الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 386-425

..................................  للحَظِّ 1. فإنِ احْتِيجَ إلى بَيعِه، جاز.
قال أحمدُ: يَجُوزُ للوَصِيِّ بَيعُ الدُّورِ على الصِّغارِ، إذا كان أحَظَّ 2 لهم.
وبه قال الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْي، وإسحاقُ، قالُوا: يَبِيعُ إذا رَأى الصَّلاحَ.
قال القاضي: لا يَجُوزُ بَيعُه إلَّا في مَوْضِعَين؛ أحَدُهما، أن يكونَ به 3 ضَرُورَةٌ إلى كُسْوَةٍ، أو نَفَقَةٍ، أو قَضاءِ دَينٍ، أو ما لا بُدَّ منه، وليس له ما تَنْدَفِعُ به حاجَتُه.
الثانِي، أن يكونَ في بَيعِه غِبْطَةٌ؛ وهو أن يُبْذَلَ فيه زِيادَةٌ كثيرَةٌ على ثَمَنِ مثلِه.
قال أبو الخَطّابِ: كالثُّلُثِ فما زاد.
أو يَخافُ عليه الهَلاكَ بغَرَقٍ أو خَرابٍ أو نحوه.
وهذا الذي ذَكَرَه شيخُنا في [الكِتابِ المَشْرُوحِ] 4. وهو قَولٌ في مَذْهَبِ الشافِعِيِّ.
وكَلامُ أحمدَ يَقْتَضِي إباحَةَ البَيعِ في كُلِّ 5 مَوْضِعٍ يكونُ نَظَرًا 6 لهم، ولا يَخْتَصُّ بما ذَكَرُوه، فإنَّ الوَلِيَّ قد يَرَى الحَظَّ في غيرِ هذا، مثلَ أن يكونَ في مكانٍ 7

..................................  لا يَنْتَفِعُ به، أو نَفْعُه قَلِيلٌ، فيَبِيعُه ويَشْتَرِي له في مَكانٍ يَكْثُرُ نَفْعُه، أو يَرَى شيئًا في شِرائِه غِبْطَةٌ لا يُمْكِنُه شِراؤُه إلَّا ببَيعِ عَقارِه، وقد تكُونُ دارُه بمَكانٍ يتَضَرَّرُ الغُلامُ بالمُقامِ فيها؛ لسوءِ الجِوارِ أو غيرِه، فيَبِيعُها ويَشْتَرِي له بثَمَنِها دارًا يَصْلُحُ له المُقامُ بها، وأشْباهُ هذا ممّا لا يَنْحَصِرُ.
وقد لا يكونُ له حَظٌّ في بَيعِ 1 عَقارِه وإن دُفِعَ مِثْلَا ثَمَنِه؛ إمّا لحاجَتِه إليه، وإمّا لأنَّه لا يُمْكِنُ صَرْفُ ثَمَنِه في مِثْلِه، فيَضِيعُ الثَّمَنُ ولا يُبارَكُ فيه، فقد جاء عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بَاعَ دَارًا أوْ عَقَارًا، وَلَمْ يَصْرِفْ ثَمَنَه في مِثْلِة، لَمْ يُبَارَك لَهُ فِيهِ» 2. فلا يَجُوزُ بَيعُه إذًا، فلا مَعْنَى لتَقْييدِه بما ذَكَرُوه في الجَوازِ ولا في المَنْعِ، بل متى كان الحَظُّ في بَيعِه جاز، وما لا فلا.
وهذا اخْتِيارُ شيخِنا 3. وهو الصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ تَعالى.

وَإنْ وَصَّى لأحَدِهِمَا بِمَنْ يَعْتِقُ عَلَيهِ وَلَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لإِعْسَارِ الْمُوصَى لَهُ أوْ غَيرِ ذَلِكَ، وَجَبَ عَلَى الْوَلِيِّ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ، وَإلَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ قَبُولُهَا.
فَصلٌ: وَمَنْ فُكَّ عَنْهُ الْحَجْرُ، فَعَاوَدَ السَّفَهَ، أُعِيدَ الْحَجْرُ عَلَيهِ.

1957 - مسألة: (وإن وَصَّى لأحَدِهما بمَن يَعْتِقُ عليه ولا تَلْزَمُه نَفَقَتُه، لإِعْسارِ المُوصَى له أو غيرِ ذلك، وَجَب على الوَلِيِّ قَبُولُ الوَصِيَّةِ)

لأنَّه مَصْلَحَةٌ ليس فيها ضَرَرٌ، وإن كان تَلْزَمُه.
نَفَقَتُه (لم يَجُزْ له قَبُولُها) لِما فيه مِن الضَّرَرِ بتَفْويتِ مالِه بالنَّفَقَةِ عليه.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (ومَن فُكَّ عنه الحَجْرُ، فعاوَدَ السَّفَهَ، أُعِيدَ الحَجْرُ عليه) وجُمْلَةُ ذك، أنَّ المَحْجُورَ عليه إذا فُكَّ عنه الحَجْرُ لرُشْدِه

..................................  وبُلُوغِه، ودُفِع إليه مالُه، ثم عاد إلى السَّفَهِ، أُعِيدَ عليه الحَجْرُ.
وبه قال القاسِمُ بنُ محمدٍ، ومالِكٌ، والأوْزَاعِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيدٍ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يُبْتَدَأُ الحَجْرُ على بالِغٍ عاقِلٍ، وتَصَرُّفُه نافِذٌ.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِيِّ، لأنَّه مُكَلَّفٌ، فلا يُحْجَرُ عليه، كالرَّشِيدِ.
ولَنا، ما رَوَى عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيرِ، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ جَعْفَرٍ ابْتاعَ بَيعًا، فقال عليٌّ: لآتِيَنَّ عُثْمانَ ليَحْجُرَ عليك.
فأتَى عبدُ اللهِ بنُ جَعْفَر الزُّبَيرَ، فقال: قد ابْتَعْتُ بَيعًا، وإنَّ عَلِيًّا يُرِيدُ أن يَأْتِيَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُثْمانَ فيَسْألَه الحَجْرَ عَلَيَّ.
فقال الزُّبَيرُ: أنا شَرِيكُكَ في البَيعِ.
فأتَى عليٌّ عُثْمانَ، فقال: إنَّ ابنَ جَعْفَرٍ قد ابْتاعَ بَيعَ كذا، فاحْجُرْ عليه.
فقال الزُّبَيرُ: أنا شَرِيكُه في البَيعِ.
قال عثمانُ: كيف أحْجُرُ على مَن شَرِيكُه الزُّبَير 1؟ قال أحمدُ: لم أسْمَعْ هذا إلَّا مِن أبي يُوسُف القاضِي.
وهذه قَضِيَّةٌ يَشْتَهِرُ مِثْلُها، ولم يُخالِفْها أحَدٌ في عَصْرِهِم، فتكُونُ إجْماعًا.
ولأنَّه سَفِيهٌ، فيُحْجَرٌ عليه، كما لو بَلَغ سَفِيهًا، فإنَّ العِلَّةَ التي اقْتَضَتِ الحَجْرَ عليه إذا بَلَغ سَفِيهًا سَفَهُهُ، وهو مَوْجُودٌ، ولأنَّ السَّفَهَ لو قارَنَ 2 البُلُوغَ مَنَع دَفْعَ مالِه إليه، فإذا حَدَث، أوْجَبَ انْتِزاعَ المالِ، كالجُنُونِ.
وفارَقَ الرَّشِيدَ؛ فإنَّ رُشْدَه لو قارَنَ البُلُوغَ لم يَمْنَعْ دَفْعَ مالِه

وَلَا يَنْظُرُ في مَالِهِ إلا الْحَاكِمُ، وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُ الْحَجْرُ إلا بِحُكْمِهِ.
وَقِيلَ: يَنْفَكُّ بِمُجَرَّدِ رُشْدِهِ.
إليه.
إذا ثَبَتَ ذلك، فلا يَحْجُرُ عليه إلَّا الحاكِمُ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال محمدٌ: يَصِيرُ مَحْجُورًا عليه بمُجَرَّدِ تَبْذِيرِه؛ لأنَّ ذلك سَبَبُ الحَجْرِ، فأشْبَهَ الجُنُونَ.
ولَنا، أنَّ التَّبْذِيرَ يَخْتَلِفُ، ويُخْتَلَفُ فيه، ويَحْتاجُ إلى الاجْتِهادِ، فإذا افْتَقَرَ السَّبَبُ إلى الاجْتِهادِ، لم يَثْبُتْ إلَّا بحُكْمِ حاكِمٍ، كالحَجْرِ على المُفْلِسِ، وفارَقَ الجُنُونَ، فإنَّه لا يَفْتَقِرُ إلى الاجْتِهادِ، ولا خِلافَ فيه.

1958 -

مسألة: (ولا يَنْظُرُ في مالِه إلَّا الحاكِمُ)

لأنَّ الحَجْرَ عليه يَفْتَقِرُ إلى الحاكِمِ، فكذلك النَّظرُ في مالِه.
1959 -

مسألة: (ولا يَنْفَكُّ عنه الحَجْرُ إلَّا بحُكْمِه)

يَعْنِي إذا رَشَدَ احْتاجَ فَكُّ الحَجْرِ إلى حُكْم الحاكِمِ.
وبه قال الشافعيُّ (وقيل: يَنْفَكُّ بمُجَرَّدِ رُشْدِه) قاله أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّ سَبَبَ الحَجْرِ زال، فيَزُولُ بزَوالِه، كما في حَقِّ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ.
ولَنا، أنَّه حَجْرٌ ثَبَت بحُكْمِ الحاكِمِ، فلا يَزُولُ إلَّا بحُكْمِه، كالمُفْلِسِ، ولأنَّ الرُّشدَ يَحْتاجُ إلى

..................................  تَأَمُّلٍ واجْتِهادٍ في مَعْرِفَتِه وزَوالِ تَبْذِيرِه، فكان كابْتِداءِ الحَجْرِ عليه.
وفارَقَ الصَّبِيَّ والمَجْنُونَ، فإنَّ الحَجْرَ عليهما بغيرِ حُكْمِ الحاكِمِ، فنَرُولُ بغيرِ حُكْمِه، ولأنَّنا لو وقَفْنا صِحَّةَ تَصَرُّفِ النّاسِ على الحاكِمِ، كانْ أكْثَرُ النّاسِ مَحْجُورًا عليه.
قال أحمدُ: والشَّيخُ الكَبِيرُ يُنْكَرُ عَقْلُه، يُحْجَرُ عليه.
يَعْنِي، إذا كَبِر واخْتَلَّ عَقْلُه حُجِر عليه، بمَنْزِلَةِ المَجْنُونِ؛ لأنَّه يَعْجِزُ [بذلك عن] 1 التَّصَرُّفِ في مالِه على وَجْهِ المَصْلَحَةِ، وحِفْظِه، فأشْبَهَ الصَّبِيَّ والمَجْنُونَ.

وَيُسْتَحَبُّ إِظْهَارُ الْحَجْرِ عَلَيهِ وَالْإِشْهَادُ عَلَيهِ؛ لِتُجْتَنَبَ مُعَامَلَتُهُ.
وَيَصِحُّ تَزْويجُهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ.
وَقَال الْقَاضِي: يَصِحُّ مِنْ غَيرِ إِذْنِهِ.

1960 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ إظْهارُ الحَجْرِ عليه)

وأنْ يُشْهِدَ عليه الحاكِمُ؛ ليَظْهَرَ أمْرُه، فتُجْتَنَبَ مُعامَلَتُه.
وإن رَأى أن يَأْمُرَ مُنادِيًا يُنادِي بذلك؛ ليَعْرِفَه النّاسُ، فَعَل.
ولا يُشْتَرَطُ الإِشْهادُ؛ لأنَّه قد يَنْتَشِرُ أمْرُه لشُهْرَتِه.
1961 -

مسألة: (ويَصِحُّ تَزْويجُه بإذْنِ وَلِيِّه)

وبغيرِ إذْنِه.
وهو قولُ أبِي حَنِيفَةَ.
واخْتارَه القاضي.
وقال أبو الخَطّاب: لا يَصِحُّ بغيرِ إذْنِ وَلِيِّه.
وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ يَجِبُ به مالٌ، فلم يَصِحَّ بغيرِ إذْنِ وَلِيِّه، كالشِّراءِ.
ووَجْهُ الأوُّلِ أنَّه عَقدٌ غيرُ مالِيٍّ، فصَحَّ منه، كخُلْعِه وطَلاقِه، وإنْ لَزِم منه المالُ، فحُصُولُه بطرَيقِ الضِّمْنِ، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ.

..................................  فصل: وإن خالعَ، صَحَّ خُلْعُه؛ لأنَّه إذا صَحَّ الطَّلاقُ ولا يَحْصُلُ منه شيءٌ، فالخُلْعُ الذي يَحْصُلُ به المال أوْلَى، إلَّا أنَّ العِوَضَ لا يُدْفَعُ إليه، وإن دُفِع إليه، لم يَصِحَّ قَبْضُه.
وقال القاضي: يَصِحُّ.
وسَنَذْكُرُ ذلك

..................................  في بابِ الخُلْعِ.
فإن قُلْنا: لا يَصِحُّ القَبْضُ.
فأتْلَفَه بعدَ قَبْضِه، فلا ضَمانَ عليه، ولا تَبْرأُ المرأةُ بدَفْعِه إليه، وهو مِن ضمانِها إن أتْلَفَه أو تَلِف في يَدِه، لأنَّها سَلّطَتْه عليه.

وَهَلْ يَصِحُّ عِتْقُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

1962 - مسألة: (وهل يَصِحُّ عِتْقُه؟ على رِوايَتَين)

إحْداهما، لا يَصِحُّ.
وهو قولُ القاسِمِ بنِ محمدٍ، والشافعيِّ.
والثانيةُ، يَصِحُّ؛ لأنَّه عِتْقٌ مِن مُكَلَّفٍ مالِكٍ تامِّ المِلْكِ، فَصَحَّ، كعِتْقِ الرّاهِنِ والمُفْلِسِ.
ولَنا، أنَّه تَصَرُّفٌ في مالِه، فلم يَصِحَّ، كسائِرِ تَصَرُّفاتِه، ولأنَّه تَبَرُّعٌ، فأشْبَهَ هِبَتَه وَوَقْفَه، ولأنَّه مَحْجُورٌ علية لحِفْظِ مالِه عليه، فلم يَصِحَّ، كعِتْقِ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ.
وفارَقَ المُفْلِسَ والرّاهِنَ؛ فإنَّ الحَجْرَ عليهما لحَقِّ غيرِهما، وفي عِتْقِهما خِلافٌ أيضًا قد ذَكَرْناه.
فصل: ويَصِحُّ تَدْبِيرُه، ووَصِيَّتُه؛ لأنَّ ذلك مَحْضُ مَصْلَحَةٍ، لأنَّه تَقَرُّبٌ إلى اللهِ تعالى بمالِه بعدَ غِناه عنه.
ويَصِحُّ اسْتِيلادُه، وتَعْتِقُ الأمَةُ المُسْتَوْلَدَةُ بمَوْتِه؛ لأنَّه إذا صَحَّ ذلك مِن المَجْنُونِ، فمِن السَّفِيهِ أوْلَى.
وله المُطالبَةُ بالقِصاصِ؛ لأنَّه مَوْضُوع للتَّشَفِّي والانْتِقامِ، وهو مِن أهْلِه.
وله العَفْوُ على مالٍ؛ لأنَّه تَحْصِيلٌ للمالِ، لا تَضْيِيعٌ له.
وإن عَفا على غيرِ

..................................  مالٍ، وقُلْنا: الواجبُ القِصاصُ عَينًا.
صَحَّ عَفْوُه؛ لأنَّه لم يَتَضَمَّنْ تَضْيِيعَ المالِ.
وإن قُلْنا: أحَدُ شَيئَينِ.
لم يَصِحَّ عَفْوُه عن المالِ، ووَجَب المالُ، كما لو سَقَط القِصاصُ بعَفْو أحَدِ الشرِيكَينِ.
وإن أحْرَمَ بالحَجِّ، صَحَّ؛ لأنَّه مُكَلَّفٌ [أحْرَمَ بالحَجِّ] 1، أشْبَهَ غيرَه، ولأنَّه عِبادَة، فصَحَّتْ منه، كسائِرِ العِباداتِ.
فإن كان أحْرَمَ بفَرْضٍ، دُفِع إليه النَّفَقَةُ مِن مالِه؛ ليُسْقِطَ الفَرْضَ عن نَفْسِه، وإن كان تَطَوُّعًا، وكانت نَفَقَتُه في السَّفَرِ كنَفَقَتِه في الحَضَرِ، دُفِعَتْ إليه 2؛ لأنَّه لا ضَرَرَ في إحْرامِه.
فإن زادت نَفَقَةُ السَّفَرِ، فقال: أنا أكْسبُ تَمامَ نَفَقَتِي.
دُفِعَتْ إليه أيضًا؛ لأنَّه لا يَضُرُّ بمالِه، وإن لم يكنْ له كَسْبٌ، فلوَلِيِّه تَحْلِيلُه؛ لِما في مُضِيِّه فيه مِن تَضْيِيع مالِه، ويَتَحَلَّلُ بالصيامِ، كالمُعْسرِ؛ لأنَّه مَمْنُوعٌ مِن التَّصَرُّفِ في مالِه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ وَلِيُّه تَحْلِيلَه، بِناءً على العَبْدِ إذا أحْرَمَ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه.
وإن لَزِمَتْه كَفَّارَةُ يَمِين، أو ظهارٍ، أو قَتْلٍ، أو وَطْءٍ في نهارِ رَمَضانَ، كَفَّرَ بالصِّيامِ؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن أعْتَقَ أو أطْعَمَ، لم يُجْزِئْه؛ لأنَّه مَمْنُوعٌ مِن مالِه، أشْبَهَ المُفْلِسَ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
ويَتَخرَّجُ أن يُجْزِئَه العِتْقُ،

وَإنْ أقَرَّ بِحَدٍّ، أوْ قِصَاصٍ، أوْ نَسَبٍ، أَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ، أُخِذَ بِهِ.
بِناءً على قَوْلِنا بصحَّةِ عِتْقِه.
وإن نَذَر عِبادَةً بدَنِيَّةً، لَزِمَه فِعْلُها؛ لأنَّه غيرُ مَحْجُورٍ عليه في بَدَنِه (1)، وإن نَذَر الصَّدَقَةَ بمالٍ، لم يَصِحَّ منه، وكَفَّرَ بالصِّيامِ.
فإن فُكَّ الحَجْرُ عنه قبلَ تَكْفِيرِه في هذه المواضِعِ، لَزِمَه العِتْقُ، إن قَدَر عليه.
ومُقْتَضَى قول أصْحابِنا أنَّه يَلْزَمُه الوَفاءُ بنَذْرِه، بناءً على قَوْلِهم في مَن أقرَّ قبلَ فَكِّ الحَجْرِ عنه ثم فُكَّ (2) عنه، أنَّه يَلْزَمُه أدَاؤُه، وإن فُكَّ بعدَ تَكْفِيرِه، لم يَلْزَمْه شيءٌ، كما لو كَفَّرَ عن يَمينِه بالصيامِ ثم فُكَّ الحَجْرُ عنه.

1963 -

مسألة: (وإن أقَرَّ بحَدٍّ، أو قِصَاصٍ، أو نَسَبٍ، أو طَلَّقَ زَوْجَتَه، أُخِذ به)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المَحْجُورَ عليه لسفَهٍ أو فَلَسٍ، إذا أقرَّ بما يُوجبُ حَدًّا أو قِصاصًا؛ كالزِّنَى، والسَّرِقَةِ، والقَذْفِ، والقَتْلِ، والشُّرْبِ، أو قَطْعِ اليَدِ، وما أشْبَهَهما، فإنَّه يَصِحُّ إقْرارُه، ويَلْزَمُه حُكْمُ ذلك في الحالِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ، على أنَّ إقْرارَ المَحْجُورِ عليه12

..................................  على نَفْسِه جائِزٌ، إذا كان إقْرارُه بزِنًى، أو سَرِقَةٍ، أو شُرْبِ خَمْرٍ، أو قَذفٍ، أو قَتْلٍ، وأنَّ الحُدُودَ تُقامُ عليه.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْي، ولا أحْفَظُ عن غيرِهم [خِلافًا لهم] 1. وذلك لأنَّه غيرُ مُتَّهَمٍ في حَقِّ نَفْسِه، والحَجْرُ إنَّما تَعَلَّقَ بمالِه، فقُبِلَ إقْرارُه على نَفْسِه بِما لا يَتَعَلَّقُ بالمالِ.
وإنْ طَلَّقَ زَوْجَتَه نَفَذَ طَلاقُه، في قولِ الأكْثَرِين.
وقال ابنُ أبي لَيلَى: لا يَقَعُ؛ لأنَّ البُضْعَ يَجْرِي مَجْرَى المالِ، بدَلِيلِ أنَّه يَمْلِكُه بمالٍ، ويَصِحُّ أن يَزُولَ مِلْكُه عنه بمالٍ، فلم يَمْلِكِ التَّصَرُّفَ فيه، كالمالِ.
ولَنا، أنَّ الطَّلاق ليس بتَصَرُّفٍ في المالِ، ولا يَجْرِي مَجْراه، فلا يُمْنَعُ منه، كالإِقْرارِ منه بالحَدِّ والقِصاصِ.
ودَلِيلُ أنَّه لا يَجْرِي مَجْرَى المال، أنَّه يَصِحُّ مِن العَبْدِ بغَيرِ إذْنِ سَيِّدِه مع مَنْعِه مِن التَّصَرُّفِ في المالِ، ولأنَّه مُكَلَّفٌ طَلَّقَ امْرَأتَه مُخْتارًا، فوَقَعَ طَلاقُه، كالعَبْدِ والمكاتَبِ.
فصل: وإن أقَرَّ بما يُوجِبُ القِصاصَ، فعَفا المُقَرُّ له على مالٍ، احْتَمَلَ أن يَجِبَ المالُ؛ لأنَّه عَفْوٌ عن قِصاصٍ ثابِتٍ، فصَحَّ، كما لو ثَبَت بالبَيِّنَةِ.
واحْتَمَلَ أن لا يَصِحَّ؛ لئَلَّا يُتَّخَذَ ذلك وَسِيلَةً إلى الإِقْرَارِ بالمالِ، بأن يَتَواطَأَ

وَإنْ أقَرَّ بِمَالٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ في حَالِ حَجْرِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَلْزَمَهُ مُطْلَقًا.
المَحْجُورُ عليه والمُقَرُّ له على الإِقْرارِ بالقِصاصِ، والعَفْو عنه إلى مالٍ، ولأنَّه وُجُوبُ مالٍ مُسْتَنَدُه إقْرارُه، فلم يَثْبُتْ، كالإِقْرارِ به ابْتِداءً.
فعلى هذا القولِ، يَسْقُطُ القِصاصُ، ولا يَجِبُ المالُ في (1) الحالِ.
فصل: وإن أقَرَّ بنَسَبِ وَلَدٍ، قُبِل منه؛ لأنَّه ليس بإقْرارٍ بمالٍ، ولا تَصَرُّفٍ فيه، فقُبِلَ، كإقْرارِه بالحَدِّ والطَّلاقِ.
وإذا ثَبَت النَّسَبُ، لَزِمَتْه أحْكامُه مِن النَّفَقَةِ وغيرِها؛ لأنَّ ذلك حَصَل ضِمْنًا لِما صَحَّ منه، فأشْبَهَ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ.

1964 -

مسألة؛ قال: (وإن أقَرَّ بمالٍ، لم يَلْزَمْه في حالِ حَجْرِه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه مُطْلَقًا)

إذا أقَرَّ السَّفِيهُ بمالٍ، كالدَّينِ، أو ما يُوجِبُه؛1

..................................  كجِنايَةِ الخَطَأ وشِبْهِ العَمْدِ، وإتْلافِ المالِ، وغَصْبِه، وسَرِقَتِه، لم يُقْبَلْ إقْرارُه به؛ لأنَّه مَحْجُورٌ عليه لحَظِّه، فأشْبَهَ الصَّبِيَّ والمَجْنُونَ.
ولأنّا لو قَبِلْنا إقْرارَه في مالِه لزالتْ فائِدَةُ الحَجْرِ؛ لأنَّه يَتَصَرَّفُ في مالِه، ثمّ يُقِرُّ به، فيَأْخُذُه المُقَرُّ له.
ولأنَّه أقَرَّ بما هو مَمْنُوعٌ مِن التَّصَرُّفِ فيه، فلم يَنْفُذْ، كإقْرارِ الرّاهِنِ على الرَّهْنِ، والمُفْلِسِ على المالِ.
وظاهِرُ قولِ الأصْحابِ، أنّه يَلْزَمُه ما أقَرَّ به بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه.
وهو قولُ أبي ثَوْرٍ، واخْتِيارُ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه مُكَلَّفٌ أقرَّ بما لا 1 يَلْزَمُه في الحالِ، فلَزِمَه بعد فَكِّ الحَجْرِ عنه، كالعَبْدِ يُقِرُّ بالدَّينِ، وكإقْرارِ الرّاهِنِ على الرَّهْنِ، وكإقْرارِ المُفْلِسِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ إقْرَارُه، ولا يُؤْخَذَ به 2 في الحُكْمِ بحالٍ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ، لأنَّه مَحْجُورٌ عليه لعَدَمِ رُشْدِه، فلم يَلْزَمْه حُكْمُ إقْرارِه بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه، كالصَّبِيِّ والمَجْنُونِ.
ولأنَّ 3 المَنْعَ مِن نُفُوذِ 4 إقْرارِه في الحالِ، إنَّما ثَبَت لحِفْظِ مالِه عليه،

وَحُكْمُ تَصَرُّفِ وَلِيِّهِ حُكْمُ تَصَرُّفِ وَلِيِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ.
ودَفْعِ الضَّرَرِ عنه، فلو نَفَذ بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه، لم يُفِدْ إلَّا تَأْخِيرَ الضَّررِ عليه إلى أكْمَلِ حالتَيه.
وفارَقَ المَحْجُورَ عليه لحَقِّ غَيرِه، فَإنَّ المانِعَ تَعَلُّقُ حَقِّ الغُرَماءِ بمالِه، فيَزُولُ المانِعُ بزَوالِ الحَقِّ عن مالِه، فَيَثْبُتُ مُقتَضَى إقْرارِه.
وفي مَسْألَتِنا انْتَفَى الحُكْمُ لخَلَلٍ في الإِقْرارِ، فلم يَثْبُتْ كَوْنُه سَبَبًا، وبزَوالِ الحَجْرِ لم يَكْمُلِ السَّبَبُ، فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ مع اخْتِلالِ السَّبَب، كما [لم يَثْبُتْ قبلَ] (1) فَكِّ الحَجْرِ.
ولأنَّ الحَجْرَ لحَقِّ الغَيرِ لم يَمْنَعْ تَصَرُّفَهم في ذِمَمِهم، فأمْكَنَ تَصْحِيحُ إقْرارِهم في ذِمَمِهم على وَجْهٍ لا يَضُرُّ بغيرِهم، والحَجْرُ ههُنا لحَظِّ نفْسِه مِن أجْلِ ضَعْفِ عَقْلِه (2) وسُوءِ تَصَرُّفِه، ولا يَنْدَفِعُ الضَّرَرُ إلَّا بإبْطالِ إقْرارِه بالكُلِّيَّةِ، كالصَّبِيِّ والمَجْنُونِ.
فأمّا صِحَّتُه فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى، فإن عَلِم صِحَّةَ ما أقَرَّ به، كدَين لَزِمَه مِن جِنايَةٍ، أو دَين لَزِمَه قبلَ الحَجْرِ عليه، فعليه أداؤُه؛ لأنَّه عَلِم أنَّ عليه حَقًّا، فلَزِمَه أداؤُه، كما لو لم يُقِرَّ به.
وإن عَلِم فَسَادَ إقْرارِه، مثلَ أن عَلِم أنَّه أقَرَّ بدَينٍ ولا دَينَ عليه، أو بجِنايَةٍ لم تُوجَدْ منه، أو أقَرَّ بما لا يَلْزَمُه، مثلَ أن أتْلَفَ مال مَن دَفَعَه إليه بقَرْض أو بَيع، لم يَلْزَمْه أداؤُه؛ لأنَّه يَعْلَمُ أنَّه لا دَينَ عليه، فلم يَلْزَمْه، كما لو لم يُقِرَّ به.

1965 -

مسألة: (وحُكْمُ تَصَرُّفِ وَلِيِّه حُكْمُ تَصَرُّفِ وَلِيِّ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ)

على ما ذَكَرْنَا مِن قبلُ؛ لأنَّهُ مَحْجُورٌ عليه لحَظه، فهو كالصَّبِيِّ والمَجْنُونِ.12

فَصْلٌ: وَلِلْوَلِيِّ أنْ يَأْكلَ مِنْ مَالِ الْمُوَلَّى عَلَيهِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ إِذَا احْتَاجَ إِلَيهِ.

1966 - مسألة؛ قال الشَّيخُ، رَحِمَه اللهُ: (وللوَلِيِّ أن يَأْكلَ مِن مالِ المُوَلَّى عليه بقَدْرِ عَمَلِه إذا احْتاجَ إليه)

وإن كان غَنِيًّا لم يَجُزْ له ذلك إذا لم يكنْ أبًا؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 1. وإذا كان فَقِيرًا، فله أقَلُّ الأمْرَينِ؛ مِن أُجْرَتِه أو قَدْرِ كِفايَتِه؛ لأنَّه يَسْتَحِقُّه بالعَمَلِ والحاجَةِ جَمِيعًا، فلم يَجُزْ أن يَأْخُذَ إلَّا ما وُجِدا فيه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَأْكلُ وإن كان غنِيًّا، قِياسًا على العَمَلِ في الزكاةِ، والآيَةُ مَحْمُولَةٌ على الاسْتِحْبابِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لظاهِرِ الآيَةِ.

وَهَلْ يَلْزَمُهُ عِوَضُ ذَلِكَ إِذَا أَيسَرَ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

1967 - مسألة: (وهل يَلْزَمُه عِوَضُ ذلك إذا أيسَرَ؟ على رِوايَتَين)

أمّا إذا كان أبًا، فلا يَلْزَمُه، رِوايَةً واحِدَةً؛ لأنَّ للأبِ أن يَأْخُذَ

وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ في النَّاظِرِ في الْوَقْفِ.
مِن مالِ وَلَدِه ما شاء مع الحاجَةِ وعَدَمِها.
وإن كان غيرَ الأبِ، لم يَلْزَمْهُ عِوَضُ ذلك في إحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
وهذا قولُ الحَسَنِ، والنَّخَعِيِّ، وأحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أمَرَ بالأكْلِ مِن غيرِ ذِكْرِ عِوَضٍ فأشْبَهَ سائِرَ ما أمَرَ بأكْلِه، ولأنَّه عِوَضٌ عن عَمَلِه، فلم يَلْزَمْه بَدَلُه، كالأجِيرِ والمُضارِبِ.
والثانيةُ، يَلْزَمُه عِوَضُه.
وهو قولُ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيرٍ، وأبي العالِيَةِ؛ لأنَّه اسْتبَاحَةٌ بالحاجَةِ مِن مال غيرِه، فلَزِمَه قَضاؤُه، كالمُضْطرِّ إلى طَعامِ غيرِه.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأَنَّه لو وَجَب عليه إذا أيسَرَ، لكان واجِبًا في الذِّمَّةِ قبلَ اليَسارِ، فإنَّ اليَسارَ ليس سَبَبًا للوُجُوبِ، فإذا لم يَجِبْ بالسَّبَبِ الذي هو الأكْلُ، لم يَجِبْ بعدَه.
وفارَقَ المُضْطَرَّ؛ فإنَّ العِوَضَ واجِبٌ عليه في ذِمَّتِه، ولأنَّه لم يَأْكُلْه عِوَضًا عن شيءٍ، وهذا بخِلافِه.

1968 -

مسألة: (وكذلك يُخَرَّجُ في النّاظِرِ في الوَقْفِ)

قِياسًا

..................................  عليه.

وَمَتَى زَال الْحَجْرُ، فَادَّعَى عَلَى الْوَلِيِّ تَعَدِّيًا، أو مَا يُوجبُ ضَمَانًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ.

1969 - مسألة: (ومتى زال الحَجْرُ، فادَّعَى على الوَلِيِّ تَعَدِّيًا أو ما يُوجِبُ ضَمانًا، فالقولُ قولُ الوَلِيِّ)

إذا ادَّعَى الوَلِيُّ الإِنْفاقَ على الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، أو على مالِه أو عقارِه بالمَعْرُوفِ مِن مالِه، أو ادَّعَى أنَّه باع عَقارَه لحظِّهِ، أو بَناه لمَصْلَحَتِه، أو أنَّه تَلِف، قُبِل قَوْلُه.
وقال أصْحابُ الشافعيِّ: لا يُمْضِي الحاكِمُ بَيعَ الأمِينِ والوَصِيِّ حتى يَثْبُتَ عندَه الحَظُّ ببَيِّنةٍ، ولا يُقْبَلُ قَوْلُهما في ذلك، ويُقْبَلُ قولُ الأبِ والجَدِّ.
ولَنا، أنَّ مَن جاز له بَيعُ العَقارِ وشراؤُه لليَتِيمِ، يَجِبُ أن يُقْبَلَ قَوْلُه.
في الحَظِّ، كالأبِ والجَدِّ.
ولأنَّه يُقْبَلُ قَوْلُه في عَدَمِ التَّفْرِيطِ فيما تَصَرَّفَ فيه مِن غيرِ العَقارِ، فيُقْبَلُ قَوْلُه في العَقارِ، كالأبِ.
وإذا بَلَغ الصَّبِيُّ فادَّعَى أنَّه لا حَظَّ له في البَيعِ، لم يُقْبَلْ إلَّا ببَيِّنةٍ، فإن لم تَكُنْ بَيِّنة، فالقولُ قولُ الوَلِيِّ مع يَمِينِه.
وإن قال الوَلِيُّ: أنْفَقْتُ عليك منذُ ثَلاثِ سِنِين.
وقال الغُلامُ: إنَّما مات أبي منذُ سَنَتَين.
فقال القاضي: القولُ قولُ الغُلامِ؛ لأنَّ الأصْلَ حَياةُ والِدِه، واخْتِلافَهما في أمْر ليس الوَصِيُّ أمِينًا فيه، فقُدم قولُ مَن يُوافِقُ قَوْلُه الأصْلَ.

وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ في دَفْعِ الْمَالِ إِلَيهِ بَعْدَ رُشْدِهِ.

1970 - مسألة: (وكذلك القولُ قَوْلُه في دَفْعِ المالِ إليه بعدَ رُشْدِه)

لأنَّه أمِينٌ، فأشْبَهَ المُودَعَ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ القولَ قولُ الصَّبِيِّ، لأنَّ الأصْلَ معه، ولأنَّ اللهَ سبحانه قال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيهِمْ﴾ 1. فمَن تَرَكَ الإشْهادَ، فقد فَرَّطَ، فلَزِمَه الضَّمانُ.
والأوَّلُ المَذْهَبُ.
وكذلك الحُكْمُ في المَجْنُونِ والسَّفِيهِ.

وَهَلْ لِلزَّوْجِ أنْ يَحْجُرَ عَلَى امْرَأتِهِ في التَّبَرُّعِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مِنْ مَالِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَينَ.

1971 - مسألة: (وهل للزَّوْجِ أن يَحْجُرَ على وامْرَأتِه في التَّبَرُّعِ بما زاد على الثُّلُثِ مِنِ مالِها؟ على رِوايَتَين)

إحْداهما، ليس له الحَجْرُ عليها.
وهو قولُ أبي حَنِيفةَ، والشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ.
والثانيةُ، ليس لها أن تَتَصَرَّفَ في مالِها بزِيادَةٍ على الثُّلُثِ

..................................  بغيرِ عِوَضٍ، إلَّا بإذْنِ زَوْجِها.
وبه قال مالِكٌ.
وحُكِيَ عنه في امرأةٍ حَلَفَتْ بعِتْقِ جارِيَةٍ لها 1 ليس لها غيرُها، فحنِثَتْ، ولها زَوْجٌ، فرَدَّ ذلك عليها زَوْجُها، قال: له أن يَرُدَّ عليها، وليس لها عِتْقٌ؛ لِما رُوِيَ أنَّ امرأةَ كَعْبِ بنِ مالِكٍ أتَتِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بحُلِيٍّ لها، فقال لها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَجُوزُ للمَرْأةِ عَطِيَّةٌ حَتَّى يَأْذَنَ زَوْجُهَا، فَهَلِ اسْتَأْذَنتِ كَعْبًا؟».
فقالت: نعم.
فبَعَثَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلى كَعْبٍ فقال: «هَلْ أذِنْتَ لَهَا أنْ تَتَصَدَّقَ بِحُلِيِّها؟».
فقال: نعم.
فقَبِلَه.
رَواه ابنُ ماجه 2. ورَوَى أيضًا عن عمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال في خُطْبَةٍ خَطَبَها: «لَا يَجُوزُ لِامْرَأةٍ عَطِيَّةٌ في مَالِهَا إلَّا بإذْنِ زَوْجهَا، إذْ هُوَ مَالِكُ عِصْمَتِهَا» 3. رَواه أبو داودَ، ولَفْظُه عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يَجُوزُ لامْرَأةٍ عَطِيَّةٌ إلَّا بإذْنِ زَوْجها».
ولأنَّ حقَّ الزَّوجِ مُتَعَلِّقٌ بمالِها، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «تُنْكَحُ

..................................  الْمَرْأَة لِمَالِها وَجَمَالِها وَدِينِهَا» 1. والعادَةُ أنَّ الزَّوْجَ يَزِيدُ في مَهْرِها مِن أجْلِ مالِها، ويَتَبَسَّطُ فيه، ويَنْتَفِعُ به، وإذا أعْسَرَ بالنَّفَقَةِ أنْظَرَتْه، فجَرَى ذلك مَجْرَى حُقُوقِ الوَرَثَةِ المُتَعَلِّقَةِ بمالِ الفرِيضِ.
ولَنا، قَوْلُه تَعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾ 2. وهو ظاهِرٌ في فَكِّ الحَجْرِ عنهم وإطْلاقِهم في التَّصَرُّفِ، وقد ثَبَت أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ».
وأنَّهُنَّ تَصَدَّقْنَ فقَبِلَ صَدَقَتَهُنَّ، ولم يَسْألْ ولا اسْتَفْصَلَ.
وأتَتْه زَينَبُ امرأةُ عبدِ اللهِ، وامرأةٌ أُخْرَى اسْمُها زَينَبُ، فَسألَتْه عن الصَّدَقَةِ، هل يُجْزِئُهُنَّ أنْ يَتَصَدَّقْنَ على أزْواجِهِنَّ، وأيتامٍ لَهُنَّ؟ فقال: «نَعَمْ» 3. ولم يَذْكُرْ لَهُنَّ هذا الشَّرْطَ.
ولأنَّ مَن وَجَب دَفْعُ مالِه إليه لرُشْدِه، جاز له التَّصَرُّفُ فيه مِن

..................................  غيرِ إذْنٍ، كالغُلامِ، ولأنَّ المرأةَ مِن أهْلِ التَّصَرُّفِ، ولا حَقَّ لزَوْجِها في مالِها، فلم يَمْلِكِ الحَجْرَ عليها في التَّصَرُّفِ بجَمِيعِه، كأخِيها 1. وحَدِيثُهم ضَعِيفٌ، وشُعَيبٌ لم يُدْرِكْ 2 عبدَ اللهِ بنَ عَمْرٍو، فهو مُرْسَلٌ.
ويُمْكِنُ حَمْلُه على أنَّه لا يجُوزُ عَطِيَّتُها مِن [مالِه بغيرِ -إذْنِه، بدَلِيلِ أنَّه يَجُوزُ عَطِيَّتُها] 3 فيما 4 دُونَ الثُّلُثِ مِن مالِها، وليس معهم حديثٌ يَدُلُّ على تَحْدِيدِ المَنْعِ بالثُّلُثِ، والتَّحْدِيدُ بذلك تحَكُّمٌ ليس فيه تَوْقِيفٌ ولا عليه دَلِيلٌ.
ولا يَصِحُّ قِياسُهم على المَرِيضِ؛ لوُجُوهٍ؛ أحَدُها، أنَّ المَرَضَ سَبَبٌ يفْضِي إلى وُصُولِ المالِ إليهم بالمِيراثِ، والزَّوْجِيَّةُ إنَّما تَجْعَلُه مِن أهْلِ المِيراثِ فهي أحَدُ وَصْفَيِ العِلُّةِ، فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ بمُجَرَّدِها، كما لا يَثْبُتُ للمرأةِ الحَجْرُ على زَوْجِها، ولا لسائِرِ الوُرّاثِ بدُونِ المَرَضِ.
الثانِي، أنَّ تَبَرُّعَ المَرِيضِ مَوْقُوفٌ، فإن بَرِئَ مِن مَرَضِه صَحَّ تَبَرُّعُه، وههُنا أبْطَلُوه على كلِّ حالٍ، والفَرْعُ لا يَزِيدُ على أصْلِه.
الثالِثُ، أنَّ ما ذَكَرُوه مُنْتَقِضٌ بالمرأةِ، فإنَّها تَنْتَفِعُ بمالِ

فصْلٌ فِي الإذْنِ: يَجُوزُ لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ أنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
زَوْجِها، وتَتَبَسَّطُ فيه عادَةً، ولها النَّفَقَةُ منه، وانْتِفاغها بمالِه أكْثَرُ مِن انْتِفاعِه بمالِها، وليس لها الحَجْرُ عليه، على أنَّ هذا المَعْنَى ليس بمَوْجُودٍ في الأصْلِ، ومِن شَرْطِ صِحَّةِ القِياسِ وجُودُ المَعْنَى المُثْبِتِ للحُكْمِ في الأصْلِ والفَرْعِ جَمِيعًا.
فصلٌ في الإِذْنِ: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (يَجُوزُ لوَلِيِّ الصَّبِيِّ المُمَيِّزِ أن يَأْذَنَ له في التِّجارَةِ، في إحْدَى الروايَتَين) ويَصِحُّ تَصَرُّفُه بالإِذْنِ.
وهذا قولُ أبي حَنِيفَةَ.
والثانِيةُ؛ لا يَصِحُّ حتى يَبْلُغَ.
وهو قولُ الشافعيِّ، لأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، أشْبَهَ غيرَ المُمَيِّزِ.
ولأنَّ العَقْلَ لا يُمْكِنُ الوُقُوفُ منه على الحَدِّ الذي [يَصْلُحُ به للتَّصَرُّفِ] 1؛ لخَفائِه، وتَزايُدِه تَزايُدًا خَفِيَّ التَّدْرِيجِ، فجعَلَ الشارِعُ له ضابِطًا، وهو البُلُوغُ، فلا تَثْبُتُ له أحْكامُ العُقَلاءِ قبلَ وُجُودِ المَظنةِ.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾.
ومَعْناه اخْتَبِرُوهم لتَعْلَمُوا رُشْدَهم.
وإنَّما يَتَحَقَّقُ اخْتِبارُهم

وَيَجُوزُ ذَلِكَ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ.
وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُمَا الْحَجْرُ، إلا فِيمَا أُذِنَ  بتَفْويضِ التَّصَرُّفِ إليهم، مِن البَيعِ والشِّراءِ؛ ليُعْلَمَ هل يُغْبَنُ أم لَا.
ولأنَّه عاقِلٌ مُمَيِّز مَحْجُور عليه، فصَحَّ تصَرُّفُه بإذْنِ وَلِيِّه، كالعَبْدِ.
وفارَقَ غيرَ المُمَيِّزِ، فإنَّه لا تَحْصُلُ المَصْلَحَةُ بتَصَرُّفِه؛ لعَدَمِ تَمْيِيزِه ومَعْرِفَتِه، ولا حاجَةَ إلى اخْتِبارِه؛ لأنَّه قد عُلِم حالُه.
وقَوْلُهم: إنَّ العَقْلَ لا يُمْكِنُ الاطِّلاعُ عليه.
قُلْنا: يُعْلَمُ ذلك بآثارِه وجَرَيانِ تَصَرُّفاتِه على وَفقِ المَصْلَحَةِ، كما يُعْلَمُ في حَقِّ البالِغِ، فإنَّ مَعْرِفَةَ رُشْدِه شَرْطُ دَفعِ مالِه إليه وصِحَّةِ تَصَرُّفِه، [كذا ههُنا.
فإن تَصَرَّفَ بغيرِ إذْنِ وَلِيِّه، لم يَصِحَّ تَصَرُّفُه] (1). ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ، ويَقِفَ على إجازَةِ الوَلِيِّ.
وهو قولُ أبي حَنِيفَةَ.
ومَبْنَى ذلك على ما إذا تَصَرَّفَ في مالِ غيرِه بغيرِ إِذْنِه، وقد ذَكَرْناه فيما مَضَى.

1972 -

مسألة: (ويَجُوزُ ذلك لسَيِّدِ العَبْدِ)

بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ الحَجْزَ عليه إنَّما كان لحَقِّ السَّيِّدِ، فجاز له التَّصَرُّفُ بإذْنِه؛ لزَوالِ المانِعَ.
1973 -

مسألة: (ولا يَنْفَكُّ عنهما الحَجْرُ، إلَّا فيما أُذِنَ لهما فيه،

1

لَهُمَا فِيهِ، وَفِي النَّوْعِ الَّذِي أُمِرَا بِهِ.
وفي النَّوْعِ الذي أُمِرا به) لأنَّ تَصَرُّفَه إنَّما جاز بإذِن وَلِّيه وسَيِّدِه، فزال الحَجْرُ في قَدْرِ ما أذِنا فيه دُونَ غيرِه كالتَّوْكِيلِ.
فإن دَفَع السَّيِّدُ إلى عَبْدِه مالًا يَتَّجرُ فيه، كان له أن يَبِيعَ ويَشْتَرِيَ ويَتَّجِرَ به.
وإن أذِنَ له أن يَشْتَرِي في ذِمَّتِه، جاز.
وإن عيَّنَ له نوْعًا مِن المالِ يَتَّجِرُ فيه، لم يَكُنْ له أنْ يَتَّجِرَ في غيرِه.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ أن يَتَّجِرَ في غيرِه، ويَنْفَكُّ عنه الحَجْرُ مُطْلَقًا؛ لأنَّ إذنه إطْلاقٌ مِن الحَجْرِ وفَكٌّ له 1، والإِطْلاقُ لا يَتَبَعَّضُ، كبُلُوغِ الصَّبِيِّ.
ولَنا، أنَّه مُتَصَرِّفٌ بالإذْنِ مِن جِهَةِ الآدَمِيِّ، فوَجَبَ أن يَخْتَصَّ ما أذِنَ له فيه، كالوَكِيلِ والمُضارِبِ، وما قاله يَنْتَقِضُ بما إذا أذِنَ له في شِراءِ ثَوْبٍ ليَلْبَسَه، أو طَعام ليَأْكُلَه.
ويُخالِفُ البُلُوغَ؛ فإنَّه يَزُولُ به المَعْنَى المُوجِبُ للحَجْرِ، فإنَّ البُلُوغَ مَظِنَّةُ كَمالِ العَقْلِ الذي يَتَمَكَّنُ به مِن التَّصَرُّفِ على وَجْهِ المَصْلَحَةِ، وههنا الرِّقُّ سَبَبُ الحَجْرِ، وهو مَوْجُودٌ، فنَظِيرُ البُلُوغِ في الصَّبِيِّ العِتْقُ للعَبْدِ، وإنَّما يَتَصَرَّفُ العَبْدُ بالإِذْنِ، ألا تَرَى أنَّ الصَّبِيَّ يَسْتَفِيدُ بالبُلُوغِ قَبُولَ النِّكاحِ، بخِلافِ العَبْدِ.

وَإنْ أُذِنَ لَهُ فِي جَمِيعِ أنْوَاع التِّجَارَةِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يُؤجِرَ نَفْسَهُ، وَلَا يَتَوَكَّلَ لِغَيرِهِ.
وَهَلْ لَهُ أنْ يُوَكِّلَ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ؟ عَلَى وَجْهَينَ.

1974 - مسألة: (وإن أُذِنَ له في جَمِيعِ أنْواعِ التجارَةِ، لم يَجُزْ أن يُؤْجِرَ نَفْسَه، ولا يَتَوَكَّلَ لغيرِه)

وبه قال الشافعيُّ.
وَجَوَّزَهما أبو حَنِيفَةَ؛ لأَنه يَتَصَرَّفُ لنَفْسِه (1)، فمَلَكَ ذلك، كالمُكاتَبِ.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ على نَفْسِه، فلا يَمْلِكُه بالإذْنِ في التجارَةِ، كبَيعِ نَفْسِه وتَزْويجِه، وقَوْلُهم: يَتَصَرَّفُ لنَفْسِه.
مَمْنُوعٌ، إنما يَتَصَرَّفُ لسَيِّدِه، وبهذا فارَقَ المُكاتَبَ؛ فإنَّ المُكَاتَبَ يَتَصَرَّفُ لنَفْسِه، ولهذا كان له أنْ يَبِيعَ مِن سَيِّدِه.
1975 -

مسألة: (وهل له أن يُوَكِّلَ فيما يَتَوَلَّى مِثْلَه بنَفْسِه؟ على رِوايَتَين)

إحْداهما، لا يَجُوزُ؛ لأنَّه تَصَرفٌ بالإذْنِ، فاخْتَصَّ بما أُذِنَ فيه،1

وَإنْ رَآهُ سَيِّدُهُ أوْ وَلِيُّهُ يَتَّجِرُ فَلَمْ يَنْهَهُ، لَمْ يَصِرْ مَأْذُونًا لَهُ.
ولم يُؤْذَنْ له في التَّوْكِيلِ.
والثانيةُ، يَجُوزُ؟ لأنَّهم يَمْلِكُون التَّصَرُّفَ بأنْفُسِهم، فمَلَكُوه بِنائِبِهم، كالمالك الرَّشِيدِ، ولأنَّه أقامَه مُقامَ نَفْسِه.

1976 -

مسألة: (وإن رَآه سَيِّدُه أو وَلِيُّه يَتَّجِرُ فلم يَنْهَه، لم يَصِرْ مَأْذُونًا له)

وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ، في العَبْدِ: يصيرُ مَأْذُونًا له؟ لأنَّه سَكَت عن حَقِّه، فكان مُسْقِطًا له، كالشَّفِيعِ إذا سَكَت عن طَلَبِ الشُّفْعَةِ.
ولَنا، أنَّه تَصَرُّفٌ يَفْتَقِرُ إلى الإِذْنِ، فلم يَقُمِ السُّكُوتُ مَقامَ الإذْنِ، كما لو باع الرّاهِنُ الرَّهْنَ والمُرْتَهِنُ ساكِتٌ، أو باعَه المُرْتَهنُ والرّاهِنُ ساكِتٌ، وكتَصَرُّفاتِ الأجانِب.
ويُخالِفُ الشُّفْعَةَ؟ فإنَّها تَسْقُطُ بمُضِيِّ الزَّمانِ إذا عَلِم؟ لأنَّها على الفَوْرِ.

وَمَا اسْتَدَانَ الْعَبْدُ، فَهُوَ فِي رَقَبَتِهِ، يَفْدِيهِ سَيِّدُهُ أو يُسَلِّمُهُ.
وَعَنْهُ، يَتَعَلَّقُ بذِمَّتِهِ، وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ، إلا الْمَأْذُونَ لَهُ، هَلْ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ أَوْ ذِمَّةِ سَيِّدِهِ؛ عَلَى رِوَايَتَينِ.

1977 - مسألة: (وما اسْتَدانَ العَبْدُ، فهو في رَقَبَتِه، يَفْدِيه سَيِّدُه أو يُسَلِّمُه.
وعنه، يَتَعَلَّقُ بذِمَّتِه، يُتْبَعُ به بعدَ العِتْقِ، إلَّا المَأْذُونَ له، هل يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه أو ذِمَّةِ سَيدِه؟ على رِوايَتَين)

يقال: ادّانَ واسْتدانَ وتَدايَنَ بمَعْنًى.
والعَبْدُ قِسْمان؛ مَحْجُورٌ عليه، فما لَزِمَهُ مِن الدَّينِ بغيرِ رِضا سَيِّدِه، مثلَ أن يَقْتَرِضَ ويَشْتَرِيَ شيئًا في ذِمَّتِه، ففيه رِوايَتان؛ إحْدَاهما، يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه.
اخْتارَها الخِرَقِيُّ، وأبو بكرٍ؛ لأَنه دَينٌ لَزِمَه بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، فتعَلَّقَ برَقَبَتِه، كالإتْلافِ.
والثانيةُ، يَتَعَلَّقُ بذِمَّتِه، يَتْبَعُه الغَرِيمُ به إذا عَتَق وأيسَرَ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأَنه مُتَصَرِّفٌ في ذِمَّتِه بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، فتَعَلَّقَ بذِمَّتِه، كعِوَضِ الخُلْعِ مِن الأمَةِ، وكالحُرِّ.
القِسْمُ الثانِي، المأْذُونُ له في التَّصَرُّفِ أو في الاسْتِدانَةِ، فما يَلْزَمُه مِن الدَّين

..................................  هل يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه، أو ذِمَّةِ سَيِّدِه؟ على رِوايَتَينْ؛ إحْداهما، يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه.
وهو ظاهِرُ قولِ أبي حَنِيفَةَ؛ لأنَّه قال: يُباعُ إذا طالبَ الغُرَماءُ ببَيعِه.
وهذا مَعْناه أنه يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه؛ لأنَّه دَينٌ ثَبَت برِضا مَن له الدَّينُ 1، فيُباعُ فيه، كما لو رَهَنَه.
والثانيةُ، يَتَعَلَّقُ بذِمَّةِ السَّيِّدِ.
وهو الذي ذَكَرَه الخِرَقِيُّ.
فعلى هذه الرِّوايَةِ، يَلْزَمُ مَوْلاه جَمِيعُ ما ادَّانَ.
وقال مالِكٌ، والشافعيُّ: إن كان في يَدِه مالٌ، قُضِيَتْ دُيُونُه منه، وإن لم يَكُنْ في يَدِه شيءٌ، تَعَلَّقَ بذِمَّتِه، يُتْبَعُ به إذا عَتَق وأيسَرَ؛ لأنَّه دَين ثَبَت برِضا مَن له الدينُ، أشْبَهَ غيرَ المَأذُونِ، أو فوَجَبَ أن لا يَتَعَلَّقَ برَقَبَتِه، كما لو اقْتَرَضَ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه.
ووَجْهُ قولِ الخِرَقِيِّ، أنَّه إذا أَذِنَ له في التِّجارَةِ، فقد أغْرَى النَّاسَ بمُعامَلَتِه وأذِنَ فها، فصار ضامِنًا، كما لو قال لهم: دايِنُوه.
أو أذِنَ في اسْتِدانَةٍ تَزِيدُ على قِيمَتِه.
ولا فَرْقَ بين الدَّين الذي لَزِمَه في التِّجَارَةِ المَأْذُونِ فيها، أو فيما لم يُؤذَنْ له فيه، مثلَ أن أَذِنَ له في التِّجارَةِ في البُرِّ 2، فاتَّجَرَ في غيرِه، فإنَّه لا يَنْفَكُّ عن التَّغْرِيرِ، إذ يَظُنُّ النّاسُ أنَّه مَأذُونٌ له في ذلك أيضًا.

..................................  فصل: فأمّا أُرُوشُ جِناياتِه، وقِيَمُ مُتْلَفاتِه، فهي مُتَعَلِّقة برَقَبَةِ العَبْدِ، سَواءٌ كان مَأْذُونًا له أو لا، رِوايَةً واحِدَةً.
وبه يَقُولُ أبو حَنِيفَةَ، والشافعيُّ.
وكلُّ ما تَعَلَّقَ برَقَبَةِ العَبْدِ خُيِّرَ السَّيِّدُ 1 بينَ تَسْلِيمِه للبَيعِ 2 وبينَ فِدائِه، فإذا بِيعَ، وكان ثَمَنُه أقَلَّ ممّا عليه، فليس لرَبِّ الدَّينِ إلَّا ذلك؛ لأنَّ العَبْدَ هو الجانِي، فلم يَجِبْ على غَيرِه شيءٌ.
وإن كان ثَمَنُه أكْثَرَ، فالفَضْلُ للسَّيِّدِ.
وذَكَر القاضي أنَّ ظاهِرَ كَلامِ أحمدَ، أنَّ السَّيِّدَ لا يَرْجِعُ بالفَضْلِ.
ولَعَلَّه يَذْهَبُ إلى أنَّه دَفَعَه إليه عِوَضًا عن الجِنايَةِ، فلم يَبْقَ لسَيِّدِه فيه شيءٌ، كما لو مَلَّكَه إيَّاه عِوَضًا عن الجِنايَةِ.
وليس هذا صَحِيحًا؛ فإنَّ المَجْنِيَّ عليه لا يَسْتَحِقُّ أكْثَرَ مِن قَدْرِ أَرْشِ الجِنايَةِ عليه،

..................................  فهو كما لو جَنَى عليه حُرٌّ، والجانِي لا يَجِبُ عليه أكْثَرُ مِن أَرْشِ جِنايَتِه، ولأنَّ الحَقَّ تَعَلَّقَ بعَينه، فكان الفَضْلُ مِن ثَمَنِه لسَيِّدِه، كالرَّهْنِ.
ولا يَصِحُّ قَوْلُهم: إنّه دَفَعَه عِوَضًا؛ لأنه لو كان عِوضًا، لمَلَكَه المَجْنِيُّ عليه، ولم يُبَعْ في الجِنايَةِ، وإنّما دَفَعَه ليُبَاعَ فيُؤخَذَ منه عِوَضُ الجِنايَةِ ويُرَدَّ إليه الباقِي، ولذلك لو أتْلَفَ دِرْهَمًا، لم يَبْطُلْ حَقُّ سَيِّدِه منه بذلك.
وإن عَجَز عن أداءِ الدِّرْهَمِ مِن غيرِ ثَمَنِه، فإنِ اخْتارَ السَّيِّدُ فِداءَه، لَزِمَه أقَل

..................................  الأمْرَين؛ مِن قِيمَتِه أو أَرْشِ جِنايَتِه؛ لأنَّ 1 أرْشَ الجِنَايَةِ إن كانَ أكْثَرَ، فلا يَتَعَلَّقُ بغيرِ العَبْدِ الجانِي؛ لعَدَمِ الجِنايَةِ مِن غيرِه، وإنَّما تَجِبُ قِيمَتُه وإن كان أقَلَّ، فلم يَجِبْ بالجِنايَةِ إلَّا هو.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أَنَّه يَلْزَمُه (1) أَرْشِ الجِنايَةِ كلُّه؛ لأَنَّه يَجُوزُ أن يَرْغَبَ فيه راغِبٌ، فيَشْتَرِيَه بأَرْشِ الجِنايَةِ، فإذا مَنَع منه، لَزِمَه جَمِيعُ الأَرْشِ؛ لتَفْويِته ذلك.
وللشافعي قَوْلان، كالرَّوايَتَين.
فصل: فإن تَصَرَّفَ العَبْدُ غيرُ المَأْذُونِ ببَيعٍ، أو شِراءٍ بعَينِ المالِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ مِن المَحْجُورِ عليه فيما حُجِر عليه فيه، أشْبَهَ المُفْلِسَ، وقِياسًا على تَصَرُّفِ الأجْنَبِي.
ويَتَخَرَّجُ أن يَصِحَّ، ويَقِفَ على إجازةِ السَّيِّدِ، كتَصَرُّفِ الفُضُولِيِّ.
فأمّا شِراؤه بثَمَن في ذِمَّتِه واقْتِراضُه، فيَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّه مَحْجُورٌ عليه، أشْبَهَ السَّفِيهَ، ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأنَّ الحَجْرَ لحَقِّ غيرِه، أشْبَهَ المُفْلِسَ والمَرِيضَ.
ويَتَفَرَّعُ على

..................................  هذَين الوَجْهَين، أنَّ التَّصَرُّفَ إن كان فاسِدًا، فللبائِعِ والمُقْرِضِ أخْذُ مالِه إن كان باقِيًا، سَواءٌ كان في يَدِ العَبْدِ أو السَّيِّدِ، وإن كان تَالِفًا، فله قِيمَتُه، أو مِثْلُه إن كان مِثْلِيًّا.
فإن تَلِفَ في يَدِ السَّيِّد، رَجَع عليه بذلك؛ لأنَّ عَينَ مالِه تَلِف في يَدِه، وإن شاء كان ذلك مُتَعَلِّقًا برَقَبَةِ العَبْدِ؛ لأنَّه الذي أخَذَه منه، وإن تَلِف في يَدِ العَبْدِ، فالرُّجُوعُ عليه.
وهل يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه أو ذِمَّتِه؟ على رِوايَتَين.
وإن قُلْنا: التَّصَرُّفُ صَحِيحٌ.
والمَبِيعُ في يَدِ العَبْدِ، فللبائِعِ فَسْخُ البَيعِ، وللمُقْرِضِ الرُّجُوعُ فيما أقْرَضَ؛ لأَنه قد

وَإذَا بَاعَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الْمَأْذُونَ شَيئًا، لَمْ يَصِحّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ،  تَحَقَّقَ إعْسارُ المُشْتَرِي والمُقْتَرِضِ، فهو أسْوأُ حالًا مِن الحُرِّ المُعْسِرِ.
وإن كان السَّيِّدُ قد انْتَزَعَه مِن يَدِ العَبْدِ، مَلَكَه بذلك؛ لأنَّه أخَذَ مِن عَبْدِه مالًا في يَدِه بحَقٍّ، فهو كالصَّيدِ.
فإذا مَلَكَه السَّيِّدُ كان كهَلاكِه في يَدِ العَبْدِ، ولا يَمْلِكُ البائِعُ والمُقْرِضُ انْتِزاعَه مِن السَّيِّد بحالٍ.
فإنَّ كان قد تَلِف، اسْتَقَرَّ ثَمَنُه في رَقَبَةِ العَبْدِ أو في ذِمَّتِه، سَواءٌ تَلِف في يَدِ العَبْدِ أو السَّيِّدِ.

1978 -

مسألة: (وإذا باع السَّيِّدُ عَبْدَه المَأذُونَ له شيئًا، لم يَصِحَّ

وَيَصِحُّ فِي الْآخَرِ إِذَا كَانَ عَلَيهِ دَينٌ بِقَدرِ قِيمَتِهِ.
في أحَدِ الوَجْهَين) لأنَّه مَمْلُوكُه، فلا يَثْبُتُ له دَين في ذِمَّتِه، كغيرِ المَأْذُونِ له، أو كمَن لا دَينَ عليه (ويَصِحُّ في الآخَرِ إذا كان عليه دَينٌ بقَدْر قِيمَتِه) لأنَّا إذا قُلْنا: إنَّ الدَّينَ يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه.
فكأنَّه صار مُسْتَحَقًّا لأصْحابَ الديونِ، فيَصِيرُ كعَبْدِ غيرِه.

وَيَصِحُّ إِقْرَارُ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ.
وَإنْ حُجِرَ عَلَيهِ وَفِي يَدِهِ مَالٌ، ثُمَّ أُذِنَ لَهُ، فَأقَرَّ بِهِ، صَحَّ.

1979 - مسألة: (ويَصِحُّ إقْرارُ المَأذُونِ له في قَدْرِ ما أُذِن له فيه)

دُونَ ما زاد عليه، لأنَّه لم يُؤْذَنْ له فيه، فهو كغيرِ المَأْذُونِ له، ولأنَّ الذي أُذِن له فيه يَصِحُّ تَصَرُّفُه فيه، فيصِحُّ إقْرارُه به، كالحُرِّ.
1980 -

مسألة: (وإن حُجِر عليه وفي يَدة مالٌ، ثم أُذِن له فيه، فأقَرَّ به، صَحَّ)

لأنَّ المانِعَ مِن صِحَّةِ إقْرارِه الحَجْرُ عليه، وقد زال، ولأنَّه يَصِحُّ تَصَرُّفُه فيه، فيَصِحُّ إقْرارُه به، كما لو لم يُحْجَرْ عليه، وقِياسًا على غيرِه مِن الأحْرارِ.

جارٍ التحميل