..................................
فالاسْتِثْناءُ بَيَّنَ أنَّ الخَمْسِينَ المُسْتَثْناةَ غيرُ مُرَادَةٍ، كما أنَّ التَّخْصِيصَ يُبَيِّنُ أنَّ المَخْصُوصَ غيرُ مُرَادٍ باللَّفْظِ العامِّ.
إذا ثَبَتَ ذلك، فلا نَعْلَمُ خِلافًا في جَوازِ اسْتِثْناءِ ما دُونَ النِّصْفِ 1، وقد دَلَّ عليه ما ذَكَرْنا مِن الكِتَابِ والسُّنَّةِ.
فصل: فأمّا اسْتِثْناءُ ما زادَ على النِّصْفِ، فلا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنَّه لا يَصِحُّ، وهو كاسْتِثْناءِ الكُلِّ، يُؤْخَذُ بالجميعِ.
ويُحْكَى ذلك عن ابنِ دَرَسْتَوَيْهِ النَّحْوِىِّ 2. وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، [والشّافعىُّ] 3، وأصحابُهم: يَصِحُّ اسْتِثْناءُ ما دونَ الكُلِّ، فلو قال: له عَلَىَّ مائةٌ إلَّا تِسْعةً وتِسْعِينَ.
لم يَلْزَمْه إلَّا واحدٌ، بدَلِيلِ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ 4. وقولِه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ 5.
..................................
[فاسْتَثْنى في مَوْضِعٍ الغاوينَ مِن العبادِ، وفى مَوْضِعٍ العبادَ مِن الغاوينَ] 1، وأيُّهما كان الأكْثَرَ فقد دَلَّ على اسْتِثْناءِ الأكْثَرِ، وأنْشَدُوا 2:
أدُّوا التى نَقَصَتْ تِسْعِينَ مِنْ مائةٍ … ثم ابْعَثُوا حَكَمًا بالحَقِّ قَوَّامَا
فاسْتَثْنَى تِسْعِينَ مِن مائةٍ؛ لأنَّه 3 في مَعْنَى الاسْتِثْناءِ، ومُشَبَّهٌ به، ولأنَّه اسْتَثْنَى البعضَ، فجازَ، كاسْتِثْناءِ الأقَلِّ، ولأنه رَفَع بعضَ ما تَناوَلَهُ اللَّفْظُ، فجاز، كالتَّخْصِيص والبَدَلِ.
ولَنا، أنَّه لم يَرِدْ في لِسانِ العَرَبِ الاسْتِثْناءُ إلَّا في الأقَلِّ، وقد أَنْكَرُوا اسْتِثْناءَ الأَكْثَرِ، فقال أبو إسحاقَ الزَّجّاجُ: لم يَأْتِ الاسْتِثْناءُ إلَّا في القَلِيلِ مِن الكَثِيرِ، ولو قال قائِلٌ: مائةٌ إلَّا تِسْعةً وتِسْعِينَ.
لم يَكُنْ مُتَكَلِّمًا بالعَرَبِيَّةِ، وكان عِيًّا مِن الكَلامِ ولُكْنةً.
..................................
وقال القُتَيْبِىُّ: يُقالُ: صُمْتُ الشَّهْرَ إلَّا يَوْمًا.
ولا يُقالُ: صُمْتُ الشَّهْرَ إلا تِسْعةً وعِشْرِينَ يومًا.
ويُقالُ: لَقِيتُ القَوْمَ جَمِيعَهُم إلَّا واحِدًا أو اثْنَيْنِ.
ولا يجوزُ أن يُقالَ: لَقِيتُ القَوْمَ إلَّا أكْثَرَهُم.
وإن لم يَكُنْ صَحِيحًا في الكَلامِ، لم يَرْتَفِعْ به ما أقَرَّ به، كاسْتِثْناءِ الكُلِّ، وكما لو قال: له عَلَىَّ عَشَرَةٌ، بل خَمْسةٌ.
وأمّا ما احْتَجُّوا به مِن التَّنْزِيلِ، فإنّه في الآيةِ الأُولَى اسْتَثْنَى المُخْلَصِينَ مِن بَنِى آدَمَ، وهم الأقَلُّ، كما قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ 1. وفى الآيةِ الأُخْرَى اسْتَثْنَى الغاوِينَ مِن العِبَادِ وهم الأَقَلُّ، فإنَّ المَلائكَةَ مِن العِبادِ، وهم غيرُ غاوِينَ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ 2. وقيل: الاسْتِثْناءُ في هذه الآيةِ مُنْقَطِعٌ بمعنى الاسْتِدْراكِ، فيكونُ قولُه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾.
مُبْقًى 3 على عُمُومِه لم يُسْتَثْنَ منه شَئٌ، فيكونُ قَوْلُه: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾.
أى لكنْ مَن اتَّبَعَكَ مِن الغَاوِينَ فإنَّهم غَوَوْا باتِّباعِكَ.
وقد دَلَّ على صِحَّةِ هذا قولُه في الآيةِ الأُخْرى لأَتْباعِه: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ 4. وعلى هذا، لا يكونُ لهم فيها حُجَّةٌ.
وأمّا البَيْتُ،
وَفِى اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ وَجْهَانِ.
فقال ابنُ فَضَّالٍ النَّحْوِىُّ 1: هو بَيْتٌ مَصْنُوعٌ لم يَثْبُتْ عن العَرَبِ.
على أنَّ هذا ليس باسْتِثْناءٍ، فإنَّ الاسْتِثْناءَ له كَلِماتٌ مَخْصُوصةٌ ليس هذا منها، والقِياسُ لا يَجوزُ في اللُّغةِ.
ثم نُعارِضُه بأنَّه اسْتَثْنَى أكْثَرَ مِن النِّصْفِ، فلم يَجُزْ، كاسْتِثْناءِ الكُلِّ.
والفَرْقُ بينَ اسْتِثْناءِ الأكْثَرِ 2 والأقَلِّ، أنَّ العَرَبَ اسْتَحْسَنَتْه في الأقَلِّ واسْتَعْمَلَتْه، ونَفَتْه في الأَكْثَرِ وقَبَّحَتْه، فلم يَجُزْ قِياسُ ما قَبَّحُوه على ما حَسَّنُوه.
فصل: (وفى اسْتِثْناءِ النِّصْفِ وَجْهانِ) أحَدُهما، يجُوزُ.
وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّه ليس بالأكْثَرِ 3، فجازَ، كالأقَلِّ 4. والثانِى، لا يجوزُ.
ذكَره أبو بكرٍ؛ لأنَّه لم يَرِدْ في كَلامِهم إلَّا في القَلِيلِ مِن الكَثِيرِ، والنِّصْفُ ليس بقَلِيلٍ.
وهو أَوْلَى، [إن شاء اللَّهُ] 5.
فَإذَا قَالَ: لَهُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْعَبِيدُ الْعَشَرَةُ إلَّا وَاحِدًا.
لَزِمَهُ تَسْلِيمُ تِسْعَةٍ.
فَإِنْ مَاتُوا إلَّا وَاحِدًا، فَقَالَ: هُوَ المُسْتَثْنَى.
فَهَلْ يُقْبَلُ؟ عَلَى وَجْهَيْنَ.
5141 - مسألة: (فإذا قال: له عَلَىَّ هَؤلاءِ العَبيدُ العَشَرَةُ إلَّا واحِدًا. لَزِمَه تَسْلِيمُ تِسْعةٍ)
فإن عَيَّنَه فقال: إلَّا هذا.
صَحَّ، وكان مُقِرًّا بمَن (1) سِوَاه.
وإن قال: إلَّا واحِدًا.
ولم يُعَيِّنْه، صَحَّ؛ لأَنَّ الإِقْرارَ يَصِحُّ مَجْهُولًا، فكذلك الاسْتِثْناءُ منه، ويُرْجَعُ في تَعْيِينِ المُسَمَّى إليه؛ لأَنَّ الحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بقَوْلِه، وهو أعْلَمُ بمُرَادِه به.
وإن عَيَّنَ مَن عَدَا المُسْتَثْنَى، صَحَّ، وكان الباقِى له.
5142 -
مسألة: (فإن ماتُوا إلَّا واحِدًا، فقال: هو المُسْتَثْنَى. فهل يُقْبَل؟ على وَجْهَيْنِ)
أحَدُهما، يُقْبَلُ.
ذكَرَه القاضِى.
وهو أحَدُ1
..................................
الوَجْهينِ لأصحابِ الشّافِعِىِّ.
والوجهُ الثانى، لا يُقْبَلُ.
ذكَره أبو الخَطَّابِ.
وهو الوَجْهُ الثانى لأصحابِ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه يُرْفَعُ به الإِقْرارُ كُلُّه.
والصَّحِيحُ الأَوَّلُ؛ لأنَّه يُقْبَلُ تَفْسِيرُه به في حَياتِهم لمَعْنًى هو مَوْجُودٌ بعدَ مَوْتِهم، فقُبِلَ، كحَالةِ حَياتِهم، وليس هذا رَفْعًا للإقْرارِ، وإنَّما تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ المُقَرِّ به لِتَلَفِه، لا لِمَعْنًى يَرْجِعُ إلى التَّفْسِيرِ، فأشْبَهَ ما لو عَيَّنَه في حَياتِه فتَلِفَ بعدَ تَعْيينِه.
فإن قُتِلَ الجَمِيعُ إلَّا واحِدًا، قُبِلَ تَفْسِيرُه بالباقِى، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه غيرُ مُتَّهَمٍ، لأنَّ المُقَرَّ له يَحْصُلُ له قِيمةُ المَقْتُولِينَ، بخِلافِ المَوْتِ، فإنَّه لا يَحْصُلُ للمُقَرِّ له شئٌ.
وإن قُتِلُوا كُلُّهُم، فله قِيمةُ أحَدِهم، ويُرْجَعُ في التَّفْسِيرِ إليه.
وإن قال: غَصَبْتُكَ هؤلاءِ العَبيدَ إلَّا واحِدًا.
[فهَلَكُوا إلَّا واحدًا] 1، قُبِلَ تَفْسِيرُه به، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ المُقَرَّ له يَسْتَحِقُّ قِيمةَ الهالِكينَ، ولا 2 يُفْضِى 3 التَّفْسِيرُ بالباقِى إلى سُقُوطِ الإِقْرارِ، بخِلافِ ما إذا ماتُوا.
..................................
فصل: وحُكْمُ الاسْتِثْناءِ بسائرِ أَدَواتِه حُكْمُ الاسْتِثْناءِ بإلَّا، فإذا قال: له عَلَىَّ عَشَرَةٌ سِوَى دِرْهَمٍ، أو: ليس دِرْهَمًا، أو: خَلَا دِرْهَمًا، أو: عَدَا دِرْهَمًا، أو: لا يكونُ دِرْهَمًا، أو: غيرَ دِرْهَمٍ.
بفَتْحِ الرّاءِ، كان مُقِرًّا بتِسْعَةٍ 1. وإن قال: غيرُ دِرْهَمٍ.
بضَمِّ الراءِ، وهو مِن أَهْلِ العَرَبيّةِ، كان مُقِرًّا 2 بعشَرَةٍ؛ لأنَّها تكونُ صِفَةً للعَشَرَةِ المُقرِّ بها، ولا تكونُ اسْتِثْناءً، فإنَّها لو كانتِ اسْتِثْناءً كانت مَنْصُوبةً.
وإن لم يَكُنْ مِن أَهْلِ العَرَبِيَّةِ، لَزِمَه تِسْعةٌ؛ لأَنَّ الظاهِرَ أنَّه 3 يُرِيدُ الاسْتِثْناءَ، وإنَّما ضَمَّها جَهْلًا منه بالعَرَبِيَّةِ، لا قَصْدًا للصِّفَةِ.
فصل: ولا يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ إلَّا أن يكونَ مُتَّصِلًا بالكَلامِ، فإن سَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُه الكَلامُ فيه، أو فَصَلَ بينَ المُسْتَثْنَى والمُسْتَثْنَى منه بكَلامٍ أجْنَبِىٍّ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه إذا سَكَتَ وعَدَل عن إقْرارِه إلى شئٍ آخَرَ، اسْتَقَرَّ حُكْمُ ما أقَرَّ به، فلم يَرْتَفِعْ، بخِلافِ ما إذا كان في كَلامِه، فإنَّه لا يَثْبُتُ حُكْمُه، [وينْتَظرُ] 4 ما يَتِمُّ به كَلامُه، ويَتعلَّقُ به حُكْمُ
وَإِنْ قَالَ: لَهُ هَذِهِ الدَّارُ إلَّا هَذَا الْبَيْتَ.
أَوْ: هَذِهِ الدَّارُ لَهُ وَهَذَا الْبَيْتُ لِى.
قُبِلَ مِنْهُ.
الاسْتِثْناءِ والشَّرْطِ والبَدَلِ ونحوِه.
5143 -
مسألة: (وإن قال: له هذه الدّارُ إلَّا هذا البَيْتَ. أو: هذه الدّارُ له وهذا البيتُ لى. قُبِلَ منه)
لأَنَّ الأوَّلَ اسْتِثْناءٌ، فلا يَدْخُلُ البيتُ في إقْرارِه، والثانى في مَعْنَى الاسْتِثْناءِ؛ لكَوْنِه أخْرَجَ بعضَ ما تَناوَلَه 1 اللَّفْظُ بكلَامٍ مُتَّصِلٍ، وسواءٌ كان البَيْتُ أكْثَرَ مِن نِصْفِ الدّارِ أو أَقَلَّ.
وَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَىَّ دِرْهَمَانِ وَثَلَاَثةٌ إلَّا دِرْهَمَيْنِ.
أَوْ: لَهُ عَلَىَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ إلَّا دِرْهَمًا.
فَهَلْ يَصِحُّ الاسْتِثْنَاءُ؟ عَلَى وَجْهَيْنَ.
5144 - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ درْهَمانِ وثَلاثةٌ إلَّا دِرْهَمَيْنِ. فهل يَصِحُّ؟ على وَجْهَيْن)
أحدُهما، يَصِحُّ؛ لأنَّ الاسْتِثْناءَ يَعُودُ إلى الجُمْلَتَيْنِ، وهو أقَلُّ مِن النِّصْفِ.
والثانى، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يَعُودُ إلى أقْرَبِ المَذْكُورَيْنِ، فيكونُ اسْتِثْناءَ أكْثَرَ مِن النِّصْفِ.
5145 -
مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ درْهَمٌ ودِرْهَمٌ إلَّا درْهَمًا)
أو ثَلاثةٌ ودِرْهَمانِ إلَّا دِرْهَمَيْنِ، أو: ثَلاثةٌ ونِصْفٌ إلَّا نِصْفًا، أو: إلّا دِرْهَمًا.
..................................
أو خَمْسةٌ وتِسْعُونَ إلَّا خَمْسةً.
لم يَصِحَّ الاسْتِثْناءُ، ولَزِمَه جميعُ ما أقَرَّ به قبلَ الاسْتِثْناءِ.
وهذا قولُ الشّافِعِىِّ.
وهو الذى يَقْتَضِيه مذهبُ أبى حنيفةَ.
وفيه وجهٌ آخَرُ، أنَّه يَصِحُّ؛ لأَنَّ الواوَ العاطِفةَ تَجْمَعُ بينَ العَدَدَيْنِ، وتَجْعَلُ الجُمْلَتَينِ كالجُمْلَةِ الواحدةِ.
وعندنا أنَّ الاستِثناءَ إذا تَعَقَّبَ جُمَلًا مَعْطُوفًا بعضُها على بعض بالواوِ، عادَ إلى جَميعِها، كقَوْلِنا في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ 1: إنَّ الاسْتِثْناءَ عادَ إلى الجُمْلَتَينِ، فإذا تابَ القاذِفُ قُبِلَتْ شَهادَتُه.
ومِن ذلك قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لا يَؤُّمَّنَّ الرَّجُلُ الرجُلَ 2 في سُلْطَانِه، ولا يَجْلِسْ عَلَى تَكْرِمَتِه إلَّا بِإذْنِه» 3. قال شيخُنا 4: والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأن الواوَ لم تُخْرِجِ الكَلامَ مِن أن يكونَ جُمْلَتينِ،
..................................
والاسْتِثناءُ يَرْفَعُ إحداهما جَمِيعًا 1، ولا نَظِيرَ لهذا في كَلامِهم، ولأَنَّ صِحَّةَ الاسْتِثناءِ تَجْعَلُ إحْدَى الجُمْلتينِ مع الاسْتِثْناءِ لَغْوًا؛ لأنَّه أثْبَتَ شيئًا بلَفْظٍ مُفْرَدٍ، ثم رَفَعَه كلَّه، فلا يَصِحُّ، كما لو اسْتَثْنَى منها هى غيرُ مَعْطُوفةٍ على غيرِها.
فأمّا الآيةُ والخَبَرُ، فإنَّ الاسْتِثْناءَ لم يَرْفَعْ إحْدَى الجُملتينِ، إنَّما أخْرَجَ مِن الجُمْلتينِ معًا مَن اتَّصَفَ بصِفَةٍ، فنَظِيرُه قولُه للبَوّابِ: مَن جاءَ يَسْتَأْذِنُ فأْذنْ له، وأعْطِه دِرْهمًا إلَّا فُلانًا.
ونَظِيرُ مسألَتِنا ما لو
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ خَمْسَةٌ إلَّا دِرْهَمَيْنِ وَدِرْهَمًا.
لَزِمَتْهُ الْخَمْسَةُ، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَفِى الْآخَرِ، تَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ.
قال: أكْرِمْ زَيْدًا وعَمْرًا إلَّا عَمْرًا.
5146 -
مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ خَمْسةٌ إلَّا درْهَمَيْنِ ودِرْهَمًا. لَزِمَتْه الخَمْسةُ، في أحَدِ الوَجْهينِ)
لأنَّه اسْتَثْنَى أكْثَرَ مِن النِّصْفِ (وفى الآخَرِ، تَلْزَمُه ثلاثةٌ) ويَبْطُلُ الاسْتِثْناءُ الثانى.
وَيَصِحُّ الاسْتِثْنَاءُ مِنَ الاسْتِثْنَاءِ؛ فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَى سَبْعَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً إِلَّا دِرْهَمًا.
لَزِمَهُ خَمْسَةٌ.
5147 - مسألة: (ويَصِحُّ الاسْتِثْناءُ مِن الاسْتِثْناءِ)
فإذا اسْتَثْنَى اسْتِثْناءً بعدَ اسْتِثْناءٍ، وعَطَفَ الثانىَ على الأوّلِ، كان مُضافًا إليه، فإذا قال: له عَلَىَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلاثةً وإلَّا دِرْهَمَيْنِ.
كان مُسْتَثْنِيًا الخَمْسةَ مُقِرًّا بخَمْسةٍ، فإن كان الثانى غيرَ مَعْطُوفٍ على الأَوَّلِ، كان استِثْناءً مِن الاستثناءِ، وهو جائِزٌ في اللُّغةِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ 1. فإذا كان صَدْرُ الكلامِ إثباتًا، كان الاسْتِثْناءُ الأَوَّلُ نَفْيًا والثانى إثْباتًا.
فإنِ اسْتَثْنَى استِثْناءً ثالثًا كان نَفْيًا يَعُودُ كلُّ اسْتِثْناءٍ إلى ما يَلِيه مِن الكَلامِ (فإذا قال: له عَلَىَّ سَبْعة إلَّا ثلاثةً إلَّا دِرْهَمًا.
لَزِمَتْه خَمْسةٌ) لأنَّه أثْبتَ سَبْعةً، ثم نَفَى منها ثلاثةً، ثم أثْبَتَ دِرْهَمًا، وبَقِىَ مِن الثَّلاثةِ المَنْفِيَّةِ دِرْهمانِ مُسْتَثْنيانِ مِن السَّبْعةِ، فيكونُ مُقِرًّا بخَمْسةٍ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ عَشَرَةٌ إلَّا خَمْسَةً إلَّا ثَلَاثَةً إِلَّا دِرْهَمَيْنِ إِلَّا دِرْهَمًا.
لَزِمَتْهُ عَشَرَةٌ، فِى أَحَدِ الْوُجُوهِ.
وَفِى الآخَرِ، تَلْزَمُهُ سِتَّةٌ، وَفِى الآخَرِ سَبْعَةٌ، وَفِى الآخَرِ ثَمَانِيَةٌ.
5148 - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ عَشَرةٌ إلَّا خَمْسةً إِلَّا ثلاثةً إلَّا درْهَمَيْنِ إلَّا دِرْهمًا، لَزِمَه عَشَرَةٌ)
على قولِ أبى بكرٍ؛ لأنَّه مَنَعَ اسْتِثْناءَ النِّصْفِ (وفى) الوَجْهِ (الآخَرِ، تَلْزَمُه سِتَّةٌ) لأنَّ الاسْتِثْناءَ إذا رَفَعَ الكُلَّ أو 1 الأكْثَرَ، سَقَطَ إن وَقَف عليه، وإن وَصَله باسْتِثناءٍ آخَرَ اسْتَعْمَلْناه، فاسْتَعْمَلْنا الاسْتِثْناءَ الأوَّلَ لِوَصْلِه بالثانى؛ لأَنَّ الاسْتِثْناءَ مع المُسْتَثْنى عِبارةٌ عمّا بَقِى، فإنَّ عَشرَةً إلَّا دِرْهمًا، عِبارَةٌ عن تِسْعةٍ، فإذا قال: له عَلَىَّ عَشَرَةٌ إلَّا خَمْسةً إلَّا ثلاثةً.
صَحَّ اسْتِثْناءُ الخَمْسةِ؛ لأنَّه وَصَلَها باسْتِثْناءٍ آخَرَ، ولذلك 2 صَحَّ اسْتِثْناءُ الثَّلاثةِ والدِّرْهَمَيْنِ؛ لأنَّه وَصَلَ ذلك باسْتِثْناءٍ آخَرَ، والاسْتِثْناءُ مِن الإِثْباتِ نَفْىٌ، ومِن النَّفْى إثْباتٌ، فصَحَّ اسْتِثْناءُ الخَمْسةِ، وهى 3 نَفْىٌ، فنَفَى خَمْسةً، وصَحَّ اسْتِثْناءُ الثَّلاثةِ، وهى إثْباتٌ، فعادَتْ ثمانِيةً، وصَحَّ اسْتِثْناءُ الدِّرْهَمَيْنِ،
..................................
وهى نَفْىٌ، فبَقِيَتْ 1 سِتّةٌ، ولم يَصِحَّ اسْتِثْناءُ الدِّرْهَمِ؛ لأنَّه مَسْكُوتٌ عليه.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ وَجْهُ السِّتَّةِ أن يَصِحَّ اسْتِثْناءُ النِّصْفِ ويَبْطُلَ الزّائِدُ، فيَصِحُّ اسْتِثْناءُ الخَمْسةِ والدِّرْهَم، ولا يَصِحُّ اسْتِثْناءُ الثَّلاثةِ والاثْنَيْنِ.
والوجهُ الثالثُ، يَلْزَمُه سَبْعةٌ إذا صَحَّحْنا الاسْتِثْناءاتِ كُلَّها، فإذا قال: عَشَرَةٌ إلَّا 2 خَمْسةً.
بَقِىَ خَمْسةٌ، فإذا
..................................
قال: إلَّا ثَلاثةً.
عادَتْ ثَمانِيةً؛ لأنَّها إثْباتٌ، فإذا قال: إلَّا دِرْهَمَيْنِ.
كانت نَفْيًا، فبَقِىَ سِتّةٌ، فإذا اسْتَثْنَى دِرْهَمًا، كان مُثْبِتًا، فصارَتْ سَبْعةً.
والوجهُ الرابعُ، تَلْزَمُه ثمانِيةٌ؛ لأنَّه يُلْغِى الاسْتِثْناءَ الأوَّلَ، لكَوْنِه النِّصْفَ، فإذا قال: إلَّا ثَلاثةً.
كانت مُثْبتةً، وهى مُسْتَثْناةٌ مِن الخَمْسةِ، وقد بَطَلَتْ، فتَبْطُلُ الثَّلاثةُ أيضًا؛ لِبُطْلانِ الخَمْسةِ، ويَبْقَى الاثْنانِ 1، لأنَّهما نَفْىٌ، والنَّفْىُ يكونُ مِن إثْباتٍ، وقد بَطَلَ الإثْباتُ الذى قَبلَها، فتكونُ مَنْفِيّةً مِن العَشَرةِ، تَبْقَى ثمانِيةٌ.
ولا يَصِحُّ اسْتِثْناءُ الواحدِ مِن الاثْنَيْنِ؛ لأنَّه نِصْفٌ.
..................................
فصل: فإن قال: له عَلَىَّ ثلاثةٌ إلَّا ثَلاثةً إلَّا دِرْهَمَيْنِ.
بَطَلَ الاسْتِثْناءُ كلُّه؛ لأَنَّ [اسْتِثْنَاءَ الدِّرْهَمَيْنِ] 1 مِن الثلاثةِ اسْتِثْناءُ الأَكْثَرِ، وهو مَوْقُوفٌ عليه، فبَطَلَ، فإذا بَطَلَ الثانى، بَطَلَ الأَوَّلُ؛ لأنَّه اسْتَثْنَى الكُلَّ.
ولأصحابِ الشّافعىِّ في هذا ثَلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها، يَبْطُلُ الاسْتِثْناءُ؛ لأَنَّ الأوَّلَ بَطَل، لِكَوْنِه اسْتِثناءَ الكُلِّ، فبَطَلَ الثانى مِن 2 الإِقْرارِ، لأنَّه
..................................
فَرْعُه.
والثانى، يَصِحُّ، ويَلْزَمُه دِرْهَمٌ 1؛ لأَنَّ الاسْتِثْناءَ الأوَّلَ لمّا بَطَل، جَعَلْنا الاسْتِثْناءَ الثانىَ مِن الإِقْرارِ؛ لأنَّه وَلِيَه لِبُطْلانِ ما بينَهما.
والثّالثُ، يَصِحُّ، ويكونُ مُقِرًّا بدِرْهَمَيْن؛ لأنَّه استَثْنى 2 الأكثرَ، واستثناءُ الأكْثَر عندَهم يَصِحُّ.
ووَافَقَهُم القاضِى في هذا الوَجْهِ.
وإن قال: ثَلاثةٌ إِلَّا ثلاثةً إِلَّا دِرْهَمًا.
بَطَلَ الاسْتِثْناءُ كلُّه.
ويَجِئُ على قولِ أصحابِ الشّافِعِىِّ فيه مثلُ ما قُلْنا في التى قَبْلَها.
وَلَا يَصِحُّ الاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الجِنْسِ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
5149 - مسألة: (ولا يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ مِن غيرِ الجِنْسِ. نَصَّ عليه)
وبهذا قال زُفَرُ، ومحمدُ بنُ الحَسَنِ.
وقال أبو حنيفةَ: إنِ اسْتَثْنَى مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، جازَ، وإنِ اسْتَثْنَى عَبْدًا أو ثَوْبًا مِن 1 مَكِيلٍ أو مَوْزُونٍ، لم يَجُزْ.
وقال مالِكٌ، والشّافِعِىُّ: يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ مِن غيرِ الجنْسِ مُطْلَقًا؛ لأنَّه وَرَدَ في الكِتابِ العَزِيزِ ولُغةِ العَرَبِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ 2. وقال سُبحانَه: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا
..................................
سَلَامًا} 1. وقال الشاعرُ 2:
وبَلْدَةٍ ليس بها أَنِيسُ … إلَّا اليَعافِيرُ، وإلَّا العِيسُ
وقال آخَرُ 3:
أعْيَتْ جَوابًا وَمَا بالرَّبْعِ مِن أحدِ
إلَّا أوارىُّ لأْيًا ما أُبَيِّنُها
ولنا، أنَّ الاسْتِثْناءَ صَرْفُ اللَّفْظِ بِحَرْفِ الاسْتِثناءِ عمّا كان يَقْتَضِيه لَوْلَاه.
وقيل: إخْراجُ بعضِ ما تَنَاوَلَه المُسْتثْنَى منه، مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِه: ثَنَيْتُ فُلانًا عن رَأْيِه.
إذا صَرَفْتَه عن رَأْىٍ كان عازِمًا عليه.
وثَنَيْتُ عِنَانَ
..................................
دابَّتِى 1. إذا صَرَفْتُها به عن وِجْهَتِها التى كانَتْ تَذْهَبُ إليها.
وغيرُ الجِنْسِ المَذْكُورِ ليس بِدَاخِلٍ في الكَلامِ، فإذا ذَكَرَه، فما صَرَفَ الكَلَامَ عن صَوْبِه، ولا ثَنَاه عن وَجْهِ اسْتِرْسالِه، فلا يكونُ اسْتِثْناءً، وإنَّما يُسَمَّى اسْتِثْناءً تَجَوُّزًا، وإنَّما هو في الحَقِيقَةِ اسْتِدْراكٌ.
وإلَّا ههُنا بمَعْنَى «لكن».
هكذا قال أهْلُ العَرَبِيَّةِ؛ منهم ابنُ قُتَيْبةَ، وحَكَاه عن سِيبَوَيْهِ.
والاسْتِدْراكُ لا يَأْتِى إلَّا بعدَ الجَحْدِ، ولذلك لم يَأْتِ الاستثناءُ في الكِتابِ العَزِيزِ مِن غيرِ الجِنْسِ إِلَّا بعدَ النَّفْى، ولا يأتِى بعدَ الإِثْباتِ إلَّا أن يُوجَدَ بعدَه 2 جُملةٌ.
إذا تَقَرَّرَ هذا فلا مدْخَلَ للاسْتِدْراكِ في الإِقْرارِ؛ لأنَّه إثْباتٌ للمُقَرِّ به، فإذا ذَكَر الاسْتِدْراكَ بعدَه كان باطِلًا، وإن [ذكَرَه بعدَ] 3 جُمْلةٍ كأنَّه قال: له عِنْدِى مائةُ دِرْهمٍ إلَّا ثَوْبًا لِى عليه.
فيكونُ مُقِرًّا لشئٍ مُدَّعِيًا لشئٍ سِواه، فيُقْبَلُ إقْرارُه، وتَبْطُلُ دَعْواه، كما لو صَرَّحَ بذلك بغيرِ لَفْظِ الاسْتِثْناءِ.
وأمّا قولُه تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾.
فإنَّ إبْلِيسَ كان مِن الملائكةِ، بدَلِيلِ أنَّ اللَّهَ تعالى لم يَأْمُرْ بالسُّجُودِ غيرَهُم، فلو لم يَكُنْ منهم، لَما 4 كان مَأْمُورًا بالسُّجُودِ، ولا عاصِيًا، بتَرْكِه، ولا قال اللَّهُ تعالى في حَقِّه: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ 5. ولا
فَإذَا قَالَ: لَهُ عَلَىَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا ثَوْبًا، لَزِمَتْهُ المِائَةُ.
قال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (1). وإذا لم يكُنْ مَأْمُورًا فَلِمَ أبْلَسَه اللَّهُ وأهْبَطَه ودَحَرَه؟ ولم (2) يأْمُرِ اللَّهُ بالسُّجُودِ إلَّا المَلائكةَ (3). فإن قالوا: بل قد تَناوَلَ الأمْرُ المَلائكةَ ومَن كان معهم، فدَخَلَ إبْلِيسُ في الأَمْرِ؛ لكَوْنِه معهم.
قلنا: فقد سَقَطَ اسْتِدْلالُكُم، فإنَّه متى كان إبْلِيسُ داخِلًا في المُسْتَثْنَى منه مأْمُورًا بالسُّجُودِ، فاسْتِثْناؤُه مِن الجِنْسِ، وهو ظاهِرٌ لمَن أَنْصَفَ، إن شاء اللَّهُ تعالى.
5150 -
مسألة: فعَلَى هذا (متى قال: له عَلَىَّ مائةُ دِرْهمٍ إلَّا ثَوْبًا. لَزِمَتْه المائةُ)
لأَنَّ الاسْتِثْناءَ باطِلٌ على ما بَيَّنًا.123
إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِىَ عَيْنًا مِنْ وَرِقٍ، أَوْ وَرِقًا مِنْ عَيْنٍ، فَيَصِحُّ.
ذَكَرَهُ الْخِرَقِىُّ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَصِحُّ.
فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَىَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا دِينَارًا.
فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
5151 - مسألة: (إلَّا أن يَسْتَثْنِىَ عَيْنًا مِن وَرِقٍ، أو وَرِقًا مِن عَيْنٍ، فيَصِحُّ.
ذكَره الخِرَقِىُّ.
وقال أبو بكرٍ: لا يَصِحُّ.
فإذا قال: له عَلَىَّ مائةُ دِرْهَمٍ إلَّا دِينارًا.
فهل يَصِحُّ؟ على وجهينِ)
اخْتَلَفَ أصحابُنا
..................................
في صِحَّةِ اسْتِثْناءِ أحَدِ النَّقْدَيْنِ 1 مِن الآخَرِ، فذَهَبَ أبو بكرٍ إلى أنَّه لا يَصِحُّ؛ لِما ذكَرْنا.
وهو قولُ محمدِ بنِ الحَسَنِ.
وقال ابنُ أبى مُوسى: فيه رِوايتان.
واخْتارَ الخِرَقِىُّ صِحَّتَه؛ لأَنَّ قَدْرَ أحَدِهما مَعْلُومٌ مِن الآخَرِ، ويُعَبَّرُ بأحَدِهما عن الآخَرِ، فإنَّ قَوْمًا يُسَمُّونَ تِسْعةَ 2 دَراهِمَ دِينارًا، وآخَرُون يُسَمُّونَ ثمانِيةَ دَراهِمَ دينارًا، فإذا اسْتَثْنَى أحَدَهما مِن الآخَرِ، عُلِمَ أنَّه أرادَ التَّعْبِيرَ بأحَدِهما عن الآخَرِ، فإذا قال: له عَلَىَّ دِينارٌ إلَّا ثَلاثةَ دَرَاهِمَ.
في مَوْضِعٍ يُعَبَّرُ فيه بالدِّينارِ عن تِسْعةٍ، كان معناه: له عَلَىَّ تِسْعةُ دَراهِمَ إلَّا ثَلاثةً.
ومتى أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ على وَجْهٍ صَحِيحٍ، لم يَجُزْ إلغاؤُه، وتد أمكنَ بهذا الطَّرِيقِ، فوَجَبَ تَصحِيحُه.
وقال أبو الخَطّابِ: لا فَرْقَ بينَ العَيْنِ والوَرِقِ وبينَ غيرِهما، فيَلْزَمُ مِن صِحَّةِ اسْتِثْناءِ أحَدِهما مِن الآخَرِ صِحّةُ اسْتِثْناءِ الثِّيابِ وغيرِها.
وقد ذَكَرْنا الفَرْقَ، [ويمكنُ الجَمْعُ] 3 بينَ الرِّوايَتَيْنِ بِحَمْلِ رِوايةِ الصِّحَّةِ على ما إذا كان
..................................
أحَدُهما يُعَبَّرُ به عن الآخَرِ، أو يُعْلَمُ قَدْرُه منه، ورِوايةِ البُطْلانِ على ما إذا انْتَفَى ذلك.
واللَّهُ أعْلَمُ.
فصل: ولو ذَكَرَ نَوْعًا مِن جِنْسٍ، واسْتَثْنَى نَوْعًا آخَرَ مِن 1 ذلك الجِنْسِ، مثلَ أن يقولَ: له عَلَىَّ عَشَرَةُ آصُعٍ تَمْرًا بَرْنِيًّا، إلَّا ثلاثةً تَمْرًا مَعْقِليًّا.
لم يَجُزْ؛ لِما ذَكَرْنا في الفَصْلِ الأَوَّلِ.
ويُخالِفُ العَيْنَ والوَرِقَ؛ لأَنَّ قِيمةَ أحَدِ النَّوْعينِ غيرُ مَعْلُومةٍ مِن الآخَرِ، ولا يُعَبَّرُ بأحَدِهما عن الآخَرِ.
ويَحْتَمِلُ على قولِ الخِرَقِىِّ جَوازُه؛ لِتَقارُبِ المَقاصِدِ مِن النَّوْعَيْنِ، فهما كالعَيْنِ والوَرِقِ.
والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأَنَّ العِلَّةَ الصَّحِيحةَ في العَيْنِ والوَرِقِ غيرُ ذلك.
فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ.
ثُمَّ سَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: زُيُوفًا.
أَوْ: صِغَارًا.
أَوْ: إِلَى شَهْرٍ.
لَزِمَهُ أَلْفٌ جِيَادٌ وَافِيَةٌ حَالَّةٌ.
فصل
: قال، [رَحِمَه اللَّهُ] 1: (إذا قال: له عَلَىَّ ألْفُ درْهَمٍ.
ثم سَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُه الكَلَامُ فيه، ثم قال: زُيُوفًا.
أو: صِغَارًا.
أو: إلى شَهْرٍ.
لَزِمَه ألْفٌ جِيَادٌ وافِيَةٌ حالَّةٌ) وجملةُ ذلك، أنَّ مَن أقَرَّ بدَرَاهِمَ وأطْلَقَ، اقْتَضَمى إقْرارُه الدَّرَاهِمَ الوافِيةَ، وهى دَرَاهِمُ الإِسْلامِ، كلُّ عَشَرَةٍ منها وَزْنُ 2 سَبْعةِ مَثاقِيلَ، واقْتَضَى أن تكونَ جِيادًا حالَّةً، كما لو باعَه بعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وأطْلَقَ، فإنَّها تَلْزَمُه كذلك، فإذا سَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُه الكَلَامُ فيه، أو أخَذَ في كَلامٍ آخَرَ غيرِ ما كان فيه، اسْتَقَرَّتْ عليه كذلك، فإن عادَ فقال: زُيُوفًا.
أو: صِغَارًا.
وهى الدَّراهِمُ النّاقِصَةُ، وهى دَرَاهِمُ
إلَّا أَنْ يَكُونَ فِى بَلَدٍ أَوْزانُهُمْ نَاقِصَةٌ، أَوْ مَغْشُوشَةٌ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ مِنْ دَرَاهِمِ الْبَلَدِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
طَبَرِيَّةَ، كان كلُّ دِرْهَمٍ منها أرْبَعةَ دَوَانِيقَ، وذلك ثُلُثَا دِرْهَمٍ.
أو: إلى شَهْرٍ.
يَعْنِى مُؤَجَّلةً، لم يُقْبَلْ منه؛ لأنَّه يَرْجِعُ عن بعضِ ما أقَرَّ به، ويَرْفَعُه بكلامٍ مُنْفَصِلٍ، فلم يُقْبَلْ، كالاسْتِثْناءِ المُنْفَصِلِ.
وهذا مذهبُ الشّافعىِّ.
ولا فَرْقَ بينَ الإِقْرارِ بها دَيْنًا، أو وَدِيعةً، أو غَصْبًا.
وقال أبو حنيفةَ: يُقْبَلُ قولُه في الغَصْبِ والوَدِيعةِ؛ لأنَّه إقْرارٌ بِفِعْلٍ في عَيْنٍ، وذلك لا يَقْتَضِى سَلامَتَها، فأَشْبَهَ ما لو أقَرَّ بِغَصْبِ عَبْدٍ، ثم جاءَ به (1) مَعِيبًا.
ولَنا، أنَّ إطْلاقَ الاسْمِ يَقْتَضِى الوازِنةَ الجِيَادَ، فلم يُقْبَلْ تَفْسِيرُه بما يُخالِفُ ذلك، كالدَّيْنِ، ويُفارِقُ العَبْدَ، فإنَّ العَيْبَ لا يَمْنَعُ إطْلاقَ اسْمِ العَبْدِ عليه.
5152 -
مسألة: (إلَّا أن يكونَ في بَلَدٍ أَوْزانُهم ناقِصَةٌ، أو مَغْشُوشةٌ، فهل يَلْزَمُه مِن دَرَاهِمِ البَلَدِ، أو مِن غَيْرِها؟ على وَجْهَيْن)
1
..................................
أولُهما، أنَّه يَلْزَمُه مِن دَراهِمِ البَلَدِ؛ لأَنَّ مُطْلَقَ كَلامِهِم يُحْمَلُ على عُرْفِ بَلَدِهِم،؛ في البَيْعِ والصَّداقِ وغيرِ ذلك.
والثانى، يَلْزَمُه 1 الوازِنةُ الخالِصَةُ مِن الغِشِّ؛ لأنَّ إطْلاقَ الدَّراهِمِ في الشَّرْعِ يَنْصَرِفُ إليها، بدَلِيلِ أنَّ بها تُقَدَّرُ نُصُبُ الزَّكَواتِ ومَقادِيرُ الدِّيَاتِ، فكذلك إطْلاقُ الشَّخْصِ.
وفارَقَ البَيْعَ، فإنَّه إيجابٌ في الحالِ، فاخْتَصَّ بدَرَاهِمِ المَوْضِعِ الذى هما فيه، والإِقْرارُ إخْبارٌ عن حَقٍّ سابِقٍ، فانْصَرَفَ إلى دَرَاهِمِ 2 الإِسْلامِ.
فصل: فإن أقَرَّ بدَرَاهِمَ وأَطْلَقَ، ثم فَسَّرَها بسَكَّةِ البَلَدِ الذى أَقَرَّ بها فيه، قُبِلَ؛ لأَنَّ إطْلاقَه 3 يَنْصَرِفُ إليه، وإن فَسَّرَها 4 بسَكَّةٍ غيرِ سَكّةِ 5 البَلَدِ أجْوَدَ منها، قُبِلَ؛ لأنَّه يُقِرُّ على نَفْسِه بما هو أغْلَظُ، وكذلك إن كانت مِثْلَها؛ لأنَّه لا يُتَّهَمُ في ذلك، وإن كانت أدْنَى
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ إِلَى شَهْرٍ.
فَأنْكَرَ المُقَرُّ لَهُ الْأَجَلَ، لَزِمَهُ مُؤَجَّلًا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ حَالًّا.
مِن سَكَّةِ البَلَدِ، لكنّها مُساوِيةٌ في الوَزْنِ، احْتَملَ أن لا يُقْبَلَ؛ لأَنَّ إطْلاقَها يَقْتَضِى دَرَاهِمَ البَلَدِ ونَقْدَه، فلا يُقْبَلُ منه دُونَها، كما لا يُقْبَلُ في البَيْعِ، ولأنَّها ناقِصَةُ القِيمةِ، أشْبَهتِ النّاقِصَةَ في الوَزْنِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُقْبَلَ منه.
وهو قولُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ ما فَسَّرَه به.
وفارَقَ النّاقِصَةَ (1)؛ [فإنَّ في الشَّرْعِ الدَّراهِمَ] (2) لا يَتَنَاوَلُها، بخِلافِ هذه، ولهذا يتعَلَّقُ بهذه مِقْدارُ النِّصابِ في الزَّكَاةِ وغيرِه، وفارَقَ الثَّمَنَ، فإنَّه إيجابٌ في الحالِ، وهذا إخْبارٌ عن حَقٍّ سابِقٍ.
5153 -
مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ إلى شَهْرٍ. لَزِمَه مُؤَجَّلًا. ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه حالًّا)
إذا أقَرَّ بها مُؤَجَّلةً بكلامٍ مُتَّصِلٍ، قُبِلَ12
..................................
منه، وكذلك إن سَكَتَ للتَّنَفُّسِ، أو اعْتَرَضَه 1 سُعْلةٌ 2 ونحو ذلك.
ويَحْتَمِلُ أن [يَلْزَمَه حالًّا] 3. ذَكَره أبو الخَطّابِ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، وبعضِ الشّافِعِيَّةِ؛ لأَنَّ التَّأْجِيلَ يَمْنَعُ اسْتِيفاءَ الحَقِّ في الحالِ، فلم يُقْبَلْ، كما لو قال: له عَلَىَّ دَرَاهِمُ قَضَيْتُه 4 إيّاها.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ زُيُوفٌ.
وَفَسَّرَهُ بِمَا لَا فِضَّةَ فِيهِ، لَمْ يُقْبَلْ.
وَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَغْشُوشَةٍ، قُبِلَ.
5154 - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ زُيُوفٌ. وفَسَّرَه بما لا فِضَّةَ فيه، لم يُقْبَلْ. وإن فَسَّرَه بمَغْشُوشةٍ، قُبِلَ)
وكذلك إن فَسَّرَها بمَعِيبةٍ عَيْبًا يَنْقُصُها، قُبِلَ؛ لأنَّه صادِقٌ، وإن فَسَّرَها برَصَاصٍ أو نُحاسٍ أو ما لا قِيمةَ له، لم يُقْبَلْ؛ لأنَّ تلك لَيْسَتْ دَرَاهِمَ على الحَقِيقةِ، فيكونُ تَفْسِيرُه بها 1 رُجُوعًا عمّا أقَرَّ به، فلم يُقْبَلْ، كاسْتِثْناءِ الكُلِّ.
..................................
5155 - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ دَراهِمُ ناقِصَةٌ. لَزِمَتْه ناقِصةً)
وقال بعضُ 1 أصحابِ الشّافعىِّ: لا يُقْبَلُ تَفسِيرُه بالناقصةِ.
وقال القاضى: إذا قال: له عَلَىَّ دَراهِمُ ناقصةٌ.
قُبِلَ قَوْلُه، وإن قال: صِغَارٌ.
وِللناسِ دَرَاهِمُ صِغَارٌ، قُبِلَ قولُه، وإن لم يكُنْ لهم دَراهِمُ صِغَارٌ، لَزِمَه وازِنةٌ، كما لو قال: دُرَيْهِمٌ.
فإنَّه يَلْزَمُه درْهَمٌ وازِنٌ.
وهذا قولُ ابنِ القَاصِّ مِن أصْحابِ الشّافعىِّ.
ولَنا، أنَّه فَسَّرَ كَلامَه بما يَحْتَمِلُه بكلامٍ مُتَّصِلٍ، فَقُبِلَ منه، كاسْتِثْناءِ البعضِ، وذلك لأَنَّ الدَّراهِمَ يُعَبَّرُ بها عن الوازِنةِ والناقِصَةِ والزُّيُوفِ والجَيِّدةِ، وكَوْنُها عليه يَحْتَمِلُ الحُلُولَ
..................................
والتأَجِيلَ، فإذا وَصَفَها بذلك، تَقَيَّدَتْ به 1، كما لو وَصَفَ الثَّمنَ به، فقال: بِعْتُكَ بعَشَرَةِ دَرَاهِمَ مُؤَجَّلةٍ، أو: ناقِصَةٍ.
وثُبُوتُها على غيرِ هذه الصِّفَةِ حالَةَ الإِطْلاقِ، لا يَمْنَعُ مِن صِحَّةِ تَقْيِيدِها به، كالثمنِ.
وقولُهم: إنَّ التأجِيلَ يَمْنَعُ اسْتِيفاءَها.
لا يَصِحُّ، وإنَّما يُؤَخِّرُه، فأشْبَهَ الثَّمنَ المُؤَجَّلَ، يُحَقِّقُه أنَّ الدَّراهِمَ ثَبَتَتْ في الذِّمَّةِ على هذه الصِّفاتِ، فإذا كانت ثابِتةً بهذه الصِّفَةِ، لم تَقْتَضِ الشَّرِيعةُ المُطَهَّرةُ سَدَّ بابِ الإِقْرارِ بها على صِفَتِها، وعلى ما ذَكَرُوه، لا سَبِيلَ إلى الإِقْرارِ بها إلَّا على وَجْهٍ يُؤاخَذُ بغيرِ ما هو الواجِبُ عليه، فيَفْسُدُ بابُ الإِقْرارِ.
وقولُ مَن قال: إنَّ قَوْلَه: صِغَارًا.
يَنْصَرِفُ إلى مِقْدارِها.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّ مِسَاحةَ الدَّرَاهِمِ 2 لا تُعْتَبرُ في الشَّرْعِ، ولا تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ بمِساحَةٍ مُقَدَّرةٍ، وإنَّما يُعْتَبَرُ الصِّغَرُ والكِبَرُ في الوَزْنِ، فيُرْجَعُ إلى تَفْسِيرِ المُقِرِّ.
..................................
فصل: وإن قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ كبيرٌ.
لزِمَه دِرْهَمٌ مِن دَراهِمِ الإِسْلامِ؛ لأنَّه كَبِيرٌ في العُرْفِ.
وَإن قال: له عَلَىَّ دُرَيْهِمٌ 1. فهو كما لو قال: دِرْهَمٌ.
لأَنَّ التَّصْغِيرَ 2 قد يكونُ لِصِغَرِه في ذاتِه، أو لقِلَّةِ قَدْرِه عندَه وتَحْقِيرِه، وقد يكونُ لمَحَبَّتِه، كما قال الشاعرُ 3:
بِذَيَّالِكَ الوادِى أَهِيمُ ولم أَقُلْ … بِذَيّالِكَ الوادِى وذَيَّاكَ مِن زُهْدِ
ولكنْ إذا ما حُبَّ شَئٌ تَوَلَّعَتْ … به أَحْرُفُ التَّصْغِيرِ مِنْ شِدَّةِ الوَجْدِ
وإن قال: له عَلَىَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ عَدَدًا.
لَزِمَتْه عَشَرَةٌ مَعْدُودةٌ وازَنِةٌ؛ لأَنَّ إطْلاقَ الدِّرْهَمِ 4 يَقْتَضِى الوازِنَ 5، وذِكْرُ العَدَدِ لا يُنافِيها،
وَإِنْ قَالَ.
لَهُ عِنْدِى رَهْنٌ.
وَقَالَ الْمَالِكُ: وَدِيعَةٌ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ مع يَمِينِهِ.
فوَجَبَ الجَمْعُ بينَهما.
فإن كان في بَلَدٍ [يَتَعامَلُون بها عَدَدًا مِن غيرِ وَزْنٍ، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو أَقَرَّ بها في بلدٍ] (1) أَوْزانُهم ناقِصةٌ، أو دَرَاهِمُهم مَغْشُوشةٌ (2)، على ما فُصِّلَ فيه.
5156 -
مسألة: (وإن قال: له عندِى رَهْنٌ. وقال المالِكُ)
بل (وَدِيعةٌ.
فالقولُ قولُ المالِكِ) لأنَّ العَيْنَ ثَبَتتْ بالإِقْرارِ له.
و 3 ادَّعَى المُقِرُّ دَيْنًا لا يَعْتَرِفُ له 4 به المُقَرُّ له، [والقولُ] 5 قولُ المُنْكِرِ، ولأنَّه أقَرَّ بمالٍ لغيرِه وادَّعَى أنَّ له به تَعَلُّقًا، فلم يُقْبَلْ، كما لو ادَّعاه بكَلامٍ مُنْفَصِلٍ، ولذلك لو أقَرَّ له بدارٍ، وقال: اسْتَأْجَرْتُها.
أو أقَرَّ له بثَوْبٍ وادَّعَى أنَّه قَصَّرَه أو خاطَه بأجْرٍ يلزمُ المُقَرَّ له، لم يُقْبَلْ، لأنَّه مُدَّعٍ على غيرِه حَقًّا، فلا يُقْبَلُ قولُه إلَّا بِبَيِّنةٍ، ومِن ذلك 6 لو قال: هذه الدارُ له، ولِى سُكْناهَا سَنَةً 7.12
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ لَمْ أَقْبِضْهُ.
وَقَالَ المُقَرُّ لَهُ: بَلْ هُوَ دَيْنٌ فِى ذِمَّتِكَ.
فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
5157 - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ مِن ثَمَنِ مَبِيعٍ لم أقْبِضه. وقال المُقَرُّ له: بل هو دَيْنٌ في ذِمَّتِكَ. فعلى وَجْهَيْن)
أحَدُهما، القولُ قولُ المُقَرِّ له 1؛ لأنَّه اعْتَرفَ له بالألْفِ، وادَّعَى عليه مَبِيعًا، فأشْبَهَ المسألةَ التى قبلَها، أو كما لو قال: له عَلَىَّ ألْفٌ، [ولى عندَه مَبِيعٌ لم أَقْبِضه.
والثانى، القولُ قولُ المُقِرِّ.
قال القاضى: هو قياس المذهَبِ.
وهو قولُ الشّافعىِّ، وألى يوسفَ؛ لأنَّه أَقَرَّ بحقٍّ في مُقابَلَةِ حقٍّ له، لا ينفكُّ أحدُهما عن الآخَرِ، فإذا لم يُسَلِّمْ له ما قال، لم يُسَلِّمْ للمقَرِّ له ما عليه، كما لو قال لرجُلٍ: بعتُك هذا العبدَ بألفٍ.
فقال: بل ملَّكْتَنِيه بغيرِ شئٍ.
وفارقَ ما لو قال: له عندى رهنٌ.
فقال المالِكُ: بل وديعةٌ.
لأَنَّ الدَّيْنَ يَنْفَكُّ عن الرَّهنِ، فلو قال السيَّدُ لعبدِه: بعتُكَ نفسَكَ بألفٍ.
فأنكرَ العبدُ، عَتَقَ، ولا شئَ للسيِّدِ؛ لأَنَّ العتْقَ ينفَكُّ عن الثَّمنِ.
إذا ثبت هذا] 2
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِى أَلْفٌ.
وَفَسَّرَهُ بدَيْنٍ أَوْ وَدِيعَةٍ، قُبِلَ مِنْهُ.
[فلا فرقَ بينَ أن يقولَ: لم أَقْبِضْه.
مُنفصلًا أو مُتَّصِلًا، فلو قال: له عَلَىَّ ألفٌ مِن ثَمنِ مَبيعٍ.
ثم سَكَت، ثم قال: لم أقبِضْه.
قُبِل قولُه، كما لو كان مُتَّصِلًا؛ لأَنَّ إقرارَه تَعلَّقَ بالمبِيعِ، والأصلُ عدمُ القبضِ، فقُبِلَ قولُه فيه.
فأمّا إن قال: له عَلَىَّ ألفٌ.
ثم سَكَت، ثم قالْ: مِن ثمنِ مَبيعٍ.
لم يُقْبَلْ؛ لأنَّه فَسَّر إقرارَه بما يُسْقِطُ وُجُوبَ تسليمِه بكلام مُنفَصلٍ، فلم يُقْبَلْ، كما لو قال: له عَلَىَّ ألفٌ] (1). [ثم سَكَت] (2)، ثم قال: مُؤَجَّلٌ.
5158 -
مسألة: (ولو قال: له عندى أَلْفٌ. وفَسَّرَه بدَيْنٍ أو وَدِيعةٍ، قُبِلَ منه)
لا نَعْلَمُ فيه بينَ أَهْلِ العلمِ خِلافًا 3، سواءٌ فَسَّرَه12
..................................
بكلامٍ مُتَّصِلٍ أو مُنْفَصِلٍ؛ لأنَّه فَسَّرَ لَفْظَه بما يَقْتَضِيه، فَقُبِلَ، كما لو قال: له عَلَىَّ دَراهِمُ.
وفَسَّرها بِدَيْنٍ عليه، فعندَ ذلك تَثْبُتُ فيه أحكامُ الوَدِيعةِ، بحيث لو ادَّعَى تَلَفَها بعدَ ذلك أو رَدَّها، قُبِلَ قولُه، وإن فَسَّرَه بدَيْنٍ عليه، قُبِلَ أيضًا؛ لأنَّه يُقِرُّ على نَفْسِه بما هو أَغْلَظُ.
وإن قال: له عِنْدِى وَدِيعةٌ رَدَدْتُها إليه.
أو: تَلِفَتْ.
لَزِمَه ضَمانُها، ولم يُقْبَلْ قولُه.
وبهذا قال الشّافعىُّ؛ لِما فيه مِن مُناقَضةِ الإِقْرارِ، والرُّجُوعِ عمَّا أقَرَّ به، فإنَّ الألْفَ المَرْدُودَ والتالِفَ ليس 1 عندَه أصْلًا، ولا هى وَدِيعةً، وكلُّ كلامٍ يُناقِضُ الإِقْرارَ 2 ويُحِيلُه، يَجِبُ أن يكونَ مَرْدُودًا.
وقال القاضى: يُقْبَلُ قولُه؛ لأَنَّ 3 أحمدَ قال في رِوايةِ ابنِ مَنْصُورٍ: إذا قال: لَكَ عِنْدِى وَدِيعةٌ دَفَعْتُها إليك.
صُدِّقَ؛ لأنَّه ادَّعَى تَلَفَ الوَدِيعةِ أو رَدَّها، فَقُبِلَ، كما لو ادَّعَى ذلك بكَلامٍ مُنْفَصِلٍ.
فإن قال: كانت عنْدِى وظَنَنْتُ أنَّها باقِيةٌ، ثم عَرَفْتُ أنَّها كانت قد هَلَكَتْ.
فالحُكْمُ فيها كالتى قَبلَها.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ.
وَفَسَّرَهُ بِوَدِيعَةٍ، لَمْ يُقْبَلْ.
5159 - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ. وفَسَّره بوَدِيعةٍ، لم يُقْبَلْ)
قولُه، فإنِ ادَّعَى بعدَ هذا تَلَفَه، لم يُقْبَلْ قَوْلُه.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشّافعىُّ.
وقِيلَ عن الشّافعىِّ: يُقْبَلُ قولُه: إنَّها وَدِيعةٌ.
وإذا ادَّعَى بعدَ هذا تَلَفَها قُبِلَ منه.
وقال القاضى ما يَدُلُّ على هذا أيضًا؛ لأنَّ الوَدِيعةَ عليه حِفْظُها ورَدُّها، فإذا قال: له عَلَىَّ 1. وفَسَّرَها بذلك، احْتَمَلَ صِدْقُه، فَقُبِلَ منه، كما لو وَصَلَه بكَلامِه، فقال: له 2 عَلَىَّ أَلْفٌ وَدِيعةً.
لأَنَّ حُرُوفَ الصِّفاتِ يَخْلُفُ بعضُها بعضًا، فيجُوزُ أن تُسْتَعْمَلَ «عَلَىَّ» بمعنى عِنْدِى، كما قال تعالى إخْبارًا عن مُوسَى عليه السلامُ أنَّه قال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ 3. أى عِنْدِى.
ولنا، أنَّ «عَلَىَّ» للإِيجابِ، وذلك يَقْتَضِى كَوْنَها في ذِمَّتِه، ولذلك 4 لو قال: ما عَلَى فُلانٍ عَلَىَّ.
كان ضامِنًا له، والوَدِيعةُ ليست في ذِمَّتِه، ولا هى عليه، إنَّما هى عنده.
وما
..................................
ذَكَرُوه مَجازٌ، طَرِيقُه حَذْفُ المُضافِ وإقامةُ المُضافِ إليه مُقامَه، أو إقامةُ حَرْفٍ مُقَامَ حَرْفٍ، والإِقْرارُ يُؤْخَذُ فيه بظاهِرِ اللَّفْظِ، بدَلِيلِ أنَّه لو قال: له عَلَىَّ دَراهِمُ.
لَزِمَتْه ثلاثةٌ، وإن جازَ التَّعْبِيرُ عن اثْنَيْنِ وعن واحدٍ بِلَفْظِ الجَمْعِ، كقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ 1. ومواضِعَ كثيرةٍ في القرآنِ.
ولو قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ.
وقال: أرَدْتُ نِصْفَ دِرْهَمٍ، فأقَمتُ المُضافَ إليه مُقامَه.
لم يُقْبَلْ منه.
ولو قال: لَكَ مِن مالِى ألْفٌ.
قال: صَدَقْتَ.
ثم قال: أرَدْتُ أنَّ عَلَيْكَ مِن مالِى ألْفًا.
وأقَمْتُ اللَّامَ مُقَامَ عَلَىَّ، كَقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ 2. لم يُقْبَلْ منه، ولو قُبِلَ في الإِقْرارِ مُطْلَقُ الاحْتِمالِ، لَسَقَط، ولَقُبِلَ تَفْسِيرُ الدَّراهِمِ بالناقِصَةِ والزّائِفةِ والمُؤَجَّلةِ.
وأمّا إذا قال: لَكَ عَلَىَّ ألْفٌ.
ثم قال: كان 3 وَدِيعةً فتَلِفَ.
لم يُقْبَلْ قَوْلُه، فإنَّه مُتَناقِضٌ،