الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 369-408

كِتَابُ اللِّعَانِ

صفحات 369-408

كِتَابُ اللِّعَانِ قِيلَ: هو مُشْتَقٌّ مِن اللَّعْنِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِن الزَّوْجَين يَلْعَنُ نفْسَه في الخامِسَةِ إن كان كاذِبًا.
وقال القاضي: سُمِّيَ بذلك لأنَّ الزَّوْجَين لا يَنْفَكَّان مِن أن يكونَ أحَدُهما كاذِبًا، فتَحْصُلُ اللَّعْنَةُ عليه، وهي الطَّرْدُ والإبعادُ.
والأصْلُ فيه قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلا أَنْفُسُهُمْ﴾ الآيات 1. وروَى سَهْلُ بنُ سَعْدٍ السَّاعِديُّ، أنَّ عُوَيمِرًا العَجْلانِي، أتَى رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسولَ اللهِ، أرَأيتَ رجلًا وَجَدَ مع امْرَأتِه رجلًا فيَقْتُلُه فتَقْتُلُونَه، أم كيف يَفْعَلُ؟ فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «قد أنْزَلَ اللهُ 2 فِيكَ وفي صَاحِبَتِكَ، فَاذْهَبْ فَائْتِ بِهَا».
قال سَهْلٌ: فتلاعنا، وأنا مع النَّاسِ عندَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فلمَّا فَرَغا، قال عُوَيمِرٌ: كذَبْتُ عليها يا رسولَ الله إن أمْسَكْتُها.
فَطَلَّقَها

..................................  ثَلاثًا قبلَ أن يأْمُرَه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. مُتَّفَقٌ عليه 1. وروَى أبو داودَ 2، بإسْنادِه عن ابنِ عباسٍ، قال: جاء هِلالُ بنُ أُمَيَّةَ، وهو أحَدُ الثَّلاثَةِ الذين تاب اللهُ عليهم، فجاءَ مِن أرْضِه 3 عِشاءً، فوَجَدَ عند أهْلِه رجلًا، فرأى بعَينَيه، وسَمِعَ بأُذُنَيه، فلم يَهِجْهُ 4 حتى أصْبَحَ، ثم غَدَا 5 على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي جِئْتُ أهْلِي عِشاءً، فوَجَدْتُ عندَهم رَجُلًا، فرَأَيتُ بعَينِي، وسَمِعْتُ بأُذُنُي.
فكَرِه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ما [جاء به] 6، واشْتَدَّ عليه، فنزَلَت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾.
الآيَتَين كِلْتَيهما.
فسُرِّيَ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «أَبشِرْ يا هِلالُ، فقدْ جَعَل اللهُ لك فَرَجًا ومَخْرَجًا».
قال هِلالٌ: قد كنتُ أرْجو ذلك مِن رَبِّي تبارَك وتعالى.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أرْسِلُوا إلَيها».
فأرْسَلُوا إليها، فتَلَاها عليهما رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وذَكَّرَهُما، وأخْبَرَهُما أنَّ عذابَ الآخِرَةِ أشَدُّ مِن عذابِ الدُّنْيا.
فقال هِلالٌ: والله لِقد صَدَقْتُ عليها.
فقالت: كَذَبَ.

..................................  فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لاعِنُوا بينَهُما».
فقِيلَ 1 لهِلَالٍ: اشْهَدْ 2. فشَهِدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بالله إنَّه لمِن الصَّادِقين، فلَمّا كانتِ الخامِسَةُ، قيل: يا هلالُ، اتَّقِ الله، فإنَّ عَذَابَ الدُّنْيا أهْوَنُ مِن عذابِ الآخِرَةِ، وإنَّ هذه المُوجِبَةُ التي تُوجِبُ عليك العَذابَ.
فقال: واللهِ لا يُعَذِّبُنِي اللهُ عليها، [كما لم يَجْلِدْني عليها] 3، فشَهِدَ الخامِسَةَ أنّ لَعْنَةَ اللهِ عليه إن كان مِن الكاذِبِين.
ثم قِيلَ لها: اشْهَدِي.
فشَهِدَتْ أرْبَعَ شَهاداتٍ باللهِ إَّنه لِمن الكَاذِبِينَ، فلمَّا كانتِ الخامِسَةُ، قِيلَ لها: اتَّقِي اللهَ، فإنَّ عذابَ الدُّنْيَا أهْوَنُ مِن عَذاب الآخِرَةِ، وإنَّ هذه المُوجِبَةُ التي تُوجِبُ عليكِ العَذابَ.
فتَلَكَّأَتْ ساعَةً، ثم قالتْ: واللهِ لا أفْضَحُ قَوْمي.
فشَهِدَتِ الخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللهِ عليها إن كان مِن الصَّادِقِينَ.
ففرَّقَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بينَهما، وقَضَى أن لا بَيتَ لها عليه، ولا قُوتَ، مِن [أجْلِ أنَّهُما] 4 يَتَفَرَّقان مِن غيرِ طَلاقٍ، ولا مُتَوَفَّى عنها، وقال: «إن جاءَتْ به أُصَيهِبَ 5 أُرَيصِحَ 6 أُثيبِجَ 7 حَمْشَ السَّاقَين 8، فَهُوَ لِهِلَالٍ، وإنْ

وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ امْرأتَهُ بِالزِّنَى، فَلَهُ إسْقَاطُ الْحَدِّ بِاللِّعَانِ،  جَاءَت به جَعْدًا (1) جُمَالِيًّا (2) خَدَلَّجَ السَّاقَينِ (3) سَابغَ الألْيَتَينِ (4)، فَهُوَ للَّذي رُمِيَتْ بِه».
فجاءَتْ به جَعْدًا، أوْرَقَ (5)، جُمالِيًّا، خَدَلَّجَ السَّاقَين، سَابغَ الأَلْيَتَين، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْلَا الأيمَانُ، لكَانَ لِي وَلَها شَأْنٌ».
قال عِكْرِمَةُ: فكان بعدَ ذلك أمِيرًا على مِصْرٍ (6)، وما يُدْعَم لأبٍ.
ولأنَّ الزَّوْجَ يُبْتَلَى بقَذْفِ امرأتِه لنَفْي العارِ والنَّسَب الفاسِدِ، وتَتَعَذَّرُ عليه البَيِّنَةُ، فجُعِلَ اللِّعانُ بَيِّنَةً له، ولهذا لمَّا نَزَلَتْ آيَةُ اللِّعانِ، قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أبْشِرْ يا هِلَالُ، فقد جَعَلَ اللهُ لَكَ فَرَجًا ومَخْرَجًا».
واللهُ أعلمُ.

3788 -

مسألة: (إذا قَذَفَ الرجُلُ زَوْجَتَه بِالزِّنى، فله إسْقاطُ الحَدِّ)

عنه (باللِّعانِ) وجملَةُ ذلك، أنَّ الرجلَ إذا قَذَفَ زَوْجَتَه المُحْصَنَةَ بالزِّنَى، وجَبَ عليه الحَدُّ، وحُكِمَ بفِسْقِه، ورَدِّ شَهادَتِه، إلَّا أن يأْتِيَ بِبَيِّنةٍ أو يُلاعِنَ 7، فإن لم يأْتِ بأرْبَعةِ شُهداءَ، وامْتَنَعَ مِن اللِّعانِ، لَزِمَه ذلك123456

..................................  كلُّه.
وبهذا قال مالِكٌ، والشافِعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يجبُ اللِّعانُ دونَ الحَدِّ، فإن أبَى حُبِسَ حتى يُلاعِنَ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ الآيات.
فلم يُوجِبْ بقَذْفِ الأزْواجِ إلَّا اللِّعانَ.
ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ 1. وهذا عامٌّ في الزَّوْجِ وغيرِه، وإنَّما خَصَّ الزَّوْجَ بأن أقامَ لِعانَه مُقامَ الشَّهادَةِ، في نَفْي الحَدِّ والفِسْقِ ورَدِّ الشَّهادَةِ عنه، ويَدُلُّ عليه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِهِلالِ بن أُمَيَّةَ: «البَيِّنةُ وإلَّا حَدٌّ في ظَهْرِكَ».
وقولُه له لمَّا لَاعَنَ: «عَذَابُ الدُّنْيَا أهْوَنُ مِن عَذَابِ الآخِرَةِ».
ولأنَّه قاذِفٌ فَلَزِمَه الحَدُّ، كما لو أكْذَبَ نَفْسَه، فلَزِمَه إذ 2 لم يأْتِ بالبَيِّنةِ المَشْرُوعَةِ، كالأجْنَبِيِّ.

وَصِفَتُهُ أنَّ يَبْدَأ الزَّوْجُ، فَيَقُولَ: أشْهَدُ بِالله إنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيتُ بِهِ امْرَأتِي هَذِهِ مِنَ الزِّنَى.
وَيُشِيرُ إِلَيهَا، وَإنْ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً، سَمَّاهَا وَنَسَبَهَا حَتَّى يُكْمِلَ ذَلِكَ أرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَقُولَ في الْخَامِسَةِ: وَأنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيتُهَا بِهِ

3789 - مسألة: (وصِفَةُ اللِّعانِ أن يَبْدأ الزَّوجُ فيَقُولَ: أشْهَدُ باللهِ إنِّي لمن الصَّادقِين فيما رَمَيتُ به امْرَأتِي هَذِهِ مِنَ الزِّنى. ويُشِيرُ إليها)

ولا يحْتاجُ مع الحُضُورِ والإشارَةِ إلى تَسْمِيَةٍ ونَسَب، كما لا 1 يَحْتاجُ إلى ذلك في سائرِ العُقُودِ (وإن لم تكنْ حاضِرَةً، سمَّاها ونَسَبَها) حتى تنْتَفِيَ المُشارَكَةُ بينها وبينَ غيرِها (حتى يُكْمِلَ ذلك أرْبَعَ مَرَاتٍ، ثم يقولَ في الخامِسَةِ: وأن لَعْنَةَ اللهِ عليه إن كان مِن الكاذبين فيما رَمَيتُها به

مِنَ الزِّنَى.
ثُمَّ تَقُولَ هِيَ: أشْهَدُ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَى.
أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ تَقُولَ في الْخَامِسَةِ: وَأَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَى.
مِن الزِّنى.
ثم تقولَ هي: أشْهَدُ بالله إنَّ زَوْجِي هذا مِن الكَاذِبِينَ فيما رَمانِي به مِن الزِّنَى) وتُشِيرُ إليه إن كان حاضِرًا، وإن كان غائبًا، اسْمَتْه ونَسَبَتْه، فإذا كَمَّلَتْ (أرْبَعَ مَرّاتٍ، تقولُ في الخامِسَةِ: وأنَّ غَضَبَ اللهِ عليها إن كان مِن الصَّادِقِين فيما رَمَانِي به مِن الزِّنَى) لقولِه سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآيات.
ولِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ عُوَيمِرٍ العَجْلانِيِّ، وحَدِيثِ هِلَالِ بنِ أُمَيَّةَ في أوَّلِ البابِ.

فَإنْ نَقَصَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الْخَمْسَةِ شَيئًا، أوْ بَدَأَتْ بِاللِّعَانِ قَبْلَهُ، أَوْ تَلَاعَنَا بِغَيرِ حَضْرَةِ الْحَاكِمِ أَوْ نَائِبِهِ، لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ.

3790 - مسألة: (فإن نَقَصَ أحَدُهما مِن الألْفَاظِ الخَمْسَةِ شَيئًا، أو بَدَأت بِاللِّعانِ قَبْلَه، أو تَلاعَنا بغَيرِ حَضْرَةِ الحاكَمِ أو نائِبِه، لم يُعْتَدَّ به)

وجمْلَةُ ذلك، أنَّه يُشتَرَطُ في صِحَّةِ اللِّعانِ شُروطٌ سِتَّةٌ؛ أحدُها، اسْتِكْمالُ اللَّفَظاتِ الخَمْسَةِ، فإن نَقَصَ منها لَفْظَة، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ اللهَ سبحانه عَلّقَ الحُكْمَ عليها، فلا يَثْبُتُ بدُونِها، ولأنَّها بَيِّنَةٌ، فلم يَجُزِ النَّقْصُ مِن عَدَدِها، كالشَّهادَةِ.
الثَّاني، أن يَأْتِيَ كُلُّ واحِدٍ منهما باللِّعانِ بعدَ إلْقائِه عليه، فإن بادَرَ به 1 قبلَ أن يُلْقِيَه الإمامُ عليه أو نائِبُه، لم يَصِحَّ، كما لو حَلَفَ قبلَ أن يُحَلِّفَه الحاكِمُ.
الثالثُ، أن يَبْدَأَ الزَّوْجُ باللِّعانِ، فإن بَدَأتِ المرْأةُ باللِّعانِ 2 قبلَه، لم يُعْتَدَّ به؛ لأنَّه خِلافُ ما وَرَدَ به الشَّرْعُ، وكذلك إن قَدَّمَ الرجلُ اللَّعْنَةَ على شيءٍ مِن الألْفاظِ الأرْبَعَةِ، أو قدَّمتِ المرأةُ الغَضَبَ، ولأنَّ لِعانَ الرجلِ بَيِّنَةُ الإثْباتِ، ولِعانَ المرْأةِ بَيِّنَةُ الإنْكارِ، فلم يَجُزْ تَقْدِيمُ الإنْكارِ على الإثْباتِ.
الرابعُ، أن يكونَ بحَضْرَةِ الحاكِمِ أو نائِبِه؛ لأنَّه يَمِينٌ في دَعْوَى، فاعْتُبِرَ فيه أمْرُ الحاكِمِ كسائِرِ الدَّعاوَى.

وَإِنْ أُبْدَلَ لَفْظَةَ: أَشْهَدُ، بـ: أُقْسِمُ، أَوْ أَحْلِفُ، أَوْ لَفْظَةَ اللَّعْنَةِ بِالْإبعَادِ، أو الْغضَبِ بِالسَّخَطِ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
الخامسُ، أن يُشِيرَ كلُّ واحِدٍ منهما إلى صاحِبِه إن كان حاضِرًا، أو يُسَمِّيَه ويَنْسبَه إن كان غائِبًا، ولا يُشْترَطُ حُضُورُهما معًا، بل لو كان أحَدُهما غائِبًا عن صاحِبِه، مثلَ (1) أن لَاعَنَ الرجلُ في المَسْجِدِ، والمرْأةُ على بابِه لعُذْرٍ، جاز.

3791 -

مسألة: (وإن أبْدَلَ لَفْظَةَ: أشْهَدُ، بـ: أُقْسِمُ، أو أحْلِفُ، أو لَفْظَةَ اللَّعْنَةِ بالإبعَادِ، أو الغَضَبَ بِالسَّخَطِ. فعلى وَجْهَين)

هذا الشَّرْطُ السَّادِسُ، وهو أن يأْتِيَ بالألْفاظِ على صُورَةِ ما وَرَدَ في الشَّرْعِ، فإن أبْدَلَ لَفْظًا منها، فظاهِرُ كلام الخِرَقِيِّ أنَّه يجوزُ أن يُبْدِلَ قولَه: مِنَ الصَّادِقِين.
بقَوْلِه: لقد زَنَتْ.
لأن معْناهُما واحِدٌ، ويجوزُ 2 لها إبْدالُ إنَّه لمن الكاذِبين.
بقولِها: لقد كَذَبَ.
لأنَّه ذكَر صِفةَ اللِّعانِ كذلك: واتِّباعُ لَفْظِ النَّصِّ أوْلَى وأحْسَنُ.
وإن أبْدَلَ لَفْظَ: أشْهَدُ.
بلَفْظٍ مِن ألْفاظِ اليَمِينِ، فقال: أُقْسِمُ أو أحْلِفُ.
لم يُعْتَدَّ به.
[وفيه وجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُعْتَدُّ بِه] 3. ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه أتَى بالمَعْنَى، فأشْبَهَ ما1

..................................  لو أبْدَلَ: إنِّي لمن الصادقينَ.
بقولِه: لقد زَنَتْ.
وللشافعيِّ وَجْهان في هذا.
قال شيخُنا 1: والصَّحِيحُ أنَّ ما اعْتُبِرَ فيه لفظُ الشَّهادَةِ، لم يَقُمْ غيرُه مَقامَه، كالشَّهاداتِ في الحُقُوقِ، ولأنَّ اللِّعانَ يُقْصَدُ فيه التَّغْلِيظُ، واعْتِبارُ لَفْظِ الشَّهاداتِ أبْلَغُ في التَّغْلِيظِ، فلم يَجُزْ تَرْكُهُ 2، ولهذا لم يَجُزْ أن يُقْسِمَ بالله مِن غيرِ كلمةٍ تقومُ مَقامَ: أشْهَدُ.
وفيه وجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُعْتَدُّ به؛ لأنَّه أتَى بالمَعْنى، أشْبَهَ ما قبلَه.
فإن أبْدَلَ لَفْظَةَ اللَّعْنَةِ بالإبْعادِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ لَفْظَةَ اللَّعْنَةِ أبْلَغُ في الزَّجْرِ وأشَدُّ في أنْفُسِ النَّاسِ، ولأنَّه عَدَلَ عن المَنْصُوصِ.
وفيه وجْهٌ آخَرُ، أنَّه يجوزُ 3؛ لأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ.
وإن أبْدَلَتِ المرأةُ لفظةَ الغَضَبِ باللَّعْنَةِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الغَضَبَ أغلظُ، ولهذا اخْتُصَّتِ المرأةُ به؛ لأنَّ إثْمها أعْظَمُ [مِن إثْمِه بالقَذْفِ] 4 والمعَيَّرَةُ 5 بزِناها أقْبَحُ.
وإن أبْدَلَتْها بالسَّخَطِ،

وَمَنْ قَدَرَ عَلَى اللِّعَانِ بِالْعَرَبِيَّةِ، لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ إلَّا بِهَا، وَإِنْ عَجَزَ  خُرِّجَ على الوجْهَينِ فيما إذا أبْدَلَ الرجلُ لَفْظَ اللَّعْنَةِ بالإبعادِ.
وإن أبْدَلَ الرجلُ لَفْظَ اللعنةِ بالغَضَبِ، احْتَمَلَ أن يجوزَ؛ لأنَّه أبْلَغُ، واحْتَمَلَ أن لا يجوزَ؛ لمُخالفَةِ المَنْصُوصِ.
قال الوزيرُ يَحيى بنُ محمدِ بنِ هُبَيرَةَ: مِن الفُقَهاءِ مَنِ اشْتَرَطَ أن [يُزادَ -بعدَ قَوْلِه] (1): مِن الصَّادِقِين- فيها رَمَيتُها به مِن الزِّنى.
واشترطَ في نَفْيِها عن نَفْسِها: فيما رَمَانِي به مِن الزِّنَى.
ولا أراه يُحْتاجُ إليه؛ لأنَّ اللهَ سُبْحَانه أنْزَلَ ذلك وبَيَّنَه، ولم يَذْكُرْ هذا الاشْتِراطَ.

3792 -

مسألة: (وَمَن قَدَرَ عَلَى اللِّعانِ بِالعَرَبِيّةِ، لم يَصِحَّ منه

1

عَنْهَا، لَزِمَهُ تَعَلُّمُهَا، في أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
وَفِي الْآخَرِ، يَصِحُّ بلِسَانِهِ.
إلَّا بها، فإن عَجَزَ عنها، لَزِمَه تَعَلُّمُها، في أحَدِ الوَجْهَينِ، وَفِي الآخَرِ، يَصِحُّ بِلِسانِه) إذا كان الزَّوْجان يَعْرِفانِ العربيةَ، لم يَجُزْ أن يَلْتَعِنا بغيرِها؛ لأنَّ اللِّعانَ وَرَدَ في القُرآنِ بلَفْظِ العربيةِ، فلم يَصِحَّ بغيرِها، كأذْكارِ الصَّلاةِ.
وإن لم يُحْسِنْها بالعربيةِ، لَزِمَه تَعَلُّمُها في أحَدِ الوَجْهَين؛ لذلك 1، وفي الآخَرِ، يَصِحُّ بلسانِه، ولا يَلْزَمُه التَّعَلُّمُ؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ، كما قُلْنا في النِّكاحِ، وهو أصَحُّ إن شاء اللهُ تعالى.
فإن كان الحاكِمُ يُحْسِن لِسانَهُما، أجْزَأ ذلك، ويُسْتَحَبُّ أن يَحْضُرَ معه أربعةٌ يُحْسِنون لِسانَهُما، وإن كان الحاكِمُ لا يُحْسِن، فلا بُدَّ من تَرْجُمان.
قال القاضي: ولا يُجْزِئُ في التَّرْجَمَةِ أقَلُّ مِن عَدْلَين.
وهو قوْلُ الشافعيِّ، وظاهِر قولِ الخِرَقِيِّ.
وفيه [رِوايَةٌ أُخْرَى] 2، أنَّه يُجْزِئُ قَوْلُ عَدْلٍ واحدٍ.
ذَكَرَها أبو الخَطّابِ.
وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ، وسنَذْكُرُ ذلك في كِتابِ القَضاءِ،

وإِذَا فُهِمَتْ إشَارَةُ الْأخْرَسِ أوْ كِتَابَتُهُ، صَحَّ لِعَانُهُ بِهَا، وَإِلَّا فَلَا.
إن شاءَ اللهُ تَعالى.

3793 -

مسألة: (وإذا فُهِمَتْ إشارَةُ الأخْرَسِ أو كِتابَتُه، صَحَّ لِعانُه بها، وإِلَّا فلا)

وجمْلَةُ ذلك، أنَّ الأخْرَسَ الخَرْساءَ إذا كانا غيرَ مَعْلُومَيِ الإشارَةِ والكِتابَةِ، لم يَصِحَّ لِعانُهُما؛ لأنه لا يُتَصَوَّرُ منهما لِعانٌ، ولا يُعْلَمُ مِن الزَّوْجِ قَذْفٌ، ولا مِن المَرْأةِ مُطالبَةٌ.
وإن كانا مَعْلُومَي الإشارَةِ والكِتابَةِ، فقد قال أحمدُ: إذا كانتِ المرْأةُ خَرْساءَ لم تُلاعنْ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ مُطالبَتُها.
وحكاهُ ابنُ المُنْذِرِ عنه، وعن أبي عُبَيدٍ 1، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْي.
فكذلك يَنْبَغِي أن يكونَ في الأخْرَسِ؛ وذلك لأنَّ اللِّعانَ لَفْظٌ يَفْتَقِرُ إلى الشَّهادَةِ، فلم يَصِحَّ مِن الأخْرَسِ، كالشَّهادةِ الحقيقِيَّةِ، ولأنَّ الحَدِّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، والإشَارَةُ ليست صَرِيحَةً كالنُّطْقِ، ولا تَخْلُو مِن احْتِمالٍ وتَرَدُّدٍ، فلا يَجِبُ الحَدُّ بها، كما لا يَجِبُ على أجْنَبِيٍّ بشَهادَتِه.
وقال القاضي، وأبو الخَطَّابِ: هو كالنَّاطِقِ في قَذْفِه ولِعانِه.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه يَصِحُّ طلاقُه،

وَهَلْ يَصِحُّ لِعَانُ مَنِ اعْتُقِلَ لِسَانُهُ، وَأُيِسَ مِنْ نُطْقِهِ بِالْإِشَارَةِ؟  فصَحَّ قَذْفُه ولِعانُه، كالنَّاطِقِ، ويُفارِقُ الشَّهادَةَ؛ فإنَّه يُمْكِنُ حُصُولُها مِن غيرِه، فلم تَدْعُ الحاجَةُ إليه فيها، وفي اللِّعانِ لا يَحْصُلُ إلَّا منه، فدَعَتِ الحاجَةُ إلى قَبولِه منه، كالطَّلاقِ.
قال شيخُنا (1): والأوَّلُ أحْسَنُ؛ لأنَّ مُوجبَ القذفِ وجُوبُ الحَدِّ، وهو يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ (2)، ومقصودُ اللِّعانِ الأصْليُّ نَفْيُ النَّسَبِ، وهو يَثْبُتُ بالإمْكانِ، مع ظهورِ انْتِفائِه، فلا يَنْبَغِي أن يُشْرَعَ ما يَنْفِيه، ولا ما يُوجِبُ الحَدَّ مع الشُّبْهةِ العظيمةِ، ولذلك لم تُقْبَلْ شهادتُه.
قوْلُهم: إنَّ الشَّهادَةَ تَحْصُلُ مِن غيرِه.
قُلْنا: قد لا تَحْصُلُ إلَّا منه؛ لاخْتِصَاصِه برؤيةِ المَشْهُودِ عليه، أو سَماعِه إيَّاه.
فصل: فإن قَذَفَ الأخْرَسُ ولَاعَنَ ثم تَكَلَّمَ، فأنْكَرَ القَذْفَ واللِّعانَ، لم يُقْبَلْ إنْكارُه لِلْقَذْفِ؛ لأنَّه قد تَعَلَّقَ به حَقٌّ لغيرِه بحُكْمِ الظَّاهِرِ، فلا يُقْبَلُ إنْكارُه له، ويُقْبَلُ إنْكارُه للِّعانِ فيما عليه، فيُطالبُ بالحَدِّ، ويَلْحَقُه النَّسَبُ، ولا تَعُودُ الزَّوْجيَّةُ.
فإن قال: أنا أُلاعِنُ لسُقُوطِ الحَدِّ ونَفْي النَّسَبِ.
كان له ذلك؛ لأنَّة إنَّما لَزِمَه بإقْرارِه أنَّه لم يُلَاعِنْ، فإذا أرادَ أنْ يُلاعِنَ كان له ذلك.

3794 -

مسألة: (وهل يَصِحُّ لِعانُ مَن اعْتُقِلَ لِسانُهُ وأُيِسَ مِنْ نُطْقِه

12

عَلَى وَجْهَينِ.
وَهَلْ هُوَ شَهَادَةٌ أوْ يَمِينٌ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
بالإشارَةِ؟ على وَجْهَين) أحَدُهما، يَصِحُّ؛ لأنَّه مَأْيُوسٌ مِن نُطْقِه، أشْبَهَ الأخْرَسَ.
والثَّاني، لا يَصِحُّ؛ لأنّه ليس بأخْرَسَ، فلم يُكْتَفَ بإشارَته، كغيرِ المأْيُوسِ.
ذكَرَ هذين الوجْهَين أبو الخَطَّابِ.
وذَكَرَ شيخُنا 1 فيما إذا قَذَفَ وهو ناطِقٌ، ثم خَرِسَ وأُيِسَ مِن نُطْقِه، أنَّ حُكْمَه حُكْمُ الأخْرَسِ الأصْلِيِّ، فإن رُجِيَ عَوْدُ نُطْقِه، انْتُظِرَ به ذلك، ويُرْجَعُ فيه إلى قَوْل عَدْلَينِ مِن أطِبَّاءِ المُسْلِمِينَ.
وهذا قوْلُ بعضِ أصْحابِ الشَّافِعِيِّ.
وذُكِرَ أَنَّه يُلاعِنُ في الحالين بالإشارَةِ؛ لأنَّ أُمامَةَ بنتَ أبي العاصِ أصْمَتَتْ، فقيل لها: لِفُلانٍ كذا، ولفلانٍ كذا؟ فأشارَتْ برأْسِها 2 أن نَعَمْ.
فرَأَوْا أنَّها وَصِيَّةٌ.
قال شَيخُنا 3: وهذا لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّه لم يُذْكَرْ مَن الرّائي 4

فَصْلٌ: وَالسُّنَّةُ أنْ يَتَلَاعَنَا قِيَامًا بمَحْضَرِ جَمَاعَةٍ في الْأوْقَاتِ وَالْأمَاكِنَ الْمُعَظَّمَةِ.
لذلك، ولم يُعْلَمْ أنَّه قولُ مَن قَوْلُه حُجَّةٌ، ولا عُلِمَ هل كان ذلك لِخَرَسٍ يُرْجَى زَوالُه أوْ لا؟.
فصل: قال الشيخُ، رحمَه اللهُ: (والسُّنَّةُ أن يتَلَاعَنا قِيامًا بمَحْضَرِ جماعَةٍ في الأوْقاتِ والأماكنِ المُعَظَّمَةِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يُسَنُّ في اللِّعانِ أمورٌ؛ أحَدُها، أن يَتَلاعَنا قِيامًا، فيَبْدَأ الزَّوْجُ فيَلْتَعِنَ وهو قَائِمٌ، فإذا فَرَغَ قامَتِ المرأةُ فالْتَعَنَتْ وهي قائِمَةٌ؛ فإنَّه رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لهِلالِ بن أُمَيَّةَ: «قُمْ فاشْهَدْ أرْبَعَ شَهَادَاتٍ» 1. ولأنَّه إذا قام شاهَدَه الناسُ، فكان أبْلَغ في شُهْرَتِه.
[وفي حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ: فقامَ هِلَالٌ فشَهِدَ، ثم قامَتْ فشَهِدَتْ] 2. الثَّاني، أن يكونَ بمَحْضَرِ جماعَةٍ مِن المُسْلِمينَ؛

..................................  لأنَّ ابنَ عباسٍ، وابنَ عمرَ، وسَهْلَ بنَ سعدٍ، حَضَرُوا مع حَداثَةِ أسْنانِهم، فدَلَّ على أنَّه حَضَرَ جَمْعٌ كثِيرٌ؛ لأنَّ الصِّبْيانَ إنَّما يَحْضُرُون المجالسَ تَبَعًا للرِّجالِ، ولأنَّ اللِّعانَ بُنِيَ على التَّغْلِيظِ، مُبالغَةً في الرَّدْعِ به والزَّجْرِ، وفِعْلُه في الجماعةِ أبْلَغُ في ذلك.
ويُسْتَحَبُّ أن لا يَنْقُصُوا عن أرْبَعَةٍ؛ لأنَّ بَيِّنَةَ الزِّنَى التي شُرِعَ اللِّعانُ مِن أجْلِ الرَّمْي به أرْبَعَةٌ، وليس شيءٌ 1 مِن هذا واجِبًا.
وبهذا كلِّه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا.
الثَّالثُ، أن يكونَ في الأوقاتِ والأماكنِ المعظَّمَةِ.
وهذا قولُ أبي الخطّابِ، وهو مذهب الشافعيِّ، إلَّا أنَّ عندَه في التَّغْلِيظِ بالمَكانِ قَوْلَين؛ أحدُهما، أنَّ 2 التَّغْلِيظَ به مُسْتَحَبٌّ كالزَّمانِ.
والثَّاني، أنَّه واجِبٌ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لاعَنَ بينَهما عندَ المِنْبَرِ، فكان فِعْلُه [بَيانًا لِلِّعانِ] 3. ومَعْنَى التَّغْلِيظِ بالمَكانِ بمَكَّةَ، بينَ الرُّكْنِ والمَقامِ،

..................................  وبالمَدِينَةِ عندَ مِنْبَرِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وفي بَيتِ المَقْدِسِ عندَ الصَّخْرَةِ، وفي سائِرِ البُلْدانِ في جَوامِعِها.
وأمَّا الزَّمانُ فبَعْدَ 1 العَصْرِ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ 2. أجْمَعَ المُفَسِّرُون على أن المُرادَ بالصَّلاةِ صلاةُ العَصْرِ.
وقال أبو الخطَّابِ في مَوْضِعٍ آخَرَ: بينَ الأذانَين؛ لأنَّ الدُّعاءَ بينَهما لا يُرَدُّ.
وقال القاضي: لا يُسْتَحَبُّ التَّغْلِيظُ في اللِّعانِ بمَكانٍ ولا زَمانٍ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أطْلَقَ الأمْرَ بذلك، ولم يُقَيِّدْه بزَمانٍ ولا مَكانٍ، ولا يجوزُ تَقْيِيدُه إلَّا بدَلِيلٍ، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ الرجلَ بإحْضارِ امْرأَتِه، ولم يَخُصَّه بزمنٍ، ولو خَصَّه بذلك لَنُقِلَ ولم يُهْمَلْ، ولو اسْتُحِبَّ ما دْكَرُوه لَفَعَلَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ولو فَعَلَه لَنُقِلَ، ولم يَسُغْ تَرْكُه وإهْمالُه، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما دَلَّ حدِيثُه في لِعانِ أوسٍ 3 أنَّه إنَّما كان في صَدْرِ النَّهارِ؛ لِقَوْلِه في الحديثِ: فلم يَهِجْه 4 حتى أصْبَحَ، ثم غَدَا على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. والغُدُوُّ

وَإِذَا بَلَغ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخَامِسَةَ، أَمَرَ الْحَاكِمُ رَجُلًا فَأَمْسَكَ يَدَهُ عَلَى فِي الرَّجُلِ، وَامْرَاةً تَضعُ يَدَهَا عَلَى في الْمَرْأَةِ،  في أَوَّلِ النَّهارِ.
وهذا اخْتِيارُ شيخِنا (1). وأمَّا قَوْلُهم: إنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَاعَنَ بينَهما عندَ المِنْبَرِ.
فليس هذا في شيءٍ مِن الأحادِيثِ المَشْهُورةِ.
وإن ثَبَت هذا، فلَعَلَّه كان بحُكْمِ الاتِّفاقِ؛ لأنَّ مجْلِسَه كان عندَه، فلاعَنَ بينَهما في مجْلِسِه.
فإن كان اللِّعانُ بينَ كافِرَين، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ في اللِّعانِ بينَ المُسْلِمَين.
ويَحْتَمِلُ أن يُغلَّظَ بالمَكانِ؛ لقَوْلِه في الأيمانِ: وإن كان لهم مَواضِعُ يُعَظِّمُونَها، ويَتَّقُونَ أن يحْلِفُوا فيها كاذِبين، حُلِّفُوا فيها.
فعلى هذا، يُلاعَنُ بَينَهم في مواضعِهم التي يُعَظِّمُونَها؛ اليَهُودِيُّ في البِيعةِ، والنَّصْرانِيُّ في الكَنِيسَةِ، والمَجُوسِيُّ في بيتِ النَّارِ.
وإن لم يَكُنْ لهم مَواضِعُ يُعَظِّمُونَها، حَلَّفَهُم الحاكِمُ في مَجْلِسِه؛ لتَعَذُّر التَّغْلِيظِ بالمكانِ.
وإن كانتِ المرأةُ المُسْلِمَةُ حائِضًا، وقُلْنا: إن اللِّعانَ بَينَهما يكونُ في المَسْجِدِ.
وقَفَتْ على بَابِه، ولم تَدْخُلْه؛ لأنَّ ذلك أقْرَبُ المواضِعِ إليه.

3795 -

مسألة: (وَإِذَا بَلَغ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخَامِسَةَ، أَمَرَ الْحَاكِمُ

1

ثُمَّ يَعِظُهُ، فَيَقُولُ: اتَّقِ اللهَ، فَإنَّهَا الْمُوجِبَةُ، وَعَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ.
وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْحَاكِمِ.
رجلًا فأمْسَكَ يَدَه على فِي الرجلِ، وامْرَأةً تَضَعُ يَدَها على فِي المَرْأةِ، ثم يَعِظُه، فيَقُولُ: اتَّقِ اللهَ، فإنَّها المُوجِبَةُ، وعَذابُ الدُّنْيَا أهْوَنُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ) لِما رَوَى ابنُ عباسٍ، في حَدِيثِ المُتَلاعِنَين، قال: فشَهِدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بالله إنَّه لمن الصَّادِقين، ثم أُمرَ به فأُمْسِكَ على فِيهِ فَوَعَظَه، وقال: «وَيحَكَ كُلُّ شَيْءٍ أهْوَنُ عليكَ مِن لَعْنَةِ اللهِ».
ثم أُرْسِلَ، فقال: لَعْنَةُ اللهِ عليه إن كان مِنَ الكَاذِبين.
ثم دعا بها، فشَهِدَت (1) أرْبَعَ شَهاداتٍ باللهِ إنَّه لمن الكَاذِبِين، ثم أُمِرَ بها فأُمْسِكَ على فِيها فوَعَظَها، وقال: «ويلَكِ كُلُّ شَيْءٍ أهْوَنُ عليكِ مِن غَضَبِ اللهِ».
أخْرَجَه الجُوزْجَانِيُّ (2).

3796 -

مسألة: (وأن يَكُونَ ذلك بحَضْرَةِ الحاكِمِ)

أوْ نائِبِه.
قد ذَكَرْنا [أن مِن شَرْوطِ] 3 صِحَّةِ اللِّعانِ أن يكونَ بحَضْرَةِ الحاكِمِ أو نائِبِه.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ هِلال بنَ أُمَيَّةَ أن يَسْتَدْعِيَ زَوْجَتَه إليه، ولاعَنَ بَينَهما، ولأنَّه إمَّا يَمِينٌ وإمَّا شَهادَةٌ، وأيُّهما كان فمِن12

..................................  شَرْطِه الحاكِمُ، فإن تَراضَى الزَّوْجان 1 بغيرِ الحاكِمِ، فلَاعَنَ بَينَهما، لم يَصِحَّ ذلك؛ لأنَّ اللِّعانَ مَبْنِيٌّ على التَّغْلِيظِ والتَّأْكيدِ، فلم يَجُزْ لغيرِ الحاكِمِ، كالحَدِّ.
وقد حَكَى شَيخنا في آخِرِ كتاب القَضاءِ، في كِتابه المَشْرُوحِ، أنَّه 2 إذا تحاكَمَ رَجُلان إلى رجلٍ يَصْلُحُ للقضاءِ، فحَكَّماه بَينهما، أنَّه يَنْفذ حكْمُه في اللِّعانِ، في ظاهرِ كلامِ أحمدَ، وكذلك حَكاه أبو الخَطَّابِ.
وقِيلَ: لا يَنْفُذُ إلا في المالِ.
فيكونُ فيه روايتان؛ إحْداهما، لا يَنْفُذُ؛ لِما ذَكَرْنا.
والثانية، يَنْفذُ، قِياسًا على حاكِمِ الإِمامِ.
وسَواءٌ كان الزَّوْجان حُرِّين أو مَمْلُوكَين، في ظاهِرِ كلام الخِرَقِيِّ.
وقال أصْحابُ الشافعيِّ: للسيدِ أن يُلَاعِنَ بينَ عبْدِه وأمَتِه؛ لأَنَّ له إقامَةَ الحَدِّ عليهما.

فَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ خَفِرَةً، بَعَثَ مَنْ يُلَاعِنُ بَينَهُمَا.
وَإِذَا قَذَفَ رَجُلٌ نِسَاءَهُ، فَعَلَيهِ أَنْ يُفْرِدَ كُلَّ وَاحِدَةٍ بِلِعَانٍ.
وَعَنْهُ، يُجْزِئُهُ لِعَانٌ  ولَنا، أنَّه لِعانٌ بينَ زَوْجَين، فلم يَجُزْ لغيرِ الحاكِمِ أو نائِبه، كاللِّعانِ بينَ الحُرَّينِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ السَّيِّدَ يمْلِكُ إقامَةَ الحَدِّ على أَمَتِه المُزَوَّجَةِ، ثم لا يُشْبِة اللِّعانُ الحَذ؛ لأنَّ الحَدَّ زَجْرٌ وتأْدِيبٌ، واللِّعانَ إمَّا شَهادةٌ وإمَّا يَمِين، فافْتَرَقا، ولأنَّ اللِّعانَ دارئٌ للحَدِّ، ومُوجبٌ له، فجرَى مَجْرَى إقامَةِ البَيِّنَةِ على الزِّنى، والحُكْمِ به أو بنَفْيِه.

3797 -

مسألة: (وإن كانتِ المَرْأةُ خَفِرَةً (1)، بَعَثَ مَن يُلاعِنُ بَينَهما) فيَبْعَثُ نائِبَه، ويَبْعَثُ معه عُدُولًا ليُلاعِنُوا بينَهما، وإن بَعَث نائِبَه وحْدَه جاز؛ لأنَّ الجَمْعَ غيرُ واجِبٍ، كما يَبْعَثُ مَن يَسْتَحْلِفها في الحُقوقِ.

3798 -

مسألة: (وإذا قَذَفَ رجلٌ نِساءَه، فعليه أن يُفْرِدَ كلَّ واحِدَةٍ بلِعانٍ. وعنه؛ يُجْزِئه لِعانٌ واحِدٌ)

إنَّما لَزِمَه لكلِّ واحدَةٍ لِعانٌ؛1

وَاحِدٌ.
فَيَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللهِ إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيتُكُنَّ بِهِ مِنَ الزِّنَى.
وَتَقُولُ كُلُّ وَاحِدَةٍ: أَشْهَدُ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِن الزِّنَى.
وَعَنْهُ، إِنْ كَانَ الْقَذْفُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، أَجْزَأَهُ لِعَانٌ وَاحِدٌ، وَإنْ قَذَفَهُنّ بِكَلِمَاتٍ، أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدَةٍ بِلِعَانٍ.
لأنَّه قَذَفَها، فلَزِمَه لها لِعانٌ مُفْرَدٌ، كما لو لم يَقْذِفْ غيرَها.
ويَبدأُ لعانِ التي تَبْدأُ بالمُطالبَةِ، فإن طالبْنَ جميعًا أو تَشاحَحْنَ، بَدَأ بإحْداهُنُّ بالقُرعَةِ، وإن لم يَتَشاحَحْنَ بَدَأ بلِعانِ مَن شاء مِنْهُنَّ، ولو بَدَأ بواحِدَةٍ مِنْهُنَّ مِن غيرِ قُرْعَةٍ مع المُشاحَّةِ 1، صَحَّ.
وعنه، يُجْزِئُهُ لِعانٌ واحِدٌ؛ لأنَّ القَذْفَ واحِدٌ (فيقولُ: أشْهَدُ باللهِ إِنِّي لِمن الصَّادِقين فيما) رَمَيتُ به كلَّ واحِدَةٍ مِن زَوْجاتِي هؤلاءِ (مِن الزِّنَى.
وتقولُ كلُّ واحِدَةٍ: أشْهَدُ باللهِ إِنَّه لِمن الكَاذِبينَ فيما رَمانِي به مِن الزِّنى) لأنَّه يحْصُلُ المقْصودُ بذلك.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ اللِّعانَ أَيمانٌ، فلا تتداخَلُ لجماعَةٍ، كالأيمانِ في الدُّيونِ (وعنه، إن كان القَذْفُ بكلمةٍ واحدَةٍ، أجْزَأ لِعانٌ واحدٌ) لأنَّه قذْف واحِدٌ، فخرَجَ عن عُهْدَتِه بلِعانٍ واحدٍ، كما لو قَذَفَ واحِدَةً (وإن قَذَفَهُنَ بكَلِماتٍ، أفْرَدَ كُلَّ واحِدَةٍ بلِعانٍ) لأنَّه أفْرَدَ كل واحِدَةٍ بقَذْفٍ،

فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ إلا بِشُرُوطٍ ثَلَاثةٍ: أَحَدُهَا، أَنْ يَكُونَ بَينَ زَوْجَينِ عَاقِلَينِ بَالِغَينِ؛ سَوَاءٌ كَانَا مُسْلِمَينِ، أَوْ ذِمِّيَّينِ، أَوْ  أشْبَهَ ما لو قَذَفَ كلَّ واحِدَةٍ بعدَ لِعانِ الأُخْرَى.
فصل: قال الشَّيخُ، رَحِمَه اللهُ: (وَلَا يَصِحُّ إلا بِشُرُوطٍ ثَلَاثةٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَكُونَ بَينَ زَوْجَينِ عَاقِلَينِ بَالِغَينِ، سَوَاءٌ كَانَا مُسْلِمَينِ، أَوْ

رَقِيقَينِ، أَوْ فَاسِقَينِ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَذَلِكَ، في إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
وَالأُخْرَى، لَا يَصِحُّ إلا بَينَ زَوْجَينِ مُسْلِمَينِ حُرَّين عَدْلَينِ، فَإنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا في أَحَدِهِمَا، فَلَا لِعَانَ بَينَهُمَا.
كافِرَين، أو رَقِيقَين، أو فاسِقَين، أو كان أحَدُهما كذلك في إحْدَى الرِّوايَتَين) اختلَفتِ الرِّواية عن أحمدَ، رَحِمَه الله، في ذلك، فروىَ أنَّه يَصِحُّ بينَ كلِّ زَوْجَينِ مُكلَّفَيْن، سواءٌ كانا مُسْلِمَين أو كافِرَين، أو عَدْلَين أو فاسِقَين، أو رَقِيقَين، أو مَحْدُودَين في قَذْفٍ، أو كان أحَدُهما كذلك.
وبه قال سعيدٌ بن المُسَيِّبِ، وسُليمانُ بن يَسارٍ، والحسن، ورَبِيعَة، ومَالِكٌ، وإسْحاقُ.
قال أحمدُ في رِوايَةِ إسْحاقَ بنِ مَنصُورٍ: جَميعُ الأزْواجِ يَلْتَعِنون؛ الحُرُّ مِن الحُرَّةِ والأمَةِ إذا كانت زَوْجَةً، وكذلك العَبْدُ مِن الحُرَّةِ والأمَةِ إذا كانت زَوْجَةً، وكذلك المُسْلِمُ مِن اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخرَى (لا يَصِحُّ اللِّعان إلا بينَ زَوْجَين مُسْلِمَين، عَدْلَين حُرِّين) غيرِ 1 مَحْدُودَين في قَذْفٍ (فإنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ منها في أحَدِهما، فلا لِعانَ بَينَهما) لفَواتِ الشَّرْطِ.
ورُوِيَ هذا عن الزُّهْرِيِّ، والثَّوْرِيِّ، والأَوْزاعِيِّ، وحَمَّادٍ، وأصْحابِ الرَّأْي.

..................................  وعن مَكْحُولٍ: ليسَ بينَ المُسْلِمِ والذِّمِّيَّةِ لِعانٌ.
وعن عطاءٍ، والنَّخَعِيِّ، في المَحْدُودِ في القَذْفِ: يُضرَبُ في الحَدِّ، ولا يُلَاعِنُ.
ورُوِيَ فيه حَدِيثٌ ولا يَثْبُتُ.
كذلك قال الشافعيُّ، والسَّاجِيُّ؛ لأنَّ اللِّعانَ شَهادَة، بدَلِيلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاءُ إلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾.
فاسْتَثْنَي أنْفُسَهم مِن الشهداءِ، وقال: ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَاداتٍ بِاللهِ﴾.
ولا تُقْبَلُ ممَّن ليس مِن أهلِ الشهادةِ.
وإن كانتِ المرْأة مِمَّن لا يُحَدُّ 1 بقَذْفِها 2، لم يَجِبِ اللِّعانُ، لأنَّه يُرادُ لإسْقاطِ الحَدِّ، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَدْرَؤا عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَتٍ بِاللهِ﴾.
فلا حَدَّ ههُنا، فيَنْتَفِي اللِّعانُ بانْتِفَائِه.
وذَكَرَ القاضي في «المُجَرَّدِ» أنَّ مَن لا يَجِبُ الحَدُّ بقَذْفِها؛

..................................  وهي الأمَة، والذِّمِّيَّة، والمَحْدُودَة في الزِّنَى، لِزَوْجها لِعانها لنَفْي الوَلَدِ خاصَّةً، وليس له لِعنها لإسْقاطِ حَدِّ القَذْفِ والتَّعْزِيرِ؛ لأنَّ الحَدَّ لا يَجِبُ، واللِّعان إنَّما شرِعَ لإسْقاطِ حَدٍّ أو نَفْي وَلَدٍ، فإذا لم يكنْ واحدٌ منهما لم يُشْرَعِ اللِّعان.
ولَنا، عُمومْ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ الآية.
ولأنَّ اللِّعانَ يَمِينٌ، فلا يَفْتَقِر إلى ما شرَطوه، كسائرِ الأيمانِ، ودليلُ أنَّه يَمِينٌ قول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْلَا الأيمان، لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» 1. وأنَّه يَفْتَقِر إلى اسْمِ اللهِ تعالى، ويَسْتَوِي فيه الذَّكَر والأُنْثى.
وأمَّا تَسْمِيَته شهادةً، فلقَوْلِه [في يَمِينِه] 2: أَشهَدُ باللهِ.
فسَمَّى ذلك شهادَةً وإن كان يَمِينًا، كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ 3. ولأنَّ الزَّوْجَ يَحْتاجُ إلى نَفْي الوَلَدِ، فيُشْرَعُ له طَرِيقًا إلى نَفْيِه، كما لو كانتِ امرأتُه ممَّن يُحَدُّ بقَذْفِها.
وهذه الرِّواية هي المَنْصُوصة عن أحمدَ، في روايةِ الجماعةِ، وما يُخَالِفُها شاذٌّ في النَّقْلِ.

وَإِنْ قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً، أَوْ قَال لِامْرَأَتِهِ: زَنَيتِ قَبْلَ أَنْ أَنْكِحَكِ.
حُدَّ وَلَمْ يُلَاعِنْ.
فصل: ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الزَّوْجَةِ مَدْخُولًا بها أو غيرَ مَدْخُولٍ بها، في أنَّه يُلَاعِنُها.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه (1) مِن عُلماءِ الأمصارِ؛ منهم عطاءٌ، والحسنُ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وعمرُو بنُ دِينارٍ، وقَتَادَةُ، ومَالِكٌ، وأهْلُ المدينةِ، والثَّوْريُّ، وأهلُ العراقِ، والشافعيُّ، وذلك ظاهِرُ (2) قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾.
فإن كانت غيرَ مَدْخُولٍ بها، فلها نصفُ الصَّداقِ.
وعنه، لا شيءَ لها.
وقد ذُكِرَ ذلك في كِتابِ الصداق.
والله أعلمُ.

3799 -

مسألة: (وإِنْ قَذَفَ أجْنَبِيَّةً)

ثُمَّ تَزَوَّجَها، حُدَّ ولمِ يُلاعِنْ؛ لأنَّه وَجَبَ في حالِ كَوْنِها أجْنَبِيَّةً، فلم يَمْلِكِ اللِّعانَ مِن أجْلِه، كما لو لم يَتَزَوَّجْها.
وكذلك إن قال لها وهي زَوْجَتُه: (زَنَيتِ قبلَ أن أنْكِحَكَ.
حُدَّ، ولم يُلاعِنْ) سواءٌ كان ثَمْ وَلَدٌ أو لم يَكُنْ.
وهو قولُ مالِكٍ، وأبي ثَوْر.
ورُوِيَ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِيِّ.12

..................................  وقال الحسنُ، وزُرارَةُ بنُ أوْفَى، وأصحابُ الرَّأْي: له أن يُلاعِنَ؛ لأنَّه قَذَفَ امْرَأتَه، فيدْخُلُ في عُمُوم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾.
ولأنَّه قَذَفَ امْرأتَه، فأَشْبَهَ ما لو قَذَفَها ولم يُضِفْه إلى ما قبلَ النِّكاحِ.
وحَكَى الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ عن أحمدَ رِوايَةً كذلك.
وقال الشافعيُّ: إن لم يَكُنْ ثَم ولَدٌ، لم يلاعِنْ، وإن كان بينَهما ولَدٌ، فَفِيه وجْهانِ.
ولَنا، أنَّه قَذَفَها بِزِنًى مُضافًا إلى حالِ البَينُونةِ، أشْبَهَ ما لو قَذَفَها وهي بائِنٌ، وفارَقَ قَذْفَ الزَّوْجَةِ، لأنَّه مُحْتاجٌ إليه؛ لأنَّها غاظَتْه وخانَتْه، وإن كان بينَهما ولَدٌ، فهو مُحْتاجٌ إلى نَفْيِه، وههُنا إذا تَزَوَّجَها وهو يَعْلَمُ زِنَاها فهو المُفَرِّطُ في نِكاحِ حامِلٍ مِن الزِّنَى، فلا يُضْرَعُ له طرِيقٌ إلى نَفْيِه.
فأمَّا إن قَذَفَها ولم يَتَزَوَّجْها، فعليه لِلْمُحْصَنَةِ 1 الحَدُّ، والتَّعْزِيرُ لغيرِها، ولا لِعانَ، ولا خِلافَ في هذا؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الآية.
ثم 2 خَصَّ الزَّوجاتِ مِن عُمُومِ 3 هذه الآيَةِ بقَوْلِه سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾.
فيَبْقَى فيما عدَاهُ على قَضِيَّةِ العُمُومِ.
وإن مَلَكَ أمَةً وقَذَفَها، فلا لِعان، سواءٌ كانت فِراشًا له، أو لم تَكُنْ، ولا حَدَّ عليه، ويُعَزَّرُ.
فصل: فإن قال لامْرَأتِه: أنْتِ طالِقٌ يا زانِيَةُ ثَلاثًا.
فنَقَلَ مُهَنَّا، قال:

وَإِنْ أَبَانَ زَوْجَتَهُ، ثُمَّ قَذَفَهَا بِزِنًى فِي النِّكَاحِ، أَوْ قَذَفَهَا فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، وَبَينَهُمَا وَلَدٌ، لَاعَنَ لِنَفْيِهِ، وَإِلَّا حُدَّ وَلَمْ يُلَاعِنْ.
سألتُ أحمدَ عن رَجُلٍ قال لِامْرَأتِه: أنْتِ طالِقٌ يا زانِيَةُ ثَلاثًا.
فقال: يُلَاعِنُ.
قلتُ: فإنَّهم يقُولُونَ: يُحَدُّ، ولا يَلْزَمُها إلا واحِدَةٌ.
فقال: بِئْسَ ما يقُولُون.
فهذا يُلَاعِنُ؛ لأنَّه قَذَفَها قبلَ الحُكْمِ ببَينُونَتِها، فأشبَهَ قَذْفَ الرَّجعِيَّةِ.
فأمَّا إن قال: أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا يا زَانِيَةُ.
فإن كان بينَهما ولَدٌ، فإنَّه يُلَاعِنُ لِنَفْيه، وإلَّا حُدَّ ولم يُلَاعِنْ؛ لأنَّه يَتَعيَّنُ إضافَةُ القَذفِ إلى حالِ الزَّوْجِيَّةِ، لاسْتِحالةِ الزِّنَى منها بعدَ طَلاقِه لها، فصارَ كأنَّه قال لها بعدَ إبانَتِها: زَنَيتِ إذْ كنتِ زَوْجَتي.
على ما نَذكُرُه.

3800 -

مسألة: (وَإِنْ أَبان زَوْجَتَه، ثم قَذَفَها بِزِنًى)

أضَافَه إلى حالِ الزَّوْجِيَّةِ، فمتى كان بَينَهُما وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ، فله أن يَنْفِيَه بِاللِّعانِ (وإِلَّا حُدَّ ولم يُلاعِنْ) وبهذا قال مالِكٌ، والشافعي.
وقال أبو حنيفةَ: يُحَدُّ، ويَلْحَقه الوَلَدُ، ولا يُلاعِنُ.
وهو قول عطاءٍ؛ لأنَّها أَجْنَبِيَّة، فأَشبَهَت سائِرَ الأجْنَبِيَّاتِ، أو إذا لم يَكُنْ بَينهما ولَدٌ.
ولَنا، أنَّ هذا وَلَدٌ يلْحَقُه نَسَبُه بحُكْمِ عَقْدِ النِّكاحِ، فكان له نَفيُه، كما لو كان النِّكاحُ باقِيًا،

..................................  ويُفارِقُ إذا لم يكنْ وَلَدٌ، فإنَّه لا حاجَةَ إلى القَذْفِ؛ لكَوْنِها أجْنَبِيَّةً، ويُفَارِقُ سائِرَ الأجْنَبِيَّاتِ، فإنَّه لا يلْحَقُه ولَدُهُن، فلا حاجَةَ به إلى قَذْفِهِنَّ.
وقال عُثمانُ البَتِّيُّ في هذه المسألةِ: له أن يُلَاعِنَ وإن لم يكُنْ بينَهما وَلَدٌ.
ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، والحسنِ؛ لأنَّه قَذْفٌ مُضافٌ إلى حالِ الزَّوْجِيَّةِ، أشْبَهَ ما لو كانتْ زَوْجَتَه.
ولَنا، أنَّه إذا كان بينَهما وَلَدٌ فبه 1 حاجةٌ إلى القَذْفِ، فشُرِعَ، كما لو قَذَفَها وهي زوْجَتُه، وإذا لم يكنْ له وَلَدٌ، فلا حاجَةَ به إليه، وقد قَذَفَها وهي أجْنَبِيَّة، فأشْبَهَ ما لو لم يُضِفْه إلى حال الزَّوْجِيَّةِ.
ومتى لاعَنَها لنَفْي وَلَدِها، انْتَفَى، وسَقَطَ عنه الحَدُّ.
وفي ثُبُوتِ التَّحْريمِ المُؤَبَّدِ وَجْهان.
وهل له أن يُلاعِنَها قبلَ وَضْعِ الوَلَدِ؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، له ذلك؛ لأن مَن كان له لِعانُها بعدَ الوَضْعِ، كان له لِعانُها قبلَه، كالزوْجةِ.
والثاني، ليس له ذلك.
وهو ظاهرُ قولِ الخِرَقِيِّ؛ لأن الوَلَدَ عندَه لا يَنْتَفِي في حالِ الحَمْلِ، ولأنَّ اللِّعانَ إنَّما يَثْبُتُ ها هنا لأجْلِ ابوَلَدِ، فلم يَجُزْ أن يُلَاعِنَ إلا بعدَ تَحَقُّقِه بوَضْعِه، بخلافِ الزَّوْجَةِ، فإنَّه يجوزُ لِعانُها مع عدمِ الولدِ.
وهكذا

..................................  الحُكْمْ في نَفْي الحملِ في النِّكاحِ الفاسدِ.

3801 -

مسألة: (وإن قَذَفَها في نِكاحٍ فاسِدٍ)

فهي كالمَسْأَلَةِ التي قَبْلَها، إن كان بَينَهُما وَلَدٌ، فله لِعانها ونَفْيُه، وإن لم يَكنْ بَينَهُما وَلَدٌ، حُدَّ ولَا لِعَانَ بَينَهما.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَلْحَقه الولدُ، وليس له نَفْيُه، ولا اللِّعان؛ لأنَّها أجْنَبِيَّةً، أشْبَهَتْ سائرَ الأجْنَبِيَّاتِ، أو إذا لم يكنْ بينهما ولدٌ.
ولَنا، أنَّ هذا ولدٌ يَلْحَقه بحُكْمِ عَقْدِ النِّكاحِ، فكان له نَفْيُه، كالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ، ويُفارِقُ إذا لم يكنْ وَلَدٌ، فإنَّه لا حاجَةَ إلى القَذْفِ؛ لكَوْنِها أجْنَبِيَّةً، ويُفارِقُ الزَّوْجةَ، فإنَّه يحْتاجُ إلى قَذْفِها مع عَدَم الوَلَدِ، لكَوْنِها خانَتْه وأفْسَدَت فِراشَه، فإذا كان له وَلَدٌ، فالحاجة موجودَةٌ فيهما.
ومتى لاعَنَ سَقَطَ الحَدُّ؛ لأنَّه لِعان مَشْروعٌ نَفَى 1 الوَلَدَ، فأسْقَطَ الحَدَّ، كاللّعانِ في النِّكاحِ الصَّحيحِ.
وفي ثُبُوتِ التَّحْريمِ المُؤَبَّدِ وجْهان؛ أحذهما، يُثْبِت؛ لأنَّه لِعان صَحِيحٌ، أشْبَهَ لِعانَ الزَّوْجَةِ.
والثاني، لا يُثْبِته؛ لأنَّ الفرقَةَ لم تحْصُلْ به، فإنَّه لا نكاحَ بينَهما يَثْبُتُ قَطْعُه به، بخِلَافِ لِعانِ الزَّوجةِ، فإنَّ الفرْقَةَ حَصَلَتْ به، ولو لَاعَنَها مِن غيرِ وَلَدٍ، لم يَسْقُطِ الحَدُّ، ولم يَثْبُتِ التَّحْرِيمْ المُؤَبَّدُ؛ لأنَّه لِعانٌ فاسدٌ، فلم تَثْبُتْ أحكامُه، وسواءٌ اعْتقدَ أنَّ النِّكَاحَ صحيحٌ أو لم يعْتَقِدْ ذلك؛ لأنَّ النِّكَاحَ في نفسِه ليس بنكاحٍ صحيحٍ، فأشْبَهَ ما لو لاعَنَ أجْنَبِيَّةً يَظُنُّها زَوْجَتَه.

وَإِنْ أَبَانَ امْرأَتهُ بَعْدَ قَذْفِهَا، فَلَهُ أَنْ يُلَاعِنَ، سَوَاءٌ كَانَ بَينَهُمَا وَلَدٌ، أوْ لَمْ يَكُنْ.

3802 - مسألة: (وَإِنْ أَبَانَ امْرأَتهُ بَعْدَ قَذْفِهَا، فَلَهُ أَنْ يُلَاعِنَ، سَوَاءٌ كَانَ بَينَهُمَا وَلَدٌ أوْ لَمْ يَكُنْ)

نَصَّ عليه.
وبه قال الحسنُ، والقاسمُ بن محمدٍ، ومكْحُولٌ، ومَالِكٌ، والشافِعيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وابنْ المُنْذِرِ.
وقال الحارث العُكْلِيُّ، وجابرُ بنُ زَيدٍ، وقَتادَةُ، والحَكَمُ: يُجْلَدُ.
وقال حَمادُ بنُ أبي سُلَيمانَ، وأصحابُ الرَّأْي: لا حَدَّ عليه ولا لِعانَ؛ لأنَّ اللِّعانَ إنَّما يكونُ بينَ زَوْجَين، وليس هذان بزَوْجَين، ولا يُحَدُّ؛ لأنَّه لم يَقْذِفْ أجْنَبِيَّةً.
ولَنا، قولُ الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾.
وهذا قد رَمَى زَوْجَتَه، فيدخلُ في عُمومِ الآيةِ، وإذا لم يُلاعِنْ وَجَب الحَدُّ بِعُمُومِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾.
ولأنَّه قاذِفٌ لِزَوْجَتِه، فوَجَبَ أن يكونَ له أن يُلاعِنَ، كما لو بَقِيَا على النِّكَاحِ إلى حالةِ اللِّعانِ.
فصل: فإن قالت: قَذَفَنِي قبلَ أن يَتَزَوَّجَني.
وقال: بل بعدَه.
أو قالت: قَذَفَنِي بعدَ ما بِنْتُ منه.
وقال: بل قبلَه.
فالقول قولُه؛ لأنَّ القولَ قولُه في أصْلِ القَذْفِ، فكذلك في وَقْتِه.
وإن قالتْ أجْنَبيَّةٌ: قَذَفْتَنِي.
قال: كنْتِ زَوْجَتِي حينئذٍ.
فأَنْكَرَتِ الزَّوْجيَّةَ، فالقولُ قَوْلُها؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُها.

..................................  فصل: إذا اشْتَرَى 1 زَوْجَتَه الأمَةَ، ثم أقَرَّ بِوَطْئِها، ثم أتَتْ بوَلَدٍ لسِتَّةِ أشْهُر، كان لاحِقًا به، إلا أن يَدَّعِيَ الاسْتِبْراءَ، فيَنْتَفِي عنه؛ لأنَّه مُلْحَقٌ به بالوَطْءِ في المِلْك دونَ النِّكاحِ، لكَوْنِ المِلْكِ حاضِرًا، فكان كالزَّوْجِ الثاني، يَلْحَقُ به الوَلَدُ وإن أمْكَنَ أن يكونَ مِن الأوَّلِ.
وإن لم يكنْ أقَرَّ بوَطْئِها، أو أقَرَّ به وأتَتْ بوَلَدٍ لدونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ مُنْذُ وَطِئَ، كان مُلْحَقًا بالنِّكَاحِ إن أمْكَنَ ذلك، وله نَفْيُه باللِّعانِ.
وهل يثبِتُ هذا اللِّعانُ التَّحْريمَ المُؤبَّدَ؟ على وجْهَينِ.
فصل: وإن قَذَف زَوْجتَه الرجْعِيَّةَ، صَحَّ لِعانُها، سواءٌ كان بينهما وَلَدٌ ولم يَكُنْ.
قال أبو طالبٍ: سألتُ أبا عبدِ الله عِن الرجلِ يُطَلِّقُ تَطْلِيقَةً أو تطْلِيقَتَين، ثم يَقْذِفُها.
قال: قال ابنُ عَباسٍ: لا يُلاعِنُ، ويُجْلَدُ.
وقال ابنُ عمرَ: يُلاعِنُ ما كانت في العِدَّةِ.
قال: وقولُ ابنِ عمرَ أجْوَدُ؛ لأنَّها زَوْجَتُه، وهو يَرِثُها وتَرِثُه، فهو يُلاعِنُ.
وبهذا قال جابرُ بنُ زَيدٍ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، والشافعيُّ، [وإسحاقُ] 2 وأبو عُبَيدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي؛ لأنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ، فكان له لِعانُها، كا لو لم يُطَلِّقْها.
فصل: وكلُّ موضِع قُلْنَا: لا لِعانَ فيه.
فالنَّسَبُ لاحِقٌ فيه، ويجبُ بالقَذْفِ مُوجَبُه مِن الحَدِّ والتَّعْزيرِ، إلا أن يكونَ القاذِفُ صَبِيًّا أو مَجْنُوَنًا،

وَإِنْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ أَوْ الْمَجْنُونَةَ، عُزِّرَ، وَلَا لِعَانَ بَينَهُمَا.
فلا ضَرْبَ فيه، ولا لِعانَ.
كذلك (1) قال الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي، وابنُ المُنْذِرِ، قال (2): ولا أحْفَظُ عن غيرِهم خِلَافهم.

3803 -

مسألة: (وإن قَذَفَ زَوْجَتَه الصَّغِيرَةَ أَو المَجْنُونَةَ، عُزِّرَ، ولا لِعانَ بَينَهُمَا)

وجُمْلَةُ ذلك، أن الزَّوْجَ إذا قَذَفَ امْرأتَه وأحَدُ الزَّوْجَين غيرُ مُكَلِّفٍ، فلا لِعانَ بينَهما؛ لأنَّه قَوْلٌ تَحْصُلُ وبه الفُرْقَةُ، فلا يَصْحُّ مِن غيرِ مُكَلَّفٍ، كالطَّلاقِ، أو يَمِين، فلا يَصِحُّ مِن غيرِ مُكَلفٍ، كسائِرِ الأيمانِ، ولا يَخْلُو غيرُ المُكَلَّفِ مِن أن يكون الزَّوجَ، أو الزَّوجةَ، أو هُمَا 3؛ فإنْ كان الزَّوجَ فله حالان؛ أحَدُهما، أن يكونَ طِفْلًا.
والثَّاني، أن يكونَ بالِغًا زائِلَ العَقْلِ.
فإن كان طِفْلًا لم يَصِحَّ منه القذْفُ، ولا يَلْزَمُه به حَدٌّ؛ لأنَّ القَلمَ مَرْفُوعٌ عنه، وقولَه غيرُ مُعْتَبَرٍ.
وإن أتَتِ امْرَأتُه بوَلَدٍ، وكان له دُونَ عشْرِ سِنِينَ، لم يَلْحَقْه نَسَبُه،12

..................................  وكان مَنْفِيًّا عنه؛ لأنَّ العِلْمَ 1 يُحِيطُ بأنَّه ليس منه، فإنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لم يُجْرِ العادَةَ بأن يكونَ له وَلَدٌ لدونِ ذلك، فيَنْتَفِي عنه، كما لو أتَتْ به المرْأةُ لِدونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ منْذُ تَزَوَّجَها.
وإن كان ابنَ عشْر فصاعِدًا، فقال أبو بكرٍ: لا يُلْحَقُ به إلَّا بعدَ البُلُوغِ أيضًا؛ لأنَّ الوَلَدَ لا يُخْلَقُ 2 إلَّا مِن ماءِ الرجلِ والمرْأةِ، ولو أنْزَلَ لبَلَغَ.
وقال ابنُ حامِدٍ: يُلْحَقُ به.
قال القاضي: وهو ظاهِر كلامِ أحمدَ.
وهو مذهث الشافعيِّ؛ لأنَّ الوَلَدَ يُلْحَق بالإمْكانِ وإن خالفَ الظَّاهِرَ، ولهذا لو أتَت بوَلَدٍ لِسِتَّةِ أشْهُر مِن حِينِ العَقْدِ، لَحِقَ بالزَّوْجِ، وإن كان خِلَافَ الظَّاهِرِ، وكذلك يُلْحَقُ به إذا أتَتْ به لأرْبعِ سِنِينَ، مع نُدْرَته.
وليس له 3 نَفْيه في الحالِ، حتَّى يُتَحَقَّقَ بُلُوغُه بأحَدِ أسْبابِ البُلُوغِ، فله نَفى الوَلَدِ أو اسْتِلْحَاقه.
فإنْ قِيلَ: فإذا أَلْحَقْتُم به الوَلَدَ، فقد حَكَمْتُم بِبُلُوغِه، فهَلَّا سَمِعْتم نَفْيَه ولِعانَه؛ قُلْنا: إلْحَاقُ الوَلَدِ يَكْفِي فيه الإِمْكانُ، والبُلُوغ لا يَثْبُتُ إلَّا بسَبَبٍ 4 ظاهِر، ولأن إلْحاقَ الوَلَدِ به حَقٌّ عليه، واللِّعانُ حَقٌّ (3) له، فلم يَثْبُتْ مع الشَّكِّ.
فإن قِيلَ: فإن لم يَكنْ بالِغًا، انْتَفَى عنه الوَلَدُ، وإن كان بالِغًا انْتَفَى عنه باللِّعانِ 5.

..................................  قُلْنا: إلا أنَّه لا يجوزُ أن يَبتَدِئَ اليمينَ مع الشَّكِّ في صِحَّتِها، فسَقَطَتْ للشَّكِّ فيها.
الثَّاني، إذا كان زائِلَ العَقْلِ لجُنُونٍ، فلا حُكْمَ لِقَذْفِه؛ لأنَّ القَلَمَ عنه مَرْفوعٌ أيضًا 1. وإن أتَتِ امْرَأتُه بوَلَدٍ، فنَسَبُه لاحِقٌ به، لإِمْكانِه، ولا سَبِيلَ إلى نَفْيِه مع زَوالِ عَقْلِه، فإذا عَقَلَ، فله نَفْيُ الوَلَدِ حينئذٍ واستِلْحاقُه.
وإنِ ادَّعى أنَّه كان ذاهِبَ العقلِ حِينَ قَذْفِه، فأنْكَرَتْ ذلك، ولأحَدِهما بَيِّنَةٍ بما قال، ثَبَتَ قولُه.
وإن لم يكنْ لواحِدٍ منهما بَيِّنَةٍ، ولم يكنْ له حالٌ عُلِمَ فيها زَوالُ عقْلِه، فالقولُ قولُها مع يَمِينِها؛ لأنَّ الأصلَ [السلامةُ والظَّاهرَ] 2 الصِّحةُ.
وإن عُرِفَتْ له حالُ جُنُونٍ، ولم تُعْرَفْ له حالُ إفاقَةٍ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، وإن عُرِفَتْ له حالُ جُنُونٍ وحالةُ إفاقَةٍ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، القولُ قولُها.
قال القاضي: وهو قِياسُ قولِ أصحابِنا في المَلْفُوفِ إذا ضَرَبَه فَقَدَّه، ثم ادَّعَى أنَّه كان مَيِّتًا، وقال الوَلِيُّ: كان حَيًّا.
والوجهُ الثاني، أنَّ القولَ قولُه؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ ذِمتِه مِن الحَدِّ، فلا يَجبُ بالشكِّ، ولأنَّ الحَدَّ يَسْقُطُ بالشُّبْهَةِ، ولا يُشْبهُ هذا المَلْفُوفَ؛ لأنَّ المَلْفُوفَ قد عُلِمَ أنَّه كان حَيًّا، ولم يُعْلَمْ منه ضِدُّ ذلك، فنَظيرُه في مَسْألتِنا أنَّه يُعْرَفُ له حالُ إفاقَةٍ، ولا يُعْلَمُ منه ضِدُّها، وفي مَسْأَلتِنا قد تَقَدَّمَتْ له حالُ جُنُونٍ، فيَجوزُ (1) أن تكونَ قد

..................................  اسْتَمَرَّتْ إلى حِينِ قَذْفِه.
فإن كانتِ الزَّوْجَةُ غيرَ مُكَلَّفَةٍ، فقَذَفَها الزَّوْجُ، فإن كانت طِفْلَةً لا يُجَامَعُ مِثْلُها، فلا حَدَّ على قاذِفِها؛ لأنَّه قَوْلٌ يُتَيَقَّنُ كذبُه فيه، وبَراءةُ عِرْضِها منه، فلم يَجِبْ به حَدٌّ، كما لو قال: أهلُ الدُّنيا زُنَاةٌ.
ولكنَّه يُعَزَّرُ للسَّبِّ لا للقَذْفِ، ولا يُحْتاجُ في التَّعْزِيرِ إلى مُطالبَةٍ؛ لأنَّه مشْرُوعٌ لتَأْدِيبِه، للإمامِ فِعْلُه إذا رَأى ذلك.
فإن كانت يُجامَعُ مِثْلُها، كابنةِ تسعِ سِنِينَ، فعليه الحَدُّ، وليس لِوَلِيِّها ولا لها المطالبة به حتَّى تَبْلُغ، فإذا بَلَغتْ فطالبَتْ، فلها الحَدُّ، وله إسْقاطُه باللِّعانِ، وليس له لِعانُها قبلَ البُلُوغ، لأن اللِّعانَ يُرادُ لإسْقاطِ الحَدِّ أوْ نَفْي الوَلَدِ، ولا حَدَّ عليه 1 قبلَ بُلُوغِها، ولا وَلَدَ فيَنْفِيَه، وإن أتَتْ بوَلَدٍ حُكِمَ ببُلُوغِها، لأنَّ الحَمْلَ أحَدُ أسْبابِ البُلُوغِ، ولأنَّه لا يكونُ إلا مِن نُطْفَتِها، ومِنٍ ضَرورَتِه إنْزالُها، وهو مِن أسْبابِ بُلوغِها.
فإن قَذَفَ امْرأتَه المَجْنُونَةَ بزِنًى وأضافَه إلى حالِ إفاقَتِها، أو قَذَفَها وهي عاقِلَةٌ، ثم جُنَّتْ، لم يَكنْ لها المُطالبةُ، ولا لِوَلِيِّها قبلَ إفاقَتِها، لأنَّ هذا طَرِيقُه التَّشَفِّي، فلا يَنُوبُ عنه الوَلِيُّ فيه، كالقِصاصِ، فإذا أفاقَتْ فلها المُطالبَةُ بالحَدِّ، وللزَّوْجِ إسْقاطُه باللِّعانِ.
وإن أرادَ لِعانَها في حالِ جُنُونِها، ولا وَلَدَ يَنْفِيه، لم يكنْ له ذلكَ؛ لعَدَمِ الحاجةِ إليه، لأنَّهْ لم يَتَوَجَّهْ عليه حَدٌّ فيُسْقِطَه، ولا نَسَبٌ، فيَنْفِيَه.
وإن

فَصْل: الشَّرْطُ الثّانِي، أَنْ يَقْذِفَهَا بِزِنًى، فَيَقُولَ: زَنَيتِ.
أَوْ: يَا زَانِيَةُ.
أوْ: رَأْيتُكِ تَزْنِينَ.
سَوَاءٌ قَذَفَهَا بِالزِّنَى في الْقُبُلِ أو الدُّبُرِ.
كان هناك وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَه، فالذي يَقْتَضِيه المذهبُ [أنَّه لا] 1 يُلاعِنُ، ويَلْحَقُه الوَلَدُ؛ لأنَّ الولَدَ إنَّما يَنْتَفِي باللِّعانِ مِن الزَّوْجَين، وهذه لا يَصِحُّ منها لِعانٌ.
وقد نَصَّ أحمدُ في الخَرْساءِ، أنَّ زَوْجَها لا يُلاعِنُ.
فهذه أوْلَى.
وقال الخِرَقِيُّ في العاقِلَةِ: لا يعْرَضُ له حتَّى تُطالِبَه زَوْجتُه.
وهذا قولُ أصْحابِ الرَّأْي؛ لأنها أحَدُ الزَّوْجَين، فلم يُشْرَع اللِّعانُ مع جُنُونِه، كالزَّوْجِ، ولأَنَّ لِعانَ الزَّوْجِ وحدَه لا ينْتَفِي به الوَلَدُ، فلا فائِدَةَ في مَشْرُوعِيَّتِه.
وقال القاضي: له أن يُلاعِنَ لنَفْي الوَلَدِ؛ لأنَّه مُحْتاجٌ إلى نَفْيه، فيُشْرَعُ له طريقٌ إليه.
وقال الشَّافِعيُّ: له أنْ يُلاعِنَ.
وظَاهِرُ مذهبِه أنَّ له لِعانَها مع عَدَمِ الوَلَدِ؛ لدُخُولِه في عُمومِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾.
ولأنَّه زَوْجٌ مُكَلفٌ، قاذِفٌ لامْرأتِه التي يُولَدُ لمِثْلِها، فكان له أن يُلاعِنَها، كالعاقِلَةِ.
فصل: قال الشَّيخُ، رَحِمَه اللهُ: (الشَّرْطُ الثَّاني، أن يقْذِفَها بالزِّنَى، فيقولَ: زَنَيتِ.
أو: يا زانِيَةُ.
أو: رَأَيتُكِ تَزْنِينَ.
وسواءٌ قَذَفَها بِزِنًى في القُبُلِ أو في الدُّبُرِ) لأنَّ كلَّ قَذَفٍ يجبُ به الحَدُّ، وسواءٌ في ذلك الأعْمَى والبَصِيرُ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، والشَّافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وهو قولُ عطاءٍ.
وقال يَحيى الأنْصارِيُّ، وأبو الزِّنادِ، ومالِكٌ: لا يكونُ

فَإِنْ قَال: وُطِئْتِ بِشُبْهَةٍ، أوْ مُكْرَهَةً.
فَلَا لِعَانَ بَينَهُمَا.
وَعَنْهُ،  اللِّعانُ إلَّا بأحَدِ أمْرَين: إمَّا رُويَةٍ، وإمَّا إنْكارِ الحَمْلِ؛ لأنَّ آيَةَ اللِّعانِ نَزَلَتْ في هِلَالِ بنِ أُمَيَّةَ، وكان قال: رأيتُ بِعَينِي، وسَمِعْتُ بأُذُنِي.
فلا يَثبُتُ اللِّعانُ إلَّا في مِثْلِه.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية.
وهذا رامٍ لِزَوْجَتِه، فيَدْخُلُ في عُمومِ الآيَةِ، ولأنَّ اللِّعانَ مَعْنًى (1) يُتَخَلَّصُ به مِن مُوجَبِ القَذْفِ، فيُشْرَعُ في حَقِّ كلِّ رَامٍ لِزَوْجَتِه، كالبَيِّنةِ، والأخْذُ بعُمُومِ اللَّفْظِ أوْلَى مِن خُصُوصِ السَّبَبِ، ثم لم يَعْمَلوا به في قَوْلِه: وسَمِعْتُ بأذُنِي.
إذا ثَبَتَ ذللط، فسواءٌ قَذَفَها بِزِنًى في القُبُلِ أو في الدُّبُرِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَثْبُتُ اللِّعانُ بالقَذْفِ بالوَطْءِ في البُرِ.
وبَنَاه على أصلِه في أنَّ ذلك لا يَجِبُ به الحَدُّ.
ولَنا، أنَّه رَام لِزَوْجَتِه بوَطْءٍ في فَرْجِها، فأَشْبَهَ ما لو قَذَفَها بالوَطْءِ في قُبُلِها.

3804 -

مسألة: (فإن قال: وُطِئتِ بِشُبْهَةٍ، أو مُكْرَهَةً. فلا

1

جارٍ التحميل