الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 410-450

وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ، وَجُنُونِهِ، وَالْحَجْرِ لِلسَّفَهِ [وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا] (1).

3038 - مسألة: (وتَنْفَسِخُ بمَوْتِ السيدِ، وجُنُونِه، والحَجْرِ للسَّفَهِ)

اخْتُلِفَ في انْفِساخِها بمَوْتِ السيدِ، فذهبَ القاضي وأصحابُه إلى بُطْلانِها به.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّه عَقْدٌ جائِزٌ مِن الطَّرَفَين، لا يَئُولُ1

وَيَمْلِكُ السَّيِّدُ أَخْذَ مَا في يَدِهِ، وَإِنْ فَضَلَ عَنِ الْأَدَاءِ فَضْلٌ  إلى اللُّزومِ، فبَطَلَ بالمَوْتِ، كالوَكالةِ، ولأنَّ المُغَلَّبَ فيها حكمُ الصِّفَةِ المُجَرَّدَةِ، والصِّفَةُ تَبْطُلُ بالمَوْتِ، كذلك هذه الكِتابَةُ.
وقال أبو بكرٍ: لا تَبْطُلُ بالمَوْتِ، ويَعْتِقُ بالأداءِ إلى الوارِثِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، لأنَّه مُكاتَبٌ يَعْتِقُ بالأداءِ إلى السيدِ، فيَعْتِقُ بالأداءِ إلى الوارِثِ، كالكتابةِ الصَّحِيحَةِ، [ولأنَّ الفاسدةَ كالصحيحةِ] 1 في بابِ العِتْقِ بالأداءِ، فكذلك في هذا.
واخْتُلِفَ في انْفِساخِها بجُنُونِ السيدِ والحَجْرِ عليه للسفَهِ 2، والخلافُ فيه كالخلافِ في بُطلانِها بمَوْتِه.
قال شيخُنا 3: والأوْلَى أنَّها لا تَبْطُلُ ههُنا؛ [لأنَّ الصِّفَةَ] 4 المُجَرَّدَةَ لا تَبْطُلُ (2) بذلك، والمُغَلُّبُ في هذه الكتابةِ حكمُ الصِّفَةِ المُجَرَّدَةِ، فلا تَبْطُلُ به.
فعلى هذأ، لو أدَّى إلى سيدِه بعدَ ذلك عَتَقَ، ولا يَعْتِقُ عندَ مَن أبْطَلَها.
فصل: (ويَمْلِكُ السيدُ أخْذَ ما في يَدِه، وإن فَضَلَ عن الأداءِ فَضْلٌ

فَهُوَ لِسَيِّدِهِ.
وَهَلْ يَتبَعُ الْمُكَاتَبَةَ وَلَدُهَا فِيهَا؟ عَلَى وَجْهَينِ.
وَقَال  فهو لسيدِه) هذا قولُ أبي الخَطَّابِ؛ لأنَّ كَسْبَ العبْدِ لسيدِه بحكمِ الأصْلِ، والعَقْدُ ههُنا فاسدٌ، لم يثْبُتِ الحُكْمُ في وُجوبِ العِوَضِ في ذِمَّتِه، فلم يُنْقَلِ المِلْكُ في المُعَوَّضِ، كسائِرِ العُقُودِ الفاسِدَةِ، ولأنَّ المُغَلَّبَ فيها حُكْمُ الصِّفَةِ المُجَرَّدَةِ، وهي لا تَثْبُتُ له في كَسْبِه، فكذا ههُنا.
وفارَقَ الكِتَابَةَ الصَّحِيحَةَ، فإنَّها أثْبَتَتِ المِلْكَ (1) في العِوَضِ فأثْبَتَتْه في المُعَوَّضِ.
وقال القاضي: ما في يَدِ المُكاتَبِ وما يَكْسِبُه وما يَفْضُلُ في يَدِه بعدَ الأداءِ له.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّها كِتابَةٌ يَعْتِقُ بالأداءِ فيها، فيَثْبُتُ هذا الحُكْمُ فيها، كالصَّحِيحَةِ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِمَا بينَ الفاسِدَةِ والصَّحِيحَةِ مِن الفُرُوقِ.

3039 -

مسألة: (وهل يَتْبَعُ المُكاتَبَةَ وَلَدُها فيها؟ على وَجْهَين)

1

أَبُو بَكْرٍ: لَا تَنْفَسِخُ بِالْمَوْتِ وَلَا الْجُنُونِ وَلَا الْحَجْرِ، وَيَعْتِقُ بِالأَدَاءِ إِلَى الْوَارِثِ.
أحدُهما، يَتْبَعُها؛ لأنَّها كِتابَةٌ تَعْتِقُ فيها بالأداءِ، فيَعْتِقُ وَلَدُها به، كالكِتابَةِ الصَّحِيحَةِ.
والثاني، لا يَتْبَعُها.
وهو أقْيَسُ وأصَحُّ؛ لأنَّ الأصْلَ بقاءُ الرِّقِّ فيه، فلا يَزُولُ إلَّا بنَصٍّ ومَعْنَى نَصٍّ، وما وُجِدَ واحِدٌ منهما، ولا يَصِحُّ القِياسُ على الكتابةِ (1) الصَّحِيحَةِ؛ لما ذَكَرْنا مِن الفَرْقِ بَينَهما فيما تَقَدَّم، فيَبْقَى على الأصْلِ.

3040 -

مسألة: (وقال أبو بكرٍ: لا تَنْفَسِخُ)

بمَوْتِ السيدِ، ولا جُنُونِه، ولا الحَجْرِ عليه للسَّفَهِ.
وقد ذَكَرْناه.
واللهُ أعلمُ.1

بَابُ أحْكَامَ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ

بابُ أحْكامَ أُمَّهاتِ الأوْلادِ أُمُّ الوَلَدِ هي التي وَلَدَتْ مِن سَيِّدِها في مِلْكِه.
ولا خِلافَ في إباحَةِ التَّسَرِّي ووَطْءِ الإِماءِ؛ لقولِ الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ﴾ 1. وقد كانت مارِيَةُ القِبْطِيَّةُ أُمَّ ولَدٍ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، [وهي أُمُّ] 2 إبراهيمَ [بن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -] (2) التي قال فيها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَعْتَقَها وَلَدُها» 3. وكانت هاجَرُ سُرِّيَّةَ إبْراهِيمَ عليه الصلاةُ والسلامُ، أُمُّ إسماعيلَ - عليه السلام -. وكان لعمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِيَ اللهُ عنه، أُمَّهاتُ أوْلادٍ أوْصَى لكُلِّ واحِدَةٍ منهنَّ بأرْبَعِمائةٍ 4، وكان لعليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أُمَّهاتُ أوْلادٍ 5، ولكثيرٍ مِن الصحابَةِ.
وكان عليُّ بنُ الحسينِ، والقاسِمُ بنُ محمدٍ، وسالمُ بنُ عبدِ اللهِ، مِن أُمَّهاتِ أوْلادٍ.
ويُرْوَى أنَّ النَّاسَ لم يكونُوا يَرْغَبُونَ في أمَّهاتِ الأوْلادِ

وَإِذَا عَلِقَتِ الْأَمَةُ مِنْ سَيِّدِهَا، فَوَضَعَتْ مِنْهُ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ بَعْضُ خَلْقِ الْإِنْسَانِ، صَارَتْ لَهُ بِذَلِكَ أُمَّ وَلَدٍ، فَإِذَا مَاتَ  حتى وُلِدَ هؤلاء الثَّلاثةُ، فرَغِبَ النَّاسُ فِيهِنَّ.
ورُوِيَ عن سالِم بنِ عبدِ اللهِ، قال: كان لابنِ رَواحَةَ جارِيَةٌ، وكان يُرِيدُ الخَلْوَةَ بها، وكانتِ امْرَأتُه تَرْصُدُه، فخَلَا البَيتُ فَوَقَعَ عليها، فنَذِرَتْ به (1) امْرَأتُه، فقالت: أفَعَلْتَها؟ قال: ما فَعَلْتُ.
قالت: فاقْرأْ إذًا.
فقال: شَهدْتُ بأنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ … وأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الكافرِينا (2) وأَنَّ العَرْشَ فَوْقَ الماءِ طافٍ … وفَوْقَ العَرْشِ رَبُّ العَالمِينا وتَحْمِلُه مَلائِكةٌ شِدادٌ … مَلائِكَةُ الإِلهِ مُسَوّمِينا (3) قالت: أما إذْ قَرأْتَ فاذْهَبْ.
فأتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فأخْبَرَه، قال: فلقد رَأيتُه يَضْحَكُ حتى تَبْدُوَ (4) نَواجِذُه، ويقولُ: «هِيهِ، كَيفَ قُلْتَ؟».
فأُكرِّرُه عليس، فيَضْحَكُ (5).

3041 -

مسألة: (إذا حَمَلَتِ الأمَةُ مِن سيدِها، فوضَعَتْ منه ما يَتَبَيَّنُ فيه بعضُ خَلْقِ الإِنْسانِ، صارت له بذلك أُمَّ وَلَدٍ، فإذا ماتَ عَتَقَتْ

12345

عَتَقَتْ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ غَيرَهَا.
وإن لم يَمْلِكْ غَيرَها) ذَكَر ههُنا لمَصِيرِ الأمَةِ أُمَّ وَلَدٍ شَرْطَين؛ أحدُهما، أن تَحْمِلَ به في مِلْكِه، سواءٌ كان مِن وَطْءٍ مُباحٍ، أو مُحَرَّمٍ؛ كالوَطْءِ في الحَيضِ، والنِّفاسِ، والإِحْرامِ، والظِّهارِ.
فأمَّا إن عَلِقَتْ منه في غيرِ مِلْكِه لم تصِرْ بذلك أُمِّ ولدٍ، سَواءٌ عَلِقَت منه بمَمْلوكٍ، مثلَ أن يَطَأَها في مِلْكِ غيرِه بنِكاحٍ أو زِنًى، أو عَلِقَتْ بحُرٍّ، مثلَ أن يَطَأَها بشُبْهَةٍ، أو غُرَّ مِن أمَةٍ، فتَزَوَّجَها على أنَّها حُرَّةٌ فاسْتَوْلَدَها، أو اشْتَرَى جارِيَةً فاسْتَوْلَدَها ثم ظَهَرَتْ مُسْتَحَقَّةً، فإنَّ الولدَ حُرٌّ، ولا تَصِيرُ الأمَةُ أُمَّ وَلَدٍ في هذه المواضِعِ بحالٍ.
فإن مَلَكَها بعدَ ذلك، ففيه اخْتِلافٌ، يُذْكَرُ إنْ شاء اللهُ تعالى.
الشرطُ الثَّاني، أن تَضَعَ ما يَتَبَيَّنُ فيه شيءٌ مِن خَلْقِ الإِنْسانِ، من رَأْسٍ، أو يَدٍ، أو رِجْلٍ، أو تَخْطيطٍ 1، سواءٌ وضَعَتْه حيًّا أو مَيِّتًا، وسواءٌ أسْقَطَتْه أو كان تَامًّا.
قال عمرُ، رَضِيَ اللهُ عنه: إذا وَلَدَتِ الأمَةُ مِن سيدِها فقد عَتَقَتْ، وإن كان سَقْطًا 2. وروَى الأثْرَمُ بإسْنادِه

..................................  عن ابنِ عمرَ 1، أنَّه قال: أعْتَقَها وَلَدُها وإن كان سَقْطًا.
وقال الأثْرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: أُمُّ الولدِ إذا أسْقَطَتْ لا تَعْتِقُ؟ فقال: إذا تَبَيَّنَ فيه يَدٌ أو رِجْلٌ أو شيءٌ مِن 2 خَلْقِه فقد عَتَقَتْ.
هذا قولُ الحسنِ، والشافعيِّ.
وقال الشَّعْبِيُّ: إذا نَكَس في الخَلْقِ الرابِعِ فكان مُخَلَّقًا، انْقَضَتْ به عِدَّةُ الحُرَّةِ، وأُعْتِقَتْ به الأمَةُ.
قال شيخُنا 3: ولا أعْلَمُ في هذا خِلافًا بينَ مَن قال بِثُبُوتِ حكمِ الاسْتِيلادِ.
فأمَّا إن ألْقَتْ نُطْفَةً أو عَلَقَةً، لم يثْبُتْ به شيءٌ مِن أحْكامِ الولادَةِ؛ لأنَّه ليس بولدٍ.
وروَى يُوسُف بنُ موسى، أنَّ أبا عبدِ اللهِ قيل له: ما تقولُ في الأمَةِ إذا ألْقَتْ مُضْغَةً أو عَلَقَةً؟ قال: تَعْتِقُ.
وهذا قولُ إبراهيمَ النَّخَعِيِّ 4. وذَكَرَ الخِرَقِيُّ لمصيرِها أُمَّ وَلَدٍ شَرْطًا ثَالِثًا، وهو أن تحْمِلَ بحُرِّ.
ويُتَصَوَّرُ ذلك في المِلْكِ في مَوْضِعَين؛ أحدُهما، في العبدِ إذا مَلَّكَه سيِّدُه أمةً 5، وقُلْنا:

..................................  إنَّه يَمْلِكُ.
فوَطِئَ أمَتَه، فاسْتَوْلَدَها، فوَلَدُه مَمْلوكٌ، ولا تَصِيرُ الأمَةُ به أمَّ وَلَدٍ يثْبُتُ لها حُكمُ الاسْتِيلادِ بذلك، وسَواءٌ أذِنَ له سيدُه في التَّسَرِّي بها أو لم يَأْذَنْ.
الثاني، إذا اسْتَوْلَدَ المُكاتَبُ أمَتَه، فإنَّ ولدَه مَمْلوكٌ له، ولا يثْبُتُ للأمَةِ أحْكامُ أُمِّ الوَلَدِ في العِتْقِ بمَوْتِه في الحالِ؛ لأنَّ المُكاتَبَ ليس بحُرٍّ، وكذلك وَلَدُهُ منها، فأوْلَى أن لا تَتَجَرَّرَ هي.
ومتى عَجَزَ المُكاتَبُ وعاد إلى الرِّقِّ، أو ماتَ قبلَ أداءِ كِتابَتِه، فهي أمَةٌ قِنٌّ، كالعبدِ القِنِّ.
وهل يَمْلِكُ المُكاتَبُ بَيعَها؟ فيه خِلافٌ ذَكَرْناه في بابِ المُكاتَبِ.

3042 -

مسألة: وتَعْتِقُ بمَوْتِ سيدِها مِن رَأْسِ المَالِ، وإن لم يَمْلِكْ سواها.

وهذا قولُ كلِّ مَن رَأَى عِتْقَهُنَّ، لا نَعْلَمُ بينَهم خِلافًا في

..................................  ذلك.
وسَواءٌ وَلَدَت في الصِّحَّةِ أو المرضِ، لأنَّه حاصِل بالْتِذاذِه وشَهْوَتِه، وما يُتْلِفُه 1 في لذَّاتِه، يَسْتَوي فيه حالُ الصِّحَّةِ والمرضِ، كالذي يأكُلُه ويَلْبَسُه.
ولأنَّ عِتْقَها بعدَ الموتِ، وما يكونُ بعدَ الموتِ يَسْتَوي فيه المَرَضُ والصِّحَّةُ، كقَضاءِ الدَّينِ، والتَّدْبِيرِ، والوَصِيَّةِ.
قال سعيدٌ 2: حدثنا سُفْيان 3، عن يَحْيَى بنِ سعيدٍ، عن نافع، قال: أدْرَكَ ابنَ عمرَ رجلانِ، فقالا: إنَّا تَرَكْنا هذا الرجلَ يَبِيعُ أُمَّهاتِ الأوْلادِ.
يَعْنِيانِ ابنَ الزُّبَيرِ.
فقال ابنُ عمرَ، أتَعْرِفان أبا حَفْصٍ؟ فإنَّه قَضَى في أُمَّهاتِ الأولادِ أن لا يُبَعْنَ، ولا يُوهَبْنَ، يَسْتَمْتِعُ بها صاحِبُها، فإذا مات فهي حُرَّةٌ.
وقال 4: حدثنا عتابٌ 5، عن خُصَيفٍ، عن عِكْرمَةَ، عن ابن عباس، قال: قال عمرُ: ما مِن رَجُلٍ كان يُقِرُّ بأنَّه كان 6 يَطَأُ

..................................  جارِيَتَه، يموتُ، إلَّا أعْتَقَها 1 [إذا وَلَدَتْ] 2، وإنْ كان سَقْطًا.
وروَى ابنُ ماجه 3 عن ابنِ عباس، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَيُّما أمَةٍ وَلَدَتْ مِن سَيِّدِها، فهي حُرَّةٌ عن دُبُرٍ 4 منه».
فصل: وإذا عَتَقَتْ بمَوْتِ سيدِها، فما كان في يَدِها مِن شيءٍ فهو لوَرَثَةِ سيدِها؛ لأنّ أُمُّ الوَلَدِ أمَةٌ، وكَسْبُها لسيدِها، وسائِرُ ما في يَدِها له، فإذا مات سيدُها فعَتَقَتْ، انْتَقَلَ ما في يَدِها إلى ورَثَتِه، كسائِرِ مالِه، وكما في يَدِ المُدَبَّرَةِ، بخِلافِ المُكاتَبَةِ، فإنَّ كَسْبَها في حياةِ سيدِها لها، فإذا عَتَقَتْ بَقِيَ لها كما كان لها قبلَ العِتْقِ.
فصل: ولا فَرْقَ بينَ المُسْلِمَةِ والكافِرَةِ، والعَفِيفَةِ والفاجِرَةِ، ولا بينَ المسلمِ والكافِرِ، والعَفِيفِ والفَاجِرِ، في هذا، في قولِ أهلِ الفَتْوَى مِن أهلِ الأمْصارِ؛ لأنَّ ما يتعلَّقُ به العِتْقُ يَسْتَوي فيه المسلمُ والكافِرُ، كالتَّدْبِيرِ والكتابَةِ، ولأنَّ عِتْقَها بسَبَبِ اخْتلاطِ دَمِها بدَمِه ولحمِها بلَحْمِه، فإذا اسْتَوَيا [في النسبِ، استويا] 5 في حُكْمِه.
وقد روَى سعيدٌ 6، حدثنا

وَإنْ وَضَعَتْ جِسْمًا لَا تَخْطِيطَ فِيهِ، فَعَلَى رِوَايَتَينِ.
هُشَيمٌ، حدثنا منصور، عن ابن سِيرِين، عن أبي عَطِيَّةَ الهَمْدانِيِّ، عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، قال في أُمِّ الولدِ: إن أسْلَمَتْ وأحْصَنَتْ وعَفَّت (1)، أُعْتِقَتْ، وإن كَفَرَتْ وفَجَرَتْ وغَدَرَتْ، رَقَّتْ.
وقال (2): حدثنا (3) هشَيمٌ، حدثنا يحيى بنُ آدمَ، عن أُمِّ وَلَدِ رجلٍ ارْتَدَّتْ عن الإِسلامِ، فكُتِبَ في ذلك إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، فكَتَبَ عمرُ أن يبيعُوها [بأرضٍ ليس بها] (4) أحَدٌ بِن أهلِ دِينِها.
فعلى هذا الحديثِ، يَنْبَغِي أن يَخْتَصَّ العِتْقُ بالمُسْلِمَةِ العَفِيفَةِ، وتَرِقَّ الكافرةُ الفاجرةُ.
واللهُ أعلمُ.

3043 -

مسألة: (وإن وَضَعَتْ جسْمًا لا تَخْطيطَ فيه، فعلى رِوايَتَين)

أمَّا إذا وَضَعَتْ مُضْغَةً لم يظْهَرْ فيها شيءٌ مِن خَلْقِ الآدَمِيِّ، فشَهِدَ ثِقاتٌ مِن القَوابِلِ أنَّ فيها صُورَةً خَفِيَّةً، تَعَلَّقَتْ بها الأحْكامُ؛ لأنَّهُنَّ اطَّلَعْنَ1234

..................................  على الصُّورَةِ التي خَفِيَتْ على غَيرِهِنَّ.
وإن لم يَشْهَدْن بذلك، لكنْ عُلِمَ أنَّه مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيِّ بشَهادَتِهنَّ أو غيرِ ذلك، ففيه رِوايَتان؛ إحداهُما، لا تصِيرُ به الأمةُ أُمَّ وَلَدٍ، ولا تَنْقَضِي به عِدَّةُ الحُرَّةِ، ولا يجبُ على الضَّارِبِ المُتْلِفِ له غُرَّةٌ ولا كفَّارَةٌ.
وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، والشافعيِّ، وظاهِرُ ما نَقَلَه الأثْرَمُ عن أحمدَ، وظاهِرُ قَوْلِ الحسنِ، والشَّعْبِيِّ، وسائِرِ مَن اشْتَرَطَ أنْ يَبِينَ فيه شيءٌ مِن خَلْقِ الآدَمِيِّ.
والثانِيَةُ، تَتَعَلَّقُ به الأحْكامُ الأرْبَعةُ؛ لأنَّه مُبْتَدَأ خَلْقِ آدَمِيِّ، أشْبَهَ إذا تَبَيَّنَ.
وخرَّجَ أبو عبدِ اللهِ بنُ حامِدٍ رِوايَةً ثالِثَةً، وهي أنَّ الأمَةَ تصيرُ به 1 أُمَّ ولدٍ، ولا تَنْقَضِي به عِدَّةُ الحُرَّةِ؛ لأنَّه رُوِيَ عن أحمدَ، إذا وَضَعَتْ شيئًا، فمَسَّتْه القَوابِلُ فعَلِمْنَ أنَّه لحمٌ ولم يَتَبَيَّنْ لحمُه، فيُحْتَاطُ في العِدَّةِ بأُخْرَى، ويُحْتاطُ بعِتْقِ الأمَةِ.
فظاهِرُ هذا أنَّه حَكَمَ بعِتْقِ الأمَةِ، ولم يَحْكُمْ بانْقِضاءِ العِدَّةِ؛ لأنَّ عِتْقَ

..................................  الأمَةِ تحصِيلٌ للحُرِّيةِ، فاحْتيطَ بتَحْصِيلها، والعِدَّةُ يتَعَلَّقُ بها تَحْرِيمُ التَّزَوُّجِ وحُرْمَةُ الفَرْجِ، فاحْتِيطَ بإبْقائِها.
وقال بعضُ الشافعِيَّةِ بالعَكْسِ: لا تجبُ العِدَّةُ، ولا تصيرُ الأمَةُ أُمَّ ولدٍ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ كلِّ واحِدٍ منهما، فيَبْقَى على أصْلِه.
ولا يَصِحُّ، لأنَّ العِدَّةَ كانتْ ثابتَةً، والأصْلُ بقاؤها على ما كانت عليه، والأصْلُ في الآدَمِيِّ الحُرِّيةُ، فيُغَلَّبُ 1 ما يُفْضِي إليها.

وَإنْ أَصَابَهَا فِي مِلْكِ غَيرِهِ بِنِكَاحٍ أَوْ غَيرِهِ، ثُمَّ مَلَكَهَا حَامِلًا، عَتَقَ الْجَنِينُ، وَلَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ.
وَعَنْهُ، تَصِيرُ.

3044 - مسألة: (وإن أصابها في مِلْكِ غيرِه بنِكاحٍ أو غيرِه، ثم مَلَكَها حَامِلًا، عَتَقَ الجَنِينُ، ولم تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ)

له (وعنه، تَصِيرُ) وسَواءٌ مَلَكَها حامِلًا فوَلَدَت في مِلْكِه، أو مَلَكَها بعدَ ولادَتِها.
وبه قال الشافعيُّ؛ لأنَّها عَلِقَت منه بمَمْلوكٍ، فلم يثْبُتْ لها حكمُ الاسْتِيلادِ، كما لو زَنَى بها ثم اشْتَراها؛ لأنَّ الأصْلَ 1 الرِّقُّ، وإنَّما خولِفَ هذا الأصْلُ فيما إذا حَمَلَت منه في مِلْكِه، بقولِ الصَّحابَةِ، رَضِيَ اللهُ عنهم، ففيما عَداهُ يَبْقَى على الأصْلِ.
ونَقَلَ ابنُ أبي موسى عن أحمدَ، أنَّها تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ في الحالين.
وهو قولُ الحسنِ، وأبي حنيفةَ؛ لأنَّها أُمُّ وَلَدِه، وهو مالِكٌ لها، فيثْبُتُ لها حُكْمُ الاسْتِيلادِ، كما لو حَمَلَتْ في مِلْكِه.
قال شيخُنا 2: ولم أجِدْ هذه الرِّوايةَ عن أحمدَ فيما إذا مَلَكَها بعدَ ولادَتِها، إنَّما نُقِلَ عنه التَّوقُّف عنها، في رِوايةِ مُهَنَّا، فقال: لا أقُولُ فيها شيئًا.

..................................  وصَرَّحَ في رِوايَةِ سِواه بجَوازِ بَيعِها، فقال: لا أرَى بَأْسًا أن يبِيعَها، إنَّما الحسنُ وَحْدَه قال: إنَّها أُمُّ وَلَدٍ.
وقال: أكثرُ ما سَمِعْنا فيه مِن التَّابِعين يقولون: إنَّها لا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ حتى تَلِدَ عندَه وهو يَمْلِكُها.
كان عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ يقولُ ببَيعِها، وشُرَيحٌ، وإبراهيمُ، والشَّعْبِيُّ 1. أمَّا إذا مَلَكَها حامِلًا، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّها تصِيرُ أُمَّ ولدٍ.
وهو مذهبُ مالكٍ؛ لأنَّها وَلَدَت منه في مِلْكِه، فأشْبَهَ ما لو أحْبَلَها في مِلْكِه.
وقد صَرَّحَ أحمدُ في رِوايَةِ إسْحاقَ بنِ منصورٍ، أنَّها لا تكونُ أُمَّ ولدٍ حتى تُحْدِث عندَه حَمْلًا.
وروَى عنه ابنُه صالحٌ، قال: سألتُ أبي عن الرجلِ يَنْكِحُ الأمَةَ فتَلِدُ منه، ثم يَبْتاعُها.
قال: لا تكونُ أُمَّ ولدٍ له.
قُلْتُ: فإنِ اشْتَراها وهي حامِلٌ منه.
قال: إذا كان الوَطْءُ يَزِيدُ في الولدِ، وكان يَطَؤُها بعد ما اشْتَرَاها وهي حامِلٌ، كانتْ أُمَّ ولدٍ له.
قال ابنُ حامِدٍ: إنْ وطِئَها في ابْتداءِ حَمْلِها أو بواسِطَةٍ، صارت له بذلك أُمَّ ولدٍ؛ لأنَّ الماءَ يَزِيدُ في سَمْعِ

..................................  الولدِ وبَصَرِه.
وقال القاضي: إن مَلَكَها حامِلًا، فلم يَطَأْها حتى وَضَعَت، لم تَصِرْ أُمَّ ولدٍ، وإن وَطِئَها حال حَمْلِها، نَظَرْنا؛ فإن كان بعدَ أن كَمَلَ الولَدُ، وصارَ له خَمْسَةُ أشْهُرٍ، لم تَصِرْ بذلك أُمَّ ولدٍ، وإن وَطِئَها قبلَ ذلك، صارَت له بذلك أُمَّ ولدٍ؛ لأنَّ عمرَ قال: أبعدَ ما اخْتَلَطَتْ دِماؤُكم ودماؤُهُنَّ، ولُحومُكُم ولُحومُهنَّ، بِعْتُمُوهُنَّ 1! فعلَّلَ بالمُخالطَةِ، والمُخالطَةُ ههُنا حاصِلَةٌ؛ لأنَّ الماءَ يَزِيدُ في الولدِ، ولأن لحُريَّةِ البَعْضِ أثَرًا في تَحْرِيرِ الجميعِ، بدليلِ ما لو أعْتَقَ أحَدُ الشَّرِيكَين نَصِيبَه مِن العبدِ.
وقال أبو الخَطَّابِ: إن وَطِئَها بعدَ الشِّراءِ فهي أُمُّ وَلَدٍ.
وكلامُ الخِرَقِيِّ يَقْتَضِي أن لا تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ، إلَّا أن تَحْبَلَ منه في مِلْكِه.
وهو الذي رَواه إسحاقُ بنُ منصورٍ عن أحمدَ.
وهو ظاهِرُ المذهبِ؛ لأنَّها لم تَعْلَقْ منه 2 بحُرٍّ، فلم يثْبُت له حكمُ الاسْتِيلادِ، كما لو زَنَى بها ثم اشْتَراها، ولأنَّ حَمْلَها منه إذا لم يُفِدِ الحُرِّيةَ لوَلَدِها، فلَأن لا يُفِيدَها الحُرِّيةَ أوْلَى.
ويفارِقُ هذا ما إذا حَمَلَت منه في مِلْكِه، فإنَّ الولدَ حُرٌّ،

..................................  فَتتَحَرَّرُ 1 بتَحْرِيرِه.
وما ذَكَرُوه مِن أنَّ الوَلَدَ يَزِيدُ فيه الوَطْءُ، غيرُ مُسْتَيقَنٍ، فلا يثْبُتُ الحكمُ بالشَّكِّ، ولو ثَبَتَ أنَّه زاد، لم يثْبُتِ الحكمُ بهذه الزِّيادَةِ، بدليلِ ما لو مَلَكَها وهي حامِلٌ منه مِن زِنَى أو مِن غيرِه، فوَطِئَها، لم تَصِرْ أُمَّ وَلدٍ وإن زادَ الولَدُ به.
ولأنَّ حُكْمَ الاسْتِيلادِ إنَّما ثَبَتَ بالإِجْماعِ في حَقِّ مَن حَمَلَتْ منه في مِلْكِه، وما عَداه ليس في مَعْناه، وليس فيه نَصٌّ ولا إجْماعٌ، فوجَبَ أن لا يثْبُتَ هذا الحكمُ.
ولأنَّ الأصْلَ الرِّقُّ، فتَبْقَى على ما كانت عليه.
فصل: قال أحمدُ، في مَن اشْتَرَى جارِيَةً حامِلًا مِن غيرِه، فوَطِئَها قبلَ وَضْعِها: فإنَّ الولدَ لا يَلْحَقُ بالمُشْتَرِي، ولا يَبِيعُه، لكنْ يُعْتِقُه، لأنَّه قد شَرِكَ فيه؛ لأنَّ الماءَ يَزِيدُ في الولدِ.
وقد رُوِيَ عن أبي الدَّرْداءِ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه مَرَّ بامرأةٍ مُجِحٍّ 2 على بابِ فُسْطاطٍ، فقال: «لَعَلَّهُ يُرِيدُ أن يُلِمَّ بهَا؟».
قالوا: نَعَم.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ ألْعَنَه لَعْنًا يَدْخُل مَعَهُ قَبْرَه، كَيفَ يُوَرِّثُه وهو لا يَحِلُّ له؟ أمْ كَيفَ يَسْتَخْدِمُه وَهُوَ لا يَحِلُّ له؟».
رَواه أبو داودَ 3. يعني أنَّه إنِ

..................................  اسْتَلْحَقَه وشَرِكَه في مِيرَاثِه لم يَحِلَّ لهِ؛ لأنَّه ليس بولدِه، وإنِ اتَّخَذَه مَمْلُوكًا يَسْتَخْدِمُه لم يَحِلَّ له؛ لأنَّه قد شَرِكَ فيه؛ لكَوْنِ الماءِ يَزِيدُ في الولدِ.
فصل: إذا وَطِئَ الرَّجُلُ جارِيَةَ وَلَدِه، فإن كان قد تَمَلَّكَها وقَبَضَها، ولم يكُنِ الولدُ وَطِئَها، ولا تَعَلَّقَتْ بها حاجَتُه، فقد ملَكَها الأبُ بذلك وصارَتْ جاريَتَه، والحكمُ فيها كما لو اشْتَرَاها.
وإنْ وَطِئَها قبلَ تَمَلُّكِها، فقد فَعَلَ مُحَرَّمًا؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ 1. وهذه ليست زَوْجَتَه ولا مِلْكَ يَمِينِه.
فإن قيلَ: فقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَنْتَ ومَالُكَ لأبِيكَ» 2. فأضافَ مال الابنِ إلى أبِيه بلام المِلْكِ والاسْتِحْقاقِ، فيَدُلُّ على أنَّه مِلْكُه.
قُلْنا: لم يُرِدِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حَقيقَةَ المِلْكِ، بدليلِ أنَّه أضاف إليه الولدَ، وليس بمَمْلُوكٍ، وأضافَ إليه ماله في حالِ إضافَتِه إلى الولدِ، ولا يكونُ الشيءُ مِلْكًا لمالِكَين حَقِيقَةً، بدليلِ أنَّه يَحِلّ له وَطْءُ إمائِه،

..................................  والتَّصَرُّفُ في مالِه، وصِحَّةُ بَيعِه وهِبَتِه وعِتْقِه، ولأنَّ الولَد لو مات لم يَرِثْ أبُوه منه إلَّا ما قُدِّرَ له، ولو كان ماله لاخْتَصَّ به، ولو مات الأبُ لم يَرِثْ ورَثتُه مال ابْنِه 1، ولا يجبُ على الأبِ حَجٌّ ولا زَكاةٌ ولا جِهادٌ بيَسارِ ابنِه، فعُلِمَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما أراد التَّجَوُّزَ بتَشبِيهِه بمالِه في بعضِ أحْكامِه.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا حَدَّ على الأبِ؛ للشُّبْهَةِ؛ لأنَّه إذا لم يَثْبُتْ له حقيقةُ المِلْكِ، فلا أقَلَّ مِن أن يكونَ شُبْهَةً تَدْرَأُ الحَدَّ، فإنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ولكن يُعَزَّرُ؛ لأنَّه وَطِيء وَطْئًا مُحَرَّمًا، فأشْبَهَ وَطْءَ الجارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يُعَزَّرُ؛ لأنَّ مال ولَدِه كما لِه.
ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ ماله مُباحٌ له، غيرُ مَلُوم عليه، بخِلافِ وَطْءِ الأبِ، فإنَّه عادٍ فيه مَلُومٌ عليه.
فإن عَلِقَتْ منه، فالولدُ حُرٌّ؛ لأنَّه مِن وَطْءٍ دُرِئَ فيه الحَدُّ لِشُبْهَةِ المِلْكِ، فكان حُرًّا، كولدِ الجارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ، ولا تَلْزَمُه قِيمَتُه؛ لأنَّ الجارِيَةَ تَصِيرُ مِلْكًا له بالوَطْءِ، فيَحْصُلُ عُلوقُها بالولدِ وهي مِلْكُه، وتَصِيرُ أُمَّ ولدٍ له، تَعْتِقُ بمَوْتِه وتَنْتَقِلُ إلى مِلْكِه، فيَحِلُّ له وَطْؤُها بعدَ ذلك.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، في أحَدِ قولَيه.
وقال في الآخَرِ: لا تَصِيرُ أُمَّ ولَدٍ له،

..................................  ولا يَمْلِكُها؛ لأنَّه اسْتَوْلَدَها في غيرِ مِلْكِه، فأشْبَهَ الأجْنَبِيَّ، ولأنَّ ثُبوتَ أحْكامِ الاسْتِيلادِ إنَّما كان بالإِجْماعِ فيما إذا اسْتَوْلَدَ مَمْلُوكَتَه، وهذه ليستْ [مَمْلوكةً له] 1، ولا في مَعْنَى مَمْلوكَتِه؛ لأنَّها مُحَرَّمَةٌ عليه، فوجَبَ أن لا يثْبُتَ لها هذا الحكمُ؛ لأنَّ الأصْلَ الرِّقُّ، فيَبْقَى على الأصلِ، ولأنَّ الوَطْءَ المُحَرَّمَ لا يَنْبَغِي أن يكونَ سَبَبًا للمِلْكِ الذي هو نِعْمَةٌ وكَرَامَةٌ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى تَعاطِي المُحَرَّماتِ.
ولَنا، أنَّها عَلِقَتْ منه بحُرٍّ لأجْلِ المِلْكِ، فصارَتْ أُمَّ ولدٍ له، كالجارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ، وبهذا فارَقَ وَطْءَ الأجْنَبِيِّ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا يَلْزَمُه مَهْرُها ولا قِيمَتُها.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَلْزَمُه مهرُها، وتَلْزَمُه قِيمَتُها؛ لأنَّه أخْرَجَها عنِ مِلْكِ سيدِها بفِعْلٍ مُحَرَّم، أشْبَهَ ما لو قَتَلَها، وإنَّما لم يَلْزَمْه مَهْرُها؛ لأنه إذا ضَمِنَها فقد دَخَلَتْ قِيمةُ البُضْعِ في ضَمانِها، فلم يَضْمَنْه ثانيًا، كما لو قَطَعَ يَدَها فسَرَى القَطْعُ إلى نَفْسِها فإنَّه يضْمَنُ قِيمةَ النَّفْسِ دُونَ قِيمَةِ اليَدِ.
وقال الشافعيُّ: يَلْزَمُه مَهْرُها؛ لأنَّه وَطِئَ جارِيَةَ غيرِه وَطْئًا مُحَرَّمًا، فلَزِمَه مَهْرُها، كالأجْنَبِيِّ، وتَلْزَمُه قِيمَتُها، على القولِ بكَونِها أمَّ ولدٍ، كما يَلْزَمُ

..................................  أحَدَ الشَّرِيكَين قيمةُ 1 نَصِيبِ شَرِيكِه إذا اسْتَوْلَدَ الجاريَةَ المُشْتَرَكَةَ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أنْتَ ومَالُكَ لأبِيكَ».
ولأنَّه لا يَلْزَمُه قِيمَةُ ولدِها، فلم يَلْزَمْه مَهْرُها ولا قِيمَتُها، كمَمْلُوكَتِه، ولأنَّه وَطْءٌ صارتْ به المَوْطُوءَةُ أُمَّ ولدٍ لأمْرٍ لا يَخْتَصُّ ببَعْضِها، فأشْبَهَ اسْتِيلادَ مَمْلُوكَتِه.
فصل: فإن كان الابنُ قد وَطِئَ جارِيَتَه، ثم وَطِئَها أبوه فأوْلَدَها؛ فقد رُوِيَ عن أحمدَ في مَن وَقَعَ على جارِيَةِ ابنِه: إن كان الأبُ قَابِضًا لها، ولم يكُنْ الابنُ وَطِئها، فهي أُمُّ ولَدِه، فليس للابنِ فيها شيءٌ.
قال القاضي: فظاهِرُ هذا، أنَّ الابنَ إن كان قَدْ وَطِئَها، لم تَصِرْ أمَّ ولدٍ للأبِ باسْتِيلادِها؛ لأنَّها تَحْرُمُ عليه تحْرِيمًا مُؤَبَّدًا بوَطْءِ ابْنِه لها (1)، ولا تَحِلُّ له بحالٍ، فأشْبَهَ وَطْءَ الأجْنَبِيِّ.
فعلى هذا القولِ، لا يَمْلِكُها، ولا تَعْتِق

..................................  بمَوْتِه.
فأمَّا ولدُها، فيَعْتِقُ على أخِيه؛ لأنَّه ذو رَحِمِه.
[ويَحْتَمِلُ أن يَثْبُتَ لها حُكْمُ الاستيلادِ مِن غيرِ أن تَحِلَّ له] 1، كما لو اسْتَوْلَدَ مَمْلُوكَتَه التي وَطِئَها ابنُه، فإنَّها تَصِيرُ أُمَّ ولدٍ له مع تحْرِيمِها عليه على التَّأْبِيدِ، فكذلك ههُنا؛ لأنَّه وَطْءٌ يُدْرَأُ فيه الحَدُّ بشُبْهَةِ المِلْكِ، فصارَتْ به أُمَّ ولدٍ، كما لو لم يطَأَها الابنُ.
فصل: فإن وَطِئَ الابنُ جارِيَةَ أبِيه فهو زانٍ، عليه الحَدُّ إذا كان عالمًا بالتَّحْرِيمِ، ولا تَصِيرُ أُمَّ ولدٍ له، ويَلْزَمُه مَهْرُها، ويَعْتِقُ ولَدُه على جَدِّه؛ لأنَّه ابنُ ابنِه، إذا قُلْنا: إنَّ ولدَ الزِّنى يَعْتِقُ على أبِيه.
وتَحْرُمُ الجارِيَةُ على الأبِ على التَّأْبِيدِ، ولا تَجبُ قِيمَتُها على الابنِ؛ لأنَّه لم يُخرِجْها عن مِلْكِ أبِيه، ولم يَمْنَعْه بَيعَها ولا التَّصَرُّفَ فيها بغيرِ الاسْتِمتاعِ.
فإنِ اسْتَوْلَدَها الأبُ بعدَ ذلك فقد فَعَلَ مُحَرَّمًا، ولا حَدَّ عليه؛ لأنَّه وَطْءٌ صادَفَ مِلْكًا، وتَصِيرُ أُمَّ ولَدٍ له؛ لأنَّه اسْتَوْلَدَ مَمْلوكَتَه، فأشْبَهَ ما لو وَطِئَ أمَتَه المَرْهُونَةَ.
فصل: فإن وَطِئَ أمَتَه وهي مُزَوَّجَةٌ، فقد فَعَلَ مُحَرَّمًا، ولا حَدَّ عليه؛ لأنَّها مَمْلوكَتُه، ويُعَزَّرُ.
قال أحمدُ: يُجْلَدُ، ولا يُرْجَمُ.
يعني

..................................  أنَّه يُعَزَّرُ بالجَلْدِ؛ لأنَّه لو وَجَبَ عليه الحَدُّ، لوَجَبَ الرَّجْمُ إذا كان مُحْصَنًا.
فإن أوْلَدَها صارَتْ أُمَّ ولدٍ له؛ لأنَّه اسْتَوْلَدَ مَمْلُوكَتَه، وتَعْتِقُ بمَوْتِه، وولدُه حُرٌّ، وما وَلَدَت بعدَ ذلك مِن الزَّوْجِ فحُكْمُه حكمُ أُمِّه.
فصل: ولو مَلَكَ رَجُلٌ أُمَّه مِن الرَّضاعِ، أو أُخْتَه، أو ابْنَتَه، لم يَحِلَّ له وَطْؤُها.
فإن وَطِئَها فلا حَدَّ عليه، في أصَحِّ الرِّوايَتَين؛ لأنَّها مَمْلوكَتُه، ويُعَزَّرُ.
وإنْ وَلَدَتْ منه فالوَلَدُ حُرٌّ، ونَسَبُه لاحِقٌ به، وهي أُمُّ وَلَدِه.
وكذلك 1 لو مَلَكَ أمَةً مَجُوسِيَّةً، أو وَثَنِيَّةً، فاسْتَوْلَدَها، أو مَلَكَ الكافِرُ أمةً مُسْلِمَةً فاسْتَوْلَدَها، فلا حَدَّ عليه، ويعَزَّرُ، ويَلْحَقُه نسَبُ وَلَدِه، وتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ له 2، تَعْتِقُ بمَوْتِه؛ لِما ذَكَرْنا.
وكذلك لو وَطِئَ أمَتَه المَرْهُونَةَ، أو وَطِئَ رَبُّ المالِ أمَةً مِن مالِ المُضارَبَةِ فأوْلَدَها، صارَتْ له بذلك أُمَّ ولدٍ، وخرجت مِن الرَّهْنِ والمُضارَبَةِ، [وتَنْفَسِخُ المُضارَبةُ به فيها] 3، وإن كان فيها رِبْحٌ جُعِلَ الرِّبْحُ في مالِ المُضارَبَةِ، وعليه قِيمَتُها.
للمُرْتَهِنِ، تُجْعَلُ مَكانَها رَهْنًا، أو يُوَفيه عن دَينِ الرَّهْنِ.
واللهُ أعلمُ.

وَأحْكَامُ أُمِّ الْوَلَدِ أحْكَامُ الْأَمَةِ، فِي الإِجَارَةِ، وَالاسْتِخْدَام، وَالْوَطْءِ، وَسَائِرِ أُمُورِهَا، إلا فِيمَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ فِي رَقَبَتِهَا؛ كَالْبَيعَ، وَالْهِبَةَ، وَالْوَقْفِ، أَوْ مَا يُرَادُ لَهُ؛ كَالرَّهْنَ.
وَعَنْهُ، مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ بَيعِها مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَلَا عَمَلَ عَلَيهِ.

3045 - مسألة: (وأحكامُ أُمِّ الوَلَدِ أحْكامُ الأمَةِ، في الإِجارَةِ، والاسْتِخْدامِ، والوَطْءِ، وسائِرِ أمُورِهَا، إلَّا فيما يَنْقُلُ المِلْكَ في رَقَبَتِها؛ كالبَيعِ، والهِبَةِ، والوَقْفِ، أو ما يُرادُ له؛ كالرَّهْنِ.
وعنه، ما يَدُلُّ على جَوازِ بَيعِها مع الكَراهَةِ.
ولا عَمَلَ عليه)

وجملةُ ذلك، أنَّ الأمَةَ إذا حَمَلَتْ مِن سيدِها، ووَلَدَتْ منه، ثَبَتَ لها حُكْمُ الاسْتِيلادِ، وحُكْمُها حكمُ الإِماءِ في حِلِّ وَطْئِها لسيدِها، واسْتِخْدامِها، ومِلْكِ كَسْبِها، وتَزْويجِها، وإجارَتِها، وعِتْقِها، وتَكْلِيفِها، وحَدِّها، وعَوْرَتِها.

..................................  وهذا 1 قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وحُكِيَ عن مالكٍ، أنَّه لا يَمْلِكُ إجارَتَها وتَزْويجَها؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ بَيعَها، فلا يَمْلِكُ تَزْويجَها وإجارَتَها، كالحُرَّةِ.
ولَنا، أنَّها مَمْلوكَةٌ يُنْتَفَعُ بها، فيَمْلِكُ سيدُها تَزْويجَها وإجارَتَها، كالحُرَّةِ، وإنَّما منِعَ بَيعَها؛ لأنها اسْتَحَقَّتْ أن تَعْتِقَ بمَوْتِه، وبَيعُها يَمْنَعُ ذلك، بخِلافِ التَّزْويجِ والإِجارَةِ.
ويبْطُلُ دليلُهم بالمَوْقوفَةِ والمُدَبَّرَةِ عندَ مَن مَنَعَ بَيعَها.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّها تُخالِفُ الأمَةَ القِنَّ، في أنَّها تَعْتِقُ بمَوْتِ سيدِها مِن رأسِ المالِ، ولا يجوزُ بَيعُها، ولا التَّصَرُّفُ فيها بما يَنْقُلُ المِلْكَ، مِن الهِبَةِ والوَقْفِ، ولا ما يُرادُ للبَيعِ، وهو الرَّهْنُ، ولا تُورَثُ؛ لأنَّها تَعْتِقُ بمَوْتِ سيدِها ويَزُولُ المِلْكُ عنها.
رُوِيَ هذا عن عمرَ، وعثمانَ، وعائشةَ، وعامَّةِ الفُقهاءِ.
ورُوِيَ عن عليٍّ، وابنِ عباسٍ، وابنِ الزُّبَيرِ، إباحَةُ بَيعِهنَّ.
وإليه ذَهَبَ داودُ.
[قال سعيدٌ] 2: حدثنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، في أُمِّ الولدِ، قال:

..................................  بِعْهَا كما تَبِيعُ ثِيابَك أو بَعِيرَكَ.
قال 1: وحدثنا أبو عَوَانَةَ، عن مُغِيرَةَ، عن الشَّعْبِيِّ، عن عَبِيدَةَ، قال: خَطَبَ عَليٌّ الناسَ، فقال: شاوَرَنِي عمرُ في أُمَّهاتِ الأولادِ، فرَأَيتُ أنا وعمرُ أن أعْتِقَهُنَّ، فقَضَى به عمرُ حَياتَه، وعثمانُ حياتَه، فلمَّا وَلِيتُ رأيتُ أن أُرِقَّهُنَّ.
قال عَبِيدَةُ: فرَأْيُ عمرَ وعليٍّ في الجماعَةِ أحَبُّ إلينا مِن رَأْيِ عَلِيٍّ وحْدَه.
وقد روَى صالِحُ بنُ أحمدَ، قال: قُلْتُ لأبي: إلى 2 أيِّ شيءٍ تَذْهَبُ في بَيعِ أُمَّهاتِ الأوْلادِ؟ قال: أكْرَهُه، وقد باعَ عليُّ بنُ أبي طالِبٍ.
وقال في رِوايةِ إسحاقَ بنِ منصورٍ: لا يُعْجِبُنِي بَيعُهنَّ.
قال أبو الخَطَّابِ: وظاهِرُ هذا أنَّه يَصِحُّ بَيعُهُنَّ مع الكَراهَةِ.
فجعلَ هذا رِوَايةً ثانيةً 3 عن أحمدَ.
قال شيخُنا 4: والصَّحِيحُ أنَّ هذا ليس برِوايةٍ مخالِفَةٍ لقولِه: إنَّهُنَّ لا يُبَعْنَ.
لأنَّ السَّلَفَ، رَحْمَةُ اللهِ عليهم، كانوا يُطْلِقُونَ الكَراهَةَ على التَّحْرِيم كثيرًا، ومتى كان التَّحْرِيمُ والمَنْعُ مُصَرَّحًا به في سائِرِ الرِّواياتِ عنه، وَجَبَ حَمْلُ هذا اللَّفْظِ المُحْتَمِلِ على المُصَرَّحِ به، ولا يُجْعَلُ ذلك اخْتِلافًا.
وحُجَّةُ مَن أجاز بَيعَهُنَّ، ما روَى جابرٌ، قال: بِعْنَا أُمَّهاتِ الأوْلادِ على

..................................  عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وأبي بكر، [فلمَّا كان عمرُ، نَهانَا، فانْتَهَينا 1. وما كان جائِزًا في عَهْدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكرٍ] 2، لم يَجُزْ نَسْخُه بقول عمرَ ولا غيرِه، ولأنَّ نَسْخَ الأحكامِ إنَّما يجوزُ في عصرِ 3 النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، لأنَّ النَّصَّ إنَّما يُنْسَخُ بنَصٍّ.
وأمَّا قولُ الصَّحابيِّ، فلا يَنْسَخُ، ولا يُنْسَخُ به، فإنَّ أصْحابَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كانوا يَتْرُكُونَ أقْوالهم لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولا يَتْرُكُونَها بأقْوالِهم، وإنَّما تُحْمَلُ مُخالفَةُ عمرَ لهذا النَّصِّ على أنَّه لم يَبْلُغْه، ولو بَلَغَه لم يَعْدُه إلى غيرِه.
لأنَّها مَمْلوكَة لم يُعْتِقْها سيدُها، ولا شيئًا منها، ولا قرابَةَ بينَه وبينَها، فلم تَعْتِقْ، كما لو ولَدَتْ مِن أبيه 4 في نِكاح أو غيرِه.
ولأنَّ الأصْلَ الرِّقُّ، ولم يَرِدْ بِزَوالِه نصٍّ ولا إجْماعٌ ولا ما في مَعْنَى ذلك، فوجَبَ البقاءُ عليه.
ولأنَّ ولادَتَها لو كانت مُوجِبَةً لعِتْقِها، لَثَبَتَ العِتْقُ بها حينَ وُجودِها، كسائِرِ أسْبابِه.
ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ رِوَايةٌ أُخْرَى، أنَّها تُجْعَلُ في سَهْمِ وَلَدِها لتَعْتِقَ عليه 5. قال سعيدٌ 6: حدثنا سُفيانُ، حدثنا الأعْمَشُ، عن زيدِ بنِ وَهْبٍ، قال: مات

..................................  رجلٌ مِنَّا وتَرَكَ أُمَّ وَلَدٍ، فأراد الوَليدُ بنُ عُقْبَةَ أن يَبِيعَها في دَينِه، فأتَينا 1 عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ فَذَكَرْنا 2 ذلك له، فقال: إن كان ولابُدَّ، فاجْعَلُوها مِن نَصِيبِ أولادها.
ولَنا، ما روَى عِكْرِمَةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَيُّما أَمةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِها، فهي حُرَّةٌ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ».
وقال ابنُ عباسٍ: ذُكِرَتْ أُمُّ إبراهيمَ عندَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «أعْتَقَها ولَدُها».
روَاهما ابنُ ماجَه 3. وذكَر الشَّرِيفُ أبو جعفرٍ في «مسائِلِه»، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه نَهَى عن بَيعِ أُمَّهاتِ الأوْلادِ، ولا يُبَعْنَ، ولا يُرْهَنَّ، ولا يَرِثْنَ، يَسْتَمْتِعُ بها سيدُها ما بدا له، فإن ماتَ فهي حُرَّةٌ 4. قال شيخُنا 5: وهذا فيما أظُنُّ عن عمرَ، ولا يَصِحُّ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. ولأنَّه إجْماعُ الصَّحابَةِ، رَضِيَ الله عنهم، بدَليلِ قولِ عليٍّ: كان رَأْيي ورَأْيُ عمرَ، أن لا تُباعَ أمَّهاتُ الأوْلادِ.
وقولِه: فقَضَى به عمرُ حياتَه، وعثمانُ حياتَه.
وقولِ عَبيدَةَ: رأْيُ عليٍّ في الجماعَةِ أحَبُّ إلينا مِن رَأْيِه وَحْدَه.
ورَوَى عِكْرِمَةُ عن ابنِ عباسٍ،

..................................  قال: قال عمرُ: ما مِن رَجُلٍ كان 1 يُقِرُّ بأنَّه يَطَأُ جارِيَةً ثم يمُوتُ، إلَّا أعْتَقَها إذا وَلَدَت، وإن كان سَقْطًا 2. فإن قيلَ: فكيف تَصِح دَعْوَى الإِجْماعِ مع مُخالفَةِ علي وابنِ عباسٍ وابنِ الزُّبَيرِ.
قُلْنا: قد رُوِيَ عنهم الرُّجوعُ عن المُخالفَةِ، فروَى عَبِيدَةُ، قال: بَعَثَ إليَّ عليٌّ وإلى شُرَيحٍ، فقال 3: اقْضُوا كما كُنْتُم تَقْضُون، فإنِّي أُبْغِضُ الاخْتلافَ 4. وابنُ عباسٍ قال: وَلَدُ أُمِّ الولدِ بمَنْزِلتِها.
وهو الرَّاوي لحديثِ عِتْقِهنَّ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وعن عمرَ، فيَدُلُّ على مُوافَقَتِه لهم.
ثم قد ثَبَتَ الإِجْماعُ باتِّفاقِهم قبلَ المُخالفَةِ، واتِّفاقُهم مَعْصومٌ عن الخَطَأْ، فإنَّ الأمَّةَ لا تَجْتَمِعُ على ضَلالةٍ، ولا يجوزُ أنْ يَخْلُوَ زَمَنٌ عن قائِمٍ للهِ بحُجَّتِه، ولو جازَ 5 ذلك في بعضِ العَصْرِ لجازَ في جَميعِه، ورَأيُ المُوافِقِ في زَمَنِ الاتِّفاقِ خيرٌ مِن 6 رَأْيِه في الخلافِ بعدَه، فيكونُ الاتِّفاقُ حُجَّةً على المُخالِفِ له منهم، كما هو حُجَّةٌ على غيرِه.
فإن قيلَ: فلو كان الاتِّفاقُ في بعضِ العَصْرِ إجْماعًا حَرُمَتْ مُخالفَتُه، فكيف خالفَه هؤلاء الأئمّةُ الذين لا تجوزُ نِسْبَتُهم إلى ارْتكابِ الحرَامِ؟ قُلْنا: الإِجْماعُ يَنْقَسِمُ إلى مَقْطوعٍ به ومَظْنُونٍ،

..................................  وهذا مِن المَظْنُونِ، فتُمْكِنُ [المُخالفَةُ منهم] 1، مع كَوْنِه حُجَّةً، كما وَقَعَ منهم مُخالفَةُ النُّصُوصِ الظَّنِّيَّةِ، ولم تَخْرُجْ بمُخالفَتِهم 2 عن كَوْنِها حُجَّةً، كذا ههُنا.
فأمّا قولُ جابِرٍ: بعْنا أُمَّهاتِ الأوْلادِ على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكرٍ.
فليس فيه تَصْرِيحٌ بأنَّه كان بعِلْمِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولا عِلْمِ أبي بكرٍ، فيكونُ ذلك وَاقِعًا منهم على انْفِرادِهم، فلا تكونُ فيه حُجَّةٌ، ويَتَعَيَّنُ حَمْلُ الأمْرِ على هذا؛ لأنَّه لو كان هذا واقِعًا بعِلْمِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكرٍ، وأقَرَّا عليه، لم تَجُزْ مُخالفَتُه، ولم يُجْمِعِ الصَّحابَةُ بعدَهُما على مُخالفَتِهما، ولو فعلُوا ذلك لم يَخْلُ مِن مُنْكِرٍ عليهم، ويَقولُ: كيف تُخالِفُون فِعْلَ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وفعلَ صاحِبهِ 3؟ وكيف تَتْرُكُونَ سُنتَّهَما، وتُحَرِّمُونَ ما أحَلًّا؟ ولأنَّه لو كان ذلك واقِعًا بعِلْمِهما، لاحْتَجَّ به عليٌّ حينَ رأى بَيعَهُنَّ، واحْتَجَّ به كلُّ مَن وَافَقَه على بَيعِهِنَّ، ولم يَجْرِ شيءٌ مِن هذا، فوجَبَ أنْ يُحْمَلَ الأمْرُ على ما حَمَلْناه عليه، فلا يكونُ فيه إذًا حُجَّةٌ.
ويَحْتَمِلُ أنَّهم باعُوا أمَّهاتِ الأوْلادِ في النِّكاحِ لا في المِلْكِ.
فصل: ومَن أجازَ بَيعَهُنَّ، فعلى قولِه، إن لم يَبِعْها سَيدُها حتى مات، ولم يكُنْ له وارِث إلَّا ولدَها، عَتَقَتْ عليه، وإن كان له وارِثٌ سِوَى وَلدِها حُسِبَتْ مِن نصِيبِه، فعَتَقَتْ، وكان له ما بَقِيَ مِن مِيراثِه، وإن لم يَبْقَ شيءٌ

ثُمَّ إِنْ وَلَدَتْ مِنْ غَيرِ سَيِّدِهَا، فَلِوَلَدِهَا حُكْمُهَا فِي العِتْقِ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا، سَوَاءٌ عَتَقَتْ أوْ مَاتَتْ قَبْلَهُ.
فلا شيءَ له.
وإن كانت أكْثَرَ مِن نَصِيبِه عَتَقَ منها قَدْرُ نَصِيبِه، وبَاقِيها رَقِيقٌ لسائِرِ الوَرَثَةِ، إلَّا على قولِ مَن قال: إنَّه إذا وَرِثَ سَهْمًا ممَّن يَعْتِقُ عليه سَرَى العِتْقُ إلى باقِيه.
فإنَّه يَعْتِقُ إن كان مُوسِرًا.
وإن لم يَكُنْ لها وَلَدٌ مِن سَيدِها ورِثَها وَرَثَتُه، كسائِرِ رَقِيقِه.

3046 -

مسألة: (وإن وَلَدَتْ مِن غيرِ سيدِها، فلوَلَدِها حُكْمُها في العِتْقِ بمَوْتِ سيدِها، سَواءٌ عَتَقَتْ أو ماتَتْ قبلَه)

إذا وَلَدَتْ أُمُّ الوَلَدِ بعدَ ثُبُوتِ حُكْمِ الاسْتِيلادِ لها مِن غيرِ سيدِها، مِن زَوْج أو غيرِه، فحُكْمُه حُكْمُها، في أَنه يَعْتِقُ بمَوْتِ سيدِها، ويجوزُ فيه مِن التَّصَرُّفاتِ ما يجوزُ فيها، ويَمْتَنِعُ فيه 1 ما يَمْتَنِعُ فيها.
قال أحمدُ: قال [ابنُ عُمَرَ] 2، وابنُ عباسٍ، وغيرُهما: وَلَدُها بمَنْزِلَتِها.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا بينَ القائِلين

..................................  بِثُبُوتِ حُكْمِ الاسْتِيلادِ، إلَّا أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ، قال: هم عَبِيدٌ.
فيَحْتَمِلُ أنَّه أراد أنَّهم لا يَثْبُتُ لهم حُكْمُ أُمِّهم؛ لأنَّ الاسْتِيلادَ يَخْتَصُّ بها، فيُخَصُّ بحُكْمِه، كوَلَدِ مَن عُلِّقَ عِتْقُها بِصِفَةٍ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أراد أنَّهم عَبِيدٌ، حُكْمُهم حكمُ أُمِّهم، مِثلُ قولِ الجماعةِ؛ لأنَّ الوَلَدَ يَتْبَعُ أمَّه في الرِّقِّ والحُرِّيَّةِ، فيَتْبَعُها في سَبَبِه إذا كان مُتَأكَّدًا، كولَدِ المُكاتَبَةِ والمُدَبَّرَةِ، بل ولدُ أُمِّ الولدِ أوْلَى؛ لأنَّ سَبَبَ العِتْقِ فيها مُسْتَقِرٌّ لا سَبِيلَ إلى إبْطالِه بحالٍ.
وإن ماتَتْ أُمُّ الولدِ قبلَ سيدِها، لم يَبْطُلْ حُكْمُ الاسْتِيلادِ في الوَلَدِ، [ويَعْتِقُ بمَوْتِ سيدِه] 1؛ لأنَّ السَّبَبَ لم يَبْطُلْ، وإنَّما لم تَثْبُتِ الحُريَّةُ فيها؛ لأنَّها لم تَبْقَ محَلًّا.
وكذلك وَلَدُ المُدَبَّرَةِ، لا يَبْطُلُ الحُكْمُ فيه بمَوْتِ أمِّه.
وأمَّا وَلَدُ المُكاتَبَةِ إذا ماتَتْ، فإنَّه يَعُودُ رَقِيقًا؛ [لأنَّ العَقْدَ بَطَلَ] 2

..................................  بمَوْتِها، فلم يَبْقَ حُكْمُه فيه.
وفي ذلك اخْتِلاف ذَكَرْناه في بَابِه.
فإن أعْتَقَ السَّيِّدُ أُمَّ الوَلدِ أو المُدَبَّرَةَ، لم يَعْتِقْ وَلَدُها؛ لأنَّها عَتَقَتْ بغيرِ السَّبَبِ الذي تَبِعَها فيه، ويَبْقَى عِتْقُه مَوْقُوفًا على مَوْتِ سيدِه.
وكذلك إنْ أعْتَقَ وَلَدَهما، لم يَعْتِقا بعِتْقِه.
وإن أعْتَقَ المُكاتَبَ، فقد قال أحمدُ، وسفيانُ، وإسحاقُ: المُكَاتَبَةُ إذا أدَّتْ أو أُعْتِقَتْ عَتَقَ وَلَدُها، وأُمُّ الوَلَدِ والمُدَبَّرَةُ، إذا أُعْتِقَتْ لم يَعْتِقْ وَلَدُها حتى يَمُوتَ السَّيِّدُ.
فظاهِرُ هذا أنَّ وَلَدَ المكاتَبَةِ إذا أعْتَقَها سَيدُها، أنَّه يَتْبَعُها في العِتْقِ؛ لأنَّه في حُكْمِ مالِها، تَسْتَحِقُّ كَسْبَه، فيَتْبَعُها في العِتْقِ، كمالِها، ولأنَّ إعْتاقَها يَمْنَعُ أداءَها بِسَبَبٍ مِن السَّيِّدِ، فأشْبَهَ ما لو أبْرَأها مِن مالِ الكِتابَةِ.
فصل: فأمَّا ولدُ أُمِّ الولَدِ قبلَ اسْتِيلادِها، وولدُ المُدَبَّرَةِ قبلَ تَدْبِيرِها، وولَدُ المُكاتَبَةِ قبلَ كِتابَتِها، فلا يَتْبَعُها؛ لوُجودِه قبلَ انْعِقادِ السَّبَبِ فيها، وزوالِ حُكْمِ التَّبَعَيَّةِ عنه قبلَ تحقُّقِ السَّبَبِ في أمِّه.
ولهذا لا يَتْبَعُها في العِتْقِ

وَإنْ مَاتَ سَيِّدُهَا وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ، فَهَلْ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ لِمُدَّةِ حَمْلِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
المُنْجَزِ، ففيِ السَّبب أوْلَى.
وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ في وَلَدِ المُدَبَّرَةِ قبلَ التَّدْبِيرِ رِوايَتَين، فيُخرجُ هَهُنا مثلُه وهذا بَعِيدٌ؛ لأنَّ الولدَ المُنْفَصِلَ لا يَتْبَعُها في عِتْقٍ، ولا بَيعٍ، ولا هِبَةٍ، ولا في شيءٍ مِن الأحْكامِ، سِوَى الإِسلامِ بشَرْطِ كَوْنِه صغيرًا، فكيفَ يَتْبَعُ في التَّدْبِيرِ! ولأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا قِياسَ يَقْتَضِيه، فيَبْقَى بحالِه.

3047 -

مسألة: (وإن مات سيدُها وهي حامِلٌ منه، فهل تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ لمدَّةِ حَمْلِها؟ على رِوايَتَين)

هذا يُشْبِهُ ما إذا مات عن امرأةٍ حامِلٍ، هل تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ لمدَّةِ حَمْلِها؟ على رِوايَتَين.
ومَبْنَى الخِلافِ على الخِلافِ في نفقةِ الحامِلِ، هل هي للحَمْلِ أو للحَامِلِ؟ فإن قُلْنا: هي للحَمْلِ.
فلا نَفَقَةَ لها، ولا للأمَةِ الحامِلِ؛ لأنَّ الحَمْلَ له نَصِيبٌ في

وَإِذَا جَنَتْ أُمُّ الْوَلَدِ، فَدَاهَا سَيِّدُهَا بِقِيمَتِهَا أَوْ دُونِهَا.
وَعَنْهُ، عَلَيهِ فِدَاؤُهَا بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ كُلِّهِ.
المِيرَاثِ، فتجبُ نَفَقَتُه في نَصِيبِه، لا في أنْصباءِ شُرَكائِه.
وإن قُلْنا: للحامِلِ.
فالنَّفَقَةُ على الزَّوْجِ والسَّيِّدِ، لأنَّهما [شَغَلاها بِحَمْلِها] (1)، فكانَ عِوضُ ذلك عليهما، كما لو اسْتأْجَرَا دارًا كانَتْ أُجْرَتُها عليهما.

3048 -

مسألة: (وإذا جَنَتْ أُمُّ الوَلَدِ، فَدَاها سيدُها بقِيمَتِها أو دُونِها. وعنه، يَفْدِيها بأَرْشِ الجِنايَةِ كُلِّه)

إذا جَنَتْ أُمُّ الوَلَدِ تَعَلَّقَ أَرْشُ جِنايَتِها برقَبَتِها، وعلى السَّيِّدِ أن يَفْدِيَها بأقَلِّ الأمْرين مِن قيمَتِها أو دُونِها.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وحكى أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ قَوْلًا آخَرَ، أنَّه يَفْدِيها بأرْشِ جِنايتِها بالِغةً ما بَلَغتْ؛ لأنَّه لم يُسَلِّمْها في الجِنايَةِ، فلَزِمَه أرْشُ جِنايتها بالِغَةً ما بَلَغَتْ، كالقِنِّ.
وقال أبو ثَوْرٍ، وأهلُ الظاهِرِ: ليس عليه1

..................................  فِداؤْها، وجِنَايَتُها في ذِمَّتِها، تُتْبَعُ بها 1 إذا عَتَقَتْ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ بَيعَها، فلم يكنْ عليه فِداؤُها، كالحُرَّةِ.
ولَنا، أنَّها مَمْلُوكَةٌ له، يَمْلِكُ كَسْبَها، لم يُسَلِّمْها، فلَزِمَه أَرْشُ جِنايَتِها، كالقِنِّ، ولا تَلْزَمُه زِيادَةٌ على قِيمَتِها؛ لأنَّه لم يَمْتَنِعْ مِن تَسْلِيمِها، وإنَّما الشَّرْعُ مَنَعَ مِن 2 ذلك؛ لكَوْنِها لم تَبْقَ مَحَلًّا للبَيعِ، ولا لِنَقْلِ المِلْكِ فيها.
وأمَّا القِنُّ إذا لم يُسَلِّمْها، قلْنا 3: فيه مَنْعٌ.
وإن سُلِّمَ، فلأنَّ القِنَّ أمْكَنَ أن يُسَلِّمَها للبَيعِ، فربَّما زاد فيها رَاغِبٌ أكثرَ مِن قِيمَتِها، فإذا امْتَنَعَ مالِكُها مِن تَسْليمِها أوْجَبْنا عليه الأَرْشَ بكَمالِه، بخِلافِ أُمِّ الوَلَدِ، فإنَّ ذلك لا يَحْتَمِلُ فيها؛ لأنَّها 4 لا يجوزُ بَيعُها، فلم يَكُنْ عليه أكثَرُ مِن قِيمَتِها.
فصل: فإن ماتَتْ قبلَ فِدائِها فلا شيءَ على سيدِها؛ لأنَّه لم يَتَعَلَّقْ بذِمَّتِه شيءٌ، وإنَّما تَعَلَّقَ برَقَبتِها، فإذا ماتَتْ سَقَطَ الحقُّ؛ لتَلَفِ مُتَعَلَّقِه.
وإن نَقَصَتْ قِيمَتُها قبلَ فِدائِها وجَبَ فِداؤُها بِقيمَتِها يومَ الفِدَاءِ؛ لأنَّها لو تَلِفَتْ جَمِيعُها لسَقَطَ الفِداءُ، فيَجِبُ أن يَسْقُطَ بعضُه بتَلَفِ بعضِها، وإن زادَتْ

..................................  قِيمَتُها زاد فِداؤُها، لأنَّ مُتَعَلَّقٍ الحقِّ زاد، فزاد الفِداءُ بزيادَتِه، كالقِنِّ.
ويَنْبَغِي أن تَجِبَ قِيمَتُها مَعِيبةً بعَيبِ الاسْتِيلادِ، لأنَّ ذلك يَنْقُصُها، فاعْتُبِرَ، كالمَرضِ وغيرِه مِن العُيوبِ، ولأنَّ الواجِبَ قِيمَتُها في حالِ فِدائِها، وقِيمَتُها ناقِصَةٌ عن قِيمَةِ غيرِ 1 أُمِّ الولَدِ، فيَجِبُ أن يَنْقُصَ فِدَاؤُها، وأن يكونَ مُقَدِّرًا بقِيمَتِها في حالِ كَوْنِها أُمَّ ولدٍ.
والحُكْمُ في المُدَبَّرَةِ كالحُكْمِ في أُمِّ الوَلَدِ، إنْ قُلْنا: لا يجوزُ بَيعُها.
وإن قُلْنا: يجوزُ بَيعُها.
فيُمْكِنُ تَسْلِيمُها للبَيعِ إنِ اخْتارَ سيدُها.
فإنِ امْتَنَعَ منه، فهل يَفْدِيها بقِيمَتِها أو أَرْشِ الجِنايَةِ [بالِغًا ما بَلَغَ] 2؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَين.
فصل: فإن كَسَبَتْ بعدَ جِنايتها شيئًا فهو لسيدِها، لأنَّ المِلْكَ ثابِت له دُونَ المَجْنِيِّ عليه.
وكذلك وَلَدُها؛ لأنَّه مُنْفَصِلٌ عنها، فأشْبَهَ الكَسْبَ.
وإن فَداها في حالِ حَمْلِها فعليه قِيمَتُها حامِلًا، لأنَّ الولَدَ مُتَّصِل بها، أشْبَهَ سِمَنَها.
وإن أتْلَفَها سيدُها فعليه قِيمَتُها، لأَنه أتْلَفَ حَقَّ غيرِه، أشْبَهَ إتْلافَ الرَّهْنِ.
وإنْ نَقَصَها فعليه نَقْصُها؛ لأنَّه لمَّا ضَمِنَ العَينَ ضَمِنَ أجْزاءَها.

وَإنْ عَادَتْ فَجَنَتْ، فَدَاهَا أَيضًا.
وَعَنْهُ، يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِذِمَّتِهَا.

3049 - مسألة: (فإن عادَتْ فجَنَتْ، فَدَاهَا أيضًا. وعنه، يَتَعَلَّقُ ذلك بذِمتِها)

فأمَّا إن جَنَتْ جِناياتٍ، فإن كانتِ الجِناياتُ كُلُّها قبلَ فداءِ شيءٍ منها، تَعَلَّقَ أَرْشُ الجميعِ برَقَبَتِها، ولم يَكُنْ عليه فيها كُلِّها إلَّا قِيمَتُها، أو 1 أَرْشُ جَمِيعِها، وعليه الأقَلُّ منهما 2، ويشْتَرِكُ المَجْنِيُّ عليهم في الواجِبِ لهم، فإن لم يَفِ بها تحاصُّوا فيها بقَدْرِ أُرُوشِ جِناياتِهم.
وإن كانتِ الجِنايةُ الثانيةُ بعدَ فِدائِه مِن الأولَى، فعليه فِداؤُها مِن التي بَعْدَها، كالأُولَى.
وحَكَى أبو الخَطَّابِ رِوايَةً ثانيةً عن أحمدَ، أنَّه إذا فَداها بقِيمَتِها مَرَّةً لم يَلْزَمْه فِدَاؤُها بعدَ ذلك؛ لأنَّها جانِيةٌ، فلم يَلْزَمْه أكثرُ مِن قِيمَتِها، كما لو لم يَكُنْ فَدَاها.
وقال الشافعي في أحَدِ قَوْلَيه: لا يَضْمَنُها

..................................  ثانِيًا، ويشَارِكُ الثانِي الأوَّلَ فيما أخَذَه، كما لو كانتِ الجِناياتُ 1 قبلَ فدائِها.
ولَنا، أنَّها أُمُّ ولدٍ جَانِيةٌ، فلَزِمَه فِداؤُها، كالأُولَى، ولأنَّ ما أخَذَه الأوَّلُ عِوَضُ جِنايَتِه 2، أخَذَه بحَقٍّ، فلم يَجُزْ أن يُشارِكَه غيرُه فيه، كأرْشِ جِنايَةِ الحُرِّ أو الرَّقِيقِ القِنِّ.
وفارَقَ ما قبلَ الفِداء؛ لأنَّ أَرْشَ الجناياتِ تَعَلَّقَ برَقَبتِها في وَقْتٍ واحدٍ، فلم يَلْزَمِ السَّيِّدَ أكْثَرُ مِن قِيمَةِ واحِدَةٍ، كما لو كانتِ الجِناياتُ على واحدٍ.
فصل: فإن أبرَأ بعضُهم مِن حَقِّه، تَوَفَّرَ الواجِبُ على الباقِينَ، إذا كانت كُلُّها قبلَ الفِداءِ، وإن كانَتِ [الجنايةُ] 3 المَعْفوُّ عنها بعدَ فِدائِه، تَوَفَّرَ أَرشُها على سيدِها.

جارٍ التحميل