وَيَصِحُّ صَوْمُ النَّفْلِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ، قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ.
وَقَالَ الْقَاضِى: لَا يُجْزِئُ بَعْدَ الزَّوَالِ.
صَوْمِى.
خُرِّجَ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُفْطِرُ؛ لأنَّه لم يَبْقَ جازِمًا بنِيَّةِ الصومِ، ولذلك لا يَصِحُّ ابْتِداءُ النِّيَّةِ بمِثْلِ هذا.
والثّانِى، لا يُفْطِرُ؛ لأنَّه لم يَنْوِ الفِطْرَ نِيَّةً صَحِيحَةً، لأنَّ النِّيَّةَ لا يَصِحُّ تَعْلِيقُها على شَرْطٍ، ولذلك لا يَنْعَقِدُ الصومُ بمِثْلِ هذة النِّيَّةِ.
فصل: ومَن ارْتَدَّ عن الِإسْلامِ، أفْطَرَ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
إذا ارْتَدَّ في أثْناءِ الصومِ فعليه قَضاءُ ذلك اليومِ إذا عاد إلى الِإسْلامِ، سَواءٌ أسْلَمَ في أثْناء اليومِ، أو بعدَ انْقِضائِه، وسَواءٌ كانت رِدَّتُه باعْتِقادِه ما يَكْفُرُ به، أو شَكِّه، أو النُّطْقِ بكَلِمَةِ الكُفْرِ مُسْتَهْزِئًا أو غيرَ مُسْتَهْزِئٍ؛ لأنَّها عِبادَةٌ مِن شَرْطِها النِّيَّةُ، أشْبَهَتِ الصلاةَ والحَجَّ.
1058 -
مسألة: (ويَصِحُّ صومُ النَّفْلِ بنِيَّةٍ مِن النَّهارِ، قبلَ الزَّوالِ وبعدَه. وقال القاضي: لا يُجْزِئُ بعدَ الزَّوالِ)
يَصِحُّ صومُ التَّطَوُّعِ بنِيَّةٍ مِن النَّهارِ.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ.
ورُوِىَ ذلك عن أبى الدَّرْداءِ، وأبِى طَلْحَةَ، وابنِ مسعودٍ، وحُذَيْفَةَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ،
..................................
وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىِّ.
وقال مالكٌ، وداودُ: لا يَجُوزُ إِلَّا بِنِيَّةٍ مِن اللَّيْلِ؛ لقولِه عليه السَّلامُ: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ» 1. ولأنَّ الصلاةَ يَتَّفِقُ نِيَّةُ نَفْلِها وفرْضِها، فكذلك الصومُ.
ولَنا، ما رَوَتْ عائشةُ رَضىَ اللهُ عنها، قالت: دَخَل علىَّ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - ذاتَ يَوْمٍ، فقال: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَئٌ؟» قُلْنا: لا.
قال: «فَإنَّى إذًا صَائِمٌ».
أخْرَجَه مسلمٌ، وأبو داودَ، والنَّسائِىُّ 2. ويَدُلُّ عليه أيضًا حديثُ عاشُوراءَ 3. ولأنَّ الصلاةَ يُخَفَّفُ نَفْلُها عن فَرْضِها في سُقُوطِ القِيامِ، وجَوازِها في السَّفَرِ على الرّاحِلَةِ إلى غيرِ القِبْلَةِ، فكذلك الصِّيامُ.
وحَدِيثُهم نَخُصُّه بحدِيثنِا، ولو تَعارَضا قُدِّمَ حَدِيثُنا؛ لأنَّه أصَحُّ مِن حَدِيثِهم، فإنَّه مِن رِوايَةِ ابنَ لَهِيعَةَ، ويحيى بنَ أيُّوبَ 4. قال المَيْمُونِىُّ: سَألْتُ أحمدَ عنه، فقالَ: أُخْبِرُك ما له عندى ذاك الِإسنادُ، إلَّا أنَّه عنِ ابنِ عُمَرَ وحَفْصَةَ، إسْنادان جَيِّدان.
والصلاةُ يَتَّفِقُ وَقْتُ النَّيَّةِ لنَفْلِها وفرْضِها؛ لأنَّ اشْتِراطَ النَّيَّةِ في أوَّلِ الصلاةِ لا يُفْضِى إلى تَقْلِيلِها، بخِلافِ الصومِ، فإنَّه يُعَيَّنُ له الصومُ مِن النَّهارِ، فعُفِىَ عنه، جَوَّزْنا التَّنَفُّلَ قَاعِدًا لهذه العِلَّةِ.
إذا ثَبَت ذلك، فأىَّ وَقْتٍ مِن النَّهارِ نَوَى أجْزَأه.
..................................
هذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، والخِرَقِىِّ.
وهو ظاهِرُ قولِ ابنِ مسعودٍ.
ويُرْوَى عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ.
واخْتارَ القاضي، في «المُجَرَّدِ» أنَّه لا تُجْزِئُه النِّيَّةُ بعدَ الزَّوالِ.
وهو مَذْهَبُ أبى حنيفةَ، والمَشْهُورُ مِن قَوْلَى الشافعىَّ؛ لأنَّ مُعْظَمَ النَّهارِ مَضَىَ بغيرِ نِيَّةٍ، بخِلافِ النّاوِى قبلَ الزَّوالِ، فإنَّه قد أدْرَكَ مُعْظَمَ العِبادَةِ، ولهذا تَأْثِيرٌ في الأصُولِ، بدلِيلِ أنَّ مَن أدْرَكَ الإِمامَ في الرُّكُوعِ أدْرَكَ الرَّكْعَةَ؛ لِإدْراكِه مُعْظَمَها، ولو أدْرَكَه بعدَ الرَّفعِ لم يَكُنْ مُدرِكًا لها، وكذلك مَن أدْرَكَ رَكْعَةً مِن الجُمُعَةِ يَكُونُ مُدْرِكًا لها؛ لأنَّها تَزِيدُ بالتَّشَهُّدِ، ولا يُدْرِكُها بدُونِ الرَّكْعَةِ لذلك.
ولَنا، أنَّه نَوَى في جُزْءٍ مِن النَّهارِ، أشْبَهَ ما لو نوَى في أوَّلِه، ولأنَّ جَمِيعَ اللَّيْلِ وَقْتٌ لنِيَّةِ الفَرْضِ، فكذلك جَمِيعُ النَّهارِ وَقْتٌ لنِيَّةِ النَّفْلِ، ولأنَّ صومَ النَّفْلِ إنَّما جَوَّزْناه بنِيَّةٍ مِن النَّهارِ طَلبًا لتَكْثِيرِه، وهذا أبْلَغُ في التَّكْثِيرِ.
فصل: وإنَّما يُحْكَمُ له بالصومِ الشَّرْعِىَّ المُثابِ عليه مِن وَقْتِ النِّيَّةِ، في المَنْصُوصِ عن أحمدَ، فإنَّه قال: مَن نوَى في التَّطَوُّعِ مِن النَّهارِ، كُتِب له بَقِيَّة يومِه، وإذا أجْمَعَ مِن اللَّيْل كِان له يومُه.
وهذا قولُ بعضِ أصحابِ الشافعىِّ.
وقال أبو الخَطّابِ، في «الهِدايَةِ»: يُحْكَمُ بذلك
..................................
مِن أوَّلِ النَّهارِ.
وهو قولُ بعضِ الشافِعِيَّةِ؛ لأنَّ الصومَ لا يَتَبَعَّضُ في اليومِ؛ بدَلِيلِ ما لو أكَل في بعضِه، لم يُجْزِئْه صِيامُ باقِيه، فإذا وُجِد في بعضِ اليومِ دَلَّ على أنَّه صائِمٌ مِن أوَّلِه، ولا يَمْتَنِعُ الحُكْمُ بالصوم مِن غيرِ نِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ، كما لو نَسِىَ الصومَ بعدَ نِيَّتِه، أو غَفَل عنه، ولأنَّه لو أدرَكَ بعضَ الرَّكْعَةِ، أو بعضَ الجَماعَةِ كان مُدْرِكًا لجَمِيعِها.
ولَنا، أنَّ ما قبلَ النِّيَّةِ لم يَنْوِ صِيامَه، فلا يَحْصُلُ له صِيامُه؛ لقَولِه عليه السلامُ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» 1. ولأنَّ الصومَ عِبادَةٌ مَحْضَةٌ، فلا يُوجَدُ بغيرِ نِيَّةٍ، كسائِرِ العِباداتِ المَحْضَةِ.
ودَعْوَى أنَّ الصومَ لا يَتَبَعَّضُ، دَعْوَى مَحَلِّ النِّزاعِ، وإنَّما يُشْتَرَطُ لصومِ البعضِ أن لا تُوجَدَ المُفْطِراتُ في شيءٍ مِن اليومِ، ولهذا قال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -، في حديثِ عاشُوراءَ: «فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ» 2. وأمّا إذا نَسِىَ النِّيَّةَ بعدَ وُجُودِها،
..................................
فإنَّه يَكُونُ مُسْتَصْحِبًا لحُكْمِها، بخِلافِ ما قبلَها، فإنَّها لم تُوجَدْ حُكْمًا، ولا حَقِيقَةً، ولهذا لو نَوَى الفَرْضَ مِن اللَّيْلِ، ونَسِيَه في النَّهارِ، صَحَّ صَوْمُه، ولو لم يَنْوِ مِن اللَّيْلِ، لم يَصِحَّ صومُه.
وأمّا إدْراكُ الرَّكْعَةِ والجَماعَةِ، فإنَّما مَعْناه أنَّه لا يَحْتاجُ إلى قَضاءِ رَكْعَةٍ، ويَنْوِى أنَّه مَأْمُومٌ، وليس هذا مُسْتَحِيلًا، أمّا أن يَكُونَ ما صلَّى الإمامُ قبلَه مِن الرَّكَعاتِ مَحْسُوبًا له، بحيث يُجْزِئُه عن فِعْلِه، فكَلَّا، ولأنَّ مُدْرِكَ الرُّكُوعِ مُدْرِكٌ لجَمِيعِ أرْكانِ الرَّكْعَةِ، لأنَّ القِيامَ وُجِد حينَ كَبَّرَ وفَعَل سائِرَ الأرْكانِ مع الإِمامِ.
وأمّا الصومُ فإنَّ النِّيَّةَ شَرْط له، أو رُكْنٌ فيه، فلا يُتَصَوَّرُ وُجُودُه بدُونِ شَرْطِه ورُكْنِه.
فصل: وإنَّما يَصِحُّ 1 الصومُ بنِيَّةٍ مِن النَّهارِ، بشَرْطِ أن لا يَكُونَ طَعِم قبلَ النِّيَّةِ، ولا فَعَل ما يُفْطِرُه.
فإن فَعَل شيئًا مِن ذلك، لم يُجْزِئْه الصيامُ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
والله عَزَّ وجَلَّ أعلمُ.
بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَيُوجِبُ الْكَفَّارَةَ
[57 و] وِمَنْ أَكَلَ، أوْ شَرِبَ، أَوِ اسْتَعَطَ، أَوِ احْتَقَنَ، أَوْ دَاوَى الْجَائِفةَ بِمَا يَصِلُ إِلَى جَوْفِهِ، أَوِ اكْتَحَلَ بِمَا يَصِلُ إِلَى حَلْقِهِ، أوْ دَاوَى الْمَأمُومَةَ، أوْ قَطَرَ في أُذُنِهِ مَا يَصِلُ إِلَى دِمَاغِهِ، أَوْ أَدْخَلَ إِلَى جَوْفِهِ شَيْئًا مِنْ أىِّ مَوْضِعٍ كَانَ، أوِ اسْتَقَاءَ، أوِ اسْتَمْنَى، بابُ ما يُفْسِدُ الصومَ، ويُوجِبُ الكَفّارَةَ (ومَن أكَلَ، أو شَرِب، أو اسْتَعَطَ 1، أو احْتَقَنَ، أو داوَى الجائِفةَ 2 بما يَصِلُ إلى جَوْفِه، أو اكْتَحَلَ بما يَصِلُ إلى حَلْقِه، أو داوَى المَأْمُومَةَ 3، أو قَطَر في أُذُنِه ما يَصِلُ إلى دِماغِه، أو أدْخَلَ في جَوْفِه شَيْئًا مِن أىِّ مَوْضِعٍ كان، أو اسْتَقاءَ، أو اسْتَمْنَى، أو قَبَّل أو لَمَس فأمْنَى أو
أوْ قَبَّلَ أوْ لَمَسَ فَأَمْنَى أوْ أَمْذَى، أوْ كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَلَ، أَوْ حَجَمَ، أَو احْتَجَمَ عَامِدًا ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ، فَسَدَ صَوْمُهُ، وَإنْ كَانَ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا، لَمْ يَفْسُدْ.
أمْذَى، أو كَرَّرَ النَّظَرَ فأنْزَلَ، أو حَجَم، أو احْتَجَمَ عامِدًا ذاكِرًا لصومِه، فَسَد صَوْمُه، وإن كان مُكْرَهًا أو ناسِيًا، لم يَفْسُدْ) أجْمَعَ أهلُ العلمِ على الإِفْطارِ بالأكْلِ والشُّرْبِ لِما يُتَغَذَّى به، وقد دَلَّ عليه قَوْلُه تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ 1 مَدَّ 2 إباحَةَ الأكْلِ والشُّرْبِ إلى تَبَيُّنِ الفَجْرِ، ثم أمَرَ بالصيامِ عنهما، وفى الحديثِ: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ؛ يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أجْلِى» 3. فأمّا أكْلُ ما لا يُتَغَذَّى به فيَحْصُلُ به الفِطْرُ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
وقال الحسنُ بنُ صالِحٍ: لا يُفْطِرُ بما ليس بطعام ولا شَرابٍ.
وحُكِىَ عن أَبِى طَلْحَةَ الأنْصارِىِّ، أنَّه كان يَأْكُلُ
..................................
البَرَدَ 1 في الصومِ، ويَقُولُ: ليس بطَعامٍ ولا شَرابٍ 2. ولَعَلَّ مَن يَذْهَبُ إلى ذلك يَحْتَجُّ بأَنَّ الكتابَ والسُّنَّةَ إنَّما حَرَّما الأكْلَ والشُّرْبَ المُعْتادَ، فما عَداهما يَبْقى على أَصْلِ الإِباحَةِ.
ولَنا، دَلالَةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ على تَحْرِيمِ الأكْلِ والشُّرْبِ على العُمُوم، فيَدْخُلُ فيه مَحَلُّ النِّزاعِ، ولم يَثْبُتْ عندَنا ما نُقِل عن أبى طَلْحَةَ، فلا يُعَدُّ خِلافًا.
فصل: ويُفْطِرُ بكلِّ ما أدْخَلَه إلى جَوْفِه، أو مُجَوَّفٍ في جَسَدِه، كدِماغِه، وحَلْقِه، ونحْوِ ذلك، ممّا يَنْفُذُ إلى مَعِدَتِه، إذا وَصَل باخْتِيارِه، وكان مِمَّا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، سَواءٌ وَصَل مِن الفَمِ على العادَةِ أو غيرِها، كالوَجُورِ 3 واللَّدُودِ 4، أو مِن الأنْف، كالسَّعُوطِ، أو ما يَدْخُلُ مِن الأُذُنِ إلى الدِّماغِ، أو ما يَدْخُل مِن العَيْنِ إلى الحَلْقِ، كالكُحْلِ، أو ما يَدْخُلُ إلى الجَوْفِ مِن الدُّبُرِ بالحُقْنَةِ، أو ما يَصِلُ مِن مُداوَاةِ الجائِفَةِ، أو مِن دَواءِ المَأْمُومَةِ، وكذلك إن جَرَح نَفْسَه، أو جَرَحَه غيرُه بإذْنِه، فوَصَلَ إلى جَوْفِه، سَواءٌ اسْتَقَرَّ في جَوْفِه، أو عاد فخَرَجَ منه؛
..................................
لأَنَّه واصِلٌ إلى الجَوْفِ باخْتِيارِه، فأشْبَهَ الأكْلَ، وبهذا كُلِّه قال الشافعىٌّ، إلَّا في الكُحْلِ.
وقال مالكٌ: لا يُفْطِرُ بالسَّعُوطِ، إلَّا أن يَنْزِلَ إلى حَلْقِه، ولا يُفْطِرُ إذا داوَى المَأْمُومَةَ والجَائِفَةَ.
واخْتُلِفَ عنه في الحُقْنَةِ، واحْتَجَّ بأنَّه لم يَصِلْ إلى الحَلْقِ منه شَئٌ، أشْبَهَ ما لم يَصِلْ إلى الدِّماغِ ولا الجَوْفِ.
ولَنا، أنَّه واصِلٌ إلى جَوْفِ الصائِمِ باخْتِيارِه، فيُفْطِرُه، كالواصِلِ إلى الحَلْقِ، ولأنَّ الدِّماغَ جَوْفٌ، والواصِلُ إليه يُغَذِّيه، فيُفْطِرُ، كجَوْفِ البَدَنِ 1.
فصل: فأمّا الكُحْلُ، فإن وَجَد طَعْمَه في حَلْقِه، أو عَلِم وُصُولَه إليه، فَطَّرَه، وإلَّا لم يُفَطِّرْه.
نصَّ عليه أحمدُ.
وقال ابنُ أبي موسى: إنِ اكْتَحَلَ بما يَجِدُ طَعْمَه، كالذَّرُورِ والصَّبِرِ والقَطُورِ 2، أفْطَرَ.
وإنِ اكْتَحَلَ باليَسيرِ مِن الِإثْمِدِ غيرِ المُطَيَّبِ، لم يُفْطِرْ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: إن كان الكُحْلُ حادًّا، فَطَّرَه، وإلَّا فلا.
ونَحْوَ ما ذَكَرْناه قال أصحابُ مالكٍ.
وعن ابنِ أبى لَيْلَى، وابنِ شُبْرُمَةَ، أن الكُحْلَ يُفَطِّرُ
..................................
الصائِمَ.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ: لا يُفَطَّرُ؛ لِما رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه اكْتَحَلَ في رمضانَ وهو صائِمٌ 1. ولأن العَيْنَ ليست مَنْفَذًا، فلم يُفْطِرْ بالدّاخِلِ منها، كما لو دَهَن رَأْسَه.
ولَنا، أنَّه أوْصَلَ إلى حَلْقِه ما هو مَمْنُوعٌ مِن تَناوُلِه بفِيه فأفْطَرَ به، كما لو أوْصَلَه مِن أنْفِه، وما رَوَوْه لم يَصِحَّ، قال التِّرْمِذِىُّ 2: لم يَصِحَّ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - في بابِ الكُحْلِ
..................................
للصّائِمِ شيءٌ.
ثم نَحْمِلُه على (1) أنَّه اكْتَحَلَ بما لا يَصِلُ.
وقَوْلُهم: ليستِ العَيْنُ مَنْفَذًا.
لا يَصِحُّ؛ فإنَّه يُوجَدُ طَعْمُه في الحَلْقِ، ويَكْتَحِلُ بالِإثْمِدِ فيَتَنَخَّعُه.
قال أحمدُ: حَدَّثَنِى إنْسانٌ أنَّه اكْتَحَلَ باللَّيْلِ فتَنَخَّعَه بالنَّهارِ.
ثمِ لا يُعْتَبَرُ في الواصِلِ أن يَكُونَ مِن مَنْفَذٍ، بِدَلِيلِ ما لو جَرَح نَفْسَه جائِفَةً، فإنَّه يُفْطِرُ.
1059 -
مسألة: (أو اسْتَقاءَ، أو اسْتَمْنَى)
مَعْنَى اسْتَقاءَ: اسْتَدْعَى القَىْءَ.
ويُفْطِرُ به في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على إبْطالِ صومِ مَن اسْتَقاءَ عامِدًا.
وحُكِىَ عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، أنَّ القَىْءَ لا يُفْطِرُ.
ورُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «ثَلَاثٌ لا يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ؛ الحِجَامَةُ، والقَىْءُ، والاحتِلامُ» 2.1
..................................
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنِ اسْتَقاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ».
قال التِّرْمِذىُّ: هذا حديث حسنٌ.
ورَواه أبو داودَ 1. وحديثُهم غيرُ مَحْفُوظٍ، يَرْوِيه عبدُ الرحمنِ بنُ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ، وهو ضَعِيفٌ، قالَه التِّرْمِذِىُّ.
فصل: وقَلِيلُ القَىْءِ وكَثِيرُه سَواءٌ في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وفيه رِوايَةٌ ثانيةٌ، لا يُفْطِرُ إلَّا بمِلْءِ الفَمِ؛ لأَنَّه رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «وَلَكِنْ دَسْعَةٌ تَمْلأُ الْفَمَ» 2. ولأنَّ اليَسِيرَ لا يَنْقُضُ الوُضوءَ، فلا يُفطِرُ كالبَلْغَمِ.
وفيه رِوايَةٌ ثالثةٌ، أنَّه نِصْفُ الفَمِ؛ لأنَّه يَنْقُضُ الوُضُوءَ، فأفْطَرَ به، كالكثيرِ.
والأُولَى أوْلَى؛ لظاهِرِ الحديثِ الذي رَوَيْناه، ولأنَّ سائِرَ المُفْطِراتِ لا فَرْقَ بينَ قَلِيلِها وِكَثِيرِها، كذلك هذا، وحديثُ الرِّوايَةِ الثّانِيةِ لا نَعْرِفُ له أصْلًا.
ولا فرْقَ بينَ كَوْنِ القَىْءِ طَعامًا، أو مُرارًا 3، أو بَلْغَمًا، أو دَمًا، أو غيرَه؛ لأنَّ الجَمِيعَ داخِلٌ في الحديثِ.
..................................
فصل: ولو اسْتَمْنَى بيَدِه، فقدِ فَعَل مُحَرَّمًا، ولا يَفْسُدُ صَومُه بمُجَرَّدِه.
فإن أنْزَلَ فَسَد صَوْمُه؛ لأنَّه في مَعْنَى القُبْلَةِ في إثارَةِ الشَّهْوَةِ.
وكذلك إن مَذَى به في قِياسِ المَذْهَبِ، قِياسًا على القُبْلَةِ.
فأمّا إن أنْزَلَ لغيرِ شَهْوَةٍ، كالذى يَخْرُجُ منه المَنِىُّ أو المَذىُ لمَرَضٍ، فلا شىَء عليه؛ لأنَّه خارِجٌ لغيرِ شَهْوَةٍ، أشْبَهَ البَوْلَ، ولأَنَّه يَخْرُجُ عن غيرِ اخْتِيارٍ منه ولا سَبَبٍ (1)، أشْبَهَ الاحْتِلامَ.
ولو جامَعَ باللَّيْلِ فأنْزَلَ بعدَما أصْبَحَ، لم يُفْطِرْ؛ لأَنَّه لم يَتَسَبَّبْ إليه في النَّهارِ، فأشْبَهَ ما لو أكَلَ شيئًا في اللَّيْلِ فذَرَعَه القَىْءُ في النَّهارِ.
1060 -
مسألة؛ قال: (أو قَبَّلَ أو لَمَس فأمْنَى أو مَذَى)
إذا قَبَّلَ أو لَمَس، لم يَخْلُ مِن ثَلاَثةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن لا يُنْزِلَ ولا يُمْذِىَ، فلا يَفْسُدُ صَومُه بذلك، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُقَبِّلُ وهو صائِمٌ، وكان أمْلَكَكم لإِرْبِه.
رَواه البُخارِىُّ 2.1
..................................
ورُوِىَ بتَحْرِيكِ الرَّاءِ وسُكُونِها، قال الخَطّابِىُّ 1: مَعْنَى ذلك حاجَةُ النَّفْسِ ووَطَرُها.
وقِيلَ: بالتَّسْكِينِ العُضْوُ، وبالتَّحْرِيكِ الحاجَةُ.
ورُوِىَ عن عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: هَشَشْتُ فقَبَّلْتُ وأنا صائِمٌ، فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، صَنَعْتُ اليَوْمَ أمْرًا عَظِيمًا، قَبَّلْتُ وأنا صائِمٌ.
قال: «أرَأيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ مِنْ إنَاءٍ وَأنْتَ صَائِمٌ؟» قُلْتُ: لا بَأْسَ به.
قال: «فَمَهْ؟».
رَواه أبو داودَ 2. شَبَّهَ القُبْلَةَ بالمَضْمَضَةِ مِن حيث إنَّها مِن مُقَدِّماتِ الشَّهْوَةِ، فإنَّ المَضْمَضَةَ إذا لم يَكُنْ معها نُزُولُ الماءِ لم تُفْطِرْ، وإن كان معها نُزُولُه أفْطَرَهْ إلَّا أنَّ أحمدَ ضَعَّف هذا الحديثَ، وقال: هذا رِيحٌ، ليس مِن هذا شئٌ.
الحالُ الثانى، أن يُمْنِىَ، فَيُفْطِرَ، بغير خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لِما ذَكَرْناه مِن إيماءِ الخَبَرَيْن، ولأنَّه إنْزالٌ بمُباشَرَةٍ، أشْبَهَ الإِنْزالَ بجِماعٍ دُونَ الفَرْجِ.
الحالُ الثالثُ، أن يُمْذِىَ، فيُفْطِرَ.
..................................
وهو قولُ مالكٍ.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ: لا يُفْطِرُ.
ورُوِىَ ذلك عن الحسنِ، والشَّعْبِىِّ، والأوْزاعِىِّ؛ لأنَّه خارِجٌ لا يُوجِبُ الغُسْلَ، أشْبَهَ البَوْلَ.
ولَنا، أنَّه خارِجٌ تَخَلَّلَه الشَّهْوَةُ، خَرَج بالمُباشَرَةِ، أشْبَهَ المَنِىَّ، وبهذا فارَقَ البَوْلَ.
1061 -
مسألة: (أو كَرَّرَ النَّظَرَ فأنْزَلَ)
لتَكْرارِ النَّظَرِ ثَلاَثةُ أحْوالٍ أيضا؛ أحَدُها، أن لا يَقْتَرِنَ به إنْزالٌ، فلا يَفْسُدُ الصومُ بغيرِ اخْتِلافٍ.
الثانِى، أن يَنْزِلَ المَنِىُّ به، فيَفْسُدَ الصومُ.
وبه قال عَطاءٌ، والحسنُ، ومالكٌ.
وقال جابِرُ بنُ زيدٍ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: لا يَفْسُدُ؛ لأنَّه عن غيرِ مُباشَرَةٍ، أشْبَهَ الإنْزالَ [بالفِكْرِ.
ولَنا، أنَّه إنْزالٌ بفِعْل يَتَلَذَّذُ به، يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، أشْبَهَ الإِنْزَالَ] 1 باللَّمْسِ.
والفِكْرُ لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، بخِلافِ تَكْرارِ النَّظَرِ.
الثالثُ، مَذَى بذلك، فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، أنّه لا يُفْطِرُ به؛ لأنَّه
..................................
لا نَصَّ في الفِطْرِ به، ولا يَصِحُّ قِياسُه على إنْزالِ المَنِىِّ؛ لمُخالَفَتِه إيّاه في الأحْكام، فيَبْقَى على الأصْلِ.
وفيه قولٌ آخَرُ، أنّه يُفْطِرُ؛ لأنَّه خارِجٌ بسَبَبِ الشَّهْوَةِ، أشْبَهَ المَنِىَّ، ولأنَّ السَّبَبَ الضَّعِيفَ إذا تَكَرَّرَ تَنَزَّلَ بمَنْزِلَةِ السَّبَبِ القَوِىِّ، فإنَّ مَن أعاد الضَّرْبَ بعَصًا صغيرةٍ فقَتَلَ، وَجَب عليه القِصاصُ، كالضَّرْبِ بالعَصا الكَبِيرَةِ.
والأوَّلُ ظاهِرُ المَذْهَبِ.
فصل: فأمّا إن صَرَف نَظَرَه لم يَفْسُدْ صَومُه، أنْزَلَ أو لم يُنْزِلْ.
وقال مالكٌ: يَفْسُدُ صومُه إن أنْزَلَ، كما لو كَرَّرَه.
ولَنا، أنَّ النَّظْرَةَ الأُولَى لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منها، فلا يُفْسِدُ الصومَ ما أفْضَتْ إليه، كالفِكْرَةِ، وعليه يُخَرَّجُ التَّكْرارُ.
1062 -
مسألة؛ قال: (أو حَجَم، أو احْتَجمَ)
الحِجامَةُ يُفْطِرُ
..................................
بها الحاجِمُ والمَحْجُومُ.
وبه قال إسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، ومحمدُ بنُ إسحاقَ بنِ 1 خُزَيْمَةَ، وعَطاءٌ، وعبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىٍّ.
وكان مَسْرُوقٌ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، لا يَرَوْنَ للصائِمِ أن يَحْتَجِمَ.
وكان جماعةٌ من الصحابةِ يَحْتَجِمُونَ لَيْلًا في الصومِ؛ منهم ابنُ عُمَرَ، وابنُ عباسٍ، وأبو موسى، وأنَسُ بنُ مالكٍ.
ورَخَّصَ فيها أبو سعيدٍ الخُدْرِىُّ، وابنُ مسعودٍ، وأمُّ سَلَمَةَ، والحسين بنُ علىٍّ، وعُرْوَةُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ.
وقال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ: يَجُوزُ للصائِمِ أن يَحتَجمَ، ولا يُفْطِرُ؛ لِما روَى البُخارِىُّ 2، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - احْتَجَمَ وهو صائِمٌ.
ولأنَّه دَمٌ خارِج مِن البَدَنِ، أشْبَهَ الفَصْدَ.
ولَنا،
..................................
قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ» 1. رَواه عن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أحَدَ عَشَرَ نَفْسًا، قال أحمدُ: حديثُ شَدّادِ بنِ أوْسٍ مِن أصَحِّ حديثٍ يُرْوَى في هذا البابِ، وإسْنادُ حديثِ رافِع إسْنادٌ جَيِّدٌ.
وقال: حديثُ ثَوْبانَ وشَدّادٍ صَحِيحانِ.
وقال علىُّ بنُ المَدِينِىِّ: أصَحُّ شيءٍ في هذا البابِ حديثُ شَدّادٍ وثَوْبانَ.
وحديثُهم مَنْسُوخٌ بحَدِيثِنا، بدَلِيلِ ما روَى ابنُ عباسٍ، أنَّه قال: احْتَجَمَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالقاحَةِ 2 بقَرْنٍ ونابٍ، وهو مُحْرِمٌ صائِمٌ، فوَجَدَ لذلك ضَعْفًا شَدِيدًا، فنَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يَحْتَجِمَ الصائِمُ.
رَواه أبو إسحاقَ الجُوزَجانِىُّ في «المُتَرْجَمِ» 3.
..................................
وعن الحَكَمِ، قال: احْتجَمَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فضَعُفَ، ثم كُرِهَتِ الحِجامَةُ للصائِمِ.
وكان ابنُ عباسٍ، وهو راوى حَدِيثِهم، يُعِدُّ الحَجّامَ والمَحاجِمَ، فإذا غابَتِ الشمسُ احْتَجَمَ.
كذلك رَواه الجُوزَجانِىُّ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّه عَلِم نَسْخَ الحَدِيثِ الذي رَواه.
ويَحْتَمِلُ أنَّه احْتَجَمَ فأفْطَرَ، كما رُوِىَ عنه، عليه السَّلامُ، أنَّه قاء فأفْطَرَ 1. فإن قِيلَ: فقد رُوِىَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَأى الحاجِمَ والمُحْتَجِمَ يَغْتابانِ، فقالَ ذلك.
قُلْنا: لم تَثْبُتْ صِحَّةُ هذه الرِّوايَةِ، مع أنَّ اللَّفْظَ أَعَمُّ مِن السَّبَبِ، فيَجِبُ الأَخْذُ بعُمُومِ اللَّفْظِ دُونَ خُصُوصِ السَّبَبِ، على أنَّنا قد ذَكَرْنا الحَدِيثَ الذي فيه بَيانُ عِلَّةِ النَّهْىِ عن الحِجامَةِ، وهي الخَوْفُ مِن الضَّعْفِ، فيَبْطُلُ التَّعْلِيلُ بما سِواه، أو تَكُونُ كلُّ واحِدَةٍ منهما عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً.
على أنَّ الغِيبَةَ لا تُفَطِّرُ الصائِمَ إجْماعًا، فلا يَصِحُّ حَمْلُ الحديثِ عليها.
قال أحمدُ: لَأن يكونَ الحديثُ على ما جاء عن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: «أفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ».
أحَبُّ إلينا مِن أن يَكُونَ مِن الغِيبَةِ؛ لأنَّ مَن أراد أن يَمْتَنِعَ
..................................
مِن الحِجامَةِ امْتَنَعَ، وهذا أَشَدُّ على النّاسِ، مَن يَسْلَمُ مِن الغِيبَةِ! فإن قِيلَ: إذا كانت عِلَّةُ النَّهْىِ ضَعْفَ الصائِمِ بها فلا يَقْتَضِى ذلك الفِطْرَ، إنما يَقْتَضِى الكَراهَةَ، ومَعْنَى قولِه: «أفْطَرَ الْحَاجِمُ والْمَحْجُومُ».
أي قَرُبَا مِن الفِطْرِ.
قُلْنا: هذا تَأْوِيلٌ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ، مع أنَّه لا يَصِحُّ في حَقِّ الحاجِمِ؛ لأنَّه لا يُضْعِفُه.
فصل: وإنَّما يُفْطِرُ بما ذَكَرْنا إذا فَعَلَه (عامِدًا، ذاكِرًا لصَوْمِه، وإن فَعَل) شيئًا مِن ذلك (ناسِيًا لم يَفْسُدْ) صومُه.
رُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ الله عنه: لا شئَ على مَن أكَلَ ناسِيًا.
وهو قولُ أبي هُرَيْرَةَ، وابنِ عُمَرَ،
..................................
وعطاءٍ، وطاوُسٍ، وابنِ أبى ذِئْبٍ، والأوْزاعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ، وإسحاقَ.
وقال رَبِيعَةُ، ومالكٌ: يُفْطِرُ؛ لأنَّ ما لا يَصِحُّ الصومُ مع شيءٍ مِن جِنْسِه عَمْدًا، لا يَجُوزُ مع سَهْوِه، كالجماعِ، وتَرْكِ النِّيَّةِ.
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا أكَلَ أحَدُكُمْ أوْ شَرِبَ نَاسِيًا، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ».
مُتَّفَقٌ
..................................
عليه 1. وفى لَفْظٍ: «مَنْ أكلَ أوْ شَرِبَ نَاسِيًا، [فَلَا يُفْطِرْ] 2، فَإنَّمَا هُوَ رِزْقٌ رَزَقَهُ اللهُ» 3. ولأنَّها عِبادَةٌ ذاتُ تَحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ، فكان في مَحْظُوراتِها ما يَخْتَلِفُ عَمْدُه وسَهْوُه، كالصلاةِ والحَجَّ.
فأمَّا النِّيَّةُ فليس
.................................. تَرْكُها فِعْلًا، ولأنَّها شَرْطٌ، والشُّرُوطُ لا تَسْقُطُ بالسَّهْوِ، بخِلافِ المُبْطِلاتِ، والجِماعُ حُكْمُه أغْلَظُ، ويُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عنه.
وَإِنْ طَارَ إِلَى حَلْقِهِ ذُبَابٌ أوْ غُبَارٌ، أوْ قَطَرَ في إِحْلِيلِهِ، أوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ، أو احْتَلَمَ، أوْ ذَرَعَهُ الْقَئُ، أوْ أصْبَحَ وَفِى فِيهِ طَعَامٌ فَلَفَظَهُ، أوِ اغْتَسَلَ، أوْ تَمَضْمَضَ، أوِ اسْتَنْشقَ فَدَخَلَ الْمَاءُ حَلْقَهُ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ.
وَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ أو بَاِلَغَ فِيهِمَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
1063 - مسألة: (فإن فَكَّرَ فأنْزَلَ، لم يَفْسُدْ صومُه).
وحُكِىَ عن أبى حَفْصٍ البَرْمَكِىِّ، أنَّه يَفْسُدُ.
واخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّ الفِكْرَةَ
..................................
تُسْتَحْضَرُ، فتَدْخُلُ تحتَ الاخْتِيارِ، لأنَّ اللهَ تعالى مَدَح الذين يَتَفَكَّرُون في خَلْقِ السَّمواتِ والأرْضِ 1، ونَهَى النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - عن التَّفَكُّرِ في ذاتِ اللهِ 2، ولو كانت غيرَ مَقْدُورٍ عليها لم يَتَعَلَّقْ بها ذلك، كالاحْتِلامِ.
فأمّا إن خَطَر بقَلْبِه صُورَةُ ذلك الفِعْلِ، فأنْزَلَ، لم يَفْسُدْ صَوْمُه، كالاحْتِلامِ.
ولَنا، قَوْلُه عليه الصلاةُ والسَّلامُ: «عُفِىَ لأُمَّتِى عَمّا حَدّثَتْ بِهِ أنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ، أوْ تَعْمَلْ بِهِ» 3. ولأنَّه لا نَصَّ في الفِطْرِ به ولا إجْماعَ، ولا يُمْكِنُ قِياسُه على تَكْرارِ النَّظَرِ، لأنَّه دُونَه في اسْتِدْعاءِ الشَّهْوَةِ، وإفْضائِه إلى الإِنْزالِ، ويُخالِفُه في التَّحْرِيمِ إذا تَعَلَّقَ بأجْنَبِيَّةٍ، أو الكَراهَةِ إن كان في زَوْجَةٍ، فبَقِىَ على الأصْلِ.
إذا ثَبَتَ ذلك في الأكْلِ والشُّرْبِ،
..................................
ثَبَت في سائِرِ ما ذَكَرْنا قِياسًا عليه، ولَنا في الجِماعِ مَنْعٌ.
فصل: وإن فَعَل شيئًا مِن ذلك وهو نائِمٌ، لم يَفْسُدْ صومُه؛ لأنَّه لا قَصْدَ له ولا عِلْمَ بالصومِ، فهو أعْذَرُ مِن النّاسِى.
فإن فَعَلَه جاهِلًا بتَحْرِيمِه، فذَكَرَ أبو الخَطّابِ، أنَّه لا يُفْطِرُ 1، كالنّاسِى.
قال شيخُنا 2: ولم أرَه عن غيرِه.
وقولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» 3. في حَقِّ الرَّجُلَيْن اللَّذَيْن رَآهما يَحْجِمُ أحَدُهما صاحِبَه، مِن جَهْلِهما بتَحْرِيمِه، يَدُلُّ على أنَّ الجَهْلَ لا يُعْذَرُ به، ولأنَّه نَوْعُ جَهْلٍ، فلم يَمْنَعِ الفِطْرَ، كالجَهْلِ بالوَقْتِ في حَقِّ مَن أكَلَ يَظُنُّ أنَّ الفَجْرَ لم يَطْلُعْ، وتَبَيَّنَ بخِلافِه.
فصل: فإن فَعَلَه مُكْرَهًا بالوَعِيدِ، فقالَ ابنُ عَقِيلٍ: قال أصحابُنا: لا يُفْطِرُ به، لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِىَ لأُمَّتِى عَنِ الْخَطأ وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» 4. قال: ويَحْتَمِلُ عندى أن يُفْطِرَ؛ لأنَّه فَعَل المُفْطِرَ لدَفْعِ الضَّرَرِ عن نَفْسِه، أَشْبَهَ المَرِيضَ، ومَن شَرِب لدَفْعِ العَطَشِ، فأمّا المُلْجَأُ فلا يُفْطِرُ؛ لأَنَّه خَرَج بذلك عن حَيِّزِ الفِعْلِ، ولذلك لا يُضافُ إليه، ولذلك افْتَرَقا فيما إذا أُكْرِهَ على قَتْلِ آدَمِىٍّ فقَتَلَه،
.................................. أو أُلقِىَ عليه.
1064 - مسألة: (وإن طار إلى حَلْقِه ذُبابٌ أو غُبارٌ، أو قَطَرَ في إحْلِيلِه، أو فَكَّرَ فأنْزَلَ، أو احْتَلَمَ، أو ذَرَعَه القَىْءُ، أو أصْبَحَ وفى فِيه طَعامٌ فلَفَظَه، أو اغْتَسَلَ، أو تَمَضْمَضَ، أو اسْتَنْشَقَ فدَخَلَ الماءُ حَلْقَه، لم يَفْسُدْ صَوْمُه، وإن زاد على الثَّلاثِ أو بالَغَ فيهما، فعلى وَجْهَيْن) إذا دَخَل حَلْقَه غُبارٌ مِن غيرِ قَصْدٍ، كغُبارِ الطَّرِيقِ، ونَخْلِ الدَّقِيقِ، أو الذُّبابَةُ تَدْخُلُ حَلْقَه، أو يُرَشُّ عليه الماءُ فيَدْخُلُ مسامِعَه أو حَلْقَه، أو يُلْقَى في ماءٍ فيَصِلُ إلى جَوْفِه، أو يَدْخُلُ حَلْقَه بغيرِ اخْتِيارِه، أو تُداوَى 1 جائِفَتُه أو مَأْمُومَتُه بغيرِ اخْتِيارِه، أو يُحْجَمُ كُرْهًا، أو تُقَبِّلُه امْرأَةٌ بغيِرِ اخْتِيارِه فيُنْزِلُ، وما أشْبَهَ ذلك، لا يَفْسُدُ صَوْمُه.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، أشْبَهَ ما لو دَخَل حَلْقَه شئٌ وهو نائِمٌ.
وكذلك الاحْتِلامُ؛ لأنَّه عن غيرِ اخْتِيارٍ منه، فأشْبَهَ ما ذَكَرْنا.
وفى معنى ذلك إذا ذَرَعَه القَىْءُ؛ لأنَّه بغيرِ اخْتِيارِه، فهو كالاحْتِلام.
فصل: فإن قَطَرَ في إحْلِيلِه دُهْنًا، لم يُفْطِرْ به، سَواءٌ وَصَل إلى المَثانَةِ
..................................
أم لا.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: يُفْطِرُ؛ لأنَّه أوْصَلَ الدُّهْنَ إلى جَوْفٍ في جَسَدِه، فأفْطَرَ، كما لو داوَى الجائِفَةَ، ولأنَّ المَنِىَّ يَخْرُجُ مِن الذَّكَرِ فيُفَطرِّه، وما أفْطرَ بالخارِجِ منه جاز أن يُفْطِر بالدّاخِلِ منه، كالفَمِ.
ولَنا، أنَّه ليس بينَ باطِنِ الذَّكَرِ والجَوْفِ مَنْفَذٌ، وإنَّما يَخْرُجُ البَوْلُ رَشْحًا، فالذى يَتْرُكُه فيه لا يَصِلُ إلى الجَوْفِ، فلا يُفْطِرُه، كالذى يَتْرُكُهْ في فِيهِ ولا يَبْلَعُه.
1065 -
مسألة؛ قال: (أو أصْبَحَ وفى فِيه طَعامٌ فلَفَظَه)
إذا أَصْبَحَ في فِيه شئٌ مِن الطَّعامِ، لم يَخْلُ مِن حالَيْنِ؛ أحدُهما، أن يَكُونَ يَسِيرًا لا يُمْكِنُه لَفْظُه فيَزَدَرِدَه 1، فإنَّه لا يُفْطِرُ به؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه،
..................................
أشْبَهَ الرِّيقَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ على ذلك أهْلُ العِلْمِ.
الثانِى، أن يَكُونَ كَثِيرًا يُمْكِنُه لَفْظُه، فإن لَفَظَه فلا شئَ عليه، وكذلك إن دَخَل حَلْقَه بغيرِ اخْتِيارِه؛ لمَشَقَّةِ الاحْتِرازِ منه، وإنِ ابْتَلَعَه عامِدًا، فَسَد صَومُه.
وهو قولُ الأكْثَرين.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَفْسُدُ؛ لأَنَّه لا بُدَّ أن يَبْقَى بينَ أسْنانِه شيءٌ ممّا يَأْكُلُه، فلم يُفْطِرْ بابْتِلاعِه، كالرِّيقِ.
ولَنا، أنَّه بَلَع طَعامًا يُمْكِنُه لَفْظُه باخْتِياره ذاكِرًا لصَومِه، فأفْطَرَ به، كما لو ابْتَلَعَ ابْتِداءً مِن خارِجٍ، ويُخالِفُ ما يَجْرِى به الرِّيقُ، فإنَّه لا يُمْكِنُه لفْظُه.
فإن قِيلَ: يُمْكِنُه أن يَبْصُقَ.
قُلْنا: لا يَخْرُجُ جَمِيعُ الرِّيقِ ببُصاقِه، وإن مُنِع مِن ابْتِلاعِ رِيقِه كلِّه، لم يُمْكِنْه.
1066 -
مسألة؛ قال: (أو اغْتَسَلَ، أو تَمَضْمَضَ، أو اسْتَنْشَقَ فدَخَلَ الماءُ حَلْقَه، لم يَفْسُدْ صَومُه)
المَضْمَضَةُ والاسْتِنْشاقُ لا تُفْطِرُ بغيرِ خِلافٍ، سَواءٌ كان في طهارةٍ أو غيرِها، وقد رُوِىَ عن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّ
..................................
عُمَرَ سَألَه عن القُبْلَةِ للصّائِمِ، فقالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ مِنْ إنَاءٍ وَأنْتَ صَائِمٌ».
قُلْتُ: لا بَأْسَ.
قال: «فَمَه؟» 1. ولأنَّ الفَمَ في حُكْمِ الظاهِرِ، فلا يَبْطُلُ الصومُ بالواصِلِ إليه، كالأنْفِ والعَيْنِ.
فإن تَمَضْمَضَ، أو اسْتَنْشَقَ في الطهارةِ، فسَبَقَ الماءُ إلى حَلْقِه مِن غيرِ قَصْدٍ ولا إسْرافٍ، فلا شئَ عليه.
وهذا قولُ الأوْزاعِىِّ، وإسحاقَ، والشافعىِّ، في أحَدِ قَوْلَيْه.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: يُفْطِرُ؛ لأنَّه أوْصَلَ الماءَ إلى حَلْقِه ذاكِرًا لصَومِه، فأفْطَرَ، كما لو تَعَمَّدَ شُرْبَه.
ولَنا، أنَّه وَصَل إلى حَلْقِه مِن غيرِ قَصْدٍ ولا إسْرافٍ، أَشْبَهَ ما لو طارَتْ ذُبابَةٌ إلى حَلْقِه، وبهذا فارَقَ المُتَعَمِّدَ.
..................................
فصل: فأمّا (إن زاد على الثَّلاثِ، [أو بالغَ] 1 في الاسْتِنْشاقِ والمَضْمَضَةِ، فقد فَعَل مَكْرُوهًا؛ لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - للَقِيطِ بنِ صَبِرَةَ: «وَبَالِغْ في الِاسْتِنْشَاقِ، إلَّا أن تَكُونَ صَائِمًا» 2. فإن دَخَل الماءُ حَلْقَه، فقالَ أحمدُ: يُعْجِبُنِى أن يُعِيدَ الصومَ.
وفيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُفْطِرُ؛ لأنَّه فَعَل مَكْرُوهًا تَعَرَّضَ به إلى إيصالِ الماءِ إلى حَلْقِه، أشْبَهَ مَن أنْزَلَ بالمُباشَرَةِ، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن المُبالَغَةِ حِفْظًا للصومِ، فدَلَّ على أنَّه يُفْطِرُ به، ولأنَّه وَصَل بفِعْلٍ مَنْهِىٍّ عنه، أشْبَهَ التَّعَمُّدَ 3.
..................................
والثانِى، لا يُفْطِرُه؛ لأنَّه وَصَل مِن غيرِ قَصْدٍ، أشْبَهَ غُبارَ الدَّقِيقِ إذا دَخَل حَلْقَه وَقْتَ نَخْلِه.
فأمّا المَضْمَضَةُ لغيرِ طهارةٍ، فإن كانت لحاجَةٍ، كغَسْلِ فَمِه عندَ الحاجَةِ إليه ونَحوِه، فحُكْمُه حُكْمُ المَضْمَضَةِ للطهارةِ.
وإن كان عَبَثًا، أو تَمَضْمَضَ مِن أجْلِ العَطَشِ، كُرِه.
وسُئِل أحمدُ عن الصائِمِ يَعْطَشُ فيُمَضْمِضُ ثم يَمُجُّه، قال: يَرُشُّ على صَدْرِه أحَبُّ إلَىَّ.
فإن فَعَل فوَصَلَ الماءُ إلى حَلْقِه، أو تَرَك الماءَ في فِيه عابِثًا، أو للتَّبَرُّدِ، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ في الزائِدِ على الثَّلاثِ؛ لأنَّه مَكْرُوهٌ.
فصل: ولا بَأْسَ أن يَصُبَّ الماءَ على رَأْسِه مِن الحَرِّ والعَطَشِ؛ لِما رُوِىَ عن بعضِ أصحابِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: لقد رَأَيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالعَرْجِ 1 يَصُبُّ على رَأْسِه الماءَ وهو صائِمٌ مِن العَطَشِ أو مِن الحَرِّ.
رَواه أبو داودَ 2.
..................................
فصل: ولا بَأْسَ أن يَغْتَسِلَ الصائِمُ؛ فإنَّ عائشةَ، وأُمَّ سَلَمَةَ، قالَتا: نَشْهَدُ على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إن كان ليُصْبِحُ جُنُبًا مِن 1 غيرِ احْتِلامٍ، ثم يَغْتَسِلُ، ثم يَصُومُ.
مُتَّفَقٌ عليه 2. وروَى أبو بكرٍ، بإسْنادِه، أنَّ ابنَ عباسٍ دَخَل الحَمّامَ وهو صائِمٌ، هو وأصحابٌ له في شهرِ رمضانَ.
فأمَّا الغَوْصُ في الماءِ، فقالَ أحمدُ، في الصائِمِ يَنْغَمِسُ في الماءِ: إذا لم يَخَفْ أن يَدْخُلَ في مَسامِعِه.
وكَرِه الحسنُ، والشَّعْبِىُّ أن يَنْغَمِسَ في الماءِ، خَوْفًا أن يَدْخُلَ في مَسامِعِه.
فإن دَخَل إلى مَسامِعِه في الغُسْلِ الِمَشْرُوعِ، مِن غيرِ قَصْدٍ ولا إسْرافٍ، لم يُفْطِرْ، كالمَضْمَضَةِ في الوُضُوءِ.
وإن غاصَ في الماءِ، أو أسْرَفَ، أو كان عابِثًا، فحُكْمُه حُكْمُ الدّاخِلِ إلى الحَلْقِ مِن المُبالَغَةِ والزِّيادَةِ على الثَّلاثِ، على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ.
وَمَنْ أَكَلَ شَاكًّا في طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
1067 - مسألة: (وإن أكَلَ شاكًّا في طُلُوعِ الفَجْرِ، فلا قَضاءَ عليه)
إذا أكَلَ وهو يَشُكُّ في طُلُوعِ الفَجْرِ، وِ لم يَتَبَيَّنْ له الحالُ، فلا قَضاءَ عليه، وله الأكْلُ حتى يَتَيَقَّنَ طُلُوعَ الفَجْرِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ ابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ، والأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ.
ورُوِىَ مَعْنَى ذلك عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، [وابنِ عُمَرَ] 1، رَضِىَ الله عنهم.
وقال مالكٌ: يَجبُ القضاءُ، كما لو أكَلَ شَاكًّا في غُرُوبِ الشمس.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ 2. مَدَّ الأكْلَ إلى غايَةِ التَّبَيُّنِ، وقد يكونُ شاكًّا قبلَ التبَّيُّنِ، فلو لَزِمَه القَضاءُ لحرُمَ عليه الأكْلُ، وقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَكُلُوا، وَاشْرَبُوا،.
حَتَّى يُؤذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» 3. وكان رجلًا أعْمَى، لا يُؤذِّنُ حتى يُقالَ له: أصْبَحْتَ، أصبحتَ 4. ولأنَّ
وَإنْ أَكلَ شَاكًّا في غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
الأصْلَ بَقاءُ اللَّيْلِ، فيَكُونُ زَمَنُ الشَّكِّ منه ما لم يُعْلَمْ يَقِينُ (1) زَوالِه، بخِلافِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فإنَّ الأصْلَ بَقاءُ النَّهارِ، فبَنَى عليه.
1068 -
مسألة: (وإن أكَلَ شاكًّا في غُرُوبِ الشمسِ، فعليه القَضاءُ)
إذا لم يَتَبَيَّنْ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ النَّهارِ.
فإن كان حينَ الأكْلِ ظانًّا أنَّ الشمسَ قد غَرَبَتْ، ثم شَكَّ بعدَ الأكْلِ، ولم يَتَبَيَّنْ، فلا قَضاءَ عليه؛ لأنَّه لم يُوجَدْ يَقِينٌ أزال ذلك الظَّنَّ الذي بَنَى عليه، فأشْبَهَ ما لو صَلَّى بالاجْتِهادِ ثم شَكَّ في الإصابةِ بعدَ صلاتِه.
وَإنْ أَكَلَ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَيْلٌ فَبَانَ نَهَارًا، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
1069 - مسألة: (ومَن أكَلَ مُعْتَقِدًا أنَّه لَيْلٌ فبان نَهارًا، فعليه القَضاءُ)
وذلك أن يَظُنَّ أنَّ الشمسَ قد غابَتْ، ولم تَغِبْ، أو أنَّ الفَجْرَ لم يَطْلُعْ، وقد طَلَعَ، فيَجِبُ عليه القَضاءُ.
هذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
وحُكِىَ عن عُرْوَةَ، ومُجاهِدٍ، والحسنِ، وإسحاقَ: لا قَضاءَ عليهم؛ لِما روَى زيدُ بنُ وَهْبٍ، قال: كُنْتُ جالِسًا في مَسْجِدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في رمضانَ، في زَمَنِ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، فأُتِينَا بعِساسٍ 1 فيها شَرابٌ مِن بَيْتِ حَفْصَةَ، فشَرِبْنا، ونحن نَرَى أنَّه مِن اللَّيْلِ، ثِم انْكَشَفَ السَّحابُ، فإذا الشمسُ طالِعَةٌ، قال: فجَعَلَ الناسُ يَقُولُونَ: نقْضِى يَوْمًا مَكانَه.
فقالَ عُمَرُ: واللهِ لا نَقْضِيه، ما تَجَانَفْنَا لإِثْمٍ 2. ولأنَّه لم يَقْصِدِ الأكْلَ في الصومِ، فلم يَلْزَمْه القَضاءُ، كالنّاسِى.
ولَنا، أنَّه أَكَلِ مُخْتارًا ذاكِرًا للصومِ، فأَفْطَرَ، كما لو أكَلَ يومَ الشَّكِّ، ولأنَّه جَهِل وَقْت الصيام فلم يُعْذَرْ به، كالجَهْلِ بأوَّلِ رمضانَ، ولأَنَّه يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، فأشْبَهَ أكْلَ العامِدِ، وفارَقَ الناسِىَ؛ فإنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه.
وأمّا الخَبَرُ، فرَواه الأثْرَمُ، أَنَّ عُمَرَ قال: مَن أكَلَ فَلْيَقْضِ يَوْمًا مَكانَه 3.
..................................
رَواه مالكٌ في «المُوَطَّأ» 1، أنَّ عُمَرَ قال: الخَطْبُ يَسِيرٌ.
يَعْنِى خِفَّةَ القَضاءِ.
وروَى هِشامُ بنُ عُرْوَةَ، عن فاطِمةَ امْرَأتِه، عن أسْماءَ قالَتْ: أفْطَرْنا على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في يَوْمِ غَيْمٍ، ثم طَلَعَتِ الشمسُ.
قِيلَ لهِشامٍ: أُمِرُوا بالقَضاءِ؟ قال: لا بُدَّ مِن قَضاءٍ.
رَواه البخارىُّ 2.
فصل: ويَجُوزُ للجُنُبِ في اللَّيْلِ أن يُؤخِّرَ الغُسْلَ حتى يُصْبِحَ، ويُتِمُّ صَوْمَه.
وهو قولُ علىٍّ، وابنِ مسعودٍ، وزيدٍ، وأبى الدَّرْداءِ، وأبى ذَرٍّ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وعائشةَ، وأُمِّ سَلَمَةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، في أهلِ الحِجازِ، والثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ، في أهلِ العِراقِ، والأوْزاعِىِّ، في أهلِ الشامِ، واللَّيْثِ، في أهلِ مصرَ، وإسحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ، وأهلِ الظّاهِرِ.
وكان أبو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: لا صَوْمَ له.
ويَرْوِى ذلك عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، ثم رَجَعَ عنه 3. قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: رَجَع أبو هُرَيْرَةَ عن فُتْياه 4. وحُكِىَ عن الحَسَنِ، وسالِمِ بن
..................................
عبدِ اللهِ، يُتِمُّ صومَه، ويَقْضِى.
وعن النَّخَعِىِّ: يَقْضِى في الفَرْضِ دُونَ التَّطَوُّعِ.
وعن عُرْوَةَ، وطاوُسٍ: إن عَلِم بجَنابَتِه في رمضانَ، فلم يَغْتَسِلْ حتى أصْبَحَ، فهو مُفْطِرٌ، وإن لم يَعْلَمْ، فهو صائِمٌ.
وحُجَّتُهم حديثُ أبى هُرَيْرَةَ.
ولَنا، ما روَى أبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارِثِ بنِ هِشامٍ، قال: ذَهَبْتُ أنا وأبى حتى دَخَلْنا على عائشةَ، فقالَتْ: أشْهَدُ على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إن كان ليُصْبِحُ جُنُبًا، مِن جِماع، مِن غيرِ احْتِلامٍ، ثم يَصُومُه.
ثم دَخَلْنا على أُمِّ سَلَمَةَ، فقالَتْ مثلَ ذلك، ثم أتَيْنَا أبا هُرَيْرَةَ، فأخْبَرْناه بذلك، فقال: هما أعْلَمُ بذلك، إنَّما حَدَّثَنِيه الفَضْلُ بنُ العباسِ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. قال الخَطّابِىُّ 2: أحْسَنُ ما سَمِعْتُ في خَبَرِ أبي هريرةَ أنَّه مَنْسُوخٌ؛ لأنَّ الجِماعَ كان مُحَرَّمًا على الصائِمِ بعدَ النَّوْمِ، فلَمّا أباح اللهُ سبحانه الجِماعَ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، جاز للجُنُب إذا أصْبَحَ قبلَ أن يَغْتَسِلَ أن يَصُومَ.
ورَوَتْ عائشةُ أنَّ رجلًا قال للنبىَّ - صلى الله عليه وسلم -: إنِّى أُصْبِحُ جُنُبًا، وأنا أُرِيدُ الصيامَ.
فقالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «وَأَنَا أُصْبِحُ جُنبًا، وَأنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ».
فقالَ له الرجلُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّك لست مِثْلَنا، قد غَفَر اللهُ لك ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وما تأخَّرَ.
فغَضِبَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال: «إنِّى لَأرْجُو أنْ أكُونَ أخْشَاكُمْ للهِ، وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أتَّقِى».
رَواه مسلمٌ، ومالكٌ في «المُوَطَّأ» 3.
فَصْلٌ: وَإذَا جَامَعَ في نَهَارِ رَمَضَانَ في الْفَرْجِ، قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا، [57 ظ] فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، عَامِدًا كَانَ أو سَاهِيًا.
وَعَنْهُ، لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ مَعَ الإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ.
فصل: وحُكْمُ المرأةِ إذا انْقَطَعَ حَيْضُها مِن اللَّيْلِ وأخَّرَتِ الغُسْلَ حتى أصْبَحَتْ، حُكْمُ الجُنُبِ، يَصِحُّ صَوْمُها، إذا نَوَتْ مِن اللَّيْلِ بعدَ انْقِطاعِه.
وقال الأوْزاعِىُّ، والحسنُ بنُ حَىٍّ، وعبدُ المَلك بنُ الماجشُون: تَقْضِى، فَرَّطَت في الاغْتِسالِ، أو لم تُفَرَّطْ؛ لأنَّ حَدَثَ الحَيْضِ يَمْنَعُ الصومَ، بخِلافِ الجَنابَةِ.
ولَنا، أنَّه حَدَثٌ يُوجِبُ الغُسْلَ، فتَأْخِيرُ الغُسْلِ منه إلى أن يُصْبِحَ لا يَمْنعُ صِحَّةَ الصومِ، كالجَنابَةِ، وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ، فإنَّ مَن طَهُرَتْ مِن الحَيْضِ غيرُ حائِضٍ، وإنَّما عليها حَدَثٌ مُوجِبٌ للغُسْلِ، فهي كالجُنُبِ، فإنَّ الجِماعَ المُوجِبَ للغُسْلِ لو وُجِد في الصومِ أفْسَدَه، كالحَيْضِ، وبَقاءُ وُجُوبِ الغُسْلِ منه، كبقَاءِ وُجُوبِ الغُسْلِ مِن الحَيْضِ.
واللهُ أعْلَمُ.
(فصل: وإذا جامَعَ في نَهارِ رمضانَ في الفَرْجِ، قُبُلًا كان أو دُبُرًا، فعليه القَضاءُ والكَفّارَةُ، عامِدًا كان أو ساهِيًا.
وعنه، لا كَفّارَةَ عليه مع الإكراهِ والنِّسْيانِ) هذه المسألةُ تَشْتَمِلُ على خَمْسَةِ أُمُورٍ؛ أحَدُها، أنَّ مَن جامَعَ في نَهارِ رمضانَ في الفَرْجِ، فأنْزَلَ.
أو لم يُنْزِلْ، أو دُونَ الفَرْجِ فأنْزَلَ عامِدًا، فَسَد صَوْمُه بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، وقد دَلَّتِ الأخْبارُ
..................................
الصَّحِيحَةُ على ذلك.
الثانِى، أنَّه يَجِبُ عليه القَضاءُ في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
وقال الشافعىُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه: لا يَجِبُ القَضاءُ على مَن لَزِمَتْه الكَفّارَةُ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَأْمُرِ الأعْرابِىَّ بالقَضاءِ 1. وحُكِىَ عن الشافعىِّ 2 أنَّه قال: إن كَفَّرَ بالصيامِ فلا قَضاءَ عليه؛ لأنَّه صام شَهْرَيْن مُتَتابِعَيْن.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال للمُجامِعِ: «وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ».
رَواهُ أبو داودَ بإسْنادِه، وابنُ ماجه، والأثْرَمُ 3. ولأَنَّه.
أفْسَدَ يَوْمًا مِن رمضانَ، فلَزِمَه قَضاؤُه، كما لو أَفْسَدَه بالأكْلِ، ولأنَّه صومٌ واجِبٌ أفْسَدَه بالجِماعِ، فوَجَبَ عليه القَضاءُ، كغيرِ رمضانَ.