وَلَا يَجُوزُ عَلَى غَيرِ الْمُحَنَّكَةِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ ذَاتَ ذُؤَابَةٍ، فَيَجُوزُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
يُعْفَى عنه؛ لأنَّ هذا جَرَتِ العادَةُ به، ويَشُقُّ التَّحَرُّزُ عنه، وإن ظَهَر بَعْضُ القَلَنْسُوَةِ مِن تحتِ العِمامَةِ، فالظّاهِرُ جَوازُ المَسْحِ عليهما؛ لأنَّهُما صارا كالعِمامَةِ الواحِدَةِ.
ومتى كانت مُحَنَّكَةً جاز المَسْحُ عليها، رِوايَةً واحِدَةً، سَواءٌ كان لها ذُؤابَةٌ أو لم يَكُنْ؛ لأنَّ هذه عَمائِمُ العَرَبِ، وهي أكثرُ سَتْرًا، ويَشُقُّ نَزْعُها.
قاله القاضي.
وسَواءٌ كانت صَغِيرَةً أو كَبِيرَةً.
ولأنَّها مَأْمُورٌ بها، وتُفارِقُ عَمائِمَ أهلِ الكِتابِ.
127 -
مسألة؛ قال: (ولا يَجُوزُ على غيرِ المُحَنَّكَةِ، إلَّا أن تَكونَ ذاتَ ذُؤابَةٍ، فيَجُوزُ في أحَدِ الوَجْهَين)
أمّا إذا لم يَكُنْ لها حَنَكٌ ولا ذُؤابَةٌ، فلا يَجُوزُ المَسْحُ عليها؛ لأنَّها على صِفَةِ عَمائِمِ أهلِ الذِّمَّةِ، وقد نُهِيَ عن التَّشَبُّهِ بهم، ولأنَّها لا يَشُقُّ نَزْعُها.
وإن كان لها ذُؤابَةٌ ولا حَنَكَ لها، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، جَوازُه؛ لأنَّها لا تُشْبِهُ عَمائِمَ أهلِ الذِّمَّةِ، إذ ليس مِن عادَتِهِم الذُّؤابَةُ.
والثّاني، لا يَجُوزُ، وهو الأظْهَرُ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَر
..................................
بالتَّلَحِّي، ونَهَى عن الاقْتِعاطِ.
رَواه أبو عُبَيدٍ 1. قال: والاقْتِعاطُ أن لا يَكُونَ تحتَ الحَنَكِ منها شيءٌ.
ورُوي أنَّ عُمَرَ، رَضِي اللهُ عنه، رَأى رجلًا ليس بمُحَنَّكٍ بعِمامَتِه، فحَنَّكَه بكَوْرٍ 2 منها، وقال: ما هذه الفاسِقِيَّةُ؟ ولأنَّها لا يَشُقُّ نَزْعُها، فلم يَجُزِ المَسْحُ عليها 3، كالتي لا ذُؤابَةَ لها ولا حَنَكَ.
فصل: وما جَرَتِ العادَةُ بكَشْفِه مِن الرَّأْسِ، اسْتُحِبَّ أن يَمْسَحَ عليه مع العِمامَةِ.
نَصَّ عليه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح بناصِيَتِه، وعِمامَتِه، في حديثِ المُغِيرَةِ، وهو صحيحٌ.
وهل يَجِبُ الجَمْعُ بينَهما، إذا قُلْنا بُوجُوبِ اسْتِيعابِ مَسْحِ الرَّأْسِ؛ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَجِبُ؛ للخَبَرِ، ولأنَّ العِمامَةَ نابَتْ عَمّا اسْتَتَرَ، فوَجَبَ مَسْحُ الباقِي، كما لو ظَهَر سائِرُ رَأْسِه.
والثّاني، لا يجِبُ؛ لأنَّ العِمامَةَ نابَتْ عن الرَّأْسِ، فانْتَقَلَ الفَرْضُ إليها، وتَعَلَّقَ الحُكْمُ بها، فلم يَبْقَ لِما ظَهَر حُكْمٌ, ولأنَّ الجَمْعَ بينَهما يُفْضِي إلى الجَمْعِ بينَ البَدَلِ والمُبْدَلِ في عُضْوٍ واحدٍ، فلم يَجُزْ مِن غيرِ ضَرُورَةٍ، كالخُفِّ.
ولا يَجِبُ مَسْحُ الأُذُنَين مع العِمامَةِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ، ولَيسَتا مِن الرَّأْسِ، إلَّا على وَجْهِ التَّبَعِ.
..................................
فصل: وحُكْمُها في التَّوْقِيتِ واشْتِراطِ تَقَدُّمِ الطهارةِ لها، حُكْمُ الخُفِّ؛ قِياسًا عليه.
فإن كانتِ العِمامَةُ مُحَرَّمَةَ اللُّبْسِ، كالحَرِيرِ والمَغْصُوبَةِ، لم يَجُزِ المَسْحُ عليها في الصَّحِيحِ؛ لِما ذَكَرْنا في الخُفِّ.
فإن لَبِسَتِ المرأةُ عِمامَةً، لم يَجُزِ المَسْحُ عليها؛ لأنَّها مَنْهِيَّةٌ عن التَّشَبُّهِ بالرِّجالِ، فكانت مُحَرَّمَةً في حَقِّها، وإن كان لها عُذْرٌ، فهذا نادِرٌ.
فلا يُفْرَدُ بحُكْمٍ.
ويُجْزِئُهُ مَسْحُ أَكْثَرِهَا، وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُهُ إلا مَسْحُ جَمِيعِهَا.
128 - مسألة: (ويُجْزِئُ مَسْحُ أكْثَرِها، وقِيل: لا يُجْزِئُ إلَّا مَسْحُ جَمِيعِها)
اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في وُجُوبِ اسْتِيعابِ العِمامَةِ بالمَسْحِ، فرُوِيَ ما يَدُلُّ على أنَّه يُجْزِئُ مَسْحُ أكْثَرِها؛ لأنَّها أحَدُ المَمْسُوحِينَ على وَجْهِ البَدَلِ، فأجْزأ مَسْحُ بَعْضِه، كالخُفِّ.
ورُوي عنه، أنَّه يَلْزَمُ اسْتِيعابُها، قِياسًا على مَسْحِ الرَّأسِ.
والفَرْقُ بينَهما أنَّ البَدَلَ ههُنا مِن جِنْسِ المُبْدَلِ، فيُقَدَّرُ بقَدْرِه، كمَن عَجَز عن قِراءَةِ الفاتِحَةِ، وقَدَر على قِراءَةِ غيرِها مِن القُرْآنِ، يَجِبُ أن يَكُونَ بقَدْرِها، ولو كان البَدَلُ تَسْبِيحًا، لم يَتَقَدَّرْ بقَدْرِها؛ لكَوْنِه ليس مِن جِنْسِها.
والخُفُّ بَدَلٌ مِن غيرِ الجِنْسِ؛ لكَوْنِه بَدَلًا عن الغَسْلِ، فلم يَتَقَدَّرْ بقَدْرِه، كالتَّسْبِيحِ بَدَلًا عن القُرْآنِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ قِياسًا على الخُفِّ، وما ذُكِر للرِّوايَةِ الثانيةِ يَنْتَقِضُ بمَسْحِ الجَبِيرَةِ، فإنَّه بَدَلٌ عن الغَسْلِ، وهو مِن غيرِ جِنْسِ المُبْدَلِ، ويجِبُ فيه
وَيَمْسَحُ عَلَى جَمِيعِ الْجَبِيرَةِ إِذَا لَمْ تَتَجَاوَزْ قَدْرَ الْحَاجَةِ.
الاسْتِيعابُ.
وقال القاضي: يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِها، كالخُفِّ، ويَخْتَصُّ ذلك بأكْوارِها دُونَ وَسَطِها، فإن مَسَح وَسَطَها وَحْدَه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُجْزِئُه، كما يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِ دَوائِرِها.
والثّاني، لا يُجْزِئُه، كما لو مَسَح أسْفَلَ الخُفِّ وَحْدَه (1).
129 -
مسألة: (ويَمْسَحُ على جَمِيعِ الجَبِيرَةِ، إذا لم تَتَجاوَزْ قَدْرَ الحاجَةِ)
لأنَّه لا يَشُقُّ المَسْحُ عليها كلِّها، بخِلافِ الخُفِّ، فإنَّه يشُقُّ تَعْمِيمُ جَمِيعِه، ويُتْلِفُه المَسْحُ، ولأنَّه مَسْحٌ للضَّرُورَةِ، أشْبَهَ التَّيَمُّمَ.
وإن كان بَعْضُها في مَحَلِّ الفَرْضِ وبَعْضُها في غيرِه، مَسَح ما حاذَى مَحَلَّ الفَرْضِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وإنَّما يَجُوزُ المَسْحُ عليها، إذا لم يَتَعَدَّ بها مَوْضِعَ الكَسْرِ، إلَّا بما لا بُدَّ مِن وَضْعِ الجَبِيرَةِ عليه؛ فإنَّها لا بُدَّ أن تُوضَعَ على طَرَفَيِ الصَّحِيحِ، ليَرْجِعَ الكَسْرُ.
فإن شَدَّها على مَكانٍ يَسْتَغْنِى عن شَدِّها عليه،1
..................................
كان تارِكًا لغَسْلِ ما يُمْكِنُه غَسْلُه، مِن غيرِ ضَرَرٍ، فلم يَجُزْ، كما لو شَدَّها على ما لا كَسْرَ فيه.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه سَهَّلَ في ذلك في مَسْألَةِ المَيمُونِيِّ، والمَرُّوذِيِّ 1؛ لأنَّ هذا مِمّا لا يَنْضَبِطُ، وهو شَدِيدٌ جِدًّا.
فعلى هذا، لا بَأْسَ بالمَسْحِ على العَصائِبِ كيفَ شَدَّها.
والأوَّلُ أوْلَىَ؛ لِما ذَكَرْنا.
فعلى هذا، إذا تَجاوَزَ بها مَوْضِعَ الحاجَةِ، لَزِمَه نَزْعُها، إن لم يَخَفِ الضَّرَرَ، وإن خافَ مِن نَزْعِها، تَيَمَّمَ لها؛ لأنَّه مَوْضِعٌ يَخافُ الضَّرَرَ باسْتِعْمالِ الماءِ فيه، فجازَ التَّيَمُّمُ له 2، كالجُرْحِ.
وَمَتَى ظَهَرَ قَدَمُ الْمَاسِحِ أَوْ رَأْسُهُ أَو انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمَسْحِ، اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ.
وَعَنْهُ، يُجْزِئُهُ مَسْحُ رَأْسِهِ وَغَسْلُ قَدَمَيهِ.
130 - مسألة؛ قال: (ومتى ظَهَر قَدَمُ الماسِحِ أو رَأْسُه، أو انْقَضَتْ مُدَّةُ المَسْحِ، اسْتَأْنَفَ الطهارةَ)
لأنَّ المَسْحَ بَدَلٌ عن الغَسْلِ، فمتى ظَهَر القَدَمُ وَجَب غَسْلُه؛ لزَوالِ حُكْمِ البَدَلِ، كالمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الماءَ (وعنه: يُجْزِئُه مَسْحُ رَأْسِه، وغَسْلُ قَدَمَيه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه متى ظَهَر قَدَمُ الماسِحِ بعدَ الحَدَثِ والمَسْحِ، وقبلَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، فقد اخْتَلَفَ العلماءُ فيه؛ فالمَشْهُورُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، أنَّه يُعِيدُ الوُضوءَ.
وبه قال النَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، ومَكْحُولٌ 1، والأوْزاعِيُّ، وإسحاقُ.
وهو أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخرَى، أنَّه يُجْزِئُه غَسْل قَدَمَيه.
وهو قولُ
..................................
الثَّوْرِيِّ، وأبي ثَوْرٍ، والمُزَنِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي، والقولُ الثّاني للشافعيِّ؛ لأنَّ مَسْحَ الخُفَّين نابَ عن غَسْلِ 1 الرِّجْلَين خاصَّةً، فظُهُورُهما يُبْطِلُ ما نابَ عنه، كالتَّيَمُّمِ إذا بَطَل برُؤْيَةِ الماءِ، بَطَل ما نابَ عنه.
وهذا الاخْتِلافُ مَبْنِيٌّ على وُجُوبِ المُوالاةِ، فمَن لم يُوجِبْها في الوُضُوءِ جَوَّز غَسْلَ القَدَمَينِ؛ لأنَّ سائِرَ أعْضائِه سِواهُما مَغْسُولَةٌ، ومَن أوْجَبَ المُوالاةَ أبْطَلَ الوُضوءَ؛ لفَواتِ المُوالاةِ.
فعلى هذا، لو خَلَع الخُفَّين قبلَ جَفافِ الماءِ عن بَدَنِه 2، أجْزأه غَسْلُ قَدَمَيه، وصار كأنَّه خَلَعَهُما قبلَ مَسْحِه عليهما.
وقال الحسنُ، وقَتادَةُ: لا يَتَوَضَّأُ، ولا يَغْسِلُ
..................................
قَدَمَيه.
واخْتارَه ابنُ المُنْذِر؛ لأنَّه أزال المَمْسُوحَ عليه بعدَ كَمالِ الطهارَةِ، أشْبَهَ ما لو حَلَق رَأْسَه بعد مَسْحِه.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى؛ أنَّ الوُضُوءَ بَطَل في بعضِ الأعْضاءِ، فبَطَلَ في جَمِيعِها، كما لو أحْدَثَ.
وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بنَزْعِ أحَدِ الخُفَّين، فإنَّه يَلْزَمُه غَسْلُهما، وإنَّما ناب مَسْحُه عن إحْداهُما.
وأمّا التَّيَمُّمُ عن بعضِ الأعْضاءِ فسَيَأْتِي الكَلامُ عليه في بابِه، إن شاءَ اللهُ.
وقال مالكٌ، واللَّيثُ بنُ سعدٍ: إن غَسَل رِجْلَيه مَكانَه، صَحَّتْ طهارتُه.
فإن تَطاوَلَ أعادَ الوُضُوءَ؛ لأنَّ الطهارةَ كانت صَحِيحَةً إلى حينِ نَزْعِ الخُفَّين، أو انْقِضاءِ المُدَّةِ، وإنَّما بَطَلَتْ في القَدَمَين خاصَّةً، فإذا غَسَلَهما عَقِيبَ النَّزْعِ، حَصَلَتِ المُوالاةُ، بخِلافِ ما إذا تَطاوَلَ.
ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنَّ المَسْحَ بَطَل حُكْمُه، وصار الآن يُضِيفُ الغَسْلَ إلى الغَسْلِ، فلم يَبْقَ للمَسْحِ حُكْمٌ، ولأنَّ الاعْتِبارَ في المُوالاةِ، إنَّما هو بقُرْبِ الغَسْلِ مِن الغَسْلِ، لا مِن حُكْمِه، فإنَّه متى زال حُكْمُ الغَسْلِ بَطَلَتِ 1 الطهارةِ، ولم يَنْفَعْ قُرْبُ الغَسْلِ مِن الخَلْعِ شَيئًا؛ لكَوْنِ الحُكْمِ لا يَعُودُ بعدَ زَوالِه إلَّا بسَبَبٍ جَدِيدٍ.
اللهُ أعلمُ.
..................................
فصل: وحُكْمُ خَلْعِ العِمامَةِ بعدَ المَسْحِ عليها، عندَ القائِلِين بجَوازِ المَسْحِ عليها، حُكْمُ الخُفِّ؛ لأنَّها في مَعْناه، إلَّا أنَّه ها هنا يَلْزَمُه مَسْحُ رَأْسِه وغَسْلُ قَدَمَيه، إذا قُلْنا بوُجُوبِ التَّرْتِيبِ.
وكذلك الحُكْمُ لو نَزَع الجَبِيرَةَ بعدَ المَسْحِ عليها، قِياسًا على الخُفِّ والعِمامَةِ، إلَّا أنَّه إن كان مَسَح عليها في الجَنابَةِ، لم يَحْتَجْ إلى إعادَةِ غُسْلٍ، ولا وُضُوءٍ؛ لأنَّ التَّرْتِيبَ والمُوالاةَ ساقِطانِ فيه.
فصل: وإذا انْقَضَتْ مُدَّةُ المَسْحِ، بَطَلَتْ طهارتُه أيضًا، ولَزِمَه خَلْعُ الخُفَّين والعِمامَةِ وإعادَةُ الوُضُوءِ، على الرِّوايَةِ الأُولَى.
وعلى الثّانيةِ، يُجْزِئُه مَسْحُ رَأْسِه وغَسْلُ قَدَمَيه، وقد ذَكَرْنا وَجْهَ الرِّوايَتَين.
ومتى أمْكَنَه نَزْعُ الجَبِيرَةِ مِن غيرِ ضَرَرٍ، فهو كما لو انْقَضَتْ مُدَّةُ المَسْحِ، قِياسًا عليه.
وقال الحسنُ: لا يَبْطُلُ الوُضوءُ، ويُصَلِّي حتى يُحْدِثَ.
ونَحْوُه قولُ داودَ، فإنَّه قال: يَنْزِعُ خُفَّيه، ويُصَلِّي حتى يُحْدِثَ؛ لأنَّ الطهارَةَ لا تَبْطُلُ إلَّا بالحَدَثِ، والخَلْعُ ليس بحَدَثٍ.
ولَنا، أنَّ غَسْلَ الرِّجْلَين شَرْطٌ للصلاةِ، وإنَّما قامَ المَسْحُ مَقامَه في المُدَّةِ، فإذا انْقَضَتْ لم يَجُزْ أن يَقُومَ مَقامَه إلَّا بدَلِيلٍ، ولأنَّها طهارةٌ لا يَجُوزُ ابْتِداؤها، فيُمْنَعُ مِن اسْتِدامَتِها، كالتَّيَمُّمِ 1 عندَ رُؤْيَةِ الماءِ.
..................................
فصل: ونَزْعُ أحَدِ الخُفَّين كَنْزعِهِما، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
ويَلْزَمُه نَزْعُ الآخَرِ.
وقال الزُّهْرِيُّ، وأبو ثوْرٍ: يَغْسِلُ القَدَمَ الذي نَزَع منه الخُفَّ، ويَمْسَحُ الآخَرَ، لأنَّهما عُضْوان، فأشْبَها الرَّأْسَ والقَدَمَ.
ولَنا، أنَّهما في الحُكْمِ كعُضْوٍ واحِدٍ؛ ولهذا لا يَجِبُ تَرْتِيبُ أحَدِهِما على الآخَرِ، فيَبْطُلُ مَسْحُ أحَدِهِما بظُهُورِ الآخَرِ، كالرِّجْلِ الواحِدَةِ، وبهذَا فارَقَ الرَّأْسَ والقَدَمَ.
..................................
فصل: وانْكِشافُ بعضِ القَدَمِ مِن خَرقٍ كنَزْعِ الخُفِّ.
فإنِ انْكَشَطَتِ الظِّهارَة دُونَ البِطانَةِ، وكانتِ البِطانَةُ ساتِرَةً لمَحَلِّ الفَرْضِ تَثْبُتُ بنَفْسِها، جاز المَسْحُ، كما لو لم تَنْكَشِطْ.
وإن أخْرَجَ قَدَمَه إلى ساقِ الخُفِّ، فهو كخَلْعِه.
وهذا قولُ إسحاقَ وأصحابِ الرَّأْي.
وقال الشافعيُّ: لا يَتَبَيَّنُ لي أنَّ عليه الوُضُوءَ، إلَّا أن يَظْهَرَ بَعْضُها؛ لأنَّ القَدَمَ مَسْتُورٌ بالخُفِّ.
وحَكَى أبو الخَطّابِ في رُءُوسِ المسائلِ، عن أحمدَ، نَحْوَ ذلك.
ولَنا، أنَّ اسْتِقْرارَ الرِّجْلِ في الخُفِّ، شَرْطُ جَوازِ المَسْحِ؛ بدَلِيلِ ما لو أدْخَلَ رِجْلَه الخُفَّ، فأحْدَثَ قبلَ اسْتِقْرارِها فيه، لم يَكُنْ له المَسْحُ.
فإذا تَغَيَّرَ الاسْتِقْرارُ، زال شَرْطُ جَوازِ المَسْحِ فبَطَلَ، كما لو ظَهَر.
وإن كان إخْراجُ القَدَمِ إلى ما دُونَ ذلك لم يَبْطُلِ المَسْحُ؛ لأنَّها لم تَزُلْ عن مُسْتَقَرِّها.
وقال مالكٌ: إذا أخْرَجَ قَدَمَه مِن مَوْضِعِ المَسْحِ خُرُوجًا بَيِّنًا، غَسَل قَدَمَيه.
..................................
فصل: وإن نَزَع العِمامَةَ بعدَ المَسْحِ عليها، بَطَلَتِ الطهارةُ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وكذلك إنِ انْكَشَفَ رَأْسُه، إلَّا أن يَكُونَ يَسِيرًا، مِثْلَ أن حَكَّ رَأْسَه، أو 1 رَفَعَها لِأجْلِ الوُضُوءِ.
قال أحمدُ: إذا زالتِ العِمامَةُ عن هامَتِه، لا بَأْسَ، ما لم يَنْقُضْها أو يَفْحُشْ ذلك؛ لأنَّ هذا مِمّا جَرَتِ العادَةُ بِه، فيَشُقُّ التَّحَرُّرُ عنه.
وإنِ انْتَقَضَتْ بعدَ مَسْحِها، فهو كنَزْعِها؛ لأنَّه في مَعْناه.
وإنِ انْتَقَضَ بَعْضُها، ففيه رِوايتان؛ إحْداهُما، لا تَبْطُلُ طهارتُه؛ لأنَّه زال بعضُ المَمْسُوحِ عليه مع بقاءِ العُضْو مَسْتُورًا، فهو ككَشْطِ الخُفِّ مع بقاءِ البِطانَةِ.
والثّانيةُ، تَبْطُلُ.
قال القاضي: لو انْتَقَضَ منها كَوْرٌ واحِدٌ بَطَلَتْ؛ لأنَّه زال المَمْسُوحُ عليه، أشْبَهَ نَزْعَ الخُفِّ.
وَلَا مَدْخَلَ لِحَائِلٍ فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى، إلا الْجَبِيرَةَ.
131 - مسألة؛ قال: (ولا مَدْخَلَ لحائِلٍ في الطهارةِ الكُبْرَى إلَّا الجَبِيرَةَ)
لا يَجُوزُ المَسْحُ على غيرِ الجَبِيرَةِ في الطهارَةِ الكُبْرَى؛ لِما روَى صَفْوانُ بنُ عَسّالٍ، قال: أمَرَنا رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا كُنَّا مُسافِرِين أو سَفْرًا،
..................................
أن لا نَنْزِعَ خِفافَنا ثلاثةَ أيّامٍ ولَيالِيَهُنَّ، إلَّا مِن جَنابَةٍ.
رَواه التِّرْمِذِيُّ 1 وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
فأمّا الجَبِيرَةُ، فيَجُوزُ المَسْحُ عليها في الطهارةِ الكُبْرَى؛ لحديثِ صاحِبِ الشَّجَّةِ، ولأنَّه مَسْحٌ أُبِيحَ للضَّرُوَةِ 2، أشْبَهَ التَّيَمُّمَ.
واللهُ أعلمُ.
آخر الجزء الأول ويليه الجزء الثاني، وأوله: باب نواقض الوضوء والْحَمْدُ للهِ حَقَّ حمْدِهِ
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى 1414 هـ - 1993 م
المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756
المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة
يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته.. ووفقه لمرضاته
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بَابُ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ
وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ؛ الْخَارِجُ مِنَ السَّبِيلَينِ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، نَادِرًا أَوْ مُعْتَادًا.
بابُ نَواقِضِ الوُضُوء
(وهي ثمانيةٌ؛ الخارِجُ مِن السَّبِيلَين، قَلِيلًا كان أَو كَثيِرًا، نادِرًا أو مُعْتادًا) وجُمْلَةُ ذَلِك، أنَّ الخارِجَ مِن السَّبِيلَين على ضَرْبَين؛ مُعْتادٍ، كالبَوْلِ، والغائِطِ، والمَذْي، والوَدْي، والرِّيحِ، فهذا يَنْقُضُ الوُضوءَ إجماعًا.
..................................
حكاه ابنُ المُنْذِرِ.
ودَمُ الاسْتِحاضَةِ يَنْقُضُ الطهارةَ في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا في قولِ رَبِيعَةَ.
الضَّرْبُ الثاني، نادِرٌ، كالدَّمِ، والدُّودِ، والحَصَى، والشَّعَرِ، فيَنْقُضُ الوُضُوءَ أيضًا.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
وقال قَتادَةُ، ومالكٌ: ليس في الدُّودِ يَخْرُجُ مِن الدُّبُرِ الوُضُوءُ.
ورُوي عن مالكٍ، أنَّه لم يُوجِبِ الوُضُوءَ مِن هذا الضَّرْبِ؛ لأنَّه نادِرٌ، أشْبَهَ الخارِجَ مِن غيرِ السَّبِيلِ.
ولَنا، أنَّه خارِجٌ مِن السَّبِيلِ، أشْبَهَ المَذْيَ، ولأنَّه لا يَخْلُو مِن بِلَّةٍ تَتَعَلَّقُ به، وقد أمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - المُسْتَحاضَةَ بالوُضُوءِ لكلِّ صلاةٍ، ودَمُها غيرُ مُعْتادٍ.
فصل: فإن خَرَجَتِ الرِّيحُ مِن قُبُلِ المرأةِ، وذَكَرِ الرجلِ، فقال القاضي: يَنْقُضُ الوُضُوءَ.
ونَقَل صالحٌ عن أبيه، في المرأةِ يَخْرُجُ مِن فَرْجِها الرِّيحُ: ما خَرَج مِن السَّبيلَين، ففيه الوُضوءُ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ الأَشْبَهُ بمَذْهَبِنا في الرِّيحِ الخارِجِ مِن الذَّكَرِ، أن لا يَنْقُضَ؛ لأنَّ المَثانَةَ ليس لها مَنْفَذٌ إلى الجَوْفِ،
..................................
ولا جَعَلَها أصحابُنا جَوْفًا، ولم يُبْطِلُوا الصَّوْمَ بالحُقْنَةِ فيه.
قال شيخُنا 1: ولا نَعْلَمُ لهذا وجودًا في حَقِّ أحَدٍ.
وقد قِيلَ: إنَّه يُعْلَمُ بأن يُحِسَّ الإِنسانُ في ذَكَرِه دَبيبًا.
وهذا لا يَصِحُّ، لكَوْنِه لا يَحْصُلُ به اليَقِينُ، والطهارةُ لا تَبْطُلُ بالشَّكِّ.
فإن وُجِدَ ذلك يَقِينًا، نَقَض الطهارةَ، قِياسًا على سائِرِ الخارِجِ مِن السَّبِيلَين.
فصل: فإن قَطَّرَ في إحْلِييه دُهْنًا، ثم عادَ فخَرَجَ، نَقَض الوُضُوءَ، لأنَّه خارِجٌ مِن السَّبِيلَين، لا يَخْلُو مِن بِلَّةٍ نَجِسَةٍ تَصْحَبُه، فيَنْتَقِضَ بها الوُضُوءُ كما لو خَرَجَت مُنْفَرِدَةً.
وقال القاضي: لا يَنْقُضُ؛ لأَنَّه ليس بينَ الإِحْلِيلِ والمَثانَةِ مَنْفَذٌ، وإنَّما يَخْرُجُ البَوْلُ رَشْحًا، فإذا كان كذلك، لم يَصِلِ الدُّهْنُ إلى مَوْضِعٍ نَجِسِ، فإذا خَرَج فهو طاهِرٌ، فلم يَنْقُضْ،
..................................
كسائِرِ الطّاهِراتِ إذا خَرَجَتْ مِن البَدَنِ.
والأوَّلُ أولَى.
وقَوْلُه: لا يَصِلُ الدُّهْنُ إلى مَوْضِعٍ نَجِسٍ.
مَمْنُوعٌ، فإنَّ باطِنَ الذَكَرِ نَجِسٌ مِن آثارِ البَوْلِ، والماءُ لا يَصِلُ إليه فيُطَهِّرُه، فيَتَنَجَّسُ به الدُّهْنُ.
ولو احْتَشَى قُطْنًا في ذَكَرِه، ثم أخْرَجَه وعليه بَلَلٌ، نَقَض الوُضُوءَ أَيضًا، كما لو خَرَج البَلَلُ مُنْفَرِدًا.
وإن خَرَج ناشِفًا، ففيه وَجْهان، أحَدُهما، يَنْقُضُ، لأنَّه خارِجٌ مِن السَّبِيلِ، أشْبَهَ سائِرَ الخارِجِ.
والثاني، لا يَنْقُضُ، لأنَّه ليس بينَ المَثانَةِ والجَوْفِ مَنْفَذٌ، ولم تَصْحَبْه نَجاسَةٌ، فلم يَنْقُضْ، كسائِرِ الطَّاهِراتِ.
ونَقَل القاضي في «المُجَرَّدِ» عن أحمدَ، في رِوايَةِ عبدِ اللهِ: إذا احْتَشَى القُطْنَ في ذَكَرِه وصَلَّى، ثم أخْرَجَه ووَجَد بَلَلًا، فلا بَأْسَ ما لم يَظْهَرْ.
يَعْنِي: جارِيًا.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ نَفْسَ البَلَلِ لا يَنْقُضُ.
ولو احْتَقَنَ في دُبُرِه، فرَجَعَتْ أجْزاءٌ مِن الحُقْنَةِ، فخَرَجَتْ مِن الفَرْجِ، نَقَضَتِ الوُضُوءَ.
وهكذا لو وَطِئَ امْرَأْتَه دُونَ الفَرْجِ، فدَبَّ ماؤُه فدَخَلَ الفَرْجَ
..................................
ثم خَرَج، نَقَض الوُضُوءَ، وعليها 1 الاسْتِنْجاءُ؛ لأنَّه خارِجٌ مِن السَّبِيلِ، لا يَخْلُو مِن بِلَّةٍ تَصْحَبُه مِن الفَرْجِ.
فإن لم يَعْلَمْ خُرُوجَ شيءٍ منه، احْتَمَلَ وَجْهَينِ؛ أحَدُهما، النَّقْضُ فيهما؛ لأنَّ الغالِب أَنَّه لا يَنْفَكُّ عن الخُرُوجِ، فنَقَضَ كالنَّوْمِ.
والثاني، لا يَنْقُضُ، عَمَلًا بالأصْلِ.
لكنْ إن كان المُحْتَقِنُ قد أدْخَلَ رَأْسَ الزَّرَّاقَةِ ثم أخْرَجَه، نَقَض الوُضُوءَ، وكذلك إن أدْخَلَ فيه مِيلًا أو غيرَه ثم خَرَج؛ لأنَّه خارِجٌ مِن السَّبِيلِ، فنَقَضَ كسائِرِ الخارِجِ.
..................................
فصل: قال أبو الحارِثِ: سَألْتُ أحمدَ عن رجلٍ به عِلَّةٌ، رُبَّما ظَهَرَتْ مَقْعَدَتُه؟ قال: إن عَلِمَ أنَّه يَظْهَرُ معها نَدًى تَوَضَّأَ، وإن لم يَعْلَمْ فلا شيءَ عليه.
قال شيخُنا 1، رَحِمَه اللهُ: يحْتَمِلُ أنَّه إنَّما أرادَ نَدًى يَنْفَصِلُ عنها، فأمّا الرُّطُوبَةُ اللّازِمَةُ لها فلا تَنْقُضُ، لأنَّها لا تَنْفَكُّ عن رُطُوبَةٍ، فلو نَقَضَتْ لنَقَضَ خُرُوجُها على كلِّ حالٍ، وذلك لأنَّه شيءٌ لم ينْفَصِلْ عنها، فلم يَنْقُضْ كسائِرِ أجْزائِها، وقد قالوا في مَن أخْرَجَ لِسانَه وهو صائِمٌ، وعليه بَلَلٌ، ثم أدْخَلَه وابْتَلَعَ ذلك البَلَلَ: لم يُفْطِرْ، لأنَّه لم يَثْبُتْ له حُكْمُ الانْفِصالِ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: والمَذْيُ ما يَخْرُجُ عَقِيبَ الشَّهْوَةِ زَلِجًا مُتَسَبْسِبًا، فيَكُونُ على رَأسِ الذَّكَرِ، يَنْقُضُ الوُضُوءَ إجماعًا، وهل يَجِبُ غَسْلُ الذَّكَرِ والأُنْثَيَين منه؟ فيه رِوايتان؛ إحْداهُما، يُوجِبُ ذلك؛ لما رُوِيَ أنَّ عليًّا، رَضِي اللهُ عنه، قال: كُنتُ رجلًا مَذّاءً، فاسْتَحَيَتُ أن أسألَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ لمَكانِ ابْنَتِه، فأمَرْتُ المِقْدادَ بنَ الأسْوَدِ فسألَه، فقال: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيهِ، وَيَتَوَضَّأُ».
رَواه أبو داودَ 2. وفي لفظٍ: «تَوَضَّأْ وَانْضَحْ
الثَّانِي، خُرُوجُ النَّجَاسَاتِ مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ، فَإِنْ كَانَتْ غَائِطًا أو بَوْلًا نَقَضَ قَلِيلُهَا،
فَرْجَكَ».
رَواه مسلمٌ (1). والأمْرُ للوُجُوبِ، ولأنَّه خارِجٌ بسَبَبِ الشَّهْوَةِ، فأوْجَبَ غَسْلًا زائِدًا على مُوجَبِ البَوْلِ كالمَنِيِّ، فعلى هذا يُجْزِئُه غَسْلَةٌ واحدةٌ؛ لأنَّ المَأْمُورَ به غَسْلٌ مُطْلَقٌ، فيَكْفِي ما يَقَعُ عليه الاسمُ، وقد بَيَّنَه قولُه في اللَّفْظِ الآخَرِ: «وَانْضَحْ فَرْجَكَ».
وسَواءٌ غَسْلُه قبلَ الوُضُوءِ أو بعدَه؛ لأنَّه غَسْلٌ غيرُ مُرْتَبِطٍ بالوُضُوءِ، أشْبَهَ غَسْلَ النجاسةِ.
والثانيةُ، لا يُوجبُ إلَّا الاسْتِنْجاءَ والوُضوءَ.
رُوِيَ ذلك عنْ ابنِ عباسِ، وهو قولُ أكثرِ أَهلِ العلمِ؛ لما روَى سَهْلُ بنُ حُنَيفٍ، قال: كُنْتُ ألْقَى مِن المَذْيِ شِدَّةً وعَناءً، وكنتُ أُكْثِرُ منه الاغْتِسالَ، فذَكَرْتُ ذلك للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «إنَّمَا يُجْزِيكَ مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ».
رَواه التِّرْمِذِيُّ (2)، وقال: حسنٌ صحيحٌ.
ولأنَّه خارِجٌ لا يُوجِبُ الغُسْلَ، أشْبَهَ الوَدْيَ، والأمْرُ بالنَّضْحِ والغَسْلِ في حديثِ عليٍّ مَحْمُولٌ على الاسْتِحْبابِ.
وقولُه: «إنَّمَا يُجْزِيكَ مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ».
صَرِيحٌ في حُصُولِ الإِجْزاءِ به.
والوَدْيُ ماءٌ أَبْيَضُ، يَخْرُجُ عَقِيبَ البَوْلِ، ليس فيه وفي بَقِيَّةِ الخارِجِ إلَّا الوُضوءُ، سِوَى المَنِيِّ.
يُرْوَى ذلك عن ابنِ عباسٍ.
واللهُ أعلمُ.
132 -
مسألة: (الثاني، خُرُوجُ النَّجاساتِ مِن سائِرِ البَدَنِ، فإن
12
..................................
كانتْ غائِطًا أو بَوْلًا، نَقَضَ قَلِيلُها) لا يَخْتَلِفُ المذهبُ في نَقضِ الوُضُوءِ بخُرُوجِ الغائِطِ والبَوْلِ؛ سَواءٌ كان مِن مَخْرَجِهِما، أو مِن غيرِه، ويَسْتَوِي قَلِيلُهما وكَثِيرُهما في ذلك، سَواءٌ كان السَّبِيلان مُنْسَدَّين أو مَفْتُوحَين، مِن فوقِ المَعِدَةِ أو مِن تحتِها.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: إنِ انْسَدَّ المَخْرَجُ، وانْفَتَحَ آخَرُ دُونَ المَعِدَةِ، لَزِم الوُضُوءُ بالخارِجِ منه، قولًا واحدًا.
وإنِ انْفَتَح فوقَ المَعِدَةِ، ففيه قَوْلان.
وإن كان المَخْرَجُ مَفْتُوحًا، فالمَشْهُورُ أَنَّه لا يُنْقَضُ الوُضوءُ بالخارِجِ مِن غيرِه، وبَناه على أصْلِه في أنَّ الخارِجَ مِن غيرِ السَّبِيلَين لا يَنْقُضُ.
ولَنا، عُمُومُ قولِه تعالى: ﴿أوْ جَاءَ أحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ﴾ 1. وقولُ صَفْوانَ بنِ عَسّالٍ: أمَرَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا كُنّا مُسافِرِين، أو سَفْرًا، أن لا نَنْزِعَ خِفافَنا ثلاثَةَ أَيَّامٍ ولَيالِيَهُنَّ، إلَّا مِن جَنابَةٍ، لكنْ مِن غائِطٍ وَبَوْلٌ ونَوْمٍ 2. هذا حديثٌ صحيحٌ.
قاله التِّرْمِذِيُّ.
ولأنَّه غائِطٌ وبَوْلٌ خارِجٌ مِن البَدَنِ، فنَقَضَ، كالخارِجِ مِن السَّبِيلَين.
= أبو داود، في: باب في المذي، من كتاب الطهارة.
سنن أبي داود 1/ 48.
وَإنْ كَانَتْ غَيرَهُمَا لَمْ يَنْقُضْ إلا كَثِيرُهَا، وَهُوَ مَا فَحُشَ في النَّفْسِ.
وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّ قَلِيلَهَا يَنْقُضُ.
133 - مسألة؛ قال: (وإن كَانَتْ غيرَهما، لم يَنْقُض إلَّا كَثِيرُها، وهو ما فَحُش في النَّفْسِ، وحُكِيَ عنه أنَّ قَلِيلَها يَنْقُضُ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الخارِجَ النَّجِسَ مِن غيرِ السَّبِيلَين، غيرَ البَوْلِ والغائِطِ، يَنْقُض كثيرُه بغيرِ خِلافٍ في المذهبِ.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وابنِ عُمَرَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعطاءٍ، وقَتادَةَ، والثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
وقال مالكٌ، والشافعيّ، ويَحْيى الأنْصارِيُّ 1 وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: لا وُضُوءَ فيه، لأنَّه خارِجٌ مِن غيرِ المَخْرَجِ مع بقاءِ المَخْرَج، فلم يَنْقُضْ،
..................................
كالبُصاقِ.
ولأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا يَصِحُّ قِياسُه على الخارِجِ مِن السَّبِيلِ؛ لكَوْنِ الحُكْمِ فيه غيرَ مُعَلَّلٍ.
ولأنَّ الخارِجَ مِن السَّبِيلِ لا فَرْقَ بينَ قَلِيلِه وكَثِيرِه، وطاهِرِه ونَجسِه، وههُنا بخِلافِه، فامْتَنَعَ القِياسُ.
ولَنا، ما روَى أبو الدَّرْدَاءِ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قاءَ فتَوَضَّأْ.
قال ثَوْبانُ: صَدَقَ، أنا سَكَبْتُ له وَضُوءَه.
رَواه التِّرْمِذِيُّ 1، وقال: هذا أصَحُّ شيءٍ في البابِ.
قِيلَ لأحمدَ: حديثُ ثَوْبانَ ثَبَتَ عِنْدَك؟ قال: نعم.
ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لفاطِمَةَ: «إنَّهُ دَمُ عِرْقٍ، فَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ».
رَواه التِّرْمِذِيُّ 2. عَلَّلَ بكَوْنِه دَمَ عِرْقٍ وهذا كذلك.
ولأنَّه قولُ مَن سَمَّينا مِن الصَّحابَةِ، ولم نَعْرِفْ لهم مُخالِفًا في عَصْرِهم.
ولأنَّه خارِجٌ نَجِسٌ، فنَقَضَ، كالخارِجِ مِن السَّبِيلَين.
وقِياسُهُم مَنْقُوضٌ بِما إذا انْفَتَحَ مَخْرَجٌ دُونَ المَعِدَةِ، والبُصاق طاهِرٌ، بخِلافِ هذا.
..................................
فصل: فأمّا القَلِيلُ، فظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّه لا يَنْقُضُ الوُضُوءَ.
حَكاه القاضي رِوايَةً واحِدَةً.
وقال بَعْضُ أصْحابِنا: فيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّ القَلِيلَ يَنْقُضُ، قِياسًا على الخارِجِ المُعْتادِ.
رُوِيَ ذلك عن مُجاهِدٍ.
وهذا قولُ أبي حَنِيفَةَ، وسعيدِ بن جُبَيرٍ، فيما إذا سالَ الدَّمُ.
قال: وإن وَقَف على رَأْسِ الجُرْحِ، لم يَجِبْ؛ لقَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قَاءَ أوْ رَعَفَ في صَلَاتِهِ، فَلْيَتَوَضَّأْ» 1. ووَجْهُ الرِّواية الأُولَى، أَنَّه قد رُوِيَ ذلك عن جَماعَةٍ مِن الصَّحابَةِ، قال أبو عبدِ اللهِ: عِدَّةٌ مِن الصَّحابَةِ تَكَلَّمُوا فيه، وأبو هُرَيرَةَ كان يُدْخِلُ أصابِعَه في أنْفِه، وابنُ عُمَرَ عَصَرَ بَثْرَةً، فخَرَجَ دَمٌ، فصَلَّى ولم يَتَوَضَّأَ، وابنُ أبي أوْفَى 2 عَصَرَ دُمَّلًا، وابنُ عباسٍ قال: إذا كان فاحِشًا فعليه الإِعادَةُ.
وجابرٌ أدْخَلَ أصابِعَه في أنْفِه.
ولم نَعْرِفْ لهم مُخالِفًا في عَصْرِهم فكانَ إجماعًا وحَدِيثُهم لا نَعْرِفُ صِحَّتَه، ولم يَذْكُرْه أصحابُ السُّنَّنَ، وقد تَرَكُوا العَمَلَ به، فقالوا: إذا كان دُونَ مِلْءِ الفَمِ، لم يَجِبْ منه الوُضُوءُ.
..................................
فصل: وظاهِرُ المَذْهَبِ، أنَّ الكَثِيرَ الَّذي يَنْقُضُ الوُضوءَ، لا حَدَّ له إلَّا أنْ يَكُونَ فاحِشًا.
قيلَ: يا أبا عبدِ اللهِ، ما قَدْرُ الفاحِشِ؟ قال: ما فَحُشَ في قَلْبِك.
ورُوي نَحْوُ ذلك عن ابنِ عباسٍ.
قال الخَلّالُ: الَّذي اسْتَقَرَّتْ عليه الرِّوايَةُ عن أبي عبدِ اللهِ، أنَّ الفاحِشَ ما يَسْتَفْحِشُه كلُّ إنْسانِ في نِفْسِه.
لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لا يَرِيبُكَ» 1. وقال ابنُ عَقِيلٍ: إنَّما يُعْتَبَرُ ما يَفْحُشُ في نُفُوسِ أوْساطِ الناسِ، لا المُتَبَذِّلِينَ، ولا المُوَسْوسِينَ كما رَجَعْنا في يَسِيرِ اللُّقَطَةِ إلى ما لا تَتْبَعُه نُفُوسُ أوْساطِ الناسِ.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه سُئِل عن الكَثِيرِ، فقال: شِبْرٌ في شِبْرٍ.
وفي مَوْضِعٍ قال: قَدْرُ الكَفِّ فاحِشٌ.
وقال في موضعٍ: إذا كان مِقدارَ ما يَرْفَعُه الإِنْسانُ بأصابِعِه الخَمْسِ من القَيحِ، والصَّدِيدِ، وَالقَىْءِ، فلا بأْسَ به.
قيلَ له: فعَشْرُ أصابِعَ.
فرآه كَثِيرًا.
وقال قَتادَةُ
..................................
في مَوْضِعٍ: الدِّرْهَمُ فاحِشٌ.
وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ، وأصحاب الرَّأي؛ لأنه رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «تُعَادُ الصَّلَاةُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمَ مِنَ الدَّمِ» 1. والصَّحِيحُ أنَّ ذلك إنَّما يُرْجَعُ فيه إلى العُرْفِ، فإنَّه لا حَدَّ له في الشَّرْعِ، وما رَوَوْه فلا يَصِحُّ، قال الحافِظُ المَقْدِسِيُّ 2: هو مَوْضُوعٌ 3. وقال القاضي: إذا كان الدَّمُ قَطرةً أو قَطْرَتَين، لم يَنْقُضْ، وإن كان قَدْرُه إذا انْفَرَشَ شِبْرًا في شِبْرٍ، نَقَضَ، وما كان بَينَهما ففيه رِوايتان.
وقال في القَىْءِ: إن كان مِلْءَ الفَمِ نَقَض، وإن كان مِثْلَ الحِمَّصَةِ والنَّواةِ، لم يَنْقضْ، رِوايةً واحدةً فيهما، وما بيَنْهَما على رِوايَتَين، وما نَقَلَه الخَلّالُ عنه أوْلَى، لما ذَكَرْنا، ولأنَّ اعْتِبارَ حالِ الإِنْسانِ بما يَسْتَفْحِشُه غيرُه حَرَجٌ، فيَكُونُ مَنْفِيًّا.
..................................
فصل: والقَيحُ والصَّدِيدُ كالدَّمِ فيما ذَكَرْنا.
قال أحمدُ: هما أخَفُّ حُكْمًا مِن الدَّمِ.
لوُقُوعِ الخِلافِ فيهما، فإنَّه رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ والحَسَنِ [أنَّهم لم يَرَوا] 1 القَيحَ والصَّدِيدَ كالدَّمِ.
وقال إسحاقُ: كلُّ ما سِوَى الدَّمِ لا يُوجِبُ وُضُوءًا.
وقال مُجاهِدٌ، وعطاءٌ، وعُرْوَةُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، والحَكَمُ: هو بِمَنْزِلَةِ الدَّمِ.
واخْتِيارُ أبي عبدِ اللهِ مع ذلك إلْحاقُه بالدَّمِ وإثْباتُ مِثْلِ حُكْمِه فيه، قِياسًا عليه، لأنَّه خارِجٌ نَجِسٌ، أشْبَهَ الدَّمَ، لكن الَّذي يَفْحُشُ منه يَكُونُ أكثَرَ مِن الَّذي يَفْحُشُ مِن الدَّمِ.
والقَلْسُ كالدَّمِ، يَنْقُضُ الوُضُوءَ منه ما فَحُشَ.
قال الخَلّالُ: الَّذي أجْمَعَ عليه أصحابُ أبي عبدِ اللهِ، أنَّه إذا كان فاحِشًا أعادَ الوُضُوءَ.
وقد حُكِى عنه، إذا كان مِلْءَ الفَمِ نَقَض، وإن كان أقلَّ مِن نِصْفِ الفَمِ لا يَتَوَضَّأُ.
ومِمَّن كان يَأْمُرُ بالوُضُوءِ مِن القَىْءِ؛ عليٌّ، وابنُ عُمَرَ، وأبو هُرَيرَةَ،
الثَّالِثُ، زَوَالُ الْعَقْلِ إلا النَّوْمَ الْيَسِيرَ جَالِسًا أَوْ قَائِمًا.
وَعَنْهُ، أَنَّ نَوْمَ الرَّاكِعِ وَالْسَّاجِدِ لَا يَنْقُضُ يسِيرُهُ.
والأوْزاعِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
والمذهبُ إلْحاقُه بالدَّمِ؛ لأنَّه في مَعْناه.
وهذا قَوْلُ حَمّادِ بنِ أبي سُلَيمانَ (1). وكذلك الحُكْمُ في الدُّودِ الخارِجِ مِن الجُرُوحِ، لأنَّه خارِجٌ نَجِسٌ، أشْبَهَ الدَّمَ.
فأمّا الجُشاءُ والبُصاق، فلا وُضُوءَ فيه، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وكذلك النُّخامَةُ، سَواءٌ خَرَجَتْ مِن الرَّأْسِ أو مِن الصَّدْرِ، لأنَّه لا نَصَّ فيها، ولا هي في مَعْنَى المَنْصُوصِ، ولأنَّها طاهِرَةٌ، أشْبَهَتِ البُصاقَ.
واللهُ أعلمُ.
134 -
مسألة؛ قال: (الثَّالِثُ، زَوالُ العَقْلِ، إلَّا النَّوْمَ اليَسِيرَ
1
..................................
جالسًا أو قائِمًا.
وعنه، أنَّ نَوْمَ الرّاكِعِ والسّاجِدِ لا يَنْقُضُ يَسِيرُه) زَوالُ العَقْلِ على ضَرْبَينِ؛ نَوْمٍ، وغيرِه.
فأمّا غيرُ النَّوْمِ، وهو الجُنُونُ والإِغْماءُ والسُّكْرُ، ونَحْوُه مِمّا يُزِيلُ العَقْلَ، فيَنْقُضُ الوُضُوءَ يَسِيرُه وكَثِيرُه إجْماعًا، ولأنَّ في إيجابِ الوُضُوءِ على النّائِمِ تَنْبِيهًا على وُجُوبِه بِما هو آكَدُ مِنه.
الضَّربُ الثاني، النَّوْمُ، وهو ناقِضٌ للوُضُوءِ في الجُمْلَةِ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا ما حُكِي عن أبي موسى الأشْعَرِيِّ وأبي مِجْلَزٍ 1، أنَّه لا يَنْقُضُ.
وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّه كان يَنامُ مِرارًا مُضْطَجِعًا يَنْتَظِرُ الصلاةَ، ثم يُصَلِّي ولا يُعِيدُ الوُضُوءَ.
ولَعَلَّهم ذَهَبُوا إلى أنَّ النومَ ليس بحَدَثٍ في نَفْسِه، والحَدَثُ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَزُولُ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «العَينُ وكَاءُ السَّهِ 2، فمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ».
رَواهُ الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجَة 3. وقولُ = سنة عشرين ومائة.
الجواهر المضية 2/ 150 - 152.
..................................
صَفْوانَ بنِ عَسّالٍ: لكنْ مِن غائطٍ وبَولٍ ونَوْمٍ.
حديثٌ صحيحٌ 1. ولأنَّ النومَ مَظِنَّةُ الحَدَثِ، فأُقِيم مُقامَه، كالْتِقاءِ الخِتانَين في وُجُوبِ الغُسْلِ، أُقِيم مُقامَ الإِنْزالِ.
إذا ثَبَت هذا، فالنَّوْمُ يَنْقَسِمُ ثلاثةَ أقْسامٍ: أحَدُها، نَوْمُ المُضْطَجِعِ، فيَنْقُضُ يَسِيرُه وكَثِيرُه، عندَ جَمِيعِ القائِلِين بنَقضِ الوُضُوءِ بالنَّوْمِ.
الثاني، نَوْمُ القاعِدِ، فإن كان كثيرًا نَقَض، رِوايَةً واحِدَةً، وإن كان يسيرًا لَم يَنْقُضْ.
وهذا قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
وقال قَوْمٌ: متى خالطَ النَّوْمُ القَلْبَ نَقَض بكلِّ حالٍ.
وهذا قولُ الحسنِ، وإسحاقَ، وأبي عُبَيدٍ.
ورُوي مَعْنى ذلك عن أبي هُرَيرَةَ، وابنِ عباسٍ، وأنَسٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لعُمُوم الأحاديث الدَّالَّةِ على أنَّ النَّوْمَ يَنْقُضُ.
ولَنا، ما روَى مسلمٌ 2، عن أنَسٍ، قال: كان أصحابُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَنامُون، ثم يُصَلُّون ولا يَتَوَضَّئُون.
وعنه قال:
..................................
كان أصحابُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على عَهْدِ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَنْتَظِرُون العِشاءَ الآخِرَةَ حتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُم، ثم يُصَلُّون ولا يَتَوَضَّؤُن.
رَواه أبو داودَ 1. ولأنَّ النَّوْمَ يَكْثُرُ مِن مُنْتَظِرِى الصلاةِ، فعُفِي عنه لمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ عنه.
وقال الشافعيُّ: لا يَنْقُضُ وإن كَثُرَ، إذا كان القاعِدُ مُتَمَكِّنًا مُفْضِيًا بمَحَلِّ الحَدَثِ إلى الأرضِ، لحَدِيثَيْ أنسٍ، وبهما يَتَخَصَّصُ عُمُومُ الحَدِيثَينِ الأوَّلَين، ولأنَّه مُتَحَفِّظٌ عن خُرُوجِ الحَدَثِ، فلم يَنْقضْ، كاليَسِيرِ.
ولَنا، عُمُومُ الحديثَين الأوَّلَين، خَصَّصْناهُما بحديثِ أنسٍ، وليس فيه بَيانُ كَثْرَةٍ ولا قِلَّةٍ، فحَمَلْناه على القَلِيلِ، لأنَّه اليَقِينُ، وما زادَ عليه مُحْتَمِلٌ لا يُتْرَكُ له العُمُومُ المُتَيَقَّنُ، ولأنَّ نَقْضَ الوُضُوءِ بالنَّوْمِ مُعَلَّلٌ بإِفْضائِه إلى الحَدَثِ، ومع الكَثْرَةِ والغَلَبَةِ لا يُحِسُّ بما يَخْرُجُ منه، بخِلافِ اليَسِيرِ، وبهذا فارَقَ اليَسِيرُ الكَثِيرَ، فلا يَصِحُّ قياسُه عليه.
الثالثُ، ما عدا ذلك، وهو نَوْمُ القائِمِ والرَّاكِعِ والسّاجِدِ، ففيه رِوايتَان؛ إحْداهما، يَنْقُضُ.
وهو قَوْلُ الشافعيِّ، لأنَّه لم يَرِدْ فيه نَصٌّ،
..................................
ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ، لكَوْنِ القاعِدِ مُتَحَفِّظًا مُعْتَمِدًا 1 بمَحَلِّ الحَدَثِ على الأرضِ، فهو أبْعَدُ مِن خُرُوجِ الخارِجِ، بخِلافِ غيرِه.
والثانيةُ، حُكْمُه حُكْمُ الجالِسِ قِياسًا عليه، ولأنَّه على حالةٍ مِن أحْوالِ الصلاةِ، أشْبَهَ الجالِسَ.
والظّاهِرُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، التَّسْويَة بينَ نَوْمِ القائِمِ والجالِسِ.
وهذا قولُ الحَكَمِ، وسُفْيانَ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لما روَى ابنُ عباسٍ، قال: بِتُّ لَيلَةً عندَ خالتِي مَيمُونَةَ، فقُلتُ لها: إذا قامَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فأيقِظِيني.
فقامَ - صلى الله عليه وسلم -، فقُمْتُ إلى جَنْبِه الأيسَرِ، فأخَذَ بيَدِي فجَعَلَنِى في شِقِّه الأيمَنِ، فجَعَلْتُ إذا أغْفَيتُ يَأْخُذُ بشَحْمَةِ أُذُنِي.
رَواه مسلمٌ 2. ولأنَّهما يَشْتَبِهان في الانْخِفاضِ واجْتِماعِ المَخْرَجِ، ورُبَّما كان القائِمُ أبْعَدَ مِن الحَدَثِ، لكَوْنِه لو اسْتَثْقَل في النَّوْمِ سَقَط،
..................................
فأمّا الراكِعُ والسّاجدُ فالطاهِرُ إلْحاقُهُما بالمُضْطَجِعِ؛ لأنَّه يَنْفَرِجُ مَحَلُّ الحَدَثِ، فلا يَتَحَفَّظُ، فهو كالمُضْطَجعِ.
ويَحْتَمِلُ التَّفْرِقَةَ بينَ الرّاكِعِ والسّاجِدِ، فيُلْحَقُ الرّاكِعُ بالقائِمِ؛ لَكَوْنِه لا يَسْتَثْقِلُ في النَّوْمِ، إذْ لو اسْتَثْقَل سَقَط، فالظّاهِرُ أنَّه يُحِسُّ بما يَخْرُجُ منه، بخِلافِ السَّاجِدِ، فإنَّه يَعْتَمِدُ بأعْضائِه على الأرضِ ويَسْتَثْقِلُ في النَّوْم، فيُشْبِهُ المُضْطجِعَ، فلا يُحِسُّ بما يَخْرُجُ.
وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ روايةً عن أَحمدَ، أنَّه لا يَنْقُضُ إلَّا نَوْمُ السّاجِدِ وَحْدَه.
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، في القاعِدِ المُسْتَنِدِ والمُحْتَبِي، فعنه: لا يَنْقُضُ يَسِيرُه، كالقاعِدِ الَّذي ليس بمُسْتَنِدٍ.
وعنه: يَنْقُضُ بكلِّ حالٍ.
وهو ظاهِرُ المذهبِ.
قال القاضي: متى نامَ مُضْطَجِعًا أو مُسْتَنِدًا، أو مُتَّكِئًا إلى شيءٍ، متى أُزِيلَ عنه سَقَط، نَقَض الوُضُوءَ قَلِيلُه وكَثِيرُه؛ لأنَّه
..................................
مُعْتَمِدٌ على شيءٍ، فهو كالمُضْطَجِعِ.
وعنه ما يَدُلُّ على التَّفْرِقَةِ بَينَ المُحْتَبِي والمُسْتَنِدِ، فإنَّه قال في روايَةِ أبي داودَ: المُتَسانِدُ كأنَّه أشَدُّ.
يَعْنِي مِن المُحْتَبِي.
قال شَيخُنا 1: والأوْلَى أنَّه متى كان مُعْتَمِدًا بمَحَلِّ الحَدَثِ على الأرضِ، أن لا يَنْقُضَ منه إلَّا الكثيرُ؛ لأنَّ دَلِيلَ انْتِفاءِ النَّقْضِ في القاعِدِ لا تَفْرِيقَ فيه، فيُسَوَّى بينَ أحْوالِه.
فصل: واخْتَلَفَ أصحابُنا في حَدِّ اليَسِيرِ مِن النَّوْمِ الَّذي لا يَنْقُضُ، فقال القاضي: ليس للقَلِيلِ حَدٌّ يُرْجَعُ إليه، فعلى هذا يُرْجَعُ إلى العُرْفِ.
وقِيلَ: حَدُّ الكَثِيرِ ما يَتَغَيَّرُ به النّائِمُ عن هَيئَتِه، مِثْلَ أن يَسْقُطَ على الأرضِ، أو يَرَى حُلْمًا.
قال شَيخُنا 2: والصَّحِيحُ أنَّه لا حَدَّ له؛ لأنَّ التَّحْدِيدَ إنَّما يُعْلَمُ بالتَّوْقِيفِ، ولا تَوْقِيفَ، فمتى وُجِدَ ما يَدُلُّ على الكَثْرَةِ، مِثْلَ سُقُوطِ المُتَمَكِّنِ، انتَقَض وُضُوءُه، وإلَّا فلا، وإن شَكَّ في كَثْرَتِه لم يَنْتَقِضْ؛ لأنَّ الأصْلَ الطهارةُ، فلا تَزُولُ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ.
الرَّابِعُ، مَسُّ الذَّكَرِ بِيَدِهِ، بِبَطنِ كَفِّهِ، أَوْ بِظَهْرِهِ،
فصل: والنَّوْمُ الغَلَبَةُ علي العَقْلِ، فمَنْ لم يُغْلَبْ على عَقْلِه فلا وضوءَ عليه.
وقال بَعْضُ أهلِ اللُّغَةِ، في قولِهِ تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (1). السِّنَةُ ابْتِداءُ النُّعاسِ في الرَّأْسِ، فإذا وَصَل إلى القَلْبِ صارَ نَوْمًا، قال الشاعرُ (2):
وَسْنانُ أقْصَدَه النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ … في عَينِه سِنَةٌ وليس بنائِمِ
ولأنَّ النّاقِضَ زَوالُ العَقْلِ، فمتى كان العقلُ ثابِتًا وحِسُّه غيرَ زائِلٍ، مِثْلَ مَن يَسْمَعُ ما يُقالُ عندَه ويَفْهَمُه، لم يُوجَدْ سَبَبُ النَّقْضِ.
وإن شَكَّ في النَّوْمِ، أو خَطرَ ببالِه شيءٌ لا يَدْرِي أرُؤْيا أو حَدِيثُ نَفْسٍ، فلا وُضُوءَ عليه.
135 -
مسألة: (الرابعُ، مَسُّ الذَّكَرِ بيَدِه، ببَطنِ كَفِّه أو بظَهْرِه)
12