..................................
يُعْطِيه، فإِنَّ حَبسَ المُعْسِرِ ظُلْمٌ، وكذلك إن كان عليه دَيْنٌ مُوجَّلٌ خَشِيَ أن يُطالَبَ به قبلَ مَحِلِّه.
وإن كان الدَّيْنُ حالًا، وهو قادِرٌ على أدائِه، فلا عُذْرَ له في التَّخَلُّفِ؛ لأنَّ مَطْلَ الغَنِيِّ ظُلْمٌ.
وإن تَوَجَّهَ عليه حَدٌّ لله تعالى، أو حَدُّ قَذْفٍ، فخافَ أن يُؤْخَذَ به، لم يَكُنْ ذلك عُذْرًا؛ لأنَّه يَجِبُ عليه وَفاؤه، وكذلك إن تَوَجَّهَ عليه قِصاصٌ.
وقال القاضي: إن رَجا الصُّلْحَ عنه بِمالٍ، فهو عُذْرٌ حتَّى يُصالِحَ، بخِلافِ الحُدُودِ؛ لأنَّها لا تَدْخُلها المُصالَحَةُ.
وحَدُّ القَذْفِ إن رَجا العَفْوَ عنه، فليس بعُذْرٍ، لأنَّه يَرْجُو إسقاطَه بغيرِ بَدَلٍ.
الثَّانِي، الخَوْفُ على مالِه مِن لِصٌّ، أو سُلْطانٍ، أو نَحْوِه، أو يَخافُ على بَهِيمَتِه 1 مِن سَبُعٍ، أو شُرُودٍ، إن ذَهب وترَكَها، أو على مَنْزِلِه، أو مَتاعِه، أو زَرْعِه، أو يَخافُ إباقَ عَبْدِه، أو يكونُ له خُبْزٌ في التَّنُّورِ، أو طَبِيخٌ على النّارِ يَخافُ تَلَفَهما 2 بذَهابِه، أو
أوْ مِنْ فَوَاتِ رُفْقَتِهِ، أوْ غَلَبَةِ النُّعَاسِ،
يكونُ له مالٌ ضائِعٌ، أو عَبْدٌ آبِقٌ يَرْجُو وِجْدانَه في تلك الحالِ، أو يخافُ ضَياعَه إنِ اشْتَغَلَ عنه، أو يكونُ له غَرِيمٌ إن تَرَك مُلازَمَتَه ذَهَب، أو يكونُ ناطُورَ (1) بُسْتَانٍ أو نَحْوِه يَخافُ إن ذَهَب سُرِقَ، أو مُسْتَأْجَرًا لا يُمْكِنُه تَرْكُ ما اسْتُؤْجِرَ على حِفْظِه، فهذا وأشْباهُه عُذْرٌ في التَّخَلُّفِ عن الجُمُعَةِ والجَماعَةِ؛ لعُمُومِ قَوْلِه عليه السَّلامُ: «أوْ خَوْفٌ».
ولأنَّ في أمْرِه عليه السَّلامُ بالصلاةِ في الرِّحالِ لأجْلِ الطِّينِ والمَطَرِ، مع أن ضَرَرَهما أيْسَرُ مِن ذلك، تنْبيهًا على جَوازِه.
الثالثُ، الخوْفُ على وَلَدِه وأهْلِه أن يَضِيعُوا، أو يَخافُ مَوْتَ قَرِيبِه ولا يَشْهَدُه، فهذا كلُّه عُذْرٌ في تَرْكِ الجُمُعَةِ والجماعَةِ.
وبهذا قال عَطاءٌ، والحسنُ، والشافعيُّ، ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا.
وقد اسْتُصْرِخَ ابنُ عُمَرَ على سعيدِ بنِ زيدٍ، بعدَ ارْتفاعِ الضُّحَى، وهو يَتَجَهزُ للجُمُعَةِ، فأتاه بالعَقِيقِ وتَرَك الجُمُعَةَ.
والله أَعلمُ.
589 -
مسألة: (أو فَواتِ رُفْقَتِه
2، أو غَلْبَةِ النُّعاسِ، أو خَشْيَةِ1
أوِ الْأَذَى بِالْمَطَرِ، وَالْوَحْل، وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ في اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْبَارِدَةِ.
التَّأْذِّي بالمَطَرِ، والوَحْلِ، والرِّيحِ الشَّدِيدَةِ في اللَّيْلَةِ المُظْلمَةِ البارِدَةِ) ويُعْذَرُ في تَرْكِهما 1 مَن يُرِيدُ سَفَرًا يَخافُ فَواتَ رُفْقَتِه، لأنَّ عليه في
..................................
ذلك ضَرَرًا، ومَن يَخافُ غلبةَ النُّعاسِ حتَّى يفُوتاه، يَجُوزُ 1 لَه أن يُصَلِّيَ وَحْدَه ويَنْصَرِفَ؛ لأنَّ الرجلَ الذى صَلى مع مُعَاذٍ انْفَرَدَ [وصَلَّى وَحْدَه] 2 عندَ تَطْوِيلِ مُعاذٍ، وخَوْفِ النُّعاسِ والمَشَقَّةِ، فلم يُنْكِرْ عليه النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- حينَ أخْبَرَه بذلك 3. ويُعْذَرُ في تركِ الجماعَةِ مَن يخافُ تَطْويلَ الإمامِ كثيرًا لذلك، فإنَّه إذا جاز تَرْكُ الجَماعَةِ بعدَ دُخُولِه فيها لأجْلِ التَّطْوِيلِ، فتَرْكُ الخُرُوجِ إليها أوْلَى.
ويُعْذَرُ في المَطَرِ الذى يَبُلُّ الثِّيابَ، والوَحْلِ الذى يَتَأذَّى به في بَدَنه أو ثِيابِه، لِما روَى عبدُ الله بنُ الحَارِثِ قال: قال عبدُ الله بنُ عباسٍ لمُؤذِّنِه في يَوْمٍ مَطِيرٍ: إذا قُلْتَ: أشْهَدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله، فلا تَقُلْ: حَيَّ على الصلاةِ.
وقُلْ: صلُّوا في بُيُوتِكم.. قال: فكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذلك.
فقال ابنُ عباسٍ: أتعْجَبُون مِن ذلك؟ قد فَعَل ذلك من هو خَيْرٌ مِنِّي، إنَّ الجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وإنِّي كَرِهْتُ أن أُخرِجَكُم فَتَمْشُوا في الطِّينِ والدَّحْضِ 4 مُتَّفَق عليه 5. وروَى أبو
..................................
المَليحِ، أنَّه شَهِد النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- زَمَنَ الفَتْحِ، وأصابَهم مَطرٌ لم تَبْتَلَّ أسْفَلُ نِعالِهم، فأمَرَهم أن يُصَلوا في رِحالِهم.
رَواه أبو داودَ 1. ويُعْذَرُ في تَرْكِ الجَماعَةِ بالرِّيحِ الشَّديدَةِ في اللَّيْلَةِ المُظْلِمَةِ البارِدَةِ؛ لِما روَى ابن عُمَرَ قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُنادِي مُنادِيه في اللَّيْلَةِ البارِدَةِ أو المَطِيرَةِ في
..................................
السَّفَر: «صَلُوا في رِحَالِكمْ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. ورَواه ابنُ ماجه 2 بإسْنادٍ صَحِيحٍ، ولم يَقُلْ في السَّفَرِ.
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى 1415 هـ - 1995 م
المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756
المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة
يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته.. ووفقه لمرضاته
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بَابُ صَلَاةِ أَهْلِ الْأَعْذَارِ
وَيُصَلِّى الْمَرِيضُ كَمَا قَالَ النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ».
بابُ صلاةِ أَهْلِ الأعْذارِ
590 -
مسألة: (ويُصَلِّى المَرِيضُ كما قال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعِمْرانَ بنِ حُصَيْنِ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»)
رَواه البُخارِيُّ 1. أَجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ مَن لا يُطِيقُ القِيامَ، له أن يُصَلِّى جَالِسًا؛ لهذا الحَديثِ؛ ولِما روَى أنَسٌ، قال: سَقَط رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن فَرَسٍ، فجُحِشَ 2، أو خُدِش شِقُّه الأيْمَنُ، فدَخَلْنا
..................................
عليه نَعُودُه، فحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فصَلَّى قاعِدًا، وصَلَّيْنا قُعُودًا.
مُتَفَّقٌ عليه 1.
فصل: فإن أمْكَنه القِيامُ، إلَّا أنَّه يَخْشَى تَبَاطُؤَ بُرْئِه، أو زِيادَةَ مَرَضِه، أو يَشُقُّ عليه مَشَقَّةً شديدةً، فلَه أن يُصَلِّى قاعِدًا.
ونَحْوَه قال مالكٌ، وإسحاقُ.
وقال مَيْمُونُ بنُ مِهْرَانَ 2: إذا لم يَسْتَطِعْ أن يَقُومَ
..................................
لدُنْياه، فَلْيُصَلِّ جالِسًا.
وحُكِىَ نَحْوُ 1 ذلك عن أحمدَ.
ولَنا، قَوْلُ اللَّهِ تعالىِ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ 2. وهذا حَرَجٌ، ولأنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى جالِسًا لَمّا جُحِش شِقُّه، والظّاهِرُ أنَّ مَن جُحِش شِقُّه لا يَعْجِزُ عن القِيامِ بالكُلِّيَّة.
ومتى صَلَّى قاعِدًا، فإنَّه يكونُ على صِفَةِ صلاةِ المُتَطَوِّعِ جالِسًا، على ما ذَكَرْنا 3.
فصل: فإن قَدَر على القِيامِ؛ بأن يَتَّكِئ على عَصًا أو يَسْتَنِدَ إلى 4 حائِطٍ، أو يَعْتَمِدَ على أحَدِ جانِبَيْه لَزِمَه؛ لأنَّه قادِرٌ على القِيامِ مِن غيرِ ضَرَرٍ، فلَزِمَه، كما لو قَدَر بغيرِ هذه الأشياءِ.
وإن قَدَر على القِيامِ، إلَّا أنَّه يكونُ على هَيْئَةِ الرّاكِعِ كالأحْدَبِ والكَبِيرِ، لَزِمَه ذلك؛ لأنَّه قِيامُ مِثْلِه.
وإن كان لقِصَرِ سَقْفٍ لا يُمْكِنُه الخُرُوجُ، أو سَفِينةٍ، أو خائِفٍ لا يُعْلَمُ به إلَّا إذا رَفَع رَأْسَه، ففيه احْتِمالان؛ أحَدُهما، يَلْزَمُه القِيامُ، كالأحْدَبِ.
..................................
والثّانِى، لا يَلْزَمُه، فإنَّ أحمدَ قال، في 1 الذى في السَّفِينَةِ لا يَقْدِرُ أن يَسْتَتِمَّ قائِمًا؛ لقِصَرِ سَماءِ السَّفِينَةِ: يُصَلِّى قاعِدًا، إلَّا أن يكونَ شيئًا يَسِيرًا.
فيُقاسُ عليه ما في مَعْناه؛ لحدِيثِ عِمْرانَ المَذْكُورِ.
فصل: فإن قَدَر المَرِيضُ على الصلاةِ وَحْدَه قائِمًا، ولا يَقْدِرُ مع الإِمامِ لتَطْوِيلِه، احْتَمَلَ أن يَلْزَمَه القِيامُ 2، ويُصَلِّى وَحْدَه؛ لأنَّ القِيامَ رُكْنٌ لا تَتِمُّ صَلاتُه إلَّا به، والجَماعَةُ تَصِحُّ الصلاةُ بدُونِها.
واحْتَمَلَ أنَّه مُخَيَّرٌ بينَ الأمْرَيْنِ؛ لأنّا أبَحْنا له تَرْكَ القِيامِ المَقْدُورِ عليه مع إمامِ الحَىِّ العاجِزِ عنه، مُراعاةً للجَماعَةِ، فههُنا أوْلَى، ولأنَّ الأجْرَ يَتَضاعَفُ بالجَماعَةِ أكْثَرَ مِن تَضاعُفِه بالِقيامِ؛ لأنَّ صلاةَ القاعدِ على النِّصْفِ مِن صلاةِ القائِمِ،
..................................
و «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» 1. وهذا أحسنُ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
فصل: فإن عَجَز عن القُعُودِ صَلَّى على جَنْبٍ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ، ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ بوَجْهِه.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وأبو ثَوْرِ، وأصحابُ الرَّأْى: يُصَلِّى مُسْتَلْقِيًا ورجْلاه إلى القِبْلَةِ، ليَكُونَ إيماؤُه إليها، فإنَّه إذا صَلَّى على جَنْبِه
فَإِنْ صَلَّى عَلَى ظَهْرِهِ، وَرِجْلَاهُ إِلَى الْقِبْلَةِ، صَحَّتْ
كان وَجْهُه في الإِيماءِ إلى غيرِ القِبْلَةِ.
ولَنا، قَوْلُه عليه السَّلامُ: «فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ».
ولأنَّه يَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ إذا كان على جَنْبِه، وإذا كان على ظَهْرِه إنَّما يَسْتَقْبِلُ السَّماءَ، [وكذلك] (1) يُوضَعُ المَيِّتُ (2) على جَنْبِه، ليكونَ مُسْتَقْبلًا للقِبْلَةِ.
وقَوْلُهم: إنَّ وَجْهَه في الإِيماءِ إلى غيرِ (3) القِبْلَةِ.
قُلْنا: اسْتِقْبالُ القِبْلَةِ [مِن الصَّحِيح] (4) إنَّما يكونُ في غيرِ حالِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، فإنَّ وَجْهَه فيهما إنَّما يكونُ إلى الأرْضِ، فكذلك المَرِيضُ يَنْبَغِى أن لا يُعْتَبَرَ اسْتِقْبالُه فيهما.
والمُسْتَحَبُّ أن يُصَلِّىَ على جَنْبِه الأيمَنِ، لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُحِبُّ التَّيَمُّنَ في شَأْنِه كلِّه (5). وإن صَلَّى على الأيْسَرِ جاز؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُعَيِّنْ في الحديثِ جَنْبًا، ولأنَّ المَقْصُودَ اسْتِقْبالُ القِبْلَةِ، وهو حاصِلٌ على كلا الجَنْبَيْن.
591 -
مسألة: (فإنْ صَلَّى على ظَهْرِه، ورِجْلَاه إلى القِبْلَةِ، صَحَّتْ
12345
صَلَاتُهُ، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
في أحَدِ الوَجْهَيْن) متى صَلَّى مُسْتَلْقِيًا على ظَهْرِه، مع القُدْرَةِ على الصلاةِ على جَنْبِه، ففيه وَجْهان، أحَدُهما، يَصِحُّ.
وهو ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ؛ لأنَّه نَوْعُ اسْتِقْبالٍ، ولهذا يُوَجَّهُ المَيِّتُ كذلك عندَ المَوْتِ.
والثَّانِى، لا يَصحُّ.
وهو أظْهَرُ، لأنَّه مُخالفٌ للحديثِ المَذْكُورِ، فإنَّه قال عليه السّلامُ: «فَإن لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ».
ولأنَّ في حديثِ عِمْرانَ مِن رِوايَةِ [النَّسائىِّ: «فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا] 1 إِلَّا وُسْعَهَا﴾ 2». وهذا صَرِيحٌ، فإنَّه نَقَلَه إلى الاسْتِلْقاءِ عندَ العَجْزِ عن الصلاةِ على جَنْبٍ، فدَلَّ على أنَّه لا يَجُوزُ مع القُدْرَةِ عليه.
فإن عَجَز عن الصلاةِ على جَنْبِه، صلَّى مُسْتَلْقِيًا، وَجْهًا واحِدًا؛ للحديثِ المَذْكُورِ.
وَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَيَجْعَلُ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ،
592 - مسألة: (ويُومِئُ بالرُّكُوعِ والسُّجُودِ، ويَجْعَلُ سُجُودَه أخْفَضَ مِن رُكُوعِه)
متى عَجَز عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ أوْمَأَ بِهِما، ويَجْعَلُ سُجُودَه أخْفَضَ مِن رُكُوعِه، اعْتِبارًا بالأصْلِ، كما قُلنا في حالَةِ الخَوْفِ.
..................................
فإن عَجَز عن السُّجُودِ وَحْدَه، رَكَع وأوْمَأ بالسُّجُودِ، وإن لم يُمْكِنْه أن يَحْنِىَ ظَهْرَه [حَنَى رَقَبَتَه، وإن تَقَوَّسَ ظَهْرُه] 1، فصارَ كالرّاكِع، زاد في الانْحِناءِ قَلِيلًا إذا رَكَع، ويُقَرِّبُ وَجْهَه إلى الأرْضِ في السُّجُودِ حَسَبَ الإِمْكانِ.
فإن قَدَر على السُّجُودِ على صُدْغِه لم يَفْعَلْ؛ لأنَّه ليس مِن أعْضاءِ السُّجُودِ.
وإن وَضَع بينَ يَدَيْه وِسادَةً، أو شيئًا عاليًا، أو سَجَد على رَبْوَةٍ أو حَجَرٍ جاز، إذا لم يَكُنْ يُمْكِنُه تَنْكِيسَ وَجْهِه أكْثَرَ مِن ذلك.
وحُكِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: أخْتارُ السُّجُودَ على المِرْفَقَةِ 2 وقال: هو أحَبُّ إلىَّ مِن الإيماءِ.
واخْتارَه إسحاقُ.
وجَوَّزَه الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
ورَخَّصَ فيه ابنُ عباسٍ.
وسَجَدَتْ أمُّ سَلَمَةَ على مِرْفَقَةٍ 3. وكَرِهَ ابنُ مَسْعُودٍ السُّجُودَ على عُودٍ، وقال: الإِيماءُ أحبُّ إلىَّ 4. ووَجْهُ الجَوازِ؛ أنَّه أتَى بما يُمْكِنُه مِن الانْحِطاطِ، أشْبَهَ الإيماءَ.
فأمَّا إن رَفَع إلى وَجْهِه شيئًا فسَجَدَ عليه، فقال بعضُ أصحابِنا: لا يُجْزِئُه.
ورُوىَ نَحْوُ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وجابِرٍ، وأنَسٍ.
وهو قَوْلُ مالكٍ والثَّوْرِىِّ؛ لأنَّه سَجَد على ما هو حامِلٌ له، أشْبَهَ ما لو سَجَد على يَدَيْه.
وروَى الأثرَمُ عن
فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ أَوْمَأَ بِطرفِهِ، وَلَا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ.
أحمدَ، أنَّه قال: أيَّ ذلك فَعَل فلا بَأْسَ، يُومِئُ أو يَرْفَعُ المِرْفَقَةَ فيَسْجُدُ عليها.
قيل له: فالمِرْوَحَةَ؟ قال: أمَّا المِرْوَحَةُ فلا.
ورُوِىَ، أنَّه قال: الإِيماءُ أحَبُّ إلىَّ.
وإن رَفَع إلى وَجْهِه شيئًا أَجْزَأَه.
ولابدَّ أن يكونَ بحيث لا يُمْكِنُه الانْحِطاطُ أكْثَرَ منه، ووَجْهُ ذلك أنَّه أتَى بما يُمْكِنُه مِن الانْحِطاطِ، أشْبَهَ ما لو أَوْمَأَ.
593 -
مسألة: (فإن عَجَز عنه أَوْمَأَ بطَرْفِه، ولَا تَسْقُطُ الصلاةُ)
متى عَجَز عن الإِيماءِ برَأسِه أَوْمَأَ بطَرْفِه ونَوَى بقَلْبِه، ولا تَسْقُطُ عنه الصلاةُ ما دام عَقْلُه ثابِتًا.
وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ أنَّ الصلاةَ تَسْقُطُ عنه.
وذَكَر القاضى أنَّه ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ.
رَواه محمدُ بنُ يَزِيدَ 1؛ لِما رُوِىَ
وَإنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ أوِ الْقُعُودِ فِى أَثْنَائِهَا، انْتَقَلَ إِلَيْهِ وَأتَمَّهَا.
عن أبى سعيدٍ، أنَّه قِيلَ له في مَرَضِه: الصلاةَ.
قال: قد كَفَانِى، إنَّما العَمَلُ في الصِّحَّةِ.
ولأنَّه عَجَز عن أفْعالِ الصلاةِ بالكُلِّيَّة، فسَقَطَتْ عنه.
ولَنا، أنَّه مُسْلِمٌ بالِغٌ عاقِلٌ فلَزِمَتْه الصلاةُ، كالقَادِرِ على الإِيماءِ برَأْسَه.
594 -
مسألة: (وإن قَدَر على القِيامِ أو القُعُودِ في أثْنائِها، انْتَقَلَ إليه وأَتَمَّها)
ومتى قَدَر المَرِيضُ في أثْناءِ الصلاةِ على ما كان عاجِزًا عنه؛ مِن قِيامٍ، أو قُعودٍ، أو رُكُوعٍ، أو سُجُودٍ، أو إيماءٍ، انْتَقَلَ إليه، وبَنَى
وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ والْقُعُودِ، وَعَجَزَ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، أَوْمَأَ بِالرُّكُوعِ قَائِمًا، وَبِالسُّجُودِ قَاعِدًا.
على ما مَضَى مِن صلاتِه.
وهكذا لو ابْتَدَأها قادِرًا ثم عَجَز في أثْناءِ الصلاةِ؛ لحديثِ عِمْرانَ، ولأنَّ ما مَضَى مِن صلاتِه كان صَحِيحًا.
فبَنَى عليه، كما لو لم تَتَغَيَّر حَالُه.
595 -
مسألة: (وَإن قَدَر على القِيام، وعَجَز عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، أَوْمَأَ بالرُّكُوعِ قائِمًا، وبالسُّجُودِ قَاعِدًا)
وهذا قَوْلُ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَسْقُطُ القِيامُ؛ لأنَّها صلاةٌ لا رُكُوعَ فيها ولا سُجُودَ، فسَقَطَ فيها القِيامُ، كالنّافِلَةِ على الرَّاحِلَةِ.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ 1. وحديثُ عِمْرانَ الذى ذَكَرْناه، ولأنَّ القِيامَ
وَإذَا قَالَ ثِقَاتٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالطِّبِّ لِلْمَرِيضِ: إنْ صَلَّيْتَ مُسْتَلْقِيًا أمْكَنَ مُدَاوَاتُكَ.
فَلَهُ ذَلِكَ.
رُكْنٌ قَدَر عليه.
فلم يَسْقُطْ بالعَجْزِ عن غيرِه، كالقِراءَةِ، وقِياسُهم فاسِدٌ لوُجُوهٍ؛ أحَدُها، أنَّ الصلاةَ على الرّاحِلَةِ لا يَسْقُطُ فيها الرُّكوعُ.
الثانِى، أنَّ النّافِلَةَ لا يَجِبُ فيها القِيامُ، فما سَقَط فيها تَبَعًا لسُقُوطِ الرُّكوع والسُّجُودِ.
الثالثُ، مَنْقوضٌ بصلاةِ الجِنازَةِ.
596 -
مسألة: (وإذا قال ثِقاتٌ مِن العُلَماءِ بالطِّبِّ للمَرِيضِ: إن
..................................
صَلَّيْتَ مُسْتَلْقِيًا أمْكَنَ مُداواتُك.
فله ذلك) وهذا قَوْلُ جابرِ بنِ زَيْدٍ، والثَّوْرِىِّ، وأبي حنيفةَ.
قال القاضى: وهو قِياسُ المَذْهَبِ.
وكَرِهَه عُبَيْدُ اللَّهِ ابنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عُتْبَةَ 1، وأبو وائِلٍ.
وقال مالكٌ، والأوْزاعِىُّ: لا يَجُوزُ؛ لِما رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه لَمّا كُفَّ بَصَرُه أتاه رجلٌ، فقال: لو صَبَرْتَ علىَّ سَبْعَةَ أيَّام لم تُصَلِّ إلَّا مُسْتَلْقِيًا داوَيْتُ عَيْنَكَ، ورَجَوْتُ أن تَبْرَأ.
فأرْسَلَ في ذلك إلى عائشةَ، وأبى هُرَيْرَةَ، وغيرِهما مِن أصحابِ رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فكُلُّهُم قال له: إن مِتَّ في هذه الأيامِ ما الذى تَصْنَعُ بالصلاةِ؟ فتَرَكَ مُعالَجَةَ عَيْنِه 2. ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى جالِسًا لَمّا جُحِشَ شِقُّه، والظَّاهِرُ أنَّه لم يَكُنْ يَعْجِزُ عن القِيامِ، لكنْ كان عليه فيه خَوْفُ 3 مَشَقَّةٍ، أو خَوْفُ ضَرَرٍ، وأيُّهُما قُدِّرَ فهو حُجَّةٌ على الجَوازِ ههُنا، ولأنَّا أبَحْنا له تَرْكَ الوُضُوءِ إذا لم يَجِدِ الماءَ إلَّا بزِيادَةٍ على
وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِى السَّفِينَةِ قَاعِدًا لِقَادِرٍ عَلَى الْقِيَامِ.
ثَمَنِ المِثْلِ صَوْنًا لجُزءٍ من مَالِه، وتَرْكَ الصَّوْمِ لأجْلِ المَرَضِ والرَّمَدِ، ودَلَّتِ الأخْبارُ على جَوازِ تَرْكِ القِيامِ في صلاةِ الفَرْضِ على الرَّاحِلَةِ، خَوْفًا مِن ضَرَرِ الطِّينِ في ثِيابِه وبَدَنِه، وجازَ تَرْكُ القِيام اتِّبَاعًا لإِمامِ الحَىِّ، والصَّلاةُ على جَنْبِه ومُسْتَلْقِيًا في حالةِ الخَوْفِ مِن العَدُوِّ، ولا يَنْقُصُ الضَّرَرُ بفَواتِ البَصَرِ عن الضَّرَرِ في هذه الأحْوالِ.
وحديث ابنِ عباسٍ، إن صَحَّ، فيَحْتَمِلُ أنَّ المُخْبِرَ لم يُخْبِرْ عن يَقِينٍ، وإنَّما قال: أرْجُو.
أو أنَّه لم يَقْبَلْ خَبَرَه؛ لكَوْنِه واحِدًا، أو مَجْهُولَ الحالِ، بخلافِ مَسْألَتِنا.
597 -
مسألة: (ولا تَصِحُّ الصلاةُ في السَّفِينةِ قاعدًا لقادِرٍ على القِيامِ)
اخْتَلَفَ قَوْلُه في الصلاةِ في السَّفِينَةِ مع القُدْرةِ على الخُرُوجِ على
وَتَجُوزُ صَلَاةُ الْفَرْضِ عَلَى الرَّاحِلَةِ خَشْيَةَ التَّأَذِّى بِالْوَحْلِ.
رِوايَتَيْن؛ إحْداهُما، لا يَجُوزُ؛ لأنَّها ليست حالَ اسْتِقْرارٍ، أشْبَه الصلاةَ على الرَّاحِلَةِ.
والثانيةُ، يَصِحُّ؛ لأنه يَتَمَكَّنُ مِن القِيامِ والقُعودِ والرُّكُوع والسُّجُودِ، أشْبَه الصلاةَ على الأرْضِ، وسَواءٌ في ذلك الجارِيَةُ والواقِفَةُ، والمُسافِرُ والحاضِرُ.
وهى أصَحُّ.
ومتى قَدَر فيها على القِيامِ لم يَجُزْ له تَرْكُهْ؛ لحديثِ عِمْرانَ بنِ حُصَين، فإن عَجَز عنه صَحَّتْ للحديثِ.
598 -
مسألة: (وتجُوزُ صلاةُ الفَرْضِ على الرَّاحِلَةِ خَشْيَةَ التَّأَذِّى بالوَحْلِ)
1 متى تَضَرَّرَ بالسُّجُودِ على الأرْضِ لأجْلِ الوَحْلِ، وخاف مِن
..................................
تَلْوِيثِ بَدَنِه وثِيابِه بالطِّينِ والبَلَلِ، جاز له الإِيماءُ بالسُّجُودِ إن كان راجِلًا، والصلاةُ على دابَّتِه.
وقد رُوِيَ عن أنَسٍ، أنَّه صَلَّى دابَّتِه في ماءٍ وطِينٍ.
وفَعَله جابِرُ بنُ زَيْدٍ.
قال التِّرْمِذِىُّ: والعَمَلُ على هذا عندَ أهْلِ العِلْمِ، وبه يَقُولُ إسحاقُ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: لا يَجُوزُ أن يُصَلِّىَ الفَرْضَ على الرّاحِلَةِ لأجْلِ المَطرِ.
وحَكَى ابنُ أبى موسى رِوايَةً مِثْلَ ذلك؛ لِما روَى أبو سعيدٍ، قال: فأبْصَرَتْ عَيْناىَ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قد انْصَرَفَ وعلي جَبْهَتِه وأنْفِه أثَرُ الماءِ والطِّينِ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. ولأنَّ السُّجُودَ والقِيامَ مِن أرْكانِ الصلاةِ، فلم تَسْقُطْ بالمَطَرِ، كبَقِيَّةِ أرْكانِها.
ولَنا، ما روَى يَعْلَى بنُ أُمَيَّةَ 2 عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه انْتَهَى إلى مَضِيقٍ ومعه أصحابُه، والسَّماءُ مِن فَوْقِهم، والبِلَّةُ مِن أسْفَلَ منهم، فصَلَّى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- على راحِلَتِه
وَهَلْ يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وأصحابُه على ظُهُورِ دَوابِّهم، يُومِئُون إيماءً، يَجْعَلُونَ السُّجُودَ أخْفَضَ مِن الرُّكُوعِ.
رَواهَ الأثْرَمُ، والتِّرمِذِىُّ (1). وفَعَلَه أَنَسٌ.
ذَكَرَه الإمامُ أحمدُ، ولم يُنْقَلْ عن غيرِه خِلافُه.
ولأنَّ المَطَرَ عُذْرٌ يُبِيحُ الجَمْعَ، فأثَّرَ في أفْعالِ الصلاةِ، كالسَّفَرِ والمَرَضِ، وحديثُ أبي سعيدٍ بالمدِينَةِ والنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصَلِّى (2) في مَسْجِدِه، والظاهِرُ أنَّ الطِّينَ كان يَسِيرًا لم يُؤثِّرْ في غيرِ الجَبْهَةِ والأنْفِ، وإنَّما يُبِيحُ ما كان كثيرًا يُلَوِّثُ الثِّيابَ والبَدَنَ، وتَلْحَقُ المَضَرَّةُ بالسُّجُودِ فيه.
فصل: ومتى أمْكَنَه النُّزُولُ والصلاةُ قائِمًا مِن غيرِ مَضَرَّةٍ لَزِمَه، ولم يُصَلِّ على دابَّتِه؛ لأنَّه قَدَر على القِيامِ مِن غيرِ ضَرَرٍ فلَزِمَه، كغيرِ حالَةِ المَطَرِ.
ولا يَسْقُطُ عنه الرُّكُوعُ؛ لقُدْرَتِه عليه، ويُومِئُ بالسُّجُودِ، لِما فيه مِن الضَّرَرِ.
وإن تَضَرَّرَ بالنُّزولِ عن دَابَّتهِ، وتَلَوَّثَ، صَلَّى عليها؛ للخَبَرِ المَذْكُورِ.
ولا يَجُوزُ له تَرْكُ الاسْتِقْبالِ في المَطَرِ؛ لأنَّه قادِرٌ عليه.
599 -
مسألة: (وهل يَجُوزُ)
ذلك (لأجْلِ المرَضِ؟ على رِوايَتَيْن) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الصلاةَ على الرَّاحِلَةِ لأجْلِ المَرَضِ لا تَخْلو مِن12
..................................
ثَلَاثةِ أحْوالٍ، أحَدُها، أن يَخافَ الانْقِطاعَ عن الرُّفْقَةِ، أو العَجْزَ عن الرُّكُوبِ، أو زِيادَةَ المَرَضِ، ونَحْوَه، فيَجُوزُ له ذلك، كما ذَكَرْنا في صلاةِ الخَوْفِ.
الثَّانِى، أن لا يَتَضَرَّرَ بالنُّزُولِ، ولا يَشُقَّ عليه، فيَلْزَمُه النُّزُولُ، كالصَّحِيحِ.
الثَّالِثُ، أن يَشُقَّ عليه النُّزولُ مَشَقَّةً يُمْكِنُ تَحَمُّلُها مِن غيرِ خَوْفِ تَلَفٍ 1، ولا زِيادَةِ مَرَضٍ، ففيه الرِّوايَتان؛ إحْداهُما، لا يَجُوزُ له الصلاةُ على الرّاحِلةِ، لأنَّ ابنَ عمرَ كان يُنْزِلُ مَرْضاه.
احْتَجَّ به أحمدُ.
ولأنَّه قادِرٌ على أفْعالِ الصّلاةِ مِن غيرِ ضَرَرٍ كبيرٍ، فلَزِمَه، كغيرِ الرَّاكِبِ.
..................................
والثّانِيَةُ، يَجوزُ.
اخْتارَها أبو بكرٍ؛ لأنَّ المَشَقَّةَ عليه 1 في النُّزولِ أكثَرُ مِن المَشَقَّةِ عليه في المَطرِ، فكان إباحَتُها ههُنا أوْلَى.
ومَن نَصَرَ الرِّوايَةَ الأُولَى،
.................................. قال: إنَّ نُزُولَ المَرِيضِ يُؤثِّرُ في حُصُولِه على الأرْضِ، وهو أسْكَنُ له، وأمْكَنُ للصلاةِ، والمَمْطُورُ يَتَلَوَّثُ بنُزُولِه، ويَتَضَرَّرُ بحُصُولِه على الأرْضِ، فالمَرِيضُ يَتَضَرَّرُ بنَفْسِ النُّزُولِ لا في الحُصُولِ على الأرْضِ، والمَمْطورُ يَتَضَرَّرُ بحُصُولِه على الأرْضِ دُونَ نَفْسِ النُّزُولِ، فقد اخْتَلَفَتْ جِهَةُ الضَّرَرِ، فلا يَصِحُّ الإلْحَاقُ.
فَصْلٌ فِى قَصْر الصَّلَاةِ:
(فصلٌ في قَصْرِ الصلاةِ)
قَصْرُ الصلاةِ في السّفَرِ [في الجُمْلَةِ] 1 جائِزٌ [إذا وُجِدَتْ شُرُوطُه] (1)، والأصْلُ فيه الكِتَابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ؛ أمّا الكِتابُ فقَوْلُه سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ 2. وقال يَعْلَى بنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ: قُلْتُ لعمرَ بنِ الخَطّابِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
وقد أمِن النّاسُ! فقال: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ منه، فسَأَلْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ، بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ».
أخْرَجَه مسلمٌ 3. وتَواتَرَتِ الأخْبارُ أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَقْصُرُ في أسْفَارِه،
..................................
حاجًّا، ومُعْتَمِرًا، وغازِيًا.
قال أنَسٌ: خَرَجْنا مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى مَكَّةَ فصَلَّى رَكْعَتَيْنِ حتى رَجَعَ، وأقَمْنَا بمَكَّةَ عَشْرًا نَقْصُرُ الصّلاةَ.
وقال ابنُ عمرَ: صَحِبْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى قُبِضَ، يَعْنِى في السَّفَرِ، فكان لا يَزِيدُ على رَكْعَتَيْنِ، وأبا بكرٍ حتى قُبِضَ، فكان لا يَزِيدُ على رَكْعَتَيْنِ، وعمرَ، وعُثْمانَ كذلك.
مُتَّفَقٌ عليهما 1. وأجْمَعَتِ الأُمَّة على أنَّ مَن سَافَرَ سَفَرًا تُقْصَرُ في مِثْلِه الصلاةُ؛ في حَجٍّ، أو عُمْرَةٍ، أو جِهادٍ، أنَّ له قَصْرَ الصّلاةِ الرُّباعِيَّةِ إلى رَكْعَتَيْنِ.
وَمَنْ سَافَرَ سَفَرًا مُبَاحًا، يَبْلُغُ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، فَلَهُ قَصْرُ الرُّبَاعِيَّةِ خَاصَّةً إلَى رَكْعَتَيْنِ،
600 - مسألة: (ومَن سافرَ سَفَرًا مُباحًا، يَبْلُغُ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، فَلَه قَصْرُ الرُّباعيَّةِ خاصَّةً إلى رَكْعَتَيْنِ)
يُشْتَرَطُ لجَوازِ القَصْرِ للمُسافِرِ شُروطٌ؛ أحَدُها، أن يكونَ سَفَرُه مُباحًا لا حَرَجَ عليه فيه، كسَفَرِ التِّجارَةِ، وهكذا حُكْمُ سائِرِ الرُّخَصِ المُخْتَصَّةِ بالسَّفَرِ، كالجَمْعِ، والمَسْحِ ثَلاثًا، والفِطْرِ، والنّافِلَةِ على الرَّاحِلَةِ، وهذا قولُ أكثرِ أهْلِ العلمِ.
ورُوِىَ نَحْوُه عن علىٍّ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ.
وبه قال الأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأهْلُ المَدِينَةِ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وعن ابنِ مسعودٍ، لا يَقْصُرُ إلَّا في حَجٍّ أو جِهادٍ 1؛ لأنَّ الواجِبَ لا يُتْرَكُ إلَّا
..................................
لواجبٍ.
وعن عَطاءٍ: لا يَقْصُرُ إلَّا في سَبِيلٍ من سُبُلِ الخَيْرِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما قَصَر في سَفرٍ واجبٍ أو مَنْدُوبٍ.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾.
وقالت عائشةُ: إنَّ الصلاةَ أَوَّلَ ما فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ، فأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وأُتِمَّتْ صلاةُ الحَضَرِ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وعن ابنِ عباسٍ، قال: فَرَضَ اللَّهُ الصلاةَ على لِسَانِ نَبِيِّكُمْ في الحَضَرِ أرْبَعًا، وفى السَّفَرِ رَكْعَتَيْن، وفى الخَوْفِ رَكْعَةً.
رَواه مسلمٌ 2. وفى حَدِيثِ صَفْوَانَ بنِ عَسَّالٍ: أمَرَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا كُنَّا مُسافِرِين أو سَفْرًا، أن لا نَنْزِعَ خِفَافَنا ثَلَاثَةَ أيَّام ولَيالِيهِنَّ.
رَواه
..................................
التِّرمِذِىُّ 1. وهذه نُصوصٌ تَدُلُّ على إباحَةِ التّرَخُّص في كلِّ سَفَرٍ، وقد كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَتَرَخَّصُ في العَوْدِ مِن السَّفَرِ، وهو مُباحٌ.
فصل: فأمَّا سَفَرُ المَعْصِيَة فلا تُباحُ فيه هذه الرُّخَصُ؛ كالإباقِ، وقَطْع الطرَّيقِ، والتِّجارَةِ في الخَمْرِ، ونحوِه.
نَصِّ عليه أحمدُ.
وهذا قَوْلُ الشافعىِّ.
وقال الثَّوْرِى، والأوْزاعِىُّ: له ذلك؛ لِما ذَكَرْنَا مِن النُّصوصِ، ولأنَّه مُسافرٌ، أشْبَهَ المُطِيعَ.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ 2. خَصَّ إباحَة الأكْلِ بغيرِ الباغِى والعادى، فدَلَّ على أنه لا يُباحُ للباغِى والعادِى، وهذا في مَعْناه.
ولأنَّ التَّرَخُّصَ شُرِعَ [للإعانةِ على المَقْصُودِ المُباحِ، تَوَصُّلًا إلى المَصْلَحَةِ، فلو شُرِعَ ههُنا لشُرِعَ] 3 إعانَةً على المُحَرَّمِ، تَحْصِيلًا للمَفْسَدَةِ،
..................................
والشَّرْعُ مُنَزَّهٌ عن هذا، والنُّصوصُ وَرَدَتْ في حَقِّ الصحابةِ، وكانت أسْفارُهم مُباحَةً، فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ فيما خالَفَها، ويَتَعَيَّنُ حَمْلُه على ذلك جَمْعًا بينَ النُّصوصِ، وقِياسُ سَفَرِ المَعْصِيَةِ على الطَّاعَةِ لا يَصِحُّ.
فصل: إذا غُرِّبَ في الحَدِّ إلى مَسافَةِ القَصْرِ، جَازَ له القَصْرُ وسائرُ الرُّخَصِ، وكذلك إذا نُفِىَ قاطِعُ الطَّرِيقِ؛ لأنَّه سَفَرٌ لَزِمَه بالشَّرْعِ، أشْبَه سَفَرَ الغَزْوِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: ويَحْتَمِلُ أن لا يَقْصُرَ؛ لأنَّه سَفَرٌ [سَبَبُه المَعْصِيَةُ، أشْبَه سَفَرَ المَعْصِيَةِ، ولأنَّه ليس بأحْسَنَ حَالًا مِن سَفَرِ النُّزْهَةِ، وفيه رِوايَتان، فيُخَرَّجُ ههُنا مِثْلُه] 1. والأولُ أوْلَى.
..................................
ويُمْكِنُ التَّفْرِيقُ بينَ هذا وبينَ سَفَرِ المَعْصِيَةِ؛ لأنَّ ذلك تَصِحُّ التَّوْبَةُ منه، بخِلافِ هذا.
وإن هَرَب المَدِينُ مِن غُرَمائِه وهو مُعْسِرٌ قصَر، وإن لم يكنْ مُعْسِرًا، والدَّيْنُ حالٌ، أو مُؤَجَّلٌ يَحِلُّ قبلَ مُدَّةِ السَّفَرِ، احْتَمَلَ وَجْهَين، ذَكَرهما ابنُ عَقِيل؛ أحَدُهما، لا يَقْصُرُ؛ لأنَّه سَفَر يَمْنَعُ حَقًّا واجِبًا عليه.
والثَّانِى، يَقْصُرُ؛ لأنَّه نَوْعٌ غَيْرُه 1، فلا يَتَوَجَّهُ عليه كقبلِ 2 المُطالَبَةِ.
فصل: فإن عَدِم الماءَ في سَفَرِ المَعْصِيَةِ لَزِمَه التَّيَمُّمُ؛ لأنَّه عَزِيمَةٌ.
وهل تَلْزَمُه الإعادَةُ؟ على وَجْهَيْن؛ أحَدُهُما، لا تَلْزَمُه؛ لأنَّ التَّيَمُّمَ عَزِيمَةٌ، بدَلِيلِ وُجُوبِه، والرُّخَصُ لا تَجِبُ.
والثّانِى، عليه الإعادَةُ؛ لأنَّهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بالسَّفَرِ، أشْبَهَ بَقِيَّةَ الرُّخَصِ.
والأَوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه أتَى بما أُمِرَ به، فلم
..................................
تَلْزَمْه الإِعادَةُ، وفارَقَ بَقِيَّةَ الرُّخَص، لأنَّه مَمْنُوعٌ منها، [وهذا مَأْمُورٌ به، فلا يُمْكِنُه تَعْدِيَةُ حُكْمِها إلى التَّيَمُّمِ.
وقَوْلُهم: إن ذلك مُخْتَصٌّ بالسَّفَرِ.
مَمْنُوعٌ] 1 ويُباحُ له المَسْحُ يَوْمًا ولَيْلَةً؛ لأنَّ ذلك [لا يَخْتَصُّ السَّفَرَ] 2، أشْبَهَ الاسْتِجْمَارَ.
وقيلَ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّه رُخْصَةٌ، فلم يُبَحْ كَرُخَصِ السَّفَرِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما بَيَّنّا.
فصل: وإذا كان السَّفَرُ مُباحًا فغَيَّرَ نِيَّتَه إلى المَعْصِيَةِ، انْقَطَعَ التَّرَخُّصُ؛ لزَوالِ سَبَبِه.
ولو كان لمَعْصِيةٍ، فغَيَّرَ نِيَتّهَ إلى المُباح [أُبيحَ له ما يُباحُ] 3 في السَّفَرِ المُباحِ.
وتُعْتَبَرُ مَسافَةُ القَصْرِ مِن حينَ غَيَّرَ النِّيَّةَ؛ لأنَّ وُجُودَ ما مَضَى مِن سَفرِه لا يُؤَثِّرُ في الإباحَةِ، فهو كعَدَمِه.
فأمَّا إن كان السَّفَرُ مُباحًا، لَكِنَّه يَعْصِى فيه، أُبيحَ له التَّرَخُّصُ؛ لأنَّ السَّبَبَ السَّفَرُ، وهو مُباحٌ، وقد وُجِدَ، فيَثْبُتُ حُكْمُه، ولم تَمْنَعْه المَعْصِيَةُ، كَمَا أنَّ المَعْصِيَةَ في الحَضَرِ لا تَمْنَعُ التَّرَخُّصَ فيه.
..................................
فصل: وفى سَفَرِ التَّنَزُّهِ والتَّفَرُّجِ روايَتان، إحْداهما، يُبِيحُ التَّرَخُّصَ.
وهو ظاهِرُ كَلام الخِرَقِىِّ، لأنَّه مُباحٌ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ النُّصُوصِ، وقِيَاسًا على سَفَرِ التِّجَارَةِ.
والثانيةُ، لا يَتَرَخَّصُ فيه، لأنَّه إنَّما شُرِعَ إعانةً على تَحْصِيلِ المَصْلَحَةِ، ولا مَصْلَحَةَ في هذا.
والأولُ أوْلَى.
فصل: فإن سافَرَ لزِيارَةِ القُبُورِ والمَشاهِدِ، فقال ابنُ عقيل: لا يُباحُ له التَّرَخُّصُ، لأنَّه مَنْهِىٌّ عن السَّفَرِ إليها، لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. قال شيخُنا 2:
..................................
والصَّحِيحُ إباحَتُه، وجَوازُ 1 التَّرَخُّصِ فيه، لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَأْتِى قُباءَ راكِبًا وماشِيًا، وكان يَزُورُ القُبُورَ، وقال: «زُورُوهَا تُذَكِّرْكُمُ الْآخِرَةَ» 2. والحديثُ المَذْكُورُ مَحْمُولٌ على نَفْىِ الفَضِيلَةِ، لا على التَّحْرِيم 3، وليستِ الفَضِيلَةُ شَرْطًا في إباحَةِ.
القَصْرِ، فلا يَضُرُّ انْتِفاؤُها.
..................................
فضل: الشَّرْطُ الثَّانِى: أن تكونَ مَسافَةُ سَفَرِه سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا فما زاد.
قال الأثْرَمُ: قِيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ: في [كَمْ تُقْصَرُ] 1 الصلاةُ؟ قال: في أرْبَعَةِ بُرُدٍ.
قيلَ له: مَسِيرَةُ يومٍ تامٍّ؟ قال: لا، أَرْبَعَةُ بُرُدٍ، سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ.
والفَرْسَخُ: ثَلَاثةُ أمْيَالٍ.
قال القاضى: والمِيلُ: اثْنَا عَشَرَ ألْفَ قَدَمٍ، وذلك مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ قاصِدَيْن.
وقد قَدَّرَه ابنُ عباسٍ مِن عُسْفانَ 2 إلى مَكَّةَ.
ومِن الطّائِفِ إلى مَكَّةَ، ومن جُدَّةَ إلى مَكَّةَ 3. وذكر صاحِبُ المَسَالِكِ 4، أنَّ من دِمشقَ إلى القُطَيِّفَة أرْبَعَةً وعِشْرِينَ مِيلًا، ومِن دِمَشْقَ إلى الكُسْوَةِ اثْنَىْ عَشَرَ مِيلًا، ومِن الكُسْوَةِ