..................................
فصل: ويُكْرَهُ الإِحْرامُ بالحَجِّ قبلَ أشْهُرِه، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لكَوْنِه إحْرامًا به قبلَ وَقْتِه، فأشْبَهَ الإِحْرامَ به قبلَ مِيقاتِه، بل الكَراهَةُ هنا أشَدُّ؛ لأنَّ في صِحَّتِه اخْتِلافًا.
فإن أحْرَمَ بالحَجِّ قبلَ مِيقاتِ المَكانِ صَحَّ إحْرامُه بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، إلَّا أنَّه يُكْرَهُ ذلك، وقد ذَكَرْناه.
وإن أحْرَمَ به قبلَ أشْهُرِه، صَحَّ أيضًا، إذا بَقِىَ على إحْرامِه إلى وَقْتِ الحَجِّ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ جَماعَةٍ.
وهو قولُ النَّخَعِيِّ، والثَّوْرِىِّ، وأبي حنيفةَ، ومالكٍ، وإسْحاقَ.
وقال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، والشافعيُّ: يَجْعَلُه عُمْرَةً.
وذَكَر القاضى في «الشَّرْحِ» رِوايَةً مثلَ ذلك.
واخْتارَها ابنُ حامِدٍ، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ 1. تَقْدِيرُه وَقْتُ الحَجِّ، أو أشْهُرُ الحَجِّ، مِن قَبِيلِ حَذْفِ المُضافِ، وإقامَةِ المُضافِ إليه مُقامَه.
وإذا ثَبَت أنَّه وَقْتُه لم يَصِحَّ تَقْدِيمُه عليه، كأوْقاتِ الصَّلَواتِ.
وَأَشْهُرُ الْحَجِّ؛ شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِى الْحِجَّةِ.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (1). يَدُلُّ على أنَّ جميعَ الأَشْهُرِ مِيقاتٌ.
ولأنَّه أحَدُ النُّسُكَيْن، فجاز الإِحْرامُ به في جَمِيعِ السَّنَةِ، كالعُمْرَةِ، وأحدِ المِيقاتَيْن، فَصَحَّ الإِحْرامُ قبلَه، كمِيقاتِ المكانِ، والآيَةُ مَحْمُولَةٌ على أنَّ الإِحْرامَ به إنَّما يُسْتَحَبُّ فيها.
1155 -
مسألة: (وأشْهُرُ الحَجِّ؛ شَوّالٌ، وذُو القَعْدَةِ، وعَشْرٌ مِن ذِى الحِجَّةِ)
وهو مِيقاتُ الزَّمانِ للحَجِّ.
هذا قولُ ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، والحسنِ،1
..................................
والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وقَتادَةَ، والثَّوْرِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ.
ورُوِىَ عن عُمَرَ، وابنِه، وابنِ عباسٍ: أشْهُرُ الحَجِّ؛ شَوّالٌ، وذُو القَعْدَةِ، وذو الحِجَّةِ 1. وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّ أقَلَّ الجَمْعِ ثَلاثَةٌ.
وقال الشافعيُّ: آخِرُ أشْهُرِ الحَجِّ لَيْلَةُ النَّحْرِ، وليسِ يومُ النَّحْرِ منها؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾.
ولا يُمْكِنُ فَرْضُه بعدَ لَيْلَةِ النَّحْرِ.
ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «يَوْمُ الْحَجِّ الأكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ».
رَواه أبو داودَ 2. فكيفَ يَجُوزُ أن يَكُونَ يومُ الحَجِّ الأكْبَرِ ليس مِن أشْهُرِه؟ ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصحابَةِ، ولأنَّ يومَ النَّحْرِ فيه رُكْنُ الحَجِّ، وهو طَوافُ الزِّيارَةِ، وفيه رَمْىُ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، والحَلْقُ، والنَّحْرُ، والسَّعْىُ، والرُّجُوعُ إلى
..................................
مِنًى، وما بعدَه ليس مِن أشْهُرِه؛ لأنَّه ليس بوَقْتٍ لإِحْرامِه، ولا لأرْكانِه، فهو كالمُحْرِمِ، ولا يَمْنَعُ التَّعْبِيرُ بلَفْظِ الجَمْعِ عن شَيْئَيْن وبعضِ الثّالِثِ، فقد قال اللهُ تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ 1. والقُرْءُ الطُّهْرُ عند مالكٍ، ولو طَلَّقَها في طُهْرٍ احْتَسَبَتْ ببَقِيَّتِه 2. وتَقُولُ العَرَبُ: ثَلاثٌ خَلَوْنَ مِن ذِى الحِجَّةِ، وهم في الثّالِثَةِ، وقَوْلُه تعالى: ﴿فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾.
أى في أكْثَرَهِنَّ.
واللهُ تعالى أعْلَمُ.
فصل: فأمّا العُمْرَةُ فكلُّ الزمانِ مِيقاتٌ لها، ولا يُكْرَهُ الإِحْرامُ بها في يومِ النَّحْرِ وعَرَفَةَ وأيّامِ التَّشْرِيقِ، في أشْهَرِ الرِّوايَتَيْن.
وعنه، يُكْرَهُ.
وبه قال أبو حنيفةَ.
ولَنا، أنَّه زَمانٌ لإِحْرامِ الحَجِّ، فلم يُكْرَهْ فيه إحْرامُ العُمْرَةِ، كغيرِه.
بَابُ الْإِحْرَامِ
يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ أَنْ يَغْتَسِلَ، وَيَتَنَظَّفَ، وَيَتَطَيَّبَ، وَيَلْبَسَ ثَوْبَيْنِ أَبْيَضَيْنِ نَظِيفَيْنِ؛ إِزَارًا وَرِدَاءً.
بابُ الإِحْرامِ
1156 -
مسألة: (يُسْتَحَبُّ لمَن أرادَ الإحْرامَ أن يَغْتَسِلَ، ويَتَنَظَّفَ، وَيَتَطَيَّبَ، ويَلْبَسَ ثَوْبَيْن أبْيَضَيْن نَظِيفَيْن؛ إزارًا [ورِداءً]
1
وَيَتَجَرَّدَ عَنِ الْمَخِيطِ
ويَتَجَرَّدَ عن المَخِيط) يُسْتَحَبُّ لمَن أرادَ الإِحْرامَ أن يَغْتَسِلَ قبلَه.
وهو قولُ طاوُسٍ، والنَّخَعِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ؛ لِما روَى زيدُ بن ثابِتٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه رَأى النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - تَجَرَّدَ لإِهْلالِه، واغْتَسَلَ.
رَواه التِّرْمِذِىُّ 1، وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
وثَبَت أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ أسماءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ، وهى نُفَساءُ، أن تَغْتَسِلَ عندَ الإِحْرامِ 2. ولأنَّ هذه العِبادَةَ يَجْتَمِعُ لها النّاسُ، فسُنَّ لها الاغْتِسالُ، كالجُمْعَةِ.
وليس ذلك واجِبًا في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ.
قال ابن المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ الإِحْرامَ جائِزٌ بغيرِ اغْتِسالٍ، وأنَّه غيرُ واجِبٍ.
وحُكِىَ عن الحسنِ أنَّه قال: إذا نَسِىَ الغُسْلَ، يَغْتَسِلُ إذا ذَكَر.
قال الأثْرَمُ: سَمِعْت أبا عبدِ اللهِ قِيلَ له عن بعضِ أهْلِ المَدِينَةِ: مَن تَرَك الاغْتِسالَ عندَ الإِحْرامِ فعليه دَمٌ؛ لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - لأسْماءَ:
..................................
«اغْتَسِلِي».
فكيفَ الطّاهِرُ؟ فأظْهَرَ التَّعَجُّبَ مِن هذا القولِ.
وكان ابنُ عُمَرَ يَغْتَسِلُ أحْيانًا، ويَتَوَضَّأُ أحْيانًا.
وأيُّ ذلك فَعَل أجْزَأه، ولا أوْجَبَ الاغْتِسَالَ، ولا أمَرَ به، إلَّا لحائِضٍ أو نُفَساءَ، ولو كان واجِبًا لأمَرَ به غيرَهما.
ولأنَّه لأمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، فأشْبَهَ غُسْلَ الجُمُعَةِ.
فإن لم يَجِدْ ماءً، فقالَ القاضى: يَتَيَمَّمُ؛ لأنَّه غُسْلٌ مَشْرُوعٌ، فنابَ التَّيَمُّمُ عنه، كالواجِبِ.
والصَّحِيحُ أنَّه غيرُ مَسْنُونٍ؛ لأنَّه غُسْلٌ غيرُ واجِبٍ، فلم يُسْتَحَبَّ التَّيَمُّمُ عندَ عَدَمِه، كغُسْلِ الجُمُعَةِ.
وما ذَكَرَه مُنْتَقِضٌ بغُسْلِ الجُمُعَةِ.
والفَرْقُ بينَ الواجِبِ والمَسْنُونِ أنَّ الواجِبَ شُرِعَ لإِباحَةِ الصلاةِ، والتَّيَمُّمُ يَقُومُ مَقامَه في ذلك، والمَسْنُونَ يُرادُ للتَّنْظِيفِ وقَطْعِ الرّائِحَةِ، والتَّيَمُّمُ لا يُحَصِّلُ هذا، بل يُحَصِّلُ شَعَثًا وتَغْبِيرًا؛ ولذلك افْتَرَقا في الطَّهارَةِ الصُّغْرَى، فلم يُشْرَعْ تَجْدِيدُ التَّيَمُّمِ، ولا تَكْرارُ المَسْحِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ للمَرْأةِ الغُسْلُ، كالرجلِ، وإن كانت حائِضًا أو نُفَساءَ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ أسماءَ بنتَ عُمَيْسٍ، وهى نُفَساءُ، أن تَغتَسِلَ.
رَواه مسلمٌ.
وأمَرَ عائِشَةَ أن تَغْتَسِلَ لإِهْلالِ الحَجِّ، وهى حائِضٌ 1.
..................................
فإن رَجَتِ الحائِضُ أو النُّفَساءُ الطُّهْرَ قبلِ الخُرُوجِ مِن المِيقاتِ اسْتُحِبَّ لهما تَأْخِيرُ الاغْتِسالِ حتى يَطْهُرا؛ ليَكُون أكْمَلَ لهما، وإلَّا اغْتَسَلَتا؛ لِما ذَكَرْناه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ التَّنْظِيفُ بإزالَةِ الشَّعَرِ، وقَطْعِ الرّائِحَةِ، ونَتْفِ الإِبْطِ، وقَصِّ الشاربِ، وتَقْلِيمِ الأظْفارِ، وحَلْقِ العانَةِ؛ لأنَّه أمْرٌ يُسَنُّ له الاغْتِسالُ والطِّبُ، فسُنَّ له هذا، كالجُمُعَةِ، ولأنَّ الإِحْرامَ يَمْنَعُ قَطْعَ الشَّعَرِ وتَقْلِيمَ الأظْفارِ، فاسْتُحِبَّ له فِعْلُه قبلَه؛ لئَلَّا يَحْتاجَ إليه في إحْرامِه، فلا يَتَمَكَّنُ منه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ لمن أرادَ الإِحْرامَ أن يَتَطَيَّبَ في بَدَنِه خاصَّةً، ولا فَرْقَ بينَ ما تَبْقَى عَيْنُه، كالمِسْكِ، أو أثرُه، كالعُودِ والبَخُورِ وماءِ الوَرْدِ.
هذا قولُ ابنِ عباسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وسَعْدِ بنِ أبِى وَقَّاصٍ، وعائِشَةَ، وأُمِّ حَبِيبَةَ، ومُعاويَةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم.
ورُوِىَ عن ابنِ الحَنَفِيَّةِ، وأبِى سعيدٍ، وعُرْوَةَ، والقاسِمِ، والشَّعْبِىِّ، وابنِ جُرَيْجٍ.
وكان عَطاءٌ يَكْرَهُ ذلك.
وهو قولُ مالكٍ.
ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، وعثمانَ، وابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهم.
واحْتَجَّ مالكٌ بما روَى يَعْلَى بنُ أُمَيَّةَ، أنَّ رجلًا أتَى النبيَّ
..................................
- صلى الله عليه وسلم -، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، كيف تَرَى في رجلٍ أحْرَمَ بعُمْرَةٍ وهو مُتَضَمِّخٌ بطِيبٍ؟ فسَكَتَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، يَعْنِى ساعَةً، ثم قال: «اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ -ثَلاثَ مَرّاتٍ- وانْزِعْ عَنْكَ الجُبَّةَ، وَاصْنَعْ فِى عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِى حَجِّك».
مُتَّفَقٌ عليه 1. ولأنَّه يُمْنَعُ مِن ابْتِدائِه، فمُنِعَ مِن اسْتِدامَتِه، كاللُّبْسِ.
ولَنا، قولُ عائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها: كُنْتُ أُطَيِّبُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لإِحْرامِه قبلَ أن يُحْرِمَ، ولِحِلِّه قبلَ أن يَطوفَ بالبَيْتِ.
وقالَتْ: كأنِّي أنْظُرُ إلى وَبِيصِ 2 الطِّيبِ في مَفارِقِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وهو مُحْرِمٌ.
مُتَّفَقٌ عليه 3. وفى لَفْظٍ لمسلمٍ: طَيَّبْتُهُ بِأطْيَبِ الطِّيبِ.
وقالت: بطِيبٍ فيهِ مِسْكٌ.
وحديثُهم في بعضِ ألفاظِه: عليه
..................................
جُبَّةٌ بها أثَرُ الخَلُوقِ 1. رواه مسلمٌ.
وفي بعضِها: وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بالخَلُوقِ.
وفي بعضِها: عليه رَدْعٌ 2 مِن زَعْفَران.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ طِيبَ الرجلِ كان مِن الزَّعْفَرانِ، وهو مَنْهِيٌّ عنه للرجالِ في غيرِ الإِحْرامِ، ففيه أوْلَى.
وقد روَى البخاريُّ 3، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أن يتَزَعْفَرَ الرجلُ.
ولأنَّ حديثَهم في سَنَةِ ثَمانٍ، وحديثُنا في سَنَةِ عَشْرٍ.
قال ابنُ جُرَيْجٍ: كان شَأْنُ صاحِبِ الجُبَّةِ قبلَ حَجَّةِ الوَداعِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا خِلافَ بينَ جَماعَةِ أهْلِ العِلْمِ بالسِّيَرِ والآثارِ، أنَّ قِصَّةَ صاحِبِ الجُبَّةِ = كما أخرجه أبو داود، في: باب الطيب عند الإحرام، من كتاب المناسك.
سنن أبي داود 1/ 405. والترمذى، في: باب ما جاء في الطيب عند الإحلال قبل الزيارة، من أبواب الحج.
عارضة الأحوذى 4/ 149. والنسائي، في: باب إباحة الطيب عند الإحرام، وباب موضع الطيب، من كتاب المناسك.
المجتبى 5/ 105 - 109. وابن ماجه، في: باب الطيب عند الإحرام، وباب ما يحل للرجل إذا رمى جمرة العقبة، من كتاب المناسك.
سنن ابن ماجه 2/ 976، 1011. والدارمي، في: باب الطيب عند الإحرام، من كتاب المناسك.
سنن الدارمى 2/ 32، 33. والإمام مالك، في: باب ما جاء في الطيب في الحج، من كتاب الحج.
الموطأ 1/ 328. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 39، 98، 107، 109، 124، 128، 130، 162، 173، 175، 181، 186، 191، 192، 200، 207، 209، 212، 214، 216، 224، 230، 237، 238، 244، 245، 250، 254، 258، 264، 267، 280.
..................................
كانت عامَ خَيْبَرَ، بالجِعْرانَةِ 1، سَنَةَ ثمانٍ، وحديثُ عائِشَةَ في حَجَّةِ الوَداعِ سَنَةَ عَشْرٍ.
فعندَ ذلك إن قُدِّرَ التَّعارُضُ، فحديثُنا ناسِخٌ لحديثِهم.
فإن قِيلَ: فقد روَى محمدُ بنُ المُنْتَشِرِ، قال: سَألْتُ ابنَ عُمَرَ عن الطِّيبِ عندَ الإِحْرامِ، فقال: لأن أُطْلَى بالقَطِرانِ أحَبُّ إلَيَّ مِن ذلك.
قُلْنا: تَمامُ الحديثِ، قال: فذَكَرْتُ ذلك لعائشةَ، فقالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ أبا عبدِ الرحمنِ، قد كنتُ أُطَيِّبُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فيَطُوفُ في نِسائِه، ثم يُصْبِحُ يَنْضَحُ طِيبًا 2. فإذًا صار الخَبَرُ حُجَّةً على مَن احْتَجَّ به، فإنَّ فِعْلَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - حُجَّةٌ على ابنِ عُمَرَ وغيرِه، وقِياسُهم يَبْطُلُ بالنِّكاحِ، فإنَّ الإِحْرامَ يَمْنَعُ ابْتداءَه دُونَ اسْتِدامَتِه.
فصل: فإن طَيَّبَ ثَوْبَه، فله اسْتِدامَةُ لُبْسِه، ما لم يَنْزِعْه، فإن نَزَعَه فليس له لُبْسُه، فإن لَبِسَه افْتَدَى؛ لأنَّ الإِحْرامَ يَمْنَعُ ابْتِداءَ الطِّيبِ ولُبْسَ المُطَيَّبِ، دُونَ الاسْتِدامَةِ.
وكذا إن نَقَل الطِّيبَ مِن مَوْضِعٍ مِن بَدَنِه إلى مَوْضِعٍ، يَفْتَدِى؛ لأنَّه ابْتَدَأ الطِّيبَ.
وكذا إن تَعَمَّدَ مَسَّه بيَدِه، أو نَحّاه عن مَوْضِعِه ثم رَدَّه إليه.
فأمّا إن عَرِق الطِّيبُ، أو ذابَ بالشَّمْسِ، فسال إلى مَوْضِعٍ آخَرَ، فلا شئَ عليه؛ لأنَّه ليس مِن فِعْلِه.
قالَتْ عائِشَةُ،
..................................
رَضِىَ اللهُ عنها: كُنّا نَخْرُجُ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلى مَكَّةَ فنُضَمِّدُ جِباهَنا بالمِسْكِ عندَ الإِحْرامِ، فإذا عَرِقَتْ إحْدانا سالَ على وَجْهِها، فيَرانا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فلا يَنْهانا.
رَواه أبو داودَ 1.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَلْبَسَ ثَوْبَيْن أبْيَضَيْن نَظِيفَيْن؛ إزارًا ورِداءً؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَلْيُحْرِمْ أحَدُكُمْ فِى إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ» 2. ويُسْتَحَبُّ أن يَكُونا نَظِيفَيْن، إمّا جَدِيدَيْن، أو مَغْسُولَيْن؛ لأنَّا أحْبَبْنا له التَّنْظِيفَ في بَدَنِه، فكذلك في ثِيابه، كشاهِدِ الجُمُعَةِ.
والأوْلَى أن يَكُونا أبْيَضَيْن؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «خَيْرُ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضُ، فَألْبِسُوهَا أحْيَاءَكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ».
رَواه النَّسائِىُّ 3 بمَعْناه.
فصل: ويَتَجرَّدُ عن المَخِيطِ إن كان رجلًا، فأمّا المَرْأةُ فلها لُبْسُ المَخِيطِ في الإِحْرامِ؛ لأنَّ المُحْرِمَ مَمْنوعٌ مِن لُبْسِه في شئٍ مِن بَدَنِه، وهو كلُّ ما يُخاطُ على قَدْرِ المَلبُوسِ عليه، كالقَمِيصِ والسَّراوِيلِ والبُرْنُسِ.
ولو لَبِس إزارًا مُوَصَّلًا، أو اتَّشَحَ بثَوْبٍ مَخِيطٍ كان جائِزًا.
وسَنَذْكُرُ ذلك في مَوْضِعِه، إن شاء اللهُ تعالى.
وَيُصَلِّىَ رَكْعَتَيْنِ، وَيُحْرِمَ عَقِيبَهُمَا.
1157 - مسألة: (ويُصَلِّىَ رَكْعَتَيْن، ويُحْرِمَ عَقِيبَهما)
المُسْتَحَبُّ أن يُحْرِمَ عَقِيبَ الصلاةِ، فإن حَضَرَتْ صلاةٌ مَكْتُوبَةٌ، أحْرَمَ عَقِيبَها، وإلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْن تَطَوُّعًا وأحْرَمَ عَقِيبَهما.
وهذا قولُ عَطاءٍ، وطاوُسٍ، ومالكٍ، والشافعىِّ، والثَّوْرِىِّ، وأبي حنيفةَ، وإسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ، ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ وابنِ عباسٍ.
وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ الإِحْرامَ عَقِيبَ الصلاةِ، وإذا اسْتَوَتْ به راحِلَتُه، وإذا بَدَأ بالسَّيْرِ، سَواءٌ؛ لأنَّ الجَمِيعَ مَرْوِىُّ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - مِن طُرُقٍ صَحِيحَةٍ.
قال الأثْرَمُ: سَألْتُ أبا عبدِ اللهِ: أيُّما أحَبُّ إليك؛ الإِحْرامُ في دُبُرِ الصلاةِ، أو إذا اسْتَوَت به راحِلَتُه 1؟ قال: كلُّ ذلك 2 قد جاء، في دُبُرِ الصلاةِ، وإذا عَلا البَيْداءَ، وإذا اسْتَوَتْ به راحِلَتُه.
فوَسَّعَ في ذلك كلِّه.
قال ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ الله عنهما: أهَلَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حينَ اسْتَوَتْ به راحِلَتُه قائِمَةً.
..................................
وروَى ابنُ عباسٍ، وأنَسٌ، رَضِىَ الله عنهما، نَحْوَه.
رَواهُنَّ البخاريُّ 1. والأوْلَى الإِحْرامُ عَقِيبَ الصلاةِ؛ لِما روَى سعيدُ ابنُ جُبَيْرٍ، قال: ذَكَرْتُ لابنِ عباسٍ إهْلالَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ: أوْجَبَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الإِحْرامَ حينَ فَرَغ مِن صَلاِته، ثم خَرَج، فلَمّا رَكِب رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - راحِلَتَه، وَاسْتَوَتْ به قائِمَةً، أهَلَّ، فأدْرَكَ ذلك منه قومٌ، فقالُوا: أهَلَّ حينَ اسْتَوَتْ به راحِلَتُه.
وذلك أنَّهُم لم يُدْرِكُوا إلَّا ذلك، ثم سارَ حتى عَلا البَيْداءَ، فأهَلَّ، فأدْرَكَ ذلك منه ناسٌ، فقالُوا: أهَلَّ حينَ عَلا البَيْداءَ.
رَواه أبو داودَ 2، والأثْرَمُ.
وهذا لَفظُه.
وهذا فيه بَيانٌ وزِيادَةُ عِلْمٍ، فتَعَيَّنَ حَمْلُ الأمْرِ عليه، ولو لم يَقُلْه ابنُ عباسٍ،
وَيَنوِى الْإِحْرَامَ بِنُسُكٍ مُعَيَّنٍ، وَلَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ،
لتَعَيَّن حَمْلُ الأمْرِ عليه؛ جمْعًا بينَ الأخْبارِ المُخْتَلِفَةِ، وعلى سَبِيلِ الاسْتِحْبابِ.
وكيفما أحْرَمَ جاز، لا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَ في ذلك.
1158 -
مسألة: (ويَنْوِى الإِحْرامَ بنُسُكٍ مُعَيَّنٍ، ولا يَنْعَقِدُ إلَّا بالنِّيَّةِ)
يُسْتَحَبُّ أن يُعَيِّنَ ما يُحْرِمُ به مِن الأنْساكِ.
وبه قال مالكٌ.
وِقال الشافعيُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه: الإِطْلاقُ أوْلَى؛ لِما روَى طاوُسٌ، قال: خرَج رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِن المَدِينَةِ، لا يُسَمِّى حَجًّا، يَنتظِرُ القَضاءَ، فنَزَلَ عليه القَضاءُ، وهو بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فأمَرَ أصحابَه مَن كان منهم أهَلَّ، ولم يَكُنْ معه هَدْىٌ، أن يَجْعَلُوها عُمْرَةً 1. ولأنَّ ذلك أحْوَطُ؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ الإِحْصارَ، أو تَعذُّر فِعْلِ الحَجِّ، فيَجْعَلَها عُمْرَةً.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ أصْحابَه بالإِحْرامِ بنُسُكٍ مُعَيَّنٍ، فقالَ: «مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ، [وعُمْرَةٍ] 2، فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أرَادَ أنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أرَادَ أنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ» 3. والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه إنَّما أحْرَمُوا بمُعَيَّنٍ؛ لِما نَذْكُرُه إن شاءَ اللهُ تعالى في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، ولأنَّ أصْحابَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - الذين كانُوا معه في صُحبَتِه يَطَّلِعُون على أحوالِه ويَقتَدُون به، أعْلَمُ
..................................
به مِن طاوُسٍ، ثم إنَّ حديثَه مُرْسَلٌ، والشافعيُّ لا يَحْتَجُّ بالمراسِيلِ، فكيفَ صار إليه مع مُخالَفَةِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ المُسْنَدَةِ، والاحْتِياطُ مُمْكِنٌ، بأن يَجْعَلَها عُمْرَةً، فإن شاء كان مُتَمَتِّعًا، وإن شاء أدْخَلَ عليها الحَجَّ، فصار قَارِنًا.
فصل: ويَنْوِى الإِحْرامَ بقَلْبِه، ولا يَنْعَقِدُ إلَّا بالنِّيَّةِ؛ لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّما الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» 1. ولأنَّها عِبادَةٌ مَحْضَةٌ، فافْتَقَرَتْ إلى النَّيَّةِ، كالصلاةِ.
فإن لَبَّى مِن غيرِ نِيَّةٍ لم يَصِرْ مُحْرِمًا؛ لِما ذَكَرْنا.
وإنِ اقْتَصَرَ على النِّيَّةِ، كَفاه ذلك.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَنْعَقِدُ بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ حتى يُضافَ إلهِا التَّلْبيَةُ، أو سَوْقُ الهَدْىِ؛ لِما روَى خَلَّادُ بنُ السّائِبِ الأنْصارِىُّ، عن أبيه، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «جَاءَنِى جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ أصحَابَكَ أنْ يَرْفَعُوا أصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ».
قال التِّرْمِذِيُّ 2: هذا حديثٌ حسنٌ.
ولأنَّها عِبادَةٌ ذاتُ تَحْرِيمٍ وتَحْلِيلٍ، فكانَ لها نُطْقٌ واجِبٌ، كالصلاةِ، ولأنَّ الهَدْىَ
وَيَشْتَرِطُ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّى أُرِيدُ النُّسُكَ الْفُلَانِى، فَيَسِّرْهُ لِى،
والأُضْحِيَةَ لا يَجِبان بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كذلك النُّسُكُ.
ولَنا، أنَّها عِبادَةٌ ليس في آخِرِها نُطْقٌ واجِبٌ، فلم يَكُنْ في أوَّلِها، كالصيامِ.
والخَبَرُ المُرادُ به الاسْتِحْبابُ، فإنَّ مَنْطُوقَه رَفْعُ الصَّوْتِ، ولا خِلافَ في عَدَمِ وُجُوبِه، فما هو مِن ضَرُورَتِه أوْلَى، ولو وَجَب النُّطْقُ لم يَلْزَمْ كَوْنُه شَرْطًا، فإنَّ كَثِيرًا مِن واجِباتِ الحَجِّ غيرُ مُشْتَرَطَةٍ فيه، والصلاةُ في آخِرِها نُطْقٌ واجِبٌ، بخِلافِ الحَجِّ والعُمْرَةِ.
وأمّا الهَدْىُ والأُضْحِيَةُ فإيجابُ مالٍ، فهو يُشْبِهُ النَّذْرَ، بخِلافِ الحَجِّ؛ لأنَّه عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ.
فعلى هذا لو نَطَق بغيرِ ما نَواه، نَحْوَ أن يَنْوِىَ العُمْرَةَ، فيَسْبِقَ لسانُه إلى الحَجِّ، أو بالعَكْسِ، انْعَقَدَ ما نَواه دُونَ ما لَفَظ به.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ على هذا.
وذلك لأنَّ الواجِبَ النِّيَّةُ، وعليها الاعْتِمادُ، واللَّفْظُ لا عِبْرَةَ به، فلم يُؤَثِّرْ، كما لا يُؤَثِّرُ اخْتلافُ النِّيَّةِ فيما يُعْتَبَرُ له اللَّفْظُ دُونَ النِّيَّةِ.
فإن لَبَّى، أو ساق الهَدْىَ مِن غيرِ نِيَّةٍ، لم يَنْعَقِدْ إحْرامُه؛ لأنَّ ما اعْتُبِرَت له النِّيَّةُ لا يَنْعَقِدُ بدُونِها، كالصومِ والصلاةِ.
1159 -
مسألة: (ويَشْتَرِطُ، فيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّى أُرِيدُ النُّسُكَ
وَتَقَبَّلْهُ مِنِّى، فَإِنْ حَبَسَنِى حَابِسٌ، فَمَحِلِّى حَيْثُ حَبَسْتَنِى.
الفُلانِيَّ، فيَسِّرْه لى، وتَقَبُّلْه مِنِّى، وإن حَبَسَنِى حابِسٌ، فمَحِلِّى حيث حَبَسْتَنِى) فإن أرادَ التَّمَتُّعَ قال: اللَّهُمَّ إنِّى أُرِيدُ العُمْرَةَ، فيَسِّرْها لى، وتَقَبَّلْها مِنِّى، وإن حَبَسَنِى حابِسٌ فمَحِلِّى حيث حَبَسْتَنِى.
وإن أرادَ الإِفْرادَ، قال: اللَّهُمَّ إنِّى أُريدُ الحَجَّ فيَسِّرْه لى وتَقَبَّلْه مِنِّى.
ويَشْتَرِطُ.
وإن أرادَ القِرانَ قال: اللَّهُمَّ إنِّى أُرِيدُ الحَجَّ والعُمْرَةَ فيَسِّرْهما لى، وتَقَبَّلْهما مِنِّى.
ويَشْتَرِطُ.
وهذا الاشْتِراطُ مُسْتَحَبٌّ.
ويُفِيدُ هذا الشَّرْطُ شَيْئَيْن؛ أحَدُهما، أنَّه إذا عاقه عَدُوٌّ أو مَرَضٌ أو ذَهابُ نَفَقَةٍ ونَحْوُه، أنَّ له التَّحَلُّلَ.
والثّانِي، أنَّه متى حَلَّ بذلك فلا شئَ عليه.
ومِمَّن رَأى الاشْترِاط في الإِحْرامِ؛ عُمَرُ، وعليٌّ، وابنُ مسعودٍ، وعَمّارٌ، رَضِىَ اللهُ عنهم.
وبه قال عَبِيدَةُ السَّلْمانِىُّ، وعَلْقَمَةُ، والأسْوَدُ، وشُرَيْحٌ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، والشافعيُّ بالعراقِ.
وأنْكَرَه ابنُ عُمَرَ، وطاوُسٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ.
وعن أبِى حنيفةَ، أنَّ الاشْتِراطَ يُفِيدُ سُقُوطَ الدَّمِ، فأمّا التَّحَلُّلُ فهو ثابِتٌ عندَه بكلِّ إحْصارٍ.
واحْتَجُّوا بأنَّ ابنَ عُمَرَ كان يُنكِرُ الاشْتِراطَ، ويَقُولُ: حَسْبُكم سُنَّةُ نَبِيِّكُم - صلى الله عليه وسلم -. ولأنَّها عِبادَةٌ تَجِبُ بأصْلِ الشَّرْعِ، فلم يُفِدْ الاشْتِراطُ فيها، كالصومِ والصلاةِ.
ولَنا، ما رَوَتْ عائِشَةُ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالَت: دَخَل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على ضُباعَةَ بنتِ الزُّبَيْرِ، فقالَتْ: يا رسولَ
..................................
اللهِ، إنِّى أُريدُ الحَجَّ، وأنا شاكِيَةٌ.
فقالَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «حُجِّى، وَاشْتَرِطِى أنَّ مَحِلِّى حَيْثُ حَبَسْتَنِى».
مُتَّفقٌ عليه 1. وعن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّ ضُباعَةَ أتَتِ النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالَتْ: يا رسولَ اللهِ، إنِّى أُرِيدُ الحَجَّ، فكيفَ أقُولُ؟ قالَ: «قُولِى: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، ومَحِلِّى مِنَ الأرْضِ حَيْثُ تَحْبِسُنى، فإن لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثنيْتِ».
رَواه مسلمٌ 2. ولا قولَ لأحَدٍ مع قولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، فكيفَ يُعارَضُ بقَوْلِ ابنِ عُمَرَ، ولو لم يَكُنْ فيه حديثٌ لكانَ قولُ الخَلِيفَتَيْن الرّاشِدَيْن مع مَن قد ذَكَرْنا قولَه مِن فُقَهاءِ الصحابةِ أوْلَى مِن قولِ ابنِ عُمَرَ.
وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّمَتُّعِ وَالإفْرَادِ وَالْقِرَانِ،
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ غيرَ هذا اللَّفظِ مِمّا يُؤَدِّى مَعْناه، يَقُومُ مَقامَه؛ لأنَّ المَقْصُودَ المَعْنَى، واللَّفْظُ إنَّما أُريدَ لتَأْدِيَةِ المَعْنَى.
قال إبراهيمُ: خَرَجْنا مع عَلْقَمَةَ وهو يُرِيدُ العُمْرَةَ، فقالَ: اللَّهُمَّ إنِّى أُرِيدُ العُمْرَةَ، إن تَيَسَّرَت، وإلَّا فلا حَرَج علىَّ.
وكان شُرَيْحٌ يَقُولُ: اللَّهُمَّ قد عَرَفْتَ نِيَّتِى، وما أُرِيدُ، فإن كان أمْرًا تُتِمُّه فهو أحَبُّ إليَّ، وإلَّا فلا حَرَج علىَّ.
وقالَتْ عائِشَةُ، رَضِىَ اللهُ عنها، لعُرْوَةَ: قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّى أُرِيدُ الحَجَّ، وإيّاهُ نَوَيْتُ، فإن تَيَسَّرَ، والأ فعُمْرَةٌ.
فإن نَوَى الاشْتِراطَ ولم يَتَلَفَّظْ به، احْتَمَلَ أن يَصِحَّ؛ لأنَّه تابعٌ لعَقْدِ الإحْرام، والإحْرامُ يَنْعَقِدُ بالنيَّةِ، فكذلك تابِعُه، واحْتَمَلَ أنه لابدَّ مِن القولِ؛ لأنَّه اشْتِرَاطٌ، فاعْتُبِرَ فيه القولُ، كالاشْتِراطِ في النَّذْرِ والاعْتِكافِ والوُقُوفِ، ويَدُل عليه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ ابن عباس: «قُولِى مَحِلِّى مِنَ الأرْضِ حَيْثُ تَحْبِسُنِى».
1160 -
مسألة: (وهو مُخَيَّرٌ بينَ التَّمتُّعِ والإفْرادِ والقِرانِ)
لا خِلافَ بينَ أهْلِ العِلْمِ في جَوازِ الإحْرامِ بأىِّ الأنْساكِ الثَّلاَثةِ شاء، وقد دَلَّ على ذلك قولُ عائِشَةَ، رَضِىَ الله عنها: خَرَجْنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،
وَأفْضَلُهَا التَّمَتُّعُ، ثُمَّ الْإفْرَادُ.
وَعَنْهُ، إنْ سَاقَ الْهَدْىَ، فَالْقِرَانُ أفْضَلُ، ثُمَّ التَّمَتُّعُ.
فمِنَّا مَن أهَلَّ بعُمْرَةٍ، ومِنّا مَن أهَل بحَجٍّ وعُمْرَةٍ، ومنّا مَن أهَلَّ بحَجٍّ.
مُتفَقٌ عليه (1). فذَكَرَتِ التَّمَتُّعَ والقِرانَ والإِفْرادَ.
1161 -
مسألة: (وأفْضَلُها التَّمَتُّعُ، ثم الإفْرادُ)
ثم القِرانُ (وعنه، إن ساق الهَدْىَ، فالقِرانُ أفْضَلُ، ثم التَّمَتُّعُ) أفْضَلُ الأنْساكِ التَّمَتُّعُ، ثم الإفْرادُ، ثم القِرانُ.
ومِمَّن رُوِىَ عنه اخْتِيارُ التمَتُّعِ؛ ابنُ عُمَرَ، وابنُ عباسٍ، وابنُ الزُّبَيْرِ، وعائِشَةُ، والحسنُ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، وجابِرُ بنُ زيدٍ، وسالِمٌ، والقاسِمُ، وعِكْرِمَةُ، وأحَدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ.
وروَى المَرُّوذِيُّ عن أحمدَ، إن ساقَ الهَدْىَ، فالقِرانُ أفْضَلُ، وإن لم يَسُقْه، فالتَّمَتُّعُ أفْضَلُ؛ لأن النبىَّ - صلي الله عليه وسلم - قَرَن حينَ ساقَ الهَدْىَ، ومَنَع كلَّ مَن ساق الهَدْىَ مِن الحِلِّ حتى يَنْحَرَ هَدْيَه.
وذَهَب الثَّوْرِىُّ،1
..................................
وأصْحابُ الرَّأْىِ إلى اخْتِيارِ القِرانِ؛ لِما روَى أنَسٌ، -رضي الله عنه-، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - أهَلَّ بهما جَمِيعًا: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا».
مُتَّفَقٌ عليه 1 وحديثُ الصُّبَىِّ 2 بنِ مَعْبَدٍ، حينَ أحْرَمَ بهما، فأتَى عُمَرَ فسَأله، فقالَ: هُدِيتَ لسُنَّةِ نَبِيِّكَ - صلي الله عليه وسلم - 3. ورُوِىَ عن مَرْوانَ ابنِ الحَكَمِ، قال: كُنْتُ جالِسًا عندَ عثمانَ بنِ عَفّانَ، فسَمِعَ عليًّا يُلبِّى بعُمْرَةٍ وحَجٍّ، فأرْسَلَ إليه، فقالَ: ألم نَكُنْ نَهَيْنا عن هذا؟ قال: بلى، ولكنْ سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - يُلبِّى بهما جَمِيعًا، فلم أكُنْ أدَعُ قولَ 4 رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لقَوْلِكَ.
رَواه سعيدٌ 5. ولأن القِرانَ مُبادَرَةٌ إلى فِعْل
..................................
العِبادَةِ، وإحْرامٌ بالنُّسُكَيْن مِن المِيقاتِ، وفيه زِيادَةُ نُسُكٍ هو الدَّمُ، فكانَ أوْلَى.
وذَهَب مالكٌ، وأبو ثَوْرٍ إلى اخْتِيارِ الإفْرادِ.
وهو ظاهِر مَذْهَبِ الشافعىِّ.
ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، وعثمانَ، وابنِ عُمَرَ، وجابِرٍ، وعائشَةَ، رَضِىِ الله عنهم؛ لِما رَوَتْ عائِشَةُ، وجابِرٌ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أفْرَدَ الحَج.
مُتَّفق عليهما 1. وعن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ مثلُ ذلك.
مُتَّفَقٌ عليهما 2. ولأنَّه يَأْتِي بالحَجِّ تامًّا مِن غيرِ احْتِياجٍ إلى جَبْرٍ، فكانَ أوْلَى.
قال عثمانُ: ألا إنَّ الحَجَّ التامَّ مِن أهْلِيكُم، والعُمْرَةَ التامَّةَ مِن أهْلِيكُم.
وقال إبراهيمُ: إنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وابنَ مسعودٍ وعائِشَةَ، كانُوا يُجَرِّدُون الحَجَّ.
ولَنا، ما روَى ابن عباس، وجابِرٌ، وأبو موسى، وعائِشَة، رَضِىَ اللهُ عنهم، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ أصحابَه لَمّا طافُوا بالبَيْتِ، أنْ يَحِلوا، ويَجْعَلُوها عُمْرَةً 3. فنَقَلَهم مِن الإفْرادِ والقِرانِ إلى المُتْعَةِ.
..................................
مُتَّفَقٌ عليها، ولا يَنْقُلُهم إلَّا إلى الأفْضَلِ، ولم يُخْتَلَفْ عن النبىِّ - صلي الله عليه وسلم - أنَّه لَمّا قَدِم مَكَّةَ أمَرَ أصحابَه أنَّ يَحِلُّوا، إلَّا مَن ساق هَدْيًا، وثَبَت على إحْرامِه، وقال: «لَو اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْىَ، وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَة».
قال جابِرٌ: حَجَجْنا مع النبىِّ - صلي الله عليه وسلم - يومَ ساقَ البُدْنَ معه، وقد أهَلُّوا بالحَجِّ مُفْرَدًا، فقالَ لهم: «حِلُّوا مِنْ إحْرَامِكُمْ، وَاجْعَلُوا الَّتِى قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً».
فقالُوا: كيفَ نَجْعَلُها عُمْرَةً وقد سَمَّيْنا الحَجَّ؟ فقالَ: «افْعَلُوا مَا أمَرْتُكُم بِه، فَلَوْلَا أنِّى سُقْتُ الهَدْىَ، لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِى أمَرْتُكُمْ بِهِ».
وفى لَفْظٍ: فقامَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ: «قَدْ عَلِمتُمِ أنِّى أتْقَاكُمْ لِلهِ، وَأصْدَقُكُمْ، وأبرُّكُمْ، وَلَوْلَا هَدْيِى لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، وَلَو اسْتَقبَلْتُ مِنْ أمْرِىْ مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أهْدَيْتُ».
فحَلَلْنا، وسَمِعْنا وأطعْنا.
مُتَّفَقٌ عليهما 1. فنَقَلَهُم إلى التَّمَتُّعِ وتَأسَّفَ إذْ لم يُمْكِنْه ذلك، فدَلَّ على = كما أخرجه أبو داود، في: باب في إفراد الحج، من كتاب المناسك.
سنن أبى داود 1/ 415. والنسائى: في: باب إباحة فسخ الحج بعمرة لمن لم يسبق الهدى، من كتاب المناسك.
المجتبى 5/ 141، 142.
..................................
فَضْلِه.
ولأنَّ التَّمَتُّعَ مَنْصُوصٌ عليه في كتاب اللهِ تعالى، بقوْلِه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ 1. دُونَ سائِرِ الأَنْساكِ.
ولأنَّ التَّمَتُّعَ يَجْتَمِعُ له الحَجُّ والعُمْرَةُ في أشْهُرِ الحَجِّ، مع كَمالِهما وكَمالِ أفْعالِهما على وَجْهِ اليُسْرِ والسُّهُولَةِ، مع زِيادَةِ نُسُكٍ، فكانَ أوْلَى، فأمّا القِرانُ فإنَّما يُؤْتَى فيه بأفْعالِ الحَجِّ، وتَدْخُلُ أفْعالُ العُمْرَةِ فيه، والمُفْرِدُ إنَّما يَأْتِى بالحَجِّ وَحْدَه، وإنِ اعْتَمَرَ بعدَه مِن أدْنَى الحِلِّ، فقد اخْتُلِفَ في إجْزائِها عن عُمْرَةِ الإسْلامِ، وكذلك اخْتُلِفَ في إجْزاءِ عُمْرَةِ القارِنِ، ولا خِلافَ في إجْزاءِ عُمْرَةِ المُتَمَتعِ، فكان أوْلَى.
فأمّا حُجَّتُهم بفِعْلِ النبىِّ - صلي الله عليه وسلم -، ففيها أجْوِبَة: أحَدُها، مَنْعُ أنَّ يَكُونَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُحْرِمًا بغيرِ التَّمَتُّعِ؛ لأمُورٍ؛ أوَّلُها، أنَّ رُواةَ أحاديثِهم قد رَوَوْا أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَمَتَّعَ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، رَواه ابنُ عُمَرَ، وعائِشَةُ، وجابِرٌ، رَضِىَ الله عنهم، مِن طُرُق صِحاحٍ، فسَقَطَ الاحْتِجاجُ بها.
وثانِيها، أنَّ رِوايَتَهم اخْتَلَفَتْ، فرَوَوْا مَرَّةً أنَّه أفْرَدَ، ومَرَّةً أنَّه تمَتَّعَ، ومَرةً أنَّه قَرَن، والقَضِيَّةُ واحِدَةٌ، = والحديث الثانى أخرجه البخارى، ق: باب التمتع والإقران والإفراد....، من كتاب الحج.
صحيح البخارى 2/ 176. ومسلم، في: باب بيان وجوه الإحرام....، من كتاب الحج.
صحيح مسلم 2/ 884، 885.
..................................
ولا يُمْكِنُ الجَمْعُ بينَها، فوجَبَ اطِّراحُ الكلِّ، وأحادِيثُهم في القِرانِ أصَحُّها حديثُ أنَسٍ، وقد أنكَرَه ابنُ عُمَرَ، فقالَ: رَحِمَ الله أنَسًا، ذَهَل أنَسٌ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وفى رِوايَة: كان أنَسٌ يَتَوَلَّجُ على النِّساءِ.
أى كان صَغِيرًا.
وحديثُ علىٍّ 2 رواه حَفْصُ بنُ أبى داودَ، وهو ضَعِيفٌ، عن ابنِ أبِى لَيْلَى، وهو كَثِيرُ الوَهْمِ.
قاله الدَّارَقُطنيُّ.
وثالِثُها، أنَّ أكْثَرَ الرِّواياتِ، أنَّ النبىَّ - صلي الله عليه وسلم -، كان مُتَمَتِّعًا.
روَى ذلك عُمَرُ، وعَلىٌّ، وعثمانُ، وسَعْدُ بنُ أبِى وَقَّاصٍ، وابنُ عباس، وابنُ عُمَرَ، ومُعاويَةُ، وأبو موسى، وجابِرٌ، وعائِشَةُ، وحَفْصَةُ، بأحادِيثَ صِحاحٍ.
وإنَّما مَنَعَه مِن الحِلِّ الهَدْىُ الذى كان معه، ففى حديثِ عُمَرَ 3، أنَّه قال: إنِّى لأنْهاكُمْ 4 عن المُتْعَةِ، وإنَّها لفى كتابِ اللهِ، ولقد صَنَعَها رسولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - 5. يَعْنى العُمرَةَ في الحَجِّ.
وفى حديثِ عليٍّ، أنَّه اخْتَلَفَ هو وعثمانُ في المُتْعَةِ بعُسْفانَ 6، فقالَ علىٌّ: ما تُرِيدُ الى أمْرٍ فَعَلَه رسولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - تَنْهَى عنه.
..................................
مُتَّفَقٌ عليه 1. وللنَّسائِيِّ 2، قال عليٌّ لعثمانَ: ألم تَسْمَعْ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَمَتَّعَ؟ قال: بلى.
وعن ابنَ عُمَرَ، قال: تَمَتَّعَ رسولُ اللهَ - صلى الله عليه وسلم - في حَجَّةِ الوَدَاعِ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ.
وعنه أنَّ حَفْصَةَ قالت للنبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: ما شَأْنُ النّاسِ حَلُّوا مِن عُمْرَتِهم، ولم تَحْلِلْ أنت مِن عُمْرَتِك؛ قال: «إنِّى لَبَّدْتُ رَاسِى، وَقَلدْتُ هَدْيىِ، فَلَا أَحلْ حَتّى أنْحَرَ» مُتَّفَقٌ عليهما 3. وقال سعدٌ: صَنَعَها رسولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم -، وصَنَعْناها معه 4. وهذه الأحاديثُ
..................................
راجِحَةٌ؛ لأنَّ رُواتَها اكْثرُ وأعلَمُ، وِلأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أخْبَرَ بالمُتْعَةِ عن نَفْسِه في حديثِ حَفْصَةَ، فلا يُعارِضُ خبَرَه غيرُه.
ولأنَّه يُمْكِنُ الجَمْعُ بينَ الأحاديثِ، بأن يَكُونَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أحْرَمَ بالمُتْعَةِ، ثم لم يَحِلَّ منها لأجْل هَدْيِه حتى أحْرَمَ بالحَجِّ، فصار قارِنًا، وسَمّاه مَن سَمّاه مُفْرِدًا؛ لأنَّه اشْتَغلَ بأفْعالِ الحَجِّ وَحْدَها بعدَ فَراغِه مِن أفْعالِ العُمْرَةِ، فإنَّ الجَمْعَ بينَ الأحادِيثِ مهما أمْكَنَ أوْلَى مِن حَمْلِها على التَّعارُضِ.
الوَجْهُ الثّانِى مِن الجوابِ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد أمَرَ أصحابَه بالانْتِقالِ الى المُتْعَةِ عن الإِفْرادِ والقِرانِ، ولا يَأْمُرُهم إلَّا بالانْتقالِ الى الأفْضَلِ، فإنَّه مِن المُحالِ أنَّ يَنْقُلَهم مِن الأفْضَلِ الى الأدْنَى، وهو الدّاعِى الى الخَيْرِ، الهادِى 1 إلى الفَضْلِ، ثم أكَّدَ ذلك بتَأسُّفِه على فَواتِ ذلك في حَقِّه، ولأنَّه لم يَقْدِرْ على انْتِقالِه وحِلِّه؛ لسَوقِه الهَدْىَ، وهذا ظاهِرُ الدَّلالَةِ.
الثّالِثُ، أنَّ ما ذَكَزناه قولُ النبىِّ - صلي الله عليه وسلم -، وهم يَحْتَجُّون بفِعْلِه، وعندَ التَّعارُضِ يَجِبُ تَقْدِيمُ القولِ؛ لاحْتِمالِ اختِصاصِه بفِعْلِه دُونَ غيرِه، كنَهْيِه عن الوصالِ مع فِعْلِه له، ونكاحِه بغيرِ وَليٍّ مع قَوْله: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلىٍّ» 2. فإن قِيلَ: فقد قال أبو ذَرٍّ: كانت مُتْعَةُ الحَجِّ لأصحابِ = والنسائي، في: باب التمتع، من كتاب المناسك.
المجتبى 5/ 118. والإمام مالك، في: باب ما جاء في االتمتع، من كتاب الحج.
الموطأ 1/ 344. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 174.
..................................
محمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - خاصَّةً.
رَواه مسلم 1. قُلْنا: هذا قولُ صحابيِّ، يُخالِفُ الكِتابَ والسُّنَّةَ والإجْماعَ وقولَ مَن هو خَيْرٌ منه 2 وأعْلَمُ.
أمّا الكِتابُ فَقَوْلُه سبحانه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ 3. وهذا عامٌّ.
وأجْمَعَ المسلمون على إباحَةِ التَّمَتُّعِ.
وأمّا السُّنَّةُ، فرَوَى سعيدٌ، بإسْنادِه، أنَّ سُراقَةَ بنَ مالك سَأل النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: المُتْعَةُ لنا خاصَّةً، أم هى للأبَدِ؟ قال: «بَلْ هِىَ لِلأبَدِ».
وفى لَفظٍ، قال: هى لعامِنا، أو للأبَدِ؟ قال: «بَلْ لأبَدِ الأبدِ، دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ في الْحَجِّ إلَى يَوْم الْقِيَامَةِ» 4. وفى حديثِ جابِر الذى رَواه مسلمٌ 5 في صِفَةِ حَجِّ النبىِّ - صلي الله عليه وسلم - نَحْوُ هذا.
= في: كتاب ما جاء لا نكاح إلا بولى، وباب ما جاء في استثمار البكر والثيب، من أبواب النكاح.
عارضة الأحوذى 5/ 26. وابن ماجه، في: باب لا نكاح إلا بولى، من كتاب النكاح.
سنن ابن ماجه 1/ 605. والدارمى، في: باب النهى عن النكاح بغير ولى، من كتاب النكاح.
سنن الدارمى 2/ 137. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 250، 4/ 394، 413، 418، 6/ 260
..................................
ومَعْناه، واللهُ أعْلَمُ، أنَّ الجاهِلِيَّةَ كانُوا لا يُجِيزُون التَّمتُّعَ، ويَرُوْن العُمْرَةَ في أشْهُرِ الحَجِّ مِن أفْجَرِ الفُجُورِ، فبَيَّنَ النبىُّ - صلي الله عليه وسلم - أنَّ اللهَ تعالى قد شَرَع العُمْرَةَ في أشْهُرِ الحَجِّ، وجَوَّز المُتْعَةَ إلى يومِ القِيامَةِ.
وقد خالَفَ أبا ذَرٍّ عليٌّ، وسعدٌ، وابنُ عباس، وابنُ عُمَرَ، وعِمرانُ بنُ حُصَيْن، وسائِرُ المسلمين.
قال عِمْرانُ: تَمَتَّعْنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ونَزَل فيه القُرْآنُ، ولم يَنْهَنا عنه رسولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم -، ولم يَنْسَخْها شئٌ، فقالَ فيها رجلٌ برَأْيِه ما شاءَ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وقال سعدُ بنُ أبِي وَقَّاص: فَعَلْناها مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَعْنِى المُتْعَةَ - وهذا يَوْمَئِذٍ كافِرٌ بالعُرُشِ 2. يَعْنِى النّاهِىَ عَنْها.
والعُرُشُ: بُيُوتُ مَكَّةَ.
قال أحمدُ، حينَ ذُكِرَ له حديثُ أبى ذَرٍّ: أفيقُولُ بهذا أحَدٌ؟ المُتْعَةُ في كِتابِ اللهِ تعالى، وقد أجْمَعَ المُسْلِمُون على جَوازها.
فإن قِيلَ: فقد روَى أبو داودَ 3، بإسْنادِه، أنَّ رجلًا مِن أصْحابِ النبى - صلي الله عليه وسلم - أتَى عُمَرَ، فشَهِدَ عندَه أنَّه سَمِع رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَنْهَى عن العُمْرَةِ قبلَ الحَجِّ.
قُلْنا: هذا حالُه في مُخالَفَةِ الكِتابِ والسُّنةِ والإجْماعِ كحالِ حديثِ أبى ذَرٍّ، بل هو أدْنَى حالًا، فإنَّ في
..................................
إسْنادِه مقالًا.
فإن قِيلَ: فقد نَهَىِ عنها عُمَرُ، وعثمانُ، ومُعاويَةُ.
قُلْنا: فقد أنْكَرَ عليهم عُلَماءُ الصحابةِ نهْيَهم عنها، وخالَفُوهم في فِعْلِها، وقد ذَكَرْنا إنْكارَ عليٍّ على عثمانَ، واعْتِرافَ عثمانَ له، وقولَ عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ مُنْكِرًا لنَهْىِ مَن نَهَى، وقولَ سَعْدٍ عاتِبًّا على مُعاوِيَةَ نَهْيَه عنها، وَرَدَّهم عليهم بحُجَجٍ لم يَكُنْ لهم عنها جَوابٌ، بل ذَكَر بعضُ مَن نَهَى في كَلامِه الحُجَّةَ عليه، فقالَ عُمَرُ، رَضِىَ الله عنه: والله إنِّى لأنهاكُم عن المُتْعَةِ، وإنَّها لفى كِتابِ الله، وقد صَنَعَها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - 1. ولا خِلافَ في أنَّ مَن خالَفَ كتابَ الله وسُنَّةَ رسولِه حَقِيقٌ بأن لا يُقبَلَ نَهْيُه، ولا يُحْتَجَّ به، مع أنَّه قد سئِلِ سالِمُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، أنهَى عُمَرُ عن المُتْعَةِ؟ قال: لا، والله ما نهَي عنها عُمَرُ، ولكن قد نهَى عنها عثمانُ.
ولَمّا نَهَى مُعاوِيَةُ عن المُتْعةِ أمَرَت عائِشَةُ حَشَمَها ومَواليَها أنَّ يُهِلُّوا بها، فقالَ مُعاويَةُ: مَن هؤلاء؟ فقِيل: حَشَمُ أو مَوالِى عائِشَةَ.
فأرْسَلَ إليها: ما حَمَلَكِ على ذلك؟ فقالَت: أحْبَبْتُ أنَّ يُعْلَمَ أنَّ الذى قُلْتَ ليس كما قُلْتَ.
وقِيلَ لابنِ عباسٍ: إنَّ فُلانًا نَهَى عن المُتْعَةِ.
قال: انْظُرُوا في كتابِ الله، فإن وَجَدْتُمُوها فيه، فقد كَذَب على اللهِ، وعلى رسول، وإن لم تَجِدُوها فقد صَدَق.
فأيُّ الفَرِيقَيْن أحَقُّ بالاتِّباعِ وأوْلَى بالصَّوابِ؟ الذين معهم كتابُ الله وسُنَّةُ رسول، أم الذين يُخالِفُونهما؟ ثم قد ثَبَتَ عن النبىِّ - صلي الله عليه وسلم - الذى قَوْلُه حُجَّةٌ على الخَلْقِ أجْمَعِين، فكيفَ يُعارَضُ بقَوْلِ غيرِه؟ قال سعيدُ
وَصِفَةُ التَّمَتُّعِ؛ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِى أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَيَفْرَغَ مِنْهَا، ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنْ قَرِيبٍ مِنْهَا فِى عَامِهِ.
وَالإِفْرَادُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا.
وَالْقِرَانُ أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا جَمِيعًا، أَوْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ يُدْخِلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ.
وَلَوْ أحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ، لَمْ يَصِحَّ إِحْرَامُهُ بِهَا.
ابنُ جُبَيْر، عن ابنِ عباس، قال: تَمَتعَ رسولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم -. فقالَ عُرْوَةُ: نَهَى أبو بَكْرٍ، وعُمَرُ، رَضِىَ الله عنهما، عن المُتْعَةِ.
فقالَ ابنُ عباسٍ: أراهم سَيَهْلِكُون.
أقُولُ: قال النبىُّ - صلي الله عليه وسلم -، ويَقُولُون 1 نَهَى عنها أبو بَكْرٍ وعُمَرُ.
وسُئِل ابنُ عُمَرَ عن مُتْعَةِ الحَجِّ، فأمَرَ بها، فقالَ 2: إنَّكَ تُخالِفُ أباكَ.
فقالَ: عُمَرُ لم يَقُلِ الذى تَقُولُون.
فإذا أكْثرُوا عليه، قال: أفكِتابُ اللهِ أحَق أنَّ تَتَّبِعُوا أم عُمَرُ؟ 3. روَى الأْثْرَمُ هذا كُلَّه.
1162 -
مسألة: (وصِفَةُ التَّمَتُّعِ؛ أنَّ يُحْرِمَ بالعُمْرَةِ في أشْهُرِ الحَجِّ، ويَفْرَغَ منها، ويُحْرِمَ بالحَج مِن مَكَّةَ أو مِن قَريبٍ منها في عامِه.
والإِفرادُ أنَّ يُحْرِمَ بالحَجِّ مُفرَدًا.
والقِرانُ أنَّ يُحْرِمَ بهما جَمِيعًا، أو يُحْرِمَ بالعُمْرَةِ ثم يُدْخِلَ عليها الحَجَّ.
ولو أحْرَمَ بالحَجِّ ثم أدْخَلَ عليه العُمْرَةَ، لم يَصِحَّ إحْرامُه بها)
إذا أدْخَلَ الحَجَّ على العُمْرَةِ قبلَ طَوافِها مِن
..................................
غيرِ خَوْفِ الفَواتِ، جاز، وكان قارِنًا بغيرِ خِلافٍ.
وقد فَعَل ذلك ابنُ عُمَرَ، ورَواه عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - 1. فأمّا بعدَ الطَّوافِ فليس له ذلك، ولا
..................................
يَصِيرُ قارِنًا.
وبهذا قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
ورُوِى عن عَطاءٍ.
وقال مالكٌ: يَصِيرُ قارِنًا.
وحُكِىَ ذلك عن أبى حنيفةَ؛ لأنَّه أدْخَلَ الحَجَّ على إحْرامِ العُمْرَةِ، فصَحَّ، كما قبلَ الطَّوافِ.
ولَنا، أنَّه قد شَرَع في التَّحَلُّلِ مِن العُمْرَةِ، فلم يَجُزْ إدْخالُ الحَجِّ عليها، كما بعدَ السَّعْىِ.
.................................. فصل: إلَّا أنَّ يَكُونَ معه هَدْىٌ، فله ذلك؛ لأنَّه لا يَجُوزُ له التَّحَلُّلُ حتى يَنْحَرَ هَدْيَه؛ لقَوْله سبحانه: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ 1. فلا يَتَحَلَّلُ بطَوافِه، ويَتَعَيَّنُ عليه إدْخالُ الحَجِّ على العُمْرَةِ؛ لِئلَّا يَفُوتَه الحَجُّ، ويَصِيرُ قارِنًا، بخِلافِ غيرِه.
..................................
فصل: فأمّا إدْخالُ العُمْرَةِ على الحَجِّ فلا يَجُوزُ، وإن فَعَل، لم يَصِحَّ، ولم يَصِرْ قارِنًا.
رُوِىَ ذلك عن عليٍّ، رَضِىَ.
اللهُ عنه.
وبه قال مالكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ ويَصِيرُ قارِنًا؛ لأنَّه أحَدُ
..................................
النُّسُكَيْن، فجاز إدْخالُه على الآخَرِ، كالآخَرِ.
ولَنا، أنَّه قولُ علي رَضِىَ الله عنه.
رَواه عنه الأثْرَمُ.
ولأنَّ إدْخالَ العُمْرَةِ على الحَجَّ لا يُفِيدُ 1 إلَّا ما أفادَه العَقدُ الأوَّلُ، فلم يَصِحَّ، كما لو اسْتَأجَرَه على عَمَلٍ، ثم اسْتَأجَرَه عليه ثانِيًا، وعَكْسُه إذا أدْخَلَ الحَجَّ على العُمْرَةِ.
وَيَجِبُ عَلىَ الْمُتَمتِّعِ وَالْقَارِنِ [63 و] دَمُ نُسُكٍ، إذَا لَم يَكُونَا مِن حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ وَهُمْ أهْلُ مَكَّةَ، وَمَنْ كَان مِنْهَا دُون مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
1163 - مسألة: (ويَجِبُ على المُتَمَتِّعِ والقارنِ دَمُ نُسُكٍ، إذا لم يَكُونا مِن حاضِرِى المَسْجِدِ الحَرامِ؛ وهم أهْلُ مَكةً، ومَن كان منها دُونَ مَسافَةِ القَصْرِ)
يَجِبُ الدِّمُ على المُتَمَتعِ في الجُمْلَةِ بالإجْماعِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ مَن أهَلَّ بعُمرَةٍ في أشهُرِ الحَجَّ مِن أهْلِ الآفاقِ مِن المِيقاتِ، وقَدِم مَكَّةَ ففَرَغَ منها وأقامَ بها فحَجَّ مِن عامِه، أنَّه متَمَتعٌ، وعليه الهَدْىُ إن وَجَدَ، وإلَّا فالصِّيامُ.
وقد نصَّ الله سبحانه عليه بقَوْلِه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ﴾ الآية.
وقال ابنُ عُمَرَ: تَمَتع الناسُ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -بالعُمْرَةِ الى الحَجِّ، فلَمّا قَدِم رسولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم -، قال للنّاسِ: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَطُف بِالْبَيْتِ، وَبالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ، ثُمِّ لْيُهِل بالحَجِّ، وَيُهْدِى، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ، فَليَصُمْ ثَلَاَثةَ أيَّامٍ
..................................
في الحَجِّ، وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أهْلِه».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وعنَ أبى جَمْرَةَ 2، قال: سَألْتُ ابنَ عباس عن المُتْعَةِ، فأمَرَنِى بها، وسَألْتُه عن الهَدْىِ، فقالَ: فيها جَزُورٌ أو بَقَرَة أو شِرْكٌ 3 في دَمٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 4.
فصل 5: والدَّمُ الواجِبُ شاةٌ، أو سُبْع بَدَنَةٍ، أو بَقَرَةٍ 6، فإنْ نَحَرَ بَدَنَةً، أو ذَبَح بَقَرَةً، فقد زادَ خَيْرًا.
وبه قال الشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
وقال مالكٌ: لا يُجزِيءُ إلَّا بَقَرَةٌ (6)؛ لأنَّ
..................................
النبى - صلي الله عليه وسلم - لَمّا تَمَتعَ ساق بَدَنَةً.
والذى ذَكَره تَرْكٌ لظاهِرِ القُرْآنِ؛ لأنَّه سبْحانَه قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.واطِّراحُ الآثارِ الثّابِتَةِ.
وما احْتَجُّوا به فلا حُجَّةَ فيه؛ فإنَّ إهْداءَ النبىِّ - صلي الله عليه وسلم - للبَدَنةِ لا يَمْنَعُ إجْزاءَ ما ذونَها، فإنَّ النبىَّ - صلي الله عليه وسلم - قد ساق مائَةَ بَدَنَةٍ، ولا خِلافَ في أنَّ ذلك ليس بواجب، فلا يَجِبُ أنَّ تَكونَ البَدَنَة التى 1 يَذْبَحُها على صِفَةِ بُدْنِ النبىِّ - صلي الله عليه وسلم -، ثم إنَّهم يقُولُون: إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان مُفْرِدًا في حَجَّتِه.
ولذلك ذَهَبُوا إلى تَفْضِيلِ الإفْرادِ، فكيفَ يَكون سَوْقه للبَدَنةِ دَلِيلًا لهم في التَّمَتُّعِ، ولم يَكنْ متَمَتِّعًا!
فصل: وإنَّما يَجِبُ الدم بشُروطٍ خَمْسَةٍ؛ أوَّلُها، أنَّ يُحْرِمَ بالعُمْرَةِ في أشْهرِ الحَجِّ، فإن أحْرَمَ بها في غيرِ أشْهُرِه لم يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، ولا يَلْزَمُه دَمٌ، سَواءٌ وَقَعَت أفْعالها في أشْهُرِ الحَجِّ، أو في غيرِه.
نَصَّ عليه.
قال الأثْرَمُ: سَمِعْت أبا عَبدِ اللهِ، سُئِلَ عن 2 مَنْ أهَل بعُمْرَةٍ في غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، ثم قَدِم في شَوّالٍ، أيَحِلُّ في عُمْرَتِه مِن شوالٍ، أو يَكُونُ مُتَمَتِّعًا؟