الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 130-171

كِتَابُ الطَّهارة

صفحات 130-171

..................................  فيهما، على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ، ويَتَيَمَّمُ) وجملتُه أنَّه إذا اشْتَبهتِ الآَنِيَةُ الطاهرةُ بالنَّجِسَةِ، لم يَخْلُ مِن حالين؛ أحدُهما، أن يَسْتَوىَ عددُ الطاهرِ والنَّجِسِ، فلا يَجوزُ التَّحَرِّي، بغير خِلافٍ في المذهبِ فيما عَلِمنا.
الثاني، أن يَكْثُرَ عَدَدُ الطاهر، فقال أبو علي النَّجَّادُ 1، مِن أصحابِنا: يجوزُ التَّحَرِّي فيها.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الظاهرَ إصابة الطاهرِ.
ولأنَّ جِهةَ الإباحَةِ تَرَجَّحَتْ، أشْبَه ما لو اشْتَبَهتْ عليه أخْتُه في نِساءِ بلدٍ.
وظاهرُ كلامِ أحمدَ أنَّه لا يجوزُ التَّحرِّي فيها بحالٍ، وهو قولُ

..................................  أكثرِ الأصحابِ، وقولُ المُزَنِي 1، وأبي ثَوْرٍ 2. وقال الشافعيُّ: يَتحَرَّى في الحالين؛ لأنَّه شَرطٌ للصلاةِ، فجازَ التَّحرِّي فيه، كما لو اشْتَبَهتِ القِبْلَةُ والثِّيابُ.
ولأنَّ الطهارةَ تُؤَدَّى باليقينِ تارةً، وبالظنِّ أخْرَى، كما قلنا بجوازِ الوُضُوءِ بالماءِ المُتَغَيِّر الذي لا يُعلَمُ سببُ تغيُّرِه 3. وقال ابنُ الماجِشُونَ 4: يتَوضّأ مِن كل واحدٍ منهما وُضوءًا ويُصلِّي به.
وبه قال محمدُ بن مَسْلَمَةَ 5، إلا أَنه قال بغَسْلِ ما أصابَه مِنَ الأوَّلِ، لأنَّه

..................................  أمكَنَه أداءُ فَرضِه بيقين، أشْبَهَ مَنْ فاتَتْه صلاةٌ مِن يومٍ ولا يَعلَمُ عَينَها، وكما لو اشْتَبَهتِ الثِّيابُ.
ولَنا، أنه اشْتَبَه المُباع بالمحظُورِ فيما لا تُبِيحُه الضَّرورَةُ، فلم يَجُزِ التَّحرِّي، كما لو اشْتَبهت أخْتُه بأجْنَبِيّاتٍ، أو كما لو اسْتوَى العددُ عندَ أبي حنيفةَ، أو كان أحدُ الإِناءَين بَوْلًا عندَ الشافعيِّ، واعتَذَر أصحابُه بأنَّ البولَ لا أصلَ له في الطهارةِ.
قُلنا: وهذا الماءُ قد زال عنه أصلُ 1 الطّهارةِ، وعلى أنَّ البولَ قد كان ماءً، فله أصلٌ في الطهارةِ، فهو كالماءِ النَّجِسِ.
وقولهم: إذا كَثُرَ عددُ الطاهرِ تَرَجَّحَتِ الإِباحةُ 2. يَبْطُل بما لو اشْتَبَهتْ أخْتُه بمائةِ أجْنَبِيَّةٍ، وأمّا إذا اشتبهتْ أخْتُه في

..................................  نِساءِ مِصْرٍ، فإنه يَشُقُّ اجْتِنابُهُنَّ جميعًا، ولذلك يَجوزُ له النِّكاحُ مِن غيرِ تَحَرٍّ، بخلافِ هذا.
وأما القِبْلَةُ فيُباحُ تَركُها للضَّرورةِ، وفي صلاةِ النّافلةِ، بخلافِ مسألَتِنا.
وأمّا الثِّيابُ فلا يَجوزُ التَّحرِّى فيها عندَنا، على ما يأتي.
وأما المُتغير فيجوزُ الوُضوءُ به، اسْتِنادًا إلى أصلِ الطهارةِ، ولا يَحتاجُ إلى تَحَرٍّ.
وفي مسألتِنا عارضَ يقينُ الطهارةِ يقينَ النجاسةِ، فلم يَبْقَ له حُكْمٌ، ولهذا احتاجَ إلى التَّحرِّى، وما قاله ابنُ الماجِشُون باطِلٌ؛ لأنّه يَتَنَجَّسُ يَقِينًا، وما قاله ابنُ مَسْلَمَةَ ففيه حَرَجٌ، وَيبْطُلُ بالقِبلَةِ حيث لم يُوجِبا الصلاةَ إلى أربَعِ جِهاتٍ.
واللهُ أعلمُ.

وَهلْ يشْتَرَطُ إِرَاقَتُهُمَا، أوْ خَلْطُهُمَا؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

26 - مسألة؛ قال: (وهل يُشْتَرَطُ إراقَتُهُما أو خَلْطُهُما؟ فيه رِوايَتانِ)

إحداهُما، يُشْتَرَطُ، ذَكَرَه الخِرَقِيّ، لأنَّ معه ماءً طاهرًا بيقين، فلم يَجُزْ له التَّيَمُّم مع وجودِه، فإذا خَلَطَهُما أو أراقَهُما جازَ له التَّيَمُّم، لأَنَّه لم يَبْقَ معه ماءٌ طاهر.
والثانية، يَجوزُ التَّيَمُّم قبلَ ذلك، اخْتاره أبو بكرٍ، وهو الصحيحُ، لأنَّه غيرُ قادرٍ على اسْتِعمالِ الطاهرِ، أشْبَه ما لو كان في بِئْرٍ لا يمكِنُه الوصولُ إليه، فإنِ احتاجَ إليهما للشُّربِ،

..................................  لم تَجِبْ إراقَتُهُما، بغيرِ خلافٍ، لأنّه يجوزُ له التَّيَمُّم لو كانا طاهِرَين، فههُنا أولَى، فإذا أرادَ الشُّربَ تَحرَّى وشَرِب مِن الذي يَظنُّ طهارتَه، فإن لم يَغْلِبْ على ظنِّه شيء، شَرِب مِن أحدِهِما، لأنّه حالُ ضرورَةٍ، فإذا شرِبَ مِن أحدِهما، أو أكلَ مِن المُشْتَبِهةِ بالمَيتَةِ، فهل يَلْزَمُه غَسْلُ فِيهِ؟ يَحتَمِلُ وجهين، أحدُهما، لا يَلزَمُه، لأنَّ الأصلَ الطهارةُ.
والثاني، يَلزَمُه، لأنَّه مَحَلّ مُنِعَ مِن اسْتِعمالِه لأجلِ النجاسةِ، فلَزِمَه غسلُ أثَرِه، كالمُتَيَقِّنِ.
فإن عَلِم عينَ النَّجِسِ اسْتُحِبَّ إراقَتُه ليُزيلَ الشَّكَّ.
فإن احتاجَ إلى الشُّربِ شَرِب مِن الطاهرِ وتَيَمَّم.
وإن خافَ العطشَ في ثاني الحالِ، فقال القاضي: يَتوَضَّأ بالطاهرِ، ويَحبِسُ النَّجِسَ، لأنَّه غيرُ محتاجٍ إلى شُربِه في الحالِ، فلم يَجُزِ التَّيَمُّم مع وُجودِه.
قال شيخُنا: والصحيحُ، إن شاءَ اللهُ، أنه يَحبِسُ الطاهرَ ويَتيَمَّمُ، لأنّ وجودَ النَّجِسِ كعدَمِه عندَ الحاجةِ إلى الشُّربِ في الحالِ، فكذلك في المالِ، وخوفُ العطشِ في إباحةِ التَّيَمُّمِ كحقيقَتِه 1.

وَإنِ اشْتَبَه طَاهِرٌ بِظَهُورٍ، تَوَضَّأَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَصَلَّى صَلَاةً وَاحِدَةً.

27 - مسألة؛ قال: (وإنِ اشْتَبَه طَهُورٌ بطاهِرٍ، تَوَضَّأَ مِن كلِّ واحدٍ مِنْهما وصَلَّى صلاةً واحدةً)

لا نعلم فيه خِلافًا، لأنَّه أمكَنَه أداءُ فرضِه بيقين مِن غيرِ حَرَجٍ، فلَزِمَه 1 ذلك، كما لو كانا طَهُورَين فلم

..................................  يَكْفِه أحدُهما، فإنِ احتاجَ إلى أحدِ الإِناءَين للشُّربِ تَحرَّى وتَوضَّأ بالطَّهورِ عندَه، وتَيَمَّم ليَحصُلَ له اليقينُ، واللهُ أعلمُ.

وَإنِ اشْتَبَهتِ الثيابُ الطَّاهِرَةُ بِالنَّجِسَةِ، صَلَّى فِي كُلِّ ثَوْبٍ صَلَاةً، بِعَدَدِ النَّجِسِ، وَزَاد صَلَاةً.

28 - مسألة؛ قال: (وإنِ اشْتَبهتْ ثِيابٌ طاهرة بنَجِسةٍ، صَلَّى في كلِّ ثَوْبٍ صلاةً بعَدَدِ النَّجسِ، وزادَ صلاةً)

ولم يَجُزِ التَّحرِّي، وهذا قولُ ابنِ الماجِشُون؛ لأنّه أمكَنه أَداءُ فَرضِه بيقين مِن غيرِ حَرَجٍ فلَزِمَه، كما لو اشْتَبَه الطاهرُ بالطَّهُورِ، وكما لو فاتَتْه صلاةٌ مِن يوم لا يعلمُ عَينَها.
وقال أبو ثَوْرٍ، والمُزَنِيّ: لا يُصَلِّي في شيءٍ منها.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ: يَتحَرَّى.
كقَوْلِهما في الأوانِي والقِبْلَةِ.
والأوَّلُ أوْلَى.
والفرقُ بينَ الثيابِ والأوانِي النَّجِسَةِ مِن وجْهين؛ أحدُهما، أنَّ اسْتعمال النَّجِسِ في الأواني

..................................  يَتنَجَّسُ به، ويَمنعُ صِحَّةَ صلاتِه في الحالِ والمَالِ، بخلافِ الثِّيابِ.
الثاني، أنَّ الثَّوْبَ النَّجِسَ يُباحُ له الصلاةُ فيه إذا لم يَجد غيرَه، بخلاف الماءِ النَّجِسِ، والفرقُ بينَه وبينَ القِبْلَةِ مِن ثلاثةِ أوْجُهٍ، أحدُها، أنَّ القِبلةَ يَكثُرُ فيها الاشْتِباهُ.
الثاني، أنّ الاشْتِباة هاهُنا حَصَل بتَفْرِيطِه، لأنَّه كان يُمكِنُه تَعلِيمُ النَّجِسِ، بخلافِ القِبلةِ.
الثالثُ، أنَّ القِبلةَ عليها أدِلَّة مِنَ النُّجومِ وغيرِها، فيَغلِبُ على الظنِّ مع الاجتهادِ فيها الإِصابَةُ، بحيث يَبْقَى احتمالُ الخطأ وَهْمًا ضعيفًا، بخلافِ الثيابِ.
فصل: فإن لم يَعلم عددَ النَّجِسِ، صَلَّى حتى يَتَيقَّنَ أنَّه صلّى في ثوبٍ طاهرٍ، فإن كَثُرَ ذلك وشَقَّ، فقال ابنُ عَقِيلٍ: يَتحَرَّى في أصَحِّ الوجهين، دَفْعًا للمَشقَّةِ.
والثاني، لا يَتحَرَّى، لأنَّ هذا يَنْدُرُ جِدًّا، فألحِقَ بالغالِبِ 1.

..................................  فصل: فإن سَقَط على إنسانٍ مِن طريقٍ ماءٌ، لم يَلْزَمه السُّؤالُ عنه، قال صالح 1: سألتُ أبي عن الرجلِ يَمُرُّ بموضِعٍ فيَقْطر عليه قَطرة أو قَطرتان؟ فقال: إنْ كان مَخْرَجًا - يعني خَلاءً- فاغْسِلْه، وإن لم يكنْ

..................................  مَخْرَجًا فلا تَسألْ عنه؛ فإنّ عُمَرَ، رَضِي الله عنه، مَرَّ هو وعمرُو بنُ العاصِ على حَوضٍ، فقال عمرٌو: يا صاحبَ الحوضِ، أتَرِدُ على حوضِكَ السِّباعُ؟ فقال عمرُ: يا صاحبَ الحوض لا تُخْبرنا، فإنّا نَرِدُ عليها، وتَرِدُ علينا.
رواه مالِكٌ في «المُوطَّأ» 1. فإن سَأَلَ، فقال ابنُ عَقِيل: لا يَلْزَمُ المَسْئُولَ رَدُّ الجوابِ؛ لخَبَرِ عمرَ.
قال شيخُنا: ويَحتَمِلُ أن يَلْزَمه؛ لأنَّه سُئل عن شرطِ الصلاةِ، فلَزِمَه الجوابُ، كما لو سُئل عن القِبْلَةِ.
وخَبَرُ عُمَرَ يَدُلُّ على أنَّ سُؤرَ السِّباعِ طاهرٌ.
واللهُ أعلمُ 2.

بَابُ الآنِيَةِ

كُلُّ إِنَاءٍ طَاهِرٍ يُبَاحُ اتِّخَاذُهُ وَاسْتعمَالُهُ، وَلَوْ كَانَ ثَمِينًا؛ كَالْجَوْهرِ، وَنَحوهِ،  بابُ الآنيةِ قال، رحمه الله: (كلُّ إناءٍ طاهِرٍ يُباحُ اتِّخاذُه واسْتِعْمالُه.
ولَو 1 كان ثَمِينًا، كالجَوْهرِ ونَحوه) وجملةُ ذلك أنَّ جميعَ الآنِيَةِ الطاهرةِ مُباح اتِّخاذُها واسْتِعمالُها، سواءٌ كان ثَمِينًا؛ كالبِلَّوْرِ 2 والياقوتِ والزُّمُرُّدِ، أوَ ليس بثَمِين، كالعَقِيقِ والخَشَبِ والخَزَفِ والحِجارَةِ والصُّفْر 3 والحديدِ والأدَمِ ونحوه، في قول عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا

..................................  أنه رُوى عن ابنِ عُمَرَ أنه كَرِه الوُضوءَ في الصُّفْرِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ، وما أشْبَهَه.
واختارَ ذلك أبو الفَرَجِ المَقْدِسِيُّ، لأنّ الماءَ يتغير فيها، وقال: ورُوى أن المَلائِكَةَ تَكرهُ رِيحَ النّحاسِ.
وقال الشافعيُّ في أحدِ قولَيه: ما كان ثمينًا، لنَفِاسَةِ جَوْهَرِه، فهو مُحرَّم، لأنّ فيه سَرَفًا وخُيَلاءَ، وكسْرَ قلوبِ الفقراءِ، أشْبَهَ الأثْمانَ، ولأنَّ تَحرِيمَ آنيةِ الذَّهبِ والفضَّةِ تَنبِيهٌ على تحرِيمِ ما هو أنفَسُ منهما.
ولَنا، ما روَى عبدُ اللهِ بنُ زيدٍ، قال: أتانا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأخْرَجْنا له ماءً في تَوْرٍ 1 مِن صُفْرٍ فَتَوَضَّأ.
رواه البُخارِيُّ 2. وعن عائشةَ قالتْ: كنتُ أغْتَسِلُ أنا ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في تَوْرٍ مِن شَبَهٍ 3. رواه أبو داود 4. وأمَّا آنِيَةُ الجواهِرِ فلا يَصحُّ قياسُها على الأثْمانِ لوجهَين، أحدُهما، أنَّ هذا لا يَعِرفُه إلّا خَواصّ الناسِ، فلا تَنكَسِرُ قلوبُ الفقراءِ لكَوْنِهم لا يَعرِفونَه.
الثاني، أنَّ هذه

إلا آنِيَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالْمُضَبَّبَ بِهِمَا، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ اتِّخَاذُهَا وَاسْتِعْمَالُهَا عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
الجواهِرٍ لقِلَّتِها، لا يَحصُلُ اتِّخاذُ الآنيةِ منها إلَّا نادِرًا، ولو اتُّخِذَتْ كانت مَصُونَة، لا تُسْتَعْمَلُ ولا تَظهَرُ غالبًا، فلا تُفضِي إباحَتُها إلى اسْتِعْمالِها، بخلافِ آنيةِ الذَّهبِ والفضَّةِ، فإنَّها في مَظِنَّةِ الكَثْرَةِ، فكان التَّحريمُ مُتعلِّقًا بِالمَظِنَّةِ، فلم يَتجاوَزْه،؟ تَعَلَّقَ حكمُ التَّحريمِ في اللباس بالحريرِ، وجازَ استعمالُ القَصَبِ مِن الثيابِ وإن زادتْ قِيمَتُه على قيمةِ الحرِيرِ، ولو جعلَ فَصَّ خَاتَمِه جَوهَرةً ثَمِينة، جازَ، ولو جَعَلَه ذَهبًا، لم يَجُزْ.

29 -

مسألة؛ قال: (إلَّا آنِيَةَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والمُضَبَّبَ بِهِما، فإنَّه يَحْرُمُ اتِّخاذُها واسْتِعْمالُها على الرِّجالِ والنِّساءِ)

قال شيخُنا، رحمه الله 1: لا يَختَلِفُ المذهبُ، فيما عَلِمْنا، في تحريمِ اتِّخاذِ آنيةِ الذهبِ

..................................  والفضةِ، وحُكِي عن الشافعيِّ إباحَتُه؛ لتَخْصِيصِ النَّهْي بالاستعمالِ، ولأنّه لا يَلزَمُ مِن تحريمِ الاستعمالِ تحريمُ الاتِّخاذِ، كما لو اتَّخذَ الرجلُ ثيابَ الحريرِ، وذكَرَه بعضُ أصحابِنا وجهًا في المذهبِ.
ولَنا، أنَّ ما حَرُمَ استِعمالُه مُطلقًا، حَرُمَ اتِّخاذُه على هَيئةِ الاستعمال كالمَلاهِي، وأمّا ثيابُ الحرِيرِ، فإنّها تُباحُ للنِّساءِ، وتُباحُ التِّجارةُ فيها، فحصَلَ الفرقُ، وأمّا تَحْرِيمُ استِعمالِها فهو قَولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم أبو حنيفةَ، ومالكٌ.
وعن مُعاويةَ بنِ قُرَّةَ 1، أسنه قال: لا بَأسَ بالشُّربِ مِن قَدَحِ فضَّةٍ.
وعن الشافعيِّ قولٌ، أنه مَكرُوة غيرُ مُحرَّمٍ؛ لأنّ النَّهْيَ لما فيه مِن التَّشَبُّهِ بالأعاجِمِ، فلا يَقتَضِي التَّحْريمَ.
وَلَنا، ما روَى حُذَيفَةُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ولا تَأكُلُوا في صِحَافِهَا، فإنَّها لَهُمْ فِي الدُّنيا وَلَكُمْ في الآخِرَةِ».
وعن أمِّ سَلَمَةَ، قالت: قال

..................................  رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الذِى يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ».
متَّفَقٌ عليهما 1. فتَوَعد عليه بالنّارِ، فدَلَّ على تَحْرِيمِه.
ولأنَّ في ذلك.
سَرَفًا وخُيَلاءَ وكَسْرَ قلوبِ الفقراءِ.
دَلَّ الحديثان على تحريمِ الأكلِ والشربِ، فكذلك الطهارَةُ وسائِرُ الاستعمالِ 2. ولأنه إذا حَرُمَ في غيرِ العبادةِ ففيها أولَى، ولا فَرْقَ في ذلك بينَ الرجالِ والنساءِ؛ لعُمُومِ النَّصِّ والمعنى فيهما، وإنَّما أبِيحَ التَّحَلِّي في حق المرأةِ لحاجَتِها إلى التَّزيُّنِ للزَّوجِ، وهذا يَخْتَصُّ الحَلْىَ، فاخْتَصَّتِ الإِباحَةُ به، وكذلك المُضَبَّبُ 3 بهما، فإن كان كثيرًا فهو مُحرَّم بكلِّ حالٍ، ذهبًا كان أو فِضَّةً، لحاجةٍ أو غيرِها.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: هو مُباح؛ لأنّه تابعٌ للمُباحِ، أشْبَهَ اليَسِيرَ.
ولَنا ما روَى ابنُ

فَإِنْ تَوَضَّأَ مِنْهُمَا، فَهَلْ تَصِحُّ طَهَارَتُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ،  عمرَ، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ شَرِبَ فِي إنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، أوْ إنَاءٍ فِيهِ شَيْءٌ مِن ذلِكَ، فَإنمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ».
رَواه الدَّارَقُطْنِي (1). ولأنَّ فيه سَرَفًا وخُيَلاءَ، أشْبَهَ الصُّفْرَ الخالِصَ، وفارَقَ اليسيرَ، فإنّه لا يُوجَدُ فيه المعنى المُحَرَّمُ.

30 -

مسألة؛ قال: (فإنْ تَوَضَّأ منهما أو اغْتَسَلَ، فهل تَصِحُّ طَهارتُه؟ على وَجْهَين)

أحدُهما، تَصِحُّ طهارَتُه، اخْتارَه الخِرَقِيّ، وهو قولُ أصْحابِ الرَّأي، والشَّافعِيِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ فِعْلَ الطَّهارَةِ وماءَها لا يَتَعَلَّقُ بشيءٍ مِن ذلك، أشْبَهَ الطهارةَ في الدَّارِ المَغْصُوبَةِ.
والثاني، لا تَصِحُّ.
اختارَه أبو بكرٍ، لأنَّه اسْتَعْمَل المُجَرَّمَ في العبادةِ، فلم تَصِحَّ، كما لو صَلَّى في دارٍ مَغْصُوبَةٍ.
والأولُ أصحُّ.
ويُفارِقُ هذا الصلاةَ في الدارِ المغصوبةِ؛ لأن القِيامَ والقُعُودَ والرُّكُوعَ والسُّجُودَ في الدار المغصوبةِ مُحَرَّم، وهي أفعالُ الصلاةِ، وأفعالُ الوُضُوءِ مِن الغَسْلِ1

..................................  والمَسْحِ ليس بمُحَرَّم؛ إذ ليس هو اسْتِعْمالًا للإِناء، وإنّما يَقعُ ذلك بعدَ رفع الماءِ مِن الإِناء وفَصْلِه عنه، فهو كما لو اغْتَرَفَ بإناءِ فِضَّةٍ في إناءٍ غيرِه وتَوَضأ منه.
ولأنَّ المكانَ شَرْطٌ في الصلاةِ لا يُمكِنُ وُجُودُها إلَّا به، والإِناءُ ليس بشَرْطٍ، فهو كما لو صَلَّى وفي يَدِه خَاتَم ذَهَب.
فإن جَعَل آنِيَةَ الذَّهَبِ مَصَبًّا لماءِ الوُضوءِ والغُسْلِ، يَقعُ فيه الماءُ المُنْفَصِلُ عن العُضْو، صحَّ الوُضوءُ؛ لأنَّ المُنفصِلَ الذي يَقعُ في الآنِيَةِ قد رَفَع الحَدَثَ، فلم يَبْطُلْ بوُقوعِه في الإِناءِ، ويَحْتَمِل أنْ تكونَ كالتي قبلَها، ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنّ الفَخْرَ والخُيَلاءَ وكَسْرَ قلوب الفقراءِ حاصِلٌ ههُنا، كحصُوله في التي قبلَها، بل هو ههُنا أبلَغُ، وفِعْلُ الطَّهارةِ يَحْصُلُ ههُنا قبلَ وصولِ الماءِ إلى الإِناءِ، وفي التي قبلَها بعدَ فَصْلِه عنه، فهي مِثْلُها في المعنى، وإن افْتَرَقا في الصُّورَةِ.
فصل: فإن تَوَضَّأ بماءٍ مَغْصُوبٍ، فهو كما لو صَلَّى في ثوب مغْصُوبٍ، لا تَصِحُّ في أصَحِّ 1 الوَجْهَين، ووَجْهُه ما يأتي في بابِه.

إلا أن تَكُونَ الضَّبَّةُ يَسِيرَةً مِنَ الْفِضَّةِ؛ كَتَشْعِيبِ الْقَدَحِ، وَنَحْوهِ، فلا بَأسَ بِهَا، إِذَا لَمْ يُبَاشِرْهَا بِالاسْتِعْمَالِ.

31 - مسألة، قال: (إلَّا أنْ تَكُونَ الضَّبَّةُ يَسِيرَةً مِن الفِضَّةِ، كتَشْعِيبِ القَدَحِ، فلا بَأسَ بها إذا لم يُباشِرْها بالاسْتِعْمالِ)

ومِمَّن رَخَّص في ضَبَّةِ الفِضَّةِ سعيدُ بنُ جُبَيرٍ 1، ومَيسَرَةُ 2، وطاوُس 3، والشافعيُّ،

..................................  وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصحابُ الرَّأي، وإسحاقُ، وقال: قد وضَع عمر بنُ عبد العزيزِ فاه بينَ ضبَتّينِ.
وكان ابنُ عمرَ لا يشرَبُ مِن قَدَحٍ فيه فضَّةٌ ولا ضَبَّةٌ.
وكَرِهَ الشُّربَ في الإِناءِ المُفَضَّض عليُّ بنُ الحسين 1، وعطاءٌ، وسالِم 2، والمُطَّلِبُ بنُ حَنْطَبٍ 3. ونَهَتْ عائشةُ أن يُضَبِّبَ

..................................  الآنِيَةَ، أو يُحَلِّقَها بالفِضَّةِ، ونحوه قولُ الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، ولعلَّهم كَرِهُوا ما قُصِدَ به الزينَةُ، أو كان كثيرًا، فيكونُ قولُهم وقولُ الأوَّلِينَ واحدًا، ولا يكونُ في المسألةِ خلافٌ.
فأمّا اليَسِيرُ كتَشْعِيبِ القَدَحِ ونَحْوه، فلا بَأسَ به؛ لما روَى أنسُ بنُ مالِكٍ، أنَّ قَدَحَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - انْكَسَر، فاتَّخَذ مكانَ الشَّعبِ سِلْسِلَةً مِن فِضَّةٍ.
رواه البُخارِيُّ 1. قال القاضي: يُباحُ يَسِيرُ الفِضَّةِ مع الحاجةِ وعَدَمِها.
لما ذكرْنا، ولأنّه ليس فيه

..................................  سَرَفٌ ولا خُيَلاءُ، أشْبَهَ الصُّفْرَ، إلَّا أنه كَرِه الحَلْقَةَ، لأنّها تُسْتَعْمَلُ.
وقال أبو الخَطَّابِ: لا تُباحُ إلّا لحاجَةٍ، لأنَّ الخَبَرَ إنَّما وَرَد في تَشْعِيبِ القَدَحِ، وهو للحاجةِ.
ومعنى ذلك أن تَدْعُوَ الحاجةُ إلى فِعْلِه، وليس معناه أن لا يَنْدَفِعَ بغيره.
ويُكْرهُ مُباشَرةُ مَوْضِع الفِضَّةِ 1 بالاستعمالِ؛ لِئَلَّا يكونَ مُسْتَعْمِلًا للفضةِ التي جاء الوعيدُ في اسْتِعْمالِها.

وَثِيَابُ الْكُفَّارِ وَأَوَانِيهِمْ طَاهِرَةٌ مُبَاحَةُ الاسْتِعْمَالِ، مَا لمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهَا.

32 - مسألة؛ قال: (وثِيابُ الكُفَّارِ وأوانِيهِم طاهِرَةٌ مُباحَةُ الاسْتِعْمالِ، ما لم تُعلَمْ نَجاسَتُها)

والكُفّارُ على ضَرْبَين؛ أهلِ الكتابِ، وغيرِهم، فأمَّا أهلُ الكتابِ، فيُباحُ أكلُ طعامِهم وشرابِهم، واستعمالُ آنِيَتهم، ما لم تُعْلَمْ نَجاسَتُها.
قال ابنُ عَقِيل: لا تَختَلِفُ الرِّوايةُ في أنه لا يَحرُمُ استعمالُ أوانيهم؛ لقَوْلِ الله تِعالى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ 1. وعن عبدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ، قال: دُلِّيَ جِرابٌ مِن شَحْم يومَ

..................................  خَيبَرَ، فالْتَزَمْتُه، وقلتُ: واللهِ لا أُعْطِي أحدًا منه شيئًا.
فالْتَفَتُّ فإذا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَبَسَّمُ.
روَاه مسلم 1. ورُويَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أضافَه يَهُودِيٌّ بِخُبْزٍ وإهَالةٍ سَنِخَةٍ 2. من المُسْنَدِ 3. وتَوَضَّأ عمر مِن جَرَّةِ نَصْرانِيَّةٍ 4. وهل يُكْرَهُ استعمالُ أوانِيهم؟ على رِوايَتَين؛ إحداهما، لا

..................................  يُكْرَه؛ لما ذكرْنا.
والثانية، يُكْرَهُ؛ لما روَى أبو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّا بأَرْضِ قوم أهلِ كتابٍ، أفنَأكُلُ في آنِيتِهم؟ فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنْ وَجَدْتُمْ غَيرَهَا فَلَا تَأكُلُوا فِيهَا، وإنْ لَمْ تَجِدُوا غَيرَهَا فَاغْسِلُوهَا وكُلُوا فِيهَا».
متَّفَقٌ عليه 1 وأقَلُّ أحْوالِ النَّهْي الكَراهَةُ.
ولأنَّهم لا يَتَوَرَّعُون عن النَّجاسةِ، ولا تَسْلَمُ آنِيَتُهم مِنها، وأدْنَى ما يُؤثر ذلك الكَراهَةُ.
وأمَّا ثيابُهم فما لم يَسْتَعْمِلُوه، أو

المقنع وعَنْهُ، مَا وَلِيَ عَوْرَاتِهِمْ؛ كَالسَّرَاويلِ وَنَحْوهِ، لا يُصَلَّى فِيهِ.
علا منها، كالعِمامَةِ، والثوبِ الفَوْقانِيِّ، فهو طاهِرٌ لا بَأسَ بلُبْسِه، وما لاقَى عَوْراتِهم، كالسَّراويلِ، ونَحْوه، فرُوىَ عن أحمدَ أنه قال: أحَبُّ إليَّ أن يُعِيدَ إذا صَلَّى فيه.
وهذا قولُ القاضي.
وكَرِه أبو حنيفةَ والشافعيُّ لُبْسَ الأزُرِ والسَّراويلاتِ، وقال أبو الخَطَّابِ: لا يُعِيدُ؛ لأنّ الأصلَ الطهارةُ، فلا تَزُولُ 1 بالشَّكِّ.
الضربُ الثاني، غيرُ أهلِ الكتابِ، وهم المَجُوسُ، وعَبَدَةُ الأوْثانِ، ونحوُهم، ومَن يَأكلُ لحمَ الخِنْزِيرِ مِن أهل الكتابِ في مَوْضِع يُمْكِنُهم أكْلُه، أو يَأكلُ المَيتَةَ، أو يَذْبَحُ بالسِّنِّ والظفْرِ، فحُكْمُ ثِيابِهم حُكْمُ ثيابِ أهلِ الذِّمَّةِ، عملًا بالأصلِ، وأمَّا أوانِيهِم، فقال أبو الخَطَّاب: حُكْمُها حكمُ أوانِي أهلِ الكتابِ، يُباحُ اسْتِعْمالُها ما لم يَتَحَقَّقْ نَجاسَتَها.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه تَوَضَّئُوا مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ.
متَّفَق عليه 2. ولأنَّ الأصلَ الطهارةُ، فلا تَزُولُ بالشَّكِّ.

وَعَنْهُ، أَنَّ مَنْ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُمْ، لَا يُسْتَعْمَلُ مَا اسْتَعْمَلُوهُ مِنْ آنِيَتهِمْ إلا بَعْدَ غَسْلِهِ، وَلَا يُؤكَلُ مِنْ طَعَامِهِمْ إلا الْفاكِهَةُ وَنَحْوُهَا.
وقال القاضي: هي نَجسَةٌ، لا يُسْتَعْمَل ما اسْتَعْمَلُوه منها إلَّا بعدَ غَسْلِه؛ لحديثِ أبي ثَعْلَبَةَ، ولأَنَّ أوانِيَهم لا تَخْلُو مِن أطْعِمَتِهِم، وذَبائِحُهُم مَيتَةٌ، فتَتَنَجَّسُ بها.
وهذا ظاهرُ كلامِ أحمدَ، فإنَّه قال في المَجُوسِ: لا يُؤكَلُ مِن طَعامِهِم إلَّا الفَاكِهَةُ؛ لأنَّ الظاهِرَ نجاسةُ آنِيتهم المستعْمَلَةِ في أطْعِمَتِهم.
ومتى شَكَّ في الإِناءِ، هل اسْتَعمَلُوه، أم لا؟ فهو طاهِرٌ؛ لأنَّ الأصْلَ طهارتُه، ولا نعلم خلافًا بينَ أهلِ العلمِ في إباحَةِ لُبْس الثوبِ الذي نَسَجَه الكُفَّارُ، فإنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه إنَّما كان لِبَاسُهُم مِن نَسْجِ الكُفَّارِ، إلَّا أنَّ ابنَ أبي موسى ذكَر في «الإِرْشادِ» في وُجوبِ غَسْلِها قبلَ لُبْسِها رِوايَتَين؛ إحداهما، لا يَجِبُ، وهو الصحيحُ؛ لما ذكرْنا.
والثانية، يَجِبُ؛ لتَيَقُّنِ 1 الطَّهارةِ.
فأمَّا ثِيابُهم التي يَلْبَسُونها، فأباحَ الصلاةَ فيها الثَّوْرِيُّ، وأصْحابُ الرَّأيِ.
وقال مالِكٌ في ثوبِ الكافرِ: إن صَلَّى فيه يُعيدُ، ما دامَ في الوقتِ.
ولَنا، أنَّ الأصلَ الطهارةُ، ولم يَترَجَّحِ التنجِيس فيه، أشْبَهَ ما نَسَجَه الكُفَّارُ 2.

..................................  فصل: وتُباحُ الصلاةُ في ثيابِ الصِّبيانِ والمُربِّياتِ، وفي ثوبِ المرأةِ الذي تَحِيضُ فيه إذا لم تَتحَقَّقْ نَجاسَتَه، وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وأصْحابِ الرَّأي؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى وهو حامِل أُمامَةَ بنتَ أبي العاص بنِ الرَّبِيع.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي، فإذا سَجَد وَثب الحَسنُ على ظَهْرِه 2. قال أصحابُنا: والتَّوَقِّي لذلك أوْلَى، لاحْتِمالِ النجاسةِ فيه.
وقد روَى أبو داودَ 3 عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لا يُصَلِّي في شُعُرِنا ولُحُفِنا.
ولُعابُ الصبيَانِ طاهِر، وقد روَى أبو هُرَيرةَ، قال: رَأيت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حامِلَ الحُسَينِ بنِ علي على عاتِقِه، ولُعابُه يَسِيلُ عليه 4.

وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ الْمَيتَةِ بِالدِّبَاغِ،  فصل: ولا يَجِبُ غَسْلُ الثوبِ المَصْبُوغِ في حُبِّ الصَّبَاغِ (1)، مُسْلِمًا كان أو كِتابِيًّا، أو كافرًا (2). نَصَّ عليه أحمدُ، عَمَلًا بالأصلِ، فإن عُلِمَتْ نجاسَتُه طَهُرَ بالغَسْلِ، وإن بَقِيَ اللَّوْنُ، لقَوْلِه، عليه السَّلامُ، في الدَّمِ: «المَاءُ يَكْفِيكِ، وَلا يَضُرُّكِ أثرهُ».
رَواه أبو داودَ (3). فصل: ويُستَحَبُّ تَخْمِيرُ الأوانِي وإيكاءُ الأسْقِيَة؛ لما روَى أبو هُريرَةَ، قال: أمَرَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن نُغَطيِّ الإِناءَ، ونُوكِيَ السِّقاءَ (4).

33 -

مسألة، قال: (ولا يَطْهُرُ جِلْدُ المَيتَةِ بالدِّباغِ)

هذا هو الصحيحُ مِن المذهبِ، وهو إحْدَى الرِّوايَتَين عن مالِكٍ، رُوى ذلك عن عُمَرَ وابنه، وعائشةَ، وعِمْرانَ بنِ حُصين، رَضِي اللهُ عنهم، لما روَى عبدُ اللهِ بنُ عُكَيم، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كَتَبَ إلى جُهَينَةَ: «إنِّي كُنْتُ رَخَّصْتُ لَكُمْ فِي جُلُودِ المَيتَةِ، فإذَا جَاءَكُمْ كِتَابِي هذَا فَلا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيتَةِ بِإهَابٍ وَلا1234

..................................  عَصَبٍ».
رَواه أبو داودَ 1. [وليس في رِواية أبي داودَ: «كُنْتُ رَخَّصْتُ لَكْمُ»] 2. والإِمامُ أحمدُ 3، وقال: إسْنادٌ جَيِّدٌ، يَرْويه يحيى بنُ سعيدٍ، عن شُعْبَةَ، عن الحَكَم، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي لَيلَى عنه.
وفي لفظٍ: أتانا كتابُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قبلَ وفاتِه بشَهْرٍ أو شَهْرَينِ 4. وهو ناسِخٌ لما قبلَه، لأنّه في آخِرِ عُمْرِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولفظُه دَالٌّ على سَبْقِ الرُّخْصَةِ، وأنَّه مُتأَخِّرٌ عنه، لقولِه: «كُنْتُ رَخَّصت لَكُمْ».
وإنَّما يُؤخَذُ بالآخِرِ مِن أمرِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. فإن قِيل: هذا مُرْسَلٌ، لأنَّه مِن كتابٍ لا يُعْرَفُ حامِلُه.
قلنا: كتابُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كلَفْظِه، ولذلك لَزِمَتِ

..................................  الحُجَّةُ مَن كَتَب إليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وحَصَل له البَلاغُ؛ لأنَّه لو لم يَكُنْ حُجَّةً، لم تَلْزَمْهُم الإِجابَةُ، ولكان لهم عُذْرٌ في تَرْكِ الإِجابةِ؛ لِجَهْلِهم بحامِلِ الكتابِ، والأمْرُ بخلافِ ذلك.
ورَوَى أبو بكرٍ الشافعيّ، بإسْنادِه، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جابرٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيتَةِ بِشَيْءٍ» 1. وإسْنادُه حسنٌ، ولأنَّه جُزْءٌ مِن المَيتَةِ، فحَرُمَ الانْتِفاعُ به كَسائِرِها، ولقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ﴾ 2.

وَهَل يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي اليابِسَاتِ بَعْدَ الدَّبْغِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

34 - مسألة؛ قال: (وهل يجوز اسْتِعْمالُه في اليابِسات بعدَ الدَّبْغِ؟ على رِوايَتَينِ)

إحْداهما، لا يجوزُ؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيم.
والثانية، يجوز الانْتِفاعُ بِجِلْدِ ما كان طاهِرًا حال الحَياةِ إذا دُبِغ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَجَد شَاةً مَيِّتةً أعْطِيَتهَا 1 مَوْلاةٌ لِمَيمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -

..................................  - صلى الله عليه وسلم -: «ألَّا أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ».
رواه مسلمٌ 1 ولأنَّ الصَّحابةَ، رَضِي اللهُ عنهم، لَمّا فتَحُوا فارِسَ، انْتَفَعُوا بسُرُوجِهم وأسْلِحَتهم، وذبائحُهم مَيتَةٌ، ونَجاسَتُه لا تَمنَعُ الانْتِفاعَ به، كالاصْطِيادِ بالكلبِ، وركوبِ البَغْلِ والحِمارِ.

وَعَنْهُ، يَطْهُرُ مِنْهَا جِلْدُ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي الْحَيَاةِ،

35 - مسألة؛ قال: (وعنه: يَطهُرُ مِنْها جِلْدُ ما كان طاهِرًا حال الحياةِ)

نصَّ أحمد على ذلك، قال بعضُ أصحابِنا: إنَّما يَطْهُرُ جِلْدُ ما كان مأكُولَ اللَّحْمِ.
وهو مذهبُ الأوْزاعِي 1، وأبي ثَوْرٍ، وإسحاقَ؛ لأنَّه رُويَ أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «ذَكَاةُ الأدِيمَ دِبَاغُهُ».
رواه الإِمامُ

..................................  أحمدُ، وأبو داودَ 1. فَشَبَّهَ الدِّباغَ بالذَّكاةِ، والذَّكاةُ إنّما تَعْمَلُ في مأكولِ اللَّحمِ، ولأنَّه أحدُ المُطَهِّرين للجِلْدِ، فلم يُوثِّرْ في غيرِ مَأكُولٍ كالذَّبْحِ.
والأوَّلُ ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ لعُمُومِ لفظِه في ذلك، ولأنَّ قولَه - صلى الله عليه وسلم -: «أيُّمَا إِهَابٍ دُبغ فَقَدْ طَهُرَ» 2. يَتَناوَلُ المَأكُولَ وغيرَه، وخَرَجَ مِنه ما كان نَجِسًا في الحياةِ، لكَوْنِ الدَّبْغ إنَّما يُوثِّرُ في رَفْعِ نجاسةٍ حادِثةٍ بالموتِ، فتَبْقَى فيما عَداه على قَضِيَّةِ العُمُومِ.
وحديثُهم يَحْتَمِلُ أنه أرادَ بالذَّكاةِ التَّطْيِيبَ، مِن قَوْلِهم: رائِحة ذَكِيَّةٌ.
أي: طيَبة.
ويَحتَمِلُ أنه أرادَ بالذَّكاةِ الطهارةَ، فعلى هذَين التأويلَين يكون اللَّفْظُ عامًّا في كلِّ جِلْدٍ، فيَتَناولُ ما اختَلَفْنا فيه، ويَدُلُّ على التَّأويلِ الذي ذكرْنا، أنه لو أرادَ بالذَّكاةِ الذَّبْحَ لأضافَه إلى الحيوانِ كلِّه، لا إلي الجِلْدِ.
فصل: فأمَّا جُلُودُ السِّباعِ، فقال القاضي: لا يجوزُ الانْتِفاعُ بها قبلَ الدِّباغِ ولا بعدَه.
وبذلك قال الاوزاعِيُّ، وابنُ المُبارَكِ 3، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
ورُوىَ عن عُمَر وعلي، رَضِي اللهُ عنهما، كَراهَة

..................................  الصلاةِ في جُلُودِ الثَّعالِبِ.
[وأباحَ الحسنُ، والشَّعْبِيُّ، وأصحابُ الرَّأي الصلاةَ في جُلُودِ الثَّعالِب؛ لأنَّ الثَّعالبَ تُفْدَى في الإِحْرامِ، فكانت مُباحَةً، ولما ثبَتَ مِنَ الدَّليلِ على طهارة جُلُود المَيتَةِ بالدِّباغِ.
وجُلودُ الثَّعالبِ يُبْنَى حُكمُها على حِلِّها، وفيها رِوَايتانِ، فكذلك يُخَرَّجُ في جُلُودها، فإنْ قُلْنا بتَحرِيمها، فحُكمُ جُلُودِها حُكمُ بَقيَّةِ جُلُودِ السِّباعِ، وكذلكَ السَّنانيرُ البَرِّيَّةُ، فأمَّا الأهلِيَّةُ فمُحرَّمَةٌ.
وهل تَطْهُرُ جُلودُها بالدِّباغِ؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَينِ] 1. ورَخَّص في جلودِ السباعِ جابِرٌ.
ورُوى عن ابنِ سِيرِينَ، وعُرْوَةَ 2، [أنَّهما رَخَّصا] 3 في الرُّكوبِ على جُلُودِ النُّمُورِ.
ومذهبُ الشّافعيِّ طهارةُ جلودِ الحيواناتِ كلها إلَّا الكلبَ والخِنْزِيرَ؛ لأنّه يَرى طهارَتَها في حالِ الحياةِ، وله في جِلْدِ الآدَمِيِّ وَجْهان.
وقال أبو حنيفةَ: يَطْهُرُ كلُّ جلدٍ إلَّا جلدَ الخِنْزِيرِ.
وحُكِي عن أبي يوسفَ طهارةُ كلِّ جلدٍ.
وهو روايةٌ عن مالكٍ.
ومذهبُ مَن حَكَم بطهارةِ جلُودِ 4 الحيواناتِ كلها؛ لعُمُومِ قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أيمَا إِهَابٍ دُبغ فَقَدْ طَهُرَ».
مُتَّفَق عليه.
ولَنا، ما روَى أبو رَيحانَةَ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن ركُوبِ النُّمورِ.
رواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ 5. وعن

..................................  مُعاويةَ، والمِقْدامِ بنِ مَعْدِ يكَرِبَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عنْ جُلودِ السِّباعِ 1 والرُّكوبِ عليها.
روَاه أبو داودَ، والنَّسائِي 2. مع [ما ذَكَرْنا من نَهْي النبيِّ] 3 - صلى الله عليه وسلم - عن الانْتفاعِ بشيءٍ من المَيتَةِ، فجَمعْنا بينَ هذه الأحاديثِ، وبينَ الأحاديثِ الدَّالَّةِ على طهارةِ جُلُودِ المَيتَةِ بحَمْلِها على ما كان طاهِرًا حال الحياةِ، وحَمْلِ الأحاديثِ النَّهْي على ما لم يَكُنْ طاهِرًا، لأنّه متى أمْكَن الجَمْعُ بينَ الأحاديثِ ولو مِن وجه، كان أَوْلَى مِن التَّعارُضِ بينَها، يُحقِّقُ ذلك أنَّ الدَّبْغَ إنّما يُزيلُ النجاسةَ الحادِثةَ بالموتِ، ويَرُدُّ الجلدَ إلى ما كان عليه حال الحياةِ، فإذا كان في الحياةِ نَجِسًا لم يُؤَثِّرْ فيه الدِّباغُ شيئًا، واللهُ أعلمُ.
فصل: وإذا قُلْنا بطهارةِ الجِلْدِ بالدِّباغِ، لم يَحِلَّ أكْلُه، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، وحُكِي عن ابنِ حامدٍ أنَّه يَحِلُّ.
وهو وجهٌ لأصحابِ الشافعيِّ، لقولِه - صلى الله عليه وسلم -: «ذَكَاةُ الأدِيمَ دِبَاغُهُ».
ولأنّه معنًى يفيدُ الطهارةَ في الجِلْدِ، أشْبَهَ الذَّبْحَ.
وظاهرُ قولِ الشافعيِّ، أنه إنْ كان مِن حيوانٍ مأْكُول، جازَ أكْلُه، لأنَّ الدِّباغَ بمَنْزِلَةِ الذَّكاةِ، وإلّا لم يَجُزْ؛ لأنَّ = والإِمام أحمد، في: المسند 4/ 92، 93، 99، 134.

..................................  الذَّكاةَ لا تُبِيحُه، فالدِّباغُ أوْلَى.
والأوَّلُ أصحُّ؛ لقَوْلِه عزَّ وجلَّ: ﴿حُرِّمَت عَلَيكُمُ الْمَيتَة﴾ 1. والجِلْدُ مِنها.
ولقولِه - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ الْمَيتَةِ أكْلُهَا».
مُتَّفَقٌ عليه 2. ولا يَلزَمُ مِن الطهارةِ إباحَةُ الأكل؛ بدليلِ تحرِيمِ الخبائثِ مِمّا لا يَنْجُسُ بالموتِ، وقِياسُهم لا يُقْبَلُ مع مُعارَضةِ الكتابِ والسُّنَّةِ.
فصل: ويجوز بَيعُه، وإجارَتُه، والانْتِفاعُ به في كلِّ ما يُمْكِنُ، سِوَى الأكْلِ، وهو قولُ الشافعيِّ في الجَدِيدِ.
ولا يجوز بَيعُه قبلَ الدَّبْغ، لا نَعلَمُ فيه خلافًا؛ لأنَّه مُتَّفَقٌ على نجاسَتِه، أشْبَهَ الخِنزِيرَ، ويَفتَقِرُ ما يُدبَغُ به إلى أن يكونَ مُنَشِّفًا للرُّطُوبةِ، مُنَقِّيًا للخَبَثِ، كالشَّبِّ 3 والقَرَظِ 4. قال ابنُ عَقِيل: يُشْتَرَطُ أن يكونَ طاهرًا؛ لأنَّها طهارةٌ مِن نجاسةٍ، فلم

وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ غَيرِ الْمَأكُولِ بِالذَّكَاةِ.
تَطْهُرْ بِنَجِسٍ، كالاسْتِجْمارِ.
وهل يَطْهُرُ الجِلْدُ بمُجَرَّدِ الدَّبْغِ قبلَ غَسله بالماءِ؟ فيه وجهان؛ أحدُهما، لا يَحصُلُ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «يُطَهِّرُهَا الماءُ والقَرَظُ».
رواه أبو داود (1). ولأنَّ ما يُدبَغُ به نَجُس بمُلاقاةِ الجِلْد، فإذا انْدبغَ الجلدُ بَقِيَتِ الآلة نَجِسَةً، فَتَبْقَى نجاسةُ الجلدِ لملاقَاتِها له، فلا تَزُولُ إلَّا بالغَسْلِ.
والثاني، يَطْهُرُ، لقولِه - صلى الله عليه وسلم -: «أيما إِهَابٍ دُبغَ فَقَدْ طَهُرَ».
ولأنّه طَهُرَ بانْقِلابِه، فلم يَفتَقِر إلي استعمال المِاءِ، كالخَمْرَةِ إذا انْقَلَبَتْ.
وروَتْ عائشةُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «طَهُورُ كُل أَدِيم دِبَاغُه» (2). قال شيخُنا: والأوَّلُ أَوْلَى، فإنَّ المعنى والخبرَ إنّما يَدُلّانِ على طهارةِ عَينه، وذلك لا يَمنَعُ مِن وُجُوبِ غَسْلِه مِن نجاسةٍ تُلاقِيه، كما لو أصابَتْه نجاسةٌ سِوَى آلةِ الدَّبْغِ، أو أصابَتْه آلةُ الدَّبْغ بعدَ فَصْلِه عنها (3). ولأصْحابِ الشافعي وجهان كهذَين.
فصل: ولا يفْتَقِرُ الدَّبْغُ إلى فِعْلٍ، فلو وَقَع جلدٌ في مَدْبَغَةٍ فانْدَبَغ، طَهُرَ؛ لأنَّها إزالةُ نجاسةٍ، فهو كالمَطَرِ يُطَهِّرُ الأرضَ النَّجِسَةَ.

36 -

مسألة؛ قال: (ولا يَطْهُرُ جِلْدُ غَيرِ المَأْكُولِ بالذَّكاةِ)

وهذا123

جارٍ التحميل