كتابُ الرَّجْعَةِ
وهي ثابِتَةٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ؛ أمَّا الكتابُ فقولُ الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى قولِه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ 1. والمرادُ به الرَّجْعَةُ عندَ جماعةِ العُلَماءِ وأهْلِ التَّفْسِيرِ.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ 2. أي بالرَّجْعَةِ، ومَعْناه: إذا قارَبْنَ بُلُوغَ أجَلِهنَّ، أي انْقِضاءَ عِدَّتِهنَّ.
وأمَّا السُّنَّةُ، فروَى ابنُ عمرَ، قال: طَلَّقْتُ امرَأتِي وهي حَائِضٌ، فسأل عمرُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «مُرْهُ فَلْيُرَاجعْهَا».
مُتَّفقٌ عليه 3. وروَى أبو داودَ 4 عن عمرَ، قال: إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - طَلَّقَ حَفْصَةَ ثم رَاجَعَها.
وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ الحُرَّ إذا طَلَّقَ الحرَّةَ دُونَ الثَّلاثِ، أو العَبْدَ إذا طَلَّقَ واحِدَةً، أنَّ لهما الرَّجْعَةَ في العِدَّةِ.
ذَكَرَه ابنُ المُنْذِرِ.
إِذَا طَلَّقَ الْحُرُّ امْرَأتَهُ بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا أقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، أو الْعَبْدُ وَاحِدَةً بِغَيرِ عِوَضٍ، فَلَهُ رَجْعَتُهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، رَضِيَتْ أوْ كَرِهَتْ.
3646 - مسألة: (إذا طَلَّقَ الحُرُّ امْرَأتَه بعدَ دُخُولِه بِها أقَلَّ مِن ثلاثٍ، أو العَبْدُ وَاحِدَةً بِغَيرِ عِوَضٍ)
[ولا أمْرٍ] 1 يَقْتَضِي 2 بَينُونتها (فله رَجْعَتُها ما دامَتْ في العِدَّةِ، رَضِيَتْ أو كَرِهَتْ) لِما ذَكَرْنا، أجمعَ على ذلك أهلُ العلمِ، وأجْمَعُوا على أنَّه لا رَجْعَة له عليها بعدَ قَضاءِ عِدَّتِها.
وقد ذَكَرْنا أنَّ الطَّلاقَ مُعْتَبَرٌ بالرِّجالِ، فيكونُ له رَجْعَتُها ما لم يُطَلِّقْها ثلاثًا، كالحُرَّةِ.
وفيما إذا طَلَّقَ الأمَةَ اثْنَتَين خِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى.
ولا يُعْتَبَرُ في الرَّجْعَةِ رِضَا المرأةِ في ذلك؛ لقَوْلِ الله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾.
أي في العِدَّةِ.
فجعَلَ الحَقَّ لهم.
وقال سبحانه: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ فخاطبَ الأزْواجَ بالأمْرِ، ولم يَجْعَلْ لهُنَّ
وَألفَاظُ الرَّجْعَةِ: رَاجَعْتُ امْرأتِي.
أوْ: رَجَعْتهَا.
أو: ارْتَجَعْتهَا.
أَوْ: رَدَدْتهَا.
أوْ: أمْسَكْتهَا.
اخْتِيارًا.
ولأنَّ الرَّجْعةَ إمْساكٌ للمَرْأةِ بحُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ، فلم يُعْتَبَرْ رِضاهَا في ذلك، كالتي في صُلْبِ نِكاحِه.
وأجْمَعَ أهلُ العلمِ على هذا.
وللعَبْدِ بعدَ الواحدةِ ما للحُرِّ قبلَ الثَّلاثِ.
وقد أجمعَ العُلَماءُ على أن للعَبْدِ رَجْعَةَ امْرأتِه بعدَ الطَّلْقَةِ الواحدةِ إذا وُجدَتْ شُروطُها، فإذا طَلَّقَها ثانِيَةً، فلا رَجْعةَ له، سواءٌ كانتِ امْرأتُه حُرًّةً أو أمَةً؛ لأنَّ طَلاقَ العَبْدِ اثْنَتانِ، وفي هذا خِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى.
3647 -
مسألة: (وألْفاظُ الرَّجْعَةِ: راجَعْتُ امْرَأتِي. أو: رَجَعْتُها. أو: ارْتَجَعْتُها. أو: رَدَدْتُها. أو: أمْسَكْتُها)
لأنَّ هذه الألْفاظَ
فَإِنْ قَال: نَكَحْتُهَا.
أو: تَزَوَّجْتُهَا.
فَعَلَى وَجْهَينِ.
وَرَد بها الكتابُ والسُّنَّةُ، فالرَّدُّ والإِمْساكُ وَرَدَ بهما الكتابُ بقولِه تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾.
وقال: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾.
يَعْنِي الرَّجْعَةَ.
والرجْعَةُ ورَدَتْ بها السُّنَّةُ بقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا».
وقد اشْتَهَرَ هذا الاسْمُ فيما بينَ أهْلِ العُرْفِ، كاشْتِهارِ اسْمِ الطَّلاق فيه، فإنَّهم يُسَمُّونَها رَجْعَةً، والزَّوْجةَ (1) رَجْعِيَّةً.
قال شيخُنا (2): ويَتَخَرَّجُ أن يكونَ لَفْظُها هو الصَّرِيحَ وَحْدَه؛ لاشْتِهَارِه دُونَ غَيرِه، كقَوْلِنا في صَرِيحِ الطَّلاقِ.
فصل: والاحْتِياطُ أن يقولَ: اشْهَدا عليَّ أنِّي قد راجَعْتُ زَوْجَتِي إلى نِكاحِي، أو زَوْجِيَّتي.
أو: راجَعْتُها لِمَا وَقَعَ عليها مِن طَلاقِي.
3648 -
مسألة: (فإن قال: نَكَحْتُها. أو: تَزَوَّجْتُها)
فليس12
..................................
هو بصَرِيحٍ فيها.
وهل تَحْصُلُ الرَّجْعَةُ به؟ فِيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا تَحْصُلُ به؛ لأنَّ هذا كِنايَةٌ، والرَّجْعَةُ اسْتِباحَةُ بُضْعٍ مَقْصُودٍ، فلا يَحْصُلُ بالكِنايَةِ، كالنِّكاحِ.
والثَّاني، تَحْصُلُ به الرَّجْعَةُ.
أوْمَأ إليه أحمدُ.
واخْتارَه ابنُ حامدٍ؛ لأنَّ الأجْنَبِيَّةَ تُباحُ به، فالرَّجْعِيَّةُ أوْلَى.
فعلى هذا، يَحْتاجُ أن يَنْويَ به الرَّجْعَةَ؛ لأنَّ ما كان كِنايَةً تُعْتَبَرُ له النيةُ، ككِناياتِ الطَّلاقِ.
فصل: فإن قال: رَاجَعْتُكِ للمَحَبَّةِ.
أو: للإِهانَةِ.
أو قال: أرَدْتُ أنَّنِي راجَعْتُكِ لِمَحَبَّتِي إيَّاكِ، أو: إهانَةً لك.
صَحَّتِ الرَّجْعَةُ؛ لأنَّه أتَى
وَهَلْ مِنْ شَرْطِهَا الإشْهَادُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
بالرَّجْعَةِ، وبَيَّنَ سَبَبَها.
وإن قال: أرَدْتُ أنَّنِي كنتُ أُهِينُكِ، أو: أُحِبُّكِ، وقد رَدَدْتُكِ بفِراقِي إلى ذلك.
فليس بِرَجْعَةٍ.
وإن أطْلَقَ ولم يَنْو شيئًا، صَحَّتِ الرَّجْعَةُ.
ذَكَرَه القاضي؛ لأنَّه أتَى بصريحِ الرَّجْعَةِ، وضَمَّ إليه ما يَحْتَمِلُ أن يكونَ سَبَبَها، ويَحْتَمِلُ غَيرَها، فلا يَزُولُ اللَّفْظُ عن مُقْتَضاه بالشَّكِّ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
3649 -
مسألة: (وهل مِن شَرْطِها الإِشْهادُ؟ على رِوايَتَين)
وجملةُ ذلك، أنَّ الرَّجْعَةَ لا تَفْتَقِرُ إلى وَلِيٍّ، ولا صَداقٍ، ولا رِضَا المرْأةِ، ولا عِلْمِها، بإجْماعِ أهلِ العِلْمِ؛ لأنَّ حُكْمَ الرَّجْعِيَّةِ حُكْمُ الزَّوْجاتِ؛ لِما نَذْكُرُه.
والرَّجْعَةُ 1 إمْساكٌ لها، واسْتِبْقاءٌ لنِكاحِها، ولهذا سَمَّى اللهُ تعالى الرَّجْعَةَ إمْساكًا، وتَرْكَها فِراقًا وسَراحًا، فقال: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ 2. وفي آيةٍ 3 أُخْرَى:
..................................
﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ 1. وإنَّما تَشَعَّثَ النَّكاحُ بالطَّلْقَةِ، وانْعَقَدَ بها 2 سَبَبُ زوالِه، فالرَّجْعَةُ تُزِيلُ شَعَثَهُ، وتَقْطَعُ مُضِيَّه إلى البَينُونَةِ، فلم تَحْتَجْ لذلك إلى ما يَحْتَاجُ إليه ابْتِداءُ النِّكاحِ.
فأمَّا الإشْهادُ ففيه رِوايَتانِ؛ إحْداهما، يَجِبُ.
وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأن اللهَ تعالى قال: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.
وظاهرُ الأمْرِ الوُجُوبُ، ولأنَّه اسْتِباحَةُ بُضْعٍ مقْصودٍ، فوَجَبَتِ الشَّهادةُ فيه، كالنِّكاحِ، وعَكْسُهُ البَيعُ.
والرِّوايةُ الثَّانِيَةُ، لا تَجِبُ الشَّهادَةُ.
وهي اخْتِيارُ أبي بكرٍ، وقَوْلُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ؛ لأنَّها لا تَفْتَقِرُ إلى قَبُولٍ، فلم تَفْتَقِرْ إلى شَهادَةٍ، كسائِرِ حُقُوقِ الزَّوْجِ، ولأنَّ ما لايُشتَرَطُ فيه الوَلِيُّ لا يُشتَرطُ فيه الإشْهادُ، كالبَيعِ.
وهذه أوْلَى إن شاءَ اللهُ تعالى، ويُحْمَلُ الأمْرُ على الاسْتِحْبابِ، ويُؤَكِّدُ ذلك أنَّ الأمْرَ بالشَّهادَةِ عَقِيبَ قولِه: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ﴾.
فهو يرجِعُ إلى أقْرَبِ المَذْكُورَينِ يقينًا، ولا تَجِبُ الشهادةُ فيه، فكذلك ما قبلَه، وهو قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾.
بطريقِ الأوْلَى.
ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ
وَالرَّجْعِيَّةُ زَوْجَةٌ يَلْحَقُهَا الطَّاقُ وَالظِّهَارُ وَالإيلَاءُ.
في اسْتِحْبابِ الإشْهادِ.
فإن قُلْنا: هو شَرْطٌ.
فإنَّه يُعْتَبَرُ وُجُودُه حال الرَّجْعَةِ، فإنِ ارْتَجَعَ بغيرِ إشْهادٍ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ المُعْتَبَرَ وُجُودُها في الرَّجْعَةِ، دونَ الإِقْرارِ بها، إلَّا أن يَقْصِدَ بذلك الإِقْرَارِ الارْتجاعَ، فيَصِحُّ.
3650 -
مسألة: (وَالرَّجْعِيَّةُ زَوْجَةٌ يَلْحَقُهَا الطلاقُ والظِّهارُ والإِيلاءُ)
ولعانُه، ويَرِثُ أحَدُهُما صاحِبَهُ إن مات، بالإِجْماعِ، وإن خَالعَها صَحَّ خُلْعُهْ.
وقال الشافعي في أحَدِ قَوْلَيهِ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يُرادُ للتَّحْرِيمِ، وهي مُحَرَّمَةٌ.
ولَنا، أنَّها زَوْجَةٌ يَصِحُّ طَلاقُها، فصَحَّ خُلْعُها، كما قَبْلَ الطَّلاقِ، وليس مَقْصُودُ الخُلْعِ التَّحْرِيمَ، بل الخَلاصَ مِن ضَرَرِ 1 الزَّوْجِ ونِكَاحِه الذي هو سَبَبُه، والنِّكاحُ باقٍ، ولا نَأمَنُ رَجْعَتَه، على أنَّنا نمْنَعُ كَوْنَها مُحَرَّمَةً.
وَيُبَاحُ لِزَوْجِهَا وَطْؤهَا، وَالْخَلْوَةُ وَالسَّفَرُ بِهَا، وَلَهَا أن تَتَشَرَّفَ لَهُ وَتَتَزَيَّنَ، وَتَحْصُلُ الرَّجْعَةُ بِوَطْئِهَا، نَوَى الرَّجْعَةَ بِهِ أوْ لَمْ يَنْو.
3651 - مسألة: (ويُباحُ لزَوْجِها وَطْؤُها، والخَلْوةُ والسَّفَرُ بِهَا، ولَها أن تَتَزَيَّنَ)
له (وتَتَشَرَّفَ له) قال القاضي: هذا ظاهِرُ المذهبِ.
قال أحمدُ في رِوايةِ أبي طالبٍ: لا تَحْتَجِبُ عنه.
وفي رِوايةِ أبي الحارِثِ: تتشَرَّفُ له ما كانت في العِدَّةِ.
فظاهِرُ هذا أنَّها مُباحَةٌ له، له أن يُسافِرَ بها،
..................................
ويَخْلُوَ بها، ويَطَأها.
وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّها في حُكْمِ الزَّوْجاتِ،
وَعَنْهُ لَيسَتْ مُبَاحَةً، وَلَا تَحْصُلُ الرَّجْعَةُ بِوَطْئِهَا، وَإنْ أَكْرَهَهَا عَلَيهِ، فَلَهَا الْمَهْرُ إِذَا لَمْ يَرْتَجِعْهَا بَعْدَهُ.
فأُبِيحَتْ له، كما قبلَ الطَّلاقِ (وعن أحمدَ) رَحِمَه اللهُ، أنَّها (ليستْ مُباحَةً، ولا تَحْصُلُ الرَّجْعَةُ بوَطْئِها، وإن أكْرَهَها عليه، فلها المهْرُ إن لم يَرْتَجِعْها بعدَه) وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، ومذهبُ الشافعيِّ.
وحُكِيَ ذلك عن عطاءٍ، ومالكٍ؛ لأنَّها مُطَلَّقَةٌ، فكانت مُحَرَّمَةً، كما لو طَلَّقَها بعِوَضٍ 1، ولا حَدَّ عليه بالوَطْءِ، [بغيرِ خِلافٍ] 2. وإن قُلْنا: إنَّها مُحَرَّمَةٌ.
ولا يَنْبَغِي أن يَلْزَمَه مَهْرٌ، سواءٌ راجَعَ أو لم يُراجِعْ؛ لأنَّه وَطِئَ
..................................
زَوْجَتَه التي يَلْحَقُها طَلاقُه، فلم يكن عليه مَهْرٌ، كسائِرِ الزَّوْجاتِ، ويُفارِقُ ما لو وَطِئَ الزَّوْجُ بعدَ إسْلامِ أحَدِهما في العِدَّةِ؛ حيثُ يَجِبُ المَهْرُ إذا لم يُسْلِمِ الآخرُ في العِدَّةِ؛ لأنَّه إذا لم يُسْلِمْ، تَبَيَّنَّا أنَّ الفُرْقَةَ وَقَعَتْ مِن حِينِ إسْلامِ الأوَّلِ، وهي فُرْقَةُ فَسْخ تَبِينُ به مِن نِكاحِه، فأشْبَهَتِ التي أرْضَعَتْ مَن يَنْفَسِخ نِكاحُها برَضَاعِه، وفي مَسْألَتِنا لا تَبِينُ إلَّا بانْقِضاءِ 1 العِدَّةِ، فافْتَرَقا.
وقال أبو الخَطَّابِ: إذا أكْرَهَها على الوَطْءِ، وَجَبَ عليه المَهْرُ عندَ مَن حَرَّمَها.
وهو الذي ذَكَرَه شيخُنا في الكتابِ المشْروحِ، وهو المنْصُوصُ عن الشافعيِّ؛ لأنَّه وَطْءٌ حَرَّمَه الطَّلاقُ، فَوَجَبَ به المَهْرُ، كوَطْءِ [المُخْتَلِعَةِ في عِدَّتِها] 2. والأوَّلُ أَولَى؛ لظُهُورِ الفَرْقِ بينَهما؛ فإنَّ البائِنَ ليستْ زَوْجَةً له، وهذه زَوْجَةٌ يَلْحَقها طَلاقُه، وقِياسُ الزَّوْجَةِ على الأجْنَبِيَّةِ في الوَطْءِ وأحْكامِه بَعيدٌ.
..................................
فصل: فإذا قُلْنا: إنَّها مُباحَةٌ.
حَصَلَتِ الرَّجْعَةُ بوَطْئِها، سواءٌ نَوَى الرَّجْعَةَ أو لم يَنْو.
اخْتارَها ابنُ حامدٍ، والقاضي.
وهو قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، والزُّهْرِيِّ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزَاعِيِّ، وابنِ أبي لَيلَى، وأصحابِ الرَّأْي.
قال بعْضُهم: ويُشهِدُ.
وقال مالكٌ، وإسْحاقُ: يكونُ رَجْعَةً إذا أَرادَ به الرَّجْعَةَ؛ لأنَّ هذه مُدَّةٌ تُفْضِي إلى بَينُونَةٍ، فتَرْتَفِعُ بالوَطْءِ، كَمُدَّةِ الإيلاءِ، ولأنَّ الطَّلاقَ سَبَبٌ لزَوالِ المِلْكِ ومعه خِيَارٌ، فتَصَرُّفُ المالِكِ بالوَطْءِ يَمْنَعُ 1 عَمَلَه، كوَطْءِ البائِعِ الأمَةَ المَبِيعَةَ في مُدَّةِ الخِيارِ، وكما يَنْقَطِعُ به التَّوْكيلُ في طَلاقِها.
فصل: وإن قُلْنا: ليستْ مُباحةً.
لم تَحْصُلِ الرَّجْعَةُ بوَطْئِها, ولا تَحْصُلُ إلَّا بالقَوْلِ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لقَوْلِه: والمُراجَعَةُ أنْ يَقولَ لرَجُلَينِ مِن المسْلِمين: اشْهَدا أنِّي قد راجَعْتُ امْرأتِي.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّها اسْتِباحَةُ بُضْعٍ مَقْصُودٍ، أُمِرَ بالإِشْهادِ فيه، فلم يَحْصُلْ مِن القادِرِ بغَيرِ قَوْلٍ، كالنِّكاحِ، ولأنَّ غيرَ القَوْلِ فِعْل مِن قادِرٍ على القَوْلِ، فلم تَحْصُلْ به الرَّجْعَةُ، كالإِشارَةِ مِن النَّاطِقِ.
وهو رِوايَةٌ عن أحمدَ.
وَلَا تَحْصُلُ بِمُبَاشَرَتِهَا، وَالنَّظَرِ إِلَى فَرْجِهَا، وَالْخلْوَةِ بِهَا لِشَهْوَةٍ.
نَصَّ عَلَيهِ.
وَخَرَّجَهُ ابْنُ حَامِدٍ عَلَى وَجْهَينِ.
3652 - مسألة: (ولا تَحْصُلُ بمُباشَرَتِهَا، والنَّظَرِ إلى فَرْجِهَا، والخَلْوَةِ بِهَا لشهوةٍ. نَصَّ عليه)
أحمدُ (وخَرَّجَه ابنُ حامدٍ على وَجْهَينِ) مَبْنيَّينِ على الرِّوايَتَينِ في تَحْريمِ المُصاهَرَةِ به؛ أحَدُهما، هو رَجْعَةٌ.
وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأي؛ لأنَّه اسْتِمْتاعٌ يُباحُ بالزَّوْجِيَّةِ، فحصَلَتِ الرَّجْعَة به، كالوَطْءِ.
والثاني، ليس برَجْعَةٍ؛ لأَنه أمْرٌ 1 لا يتَعَلَّقُ به إيجَابُ عِدَّةٍ ولا مَهْرٍ، فلا تَحْصُلُ به الرَّجْعَةُ، كالنَّظرَ.
فأمَّا الخَلْوَةُ بها، فليستْ بِرَجْعَةٍ؛ لأنَّه ليس باسْتِمْتاعٍ.
وهذا اخْتِيارُ أبي الخَطَّابِ.
..................................
وحُكِيَ عن غيره مِن أصحابِنا، أنَّ الرَّجْعَةَ تَحْصُل به؛ لأنه مَعْنًى يَحْرُمُ مِن الأجْنَبِيَّةِ، ويَحِلُّ مِن الزَّوْجَةِ، فَحَصَلَتْ به الرَّجْعَة، كالاسْتِمْتاعِ.
والصَّحِيحُ أنَّ الرَّجْعَةَ لا تَحْصُلُ بها؛ لأنَّها لا تُبْطِلُ خِيارَ المُشْتَرِي للأمَةِ، [فلم تَكنْ رَجْعَةً] 1، كاللَّمْسِ لغَيرِ شَهْوَةٍ، فأمَّا اللَّمْسُ للشَّهْوَةِ، والنَّظَرُ لذلك 2 ونَحْوُهُ، فليس بِرَجْعَةٍ؛ لأنَّه يَجُوزُ في غَيرِ الزَّوْجَةِ عندَ الحاجَةِ، فأشْبَهَ 3 الحَدِيثَ معها.
وَلا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الرَّجْعَةِ بِشَرْطٍ، وَلَا الارْتِجَاعُ في الرِّدَّةِ.
3653 - مسألة: (ولا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الرَّجْعَةِ على شَرْطٍ)
لأنَّه اسْتِباحَةُ فَرْجٍ مَقْصُودٍ، فأشْبَهَ النِّكاحَ.
فلوقال: راجَعْتُكِ إن شِئْتِ.
لم يَصِحَّ لذلك.
ولو قال: كُلَّما طَلَّقْتُكِ فقد راجَعْتُكِ.
لم يَصِحَّ أَيضًا؛ لأَنه راجَعَها قبلَ أن يَمْلِكَ الرَّجْعَةَ، فأشْبَهَ الطَّلاقَ قبلَ النِّكاحِ.
وإن قال: إن قَدِمَ أبوكِ فقد راجَعْتُكِ.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّه تَعْليق على شَرْطٍ.
فإن راجَعَها في الرِّدَّةِ مِن أحَدِهما، لم يَصِح.
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
وهو صَحِيحُ مذهبِ الشافعيِّ؛ لأنَّه اسْتِباحَةُ بُضْعٍ مَقْصُودٍ، فلم يَصِحَّ مع الرِّدَّةِ، كالنِّكاحِ، ولأنَّ الرَّجْعَةَ تَقْرِيرٌ للنِّكاحِ، والرِّدَّةَ تُنافِي ذلك، فلم يَصِحَّ اجْتِماعُهما.
..................................
وقال القاضي: إن قُلْنا بتَعْجيلِ الفُرْقَةِ بالرِّدَّة، لم تَصِحَّ الرجْعَةُ؛ لأنها قد بانَتْ بها.
وإن قُلْنا: لا تُتَعَجَّلُ الفُرْقَةُ.
فالرَّجْعَةُ مَوْقُوفَةٌ، إن أسْلَمَ المُرْتَدُّ منهما في العِدَّةِ، صَحَّتِ الرَّجْعَةُ؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنَّه ارْتَجَعَها في نِكاحِه، ولأنَّه نَوْعُ إمْساكٍ، فلم تَمْنَعْ منه الرِّدَّةُ، كما لو لم يُطَلِّقْ، وإن لم يُسْلِمْ في العِدَّةِ تَبَيَّنَّا أنَّ الفُرْقَةَ وَقَعَتْ قبلَ الرَّجْعَةِ.
وهذا قَوْلُ المُزَنِيِّ.
واخْتِيارُ ابنِ حامدٍ.
وهكذا يَنْبَغِي أن يكونَ فيما إذا راجَعَها بعدَ إسْلامِ أحَدِهما.
فصل: قد ذَكرنا أنَّ مَن طَلَّقَ طلاقًا بغَيرِ عِوَضٍ، فله رَجْعَةُ زَوْجتِه ما دامَتْ في العِدَّةِ، إذا كان طلاقُ الحُرِّ أقَلَّ مِن ثلاثٍ، أو العبدِ واحدةً.
فعلى هذا، إن كانت حامِلًا باثْنينِ، فوَضَعَتْ أحَدَهما، فله مُراجَعَتُها ما لم تَضَعِ الثَّانِيَ.
هذا قولُ عامَّةِ العُلَماءِ، إلَّا أنَّه حُكِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّ العِدَّةَ تَنْقَضِي بوَضْعِ الأوَّلِ.
وما عليه سائِرُ أهْلِ العِلْمِ أصَحُّ؛ فإنَّ العِدَّةَ لا تَنْقَضِي إلَّا بوَضْعِ الحَمْلِ كلِّه؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ 1. واسْمُ الحَمْلِ مُتَناولٌ لكُلِّ ما في
فَإِنْ طَهُرَتْ مِنَ الْحَيضَةِ الثَّالِثَةِ وَلَمَّا تَغْتَسِلْ، فَهَلْ لَهُ رَجْعَتُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
البَطْنِ، فتَبْقَى العِدَّةُ مُسْتَمِرَّةً إلى حينِ وَضْعِ باقِي الحَمْلِ، فتَبْقَى الرَّجْعَةُ ببَقائِها.
ولأنَّ العِدَّةَ لو انْقَضَتْ بوَضْعِ بعضِ الحَمْلِ، لحَلَّ لها التَّزْويجُ وهي حامِلٌ مِن زَوْجٍ آخَرَ، ولا قَائِلَ به.
قال شيخُنا (1): وأظُنُّ أنَّ قَتادَةَ ناظَرَ عِكْرِمَةَ في هذا، فقال عِكْرِمَةُ: تَنْقَضِي عِدَّتُها بوَضْعِ أحَدِ الوَلَدَينِ.
فقال له قَتادَةُ: أيَحِلُّ لها أن تَتَزَوَّجَ؟ قال: لا.
قال: خُصِمَ (2) العَبْدُ.
ولو خَرَجَ بَعْضُ الوَلَدِ، فارْتَجَعَها قبلَ أن تَضَعَ باقِيَه صَحَّ؛ لأنَّها لم تَضَعْ جَمِيعَ حَمْلِها، فصارَتْ كمَن وَلَدَتْ أحَدَ الوَلَدَين.
3654 -
مسألة: (وإن طَهُرَتْ مِن الحَيضَةِ الثَّالِثَةِ ولم تَغْتَسِلْ، فهل له رَجْعَتُها؟ على رِوايَتَين)
وجملةُ ذلك، أنَّه إذا انْقَطَعَ حَيضُ المرْأةِ المُعْتَدَّةِ في المرَّةِ الثَّالثَةِ، ولمَّا تَغْتَسِلْ، فهلْ تَنْقَضِي عِدَّتُها بِطُهْرِها؟ فيه12
..................................
رِوايَتانِ، ذكَرَهُما ابنُ حامدٍ؛ إحْداهُما، لا تَنْقَضِي حتَّى تَغْتَسِلَ، ولزَوْجِها رَجْعَتُها في ذلك.
وهذا ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، فإنَّه قال في العِدَدِ: فإذا اغْتَسَلَتْ مِن الحَيضَةِ الثَّالثَةِ أُبِيحتْ للأزْواجِ.
وبه قال كثيرٌ مِن أَصْحابِنا.
رُوِيَ ذلك عن عمرَ، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والثَّوْرِيِّ، وأبي عُبَيدٍ.
ورُوِيَ نحوُه عن أبي بكر الصِّدِّيقِ، وأبي مُوسى، وعُبادَةَ، وأبي الدَّرْدَاءِ، رَضِيَ الله عنهم.
ورُوِيَ عن شَرِيكٍ، لَه الرَّجْعَةُ وإنْ فَرَّطَتْ في الغُسْلِ عِشْرينَ سَنَةً؛ لأنَّه قَوْلُ مَن سَمَّينا مِن الصَّحابَةِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ في عَصْرِهم، فكان إجْماعًا, ولأنَّ أكْثَرَ أحْكامِ الحَيضِ لا تَزُولُ إلَّا بالغُسْلِ، فكذلك هذا.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، أنَّ العِدَّةَ تَنْقَضِي بمُجَرَّدِ الطهْرِ قبلَ الغُسْل.
وهو قَوْلُ طَاوُسٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيرٍ، والأوْزَاعِيِّ.
واخْتارَه أبو الخَطَّابِ؛ لقَوْلِ الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ 1. والقُرْءُ: الحَيضُ.
وقد زَالتْ، فيَزُولُ التَّرَبُّصُ.
وفيما رُويَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «وقُرْءُ الأمَةِ حَيضَتانِ» 2. وقال: «دَعِي الصَّلاةَ أَيَّامَ أقْرَائِكِ» 3. أي أيَّامَ حَيضِكِ.
ولأنَّ انْقِضاءَ العِدةِ تَتَعلَّقُ به بَينُونتها مِن
..................................
الزَّوْجِ، وحِلُّها مِن غيرِه، فلم يَتَعَلَّقْ بفِعْلٍ اخْتِيَارِيٍّ مِن جِهَةِ المرْأةِ بغَيرِ تَعْليقِ الزَّوْجِ، كالطَّلاقِ وسائِرِ العِدَدِ، ولأنَّها لو تَرَكَتِ الغُسْلَ اخْتِيارًا أو لجُنُونٍ أو نحْوه، لم تَحِلَّ؛ فإمَّا أن يُقال بقَوْلِ شَرِيكٍ: إنَّها تَبْقَى مُعْتَدَّةً ولو بَقِيَتْ عِشْرِينَ سَنَة.
وذلك خِلافُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.
فإنَّ عِدَّتَها تَصِيرُ أكْثَرَ مِن مِائَتَيْ قُرْءٍ.
أو يُقالُ: تَنْقَضِي العِدَّةُ قبلَ الغُسْلِ.
[فيكونُ رجوعًا عن قولِهم، ويُحْمَلُ قولُ الصحابةِ في قولِهم: حتَّى تَغْتَسِلَ.
أي حتَّى يَلْزَمَها الغُسْلُ] 1. واللهُ أعلمُ.
..................................
فصل: إذا تَزَوُّجَتِ الرَّجْعِيَّةُ في عِدَّتِها، وحَملَتْ مِن الزَّوْجِ الثَّانِي، انْقَطَعَتْ عِدَّةُ الأوَّلِ بوَطْءِ الثَّانِي.
وهل يَمْلِكُ الزَّوْجُ رَجْعَتَها في مُدَّةِ الحَمْلِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ؛ أوَّلُهما، أنَّ له رَجْعَتَها؛ لأنَّها ما 1 لم تَقْضِ عِدَّتَه، فحُكْمُ نِكاحِه باقٍ 2، يَلْحَقُها طَلاقُه وظِهارُه، وإنَّما انْقَطَعَتْ عِدَّتُه لعارِضٍ، فهو كما لو وُطِئَتْ في صُلْبِ نِكاحِه، فإنَّها تَحْرُمُ عليه، وتَبْقَى سائِرُ أحْكامِ الزَّوْجِيَّةِ، ولأنَّه يَمْلِكُ ارْتِجاعَها إذا عادَت إلى عِدَّتِه، فَمَلَكَه قبلَ ذلك، كما لو ارْتَفَعَ حَيضُها في أثْناءِ عِدَّتِها، والوَجْهُ الثَّانِي، ليس له رَجْعَتُها؛ لأنَّها ليست في عِدَّتِه.
فإذا وَضَعَتِ الحَمْلَ، انْقَضَتْ عِدَّةُ الثَّانِي، وبَنَتْ على ما مَضَى مِن عِدَّةِ الأوَّلِ، وله ارْتِجاعُها حِينَئذٍ، وَجْهًا واحدًا، ولو كانتْ في نِفاسِها؛ لأنَّها بعدَ الوَضْعِ تَعُودُ
وَإنِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَلَمْ يَرْتَجِعْهَا، بَانَتْ، وَلَمْ تَحِلَّ إلا بِنِكَاحٍ
إلى عِدَّةِ الأوَّلِ وإن لم تَحْتَسِبْ به، فكان له الرَّجْعَةُ فيه، كما لو طَلَّقَ حائِضًا، فإنَّ له رَجْعَتَها في حَيضِها، وإن كانت لا تَعْتَدُّ بها.
وإن حَمَلَتْ حَمْلًا يُمْكِنُ أن يكونَ منهما، فعلى الوَجْهِ الذي لا يَمْلِكُ رَجْعَتَها في حَمْلِها مِن الثَّانِي، إذا راجَعَها في هذا الحَمْلِ، ثم بان أنَّه مِن الثَّانِي لم يَصِحَّ، وإن بان مِن الأوَّلِ، احْتَمَلَ أن (1) يَصِحَّ؛ لأنه راجَعَها في عِدَّتِها منه، واحْتَمَلَ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّه راجَعَها مع الشَّكِّ في إباحَةِ الرَّجْعَةِ.
والأوَّلُ أَصَحُّ؛ فإنَّ الرّجْعَةَ ليستْ بعبادَةٍ يُبْطِلها الشَّكُّ في صِحَّتِها، وعلى أنَّ العِبادَةَ تَصِحُّ مع الشَّكِّ فيما إذا نَسِيَ صلاةً مِن يوْم لا يَعْلَمُ عَينها، فصَلَّى خَمْسَ صَلَواتٍ، فإنَّ كلَّ صلاةٍ يَشُكُّ في أنَّها هل هي المَنْسِيَّةُ أو غَيرُها؟ ولو شَكَّ في الحَدَثِ، فتَطَهَّرَ يَنْوى رَفْعَ الحَدَثِ، صَحَّتْ طَهارَتُه، وارْتَفعَ حَدَثُه، فههُنا أوْلَى.
فإن راجَعَها بعدَ الوَضْعِ، وبَانَ أنَّ (2) الحَمْلَ مِن الثَّانِي، صَحَّتْ رَجْعَتُه، وإن بان مِن الأوَّلِ، لم تَصِحَّ؛ لأنَّ العِدَّةَ انْقَضَتْ بوَضْعِه.
3655 -
مسألة: (وإنِ انْقَضَتْ عِدَّتُها ولمْ يَرْتَجِعْها، بانَتْ،
12
جَدِيدٍ.
وَتَعُودُ إِلَيهِ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا، سَوَاءٌ رَجَعَتْ بَعْدَ نِكَاحِ زَوْجٍ غَيرِهِ أَوْ قَبْلَهُ.
وَعَنْهُ، إِنْ رَجَعَتْ بَعْدَ نِكَاحِ زَوْجٍ غَيرِهِ، رَجَعَتْ بِطَلَاقِ ثَلَاثٍ.
ولا تَحِلُّ إلَّا بنِكَاح جَدِيدٍ) لقَوْلِ اللهِ سبحانَه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾.
يُريدُ الرَّجْعةَ عندَ جماعَةِ أهلِ التَّفْسِيرِ ﴿فِي ذَلِكَ﴾ أي في العِدَّةِ.
وأجْمَعَ أهل العِلْمِ على أنَّ المرْأةَ إذا طَلَّقَها زَوْجُها، فلم يَرْتَجِعْها حتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُها، أنَّها تَبِينُ منه، فلا تَحِلُّ له إلَّا بنِكاحٍ جَدِيدٍ.
3656 -
مسألة: (وتَعُودُ على ما بَقِيَ مِن طلاقِها، سَواءٌ رَجَعَتْ بعدَ نِكاحِ زَوْجٍ غَيرِه أوْ قَبْلَه. وعنه)
أنَّها (إن رَجَعَتْ بعدَ نِكاحِ زَوْجٍ غَيرِه، رَجَعَتْ بطلاقِ ثلاثٍ) وجملةُ ذلك، أنَّ المُطَلَّقَةَ لا تَخْلُو مِن أحَدِ ثلَاثَةِ أحْوالٍ؛ أحدُها أن يُطَلِّقَها دُونَ الثَّلاثِ، ثم تَعُودَ إليه برَجْعَةٍ أو نِكاحٍ جَدِيدٍ قبلَ زوجٍ ثانٍ، فهذه تَعُودُ إليه على ما بَقِيَ مِن طَلاقِها، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
والثَّانِي، أن يُطَلِّقَها ثلَاثا، فتَنْكِحَ زَوْجًا غيرَه، ويُصِيبَها، ثم يتَزَوجَها الأوَّلُ، فهذه تَعُودُ [على طَلاقِ] 1 ثَلاثٍ،
..................................
بإجْماعٍ مِن أهلِ العِلْمِ.
حَكاه ابنُ المُنذِرِ.
الثَّالِثُ، طَلَّقَها دُونَ الثَّلاثِ، فقَضَتْ عِدَّتَها، ثم نَكَحَتْ غيرَه، ثم تَزوَّجَها الأوَّلُ، ففيها رِوايَتان؛ أظْهَرُهما، أنَّها تَعُودُ إليه على ما بَقِيَ مِن الثَّلاثِ.
وهو قولُ الأكبرِ 1 مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ منهم عمرُ، وعليٌّ، وأُبَيٌّ، ومُعاذٌ، وعِمْرانُ بنُ حُصَينٍ، وأبو هُرَيرَةَ، وزَيدٌ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَبِيدَة، والحسَنُ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ أبي لَيلَى، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، وأبو ثَوْرٍ، ومحمدُ بنُ الحسَنِ، وابنُ المُنْذِرِ.
والرِّوايَةُ الثَّانيةُ 2 عن أحمدَ، أنَّها تَرْجِعُ إليه على طَلاقِ ثلاثٍ.
وهو قولُ ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ، والنَّخَعِيِّ، وشُرَيحٍ، وأبي حَنِيفةَ، وأبي يوسُفَ؛ لأنَّ وَطْءَ [الزوجِ الثَّاني مُثْبِتٌ للحِلِّ، فيُثْبِتُ حِلًّا يَتَّسِعُ لثلاثِ طَلَقاتٍ؛ كما بعدَ الثلاثِ، ولأنَّ وطءَ] 3 الثَّاني يَهْدِمُ الطَّلَقاتِ الثَّلاثَ، فأوْلَى أن يَهْدِمَ ما دُونَها.
ولَنا، أنَّ وَطْءَ الثَّاني لا يُحْتاجُ إليه في الإِحْلالِ للزَّوْجِ الأوَّلِ، فلا يُغَيِّرُ حُكْمَ الطَّلاقِ، كوَطْءِ السَّيِّدِ، ولأنَّه تَزْويجٌ قبلَ اسْتِيفاءِ الثَّلاثِ، فأشْبَهَ ما لو رَجَعَتْ إليه قبلَ وَطْءِ الثَّانِي.
وقَوْلُهم: إنَّ وَطْءَ الثَّانِي يُثْبِتُ الحِلَّ.
لا يَصِحُّ؛ لوَجْهَينِ؛ أحَدُهما، مَنْعُ كَوْنِه مُثْبِتًا
وَإنِ ارْتَجَعَهَا في عِدَّتِهَا، وَأَشْهَدَ عَلَى رَجْعَتِهَا مِنْ حَيثُ لَا تَعْلَمُ، فَاعْتَدَّتْ، وَتَزَوَّجَتْ مَنْ أصَابَهَا، رُدَّتْ إِلَيهِ، وَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا.
وَعَنْهُ، أَنَّهَا زَوْجَةُ الثَّانِي.
للحِلِّ أصلًا، وإنَّما هو في الطَّلاقِ الثَّلاثِ غايةُ التَّحْريمِ، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾ (1). وحتَّى للغَايَةِ، وإنَّما سَمَّى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الزَّوْجَ الذي قَصَدَ الحِيلَةَ مُحَلِّلًا تَجَوُّزًا، بدليلِ أنَّه لَعَنَه، ومَن أثْبَتَ حَلالًا لم (2) يَسْتَحِقَّ لَعْنًا.
والثاني، أنَّ الحِلَّ إنّما يَثْبُتُ في مَحَلٍّ فيه تَحْرِيمٌ، وهي المُطَلَّقةُ ثلَاثًا، وههُنا هي حَلالٌ له، فلا يَثْبُتُ فيها حِلٌّ.
وقولُهم: إنه يَهْدِمُ الطَّلاقَ.
قُلْنا: بل هو غايةٌ لتَحْرِيمِه، وما دُونَ الثَّلاثِ لا تَحْرِيمَ فيها، فلا يَكُون غايةً له.
3657 -
مسألة: (وإنِ ارْتَجَعَها في عِدَّتِهَا، وأشْهَدَ على رَجْعَتِها مِن حَيثُ لا تَعْلَمُ، فاعْتَدَّتْ، ثم تَزَوَّجَتْ مَن أصابها، رُدَّتْ إليه، ولا يَطَؤُها حتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها)
في إحْدَى الرِّوايَتَينِ.
والأخْرَى، هي زَوْجَةُ الثَّانِي.
وجملةُ ذلك، أنَّ زَوْجَ الرَّجْعِيَّةِ إذا رَاجَعها مِن حيثُ لا تَعْلَمُ،12
..................................
صَحَّتِ المُرَاجَعَةُ؛ لأنَّها لا تَفْتَقِرُ إلى رِضاها، فلم تَفْتَقِرْ إلى عِلْمِها، كطلاقِها.
فإذا راجَعَها ولم تَعْلَمْ، فانْقَضَتْ عِدَّتُها، وتَزَوَّجَت، ثم جاء وادَّعَى أنَّه كان راجعَهَا قبلَ انْقِضاءِ عِدَّتِها، وأقامَ البَيِّنةَ على ذلك، ثَبَتَ أنَّها زَوْجَتُه، وأنَّ نِكاحَ الثَّاني فاسِدٌ؛ لأنَّه تَزَوَّجَ امْرَأةَ غيرِه، وتُرَدُّ إلى الأوَّلِ، سَواءٌ دَخَلَ بها الثَّاني 1 أو لم يَدْخُلْ.
وهذا هو الصَّحِيحُ.
وهو قَوْلُ أكثَرِ الفُقَهاءِ؛ منهم الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ، رَضِيَ الله عنه.
ورُوِيَ عن أبي عبدِ اللهِ، رَحِمَه اللهُ، رِوايَةٌ ثانِيَةٌ، إن دَخَلَ بها الثَّانِي، فهي امْرأتُه، ويَبْطُلُ نِكاحُ الأوَّلِ.
رُويَ ذلك عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِيَ اللهُ عنه.
وهو قول مالكٍ.
ورُوِيَ مَعْناه عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسمِ، ونافعٍ؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما عَقَدَ عليها وهي ممَّن يَجوزُ العَقْدُ عليها في الظَّاهِرِ، ومع الثَّانِي مَزِيَّةُ الدُّخول، فقُدِّمَ بها.
ولَنا، أنَّ الرَّجْعَةَ قد صَحَّتْ، وتَزَوَّجَتْ وهي زَوْجَةُ الأوَّلِ، فلم يَصِحَّ نِكاحُها، كما لو لم يُطَلِّقْها.
إذا ثَبَتَ هذا، فإن كان الثَّانِي ما دَخَلَ بها، فُرِّقَ بينَهما، ورُدَّت إلى الأوَّلِ، ولا شيءَ على الثَّانِي.
وإن كان دَخَلَ بها، فلها عليه مَهْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ هذا وَطْءُ شُبْهَةٍ، وتَعْتَدُّ، ولا تَحِلُّ للأوَّلِ حتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها منه.
وَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِرَجْعَتِهَا, لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ، لَكِنْ إِنْ صَدَّقَهُ الزَّوْجُ الثَّانِي بَانَتْ مِنْهُ، وَإِنْ صَدَّقَتْهُ الْمَرْأةُ، لَمْ يُقْبَلْ تَصْدِيقُهَا، لَكِنْ مَتَى بَانَتْ مِنْهُ، عَادَتْ إِلَى الأوَّلِ بِغَيرِ عَقْدٍ جَدِيدٍ.
فإن كان أقامَ البَيِّنَةَ قبلَ دُخولِ الثَّانِي بها، رُدَّتْ إلى الأوَّلِ، بِغَيرِ خِلافٍ في المذْهَبِ.
وهي إحْدَى الرِّوايَتَين عن مالكٍ.
وأمَّا إن تَزَوَّجَها مع عِلْمِها بالرَّجْعَةِ، أو عِلْمِ أحَدِهما، فالنِّكاحُ باطِلٌ بغَيرِ خِلافٍ، والوَطْءُ مُحَرَّم على مَن عَلِمَ، وحُكْمُه حُكْمُ الزَّانِي في الحَدِّ وغيرِه؛ لأنَّه وَطِئَ امْرأةَ غيرِه مع عِلْمِه.
3658 -
مسألة: (وإن لم يَكُنْ للمُدَّعِي بَيِّنةٌ بالرَّجْعةِ)
فأنْكَرَه أحَدُهما، لم يُقْبَلْ قَوْلُه، فإن أنْكَراه جيعًا، فالنِّكاحُ صَحِيحٌ في حَقِّهِما، وإنِ اعْتَرَفا له بالرَّجْعَةِ، ثَبَتتْ، والحُكْمُ فيه كالحُكْمِ فيما إذا قامَت به البَيِّنةُ سَواءً، في أنَّها تُرَدُّ إليه.
وإن أقَرَّ له الزَّوْجُ وحدَه، فقد اعْتَرَفَ بفسادِ نِكاحِه، فتَبينُ منه، وعليه مَهْرُها إن كان دَخَلَ بها، أو نِصْفُه إن كان لم يَدْخُلْ بها؛ لأنَّه لا يُصَدَّقُ على المرْأةِ في إسْقاطِ حَقِّها عنه، ولا تُسَلَّمُ المرْأة إلى المُدَّعِي؛ لأنَّه لا يُقْبَلُ قَوْلُ الزَّوْجِ الثَّانِي عليها، وإنَّما يُقْبَلُ في حَقِّه،
..................................
ويَكُونُ القَوْلُ قولَها.
وهل هو مع يَمِينِها أو لا؟ على وَجْهَينِ.
قال شيخُنا 1: ولا تُسْتَحْلَفُ؛ لأنّها لو أقَرَّتْ لم يُقْبَلْ إقْرارُها، فإذا أنْكَرَتْ لم تَجِبِ اليَمِينُ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّها تَجِبُ عليها.
وإنِ اعْتَرَفَتِ المرْأةُ وأنْكَرَ الزَّوْجُ، لم يُقْبَلِ اعْتِرافُها على الزَّوْجِ في فَسْخ نِكاحِه؛ لأنَّ قَوْلَها إنَّما يُقْبَلُ على نَفْسِها في حَقِّها.
وهل يُسْتَحْلَفُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ؛ أحَدُهما، لا يُسْتحْلَفُ.
اخْتارَه القاضي؛ لأنَّه دَعْوَى في النِّكاحِ، فلم يُسْتَحْلَفْ، كما لو ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأةٍ فأنْكَرَتْه.
والثَّاني، يُسْتَحْلَف.
قال القاضي: وهو قَوْلُ الخِرَقِيِّ؛ لعُمُومِ قَوْلِه - عليه السلام -: «ولَكِنَّ اليَمِينَ علَى المُدَّعَى عَلَيهِ» 2. ولأنَّه دَعْوَى في حَقِّ آدَمِيٍّ، فيُسْتَحْلَفُ فيه كالمالِ.
فإن حَلَفَ فيَمِينُه على نَفْي العِلْمِ؛ لأنَّه على نفي فِعْلِ الغَيرِ.
فإن زال نِكاحُه بطَلاقٍ، أو فَسْخٍ، أو مَوْتٍ، رُدَّتْ إلى الأوَّلِ مِن غَيرِ عَقْدٍ؛ لأنَّ المَنْعَ مِن رَدِّها إنَّما كان لحَقِّ الثَّانِي، فإذا زال زال المَنْعُ، وحُكِمَ بأنَّها زَوْجَةُ الأوَّلِ، كما لو شَهِدَ بحُرِّيَّةِ عَبْدٍ ثم اشْتَراه، عَتَقَ عليه.
ولا يَلْزَمُها للأوَّلِ مَهْرٌ بحَالٍ.
وذَكَرَ القاضي أنَّ له عليها مَهْرًا.
فَصْلٌ: وَإذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا، قُبِلَ قَوْلُهَا إِذَا كَانَ مُمْكِنًا، إلا أَنْ تَدَّعِيَهُ بِالْحَيضِ في شَهْرٍ، فَلَا يُقْبَلُ إلا بِبَيِّنَةٍ.
وهو قولُ بعْضِ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّها أقَرَّتْ أنَّها حالتْ بينَه وبينَ بُضْعِها بغيرِ حَقٍّ، فأشْبَهَ شُهودَ الطَّلاقِ إذا رَجَعُوا.
ولَنا، أنَّ مِلْكَها اسْتَقَرَّ على المَهْرِ، فلم يَرْجِعْ به عليها، كما لو ارْتَدَّتْ، أو أسْلَمَتْ، أو قَتَلَتْ نَفْسَها.
فإن ماتَ الأوَّلُ وهي في نِكاحِ الثَّاني، فيَنْبَغِي أن تَرِثَه؛ لإِقْرارِه بِزَوْجِيَّتِها وإقْرارِها بذلك.
وإن ماتَتْ، لم يَرِثْها؛ لأنَّها لا تصَدَّقُ في إبْطالِ مِيراثِ الزَّوْجِ الثَّاني، كما لم تُصَدَّقْ في إبْطالِ نِكاحِه، ويَرِثُها الزَّوْجُ الثَّانِي، لذلك.
وإن مات الزَّوْجُ الثَّاني، لم تَرِثْه؛ لأنَّها تُنْكِرُ صِحَّةَ نِكاحِه، فتُنْكِرُ مِيراثَه.
3659 -
مسألة: (وَإذا ادَّعَتِ المرْأةُ انْقِضاءَ عِدَّتِهَا، قُبِلَ قَوْلُها إذا كان مُمْكِنًا، إلَّا أن تَدَّعِيَه بالحَيضِ في شَهْرٍ، فلا يُقْبَلُ إلَّا ببَيِّنَةٍ)
وجملةُ ذلك، أنَّ المرْأةَ إذا ادَّعَتِ انْقِضَاءَ عِدَّتِها في وَقْتٍ يُمْكِنُ انْقِضَاؤُها 1
.................................. فيها، قُبِلَ قَوْلُها؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ 1. قِيلَ في التَّفْسِيرِ: هو الحَيضُ [والحَمْلُ] 2. ولولا أنَّ قَوْلَهنَّ مَقْبُولٌ، لم يُحْرَجْنَ 3 بكِتْمانِه، ولأنَّه أمْرٌ تَخْتَصُّ بمَعْرِفَتِه، فكان القَوْلُ قوْلَها فيه، كالنِّيَّةِ مِن الإِنْسانِ فيما تُعْتَبرُ 4 فيه النِّيَّةُ، أو أمْرٌ لا يُعْرَفُ إلَّا مِن جِهَتِها، فقُبلَ قَوْلُها فيه، كما يَجِبُ على التَّابِعيِّ قَبُولُ خَبَرِ الصَّحَابِيِّ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. فأمَّا ما تَنْقَضِي به العِدَّةُ، فهو ثلاثةُ أقْسَامٍ؛ الأوَّلُ، أن تَدَّعِيَ انْقِضاءَ عِدَّتِها بالقُرُوءِ، وهو يَنْبَنِي على
وَأَقَلُّ مَا يُمْكِنُ بِهِ انْقِضَاءُ الْعِدّةِ مِنَ الأقْرَاءِ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَلَحْظَةٌ إِذَا قُلْنَا: الْأَقْرَاءُ الْحِيَضُ.
وَأقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَإنْ قُلْنَا: الطُّهْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ.
فَثَلَاثَةٌ وَثَلَاُثونَ يَوْمًا وَلَحْظَةٌ.
الخِلافِ في أقَلِّ الطُّهْرِ بينَ الحَيضَتَين، وعلى الخِلافِ في أقَلِّ الحَيضِ، وهل الأقْراءُ الحِيَضُ أو الطُّهْرُ؟ (فإن قُلْنا: هي الحِيَضُ، وأقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثةَ عَشَرَ يَوْمًا.
فأقَلُّ ما تَنْقَضِي به العِدَّةُ تِسْعَة وعِشْرُونَ يَوْمًا ولَحْظَةٌ) وذلك أن يُطَلِّقَها مع آخِرِ الطُّهْرِ، ثم تَحِيضَ بعدَه يَوْمًا ولَيلَةً، ثم تَطْهُرَ ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثم تَحِيضَ يَوْمًا وَلَيلَةً، ثم تَطْهُرَ ثَلَاثةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثم تَحِيضَ يَوْمًا ولَيلَةً، ثم تَطْهُرَ لَحْظَةً، ليُعْرَفَ بها انْقطاعُ الحَيضِ، وإن لم تَكُنْ هذه اللَّحْظَةُ مِن عِدَّتِها، فلا بُدَّ منها لمَعْرِفَةِ انْقِطَاعِ حَيضِها، ولو صادَفَتْها رَجْعَتُه لم تَصِحَّ.
ومَن اعْتَبَرَ الغُسْلَ في انْقِضاءِ العِدَّةِ، فلا بُدَّ مِن وَقْتٍ يُمْكِنُ الغُسْلُ فيه بعدَ انْقِطَاعِ الحَيضِ (وإن قُلْنا): القُرُوءُ الحِيَضُ، وأقَلُّ (الطُّهْرِ خمسَةَ عَشَرَ) يومًا.
فأقَلُّ ما تَنْقَضِي به العِدَّةُ (ثَلاثَةٌ وثَلاُثونَ يَوْمًا ولَحْظَةٌ) تَزِيدُ أرْبَعَةَ أيَّامٍ في الطُّهْرَين (وإن قُلْنا:
وَإنْ قُلْنَا: الْقُرُوءُ الأطْهَارُ.
فَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ.
وَإنْ قُلْنَا: الطُّهْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
فَاثْنَانِ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ.
القُرُوءُ الأطْهارُ) وأقَلُّ الطُّهْرِ ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
فإنَّ العِدَّةَ تَنْقَضِي (بثَمانِيَةٍ وعِشْرينَ يَوْمًا ولَحْظَتَينِ) وهو أن يُطَلِّقَها في آخِرِ لَحْظَةٍ مِن طُهْرِها، فتَحْتَسِبَ بها قُرْءًا، ثم تَحْتَسِبَ طُهْرَينِ آخَرَينِ سِتَّةً وعِشْرينِ يَوْمًا، وبينَهما حَيضَتان يَوْمَينِ، فإذا طَعَنَتْ في الحَيضَةِ الثَّالثةِ لَحْظَةً، انْقَضَتْ عِدَّتُها (وإن قُلْنا: الطُّهْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) زِدْنَا على هذا أرْبَعَةَ اأيَّامٍ في الطُّهْرَينِ، فيَكُونُ (اثْنَينِ وثَلاثِينَ يَوْمًا ولَحْظَتَين) وهذا قولُ الشافعيِّ.
فإن كانت أمَةً، انْقَضَتْ عِدَّتُها بخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ولَحْظَةٍ على الوَجْهِ الأوَّلِ، وبِسَبْعَةَ 1 عَشَرَ يَوْمًا ولَحْظَةٍ على الوَجْهِ الثَّانِي، وبأرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا ولَحْظَتَينِ على الوَجْهِ الثَّالِثِ، وبسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا ولَحْظَتَينِ على الوَجْهِ الرَّابعِ، فمتى ادَّعَتِ انْقِضاءَ عِدَّتِها بالقُرُوءِ في أقَلَّ مِن هذا، لم يُقْبَلْ قَوْلُها عندَ أحدٍ فيما أعْلَمُ؛ لأنَّه لا يَحْتَمِلُ صِدْقَها.
..................................
3660 - مسألة: فإنِ ادَّعَتِ انْقِضاءَ عِدَّتِها بِالقُرُوءِ في [أقَلَّ مِن]
1 شَهْرٍ، لم يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لأنَّ شُرَيحًا قال: إذا ادَّعَتْ أنَّها حاضَت ثَلاثَ حِيَضٍ في شَهْرٍ، وجاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِن النِّساءِ العُدُولِ مِن بِطانَةِ أهْلِها، مِمَّن يُرْضَى صِدْقُه وعَدْلُه، أنَّها رَأتْ ما يُحَرِّمُ عليها الصَّلاةَ مِن الطَّمْثِ، وتَغْتَسِلُ عندَ كُلِّ قُرْءٍ وتُصَلِّي، فقد انْقَضَتْ عِدَّتُها، وإلَّا فهي 2 كاذِبَةٌ.
فقال له عليُّ بنُ أبي طالبٍ، رَضِيَ الله عنه: قالُون.
ومَعْناه بالرُّومِيَّةِ: أصَبْتَ أو أحْسَنْتَ 3. فأخَذَ أحمدُ بقَولِ عليٍّ في الشَّهْرِ.
فإنِ ادَّعَتْ ذلك في أكْثَرَ مِن شَهْرٍ، صَدَّقَها، [على حديثِ: «إنَّ المرأةَ اؤْتُمِنَتْ على فرجِها] 4». لأنَّها اؤْتُمِنَتْ على ذلك، وإنَّما لم يُصَدِّقْها في
..................................
الشَّهْرِ؛ لأنَّ حَيضَها ثلاثَ مَرَّاتٍ فيه يَنْدُرُ جدًّا، فرُجِّحَ بِبَيِّنَةٍ، ولا يَنْدُرُ فيما زاد على الشَّهْرِ كنُدْرَتِه فيه.
وقال الشافعيُّ: لا يُقْبَلُ قَوْلُها في أقَلَّ مِن اثْنَين وثلاثينَ يَوْمًا ولَحْظَتَين؛ لأنَّه لا يُتَصَوَّرُ عندَه في أقَلَّ مِن ذلك.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُقْبَلُ في أقلَّ مِن ستِّينَ يومًا.
وقال صاحِبَاه: لا تُصَدَّق 1 في أقلَّ من تِسْعَةٍ وثَلاثِينَ يومًا 2؛ لأنَّ أقَلَّ الحَيضِ عندَهم ثَلَاثةُ أيَّامٍ، فثَلاثُ حِيَضٍ تِسْعَةُ أيَّامٍ، وطُهْران ثَلاثُونَ.
والخِلافُ في هذا مَبْنِيٌّ على أقَلِّ الحَيضِ، وأقَلِّ الطُّهْرِ، وفي القُرْءِ ما هو.
وممَّا يدُلُّ عليه في الجُمْلَةِ قَبُولُ عليٍّ وشُرَيحٍ بيَّنتَها على انْقِضاءِ عِدَّتِها في شَهْرٍ، ولولا تَصَوُّرُه لَما قُبِلَتْ عليه بَيِّنَةٌ، ولا سُمِعَتْ فيه دَعْوَى، ولا يُتَصَوَّرُ إلَّا بما قُلْناه.
وأمَّا إنِ ادَّعَتِ انْقضاءَ العِدَّةِ في أقَلَّ مِن ذلك، لم تسْمَعْ دَعْواها، ولا يُصْغَى إلى بَيِّنتِها؛ لأنَّنا نَعْلَمُ كَذِبَها.
فإن بَقِيَتْ على دَعْواها حتَّى أتَى عليها ما يُمْكِنُ صِدْقُها فيه، نَظَرْنا؛ فإن بَقِيَتْ على دَعْواها المرْدُودَةِ، لم يُسْمَعْ قَوْلُها؛ لأنَّها تَدَّعِي مُحالًا، وإنِ ادَّعَتْ أنَّها انْقَضَتْ عِدَّتُها في هذه المُدَّةِ كُلِّها، أو فيما يُمْكِنُ منها، قُبِلَ قَوْلُها؛ لأنَّه أمْكَنَ صِدْقُها.
ولا فَرْقَ في ذلك بينَ الفاسِقَةِ والمَرْضِيَّةِ، والمُسْلِمَةِ والكافِرَةِ؛ لأنَّ ما يُقْبَلُ فيه قَوْلُ الإِنْسانِ على نَفْسِه، لا يَخْتَلِفُ باخْتِلافِ حالِه، كإخْبارِه عن
..................................
نِيَّتِه 1 فيما تُعْتَبَرُ فيه نِيَّتُه 2.
فصل: فإنِ ادّعَتِ انْقِضاءَ عِدَّتِها بوَضْعِ الحَمْلِ؛ فإنِ ادَّعَتْه لتَمامٍ، لم يُقْبَلْ قَوْلُها في أقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن حِينِ إمْكانِ الوَطءِ بعدَ العَقْدِ؛ [لأنَّه لا يَكْمُلُ في أقلَّ مِن ذلك.
وإنِ ادَّعَتْ أنّها أسْقَطَتْه، لم يُقْبَلْ قولُها في أقلَّ مِن ثمانين يومًا مِن حينِ إمكانِ الوطءِ بعدَ العَقْدِ] 3؛ لأنَّ أقَلَّ سَقْطٍ تَنْقَضِي به العِدَّةُ [ما أتَى عليه ثمانون يَوْمًا؛ لأنَّه يكونُ نُطْفَةً أربعين يَوْمًا، وعَلَقَةً مثلَ ذلك، ثم يَصِيرُ مُضْغَةً بعدَ الثمانينَ، ولا تَنْقَضِي به العِدَّةُ] 4 قبلَ أن يَصِيرَ مُضْغَةً بحالٍ 5. وهذا ظاهِرُ قَوْلِ الشافعيِّ.
فأمَّا إنِ ادَّعَتِ انْقِضاءَ عِدَّتِها بالشُّهورِ، فلا يُقْبَلُ قَوْلُها فيه؛ لأنَّ الخِلافَ في ذلك يَنْبَنِي على الاخْتِلافِ في وقتِ 6 الطَّلاقِ، والقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فيه، فيكون القَوْلُ قَوْلَه فيما يَنْبَنِي عليه، إلَّا أن يَدَّعِيَ انْقِضَاءَ عِدَّتِها؛ لِيُسْقِطَ عن نَفْسِه نَفَقَتَها، مثلَ أن يقولَ: طَلَّقْتُكِ في شَوَّالٍ.
فتقولَ هي: بل في ذِي القَعْدَةِ.
..................................
فالقَوْلُ قَوْلُها؛ لأنَّه يَدَّعِي ما يُسْقِطُ النَّفَقَةَ، والأصْلُ وُجُوبُها، فلا يُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
فإنِ ادَّعَتْ ذلك ولم يَكُنْ لها نَفَقَةٌ، قُبِلَ قَوْلُها؛ لأنَّها تُقِرُّ على نَفْسِها بما هو أغْلَظُ.
ولو انْعَكَسَ الحالُ، فقال: طَلَّقْتُكِ في ذِي القَعْدَةِ، فَلِي رَجْعَتُكِ.
قالتْ: بلْ طَلَّقْتَنِي في شَوَّالٍ، فلا رَجْعَةَ لك.
فالقَوْلُ قَوْلُه؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ نِكاحِه، ولأنَّ القَوْلَ قَوْلُه في إثْباتِ الطَّلاقِ ونَفْيِه، فكذلك في وَقْتِه.
إذا ثَبَت ذلك، فكلُّ مَوْضِعٍ قُلْنا: القَوْلُ قَوْلُها.
فأنْكَرَها الزَّوْجُ، فقال الخِرَقِيُّ: عليها اليَمِينُ.
وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي يوسفَ، ومحمدٍ.
وقد أوْمأ إليه أحمدُ في رِوايَةِ أبي طالِبٍ.
وقال القاضي: قِياسُ المَذْهَبِ أن لا يَجِبَ عليها يَمِينٌ.
وقد أوْمَأ إليه أحمدُ أَيضًا، فقال: لا يَمِينَ في نِكاحٍ ولا طَلاقٍ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنّ الرَّجْعَةَ لا يَصِحُّ بَذْلُها، فلا يُسْتَحْلَفُ فيها، كالحُدُودِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «اليَمِينُ عَلَى المُدّعَى عَلَيهِ» 1. ولأنَّه حَقُّ آدَمِيٍّ يُمْكِنُ صِدْقُ مُدَّعِيه، فتَجِبُ اليَمِينُ فيه، كالأمْوالِ.
فإن نَكَلَتْ عنِ اليَمِينِ، فقال القاضي: لا يُقْضَى بالنُّكُولِ؛ لأنه ممَّا 2 لا يَصِحُّ بَذْلُه.
قال شيخُنا 3: ويَحْتَمِلُ أن يُسْتَحْلَفَ الزَّوْجُ، وله رَجْعَتُها، بناءً (2) على القَوْلِ بِرَدِّ اليَمِينِ على المُدَّعِي؛ لأنَّه لمَّا وُجِدَ النُّكُولُ منها،
وَإذَا قَالتِ: انْقَضَتْ عِدَّتِي.
فَقَال: قَدْ كُنْتُ رَاجَعْتُكِ.
فَأنْكَرَتْهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا.
ظَهَرَ صِدْقُ الزَّوْجِ، وقَوىَ جانِبُهُ، واليَمِينُ تُشْرَعُ في حَقِّ مَن قَوِيَ جَانِبُهُ، ولذلك شُرِعَتْ في حَقِّ المُدَّعَى عليه؛ لقُوَّةِ جَانِبِه باليَدِ في العَينِ، وبالأصْلِ في بَراءَةِ الذِّمَّةِ في الدَّينِ.
وهو مذْهَبُ الشافعي.
فصل: إذا ادَّعَى الزَّوْجُ في عِدَّتِها أنَّه كان راجَعَها أمْسِ، أو مُنْذُ شَهْرٍ، قُبِلَ قَوْلُه؛ لأنَّه لمَّا مَلَكَ الرَّجْعَةَ، مَلَكَ الإقْرارَ بها، كالطَّلاقِ.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْي وغيرُهم.
فإن قال بعدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها: كُنْتُ راجَعْتُكِ في عِدَّتِكِ.
فأنْكَرَتْه، فالقَوْلُ قَوْلُها بإجْماعِهِم؛ لأنَّه ادَّعاها في زَمَنٍ لا يَمْلِكُهَا، والأصْلُ عَدَمُها وحُصُولُ البَينُونَةِ.
3661 -
مسألة: (إذا قالت: انْقَضَتْ عِدَّتِي. فقال: قد كُنْتُ رَاجَعْتُكِ. فالقَوْلُ قَوْلُها)
وجملةُ ذلك، أنَّه إذا كان اخْتِلافُهما في زَمَنٍ يُمْكِنُ فيه انْقِضاءُ عِدَّتِها وبَقاؤُها، فبَدَأتْ فقالتْ: قد 1 انْقَضَتْ عِدَّتِي.
فقال: قد كُنْتُ راجَعْتُكِ.
فأنْكَرَتْه، فالقَوْلُ قَوْلُها؛ لأنَّ خَبَرَها بانْقِضاءِ عِدَّتِها مَقْبُولٌ، لإمْكانِه، فصَارَتْ دَعْواه للرَّجْعَةِ بعدَ الحُكْمِ بانْقِضاءِ عِدَّتِها، فلم تُقْبَلْ.
وَإنْ سَبَقَ فَقَال: ارْتَجَعْتُكِ.
فَقَالتْ: قَدِ انْقَضَتْ عِدَّتِي قَبْلَ رَجْعَتِكَ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
وَقَال الْخِرَقِيُّ: الْقَوْلُ قَوْلُهَا.
3662 - مسألة: (وإن سَبَق فقال: ارتَجَعْتُك. فقالت: قد انْقَضَت عِدَّتِي قبلَ رَجْعتِكَ)
فأنْكَرَها (فالقَوْلُ قَولُه) ذَكَره القاضي؛ لِمَا ذَكَرْنا.
وهو أحَدُ الوُجُوهِ لأصحابِ الشافعيِّ.
وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، أنّ قَوْلَها مَقْبُولٌ، سَواءٌ سَبَقَها بالدَّعْوَى أو سَبَقَتْه.
وهو وَجْهٌ ثانٍ لأصْحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ البَينُونَةُ، والأصْلَ عَدَمُ الرَّجْعَةِ، فكان الظَّاهِرُ معها, ولأنَّ مَن قُبِلَ قَوْلُه سابِقًا، قُبِلَ 1 مَسْبُوقًا، كسائِرِ مَن يُقْبَلُ قَوْلُه.
ولهم وَجْهٌ ثالِثٌ، أنَّ القَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّ المرْأة تَدَّعِي ما يَرْفَعُ النِّكاحَ، وهو يُنْكِرُه، فكان القَوْلُ [قولَه، كما لو ادَّعَى المُولِي والعِنِّينُ إصابةَ امرأتِه، فأنْكَرَتْه.
وهذا لا يَصِحُّ، فإنَّه قد انْعَقَدَ سببُ البَينُونةِ، وهو مُفْضٍ إليها، ما لم يوجدْ ما يَرْفعُه ويُزِيلُ حُكْمَه، والأصْلُ عَدَمُه، فكان القولُ] 2 قَوْلَ مَن أنْكَرَه، بخِلافِ ما
وَإنْ تَدَاعَيَا مَعًا، قُدِّمَ قَوْلُهَا.
وَقِيلَ: يُقَدَّمُ قَوْلُ مَنْ تَقَعُ لَهُ القُرْعَةُ.
قاسوا عليه.
3663 -
مسألة: (وإن تَداعَيا مَعًا، قُدِّمَ قَوْلُها)
لأنَّ خَبَرَها بانْقِضَاءِ عِدَّتِها يكونُ بعدَ انْقِضَائِها، فيَكونُ قَوْلُه بعدَ العِدَّةِ، فلا يُقْبَلُ (وقيلَ: يُقَدَّمُ مَن تَقَعُ له القُرْعَةُ) ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ احْتِمالًا.
والصَّحِيحُ الأولُ.
فصل: فإنِ اخْتَلَفَا في الإصابَةِ فقال: قد أصَبْتُكِ، فلي رَجْعَتُكِ.
فأنْكَرَتْه، أو قالت: قد أصابَنِي، فلِيَ المَهْرُ كاملًا.
فالقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ منهما؛ لأنَّ الأصْلَ معه، فلا يَزُولُ إلَّا بيَقِينٍ، وليس له رَجْعَتُها في الموْضِعَينِ؛ لأنَّه إن أنْكَرَ الإِصابَةَ، فهو يُقِرُّ على نَفْسِه بِبَينُونَتِها، وأنَّه لا رَجْعَةَ له عليها.
وإن أنْكَرَتْها هي، فالقَوْلُ قَوْلُها, ولا تَسْتَحِقُّ إلَّا نِصْفَ المَهْرِ، وإن أنْكَرَها، فالقَوْلُ قَوْلُه.
هذا إذا كان المَهْرُ غيرَ مَقْبُوضٍ، فإن كان اخْتِلافُهُما بعدَ قَبْضِها له، وادَّعَى إصابَتَها فأنْكَرَته، لم يَرْجِعْ
..................................
عليها بشيءٍ؛ لأنه يُقِرُّ لها به ولا يَدَّعِيهِ.
وإن كان هو المُنْكِرَ، رَجَعَ عليها بنِصْفِه.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
فإن قيلَ: فلِمَ قَبِلْتُمْ قَوْلَ المُولِي والعِنِّينِ في الإِصابَةِ، ولم تَقْبَلُوه ههُنا؟ قُلْنا: لأنَّ 1 المُولِيَ والعِنِّينَ يَدَّعِيان ما يُبْقِي النِّكاحَ على الصِّحَّةِ، ويَمْنَعُ فَسْخَه، والأصْلُ صِحَّةُ العَقْدِ وسَلامَتُه، فكان قَوْلُهما مُوافِقًا للأصْلِ، فقُبِلَ، وفي مسْألَتِنا قد وَقَعَ ما يَرْفَعُ النِّكاحَ ويُزِيلُه، وهو ما والى 2 بَينُونَتِه، وقد اخْتَلَفا فيما يَرْفَعُ حُكْمَ الطَّلاقِ، ويُثْبِتُ له الرَّجْعَةَ، والأصْلُ عدَمُ ذلك، فكان قَوْلُه مُخالِفًا للأصْلِ، فلم يُقْبَلْ، ولأنَّ المُولِيَ والعِنِّينَ يَدَّعِيان الإِصابَةَ في مَوْضِعٍ تحَقّقَتْ فيه الخَلْوَةُ والتَّمْكِينُ مِن الوَطْءِ؛ لأنَّه لو لم يُوجَدْ ذلك لَمَا اسْتَحَقَّتا الفَسْخَ بعَدَمِ الوَطْءِ، فكان الاخْتِلافُ فيما يَخْتَصُّ به، وفي مسْألَتِنا لم تَتَحقَّقْ خَلْوَةٌ ولا تَمْكِينٌ؛ لأنَّه لو تَحَقَّقَ ذلك لَوجَبَ المَهْرُ كامِلًا، فكان الاخْتِلافُ في أمْرٍ ظاهِرٍ لا يَخْتَصُّ به، فلم يُقْبَلْ فيه قَوْلُ مُدَّعِيه إلَّا ببَيِّنَةٍ.
وهل تُشْرَعُ اليَمِينُ في حَقِّ مَن القَوْلُ قَوْلُه؟ على وَجْهَينِ.