فَصْلٌ: النَّوْع الثَّانِى، الْبَقَرُ، وَلَا شَىْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ، فَيَجِبُ فِيهَا تَبِيعٌ اوْ تَبِيعَةٌ؛ وَهِىَ الَّتِى لَهَا سَنَةٌ، وَفِي أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ؛ وَهِىَ الَّتِى لَهَا سَنَتَانِ، وَفِى السِّتِّينَ تَبِيعَانِ، ثُمَّ فِى كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، ثُمَّ فِى كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ.
فصل: قال، رَضِىَ اللهُ عنه: (النَّوْعُ الثّانِى، البَقَرُ، ولَا شَئَ فيها حتى تَبْلُغَ ثَلاثِين، فيَجِبُ فيها تَبِيعٌ أو تَبِيعَةٌ، وهى التى لها سَنَةٌ، وفى الأرْبَعِين مُسِنَّةٌ؛ وهى التى لها سَنَتان، وفى السِّتِّين تَبِيعان، ثم في كلِّ ثَلاثِين تَبِيعٌ، وفى كلِّ أرْبَعِين مُسِنَّةٌ) صدقةُ البَقَرِ ثابِتَةٌ بالسُّنَّةِ والإِجْماعِ؛ أما السُّنَّةُ فرَوَى أبو ذَرٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «مَا مِنْ صاحِبِ إبِلٍ وَلَا بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّى زَكاتَها، إلَّا جَاءَتْ يَوْمَ القِيَامَةِ أعْظَمَ مَا كَانَتْ وأسْمَنَهُ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِها وَتَطَؤُهُ بأخْفَافِها، كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ».
مُتَّفَقٌ عليه 1.
..................................
وعن مُعاذٍ، قال: بَعَثَنِى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلى اليَمَنِ، وأمَرَنِى أن آخُذَ مِن كلِّ حالِمٍ دِينارًا أو عَدْاَله مَعافِرَ 1، وأمَرَنِى أن آخُذَ مِن كلِّ أرْبَعِين مُسِنَّةً، ومِن كلِّ ثَلاثِين بَقَرَةً تَبِيعًا حَوْلِيًّا.
رَواه الإِمامُ أحمدُ 2، وهذا لَفْظُه، وأبو داودَ، والتّرْمذِىُّ، والنَّسائِىُّ، وابنُ ماجه، ولم يَذكُرِ التِّرْمذِىُّ: «حَوْليًّا».
وقال: حديثٌ حسنٌ.
وعندَ النَّسائِيِّ، قال: أمَرَنِى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حينَ بَعَثَنِى إلى اليَمَنِ أن لا آخُذَ مِن البَقَرِ شيئًا حتى تَبْلُغَ ثَلاثِين فإذا بَلَغَتْ ثَلاثِين، ففيها عِجْلٌ تابِعٌ، جَذَعٌ أو جَذَعَةٌ، حتى تَبْلُغَ أرْبَعِين، فإذا بَلَغَتْ أرْبَعِين، فَفِيها 3 بَقَرَةٌ مُسِنَّةٌ.
ورَوَى الإِمامُ أحمدُ 4، = الأحوذى 3/ 95. والنسائى، في: باب التغليظ في حبس الزكاة، وباب مانع زكاة الغنم، من كتاب الزكاة.
المجتبى 5/ 8، 20. وابن ماجه، في: باب ما جاء في منع الزكاة، من كتاب الزكاة.
سنن ابن ماجه 1/ 569. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 152، 157، 158، 169، 170.
..................................
بإسْنادِهِ، عن يحيى بنِ الحَكَمِ، أنَّ مُعاذًا قال: بَعَثَنِى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أُصَدِّقُ أهْلَ اليَمَنِ، وأمَرَنِى أن آخُذَ مِن البَقَرِ مِن كلِّ ثَلاثِين تَبِيعًا، ومن كلِّ أرْبَعِين مُسِنَّةً.
قال: فعَرَضُوا علىَّ أن آخُذَ ممّا بينَ الأرْبَعِين والخَمْسِين، وبينَ السِّتِّين والسَّبْعِين، وما بينَ الثَّمانِين والتِّسْعِين، فأبَيْتُ ذلك، وقُلْتُ لهم: حتى أسْألَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك.
فقَدِمْتُ، فأخْبَرْتُ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، فأمَرَنِى أن آخُذَ مِن كلِّ ثَلاثِين تِبَيعًا، ومِن كلِّ 1 أرْبَعِين مُسِنَّةً، ومِن السِّتِّين تَبِيعَيْن، ومِن السَّبْعِين مُسِنَّةً وتَبِيعًا، ومِن الثَّمانِين مُسِنَّتَيْن، ومِن التِّسْعِين ثلاثَةَ أتْباعٍ، ومِن المِائَةِ مُسِنَّةً وتَبِيعَيْن، ومِن العَشرَةِ ومائَةٍ مُسِنَّتَيْن وتَبيعًا، ومِن العِشْرِين ومائَةٍ ثَلاثَ مُسِنّاتٍ أو أرْبَعَةَ أتْباعٍ، وأمَرَنِى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أن لا آخُذَ فيما بينَ ذلك شيئًا [إلَّا أن] 2 تَبلُغَ مُسِنَّةً أو جَذَعًا.
يَعْنِى تَبِيعًا.
وزَعَم أنَّ الأوْقاصَ لا فَرِيضَةَ فيها.
ولا نَعْلَمُ خِلافًا في وُجُوبِ الزكاةِ في البَقَرِ.
قال أبو عُبَيْدٍ: لا أعْلَمُ النّاسَ يَخْتَلِفُون فيه اليَوْمَ.
ولا تَجِبُ في البَقَرِ زَكاةٌ حتى تَبْلُغَ ثَلاِثين في قولِ جُمْهُورِ العلماءِ.
وحُكِىَ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ،
..................................
والزُّهْرِىِّ أنَّهما قالا: في كلِّ خَمْسٍ شاةٌ؛ لأنَّها عُدِلَت بالإِبِلِ في الهَدْىِ والأُضْحِيَةِ، كذلك في الزكاةِ.
ولَنا، ما تَقَدَّمَ مِن الخَبَرِ، ولأنَّ نُصُبَ الزكاةِ إنَّما تَثْبُتُ بالنَّصِّ والتَّوْقِيفِ، وليس فيما ذَكراه نَصٌّ ولا تَوْقِيفٌ، فلا يَثْبُتُ، وقِياسُهم مُنْتَقِضٌ بِخَمْسٍ وثَلاثِين مِن الغَنَمِ، فإنَّها تَعْدِلُ خَمْسًا مِن الإِبِلِ في الهَدْىِ، ولا زَكاةَ فيها، وإنَّما تَجِبُ الزكاةُ فيها إذا كانت سائِمَةً.
وحُكِىَ عن مالكٍ في العوامِلِ والمَعْلُوفَةِ زَكاةٌ، كقَوْلِه في الإِبِلِ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ.
ولَنا، ما رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَيْسَ فِى الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ».
رَواه الدّارَقُطْنِىُّ 1. وعن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال الرّاوِى: أحْسَبُه عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - في صَدَقَةِ البَقَرِ، قال: «وَلَيْسَ فِى العَوَامِلِ شَيءٌ».
رَواه أبو داودَ 2. وهذا مُقَيَّدٌ يُحْمَلُ عليه المُطْلَقُ.؛ ولأنَّه قولُ عليٍّ، ومُعاذٍ، وجابِرٍ، ولأنَّ صِفَةَ النَّماءِ مُعْتَبَرَةٌ في الزكاةِ، وإنَّما تُوجَدُ في السّائِمَةِ.
..................................
فصل: والواجِبُ فيها في كلِّ ثلاثِين تَبِيعٌ أو تَبِيعَةٌ، وهو الذى له سَنَةٌ ودَخَل في الثّانِيَةِ، وقِيلَ له ذلك لأنَّه يَتبَعُ أُمَّه.
وفى كلِّ أرْبَعِين مُسِنَّةٌ، وهى التى لها سَنَتان، وهى الثَّنِيَّةُ.
ولا فرْضَ في البَقَرِ غَيْرُهما.
وفى السِّتِّين تَبِيعانِ كما ذَكَر في أوَّلِ المَسْألَةِ.
وهذا قولُ جُمْهُورِ العلماءِ؛ منهم الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحسنُ، ومالكٌ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ، في رِوايَةٍ عنه: فيما زاد على الأرْبَعِين بحِسابِه، في كلِّ بَقَرَةٍ رُبعُ عُشْرِ مُسِنَّةٍ، فِرارًا مِن جَعْل الوَقْصِ تِسْعَةَ عَشَرَ، فإنَّه مُخَالِفٌ لجَمِيعِ أوْقاصِها، فإنَّها عَشَرَةٌ عَشَرَةٌ.
ولَنا، حَدِيثُ مُعاذٍ المذْكُورُ، وهو صَرِيحٌ في مَحَلِّ النِّزاعِ، ولأنَّ البَقَرَ أحَدُ بَهِيمَةِ الأنْعامِ، فلم يَجِبْ في زَكاتِها كَسْرٌ، كسائِرِ الأنْواعِ، ولا يَنْتَقِلُ مِن فَرْضِها فيها بغيرِ وَقْصٍ، كسائِرِ الفُرُوضِ، وكما بينَ الثَّلاثِين والأرْبَعِين، ومُخالَفَةُ قَوْلِهم للأُصُولِ أشَدُّ مِنْ الوُجُوهِ التى ذَكَرْناها، وعلى أنَّ أوْقاصَ الإِبِلِ والغَنَمِ مُخْتَلِفَةٌ، فجاز الاخْتِلاف ههُنا.
فإن رَضِىَ رَبُّ المالِ بإعْطاءِ المُسِنَّةِ عن التَّبِيعِ، والتَّبِيعَيْن عن المُسِنَّةِ، أو أكبَرَ منها سِنًّا عنها، جاز.
واللهُ أعلمُ.
وَلَا يُجْزِئُ الذَّكَرُ فِى الزَّكَاةِ فِى غَيْرِ هَذَا، إلَّا ابْنُ لَبُونٍ مَكَانَ بنْتِ مَخَاضٍ إِذَا عَدِمَهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ كُلُّهُ ذُكُورًا، فَيُجْزِئُ الذَّ كَرُ فِى الْغَنَمِ، وَجْهًا وَاحِدًا، وَفِى الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
861 - مسألة: (ولا يُجْزِئُ الذَّكَرُ في الزكاةِ في غيرِ هذا، إلَّا ابنُ لَبُونٍ مَكانَ بِنْتِ مَخاضٍ إذا عَدِمَها، إلَّا أن يَكُونَ النِّصابُ كلُّه ذُكُورًا، فيُجْزِئُ الذَّكُرُ في الغَنَمِ، وَجْهًا واحِدًا، وفى البَقَرِ والإِبِلِ في أحَدِ الوَجْهَيْن)
الذَّكَرُ لا يُخْرَجُ في الزكاةِ أصْلًا إلَّا في البَقَرِ، فأمّا ابنُ لَبُونٍ مَكانَ بِنْتِ مَخاضٍ فليس بأصْلٍ، ولهذا لا يُجْزِئُ مع وُجُودِها، وإنَّما يُجْزِئُ الذَّكَرُ في البَقَرِ عن الثَّلاثِين، وما تَكَرَّرَ منها، كالسِّتِّين والتِّسْعِينَ، وَما تَرَكَّبَ مِن الثَّلاثِين وغيرِها، كالسَّبْعِين، فيها تَبِيعٌ ومُسِنَّةٌ.
وإن شاء أخْرَجَ مكانَ الذُّكُورِ إناثًا؛ لوُرُودِ النَّصِّ بهما، فأمّا الأرْبَعُون وما تَكَرَّرَ منها، كالثَّمانِين، فلا يُجْزِئُ في فَرْضِها إلَّا الإِناثُ، لِنَصِّ الشّارعِ عليها، إلَّا أن يُخْرِجَ عن المُسِنَّةِ تَبِيعَيْنِ، فيَجُوزُ.
فإذا بَلَغَتْ مائةً وعِشْرِين خُيِّرَ المالِكُ بينَ إخْراجِ ثَلاثِ مُسِنّاتٍ، أو أرْبَعَةِ أتْباعٍ، أيُّهما شاء أخْرَجَ على ما نَطَق به الخَبَرُ، هذا التَّفْصِيلُ فيما إذا كان في بَقَرِه إناثٌ.
..................................
فصل: وإذا كان في ماشِيَتِه إناثٌ لم يَجُزْ إخْراجُ الْذَّكَرِ، وجْهًا واحِدًا، إلَّا في المَوْضِعَيْن المَذْكُورَيْن.
وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ إخْراجُ الذَّكَرِ مِن الغَنَمِ الإِناثِ؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فِى أرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» 1. ولَفْظُ الشّاةِ يَقَعُ على الذَّكَرِ والأُنْثَى، ولأنَّ الشّاةَ إذا أُمِرَ بها مُطْلَقًا، أجْزَأ فيها الذَّكَرُ والأُنْثَى، كالأُضْحِيَةِ.
ولَنا، أنَّه حَيوانُ تَجِبُ الزكاةُ في عَيْنِه، فكانتِ الأُنوثِيَّةُ مُعْتَبَرَةً في فَرْضِه، كالإِبِلِ، والمُطْلَقُ يَتَقَيَّدُ بالقِياسِ على سائِرِ النُّصبِ، والأُضْحِيَةُ غيرُ مُعْتَبَرَةٍ بالمالِ، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
فصل: فإن كانت ماشِيَتُه كلُّها ذُكُورًا، أجْزَأ الذَّكَرُ في الغَنَمِ، وَجْهًا واحِدًا، ولأنَّ الزكاةَ مُواساةٌ، فلا يُكَلَّفُ المُواساةَ مِن غيرِ مالِه، ويَجُوزُ إخْراجُه في البَقَرِ في أصَحِّ الوَجْهَيْن لذلك.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يَجُوزُ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - نَصَّ على المُسِنّاتِ في الأرْبَعِينات، فيَجِبُ اتِّباعُ مَوْرِدِه، فيُكَلَّفُ شِراءَها إذا عَدِمَها، كما لو لم يَكُنْ في ماشِيَتِه إلا مَعِيبًا.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّا قد جَوَّزْنا الذَّكَرَ في الغَنَمِ، مع أنَّه لا مَدْخَلَ له في زَكاتِها مع وُجُودِ الإِناثِ، فالبَقَرُ التى للذَّكَرِ فيها مَدْخَلٌ أوْلَى.
وفى الإِبِلِ وَجْهان؛
..................................
أوْجَهُهما ما ذَكَرْنا.
وْالفَرْقُ بينَ النُّصُبِ الثَّلاثَةِ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - نَصَّ على الأُنْثَى في فَرائِضِ الإِبِلِ والبَقَرِ، وأطْلَقَ الشّاةَ الواجِبَةَ، وقال في الإِبِلِ: «مَنْ لَمْ يَجِدْ بِنْتَ مَخَاضٍ، أخْرَجَ ابْنَ لَبُونٍ ذَكَرًا» 1. ومِن حيث المَعْنَى أنَّ الإِبِلَ يَتَغَيَّرُ فَرْضُها بزيادَةِ السِّنِّ، فإذا جَوَّزْنا إخْرِاجَ الذَّكَرِ أفْضَى إلى التَّسْوِيَةِ بينَ الفَرْضَيْن؛ لأنَّه يُخْرِجُ ابنَ لَبُونٍ عن خمْسٍ وعِشْرِين للخبَرِ، وعن سِتٍّ وثَلاِثين، وهذا المَعْنَى يَخْتَصُّ الإِبِلَ.
فعلى هذا يُخْرِجُ أُنْثَى ناقِصَةً بقَدْرِ قِيمَةِ الذَّكَرِ.
فإن قِيلَ: فالبَقَرُ أيضًا يَأْخُذُ منها تَبِيعًا عن ثَلاِثين، وتَبِيعًا عن أرْبَعِين إذا كانت كلُّها أتْبِعَةً، وقُلْنا بِأخْذِ الصَّغِيرَةِ مِن
وَيُؤْخَذُ مِنَ الصِّغَارِ صَغِيرَةٌ، وَمِنَ الْمِرَاضِ مَرِيضَةٌ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يُؤْخَذُ إِلَّا كَبِيرَةٌ صَحِيحَةٌ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ.
الصِّغارِ.
قلنا: هذا يَلْزَمُ مِثْلُه في إخْراجِ الأُنْثَى، فلا فَرْقَ.
ومَن جَوَّزَ إخْراجَ الذَّكَرِ في الكلِّ، قال: يَأْخُذُ ابْنَ لَبُونٍ مِن خَمْسٍ وعِشْرِين، قِيمَتُه دُونَ قِيمَةِ ابنِ لَبُونٍ يَأْخُذُه مِن سِتَّةٍ وثَلاثِينَ، ويَكُونُ بينهما في القِيمَةِ كما بينَهما في العَدَدِ، ويَكُونُ الفَرْضُ بصِفَةِ المالِ، وإذا اعْتَبَرْنا القِيمَةَ لم يُرَدَّ إلى التَّسْوِيَةِ، كما قُلْنا في الغَنَمِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُخْرِجَ ابنَ مَخاضٍ عن خَمْسَةٍ وعِشْرِين مِن الإِبِلِ، فيَقُومَ الذَّكَرُ مَقامَ الأَنْثَى التى في سِنِّه، كَسائِرِ النُّصُبِ.
862 -
مسألة: (ويُؤْخَذُ مِن الصِّغارِ صَغِيرَةٌ، ومِن المِراضِ مَرِيضَةٌ 1. وقال أبو بكرٍ: لا يُؤْخَذُ إلَّا كَبِيرَةٌ صَحِيحَةٌ على قَدْرِ المالِ) متى كان حالُ نصابٍ كلِّه صِغارًا جاز أخْذُ الصَّغِيرَةِ، في الصَّحِيحِ مِن
..................................
المَذْهَبِ.
وإنَّما يُتَصَوَّرُ ذلك بأن تُبَدَّلَ كِبارٌ بصِغارٍ في أثْناءِ الحَوْلِ، أو يَكُونَ عندَه نِصابٌ مِن الكِبارِ، فتَوالَدَ نِصابًا مِن الصِّغارِ.، ثم تَمُوتَ الأُمَّهاتُ، ويَحُولَ الحَوْلُ على الصِّغارِ.
وقال أبو بكرٍ: لا يُؤْخذُ إلَّا كَبِيرَةٌ تجْزِئُ في الأُضْحِيَةِ.
وهو قولُ مالكٍ؛ لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّما حَقُّنَا فِى الجَذَعَةِ أوِ الثَّنِيَّةِ» 1. ولأنَّ زِيادَةَ السِّنِّ في المالِ لا يَزِيدُ بها الواجِبُ، كذلك نُقْصانُه لا يَنْقُصُ به.
ولَنا، قولُ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ الله عنه: واللهِ لو مَنَعُونِى عَناقًا كانُوا يُؤَدُّونَها إلى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، لقاتلْتُهم عليها 2. فدَلَّ على أنَّهم كانوا يُؤَدُّونَ العَناقَ، ولأنَّه مالٌ تَجِبُ فيه الزكاةُ مِن غيرِ اعْتِبارِ قِيمَتِه، فيُجْزِئُ الأخْذ مِن عَيْنِه، كسائِرِ الأمْوالِ.
وأمّا زِيادَة السِّنِّ، فليس يَمْتَنِعُ الرِّفْقُ بالمالكِ في المَوْضِعَيْن، كما [أنَّ ما] 3 دُونَ النِّصابِ عَفْوٌ، وما فَوْقَه عَفْوٌ، والحديثُ مَحْمُولٌ على مالٍ فيه كبارٌ،
..................................
وظاهِرُ ما ذَكَرَه شيخُنا ههُنا، وقولُ الأصحابِ أنَّ الحُكْمَ في الفُصْلانِ والعُجُولِ، كالحُكْمِ في السِّخالِ؛ لِما ذَكَرْنا في الغَنَمِ، ويَكُونُ التَّعْدِيلُ بالقِيمَةِ مكانَ زِيادَةِ السِّنِّ، كما قُلْنا في إخْراجِ الذَّكَرِ مِن الذُّكُورِ، قال شيخُنا 1: ويَحْتَمِلُ أن لا يَجُوزَ إخْراجُ الفُصْلانِ والعُجُولِ، وهو قولُ الشافعىِّ؛ لِئلَّا يُفْضِىَ إلى التَّسْوِيَةِ بينَ الفُروضِ، فيُخْرِجَ ابْنَةَ مَخاضٍ عن خَمْسٍ وعِشْرِين، وسِتٍّ وثَلاثِين وسِتٍّ وأرْبَعِين، وإحْدَى وسِتِّين، ويُخْرِجَ ابْنَتَىِ اللَّبُونِ عن.
سِتٍّ وسَبْعِين، وإحْدَى وتِسْعِين، ومائةٍ وعِشْرِين، ويُفْضِىَ إلى 2 الانْتِقَالِ مِن بِنْتِ اللَّبُونِ الواحِدَةِ مِن إحْدَى وسِتِّين إلى ابْنَتَىْ لَبُونٍ في سِتٍّ وسَبْعِين، مع تَقارُبِ الوَقْصِ بينَهما،
.................................. وبينَهما في الأصْلِ أرْبَعون، والخَبَرُ وَرَد في السِّخالِ، فيَمْتَنِعُ قِياسُ الفُصْلانِ والعُجُولِ عليها؛ لِما ذَكَرْنا مِن الفَرْقِ.
..................................
فصل: وكذلك إذا كان النِّصابُ كلُّه مِراضًا، فالصَّحِيحُ مِن المَذْهَبِ جَوازُ إخْراجِ الفَرْضِ منه، ويَكُونُ وَسَطًا في القِيمَةِ، ولا اعْتِبارَ بقِلَّةِ العَيْبِ وكَثْرَتِه؛ لأنَّ القِيمَةَ تَأْتِى على ذلك.
وهو قولُ الشافعىِّ، وأبي يُوسُف، ومحمدٍ.
وقال مالكٌ: إن كانت كلُّها جَرْباءَ أخْرَجَ جَرْباءَ، وإن كانت هَتْماءَ كُلِّفَ شِراءَ صَحِيحَةٍ.
وقال أبو بكرٍ: لا يُجْزِئُ إلَّا صَحِيحَةٌ، لأنَّ أحمدَ قال: لا يُؤْخَذُ إلَّا ما يَجُوزُ في الأضاحِى، وللنَّهْىِ عن أخْذِ ذاتِ العَوارِ، فعلى هذا يُكَلَّفُ شِراءَ صَحِيحَةٍ بقَدْرِ قِيمَةِ المَرِيضَةِ.
ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أمْوَالِهِمْ» 1. وقال: «إنَّ اللهَ لَمْ يَسأَلْكُمْ خَيْرَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ بِشَرِّهِ».
رَواه أبو داودَ 2. ولأنَّ مَبْنَى الزكاةِ على المُواسَاةِ، وتَكْلِيفُ الصَّحِيحَةِ عن المِراضِ إخْلالٌ بالمُواساةِ، ولهذا يَأْخُذُ مِن الرَّدِئِ مِن الحَيَوانِ والثِّمارِ مِن جِنْسِه، ومِن اللِّئامِ والهُزالِ مِن المَواشِى مِن جنْسِه، كذا هذا.
وأمّا الحَدِيثُ فيُحْمَلُ على ما إذا كان فيه صَحِيحٌ، فإنَّ الغَالِبَ الصِّحَّةُ.
وإن كان في النِّصابِ بعضُ الفَريضَةِ صَحِيحًا، أخْرَجَ الصَّحِيحَةَ، وتَمَّمَ الفَرِيضَةَ مِن المِراضِ على قَدْرِ المالِ، ولا فَرْقَ في هذا بينَ الإِبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ.
والحُكْمُ في الهَرِمَةِ والمَعِيبَةِ كالحُكْمِ في المَرِيضَةِ سَواءٌ؛ لأنَّها في مَعْناها.
واللهُ أعلمُ.
فَإِنِ اجْتَمَعَ صِغَارٌ وَكِبَارٌ، وَصِحَاحٌ وَمِرَاضٌ، وَذُكُورٌ وَإنَاثٌ، لَمْ يُؤْخَذْ إِلَّا أُنْثَى صَحِيحَةٌ كَبِيرَةٌ عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ.
863 - مسألة: (فإنِ اجْتَمَعَ كِبارٌ وصِغارٌ، وصِحاحٌ ومِراضٌ، وذُكُورٌ وإناثٌ، لم يُؤْخَذْ إلَّا أُنْثَى كَبِيرَةٌ صَحِيحَةٌ على قَدْرِ قِيمَةِ المَالَيْن)
متى كان عندَه نِصابٌ، فنَتَجَتْ منه سِخالٌ في أثْناءِ الحَوْلِ، وجَبَتِ الزكاةُ في الجَمِيعِ، في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ، وكأَنَّ حَوْلَ السِّخالِ حَوْلُ أصْلِها.
وحُكِىَ عن الحسنِ، والنَّخَعِىِّ: لا زَكاةَ في السِّخالِ حتى يَحُولَ عليها الحَوْلُ؛ لقولِه عليه السلامُ: «لَا زَكَاةَ فِى مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ» 1. ولَنا، قولُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، لساعِيه: اعْتَدَّ عليهم بالسَّخْلَةِ، يَرُوحُ بها الرّاعِى على يَدَيْه، ولا تَأْخُذْها منهم 2. وهو مَذْهَبُ عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، ولا يُعْرَفُ لهما مُخالِفٌ في الصَّحابَةِ، فكان إجْماعًا.
والخَبَرُ مَخْصُوصٌ بمالِ التِّجارَةِ، فإنَّه يُضَمُّ إليه نَماؤُه بالاتِّفاقِ،
..................................
فيُقاسُ عليه.
والحُكْمُ في فُصْلانِ الإِبِلِ، وعَجاجِيلِ البَقَرِ، كالحُكْمِ في السِّخالِ.
إذا ثَبَت هذا فإنَّ السَّخْلَةَ لا تُؤْخَذُ في الزكاةِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن قولِ عُمَرَ، ولِما ذَكَرْنا في المَسألَةِ التى قَبْلَها.
فصل: وإن كان في النِّصابِ ذُكُورٌ وإناثٌ، لم يُؤْخَذْ إلَّا أُنْثَى.
وقد ذَكَرْنا ذلك.
وإن كان فيه صِحاحٌ ومِراضٌ، أخْرَجَ صَحِيحَةً قِيمَتُها على قَدْرِ قِيمَةِ المالَيْن، ولا يَجُوزُ إخراجُ المَرِيضَةِ، لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ 1. ولقولِه عليه السلامُ: «وَلَا يُخْرَجُ فِى الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسٌ، إلَّا أنْ يَشَاءَ الْمُصَدِّقُ» 2. وإن كان النِّصابُ كلُّه مِراضًا إلَّا مِقْدارَ الفَرْضِ، فهو مُخَيَّرٌ بينَ إخْراجِه، وبينَ شِراءِ فَرِيضَةٍ قَلِيلَةِ القِيمَةِ فيُخْرِجُها، ولو كانتِ الصَّحِيحَةُ غيرَ الفَرِيضَةِ بعَدَدِ الفَرِيضَةِ، مثلَ مَن وَجَب عليه ابْنَتا لَبُونٍ، وعندَه حُواران 3 صَحِيحان، فإنَّ عليه شِراءَ صَحِيحَتَيْن، فيُخْرِجُهما.
وإن وَجَبَتْ عليه حِقَّتان وعندَه ابْنَتا لَبُونٍ صَحِيحَتان، خُيِّرَ بينَ إخْراجِهما مع الجُبرانِ، وبينَ شِراءِ حِقَّتَيْن صَحِيحَتَيْن على قَدْرِ قِيمَةِ المالِ.
وإن كان
وَإنْ كَانَ نَوْعَيْنِ؛ كَالْبَخَاتِىِّ وَالْعِرَابِ، وَالْبَقَرِ وَالْجَوَامِيسِ، وَالْضَّأْنِ وَالْمَعْزِ،
عندَه جَذَعَتانْ صَحِيحَتان، فله إخْراجُهما مع أخْذِ الجُبْرانِ.
وإن كان عليه حِقَّتان، ونِصْفُ مالِه صَحِيحٌ، ونِصْفُه مَرِيضٌ، فقال ابنُ عَقِيلٍ: له إخْراجُ حِقَّةٍ صَحِيحَةٍ وحِقَّةٍ مَرِيضَةٍ، لأنَّ النِّصْفَ الذى يَجِبُ فيه إحْدَى الحِقَّتَيْن مَرِيضٌ كلُّه.
والصَّحِيحُ في المَذْهَبِ خِلافُ ذلك؛ لأنَّ في مالِه صَحِيحًا ومَرِيضًا، فلم يَمْلِكْ إخراجَ مَرِيضَةٍ، كما لو كان نِصابًا واحِدًا، ولم يَتَعَيَّنِ النِّصْفُ الذى وَجَبَتْ فيه الحِقَّةُ في المِراضِ، وكذلك لو كان لشَرِيكَيْن، لم يَتَعَيَّنْ حَقُّ أحَدِهما في المِراضِ دُونَ الآخَرِ.
وإن كان النِّصابُ كلُّه صَحِيحًا، لم يَجُزْ إخْراجُ المَعِيبَةِ وإن كَثُرَتْ قِيمَتُها، للنَّهْىِ عن أخْذِها، ولِما فيه مِنْ الإِضْرارِ بالفُقَراءِ، ولهذا يُسْتَحَقُّ رَدُّها في البَيْعِ وإن كَثُرتْ قِيمَتُها.
864 -
مسألة: (وإن كان نَوْعَيْن؛ كالبَخاتِىِّ والعِرابِ
1،
أَوْ كَانَ فِيهِ كِرَامٌ وَلِئَامٌ، وَسِمَانٌ وَمَهَازِيلُ، أُخِذَتِ الْفَرِيضَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ.
والبَقَرِ والجَوامِيسِ، والضَّأْنِ والمَعْزِ، أو كان فيه كِرامٌ ولِئامٌ، وسِمانٌ ومَهازِيلُ، أُخِذَتِ الفَرِيضَةُ مِن أحَدِهما على قَدْرِ قِيمَةِ المالَيْن) لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ في ضَمِّ أنْواعِ الأجْناسِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، في إيجابِ الزكاةِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ مَن نحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على ضَمِّ الضَّأْنِ إلى المَعْزِ.
إذا ثَبَت هذا فإنَّه يُخْرِجُ الزكاةَ مِن أىِّ الأنْواعِ أحَبَّ، سَواءٌ دَعَتِ الحاجَةُ إلى ذلك، بأن يَكُونَ الواجِبُ واحِدًا، و 1 لا يَكُونَ أحَدُ النَّوْعَيْن مُوجِبًا لواحِدٍ، أو لم تَدْعُ، بأن يَكُونَ كلُّ واحِدٍ مِن النَّوْعَيْن فيه فَرِيضَةٌ كامِلَةٌ، وقال عِكْرِمَةُ، ومالكٌ، وإسْحاقُ: يُخْرِجُ مِن أكْثَرِ العَدَدَيْنِ، فإنِ اسْتَوَيا أخْرَجَ مِن أيِّهِما شاء، وقال الشافعيُّ: القِياسُ أن يُؤْخَذَ مِن كلِّ نَوْعٍ ما يَخُصُّه.
اخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّها أنْوَاعٌ تَجِبُ فيها الزكاةُ، فتَجِبُ زكاةُ كلِّ نَوْعٍ منه، كأنْواعِ الثَّمَرَةِ والحُبُوبِ.
..................................
ولَنا، أنَّهما نَوْعا جِنْسٍ مِن الماشِيَةِ، فجاز الإِخْراجُ مِن أيِّهما شاء، كما لو اسْتَوَى العَدَدانِ، وكالسِّمانِ والمَهازِيلِ، وما ذَكَرَه الشافعيُّ يُفْضِى إلى تَشْقِيصِ الفَرْضِ، وقد عَدَل إلى غَيْرِ الجِنْسِ فيما دُونَ خَمْسٍ وعِشرِين مِنِ الإِبِلِ مِن أجْلِ ذلك، فالعُدُولُ إلى النَّوْعِ أوْلَى.
إذا ثَبَت ذلك، فإنه يُخرِجُ مِن أحَدِ النَّوْعَيْن ما قِيمَتُه كقِيمَةِ المُخْرَجِ مِن النَّوْعَيْن، فإذا كان النَّوْعان سَوِاءً، وقِيمَةُ المُخْرَجِ مِن أحَدهما اثْنَىْ عَشَرَ، وقِيمَةُ المُخْرَجِ مِن الآخرِ خَمْسةَ عَشَرَ، أخْرَجَ مِن أحَدِهما ما قِيمَتُه ثَلاَثةَ عَشَرَ، وإن كان الثُّلُثُ مَعْزًا، والثُّلُثان ضَأْنًا، أخْرَجَ ما قِيمَتُه أرْبَعَةَ عَشَرَ، وإن كان بالعَكْسِ، أخْرَجَ ما قِيمَتُه ثلاثةَ عَشَرَ.
وإن كان في إبِلِه عَشْرٌ بَخاتِيٌّ، وعَشْرٌ مَهْرِيَّةٌ 1، وعَشْرٌ عِرابِيَّةٌ، وقِيمَةُ ابْنَةِ المَخاضِ البُخْتِيةِ ثَلاُثون والمَهْرِيَّةِ أرْبَعَةٌ وعِشْرُون، والعِرابِيَّةِ اثْنا عَشَر، أخْرَجَ ابْنَةَ مَخاضٍ قِيمَتُها ثُلُثُ قِيمَةِ بِنْتِ مَخاضٍ بخْتِيَّةٍ، وهو عَشَرَةٌ، وثُلُثُ قِيمَةِ مَهْرِيَّةٍ ثَمانِيَةٌ، وثُلُثُ قِيمَةِ عِرابِيَّةٍ أرْبَعَةٌ، فصار الجَمِيعُ اثْنَيْن وعِشْرِين.
وكذلك الحُكْمُ في أنْواعِ البَقَرِ، وفى السِّمانِ مع المَهازِيلِ، والكَرائِمِ مع اللِّئامِ.
..................................
فصل: والأوْلَى أن يُخْرِجَ عن ماشِيَتِه مِن نَوْعِها؛ فيُخْرِجُ عن البَخاتِىِّ بُخْتِيَّةً، وعن العِرابِ عِرابِيَّةً، وعن الكِرام كَرِيمَةً، فإن أخْرَجَ عن الكِرامِ هَزِيلَةً بقِيمَةِ السَّمِينَةِ جاز.
ذَكَرَه أبو بكَرٍ.
وحُكِىَ غن القاضى أنَّه لا يَجُوزُ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ القِيمَةَ مع اتِّحادِ الجِنْسِ هى المَقْصُودَةُ، فإن أخْرَجَ عن النِّصاب مِن غيرِ نَوْعِه ممَّا ليس في مالِه منه شئٌ ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُجْزِئُ؛ لأنَّه أخْرَجَ عنه مِن جِنْسِه، فجازَ كما لوْ أخْرَجَ من أحَدِ النَّوْعَيْنِ عنهما.
اخْتاره أبو بكرٍ.
والثانِي.
لا يُجْزِئُ؛ لأنَّه أخرَجَ مِن غيرِ نَوْعِ مالِه، أشْبَهَ ما لو أخرَجَ مِن غيرِ الجِنْسِ، وفارَقَ ما إذا أخرَجَ مِن أحَدِ نَوْعَىْ مالِه؛ لأنَّه جاز فِرارًا مِن تَشْقِيصِ الفَرْضِ، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
واللهُ أعلمُ.
فَصلٌ: النَّوْعُ الثَّالِثُ، الْغَنمُ، وَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، فَتَجِبُ فِيهَا شُاةٌ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا شَاتَانِ إِلَى مِائَتَيْنِ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ثَلَاث شِيَاهٍ، ثُمَّ فِى كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ.
فصل: قال رَضِىَ الله عنه: (النَّوْعُ الثّالِثُ) في (الغَنَمِ).
865 -
مسألة: (ولا شئَ فيها حتى تَبْلُغ أرْبَعِين، فَتَجِبُ فيها شاةٌ، إلى مِائَةٍ وعِشْرِين، فإذا زادَت واحِدَةً ففيها [شاتان إلى مِائَتَيْن، فإذا زادَت واحِدَةً فَفِيها] 1 ثَلاثُ شِياهٍ، ثُمَّ فِى كلِّ مائَةِ شَاةٍ شَاةٌ) الأصْلُ في وُجُوبِ صَدَقَةِ الغَنَمِ السُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمّا السُّنَّةُ فما روَى أنَسٌ، في كتابِ الصَّدَقاتِ الذى كَتَبَه له أبو بكرٍ، رَضِىَ اللهُ عنه 2، أنَّه قال: «في صَدَقَةِ الغَنَمِ في سائِمَتِها، إذا كانَتْ أرْبَعِين إلى عِشْرِين ومائَةٍ شاةٌ، فإذا زادَتْ على عِشْرِين ومائَةٍ إلَى مائَتَيْن، ففيها شاتان، فإذا زادَتْ على مائَتَيْن إلى ثلاِثمائةٍ ففيها ثَلاثُ شِيَاهٍ، فإذا زادَتْ على ثلاثمائَةٍ ففى كلِّ مائَةٍ شَاةٌ،
..................................
وإذا كانَتْ سَائِمَةُ الرجلِ ناقِصَةً مِن أرْبَعِين شَاةً واحِدَةً فليس فيها صَدَقَةٌ، إلَّا أنْ يَشاءَ رَبُّها، وَلَا يُخْرِجُ في الصدَقَةِ هَرِمَةً، وَلَا ذَاتَ عَوَارٍ، ولا تَيْسًا، إلَّا ما شاء المُصَدِّقُ» وأخْبارٌ سِوَى هذا.
وأجْمَعَ المُسْلِمُون على وُجُوبِ الزكاةِ فيها، وهذا المَذْكُورُ ههُنا مُجْمَعٌ عليه، حَكاه ابنُ المُنْذِرِ، إلَّا أنَّه حُكِىَ عن مُعاذٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ الفَرْضَ لا يَتَغَيَّرُ بعدَ المِائَةِ وإحْدَى وعِشْرِين، حتى تَبْلُغَ مِائَتَيْن واثْنَيْن وأرْبَعِين، ليَكونَ مِثْلَىْ 1 مائَةٍ وإحْدَى وعِشْرِين.
ورَواه سَعِيدٌ، عن خالِدٍ، عن مُغِيرَةَ، عن الشَّعْبِىِّ، عن مُعاذٍ، أنَّه كان إذا بَلَغَتِ الشِّياهُ مائَتَيْن لم يُغَيِّرْها، حتى تَبْلُغَ أرْبَعِين ومائَتَيْن، فيَأْخُذَ منها ثَلاثَ شِياهٍ، فإذا بَلَغَت ثَلاثَمائَةٍ، لم يُغَيِّرْها، حتى تَبْلُغَ أرْبَعِين وثَلاَثماثَةٍ، فيَأخُذَ منها أرْبَعًا.
ولا يَثْبُتُ عنه.
والحديثُ الذى رَوَيْناهُ دَلِيلٌ على خِلافِ ما رُوِىَ عنه، والإِجماعُ على خِلافِ هذا القولِ دَلِيلٌ على فَسادِهِ، وما رَواه سَعِيدٌ مُنْقَطِعٌ؛ فإنَّ الشَّعْبِىَّ لم يَلْقَ مُعاذًا.
وظاهِرُ المذْهَبِ أنَّ فَرْضَ الغَنَمِ لا يَتَغَيَّرُ بعدَ مائَتَيْن وواحِدَةٍ، حتى يَبْلُغَ أرْبَعَمِائةٍ، فيَجِبُ في كلِّ مِائةٍ شاةٌ، ويَكُونُ ما بينَ مائتَيْن وواحِدَةٍ إلى أرْبَعِمائةٍ وَقْصًا، وذلك مائةٌ وتِسْعَةٌ وتِسْعُون.
وهذا قولُ أكْثَرِ العلماءِ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّها إذا زادَتْ على ثَلاِثمائَةٍ واحِدَةً،
وَيُؤْخَذُ مِنَ الْمَعْزِ الثَّنِىُّ، وَمِنَ الضَّأْنِ الْجَذَعُ،
ففيها أرْبَعُ شِياهٍ، ثم لا يَتَغَيَّرُ الفَرْضُ حتى تَبْلُغَ خَمْسَمائَةٍ، فيَكُونُ في كلِّ مائَةٍ شاةٌ، ويَكُونُ الوَقْصُ الكَبِيرُ ما بينَ ثَلاِثمائةٍ وواحِدَةٍ إلى خَمْسِمائةٍ.
اخْتارَه أبو بكرٍ.
وهو قولُ النَّخَعِىِّ، والحسنِ بنِ صالِحٍ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَل الثَّلاثَمائةٍ حَدًّا للوَقْصِ، وغايَةً، فيَجِبُ أن يَتَعَقَّبَه تَغَيُّرُ النِّصابِ، كالمائتَيْن.
ولَنا، أنَّ قولَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَإذَا زَادَتْ، فَفِى كُلِّ مائَةٍ شَاةٌ».
يَقْتَضِى ألَّا يَجِبَ فيما دُونَ المائةِ شئٌ، وفى كِتابِ الصَّدَقاتِ الذى كان عندَ آلِ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ: فإذا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمائةٍ وَاحِدَةً، فَلَيْس فِيهَا شَئٌ، حَتَّى تَبْلُغَ أرْبَعَمائةِ شَاةٍ، ففِيهَا أرْبَعُ شِيَاهٍ (1). وهذا صَرِيحٌ لا يَجُوزُ خِلافُه، وتَحْدِيدُ النِّصابِ لاسْتِقْرارِ الفَريضَةِ، لا لِلْغَايَةِ.
866 -
مسألة: (ويُؤْخَذُ مِن المَعْزِ الثَّنِىُّ، ومِن الضَّأْنِ الجَذَعُ)
1
..................................
لا يُجْزِئُ في صَدَقَةِ الغَنَمِ إلَّا الجَذَعُ مِن الضَّأْنِ، وهو ما لَه سِتَّةُ أشْهُرٍ، والثَّنِيُّ مِن المَعْزِ، وهو مالَه سَنَةٌ، فإن تَطَوَّعَ المالكُ بأعْلَى منهما في السِّنِّ، جاز؛ لِما نَذْكُرُه.
فإن كان الفَرْضُ في النِّصابِ أخَذَه السّاعِى، وإن كان فَوْقَ الفَرْضِ خُيِّرَ المالِكُ بينَ دَفْعِ واحِدَةٍ منه، وبينَ شِراءِ الفَرْضِ فيُخْرِجُه.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفة، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن عنه: لا يُجْزِئُ إلَّا الثَّنِيَّةُ منهما جَمِيعًا؛ لأنَّهما نَوْعا جِنْسٍ، فكان الفَرْضُ منهما واحِدًا، كالإِبِلِ والبَقَرِ.
وقال مالكٌ: تُجْزِئُ الجَذَعَةُ منهما؛ لذلك، ولقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّمَا حَقُّنَا في الجَذَعَةِ أوِ الثَّنِيَّةِ» 1. ولَنا، على أبى حنيفةَ هذا الخَبَرُ، وقولُ [سِعْر بنِ دَيْسَمَ] 2: أتانِى رجلان على بَعِيرٍ، فقالا: إنّا رسولا رسولِ اللهِ إليك، لتُؤَدِّىَ صَدَقَةَ غَنَمِكَ.
قلتُ: فأىَّ شئٍ تَأْخُذانِ؟ قالا: عَناقٌ، جَذَعَةٌ أو ثنِيَّةٌ.
أخْرَجَه أبو داودَ 3. ولَنا على مالكٍ، ما رَوَى سُوَيْدُ بنُ غَفَلَةَ، قال: أتانا مُصَدِّقُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -،
وَلَا يُؤْخَذُ تَيْسٌ، وَلَا هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ؛ وَهِىَ الْمَعِيبَةُ،.
وقال: أُمْرِنا أن نَأْخُذَ الجَذَعَةَ مِن الضَّأْنِ، والثَّنِيَّةَ مِن المَعْزِ (1). وهذا صَرِيحٌ، وفيه بَيانٌ للمُطْلَقِ في الحَدِيثَيْن قبلَه، ولأنَّ جَذَعَةَ الضَّأْنِ تُجْزِئُ في الأُضْحِيَةِ، بخِلافِ جَذَعَةِ المَعْزِ؛ بدَلِيلِ قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأبِي بُرْدَةَ ابنِ نِيَارٍ (2)، في جَذَعَةِ المَعْزِ: «تُجْزِئُ عَنْكَ، وَلَا تُجْزِئُ عَنْ أحَدٍ بَعْدَكَ» (3).
867 -
مسألة: (ولا يُؤْخَذُ)
في الصَّدَقَةِ (تَيْسٌ، ولا هَرِمَةٌ، ولا ذاتُ عَوارٍ؛ وهى المَعِيبَةُ) هذه الثَّلاثُ لا تُؤْخَذُ لدَناءَتِها، ولقولِ123
..................................
اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ 1. ولأنَّ في حَدِيثِ أنَسٍ: «وَلَا يُخْرَجُ فِى الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، ولا تَيْسٌ، إلَّا أنْ يَشَاءَ المُصَدِّقُ» 2. وقد قِيلَ: لا يُؤْخَذُ تَيْسُ الغَنَمِ لفَضِيلَتِه.
وكان أبو عُبَيْدٍ يَرْوِى هذا الحَدِيثَ: «إلَّا مَا شَاءَ المُصَدَّقُ» 3. بفَتْحِ الدّالِ يَعْنِى صاحِبَ المالِ.
فعلى هذا يَكُونُ الاسْتِثْناءُ في الحَدِيثِ راجِعًا إلى التَّيْسِ وَحْدَه.
وذَكَر الخَطّابِىُّ 4 أنَّ جَمِيعَ الرُّواةِ يُخالِفُونَه في هذا، فيَرْوُونَه: «المُصَدِّقُ».
بكَسْرِ الدّالِ.
أى العامِلُ.
وقال: التَّيْسُ لا يُؤْخَذُ؛ لنَقْصِه، وفسادِ لَحْمِه.
وعلى هذا لا يَأْخُذُ المُصَدِّقُ، وهو السّاعِى، أحَدَ هذه الثَّلاثةِ، إلَّا أن يَرَى ذلك، بأن يَكُونَ جَمِيعُ المالِ مِن جِنْسِه، فيَكُونُ له أن يَأْخُذَ مِن جِنْسِ المالِ، فيَأْخُذُ هَرِمَةً مِن الهَرِماتِ، ومَعِيبَةً مِن المَعِيباتِ، وتَيْسًا مِن التُّيُوسِ.
وقال مالكٌ،
وَلا الرُّبَّى؛ وَهِىَ الَّتِى تُرَبِّى وَلَدَهَا، وَلَا الْحَامِلُ، وَلَا كَرَائِمُ الْمَالِ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهُ.
والشافعىُّ: إن رَأى السّاعِى أنَّ أخْذَ هذه الثَّلاثِ خَيْرٌ له، وأنْفَعُ للفُقَراءِ، فله أخْذُها؛ لظاهِرِ الاسْتِثْناء.
ووَجْهُ الأوَّلِ ما ذَكَرْنا.
ولأنَّ في أخْذِ المَعِيبَةِ عن الصِّحاحِ إضْرارًا بالفُقَراءِ، ولذلك يَسْتَحِقُّ رَدُّها في البَيْعِ، ولأنَّهَا مِن شِرارِ المالِ، وقد قال عليه السلامُ: «إنَّ اللهَ لم يَسْأَلْكُمْ خيْرَهُ، ولم يَأْمُرْكُمْ بِشَرِّهِ» (1).
868 -
مسألة: (ولا الرُّبَّى؛ وهى التى تُرَبِّى وَلَدَها، ولا الماخِضُ، ولا كَرائِمُ المالِ، إلَّا أن يَشاءَ رَبُّه)
الرُّبَّى؛ قَرِيبَةُ العَهْدِ بالوِلادَةِ، تقولُ العَرَبُ: في رِبابِهَا.
كما تَقُولُ: في نِفاسِها.
قال الشاعرُ:
حَنِينَ أُمِّ الْبَوِّ في رِبابِهَا 21
..................................
قال أحمدُ: والماخِضُ التى قد حان وِلادُها، فإن لم يَقْرُبْ وِلادُها، فهى خَلِفَةٌ.
وهذه الثَّلاثَةُ لا تُؤْخَذُ لحقِّ رَبِّ المالِ، ولا تُؤْخَذُ أيضًا الأكُولَةُ؛ لذلك.
قال عُمَرُ، رَضِىَ اللهُ عنه، لساعِيه: لا تَأْخُذِ الرُّبَّى ولا الماخِضَ، ولا الأكُولَةَ.
وقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - لمُعاذٍ حينَ بَعَثَه إلى اليَمَنِ: «إيَّاكَ وَكَرَائِمَ أمْوَالِهِمْ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. ولا فَحْل الغَنَمِ.
فإن تَطَوَّعَ رَبُّ المالِ بإخْراجِها جاز أخْذُها، وله ثَوابُ الفَضْلِ، لأنَّ الحَقَّ له فجاز برِضاه، كما لو دَفَع فَرْضَيْن مكانَ فَرْضٍ.
وإذا تَقَرَّرَ أنَّه لا يَجُوزُ أخْذُ الرَّدِئِ لأجْلِ الفُقَراءِ، ولا كَرائِمِ المالِ مِن أجْلِ أرْبابِه، ثَبَت أنَّ الحَقَّ في الوَسَطِ مِنْ المالِ.
قال الزُّهْرِىُّ: إذا جاء المُصَدِّق قَسَّمَ الشِّياهَ ثَلاثًا؛ ثُلُثٌ خِيارٌ، وثُلُثٌ أوْساطٌ، وثُلُثٌ شِرارٌ، وأخَذَ مِن الوَسَطِ.
ورُوِىَ نَحْوُ ذلك عن عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه 2. والأحادِيثُ تَدُلُّ على نَحْوِ هذا، فروَى أبو داودَ والنَّسائِىُّ، بإسْنادِهِما عن [شِعْرِ بنِ دَيْسَمَ] 3 قال:
وَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ الْقِيمَةِ.
وَعَنْهُ، يَجُوزُ.
كنتُ في غَنَمٍ لى، فجاءَنِى رجلان على بَعِير، فقالا: إنّا رسولَا رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إليك لتُؤَدِّىَ إلينا صَدَقَةَ غَنَمِك.
قلتُ: وما علىَّ فيها؟ قالا: شاةٌ.
فأعْمَدُ إلى شَاةٍ قد عَرَفْتُ مَكانَهَا مُمْتَلِئَةً مَخْضًا وشَحْمًا، فأخْرَجْتُها إليهما.
قالا: هذه شافِعٌ، وقد نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن نَأْخُذَ شاةً شافِعًا (1). والشّافِعُ: الحامِلُ؛ سُمِّيَتْ بذلك لأنَّ وَلَدَها قد شَفَعَها.
والمَخْضُ: اللَّبَنُ.
ورَوَى أبو داودَ بإسْنادِه عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «ثَلَاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ طَعِمَ طَعْمَ الإِيمَانِ؛ مَنْ عَبَدَ اللهَ وَحْدَهُ، وَأنَّهُ لَا إلهَ إلَّا هُوَ، وَأعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ، رَافِدَةً عَلَيْهِ كُلَّ عَامٍ، وَلَمْ يُعْطِ الهَرِمَةَ، وَلَا الدَّرِنَةَ، وَلَا المَرِيضَةَ، وَلَا الشَّرَطَ اللَّئِيمَةَ، ولَكِنْ مِنْ وَسَطِ أمْوالِكُمْ، فَإنَّ اللهَ لَمْ يَسْأَلْكُمْ خَيْرَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ بِشَرِّهِ» (2). رَافِدَةً؛ مُعِينَةً؛ والدَّرِنَةُ؛ الجَرْباءُ، والشَّرَطُ؛ رُذالَةُ المالِ.
869 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ إخْراجُ القِيمَةِ. وعنه، فيَجُوزُ)
ظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّه لا يَجُوزُ إخْراجُ القِيمَةِ في شئٍ مِن الزَّكَواتِ.
وبه قال مالكٌ،12
..................................
والشافعيُّ.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ: يَجُوزُ.
ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ ابنِ عبدِ العزِيزِ، والحسنِ.
وعن أحمدَ مثلُ قَوْلِهم فيما عدا زكاةَ الفِطْرِ.
فأمّا زكاةُ الفِطْرِ فقد نَصَّ على أنَّه لا يَجُوزُ.
قال أبو داودَ: قِيلَ لأحمدَ: وأنا أُعْطِى دَراهِمَ.
يَعْنِى في صَدَقَةِ.
الفِطْرِ، قال: أخافُ أن لا يُجْزِئَه خِلافُ سُنَّةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وقال أبو طالِبٍ: قال أحمدُ: لا يُعْطِى قِيمَتَه.
قِيلَ له: قَوْمٌ يَقُولُون: عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ كان يأْخُذُ بالقِيمَةِ.
قال: يَدَعُون قولَ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ويَقُولُون قالَ فُلانٌ! قال ابنُ عُمَرَ: فَرَض رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - 1، وقال الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ 2. ونُقِلَ عن أحمدَ في غيرِ زكاةِ الفِطْرِ جَوازُ إخْراجِ القِيمَةِ.
قال أبو داودَ: وسُئِلَ أحمدُ عن رجلٍ باع ثَمَرَةَ نَخْلِه.
قال: عُشْرُه على الذي باعَه.
قِيلَ له: فَيُخْرِجُ تَمْرًا، أو ثَمَنَه؟ قال: إن شاء أخْرَجَ تَمْرًا، وإن شاء أخْرَجَ مِن الثَّمَنِ.
ووَجْهُ ذلك قولُ مُعاذٍ لأهْلِ اليَمَنِ: ائْتُونِي بخمِيسٍ.
3 أو لَبِيسٍ 4 آخُذُه منكم، فإنَّه أيْسَرُ عليكم،
..................................
وأنْفَعُ للمُهاجِرِين بالمَدِينَةِ 1. ورَوَى سَعِيدٌ، بإسْنادِه، قال: لَمّا قَدِمْ مُعاذٌ إلى اليَمَنِ، قال: ائْتُونِي بعَرْضِ ثِيابٍ آخُذُه مِنكم مكانَ الذُّرَةِ والشَّعِيرِ، فإنَّه أهْوَنُ عليكم، وخَيْرٌ للمُهاجِرِين بالمَدِينَةِ.
ولأنَّ المَقْصُودَ دَفْعُ حاجَةِ الفُقَراءِ، ولا يَخْتَلِفُ ذلك باخْتِلافِ صُوَرِ الأمْوالِ إذا حَصَلَتِ القِيمَةُ.
ولَنا، قولُ ابنِ عُمَرَ: فَرَض رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - صَدَقَةَ الفِطْرِ صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن شَعِيرٍ.
فإذَا عَدَل عن ذلك فقد تَرَك المَفْرُوضَ.
وقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «فِى أرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» 2، «وفِى مِائَتَىْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ» 3. وهو وارِدٌ بَيانًا لقَوْلِه تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ 4. فتَكُونُ الشّاةُ المذْكُورَةُ هى المَأْمُورُ بها، والأمْرُ للوُجُوبِ.
وفى كِتابِ أبى بكرٍ، رَضِىَ اللهُ عنه 5:
..................................
هذه فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ التى فَرَضَها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وفَسَّرَها بالشّاةِ والبَعِيرِ.
والفَرِيضَةُ واجِبَةٌ، والواجِبُ لا يَجُوزُ تَرْكُه.
وقَوْلُه عليه السلامُ: «فَإنْ لَمْ يَكُنْ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَابْنُ لبونٍ ذَكَرٌ».
يَمْنَعُ إخْراجَ ابْنَةِ اللَّبُون مع وُجُودِ ابْنَةِ المَخاضِ، ويَدُلُّ على أنَّه أرادَ البَعِيرَ دُونَ المالِيَّةِ؛ فإنَّ خَمْسًا وعِشْرِين مِن الإِبِلِ لا تَخْلُو مِن مالِيَّةِ بِنْتِ مَخاضٍ، وإخْراجُ القِيمَةِ يُخالِفُ ذلك، ويُفْضِى إلى إخْراجِ الفَرِيضَةِ مكانَ الأُخْرَى مِن غيرِ جُبْرانٍ، وهو خِلافُ النَّصِّ.
وقد رُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لمُعاذٍ حينَ بَعَثَه إلى اليَمَنِ: «خُذِ الْحَبَّ مِنَ الْحَبِّ، وَالشَّاةَ مِنَ الْغَنَمِ، وَالْبَعِيرَ مِنَ الإِبِلِ، وَالْبَقَرَ مِنَ الْبَقَرِ».
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجه 1. ولأنَّ الزكاةَ
وَإِنْ أَخْرَجَ سِنًّا أَعْلَى مِنَ الْفَرْضِ مِنْ جِنْسهِ، جَازَ.
وجَبَتْ لدَفْعِ حاجَةِ الفَقِيرِ [وشُكْرًا لنِعْمَةِ المالِ، والحاجاتُ مُتَنَوِّعَةٌ، فيَنْبَغِى أن يَتَنَوَّعَ الواجِبُ؛ ليَصِلَ إلى الفَقِيرِ] (1) مِن كُلِّ نَوْعٍ ما تَنْدَفِعُ به حاجَتُه، ويَحْصُلُ شُكْرُ النِّعْمَةِ بالمُواساةِ مِن جِنْسِ ما أنْعَمَ اللهُ عليه، ولأنَّه عَدَل عن الجِنْسِ المَنْصُوصِ عليه، فهو كما لو عَدَل عنه إلى مَنافِعِ دارٍ أو عَبْدٍ أو ثَوْبٍ، وحَدِيثُ مُعاذٍ، الذى رَوَوْه في الجِزْيَةِ، بدَلِيلِ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَه بتَفْرِيقِ الصَّدَقَةِ في فُقَرائِهِم، ولم يَأْمُرْه بِحَمْلِها.
وفي حَدِيثِه هذا: فإنَّه أنْفَعُ للمُهاجِرِين بالمَدينَةِ.
870 -
مسألة: (وإن أخْرَجَ سِنًّا أعْلَى مِن الفَرْضِ مِن جِنْسِه، جاز)
وذلك مثلُ أن يُخرِجَ بِنْتَ لَبُونٍ عن بِنْتِ مَخاضٍ، أو عنِ الجَذَعَةِ ابْنَتَىْ لَبُونٍ أو حِقَّتَيْن، فإنَّ ذلك جائِزٌ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه زاد على الواجِبِ مِن جِنْسِه ما يُجْزِئُ عنه مع غيرِه، فكان مُجْزِئًا عنه على انْفِرادِه، كما لو كانتِ الزِّيادَةُ في العَدَدِ.
وقد رَوَى الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ 2،1
..................................
بإسْنادِهما عن أُبَىِّ بنِ كَعْبٍ قال: بَعَثَنِى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُصَدِّقًا، فَمَرَرْتُ برجلٍ، فلَمّا جَمَع لى مالَه لم أجِدْ عليه فيه إلَّا بِنْتَ مَخاضٍ.
فقلتُ له 1: أدِّ بِنْتَ مَخاضٍ، فإنَّها صَدَقَتُكَ.
فقال: ذاك ما لا لَبَنَ فيه ولا ظَهْرَ، ولكنْ هذه نَاقَةٌ فَتِيَّةٌ عَظِيمَةٌ سَمِينَةٌ، فخُذُوها.
فقلتُ: ما أنا بآخِذٍ ما لم أُؤْمَرْ به، وهذا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - منك قَرِيبٌ، فإن أحْبَبْتَ أن تَأْتِيَه فتَعْرِضَ عليه ما عَرَضْتَ علىَّ فافْعَلْ، فإن قَبِلَه منك قَبِلْتُه، وإن رَدَّه عليك رَدَدْتُه.
قال: فإنِّى فاعِلٌ.
فخَرَجَ معى، وخَرَج بالنّاقَةِ التى عَرَض علىَّ، حتى قَدِمْنا على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال له: يا نَبِىَّ اللهِ، أتَانِى رَسُولُكَ ليَأْخُذَ مِنِّى صَدَقَةَ مالِى، وايْمُ اللهِ، ما قام في مالِى رسولُ اللهِ ولا رَسُولُه قَطُّ قَبْلَه، فجَمَعْتُ له مالِى، فزَعَمَ أنَّ ما علىَّ فيه بِنْتُ مَخاضٍ، وذاك ما لا لَبَنَ فيه ولا ظَهْرَ، وقد عَرَضْتُ عليه ناقَةً فَتِيَّةً سَمِينَةً عَظِيمَةً ليَأْخُذَها فأبَى.
وقال: ها هى ذِهِ، قد جِئْتُكَ بها يا رسولَ اللهِ، خُذْها.
فقال له رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «ذَاكَ الَّذِى وَجَبَ عَلَيْكَ، فإنْ تَطَوَّعْتَ بِخَيْرٍ آجَرَكَ اللهُ فِيهِ، وقَبِلْنَاهُ مِنْكَ».
قال: فها هى ذِهِ يا رسولَ اللهِ، قد جِئْتُكَ بها.- قال: فأمَرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بقَبْضِها، ودَعا له في مالِه بالبَرَكَةِ.
فَصْلٌ فِى الْخُلْطَةِ:
وَإِذَا اخْتَلَطَ نَفْسَانِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ فِى نِصَابٍ مِنَ الْمَاشِيَةِ حَوْلًا، لَمْ يَثْبُتْ لَهُمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِى بَعْضِه، فَحُكْمُهُمَا فِى الزَّكَاةِ حُكْمُ الْوَاحِدِ، سَوَاءٌ كَانَتْ خُلْطَةَ أَعْيَانٍ؛ بِأَنْ يَكُونَ مُشَاعًا بَيْنَهُمَا، أَوْ خُلْطَةَ أَوْصَافٍ؛ بِأَنْ يَكُونَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَمَيِّزًا، فَخَلَطَاهُ وَاشْتَرَكَا فِى الْمُرَاحِ وَالْمَسْرَحِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَحْلَبِ وَالرَّاعِى وَالْفَحْلِ.
(فصلٌ في الخُلْطَةِ)
871 -
مسألة: (وإذا اخْتَلَطَ نَفْسان أو أكْثَرُ مِن أهلِ الزكاةِ في نِصابٍ مِن الماشِيَةِ حَوْلًا، لَم يَثْبُتْ لهما حُكْمُ الانْفِرادِ في بَعْضِه، فحُكْمُهما في الزكاةِ حُكْمُ الواحِدِ، سَواءٌ كانت خُلْطَةَ أعْيانٍ؛ بأن يَكُونَ مُشاعًا بينَهما، أو خُلْطَةَ أوْصافٍ؛ بأن يَكُونَ مالُ كلِّ واحِدٍ منهما مُتَمَيِّزًا، فخَلَطاه واشْتَرَكا في المُراحِ والمَسْرَحِ والمَشْرَبِ والرّاعِي والفَحْلِ)
الخُلْطَةُ في السّائِمَةِ تَجْعَلُ المالَيْن كالمالِ الواحِدِ إذا وُجِدَتْ فيها الشُّرُوطُ المَذْكُورَةُ، فتَجِبُ فيها الزكاةُ إذا بَلَغ المَجْمُوعُ نِصابًا.
فإذا كان لكلِّ
..................................
واحِدٍ منهما عِشْرُوِن، فعليهما شاةٌ، وإن زاد المالان على النِّصاب، لم يَتَغَيَّرِ الفَرْضُ حتى يَبْلُغا فرِيضَةً ثانِيَةً، مثلَ أن يَكُونَ لكلِّ واحِدٍ منهما سِتُّون شاةً، فلا يَجِبُ عليهما إلَّا شاةٌ، وسَواءٌ كانت خُلْطَةَ أعْيانٍ؛ بأن تَكُونَ الماشِيَةُ مُشْتَرَكَة بينَهما، لكلِّ واحِدٍ منهما نَصِيبٌ مُشاعٌ، مثلَ أن يَرِثا نِصابًا أو يَشْتَرِياه، فيُبْقِياه بحالِه.، أو خُلْطَةَ أوْصافٍ؛ وهى أن يَكُونَ مالُ كلِّ واحِدٍ منهما مُتَمَيِّزًا، فخَلَطاه، واشْتَرَكا في الأوْصافِ التى ذَكَرْناها.
وسَواءٌ تَساوَيا في الشَّرِكَةِ، أو اخْتَلَفا، مثلَ أن يَكُونَ لرجلٍ شاةٌ، ولآخَرَ تِسْعَةٌ وِثَلاُثون، أو يَكُونَ لأرْبَعِين رَجُلًا أرْبَعُون شاةً، لكلِّ واحِدٍ منهم شاةٌ.
نصَّ عليهما أحمدُ.
وهذا قولُ عَطاءٍ، والأوْزاعِىِّ،: اللَّيْثِ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ.
وقال مالكٌ: إنَّما تُؤَثِّرُ الخُلْطَةُ إذا كان لكلِّ واحِدٍ مِن الشُّرَكاءِ نِصابٌ.
وحُكِىَ ذلك عن الثَّوْرِىِّ، وأبي ثَوْرٍ.
واخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا أثَرَ لها بحالٍ؛ لأنَّ مِلْك كلِّ واحِدٍ دُونَ النِّصابِ، فلم يَجِبْ عليه زكاةٌ، كما لو انْفَرَدَ.
[وله، فيما إذا اخْتَلَطا في نِصابَيْن] 1 أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَمْلِكُ أرْبَعِين مِن الغَنَمِ، فوَجَبَتْ عليه شاةٌ؛ لقَوْلِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «فِى أرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» 2. ولَنا، ما رَوَى
..................................
البخارىُّ في حَدِيثِ أنَسٍ 1: «وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، ولا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ، فإنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا 2 بِالسَّوِيَّةِ».
ولا يَجِئُ التَّراجُعُ إلَّا على قَوْلِنا في خُلْطَةِ الأوْصافِ.
وقَوْلُه: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ».
إنَّما يَكُونُ هذا إذا كان لجَماعَةٍ، فإنَّ الواحِدَ يَضُمُّ بَعْضَ مالِه إلى بَعْضٍ وإن كان في أماكِنَ، وهكذا قَوْله: «لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ».
ولأنَّ للخُلْطَةِ تَأْثِيرًا في تَخْفِيفِ المُؤْنَةِ، فجاز أن تُؤَثِّرَ في الزكاةِ، كالسَّوْمِ، وقِياسُهم مع مُخالَفَةِ النَّصِّ غيرُ مَسْمُوعٍ.
فصل: ويُعْتَبَرُ للخُلْطَةِ شُرُوطٌ أرْبَعَةٌ؛ أوَّلُها، أن يَكُونَ الخَلِيطان مِن أهلِ الزكاةِ، فإن كان أحَدُهما ذِمِّيًّا، أو مُكاتَبًا لم يُعْتَدَّ بخُلْطِته؛ لأنَّه لا زكاةَ في مالِه، فلم يَكْمُلِ النِّصابُ به.
الثّانِى، أن يَخْتَلِطا في نِصابٍ؛ إمّا في خَمْسٍ مِن الإِبِلِ، أو ثَلاثِين مِن البَقَرِ، أو أرْبَعِين مِن الغَنَمِ، فإنِ اخْتَلَطا فيما دُونَ.
النِّصابِ لم تُؤَثِّرِ الخُلْطَةُ، سواءٌ كان لهما مالٌ سِواه أو لم يَكُنْ؛ لأنَّ المُجْتَمِعَ دُونَ النِّصابِ، فلم تَجِبِ الزكاةُ فيه.
الثّالِثُ، أن يَخْتَلِطا في جَمِيعِ الحَوْلِ، فإنِ اخْتَلَطُوا في بعضِه لم يُؤَثِّرِ اخْتِلاطُهم.
..................................
وبه قال الشافعيُّ في القول الجَدِيدِ.
وقال مالكٌ: لا يُعْتَبَرُ اخْتِلاطُهم في أوَّلِ الحَوْلِ؛ لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ».
يَعْنِى في وَقْتِ الزكاةِ.
ولَنا، أنَّ هذا مالٌ ثَبَت له حُكْمُ الانْفِرادِ في بعضِ الحَوْلِ، أشبَهَ مالو انْفَرَدَ في آخِرِ الحَوْلِ، ولأنَّ الخُلْطَةَ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ به إيجابُ الزكاةِ، فاعْتُبِرَتْ في جَمِيعِ الحَوْلِ، كالنِّصابِ.
الرّابعُ، أن يَكُونَ اخْتِلاطُهم في السّائِمَةِ.
وسَنَذْكرُ ذلك، إن شاء الله تعالى.
فصل: ويُعْتَبَرُ لخُلْطَةِ الأوْصافِ اشْتِراكُهم في الأوْصافِ المَذْكُورَةِ، وهى سِتَّةٌ؛ المُراحُ، وهو الذى تَرُوحُ إليه الماشِيَةُ، قال اللهُ تعالى: ﴿حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ 1. والمَسْرَحُ، وهو
..................................
المَرْعَى الذى تَرْعَى فيه الماشِيَةُ، والمَحْلَبُ، المكانُ الذى تُحْلَبُ فيه الماشِيَةُ، وليس المُرادُ منه خَلْطَ اللَّبَنِ في إناءٍ واحِدٍ؛ لأنَّ هذا ليس بمَرْفَقٍ 1، بل مَشَقَّةٌ، لِما فيه مِن الحاجَةِ إلى قَسْمِ اللَّبَنِ.
والفَحْلُ، وهو أن لا يَكُونَ فُحُولَةُ أحدِ المالَيْن لا تَطْرُقُ غيرَه.
والرّاعِى، وهو أن لا يَكُونَ لكلِّ مالٍ راعٍ، يَنْفرِدُ برِعاِيَتِه دُونَ الآخَرِ.
والأصْلُ في هذه الشُّرُوطِ ما رَوَى سعدُ بنُ أبي وَقّاصٍ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَالْخَلِيطَانِ مَا اجْتَمَعَا فِى الْحَوْضِ وَالْفَحْلِ والرَّاعِى».
رَواه الدّارَقُطْنِىُّ 2. ورُوِىَ «المَرْعَى».
وبنَحْوِ هذا قال الشافعىُّ.
وقال
..................................
بَعْضُ أصحاب مالكٍ: لا يُعْتَبَرُ إلَّا شَرْطان؛ الرّاعِى والمَرْعَى؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفرِّقٍ».
والاجْتِماعُ يَحْصُلُ بذلك، ويُسَمَّى خُلْطَةً، فاكْتُفِىَ به.
ولَنا، قَوْلُه: «وَالْخَلِيطَانِ مَا اجْتَمَعَا فِى الْحَوْضِ وَالرَّاعِى وَالْفَحْلِ».
وحَكَى ابنُ أبى موسى، عن أحمدَ أنَّه لا يُعْتَبَرُ إلَّا الحَوْضُ والرّاعِى والمُراحُ.
وهو
..................................
بَعِيدٌ؛ لأنَّه تَرَك ذِكْرَ الفَحْلِ وهو مَذْكُورٌ في الحَدِيثِ.
فإن قِيلَ: فلِمَ اعْتَبَرتُمْ زِيادَةً على هذا؟ قُلنا.: هذا تَنْبِيهٌ على بَقِيَّةِ الشَّرائِطِ، وإلْغاءٌ لِما ذَكَرُوه، ولأنَّ لكلِّ واحِدٍ مِن هذه الأوْصافِ تأْثِيرًا، فاعْتُبِرَ كالمَرْعَى.