةَ، كاللَّغْو، أو يَمِينٌ على ماضٍ، أشْبَهَتِ اللَّغْوَ، وبَيانُ أنَّها غيرُ مُنْعَقِدَةٍ، كَوْنُها لا 3 تُوجِبُ بِرًّا، ولا يُمْكِنُ فيها، ولأنَّه قارَنَها ما يُنافِيها، فلم تَنْعَقِدْ، كالنِّكاحِ الَّذي قارَنَه الرَّضاعُ.
ولأنَّ الكَفَّارَةَ لا تَرْفَعُ إثْمَها، فلا تَسُوغُ 4 فيها، ودليلُ أنَّها كبيرةٌ، ما رُوِيَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مِنَ الْكَبَائِرِ الإِشْرَاكُ باللهِ، وعُقُوقُ الْوَالِدَينِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، والْيَمِينُ الغَمُوسُ».
رَواه البخاريُّ 5. ورُوِيَ فيه: «خمْسٌ مِنَ الكَبَائِرِ لَا

..................................  كَفَّارَةَ لَهُنَّ، الإِشْرَاكُ باللهِ، والْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وبَهْتُ المُؤْمِنِ، وقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيرِ حَقٍّ، والحَلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَاجِرَةٍ يُقْتَطَعُ بِهَا مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ» 1. ولا يَصِحُّ القياسُ على المُسْتَقْبَيَةِ، لأنَّها يَمِينٌ مُنْعَقِدَةٌ، يُمْكِنُ حلُّها والبِرُّ فيها، وهذه غيرُ مُنْعَقِدَةٍ، فلا حَلَّ لها.
وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِنِهِ، ولْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ».
يَدُلُّ على أنَّ الكَفَّارَةَ إنَّما تجِبُ على فِعْل يَفْعَلُه فيما يَسْتَقْبِلُه.
قاله ابنُ المُنْذِرِ 2. فصلٌ: والمُسْتَحِيلُ نَوْعان؛ أحدُهما، مُسْتَحِيلٌ عَقْلًا، كقَتْلِ الميِّتِ وإحْيائِه، وشُرْبِ ماءِ الكُوزِ ولا ماءَ فيه.
فقال أبو الخَطَّابِ: لا تَنْعَقِدُ [يَمِينُه، ولا تَجِبُ بها كَفَّارَة.
وهذا مذهبُ مالكٌ، لأنَّها يَمِينٌ قارَنَها ما لا يُتَصَوَّرُ، فلم تَنْعَقِدْ] 3، كيَمِينِ الغَمُوسِ، ولأنَّ اليَمِينَ إنَّما تَنْعَقِدُ على مُتَصوَّرٍ، أو مُتَوَهَّمِ التَّصَوُّرِ، وليس ههُنا واحِدٌ منهما.
وقال

..................................  القاضي: يَنْعَقِدُ مُوجِبًا للكَفَّارَةِ في الحالِ.
وهذا قولُ أبي يُوسُفَ، والشافعيِّ؛ لأنَّه حَلَف على فِعْلِ نفْسِه في المُسْتَقْبَلِ ولم يَفْعَلْ، فهو كما لو حَلَف ليطَلِّقَنَّ امرأتَه، فماتَ قبلَ طَلاقِها، وبالقِياسِ 1 على المُسْتَحِيلِ عادةً.
ولا فَرْقَ بينَ أنْ يَعْلَمَ اسْتِحالتَه 2 أو لا يَعْلَمَ، مثلَ أن يَحْلِفَ ليَشرَبَنَّ الماءَ الَّذي في الكُوزِ ولا ماءَ فيه، فالحُكْمُ واحدٌ في مَن عَلِمَ أنَّه لا ماءَ فيه ومَن لم يَعْلَمْ.
وذَكَر شَيخُنا في الكتابِ المَشْروحِ إحْياءَ المَيِّتِ وقَتْلَه في المُسْتَحِيلِ عقْلًا.
وإحْياءُ الميِّتِ مُتَصَوَّرٌ عقْلًا، وإنَّما هو مُسْتَحِيلٌ عادةً، فهو من النَّوْعِ الثاني.
فأمَّا قَتْلُ المَيِّتِ،

..................................  فإن أرادَ قَتْلَه حال مَوْتِه، فهو مِن المُسْتَحِيلِ عقْلًا، فيه من الخِلافِ ما ذكَرْنا، وإن حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ فُلانًا، وهو مَيِّت، فهو كالمُسْتَحِيلِ عادةً، فإنَّه يُتَصَوَّرُ أن يُحْيِيَه اللهُ، فيَقْتُلَه، فَتَنْعَقِدَ يَمِينُه، على ما نَذْكُرُ في المُسْتَحِيلِ عادةً.
النَّوْعُ الثانِي، المُسْتَحِيلُ عادةً، كصُعودِ السَّماءِ، والطَّيرَانِ، وقَطْعِ المسافَةِ البَعِيدَةِ في المُدَّةِ القَليلَةِ، فإذا حَلَف على فِعْلِه، انْعَقَدَتْ يَمِينُه.
ذَكَرَه القاضِي، وأبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه يُتَصَوَّرُ وجُودُه، فإذا حَلَف عليه، انْعَقَدَتْ يَمِينُه، ولَزِمَتْه الكَفَّارَةُ في الحالِ، لأنَّه مَأْيُوسٌ من البِرِّ فيها، فوَجَبَتِ الكَفَّارَةُ، كما لو حَلَف لَيُطَلِّقَنَّ امرأتَه فماتتْ.
فصل: إذا قال: واللهِ لَيفَعَلَنَّ فلانٌ كذا، أو لا يَفْعَلَنَّ 1. أو حَلَف على حاضِرٍ، فقال: واللهِ لتَفْعَلَنَّ كذا.
فأْحْنَثَه، ولم يَفْعَلْ، فالكَفَّارَةُ على الحالِفِ.
كذلك قال ابنُ عمرَ، وأهلُ المدينةِ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، والأوْزَاعِيُّ، وأهلُ العراقِ، والشافعيُّ، لأنَّ الحالِفَ هو الحانِثُ، فكانتِ

الثَّانِي، لَغْوُ الْيَمِينِ، وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ فَيَبِينَ بِخِلَافِهِ، فَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا.
الكَفَّارَةُ عليه، كما لو كان هو الفاعِلَ لِما يُحْنِثُه، ولأنَّ سَبَبَ الكَفَّارَةِ إمَّا اليَمِينُ، أو الحِنْثُ، أو هما، وأيُّ ذلك قُدِّرَ، فهو مَوْجُودٌ في الحالِفِ.
وإن قال: أسْأَلُكَ باللهِ لتَفْعَلَنَّ.
وأرادَ اليَمِينَ، فهي كالتي قبلَها.
وإن أرادَ الشَّفاعَةَ إليه باللهِ، فليس بيَمِينٍ، ولا كَفَّارَةَ على واحدٍ منهما.
وإن قال: باللهِ لتَفْعَلَنَّ.
فهي يَمِينٌ؛ لأنَّه أجابَ بجوابِ القَسَمِ، إلَّا أن يَنْويَ ما يَصْرِفُها.
وإن قال: باللهِ أفْعَلُ.
فليست يَمِينًا؛ لأنَّه لم يُجِبْها بجَوابِ القَسَمِ، ولذلك لا يَصْلُحُ أن يقولَ: والله أفْعَلُ.
ولا: تالله أفْعَلُ.
وإنَّما صَلَح ذلك في الباءِ؛ لأنَّها لا تخْتَصُّ القَسَمَ، فيَدُلُّ على أنَّه سُؤالٌ، فلا تَجِبُ به كَفَّارَةٌ.
(الثاني، لَغْوُ اليَمِينِ، وهو أن يَحْلِفَ على شيءٍ يَظُنُّه فيَبِينَ بخِلافِه، فلا كَفَّارَةَ فيها) أكثرُ أهلِ العلمِ على أنَّ هذه اليَمِينَ لا كَفَّارَةَ فيها.
قاله ابنُ المُنْذِرِ 1. يُرْوَى هذا عن ابنِ عباس، وأبي هُرَيرَةَ، وأبي مالكٍ،

..................................  وزُرَارَةَ 1 بنِ أوْفَى، والحسنِ، والنَّخَعِيِّ، ومالكٍ، وأبي حنيفةَ، والثَّوْرِيِّ.
وممَّن قال: هذا لَغْوُ اليَمِينِ.
مُجاهِدٌ، وسُليمانُ بنُ يَسارٍ، والأوْزَاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ وأصْحابُه.
وأكثرُ أهلِ العِلْمِ على أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ لا كَفَّارَةَ فيه.
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ 2: أجْمَع المسلمون على هذا.
وقد حُكِيَ عن النَّخَعِيِّ في اليَمِينِ على شيءٍ يَظُنُّه حَقًّا، فيَبِينُ بخِلافِه، أنَّه من لَغْو اليَمِينِ، وفيه الكَفَّارَةُ.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّ فيه الكَفَّارَةَ، وليس هو مِن لَغْو اليَمِينِ، لأنَّ اليَمِينَ باللهِ وُجِدَتْ مع المُخالفَةِ، فأوْجَبَتِ الكَفَّارَةَ، كاليَمِينِ على مُسْتَقْبَل.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿لَا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ 3. [وهذا منه] 4، ولأنَّها يَمِين غيرُ مُنْعَقِدَةٍ، فلم تَجِبْ فيها كفَّارَةٌ، كيَمِينِ الغَمُوسِ، ولأنَّه غيرُ قاصِدٍ للمُخالفَةِ، فأشْبَهَ ما لو

..................................  حَنِثَ 1 ناسِيًا.
وفي الجُمْلَةِ، لا كَفَّارَةَ في يَمِينٍ على ماضٍ؛ لأنَّها تَنْقَسِمُ ثلاثَةَ أقْسامٍ؛ ما هو صادِقٌ فيه، فلا كَفَّارَةَ فيه إجْماعًا.
وما تَعَمَّدَ

..................................  الكَذِبَ فيه، فهو يَمِينُ الغَمُوسِ، لا كَفَّارَةَ فيها؛ لأنَّها أعْظَمُ مِن أن تكِونَ فيها كَفَّارَةٌ.
وقد ذَكَرْنا الخِلافَ فيها.
وما يَظُنُّه حَقًّا، فيَبِينُ بخِلافِه، فلا كَفَّارةَ فيها؛ لأنَّها من لَغْو اليَمِينِ.

فَصْلٌ: الثَّانِي، أَنْ يَحْلِفَ مُخْتَارًا، فَإِنْ حَلَفَ مُكْرَهًا، لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ.
فصل: الشَّرْطُ (الثاني، أن يَحْلِفَ مُخْتارًا، فإن، حَلَف مُكْرَهًا، لم تَنْعَقِدْ يَمِينُه) وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وذَكَر فيها أبو الخَطَّابِ رِوَايَتَين؛ إحْدَاهما، تَنْعَقِدُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّها يَمِينُ مُكَلَّفٍ، فانْعَقَدَتْ، كيَمِينِ المُخْتارِ، ولأنَّ هذه الكَفَّارَةَ لا تَسْقُطُ بالشُّبْهَةِ، فوَجَبَتْ مع الإِكْراهِ، ككَفَّارَةِ الصَّيدِ.
ولَنا، ما روَى أبو أُمامَةَ، ووَاثِلَةُ بنُ الأسْقَعِ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَيسَ عَلَى مَقْهُورٍ يَمِينٌ» 1. ولأنَّه قولٌ حُمِلَ عليه بغيرِ حَقٍّ، فلم يَصِحَّ مع الإِكْراهِ، ككَلِمَةِ الكُفْرِ، وأمَّا كَفَّارَةُ الصَّيدِ فلا تجِبُ مع الإِكْراهِ، فهي كمَسْأَلَتِنا.

وَإِنْ سَبَقَتِ الْيَمِينُ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيرِ قَصْدٍ إِلَيهَا، كَقَوْلِهِ: لَا وَاللهِ.
وَبَلَى وَاللهِ.
في عُرْضِ حَدِيثِهِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيهِ.

4696 - مسألة: (وَإِنْ سَبَقَتِ الْيَمِينُ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيرِ قَصْدٍ إِلَيهَا، كَقَوْلِهِ: لَا وَاللهِ. وَبَلَى وَاللهِ. في عُرْضِ حَدِيثِهِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيهِ)

هذا قولُ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ؛ لأنَّها من لَغْو اليَمِينِ.
نَقَل عبدُ اللهِ، عن أبِيه، أنَّه قال: اللَّغْوُ عندِي أن يَحْلِفَ على اليَمِينِ، يَرَى أنَّها كذلك، والرجلُ يَحْلِفُ فلا يَعْقِدُ قَلْبَه على شيءٍ.
وممَّن قال: إنَّ اللَّغْوَ اليَمِينُ التي لا يَعْقِدُ عليها قَلْبَه؛ عمرُ، وعائشةُ، رَضِيَ اللهُ عنهما.
وبه قال عَطاءٌ، والقاسِمُ، وعِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ، والشافعيُّ؛ لِما رُوِيَ عن عَطاءٍ، قال: قالت عائشةُ: إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال، يَعْنِي في اللَّغْو في اليَمِينِ: «هُوَ كَلَامُ الرَّجُلِ في بَيتِه: لَا واللهِ.
و: بَلَى واللهِ».
أخرَجَه أبو داودَ 1. قال: ورَواه الزُّهْرِيُّ، وعبدُ الملكِ 2 بنُ أبي سُلَيمانَ، ومالِكُ بنُ مِغْوَلٍ، عن عَطاءٍ، عن عائشةَ مَؤقُوفًا.
وروَى الزُّهْرِيُّ، أنَّ عُروَةَ

..................................  حَدَّثَه أنَّ 1 عائشةَ، قالت: أيمانُ 2 اللَّغْو، ما كان في المِرَاءِ، والهَزْلِ، والْمُزَاحَةِ، والحديثِ الَّذي لا يُعْقَدُ عليه القَلْبُ، وأيمانُ الكَفَّارَةِ كلُّ يَمِينٍ حَلَف عليها على وَجْهٍ من الأمْرِ، في غَضَبٍ أو غيرِه، ليَفْعَلَنَّ، أو ليَتْرُكَنَّ، فذاك عَقْدُ الأيمانِ التي فَرَض اللهُ عَزَّ وجَلَّ فيها الكَفَّارَةَ 3. ولأنَّ اللَّغْوَ في كلامِ العَرَبِ غيرُ المَعْقُودِ عليه، وهذا كذلك.
وممَّن قال: لا كَفَّارَةَ في هذا؛ ابنُ عباسٍ، وأبو هُرَيرَةَ، وأبو مالكٍ، وزُرَارَةُ 4 بنُ أوْفَى، والحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ، وممالكٌ.
وهو قولُ مَن قال: إنَّه مِن لَغْو اليَمِينِ.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
ووَجْهُ ذلك قولُ اللهِ تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ 5. فجَعَلَ الكفَّارَةَ لليَمِينِ

..................................  التي يُؤْاخَذُ بها، ونَفَى المُؤاخَذَةَ باللَّغْو، فيَلْزَمُ انْتِفاءُ الكفَّارَةِ، ولأنَّ المُؤاخَذَةَ يَحْتَمِلُ أن يكونَ مَعْناها إيجابَ الكَفَّارَةِ، بدليلِ أنَّها تَجِبُ في الأيمانِ التي لا مَأْثَمَ 1 فيها، وإذا كانتِ المُؤاخَذَةُ إيجابَ الكَفَّارَةِ، فقد نَفَاها في اللَّغْو، فلا تَجِبُ، ولأنَّه قولُ مَن سَمَّينا مِن الصحابةِ، ولم نَعْرِفْ لهم مُخالِفًا في عَصْرِهم، فكان إجْماعًا، ولأنَّ قولَ عائشةَ في تفسيرِ اللَّغْو، وبَيانِ الأيمانِ التي فيها الكَفَّارَةُ، خَرَج منها تفسيرًا لكلامِ اللهِ تعالى،

فَصْلٌ: الثَّالِثُ، الْحِنْثُ في يَمِينهِ، بَأَنْ يَفْعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، أَوْ يَتْرُكَ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ، مُخْتَارًا ذَاكِرًا، وَإِنْ فَعَلَهُ  وتَفْسِيرُ الصَّحابِيِّ مَقبولٌ.
فصل: الشَّرطُ (فَصْلٌ: الثَّالِثُ، الْحِنْثُ في يَمِينهِ، بَأَنْ يَفْعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، أَوْ يَتْرُكَ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ، مُخْتَارًا ذَاكِرًا، وَإِنْ فَعَلَهُ مُكْرَهًا أو

مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيهِ.
وَعَنْهُ، عَلَى النَّاسِي كَفَّارَة.
ناسِيًا، فلا كَفَّارَةَ عليه.
وعنه، على النَّاسِي كَفَّارَةٌ) إذا حَلَف لا يَفْعَلُ شيئًا، فَفَعَلَه ناسِيًا، فلا كَفَّارَةَ عليه.
نَقَلَه عن أحمدَ الجماعَةُ، إذا كان في غيرِ الطَّلاقِ والعَتاقِ.
وهذا ظاهِرُ المذهبِ.
اخْتارَه الخَلَّالُ وصاحِبُه.
فأمَّا الطَّلاقُ والعَتاقُ، فإنَّه يَحْنَثُ فيهما، في ظاهرِ المذهبِ.
وعنه، لا يَحْنَثُ في الطَّلاقِ والعتَاقِ أيضًا.
وهو قولُ عَطاءٍ، وعَمْرِو بنِ دِينارٍ، وإسْحَاقَ.
وهو ظاهِرُ مذهبِ الشافِعِيِّ؛ لقولِه تعالى.
﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ 1. وقال النّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ تَجاوَز لأُمَّتِي 2 عَنَ الخَطَأْ، والنِّسْيانِ، ومَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ» 3. ولأنَّه غيرُ قاصِدٍ للمُخالفَةِ، فلم يَحْنَثْ، كالنَّائِم والمجْنُونِ.
ولأنَّه أحَدُ طَرَفَيِ اليَمِينِ، فاعْتُبِرَ فيه القَصْدُ، كحالةِ الابتِداءِ 4 بها.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخرَى، أنَّه يَحْنَثُ، وتَلْزَمُه الكَفَّارَةُ في اليَمِينِ المُكَفَّرَةِ.
وهو قولُ سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، ومُجاهِدٍ، والزُّهْرِيِّ،

..................................  وقَتادَةَ، ورَبِيعَةَ، ومالكٍ، وأصْحابِ الرَّأْي، والقولُ الثاني للشافِعِيِّ، لأنَّه خالفَ ما حَلَف عليه قاصِدًا لفِعْلِه، فلَزِمَه الحِنْثُ، كالذَّاكِرِ، وكما لو كانتِ اليَمِينُ بالطَّلاقِ والعَتاقِ.
ولَنا، على 1 أنَّ الكَفَّارَةَ لا تَجِبُ في اليَمِينِ المُكَفَّرَةِ، ما تَقَدَّمَ من الآيةِ والخَبَرِ، ولأنَّها تَجِبُ لمَحْو الإثْمِ، ولا إثْمَ على النَّاسِي.
وأمَّا الطَّلاقُ والعَتاقُ، فهو مُعَلَّقٌ بشَرْطٍ، فيَقَعُ بوُجودِ شَرْطِه من غيرِ قَصْدٍ، كما لو قال: أنْتِ طالِقٌ، إنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، أو قَدِمَ الحاجُّ.
فصل: فإن فَعَلَه غيرَ عالمٍ بالمَحْلُوفِ عليه، كرجلٍ لا يُكَلِّمُ فُلانًا، فسَلَّمَ عليه يَحْسَبُه أجْنَبِيًّا، أو حَلَف لا يُفارِقُه حتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّه، فأعْطاه، ففارَقَه ظَنًّا منه أنَّه قد بَرَّ 2، فوَجَدَه مَعِيبًا أو رَدِيئًا، أو حَلَفَ: لا بِعْتُ لزيدٍ ثَوْبًا.
فوَكَّلَ زيدٌ مَنْ يَدْفَعُه إلى مَن يَبِيعُه، فدَفَعَه إلى الحالِفِ، فباعَه مِن غيرِ عِلْمِه، فهو كالنَّاسِي، لأنَّه غيرُ قاصِدٍ للمُخالفةِ، أَشْبَهَ النَّاسِيَ.

..................................  فصل: والمُكْرهُ على الفِعْلِ يَنْقَسِمُ قِسمَين؛ أحدُهما، أن يُلْجَأَ إليه، مثلَ مَن حَلَف لا يَدْخُل دارًا، فحُمِلَ فأُدْخِلَها.
أو لا يَخْرُجُ منها، فأُخْرِجَ مَحْمُولًا، ولم يُمْكِنْه الامْتِناعُ، فلا يَحْنَثُ في قولِ الأكْثَرِين.
وبه قال أصحابُ الرَّأْي.
وقال مالكٌ: إن دَخَل مَرْبُوطًا، لم يَحْنَث.
وذلك لأنَّه لم يَفْعَلِ الدُّخولَ والخُروجَ، فلم يَحْنَث، كما لو لم

..................................  يُوجَدْ ذلك.
الثاني، أن يُكْرَهَ بالضَّرْبِ والتَّهْدِيدِ بالقَتْلِ ونحوه، فقال أبو الخَطَّابِ: فيه رِوايتان، كالنَّاسِي.
وللشافعيِّ قَوْلان.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: يَحْنَثُ، لأنَّ الكَفَّارَةَ لا تَسْقُطُ بالشُّبْهَةِ، فوَجَبَت مع الإِكْراهِ والنِّسْيانِ، ككَفَّارَةِ الصَّيدِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِيَ لأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأ، والنِّسْيانِ، ومَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ».
ولأنَّه نَوْعُ إكْراهٍ، فلم يَحْنَثْ به، كما لو حُمِلَ ولم يُمْكِنْه الامْتِناعُ، لأنَّ الفِعْلَ لا يُنْسَبُ إليه، فأشْبَهَ مَن لم يَفْعَلْه، ولا نُسَلِّمُ الكَفَّارَةَ في الصَّيدِ، بل إنَّما تَجِبُ على المُكْرِهِ.

وَإنْ حَلَفَ فَقَال: إِنْ شاءَ اللهُ.
لَمْ يَحْنَثْ، فَعَلَ أَوْ تَرَكَ، إِذَا كَانَ مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ.

4697 - مسألة: (فإن حَلَف فقال: إن شاءَ اللهُ. لم يَحْنَثْ، فَعَل أو تَرَك، إذا كان مُتَّصِلًا بيَمِينِه)

وجملةُ ذلك، أنَّ الحالِفَ إذا قال: إن شاء اللهُ.
مع يَمِينِه، فهذا يُسَمَّى اسْتِثْناءً.
فإنَّ 1 ابنَ عمرَ رَوَى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «مَنْ حَلَفَ، فَقَال: إنْ شَاءَ اللهُ.
[فَقَدِ اسْتَثْنَى] 2». روَاه أبو داودَ 3. وأجْمَعَ العُلَماءُ على تَسْمِيَته اسْتِثْناءً، وأنَّه متى اسْتَثْنَى في يَمِينِه، لم يَحْنَث فيها؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَن حَلَفَ، فَقَال: إنْ شَاءَ اللهُ.
لَمْ يَحْنَثْ».
رَواه التِّرْمِذِي 4. وروَى أبو داودَ 5: «مَنْ حَلَفَ فَاسْتَثْنَى، فإنْ شَاءَ رَجَعَ، وإنْ شَاءَ تَرَكَ».

..................................  ولأنَّه متى قال: لأَفعَلَنَّ إن شاء اللهُ.
فقد عَلِمْنا أنَّه متى شاءَ اللهُ فَعَل، ومتى لم يَفْعَلْ لم يَشَأ اللهُ ذلك، فإنَّ ما شاءَ اللهُ كان، وما لم يَشَأْ لم يَكُنْ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُشْتَرَطُ أن يكونَ الاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا باليَمِينِ، بحيث لا يَفْصِلُ بينَهما بكلامٍ أجْنَبِيٍّ، ولا يَسْكُتُ بينَهما سُكوتًا يُمْكِنُه الكَلامُ فيه، فأمَّا السُّكوتُ لانْقِطاعِ نَفَسِه أو صَوْتِه، أو عِيٍّ، أو عارِضٍ، من عَطْسَةٍ، أو شيءٍ غيرها، فلا يَمْنَعُ صِحَّةَ الاسْتِثْناءِ، وثُبوتَ حُكْمِه.
وبهذا قال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْي؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ حَلَفَ، فاسْتَثْنَى».
وهذا يَقْتَضِي كَوْنَه 1 عَقِيبَه.
ولأنَّ الاسْتِثْناءَ من تَمامِ الكلامِ، فاعْتُبرَ اتِّصالُه به، كالشَّرْطِ وجَوابِه، وخَبَرِ المُبْتَدَأ، والاسْتِثْناءِ بإلَّا، ولأنَّ الحالِفَ إذا سَكَت ثَبَت حُكْمُ يَمِينِه، وانْعَقَدَتْ مُوجِبَةً لحُكْمِها، وبعدَ ثُبُوتِه لا يُمْكِنُ دَفْعُه 2 ولا تَغْيِيرُه.
قال أحمدُ: حديثُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِعَبْدِ الرحمنِ بنِ سَمُرَةَ: «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأيتَ غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» 3.

..................................  ولَمْ يَقُلْ: فاسْتَثْنِ.
ولو جازَ الاسْتِثْناءُ في كلِّ حالٍ، لم يَحْنَثْ حالِفٌ به.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخرَى، أنَّه يجوزُ الاسْتِثْناءُ إذا لم يَطُلِ الفَصْلُ بينَهما.
قال في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ: حديثُ ابنِ عباسٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَاللهَ لأغْزُوَنَّ قُريشًا».
ثم سَكَت، ثم قال: «إنْ شَاءَ اللهُ» 1. إنَّما هو اسْتِثْناءٌ بالقُرْبِ، ولم يخْلِطْ كلامَه بغيرِه.
ونقَل عنه إسْماعيلُ بنُ سعيدٍ مثلَ هذا، وزادَ: ولا أقولُ فيه بقَوْلِ هؤلاءِ.
يَعْنِي مَن 2 لم يَرَ ذلك إلَّا مُتَّصِلًا.
ويَحْتَمِلُه كلامُ الخِرَقِيِّ؛ فإنَّه قال: إذا لم يَكُنْ بينَ اليَمِينِ والاسْتِثْناءِ كلامٌ.
ولم يَشْتَرِطِ اتِّصال الكلام، وعدمَ السُّكوتِ.
وهذا قولُ الأوْزاعِيِّ، قال في رجلٍ، قال: لا أَفْعَلُ كذا وكذا.
ثم سَكَت ساعَةً لا يَتَكَلَّمُ، ولا يُحَدِّث نَفْسَه بالاسْتِثْناءِ، فقال

..................................  له إنْسانٌ: قُلْ: إن شاءَ اللهُ.
[فقال: إن شاء اللهُ] 1. أَيُكَفِّرُ عن يَمِينِه؟ قال: أراهُ قد اسْتَثْنَى.
وقال قَتادَةُ: له أن يَسْتَثْنِيَ قبلَ أن يقومَ أو يتَكَلَّمَ.
ووَجْهُ ذلك، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَثْنَى بعدَ سُكُوتِه، إذْ قال: «وَاللهِ لَأغْزُوَنَّ قُرَيشًا».
ثم سَكَتَ، ثم قال: «إنْ شَاءَ اللهُ».
احْتَجَّ به أحمدُ، ورَواه أبو داودَ.
وزاد 2: قال الوليدُ بنُ مسلم: ولم يَغْزُهُم.
ويُشْتَرَطُ على هذه الرِّوايَةِ أن لا يُطِيلَ الفَصْلَ بينَهما، ولا يَتَكَلَّمَ بينَهما بكَلامٍ أجْنَبِيٍّ.
وحَكَى ابنُ أبي موسى عن بعضِ أصحابِنا، أنَّه قال: يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ ما دامَ في المَجْلِسِ.
وحُكِيَ ذلك عن الحسنِ، وعَطاءٍ.
وعن عَطاءٍ أنَّه قال: قَدْر حَلْبِ النَّاقَةِ الغَرُوزَةِ 3. وعن ابنِ عباسٍ، أنَّ له أن يَسْتَثْنِيَ بعدَ حِينٍ 4. وهو قولُ مُجاهِدٍ.
وهذا القولُ لا يَصِحُّ؛ لِما ذَكَرْناه، وتَقْديرُه بمَجْلِسٍ أو غيرِه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ التَّقْديراتِ بابُها التَّوْقِيفُ، فلا يُصارُ إليها 5 بالتَّحَكُّمِ.

..................................  فصل: ويُشْتَرَطُ أن يَسْتَثْنِيَ بلِسانِه، ولا يَنْفَعُه الاسْتِثْناءُ بالقَلْبِ في قول عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم الحسنُ، والنَّخَعِيُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأَوْزاعِيُّ، واللَّيثُ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو حنيفةَ، وابنُ المُنْذِرِ.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ حَلَفَ، فَقَال: إنْ شَاءَ اللهُ.
لَمْ يَحْنَثْ».
والقولُ هو النُّطْقُ، ولأنَّ اليَمِينَ لا تَنْعَقِدُ بالنَّيَّةِ، وكذلك الاسْتِثْناءُ.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ: إن كان مَظْلُومًا فاسْتَثْنَى في نفْسِه، رَجَوْتُ 1 أنْ يجوزَ، إذا خافَ على نَفْسِه.
فهذا في حَقِّ الخائِفِ على نفسِه؛ لأنَّ يَمِينَه غيرُ مُنْعَقِدَةٍ، أو لأنَّه بمنزِلَةِ المُتَأَوِّلِ، وأمَّا في حَقِّ غيرِه فلا.

..................................  فصل: واشْتَرَطَ القاضِي [أن يَقْصِدَ] 1 الاسْتِثْناءَ، فلو أرادَ الجَزْمَ، فسَبَقَ لِسانُه إلى الاسْتِثْناءِ مِن غيرِ قَصْدٍ، أو كانت عادَتُه جارِيَةً بالاسْتِثْناءِ، فجرَى على لِسانِه من غيرِ قَصْدٍ، لم يَصِحَّ، لأنَّ اليَمِينَ لَمّا لم تَنْعَقِدْ مِن غيرِ قَصْدٍ، فكذلك الاسْتِثْناءُ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وذَكَر بعضُهم أنَّه لا يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ حتَّى يَقْصِدَه مع ابتِدَاءِ 2 يَمينِه 3، فلو حَلَف غيرَ قاصِدٍ للاسْتِثْناءِ، ثم عَرَض له بعدَ فَرَاغِه من اليَمِينِ فاسْتَثْنَى، لم يَنْفَعْه.
وهذا القولُ يُخالِفُ عُمومَ الخَبَرِ، وهو قولُه، عليه السَّلامُ: «مَنْ حَلَفَ، فَقَال: إنْ شَاءَ اللهُ.
لَمْ يَحْنَثْ».
فلا يَصِحُّ، ولأنَّ لَفْظَ الاسْتِثْناء يكونُ عَقِيبَ يَمِينِه، فكذلك نِيَّتُه.

..................................  فصل: ويَصِحُّ الاسْتِثْناءُ في كُلِّ يَمِينٍ مُكَفَّرَةٍ، كاليَمِينِ باللهِ تعالى، والظِّهارِ، والنَّذْرِ.
قال ابنُ أبي موسى.
مَنْ اسْتَثْنَى في يَمِينٍ تَدْخُلُها كَفَّارَةٌ، فله ثُنْيَاهُ 1؛ لأنَّها أَيمانٌ مُكَفَّرَةْ، فدَخَلَها الاسْتِثْناءُ، كاليَمِينِ باللهِ تعالى، فلو قال: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي، إن شاءَ اللهُ.
[أو أنْتِ حَرامٌ، إن شاء اللهُ.
أو: إن دخَلْتِ الدّارَ فأنْتِ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي، إن شاء اللهُ] 2. أو: للهِ عليَّ أن أتَصَدَّقَ بمائَةِ دِرْهَمٍ، إن شَاءَ اللهُ.
لم يَلْزَمْه شيءٌ؛ لأنَّها أيمانٌ، فتَدْخُلُ في عُمومِ قولِه: «مَنْ حَلَفَ، فَقَال: إنْ شاءَ اللهُ.
لَمْ يَحْنَثْ».
فصل: فإن قال: واللهِ لأَشْرَبَنَّ اليومَ، إلَّا أن يشاءَ اللهُ.
أو: لا أشْرَبُ، إلَّا أن يشاءَ اللهُ.
لم يَحْنَثْ بالشُّرْبِ ولا تَرْكِه، لِما ذَكَرْنا في الإِثْباتِ.
ولا فَرْقَ بينَ تَقْديمِ الاسْتِثْناءِ وتَأْخيرِه في هذا كُلِّه، فإذا قال: واللهِ، إن شَاءَ اللهُ، لا أشْرَبُ اليومَ.
أو: لأشْرَبَنَّ 3. ففَعَلَ أو تَرَك،

..................................  لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ تَقْدِيمَ الشَّرْطِ وتَأْخِيرَه سَواءٌ، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ 1. فصل: فإن قال: واللهِ لأشْرَبَنَّ اليومَ، إن شاءَ زَيدٌ.
فشاءَ زَيدٌ، ولم يَشْرَبْ حتَّى مَضَى اليومُ، حَنِثَ، وإن لم يَشَأْ زَيدٌ، لم تَلْزَمْه يَمِينٌ، فإن لم تُعْلَمْ مَشِيئَتُه لغَيبَةٍ أو جُنونٍ أو مَوْتٍ انْحَلَّتِ اليَمِينُ؛ لأنَّه لم يُوجَدِ الشَّرْطُ.
وإن قال: واللهِ لا أشْرَبُ، إلَّا أن يَشاءَ زيدٌ.
فقد مَنَع نَفسَه الشُّرْبَ إلَّا أن تُوجَدَ مَشِيئَةُ زيدٍ، فإن شاءَ فله الشُّرْبُ، وإن لم يَشأْ لم يَشْرَبْ، وإن خَفِيَتْ مَشِيئَتُه لغَيبَةٍ أو موتٍ أو جُنونٍ، لم يَشْرَبْ، وإنْ شَرِبَ حَنِثَ؛ لأنَّه مَنَع نَفْسَه إلَّا أن تُوجَدَ المَشِيئَةُ.
2 ولم يَكُنْ له أن يَشْرَبَ قبلَ وُجودِها.
وإن قال: واللهِ لأشْرَبَنَّ، إلَّا أن يشاءَ زيدٌ.
فقد ألْزَمَ نَفْسَه الشُّرْبَ إلَّا أن يَشاءَ زيدٌ أن لا يَشْرَبَ؛ لأنَّ الاسْتِثْناءَ ضِدُّ المُسْتَثْنَى منه، والمُسْتَثْنَى منه إيجابٌ لشربِه بيَمِينِه، فإن شَرِبَ قبلَ مَشِيئَةِ زيدٍ بَرَّ.
وإن قال زيدٌ: قد شِئتُ أن لا يَشْرَبَ.
انْحَلَّتْ يَمِينُه؛ لأنَّها مُعَلَّقَةٌ بعَدَمِ مَشِيئَتِه لتَرْكِ الشربِ، وإن لم تَتَقَدَّمْ فلم يُوجَدْ شَرْطُها.
وإن قال: قد

وَإذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ شَيئًا، وَنَوَى وَقْتًا بِعَينِهِ، تَقَيَّدَ بِهِ، وَإنْ لَمْ يَنْو، لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَيأَسَ مِنْ فِعْلِهِ، إِمَّا بِتَلَفِ الْمَحْلُوفِ عَلَيهِ، أَوْ مَوْتِ الْحَالِفِ، وَنَحْو ذَلِكَ.
شِئْتُ أن يَشْرَبَ.
أو: ما شِئْتُ أن لا يَشْرَبَ.
لم تَنْحَلَّ اليَمِينُ؛ لأنَّ هذه المَشِيئَةَ غيرُ المستثناةِ، فإن خَفِيتْ مَشِيئَتُه، لَزِمَه الشربُ؛ لأنَّه عَلَّقَ وُجوبَ الشُّرْبِ بعَدَمِ المشيئةِ، وهي مَعْدُومَةٌ بحُكْمِ الأصلِ.
وإن قال: واللهِ لا أشربُ اليومَ، إن شاء زيدٌ.
فقال زيدٌ: قد شِئْتُ أن لا يشربَ.
فشربَ حَنِث، وإن شَرِب قبلَ مشيئتِه لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ الامْتِناعَ من الشُّرْبِ مُعَلَّقٌ بمشيئتِه، ولم تَثْبُتْ مشيئتُه، فلم يَثْبُتْ الامْتناعُ، بخلافِ التي قبلَها.
وإن خفِيَتْ مشيئتُه، فهي في حكمِ المعْدومةِ.
والمشيئةُ في هذه المواضِعِ أن يقولَ: قد شئتُ.
بلسانِه.

4698 -

مسألة: (وَإذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ شَيئًا، وَنَوَى وَقْتًا بِعَينِهِ، تَقَيَّدَ بِهِ، وَإنْ لَمْ يَنْو، لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَيأَسَ مِنْ فِعْلِهِ، إِمَّا بِتَلَفِ الْمَحْلُوفِ عَلَيهِ، أَوْ مَوْتِ الْحَالِفِ)

وذلك لأنَّ اللفظَ يَحْتَمِلُ إرادةَ المَحْلُوفِ عليه في وَقْتٍ مُعَيَّن، ويَحْتَمِلُ غيرَه، فرُجِعَ إلى ما نَواه، ككناياتِ الطلاقِ والعِتقِ، وإن لم يكنْ له نيةٌ، لم يَحْنَثْ قبلَ اليَأْسِ مِن فِعْلِه؛ فإنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللهُ﴾ 1. فقال عُمَرُ: يا رسولَ اللهِ: ألم تُخْبِرْنا أَنّا سنَأْتي البيتَ ونَطُوف به؟ قال: «بلى،

وَإذَا حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، اسْتُحِبَّ لَهُ الْحِنْثُ وَالتَّكْفِيرُ.
فأخْبَرْتُك أنَّك آتِيه العامَ؟».
قال: لا.
قال: «فإنَّك آتِيه ومُطَّوِّفٌ بِه» (1).

4699 -

مسألة: (وَإذَا حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، اسْتُحِبَّ لَهُ الْحِنْثُ وَالتَّكْفِيرُ)

لِما روَى عبدُ الرحمنِ بنُ سَمُرَةَ قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا حَلَفْتَ على يَمِين، فرَأَيتَ غيرَها خَيرًا منْها، فكَفِّر عن يَمِينِك، ثم ائْت الَّذي هو خيرٌ».
رَواه أبو داودَ 2. وفي لفظٍ: «وائْتِ الَّذي هو خَيرٌ».
رَواه البخارِيُّ، والأثْرَمُ (2). وعن أبي موسى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «إنِّي، إن شاء اللهُ، لا أحْلِفُ على يَمِين فأرَى غيرَها خيرًا منْها، إلَّا كَفَّرْتُ عن يَمِينِي، وأتَيتُ الَّذي هو خيرٌ».
أو: «أتَيتُ الَّذي هو خيرٌ، وكَفَّرْتُ عن يَمِينِي».
رَواه البُخارِيُّ 3.1

وَلَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ الْحَلِفَ.

4700 - مسألة: (ولا يُسْتَحَبُّ تَكْرارُ الحَلِفِ)

باللهِ، ولا الإِفْراطُ 1 فيه؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ 2. وهذا ذَمٌّ له يَقْتَضِي كَراهَةَ فِعْلِه.
فإن لم يخرُجْ إلى حَدِّ الإِكْثارِ، فليس بمَكْرُوهٍ، إلَّا أن يَقْتَرِنَ به ما يُوجِبُ كراهَتَه.
ومن الناسِ مَن قال: الأَيمانُ كُلُّها مَكْروهَةٌ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ﴾ 3. ولَنا، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَحْلِفُ كثيرًا، وقد كان يَحْلِفُ في الحديثِ الواحِدِ أيمانًا كثيرةً، ورُبَّما كرَّرَ اليمينَ الواحِدةَ ثلاثًا، فإنَّه قال في خُطْبةِ الكُسوفِ: «وَاللهِ يا أُمَّةَ

..................................  محمَّدٍ، مَا مِنْ أحَدٍ أغْيَرُ مِنَ الله أنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أو تَزْنِيَ أَمتُهُ، يَا أَمَّةَ محمّدٍ، واللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعلَمُ، لَضَحِكْتُم قَلِيلًا، ولَبَكَيتُمْ كَثيرًا» 1. ولَقِيَتْه امرأةٌ من الأنْصارِ، معها أولادُها، فقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّكُم لأحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ».
ثَلاثَ مَرَّاتٍ 2. وقال: «وَاللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيشًا، واللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيشًا، وَاللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيشًا» 3. ولو كان هذا مكروهًا، لَكانَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَبْعدَ الناسِ منه.
ولأنَّ الحَلِفَ بالله تعالى تعظيمٌ له، وربَّما ضَمَّ إلى يَمِينِه وَصْفَ الله تعالى بتعظِيمِه وتَوْحِيدِه، فيكونُ مُثابًا على ذلك.
فقد رُوِيَ أنَّ رجُلًا حَلَفَ على شيءٍ، فقال: واللهِ الَّذي لا إلهَ إلَّا هو، ما فَعَلْتُ كذا.
فقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أمَّا إنَّه، 4 قد كَذَبَ، وَلَكِنْ غفَرَ اللهُ له بتَوْحِيدِه» 5. وأمَّا الإفْراطُ في الحَلِفِ، فإنَّه إنَّما كُرِهَ، لأنَّه لا يَكادُ يَخْلُو من الكَذِبِ.
واللَّهُ أعلمُ.
وأمَّا قولُه تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ

وَإنْ دُعِيَ إِلَى الْحَلِفِ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَهُوَ مُحِقٌّ، اسْتُحِبَّ افْتِدَاءُ  عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ}.
فمَعْناه لا تَجْعَلُوا أَيمَانَكُم باللهِ مانِعَةً لكم من البِرِّ والتَّقْوَى والإِصْلاحِ بينَ الناسِ، وهو أن يَحْلِفَ باللهِ أن لا يَفْعَلَ بِرًّا ولا تَقوَى ولا يُصْلِحَ بينَ الناسِ، ثم يمْتنِعَ مِن فِعْلِه، لِيَبَرَّ في يَمِينِه، ولا يَحْنَثَ فيها، فنُهُوا عن المُضِيِّ فيها.
قال أحمدُ، ولِيَبَرَّ حديثَ ابنِ عباسٍ بإسْنادِه، في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ﴾: الرجلُ يَحْلِفُ أن لا يَصِلَ قَرابَتَه، وقد جَعَل اللهُ له مَخْرَجًا في التَّكْفير، فأمَرَه أن لا يَعْتَلَّ باللهِ، وَلْيُكَفِّرْ، ولْيَبَرَّ (1). وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَأَنْ يَسْتَلِجَّ (2) أَحَدُكُمْ في يَمِينِه، آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللهِ مِنْ أنْ يُؤَدِّيَ الكَفَّارَةَ الَّتِي فَرَضَ اللهُ عَلَيهِ» (3). وإن كان النَّهْي عادَ إلى اليَمِينِ، فالمَنْهِيُّ عنه الحَلِفُ على تَرْكِ البِرِّ والتَّقْوَى والإِصْلاحِ بينَ الناسَ، لا على كلِّ يَمِينٍ، فلا حُجَّةَ فيها لهم إذًا.

4701 -

مسألة: (فإن دُعِيَ إلى الحَلِفِ عندَ الحاكِمِ وهو مُحِقٌّ،

123

جارٍ التحميل