الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 169-209

..................................  يباحُ وَطْءُ أمَتِه المُدَبَّرَةِ.
وقد رُوِيَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه دَبَّرَ أمَتَين، وكان يَطَؤُهما 1. ومِمَّن رأى ذلك ابنُ عباس، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعطاءٌ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، ومالكٌ، واللَّيثُ، والأوْزَاعِيُّ، والشافعيُّ.
قال أحمدُ: لا أعْلَمُ أحدًا كَرِهَ ذلك غيرَ الزُّهْرِيِّ.
وحُكِيَ عن الأوْزَاعِيِّ، أنَّه كان يقولُ: إن كان يطؤُها قبلَ تَدْبِيرِها فلا بأْسَ بوَطْئِهَا بعدَه، وإن كان لا يَطَؤُها قَبلَه لم يَطَأْها بعدَ التَّدْبِيرِ.
ولَنا، أنَّها مَمْلُوكَتُه، لم تَشْتَرِ نَفْسَها منه، فحلَّ له وَطْؤُها، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ﴾ 2. وقياسًا على أُمِّ الوَلَدِ.
فصل: وابنةُ المُدَبَّرَةِ مِثْلُها في حِلِّ وَطْئِها، إن لم يكنْ وَطِئَ أمَّها.
وعنه، ليس له وَطْؤُها؛ لأنَّ حَقَّ الحُرِّيةِ ثَبَت لها تَبَعًا، أشْبَهَ ولَدَ المُكاتَبةِ.
ولَنا، أنَّ مِلْكَ سَيِّدِها تام فيها، فحَلَّ له وَطْؤُها؛ للآيةِ، وكأُمِّها.
واسْتِحْقاقُها الحُرِّيةَ لا يَزيدُ على استِحْقاقِ أُمِّها، ولم يَمْنَعْ ذلك وَطْأَها.
وأمَّا وَلَدُ المُكاتَبةِ، فأُلحِقَتْ بأُمِّها، وأُمُّها يَحْرمُ وَطْؤُها، فكذلك

وَإنْ كَاتَبَ الْمُدَبَّرَ، أوْ دَبَّرَ الْمُكَاتَبَ، جَازَ.
ابْنَتُها، وأُمُّ هذه يَحِلُّ وَطْؤُها، فيَجِبُ إلْحاقُها بها.
وكلامُ أحمدَ مَحْمولٌ على أنَّه وَطِئَ أمَّها.
فصل: فإن أولَدَها بَطَلَ تَدْبِيرُها، لأنَّ مُقْتَضَى التَّدْبِيرِ العِتْقُ مِن الثُّلُثِ بعدَ الموتِ، والاستِيلادُ يَقْتَضِي ذلك، مع تأَكُّدِه وقُوَّتِه، فإنَّها تَعْتِقُ مِن رأسِ المالِ، وإن لم يَمْلِكْ غيرَها.
ولا يَمْنَعُ الدَّينُ عِتْقَها، فوَجَبَ أن يَبْطُلَ به التَّدْبِيرُ، كمِلْكِ الرَّقَبَةِ إذا طرأ على مِلْكِ النِّكاحِ، أبطَلَه.

2969 -

مسألة: (وإن كاتَبَ المُدَبَّرَ، أو دَبَّرَ المُكاتَبَ، جاز)

أما تَدْبِيرُ المُكاتَبِ، فهو صَحِيحٌ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، لأنَّه تَعْلِيقٌ لعِتْقِه بصِفَةٍ، وهو يَمْلِكُ إعْتاقَه، فيَمْلِكُ التَّعْلِيقَ.
وإن كان وَصِيَّةً، فهو وَصِيَّةٌ بما يَمْلِكُ وهو الإِعْتاقُ.
وتَصِحُّ كِتابةُ المُدَبَّرِ.
نصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ ابنِ مسعودٍ، وأبي هُرَيرَةَ، والحسنِ.
ولَفط حَدِيثِ أبي هُرَيرَةَ، عن مُجاهِدٍ، قال 1: دَبَّرَتِ امرَأةٌ مِن قُرَيش خادمًا لها، ثم أرادت أن تكاتِبَه، قال: فكنتُ 2 الرَّسولَ إلى أبي هُرَيرَةَ، فقال: كاتِبيه 3، فإن

..................................  أدَّى كِتابَتَه فذاك، وإن حَدَثَ بكِ حَدَث عَتَقَ.
قال: وأُراه قال: ما كان عليه له 1. ولأنَّ التَّدْبِيرَ إن كان عِتْقًا بصِفَةٍ، لم يَمْنَعِ الكِتابَةَ، كالذي عَلق عِتْقَه بدُخُولِ الدارِ.
وإن كان وَصِيَّةً، لم يَمْنَعْها، كما لو وَصَّى بعِتْقِه ثم كاتَبَه.
ولأنَّ التَّدْبِيرَ والكِتابةَ سَبَبان للعِتْقِ، فلم يَمْنَعْ أحَدُهما الآخَرَ، كتَدْبِيرِ المُكاتَبِ.
وذكر القاضي أنَّ التَّدْبِيرَ يَبْطُلُ 2 بالكِتابةِ، إذا قُلْنا: هو وَصِيَّةٌ.
كما لو وَصَّى به لرِجلٍ ثم كاتَبَه.
وهذا يُخالِفُ ظاهِرَ كلام أحمدَ، وهو غيرُ صَحِيح في نفْسِه.
ويُفارِقُ التَّدْبِيرُ الوَصِيَّةَ به لرجلٍ؛ لأنَّ مَقْصُودَ الكِتابةِ والتَّدْبِيرِ لا يَتَنافَيان، إذ كان المقصودُ منهما جميعًا العِتْقَ، فإذا اجْتَمَعا كانا آكَدَ لحُصُولِه، فإنَّه متى فات عِتْقُه بأحَدِهما حَصَل بالآخرِ، وأدلهما وُجِدَ قبلَ صاحِبِه حَصَل العِتْقُ به، ومَقْصُودُ الوَصِيَّةِ به والكِتابةِ يَتنافيان؛ لأنَّ الكِتابَةَ تُرادُ للعِتْقِ، والوَصِيَّةَ تُرادُ لحُصُولِ المِلْكِ فيه للمُوصَى له، ولا يَجْتَمِعان.

فَإِنْ أَدَّى عَتَقَ، وَإنْ مَاتَ سَيِّدُهُ قَبْلَ الأدَاءِ عَتَقَ، إِنْ حَمَلَ الثُّلُثُ مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ، وَإلَّا عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ، وَيسقَطَ مِنَ الْكِتَابَةِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ، وَهُوَ عَلَى الْكِتَابَةِ فِيمَا بَقِيَ.

2970 - مسألة: (فإن أدَّى عَتَقَ)

بالكِتابةِ، وبَطَلَ التَّدْبِيرُ (وإن مات سيدُه قبلَ الأدَاءِ عَتَقَ، إن حَمَلَ الثُّلُثُ ما بَقِيَ مِن كِتابتِهِ) وبَطَلَت الكِتابةُ، وإن لم يَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ (عَتَقَ منه بقَدْرِ الثُّلُثِ، وسَقَط مِن الكِتابةِ بقَدْرِ ما عَتَقَ) منه وكان (على الكِتابةِ فيما بَقِيَ).
فصل: ومتى عَتَق بالتَّدْبِيرِ، كان ما في يَدِه لسيدِه؛ لأنَّه كان له قَبْلَ العِتْقِ، فيكُونُ له بعدَ العِتْقِ، كما لو لم يكنْ مُكاتَبًا وبَطَلَتِ الكِتابةُ.
ذَكره أصحابُنا.
ومذهبُ الشافعيِّ، أنَّ ما في يدِه له إذا لم يكنْ عَجَزَ.
قال شيخُنا: وعندي أنَّه يَنْبَغِي أن يَعْتِقَ ويَتْبَعَه وَلَدُه وأكسابُه 1؛ لأنَّ السيدَ لا يَمْلِكُ إبْطال كِتابَتِه؛ لكونِها عقْدًا لازِمًا مِن جِهَتِه، وإنَّما يمْلِكُ إسْقاطَ حَقِّه عليه.
فأمَّا ما يَسْتَحِقه المُكاتَبُ مِن أولادِه وأكْسابِه، فلا يَتَمَكَّنُ السيدُ مِن أخْذِه، ويَصِيرُ كما لو أبرأه مِن مال الكِتابةِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُريدوا 2 بالبُطلانِ زوال العَقْدِ دُونَ سُقُوطِ أحْكامِه.
والله أَعلمُ.

وَإذَا دَبَّرَ شِرْكًا لَهُ في عَبْدٍ لَمْ يَسْرِ إِلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ، وَإنْ أعْتَقَ شَرِيكُهُ سَرَى إِلَى الْمُدَبَّرِ، وَغَرِمَ قِيمَتَهُ لِسَيِّدِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَن يَسْرِيَ

2971 - مسألة: (وإذا دَبَّرَ شِرْكًا له في عبدٍ لم يَسْرِ إلى نَصِيبِ شَرِيكِه، وإن أعْتَقَ شَرِيكُه سَرَى إلى المُدَبَّرِ، وغَرِمَ قِيمَتَه لسيدِه.

في الْأوَّلِ دُونَ الثَّاني.
ويَحْتَمِلُ أن يَسْرِيَ في الأوَّلِ دُونَ الثاني) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا دَبَّرَ أحدُ الشَّرِيكَين نَصِيبَه، لم يَسْرِ التَّدْبِيرُ إلى نَصِيبِ شَرِيكِه، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا.
وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ وجْهًا، أنَّه يَسْرِي تَدْبيرُه إذا كان مُوسِرًا، ويُقَوَّمُ عليه نَصِيبُ شَريكِه.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ العِتْقَ بمَوْتِ سيدِه، فسرَى ذلك فيه، كالاسْتِيلادِ.
وللشافعيِّ قولانِ، كالمَذْهَبَين.
ولَنا، أَنه تَعْلِيقٌ للعِتْقِ بصِفَةٍ فلم يَسْرِ، كتَعْلِيقِه بدُخُولِ الدارِ، ويفارِقُ الاسْتِيلادَ، فإنَّه آكَدُ، ولهذا يَعْتِقُ مِن جميعِ المالِ، ولو قَتَلَت سيدَها لم يَبْطُلْ حُكْمُ اسْتِيلادِها، والمُدَبَّرُ بخِلافِ ذلك.
فعلى هذا، إن مات المُدَبرُ عَتَقَ نَصِيبُه إن خَرَجَ مِن الثُّلُثِ، وهل يَسْرِي إلى نصِيبِ شَرِيكِه إن كان مُوسِرًا؟ فيه روايتان، ذَكَرْناهما في كتابِ العِتْقِ 1. فإنْ أعتَقَ الشَّرِيكُ نَصِيبَه قبلَ موتِ السيدِ وهو مُوسِرٌ، عَتَقَ وسَرَى إلى نَصِيبِ المُدَبِّرِ.
وذَكَر القاضي، وأبو الخَطَّابِ فيه 2 وَجْهَين.
وللشافعي فيها قولان؛ أحدُهما، كقولِنا.
والثاني، لا يَسْرِي عِتْقُه.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ في 3 المُدَبَّرِ قد انْعَقَدَ له 4 سَبَبُ الوَلاءِ علي العَبْدِ، فلم يكُنْ للآخَرِ

..................................  إبْطالُه.
ولَنا، حَدِيثُ ابنِ عمرَ الذي ذَكَرْناه في سِرايَةِ العِتْقِ إلى نَصِيبِ الشَّرِيكِ إذا كان مُوسِرًا 1، ولأنَّه إذا سَرَى إلى إبْطالِ المِلْكِ الذي هو آكَدُ مِن الوَلاءِ، فالوَلاءُ أوْلَى، وما ذكَرُوه لا أصْلَ له، ويَبْطُلُ بما إذا عَلَّقَ عِتْقَ نَصِيبِه بصِفَةٍ 2. فصل: إذا دَبَّر كلُّ واحدٍ مِن الشَّرِيكَين نَصِيبَه، فمات أحَدُهما، عَتَقَ نَصِيبُه، وبَقِيَ نَصِيبُ الآخَرِ على التَّدْبِيرِ إن لم يَفِ ثُلُثُه بقِيمَةِ حِصَّةِ شَرِيكِه، وإن كان يَفِي به، فهل يَسْرِي؟ على رِوايَتَين، ذكرناهما.
وإن قال كلُّ واحدٍ منهما: إذا مِتْنَا فأنت حُرٌّ.
فقال أبو بكرٍ: قال أحمدُ: إذا مات أحَدُهما فنَصِيبُه حُرٌّ.
فظاهِرُ هذا أنَّ أحمدَ جَعَلَ هذا اللفظَ تَدْبيرًا مِن كلِّ واحدٍ منهما لنَصِيبِه، ومَعْناه: إذا مارت كلُّ واحدٍ مِنَّا فنَصِيبُه حرٌّ، فإنَّه قابَلَ الجُمْلَةَ بالجملةِ، فيَنْصَرِفُ إلى مُقابَلةِ البعضِ بالبعضِ؛ كقَولِه: رَكِبَ الناسُ دَوابَّهمْ ولَبِسُوا ثِيابَهُم وأخَذُوا رِماحَهم.
يُريدُ: لَبِسَ كل إنْسانٍ ثَوْبَه، ورَكِبَ دابَّته، [وأخذ رمحَه] 3. وكذلك لو قال: أعْتَقُوا عَبِيدَهم.
كان معناه: أعْتَقَ كلُّ واحدٍ عَبْدَه.
وقال القاضي: هذا تَعْلِيقٌ للحُرِّيةِ بمَوتِهما جميعًا، وإنَّما قال أحمدُ: يَعْتِقُ نَصِيبُه.
بناءً

..................................  على أنَّ وُجُودَ بعضِ الصِّفَةِ يقومُ مَقامَ جَميعِها.
قال شيخُنا 1: ولا يَصِحُّ هذا؛ لأنَّه لو كانت هذه العِلَّةَ لعَتَقَ العَبْدُ كلُّه؛ لوُجُودِ بعضِ صِفَةِ كلِّ واحدٍ 2 منهما.
وسنُبَيِّنُ بُطلانَ (2) هذا القولِ بما نَذْكُرُ مِن بعدُ.
ومُقْتَضَى قولِ القاضي أن لا يَعْتِقَ شيءٌ منه قبلَ موتِهما جميعًا.
فإن قال كلُّ واحدٍ منهما: أرَدْتُ أنَّ ألعَبْدَ حُرٌّ بعدَ آْخِرِنا مَوتًا.
انْبَنَى هذا على تَعْلِيقِ الحُرِّيةِ على صِفَةٍ تُوجَدُ بعدَ المَوتِ.
وقد ذَكَرْنا الخِلافَ في ذلك.
فإن قُلْنا بجَوازِ 3 ذلك عَتَقَ بعدَ مَوتِ الآخِرِ منهما عليهما جميعًا.
وإن قُلْنا: لا يَصِحُّ.
عَتَقَ نَصِيبُ الآخِرِ منهما بالتَّدْبيرِ.
وفي سِرايَتِه إلى باقِيه إن كان ثلُثُه يَحْتَمِلُ ذلك روايتان.
وإن قال كلُّ واحدٍ منهما: إذا مِتُّ قبل شَرِيكي فنَصِيبي له، فإذا مات فهو حُر، وإن مِتُّ بعدَه، فنَصِيبي حُرٌّ.
فقد وَصَّى كلُّ واحدٍ منهما للآخَرِ، فإذا مات أحَدُهما صار العَبدُ كله للآخَرِ، فإذا مات، عَتَقَ كُلُّه عليه، وصار وَلاؤُه له كلُّه، إن قُلْنا: لا يَصِحُّ تَعْلِيقُ العِتْقِ على صِفَةٍ بعدَ الموتِ.
وإن قُلْنا: يَصِحُّ.
عَتَقَ عليهما، ووَلاؤه بينَهما.

وَإذَا أسْلَمَ مُدَبَّرُ الْكَافِرِ لَمْ يُقَرَّ في يَدهِ، وَتُرِكَ في يَدِ عَدْلٍ يُنْفِقُ عَلَيهِ مِنْ كَسْبِهِ، وَمَا فَضَلَ لِسَيِّدِهِ، وإنْ أعوَزَ فَعَلَيهِ تَمَامُهُ، إلا أنْ يَرْجِعَ في التَّدْبِيرِ، وَنَقُولَ بِصِحَّةِ رُجُوعِهِ، فَيُجْبَرُ عَلَى بَيعِهِ.

2972 - مسألة: (وإذا أسْلَمَ مُدَبَّرُ الكافرِ لم يُقَرَّ في يَدِه، وتُرِكَ في يَدِ عَدْلٍ يُنفقُ عليه مِن كَسْبِه، وما فَضَلَ لسيدِه، وإن أعْوَزَ فعَلَيه تَمامُه، إلَّا أن يَرْجِعَ في التَّدْبِيرِ، ونقولَ بصِحَّةِ رُجُوعِه، فيُجْبَرُ على بَيعِه)

وجملتُه، أنَّه إذا أسْلَمَ مُدَبَّرُ الكافِرِ أُمِرَ بإزالةِ مِلْكِه عنه، لئلَّا يَبقَى الكافِرُ مالِكًا لمسلمٍ، كغيرِ المُدَبَّرِ إذا قُلْنا بجوازِ بَيعِه.
ويَحْتَمِلُ أن يُتْرَكَ في يَدِ عَدْلٍ، ويُنْفِقَ عليه مِن كَسْبِه، فإن لم يكُنْ له كَسْب أُجْبِرَ سيدُه على الإنْفاقِ عليه؛ لأنه مِلْكُه.
وبهذا 1 قال أبو حنيفةَ، والشافعي، في أحدِ قَوْلَيه؛ بناءً على أنَّ المُدَبَّرَ لا يجوزُ بَيعُه.
ولأنَّ في بَيعِه إبطال سَبَبِ العِتْقِ، فكان إبْقاؤُه أصْلَحَ، فتَعَيَّنَ 2، كأُمِّ الولَدِ.
فإن قُلْنا ببيعِه، فباعَه، بَطَلَ تَدْبِيرُه.
وإن قُلْنا: يُتْرَكُ في يَدِ عَدْلٍ.
فإنّه يَسْتَنِيبُ مَن يَتَوَلَّى اسْتِعْماله واسْتِكْسابَه 3، ويُنْفِقُ عليه مِن كَسْبِه، وما فَضَلَ فلسيدِه، وإن لم يَفِ

..................................  كسْبُه بنَفَقَتِه فالباقي على سيدِه.
وإنِ اتَّفَقَ هو وسيدُه على المُخارَجَةِ جاز، ويُنْفِقُ على نَفسِه ممَّا فَضَل مِن كَسْبِه.
فإذا مات سيدُه عَتَق إن خَرَجَ مِن الثُّلُثِ، وإلَّا عَتَقَ منه بقَدْرِ الثُّلُثِ، وبِيعَ الباقِي على الوَرَثَةِ إن كانوا كُفَّارًا، وإن أسلموا بعدَ المَوتِ، تُرِكَ، فإن رجَع سيدُه في تَدْبِيرِه، وقُلْنا: يَصِحُّ 1 رُجُوعُه.
بيعَ عليه.
وإن كان المُدَبَّرُ مُسْتأْمَنًا، فأرَادَ الرُّجُوعَ به إلى دارِ الحَربِ، ولم يكن أسلمَ، لم نَمْنَعْه منه.
وإن كان قد أسلمَ، مُنِعَ؛ لأنَّنا نَحُولُ بينَه وبينَه في دارِ الإِسْلامِ، فأوْلَى أن يُمْنَعَ مِن التَّمَكُّنَ منه في دارِ الحربِ.

وَمَنْ أنْكَرَ التَّدْبِيرَ، لَمْ يُحْكَمْ عَلَيهِ إلا بِشَاهِدَينِ.
وَهَلْ يُحْكَمُ عَلَيهِ بِشَاهِدٍ وَامْرأتَينِ، أوْ شَاهِدٍ وَيَمِينِ الْعَبْدِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

2973 - مسألة: (ومَن أنْكَرَ التَّدْبِيرَ، لم يُحْكَمْ عليه إلَّا بشاهِدَين. وهل يُحْكَمُ بشاهِدٍ وامْرَأتَين، أو شاهِدٍ ويَمِينِ العبدِ؟ على روايتين)

إذا ادَّعَى العَبدُ على سَيِّدِه أنَّه دَبَّره، صَحَّتْ دَعْواه؛ لأنَّه يَدَّعِي اسْتِحْقاقَ العِتْقِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا تَصِحَّ الدَّعْوَى؛ لأنَّ السيِّدَ إذا أنْكَرَ التَّدْبِيرَ، كان بمَنْزِلَةِ إنْكارِ الوَصِيَّةِ، وإنْكارُ الوَصِيَّةِ رُجُوعٌ عنها، في أحَدِ الوَجْهَين، فيكونُ إنْكارُ التَّدْبِيرِ رُجُوعًا عنه، والرُّجُوعُ عنه يُبْطِلُه، في إحْدَى الروايتين.
والصَّحِيحُ أنَّ الدَّعْوى صَحِيحَةٌ؛ لأنَّ الرُّجُوعَ عن

..................................  التَّدْبِيرِ لا يُبْطِلُه، في الصَّحِيحِ مِن المذْهَبِ.
ولو أبْطَلَه، فما ثَبَتَ كَوْنُ الإِنْكار رُجُوعًا، ولو ثَبَتَ ذلك، فلا يَتَعَيَّنُ الإِنْكارُ جَوابًا للدَّعْوَى؛ فإنَّه يجُوزُ أن يُقِرَّ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإن أقَرَّ السيدُ فلا كَلامَ، وإن أنْكَرَ ولم تكُنْ للعبدِ بَيِّنَةٌ، فالقولُ قولُ السيدِ مع يَميِنه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُه.
فإن كانت للعَبْدِ بَيِّنَةٌ حُكِمَ بها، ويُقْبَلُ فيها شاهدان عَدْلان، بغيرِ خِلافٍ.
فإن لم يكُنْ إلَّا شاهِدٌ واحدٌ، وقال: أنا أحْلِفُ معه.
أو شاهدٌ وامْرأتان، لم يُحْكَمْ له به، في إحْدَى الرِّوايَتَين.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الثابتَ به الحُرِّيةُ، وكمالُ الأحْكامِ، وهذا ليس بمالٍ، ولا المَقْصُودُ منه المالُ، ويَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ في غالبِ الأحْوالِ، فأشْبَهَ النِّكاحَ والطَّلاقَ.
والثانيةُ، يَثْبُتُ بذلك؛ لأنَّه لَفْظ يَزُولُ به مِلْكُه عن مَمْلُوكِه، فأشْبَهَ البَيعَ.
وهذا أجْوَدُ؛ لأنَّ البَيِّنَةَ إنَّما تُرادُ لإثْباتِ الحُكْمِ على المَشْهُودِ عليه، وهو في حَقِّه إزالةُ مِلْكِه عن مالِه، فيَثْبُتُ بهذا.
وإن حَصَلَ به غَرَضٌ آخَرُ للمَشْهُودِ له، فلا يَمْنَعُ ذلك مِن ثُبُوتِه بهذه البَيِّنَةِ.
ولأنَّ العِتْقَ ممَّا يُتَشَوّفُ إليه، ويَنْبَنِي على التَّغْلِيبِ والسِّرايةِ، فيَنْبَغِي أن يُسَهَّلَ طريقُ إثْباتِه.
وإن كان الاختلافُ بينَ العبدِ ووَرَثَةِ السيدِ بعدَ موتِه، فهو كما لو كان الاختلافُ 1

..................................  مع السيدِ، إلَّا أنَّ الدَّعْوَى صَحِيحةٌ بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّهم لا يَمْلِكُونَ الرُّجُوعَ، وأيمانُهم على نَفْي العِلْمِ؛ لأنَّ الخِلافَ في فِعْلِ مَوْرُوثِهم، وأيمانُهُم على نَفْى فِعْلِه.
وتَجِبُ اليَمينُ على كُلِّ واحدٍ مِن الوَرَثَةِ، ومَن نكَل منهم عَتَقَ نَصِيبُه ولم يَسْرِ إلى باقِيه، وكذلك إن أقَرَّ؛ لأنَّ إعْتاقَه بفعْلِ المَوْرُوثِ، لا بفِعْلِ المُقِرِّ ولا النَّاكِلِ.
فصل: إذا دَبَّرَ عبدَه ومات، وله مالٌ سِواه يَفِي بثُلُثَيْ مالِه، إلَّا أنَّه غائِبٌ، أو دَينٌ في ذِمَّةِ إنْسانٍ، لم يَعْتِقْ مِن المُدَبَّرِ إلَّا ثُلُثُه؛ لجوازِ أن يَتْلَفَ الغائِبُ، أو يَتَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ الدَّينِ، فيكونُ العبدُ جَميعَ التَّرِكَةِ، وهو شَرِيكُ الوَرَثَةِ فيها، له ثُلُثُها ولهم ثُلُثاها، فلا يجوزُ أن يَحْصُلَ على جَمِيعِها، لكِنَّه يَسْتَحِقُّ عِتْقَ ثُلُثِه ويَبْقَى ثُلُثاه مَوْقُوفًا 1؛ لأنَّ ثُلُثَه حُرٌّ على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ أسْوَأَ 2 الأحْوالِ أن لا يَحْصُلَ مِن سائرِ المالِ شيءٌ، فيكونُ العبدُ جَمِيعَ التَّرِكَةِ، فيَعْتِقَ ثُلُثُه، وفي ذلك خِلافٌ ذَكَرْناه في بابِ المُوصَى به، فيما إذا وَصَّى له بمُعَيَّنٍ، ولم يكُنْ له سِوَى المعَيَّنِ إلَّا مالٌ غائبٌ، أو دَينٌ، وهذا مثلُه في اعْتِبارِه مِن الثُّلُثِ.
إذا ثَبَتَ هذا فإنَّ العبدَ إذا عَتَقَ كلُّه بقُدُومِ الغَائِبِ، أو اسْتِيفاءِ الدَّينِ، تَبَيَّنًا أنَّه كان حُرًّا حينَ الموتِ، فيكُونُ كَسْبُه له؛ لأنَّه إنَّما عَتَقَ بالتَّدْبِيرِ ووُجُودِ الشَّرْطِ الَّذي عَلَّقَ عليه السيدُ حُرِّيتَه، وهو الموتُ، وإنَّما أوْقَفْناه للشَّكِّ في خُرُوجِه

..................................  مِن الثُّلُثِ، فإذا زال الشَّكُّ تَبَيَّنّا أنَّه كان حاصِلًا قبلَ زوالِ الشَّكِّ.
وإن تَلِفَ المالُ تَبَيَّنّا أنَّه كان ثُلُثاه رَقِيقًا، ولم يَعْتِقْ منه سِوَى ثُلُثِه.
وإن تَلِفَ بعضُ المالِ رَقَّ مِن المُدَبَّرِ ما زاد على قَدْرِ ثُلُثِ الحاصِلِ مِن المالِ.
فصل: فإن دَبَّرَ عبدين، وله دَينٌ يَخْرُجان مِن ثُلُثِ المالِ إذا حَصَل، أقْرَعْنا بَينَهما، فيَعْتِقُ ممَّن تَخْرُجُ له القُرْعَةُ قَدْرُ ثُلُثِهما وكان باقِيه والعبدُ 1 الآخَرُ مَوْقُوفًا، فإذا اسْتُوفِيَ مِن الدَّين شيءٌ، كُمِّلَ مِن عِتْقِ مَن وَقَعَتْ له القُرْعَةُ قَدْرُ ثُلُثِه، وما فَضَلَ عَتَقَ مِنَ الآخرِ، كذلك حتَّى يَعْتِقا جميعًا أو مِقْدارُ الثُّلُثِ منهما.
فإن تَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ الدَّينِ، لم يَزِدِ العِتْقُ على مِقْدارِ ثُلُثِهما.
فإن خَرَج الَّذي 2 وَقَعَتْ له القُرْعَةُ مُسْتَحَقًّا بَطَلَ العِتْقُ فيه، وعَتَقَ مِن الآخَرِ ثُلُثُه.
فصل: إذا دَبَّرَ عبدًا قِيمَتُه مائةٌ، وله مائةٌ دَينًا، عَتَقَ ثُلُثُه ورَقَّ ثُلُثُه، ووَقَفَ ثُلُثُه على اسْتِيفاءِ الثُّلُثِ 3 الباقِي.
وإن كانت له مائةٌ حاضرةٌ مع ذلك، عَتقَ مِن المُدَبَّرِ ثُلُثاه، ووقَف [عِتْقُ ثُلُثِه] 4 على اسْتِيفاءِ الدَّينِ.
فصل: وإن دَبَّرَ عبدَه، وقِيمَتُه مائةٌ، وله ابنانِ، وله (3) مائتان دَينًا على أحَدِهما، عَتَقَ مِن المُدَبَّرِ ثُلُثاه؛ لأنَّ حِصَّةَ الَّذي عليه الدَّينُ منه

..................................  [كالمُسْتَوْفَى، ويَسْقُطُ عن الَّذي عليه الدَّينُ منه] 1 نِصْفُه؛ لأنَّه قَدْرُ حِصَّتِه مِن المِيراثِ، ويَبْقَى للآخَرِ عليه مائةٌ، كلما اسْتَوفَى منها شيئًا عَتَقَ قَدْرُ ثُلُثِه.
فإن كانت المائتان دَينًا على الاثْنَين بالسَّويَّةِ عَتَقَ المُدَبَّرُ كلُّه؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما عليه قَدْرُ حَقِّه، وقد حَصَلَ له ذلك بسُقوطِه مِن دَينِه.
فصل: إذا دَبَّرَ عبدًا قِيمَتُه مائةٌ، وخَلَّفَ ابنين ومائَتَيْ في دِرْهم دَينًا له على أحَدِهما، ووَصَّى لرجل بثُلثِ مالِه، عَتَقَ مِن المُدَبَّرِ ثُلُثُه، وسَقَطَ عن الغَرِيمِ مائةٌ، وكان للوَصِيِّ سُدْسُ العبدِ، وللابنِ ثُلُثُه، ويَبْقَى سُدْسُ العبدِ مَوْقُوفًا؛ لأنَّ الحاصِلَ مِن المالِ ثُلُثاه، وهو العبدُ والمائةُ الساقِطةُ عن الغَرِيمِ، وثُلُثُ ذلك مَقْسُومٌ بينَ المُدَبَّرِ والوَصِيِّ نِصْفَينِ؛ فحِصَّةُ المُدَبَّرِ منه ثُلُثُه، يَعْتِقُ في الحالِ، ويَبْقَى له [سُدْسٌ مَوْقُوفٌ] 2، فكلَّما اقْتُضِيَ مِن المائةِ الباقِيةِ شيءٌ عَتَقَ مِن المُدَبَّرِ قَدْرُ سُدْسِه، ويكونُ المُسْتَوْفَى بينَ الابنِ والوَصِيِّ أثْلاثًا، فإذا اسْتُوفِيَتْ كلُّها حَصَلَ للابنِ ثُلُثاها وثُلُثُ العبدِ وهو قَدْرُ حَقِّه، وكُمِّلَ للمُدَبَّرِ عِتْقُ نِصْفِه، وحَصَلَ للوَصِيِّ ثُلُثُ المائةِ وسُدْسُ العبدِ، وهو قَدْرُ حَقِّه.
وإن كان الدَّينُ على أجْنَبِيٍّ، لم يَعْتِقْ مِن المُدَبَّرِ إلَّا سُدْسُه؛ لأنَّ الحاصِلَ مِن التَّرِكَةِ هو العبدُ، وثُلُثُه بينَه وبينَ الوَصِيِّ الآخَرِ، وللوَصِيِّ سُدْسُه، ولكلِّ ابن سُدْسُه، ويَبْقَى

وَإذَا قَتَلَ الْمُدَبَّرُ سَيِّدَهُ بَطَلَ تَدْبِيرُهُ.
ثُلُثُه مَوْقُوفًا، فكلَّما اقْتُضِيَ مِن الدَّينِ شيءٌ عَتَقَ مِن المُدَبَّرِ قَدْرُ سُدْسِه، وكان المُسْتَوْفَى بينَ الابنينِ والوَصِيِّ أسْداسًا؛ للوَصِيِّ سُدْسُه، ولهما خمسةُ أسْداسِه، فيَحْصُلُ لكلِّ واحدٍ نِصْفُ المائةِ وثُلُثُها وسُدْسُ العَبْدِ، وهو قَدْرُ حَقِّه، ويَحْصُلُ للوَصِيِّ [سُدْسُ المائتين و] (1) سُدْسُ العَبْدِ وهو قَدْرُ حَقِّه، ويَعْتِقُ مِن المُدَبَّرِ نِصْفُه، وهو قَدْرُ حَقِّه.

2974 -

مسألة: (وإذا قَتَلَ المُدَبَّرُ سيدَه بَطَلَ تَدْبِيرُه)

[إنَّما بَطَلَ تَدْبيرُه] 1 لأمْرَين؛ أحدُهما، أنَّه قَصَدَ اسْتِعْجال العِتْقِ بالقَتْلِ المُحَرَّمِ، فعُوقِبَ بنَقِيضِ قَصْدِه، وهو إبْطالُ التَّدْبِيرِ، كمَنْعِ المِيراثِ بقَتْلِ المَوْرُوثِ.
ولأنَّ العِتْقَ فائدةٌ تَحْصُل بالموتِ، فتنتَفِي بالقَتلِ، كالإرْثِ والوَصِيِّةِ.
والثاني، أنَّ التَّدْبِيرَ وَصِيَّةٌ، فيَبْطُلُ بالقَتْلِ، كالوَصِيَّةِ بالمالِ.
ولا يَلْزَمُ على هذا عِتْقُ أُمِّ الولَدِ؛ لكَوْنِها آكَدَ، فإنَّها صارَت

..................................  بالاسْتِيلادِ بحالٍ لا يُمْكِنُ نَقْلُ المِلْكِ فيها، ولذلك لم يَجُزْ بَيعُها، ولا هِبَتُها، ولا رَهْنُها، ولا الرُّجُوعُ عن ذلك بالقولِ 1، ولا غيرِه.
والإِرْثُ نوعٌ مِن النَّقْلِ، فلو لم تَعْتِقْ [بموتِ سَيدِها، انْتَقَلَ] 2 المِلْكُ فيها إلى الوارثِ، ولا سَبِيلَ إليه، بخِلافِ المُدَبَّرِ، ولأنَّ سَبَبَ حُرِّيةِ أُمِّ الوَلَدِ الفِعْلُ والبَعْضِيَّةُ التي 3 حَصَلَتْ بينَها وبينَ سيدِها بواسِطَةِ ولَدِها، وهو آكَدُ مِن القولِ، ولهذا نَفَذَ اسْتِيلادُ المَجْنُونِ، ولم يَنْفُذْ إعْتاقُه ولا تَدْبِيرُه، وسَرَى حُكْمُ اسْتِيلادِ المُعْسِرِ إلى نَصِيبِ شَرِيكِه، بخِلافِ الإعْتاقِ، وعَتَقَت مِن رأسِ المالِ.
والتَّدْبِيرُ لا يَنْفُذُ 4 إلَّا في الثُّلُثِ، ولا يَمْلِكُ الغُرَماءُ إبْطال عِتْقِها وإن كان سيدُها مُفلِسًا، بخِلافِ المُدَبَّرِ، ولا يَلْزَمُ [مِن] 5 الحُكْمِ في مَوْضِع تأَكُّدُ الحُكْمِ فيما دُونَه؛ كما لم 6 يَلْزَمْ إلْحاقه به في

..................................  هذه المَواضِعِ التي افْتَرَقَا فيها.
إذا ثَبَتَ هذا، فلا فَرْقَ بينَ [كَونِ القتلِ] 1 عمدًا أو خَطَأً؛ كما لا فَرْقَ بينَ 2 ذلك في حِرْمانِ الإِرْثِ، وإبْطالِ وَصِيَّةِ القَاتِلِ.
فصل: فأمَّا سائِرُ جناياتِه غيرَ قتلِ سَيدِه، فلا تُبْطِلُ تَدْبِيرَه، لكن إن كانت جِنايةً مُوجِبَةً للمالِ أو للقِصاصِ، فَعَفا الوَلِيُّ إلى المالِ، تَعَلَّقَ المالُ بِرَقَبتِه، فمَن جَوَّزَ بَيعَه جَعَلَ سيدَه بالْخِيَارِ بينَ تَسْلِيمِه فيُباعُ في الجِنايَةِ وبينَ فِدائِه؛ فإن سَلَّمه في الجِنايَةِ فبِيعَ فيها بَطَلَ تَدْبِيرُه، وإن عاد إلى سيدِه عاد تَدْبِيرُه.
وإنِ اخْتارَ فِداءَه وفَداهُ بما يُفْدَى به العبدُ 3، فهو مُدَبَّرٌ بحالِه، ومَن لم يُجِزْ بَيعَه أوْجَبَ فداءَه على سيدِه، كأُمِّ الولَدِ وإن كانتِ الجِنايَةُ مُوجِبَة للقِصاصِ، فاقْتُصَّ منه في النَّفْسِ، بَطَلَ تَدْبِيرُه.
وإنِ اقْتُصَّ منه في الطَّرْفِ فهو مُدَبَّرٌ بحالِه.
وإذا مات سيدُه بعَد جِنايَتِه وقبلَ اسْتِيفائِها، عَتَقَ على كلِّ حالٍ، سواءٌ كانت مُوجِبةً للمالِ أو للقِصاصِ، لأنَّ صِفَةَ العِتْقِ وُجِدَتْ فيه، فأشْبَهَ ما لو باشَرَه به.
فإن كان (3) الواجِبُ قِصاصًا، اسْتُوفِيَ، سواءٌ كانت جِنايَتُه على عبدٍ أو حُرٍّ، لأنَّ القِصاصَ قد اسْتَقَرَّ وُجُوبُه عليه في حالِ رِّقه، فلا يَسْقُطُ بحُدُوثِ الحُرِّيةِ فيه.
وإن كان الواجِبُ عليه مالًا في رَقَبَتِه، فُدِيَ بأقَلِّ الأمْرين مِن قِيمَتِه [أو أرْشِ] 4

..................................  [جِنايَتِه.
وإن جُنِيَ على المُدَبَّرِ، فأرْشُ الجِنايةِ لسيدِه.
فإن كانت الجنايةُ على نَفْسِه، وَجَبَتَ قِيمَتُه] 1 لسيدِه، وبَطَلَ التَّدْبِيرُ بهَلاكِه.
فإن قِيلَ: فهلَّا جَعَلْتُمْ قِيمَتَه قامْةً مَقامَه، كالعبدِ المَرْهُونِ والمَوْقُوفِ؟ قُلْنا: الفَرْقُ بينَهما مِن ثلاثةِ أوْجُهٍ؛ أحدُها، أنَّ كُلَّ واحدٍ مِن الوَقْفِ والرَّهْنَ لازمٌ، فتَعَلَّقَ الحَقُّ ببَدَلِه، والتَّدْبِيرُ غيرُ لازم؛ لأنَّه يُمْكِنُ إبْطالُه بالبَيعِ وغيرِه، فلم يتَعَلَّقِ الحَقُّ ببَدَلِه.
الثاني، أنَّ الحَقَّ في التَّدْبِيرِ للمُدَبَّرِ، فبَطَلَ حَقُّه بفَواتِ مُسْتَحِقِّه، والبَدَلُ لا يَقومُ مَقامَه في الاسْتِحقاقِ، والحَقُّ في الوَقْفِ للمَوْقُوفِ عليه، وفي الرَّهْنِ للمُرْتَهِنِ، وهو باقٍ، فثَبَتَ حَقه في بَدَلِ محَلِّ حَقِّه.
الثالثُ، أنَّ المُدَبَّرَ إنَّما ثَبَتَ حَقُّه بوُجُودِ موتِ سيدِه، فإذا هَلَكَ قبلَ سيدِه فقد هَلَكَ قبلَ ثُبُوتِ الحَقِّ له، فلم يَكُنْ له بَدَلٌ، بخِلافِ الرَّهْنِ والوَقْفِ، فإنَّ الحَقَّ ثابِتٌ فيهما، فقامَ بدَلُهُما مَقامَهما، وبينَ الرَّهْنِ والمُدَبَّرِ فَرْقٌ رابعٌ، وهو أنَّ الواجِبَ القِيمةُ، ولا يُمْكِنُ وجودُ التَّدْبيرِ فيها، ولا قِيامُها مَقامَ المُدَبَّرِ فيه.
وإن أخَذَ عبدًا مكانَه، فليس هو البَدَلَ، إنَّما هو بَدَلُ القِيمَةِ، بخِلافِ الرَّهْنِ؛ فإنَّ القِيمَةَ يجوزُ أن تكونَ رَهْنًا.
فإن قِيلَ: فهذا يَلْزَمُ عليه المَوْقُوفُ، فإَّنه إذا قُتِلَ 2 اخِذَتْ قِيمَتُه فاشْترِيَ بها عبدٌ يكونُ وَقْفًا مكانَه.
قلْنا: قد حَصَلَ الفَرْقُ بينَ المُدَبَّرِ والرَّهْنِ من الوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ، وكَوْنُه لا يَحْصُلُ الفَرْقُ بينَه وبينَ الوَقْفِ مِن هذا الوَجْهِ، لا يَمْنَعُ أن يَحْصُلَ الفَرْقُ بينَه وبينَ الرَّهْنِ به.
والله أعلمُ.

بَابُ الْكِتَابَةِ

وَهِيَ بَيعُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ بِمَالٍ في ذِمَّتِهِ.
بابُ الكِتابَةِ الكِتابَةُ: إعْتاقُ السيدِ عَبدَه على مالٍ (في ذِمَّتِه) يُؤَدَّى مُؤجَّلًا 1 في نُجُومٍ.
سُمِّيَتْ كِتابةً؛ لأنَّ السيدَ يَكْتُبُ بينَه وبينَه كِتابًا بما اتَّفقا عليه.
وقيل: سُمِّيَتْ كِتابةً مِن الكَتْبِ، وهو الضَّمُّ؛ لأنَّ المُكاتَبَ يَضُمُّ بعضَ النُّجُومِ إلى بعضٍ، ومنه سُمِّيَ الخَرْزُ كِتابًا؛ لأنَّه يُضَمُّ أحَدُ طَرَفَيه إلى الآخَرِ بخَرْزِه.
قال الحَرِيريُّ 2: وكاتِبينَ وما خَطَّتْ أنامِلُهم … حَرْفًا ولا قَرءُوا ما خُطَّ في الكُتبِ وقال ذو الرُمَّةِ 3: وَفْراءَ غَرْفِيَّةٍ أثْأى خَوارِزُها … مُشَلْشِلٌ ضَيَّعَتْه بينَها الكُتَبُ 4

..................................  يَصِفُ قِرْبَةً يَسيلُ الماءُ مِن بينِ خُرَزِها.
وسُمِّيتِ الكَتِيبةُ كَتِيبةً؛ لانْضِمامِ بعضِها إلى بعض.
والمُكاتَبُ يَضُمُّ [بعض نُجُومِه] 1 إلى بَعْضٍ.
والنُّجُومُ ههُنا الأوْقاتُ المُخْتَلِفةُ؛ لأنَّ العربَ كانت لا تَعْرِفُ الحِسابَ.
وإنَّما تَعْرِفُ الأوْقاتَ بطُلُوعِ النُّجُومِ، كما قال بعضُهم 2: إذا سُهَيلٌ أوَّلَ اللَّيلِ طلَعْ … فابنُ اللَّبُونِ الحِقُّ والحِقُّ جَذَعْ 3 فسُمِّيَتِ الأوْقاتُ نُجُومًا.
والأصْلُ في الكِتابةِ الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ.
أمَّا الكِتابُ، فقولُ اللهِ تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيمَنُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا﴾ 4. وأمَّا السُّنَّةُ، فروَى سعيدٌ، عن سُفيانَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن نَبْهانَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عن أُمِّ سَلمَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذا كان لإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، [وكان عِنْدَه] 5 ما يُؤَدِّي، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ».

وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ لِمَنْ يُعْلَمُ فِيهِ خَيرٌ، وَهُوَ الْكَسْبُ وَالْأمَانَةُ.
وعَنْهُ، أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، إِذَا ابْتَغَاهَا مِنْ سَيِّدِهِ أُجْبِرَ عَلَيهَا.
رواه [أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائِيُّ، وابنُ ماجة، والتِّرْمِذِيُّ] (1)، وقال: حسنٌ صَحيحٌ.
وروَى سَهْلُ (2) بنُ حُنَيفٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «مَنْ أَعانَ غَارِمًا أَوْ غَازِيًا أَوْ مُكَاتبًا في كِتَابَتِه، أَظلَّهُ اللهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه» (3). في أحادِيثَ كثيرةٍ سواهما.
وأجْمَعَتِ الأمَّةُ على مَشْرُوعِيَّةِ الكِتابَةِ.

2975 -

مسألة: (وهي مُسْتَحَبَّةٌ لمَن يُعْلَمُ فِيه خَيرٌ، وهو الكَسْبُ والأمَانَةُ. وعنه، أنَّها وَاجِبَةٌ إذا ابْتَغَاها مِن سَيدِه أُجْبِرَ عليها)

إذا سألَ العَبْدُ سَيِّدَه مُكاتَبَتَه، اسْتُحِبَّ له إجابَتُه إذا عَلِمَ فيه خَيرًا.
ولم يَجِبْ ذلك، في ظاهِرِ المذهبِ.
وهو قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم الحسنُ، والشَّعْبِيُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
وعن أحمدَ، أنَّها123

..................................  وَاجِبَةٌ إذا دَعَى العَبْدُ المُكْتَسِبُ الصدوقُ 1 سيدَه إليها.
وهو قولُ عَطاءٍ، والضَّحاكِ، وعمرِو بنِ دِينارٍ، وداودَ.
وقال إسحاقُ: أخْشَى أن يأْثَمَ إن لم يَفْعَلْ، ولا يُجْبَرُ عليها.
ووَجْهُ ذلك، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغونَ الْكِتَبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيمَنُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا﴾.
وظاهِرُ الأمْرِ الوُجُوبُ.
ورُوِيَ أنَّ 2 سِيرِينَ أبا محمدِ بنِ سِيريِنَ كان عبدًا لأنسِ بنِ مالكٍ، فسألَه أن يُكاتِبَه، فأبَى، فأخْبَرَ سيرِينُ عمرَ بنَ الخَطَّابِ بذلك، فرَفَعَ الدِّرَّةَ على أنس، وقَرأ عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيمَنُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا﴾.

..................................  فكاتَبَهَ أنَسٌ 1. ولَنا، أنَّه إعْتاقٌ بعِوَضٍ، ولم يَجِبْ عليه، كالاسْتِسْعاءِ.
والآيةُ مَحْمُولَةٌ على النَّدْبِ، وقولُ عمرَ يُخالِفُه فِعْلُ أنَسٍ.
قال أحمدُ: الخَيرُ: صِدْقٌ وصَلاحٌ ووَفاءٌ بمالِ الكِتابَةِ.
ونحوَ هذا قال إبراهيمُ، وعمرُو بنُ دِ ينارٍ، وغيرُهما، وعِباراتُهم 2 في ذلك مُخْتَلِفَةٌ.
وقِيلَ: قوةٌ على الكَسْبِ والأمانَةُ.
قاله 3 الشافعيُّ.
وقال ابنُ عباسٍ: غِنًى وإعْطاءُ المالِ.
وقال مُجاهِدٌ: غِنًى وأدَاءٌ.
وقال النَّخَعِيُّ: صِدقٌ ووَفاءٌ.
فلا خِلافَ بَينَهم في أنَّ مَن لا خيرَ فيه لا تَجِبُ إجابَتُه.

وَهَلْ تُكْرَهُ كِتَابَةُ مَنْ لَا كَسْبَ لَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

2976 - مسألة: (وهل تُكْرَهُ كِتابَةُ مَن لا كَسْبَ له؟ على رِوايَتَين)

قال القاضي: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ كَرَاهَتُه.
وكان ابنُ عمرَ يَكْرَهُه 1. وهو قولُ مسروقٍ، والأوْزَاعِيِّ.
وعن أحمدَ، أنَّه لا يُكْرَه.
ولم يَكْرَهْه الشافعيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، وطائفةٌ مِن أهلِ العلمِ؛ لأنَّ جُوَيرِيَةَ بنتَ الحارِثِ، كاتَبَها ثابتُ بنُ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ، فأتتِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَسْتَعِينُه في كِتابَتِها، فأدَّى عنها كِتابَتَها وتَزَوَّجَها 2. واحْتَجَّ ابنُ المُنْذِرِ بأنَّ بَرِيرةَ كاتَبَت ولا حِرْفَةَ لها، فلم يُنْكِرْ ذلك رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - 3. ووَجْهُ الأوَّلِ ما ذَكَرْنا في عِتْقِه 4. قال شيخُنا 5: ويَنْبَغِي أن يُنْظرَ في المُكاتَبِ، فإن كان ممَّن يتَضَرَّرُ بالكِتابَةِ ويَضِيعُ؛ لِعَجْزِه عن الإِنْفاقِ على نَفْسِه، ولا يَجِدُ مَن يُنْفِقُ عليه، كُرِهَتْ

..................................  كِتابَتُه، وإن كان يَجِدُ مَن يَكْفِيه مُؤْنَتَه لم تُكْرَهْ كِتابَتُه؛ لحُصُولِ النَّفْعِ بالحُرِّيةِ مِن غيرِ ضَرَرٍ.
فأمَّا جُوَيريَةُ 1 فإنَّها كانت ذاتَ أهلٍ، وكانت ابنةَ سيدِ قَوْمِه، فإذا عَتَقَتْ رَجَعَتْ إلى أهْلِها، فأخْلَفَ اللهُ لها خيرًا مِن أهلِها، فتَزَوَّجَها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وصارت إحْدَى أمَّهاتِ المومنينَ، وأعْتَقَ الناسُ ما 2 كان بأيدِيهم مِن قَوْمِها حينَ بَلَغَهم أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَزَوَّجَها، وقالوا: أصْهارُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فلم يُرَ امرأةٌ أعْظَمَ بَرَكَةً على قَوْمِها مِنها.
وأمَّا بَرِيرَةُ، فإنَّ كِتابَتَها تَدُلُّ على إباحَةِ ذلك وأنَّه ليس بمُنْكَرٍ، ولا خِلافَ فيه، وإنَّما الخِلافُ في كَرَاهَتِه.
قال مَسْرُوقٌ: إذا سأل العبدُ مَوْلاه المُكاتَبَةَ، فإن كان له مَكْسَبَةٌ أو كان له مالٌ فلْيُكاتِبْه، وإن لم يَكنْ له مالٌ ولا مَكْسَبَةٌ، فَلْيُحْسِنْ مَلْكَتَه، ولا يُكَلفْه إلَّا طَاقَتَه.

وَلَا تَصِحُّ إِلا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ.
وَإنْ كَاتَبَ الْمُمَيِّزُ عَبْدَهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، صَحَّ.
وَيَحْتمِلُ أَلَّا يَصِحَّ.

2977 - مسألة: (ولا تَصِحُّ إلَّا مِن جائِزِ التَّصَرُّفِ)

فأمَّا المجْنونُ والطِّفْلُ، فلا تَصِحُّ مُكاتَبَتُهما لرَقِيقِهما، ولا مُكاتَبةُ سَيدِهما لهما، لأنَّ الكِتابَةَ نَقْلُ المِلْكِ بعِوَضٍ، فلا تَصِحُّ منهما (1)، كالبَيعِ.
2978 -

مسألة: (وإن كاتَبَ المُمَيِّزُ عبدَه بإذْنِ وَلِيِّه، صَحَّ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ)

بناءً على قولِنا: إنَّه لا يَصِحُّ بَيعُه بإذْنِ وَلِيِّه.
ولأنَّه عَقْدُ إعْتاقٍ، فلم يَصِحَّ منه، كالعِتْقِ بغيرِ مالٍ.
ولا يَصِحُّ بغيرِ إذْنِ وَلِيِّه بحالٍ.1

وَإنْ كَاتَبَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الْمُمَيِّزَ، صَحَّ.

2979 - مسألة: (وإن كاتَبَ السيدُ عبدَه المُمَيَّزَ، صَحَّ)

وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: لا يَصِحُّ [فيهما جميعًا] 1 بحالٍ؛ لأنه ليس بمُكَلَّفٍ، أشْبَهَ المَجْنونَ.
ولَنا، أنَّه يَصِحُّ تَصرُّفُه وبَيعُه بإذْنِ وَلِيِّه، فصَحَّتْ منه الكِتابَةُ بذلك، كالمُكَلَّفِ.
ودليلُ صِحَّةِ تصرُّفِه قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ 2. والابتِلاءُ: الاخْتِبارُ له بتَفْويضِ التصرُّفِ إليه؛ ليُعْلَمَ هل يَقَعُ منه على وَجْهِ المَصْلَحَةِ أو لا، وهل يُغْبَنُ في بَيعِه وشِرائِه أو لا.
وإيجابُ السيدِ لعبدِه المُمَيِّزِ المُكاتَبَةَ إذْنٌ له فِي قَبُولِها.
إذا ثَبَتَ هذا، فإن كان السيدُ المُكاتِبُ طفلًا أو مجنونًا، فلا حُكْمَ لتصرُّفِه ولا قَوْلِه.

..................................  وإن كاتَبَ المُكَلَّفُ عبدَه الطفلَ 1 أو المجنونَ، لم يَثْبُتْ لهذا التَّصَرُّفِ حكمُ المُكاتَبَةِ الصَّحِيحَةِ ولا الفاسِدَةِ؛ لأنَّه لاحُكْمَ لقولِهما، لكن إن قال: إن أدَّيتُما إليَّ فأنْتُما حُرَّان.
فأدَّيا، عَتَقَا بالصِّفَةِ لا بالكِتابَةِ، وما في أيدِيهما لسيدِهما، وإن لم يَقْلُ ذلك لم يُعْتَقَا.
ذَكَرَه أبو بكرٍ.
وقال القاضي: يُعْتَقانِ.
وهو مذهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الكِتابَةَ تَتَضَمَّنُ مَعْنَى الصِّفَةِ، فيَحْصُلُ العِتْقُ ههُنا بالصِّفَةِ المَحْضةِ، كمالو قال: إن أدَّيتَ إليَّ فأنتَ حُرٌّ.
ولَنا، أنَّه ليسَ بصِفَةٍ صريحًا ولا مَعْنًى، وإنَّما هو عَقْدٌ باطلٌ، فأشْبَهَ البَيعَ الباطِلَ.
فصل: إذا كاتَبَ الذِّمِّيُّ عبدَه ثم أسْلَمَا، صَحَّ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ أو عِتْقٌ بِصفَةٍ 2، وكلاهُما يَصِحُّ منه.
فإذا تَرافَعا إلى الحاكمِ بعدَ الكِتابَةِ، نَظَرَ في العَقْدِ؛ فإن كان موافقًا للشَّرْعِ أمْضاه، وإن كانت كِتابَتُه فاسدةً، مثلَ أن يكونَ العِوَضُ خَمْرًا أو خِنْزِيرًا، أو غيرَ ذلك مِن أنْواعِ الفسادِ، ففيه ثلاثُ مَسائِلَ؛ أحدُها، أن يكونَا قد تَقابَضا حال الكُفْرِ،

..................................  فتكونَ الكِتابَةُ ماضِيَةً والعِتقُ حاصلًا؛ لأنَّ ما تَمَّ في حالِ الكُفْرِ لا يَنْقُضُه الحاكِمُ، ويَحْكُمُ بالعِتْقِ، سواءٌ تَرافَعا قبَل الإِسْلامِ أو بعدَه الثانيةُ، تَقَابَضا بعدَ الإِسْلامِ، ثم تَرافَعا إلى الحاكمِ، فإنَّه يَعْتِقُ أيضًا 1؛ لأنَّ هذه كِتابَةٌ فاسِدَةٌ، ويكونُ حكمُها حكمَ الكِتابَةِ الفاسِدَةِ المَعقودةِ في الإسْلامِ، على ما سَنَذْكره، إن شاء اللهُ تعالى.
الثالثةُ، تَرافَعا قبلَ قَبْضِ العِوَضِ الفاسِدِ، أو قَبْضِ بعضِه، فإنَّ الحاكمَ يَرْفَعُ هذه الكِتابَةَ ويُبْطِلُها؛ لأنَّها كتابةٌ فاسِدةٌ لم يَتَّصِلْ 2 بها قَبْضٌ تَنبَرِمُ به.
ولا فَرْقَ بينَ إسْلامِهما أو إسْلامِ أحَدِهما فيما ذَكَرْناه مِن التَّغليبِ بحُكْمِ الإسْلام.
وقال أبو حنيفةَ: إذا كاتَبَه علي خَمْرٍ ثم أسْلَما لم يَفْسُدِ العَقْدُ، ويُؤَدِّي قِيمَةَ الخمرِ؛ لأنَّ الكِتابَةَ كالنِّكاحِ، ولو مَهَرَها خَمْرًا ثم أسْلَما لم يَفْسُدِ العَقْدُ، ويَبْطُلُ الخَمْرُ.
ولَنا، أنَّ هذا عَقْدٌ لو عَقْدٌ المُسْلِمُ كان فاسِدًا، فإذا أسْلَما قبلَ التَّقابُضِ، أو أحَدُهما، حُكِمَ بفَسادِه، كالبَيعِ الفاسِدِ.
ويُفارِقُ النِّكَاحَ، فإنَّه لو عَقَدَه المسلمُ بخَمْرٍ كان صَحِيحًا.
وإن أسْلَمَ مُكاتَبُ الذِّمِّيِّ لم تَنْفَسِخِ الكِتابةُ؛ لأنَّها وقَعَتْ صحيحةً، ولا يُجْبَرُ على إزالَةِ مِلْكِه؛ لأنَّه خارجٌ بالكِتابةِ عن تصَرُّفِ الكافِرِ فيه، فإن 3 عَجَزَ أُجْبِرَ على إزالةِ مِلْكِه عنه حِينَئذٍ.
فإنِ اشتَرَى مسلمًا فكاتَبَه، لم تَصِحَّ الكتابةُ؛

..................................  لأنَّ الشِّراءَ باطِلٌ لم يَثْبُتْ له به مِلْكٌ.
وإن أسْلَمَ عبدُه فكاتَبَه بعدَ إسْلامِه، لم تَصِحَّ كِتابَتُه 1؛ لأنَّ الكِتابَةَ لا تُزِيلُ المِلْكَ.
وقال القاضي: له ذلك.
وقد ذَكَرْناه [في كِتابِ البَيعِ] 2، فإن عَجَزَ عاد رَقِيقًا قِنًّا، وأُجْبِرَ على إزالةِ مِلْكِه عنه.
فصل: وتَصِحُّ كِتابَةُ الحَرْبِيِّ عبدَه في دارِ الحربِ وفي دارِ الإسْلامِ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تَصِحُّ؛ لأنَّ مِلْكَه ناقِصٌ.
وحُكِيَ عن مالكٍ، أَنَّه لا يَمْلِكُ ذلك، بدليلِ أنَّ [المسلم يَمْلِكُه] 3 عليه.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وأَمْوَالهُمْ﴾ 4. وهذه الإضافةُ إليهم تَقْتَضِي صِحَّةَ أمْلاكِهم، فتَقْتَضِي صِحَّةَ تَصَرُّفاتِهم.
إذا ثَبَتَ هذا، فإذا كاتَبَ عبدَه فدَخَلا مُسْتأْمَنَين إلينَا، لم يَتَعَرُّضِ الحاكِمُ لهما.
وإن تَرافَعا إليه نَظَرَ بَينَهما؛ فإن كانت كِتابَتُهما صَحِيحةً ألْزَمَهُما حُكْمَها، وإن كانت فاسِدةً بَيّنَ لهما فسادَها.
وإن جاءا وقد قَهَرَ أحَدُهما صاحِبَه بَطَلَتِ الكِتابَةُ؛ لأنَّ العبدَ إن قَهَرَ سيدَه مَلَكَه، فبَطَلَتْ كِتابَتُه؛ لخُرُوجِه عن مِلْكِ سيدِه 5. وإن قَهَرَه السيدُ على إبْطالِ الكِتابَةِ وَرَدَّه رَقِيقًا، بَطَلَتْ؛ لأنَّ دارَ الكُفْرِ دارُ قَهْرٍ وإباحَةٍ، ولهذا لو قَهَرَ حُرٌّ حُرًّا

..................................  على نَفسِه مَلَكَه.
وإن دَخَلا مِن غَيرِ قَهْرٍ، فقَهَرَ أحَدُهما الآخَرَ في دارِ الإِسْلامِ، لم تَبْطُلِ الكِتابَةُ وكانا على ما كانا عليه قبلَه؛ لأنَّ دارَ الإسْلامِ دارُ حَظْرٍ، لا يُوثِّرُ فيها القَهْرُ إلَّا بالحَقِّ.
وإن دَخَلا مُسْتَأْمَنَين ثم أرادَا الرُّجُوعَ إلى دارِ الحربِ 1، لم يُمْنَعا.
وإن أرادَ السيدُ الرُّجُوعَ وأخْذَ المُكاتَبَ معه، فأبَى المُكاتَبُ الرُّجُوعَ معه، لم يُجْبَرْ، لأنَّه بالكِتابَةِ زال سُلْطانُه، وإنَّما له في ذِمَّتِه حَقٌّ، ومَن له دَينٌ في ذِمَّةِ غيرِه لا يَمْلِكُ إجْبارَه على السَّفَرِ معه لأجْلِه.
ويقالُ للسيدِ: إن أردتَ الإِقَامَةَ في دارِ الإِسْلامِ لتَسْتَوْفيَ 2 مال الكِتابَةِ فاعْقِدِ الذِّمَّةَ وأقِمْ، إن كانت مُدَّتُها طويلةً، وإن أردتَ تَوْكِيلَ مَن يَقْبِضُ لك نُجومَ الكِتابَةِ فافْعَلْ.
فإذا أدَّى نُجومَ الكتابةِ عَتَقَ، وهو مُخَيَّرٌ، إن أحَبَّ المُقامَ في دارِ الإِسْلامِ عَقَد على نَفْسِه الذِّمَّةَ، وإن أحَبَّ الرُّجُوعَ لم يُمْنَعْ.
وإن عَجَزَ وفَسَخَ السيدُ كِتابَتَه عادَ رَقِيقًا، ويُرَدُّ إلى سَيدِه، والأمانُ له 3 باقٍ؛ لأنه مِن مالِ سَيِّدِه، وسَيِّدُه عقدَ الأمانَ لنفسِه ومالِه، فإذا انْتَقَضَ الأمانُ في نَفْسِه بعَوْدِه لم يَنْتَقِضْ في مالِه.
وإن كاتَبَه في دارِ الحَرْبِ فهَرَبَ ودَخَلَ إلينا، بَطَلَتِ الكتابةُ، لأنَّ مِلْكَه زال بقَهْره على نَفْسِه، فأشْبَهَ ما لو قَهَرَه على غيره مِن مالِه.
وسَواءٌ جاءَنا مُسْلِمًا أو غيرَ مُسلمٍ.
وإن جاء بإذنِ سيدِه فالكِتابَةُ بحالِها، لأنَّه لم يَقهَرْ

..................................  سيدَه، فإذا دَخَلَ إلينَا بأمانٍ بإذْنِ سيدِه ثم سَبَى المسلمونَ سيدَه وقُتِلَ، انْتَقَلَتِ الكِتابَةُ إلى وَرَثَتِه، كما لو ماتَ حَتْفَ أنْفِه، وإن مَنَّ عليه الإِمامُ أو فاداه أو هَرَبَ، فالكِتابَةُ بحالِها.
وإنِ اسْتَرَقَّه الامامُ، فالمُكاتَبُ مَوْقُوفٌ، [إن عَتَقَ السيدُ فالكِتابَةُ بحالِها، وإن مات أو قُتِلَ فالمُكاتَبُ للمسلمين، مُبقًى على ما بَقِيَ مِن كِتابَتِه، يَعْتِقُ] 1 بالأداءِ إليهم، ووَلاؤُه لهم، وإن عَجَزَ فهو رَقِيقٌ لهم.
فإن أرادَ المُكاتَبُ الأداءَ قبلَ عِتْقِ سيدِه وموتِه، أدَّى إلى الحاكمِ أو إلى أمِينِه، وكان المالُ المَقْبُوضُ مَوْقُوفًا، على ما ذَكَرْناه، ويَعْتِقُ المُكاتَبُ بالأداءِ، وسيدُه رَقِيقٌ، لا يَثْبُت له وَلاءٌ.
قال أبو بكرٍ: يكونُ الولاءُ للمسلمين.
وقال القاضي: يكونُ مَوْقُوفًا، فإن عَتَقَ سيدُه فهو له، وإن مات رَقيقًا فهو للمسلمينَ، وإن كان اسْتِرْقاقُ سيدِه بعدَ عِتْقِ المُكاتَبِ وثُبُوتِ الوَلاءِ عليه، فقالِ القاضي: يكونُ وَلاؤُه مَوْقُوفًا، فإن عَتَقَ السيدُ كان الوَلاءُ له، وإن قُتِلَ أو مات على رِقِّه بَطَلَ الوَلاءُ؛ لأنَّه رقِيقٌ لا يُورَثُ، فبَطَل الوَلاءُ؛ لعَدَمِ مُسْتَحِقِّه.
ويَنْبَغِي أن يكونَ للمسلمينَ؛ لأنَّ مال مَن لا وارِثَ له للمسلمين، فكذلك الوَلاءُ.
والله أعلمُ.
فصل: وإن كاتَبَ المُرْتَدُّ عبدَه، فعلى قولِ أبي بكرٍ، الكتابةُ باطلةٌ؛ لأنَّ مِلْكَه زال برِدَّتِه.
وعلى ظاهِرِ المذهبِ، كتابَتُه مَوْقُوفَةٌ؛ إن أسْلَمَ 2

وَلَا تَصِحُّ إلا بِالْقَوْلِ.
وَتَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ: كَاتَبْتُكَ عَلَى كَذَا.
تَبَيَّنّا أنَّها كانت صحيحةً، وإن مات على رِدَّتِه أو قُتِلَ بَطَلَتْ.
وإن أدَّى في رِدَّتِه لم يُحْكَمْ بعِتْقِه ويكونُ مَوْقُوفًا، فإن أسْلَم سَيِّدُه تَبَيَّنّا صِحَّةَ الدَّفْعِ إليه وعِتْقِه، وإن مات على رِدّتِه أو قُتِلَ فهو باطِلٌ والعبدُ رقيقٌ.
وإنَّ كاتَبَه وهو مسلمٌ ثم (1) ارْتَدِّ وحُجِرَ عليه، لم يَكُنْ للعبدِ الدَّفْعُ إليه، ويُؤَدِّي إلى الحاكِمِ، ويَعْتِقُ بالأداءِ.
وإن دَفَعَ إلى المُرْتَدِّ، كان مَوْقوفًا، كما ذَكَرْنا.
وإن كاتَبَ المسلمُ عبدَه المُرْتَدَّ صَحَّتْ كِتابَتُه؛ لأنَّه يَصِحُّ بَيعُه، فإن أدَّى عَتَقَ، وإن أسْلَمَ فهو على كِتابَتِه.
فصل: وكتابةُ المريضِ صَحِيحةٌ، قإن كانَ مَرَضُ الموتِ الْمَخُوفُ اعْتُبِرَ مِن الثُّلثِ؛ لأنَّه بَيعُ مالِه بمالِه، فجَرَى مجْرَى الهِبَةِ.
ولذلك ثَبَتَ الوَلاءُ على المُكاتَبِ؛ لكَوْنِه مُعْتَقًا.
فإن خَرَجَ مِن الثُّلُثِ كانت الكتابةُ لازِمةً، وإن لم يَخْرُجْ مِن الثُّلثِ، لَزِمَتْ في قَدْرِ الثُّلُثِ، وباقِيه موقوفٌ على إجازَةِ الوارثِ (2)، تَصِحُّ بإجازَتِه وتَبْطُلُ برَدِّه.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو الخَطَّابِ، في «رُءُوسِ المسائِلِ»: تجوزُ الكِتابَةُ مِن رَأسِ المال؛ لأنَّه عَقْدُ معاوَضَةٍ، أشْبَهَ البَيعَ.
والأوَّلُ أوْلَى.

2980 -

مسألة: (ولا تَصِحُّ إلا بالقولِ. وتَنْعَقِدُ بقولِه: كَاتَبْتُكَ

12

وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: فَإِذَا أَدَّيتَ إِلَيَّ فَأَنْتَ حُرٌّ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يُشْتَرَطَ قَوْلُهُ أَوْ نِيَّتُهُ.
على كذا) لأنَّه لَفْظُها الموْضُوعُ لها، فانْعَقَدَتْ بمجرَّدِه، كَلَفْظِ النِّكاحِ فيه.

2981 -

مسألة: ولا يَفْتَقِرُ إلى قولِه: (وإن أَدَّيتَ إليَّ فأنْتَ حُرٌّ)

بل متى أدَّى عَتَقَ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: لا يَعْتِقُ حتَّى يَقُولَ ذلك، أو يَنْويَ بالكِتابةِ الحُرِّيَّةَ.
ويَحْتَمِلُ مثلُ ذلك عندَنا، لأنَّ لَفْظَ الكِتابَةِ يَحْتَمِلُ المُخارَجَةَ، ويَحْتَمِلُ العِتْقَ بالأداءِ، فلا بُدَّ مِن تَمْيِيزِ أحَدِهما عن الآخَرِ، ككِتاباتِ العِتْقِ.
ولَنا، أنَّ الحُرِّيةَ مُوجَبُ عَقْدِ

وَلَا تَصِحُّ إلا عَلَى عِوَضٍ مَعْلُومٍ، مُنَجَّمٍ، نَجْمَينِ فَصَاعِدًا،  الكِتابَة، فثَبَتَتْ عندَ تَمامِه، كسائِرِ أحْكامِه.
ولأنَّ الكِتابَةَ عَقْدٌ وُضِعَ للعِتْقِ، فلم يَحْتَجْ إلى لَفْظِ العِتْقِ ولا نِيَّتِه، كالتَّدْبِيرِ.
وما ذَكَرُوه من اسْتِعمالِ الكتابةِ في المُخارَجةِ، إن ثَبَتَ فليس بمَشْهُورٍ، فلم يَمْنَعْ وُقوعَ الحُرِّية به، كسائِرِ الألْفاظِ الصَّريحةِ، على أنَّ اللَّفْظَ المُحْتَمِلَ يَنْصَرِف بالقرائِنِ إلى أحَدِ مُحْتَمِلَيه، كلَفْظِ التَّدْبِيرِ؛ فإنَّه يَحْتَمِلُ التَّدْبيِرَ في مَعاشِه، وغيرِه، وهو صَرِيحٌ في الحُرِّيةِ، كذلك هذا.

2982 -

مسألة: (ولا تَصِحُّ إلَّا على عِوَضٍ مَعْلُوم مُنجَّمٍ، نَجْمَين فصاعدًا)

لا تَصِحُّ إلَّا على عِوَضٍ مَعْلُومٍ؛ لأنَّها عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، أشْبَهَتِ البَيعَ.
ولا تَجُوزُ إلَّا مُنَجَّمَةً مُؤَجَّلَةً.
هذا ظاهِرُ المذهبِ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: تجوزُ حالَّةً؛ لأنَّه عَقْدٌ على عَينٍ، فإذا كان عِوَضُه في الذِّمَّةِ، جازَ أن يكونَ حالَّا، كالبَيعِ.
ولَنا، أنَّه قد رُوِيَ عن جماعةٍ مِن الصَّحابةِ أنَّهم عَقَدُوا الكتابةَ، ولم يُنْقَلْ عن واحدٍ منهم عَقْدُها حالَّةً، ولو جازَ ذلك لم يَتَّفقُوا على تَرْكِه.
ولأنَّ الكِتابَةَ عَقْدُ معاوضَةٍ يَعْجِزُ عن أداءِ عِوَضِها في الحالِ، فكان مِن شَرْطِها التَّأْجيلُ،

..................................  كالسَّلَمِ على أبي حنيفةَ.
ولأنَّها عَقْدُ مُعاوَضَةٍ يَلْحَقُه الفَسْخُ، مِن شَرْطِه ذِكْرُ العِوَضِ، فإذا وَقَعَ على وَجْهٍ يَتَحَقَّقُ فيه العَجْزُ عن العِوَضِ لم يَصِحَّ، كما لو أسْلَمَ في شيءٍ لا يُوجَدُ عندَ مَحِلِّه.
ويُفارِقُ البَيعَ؛ لأنَّه لا يَتحَقَّقُ فيه العَجْزُ عن العِوَضِ؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ يَمْلِكُ المَبيعَ، والعَبْدَ لا يَملِكُ شيئًا، وما في يَدِه لسيدِه.
وفي التَنْجِيمِ، إذا كان أكثَرَ مِن نَجْمٍ، حِكْمَتانِ 1؛ إحداهُما تَرْجِعُ إلى المُكاتَبِ، وهو التَّخْفِيفُ عليه؛ لأنَّ الأداءَ مُفَرَّقًا أسْهَلُ، ولهذا تُقَسَّطُ الدُّيُونُ على المُعْسِرينَ عادةً، تخْفيفًا عليهِم.
والأخْرَى للسيدِ، وهي أنَّ مُدَّةَ الكِتابةِ تَطُولُ غَالِبًا، فلو كانت على نجْمٍ واحدٍ لم يَظْهَرْ عَجْزُه إلَّا في آخِرِ المُدَّةِ، فإذا عَجَزَ عادَ إلى الرِّقِّ، وفاتَتْ مَنافِعُه في مُدَّةِ الكتابةِ كلِّها على السيدِ 2، مِن غيرِ نَفْعٍ حَصَلَ له.
وإذا كانت مُنَجَّمةً نُجُومًا، فعَجَزَ عن النَّجْمِ الأوَّلِ فمُدَّتُه يَسِيرَةٌ، وإن عَجَزَ عمَّا بعدَه فقدَ حَصَلَ للسيدِ نَفْعٌ بما أخَذَ مِن النُّجومِ قبلَ عَجْزِه.
إذا ثَبَتَ ذلك، فأقَلُّه نَجْمان فصاعدًا.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
ونُقِلَ عن أحمدَ، أنَّه قال: مِن النَّاس من يقولُ: نَجْمٌ واحدٌ.
ومنهم مَن يقولُ: نجْمانِ.
ونَجْمانِ أحَبُّ إليَّ 3. وهذا يَحْتَمِلُ أن يكونَ معناه أنِّي أذهَبُ

..................................  إلى أنَّه لا يجوزُ إلَّا نَجْمانِ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ المُسْتَحَبُّ نَجْمَين، ويجوزُ نَجْمٌ واحدٌ.
قال ابنُ أبي موسى: هذا على طريقِ الاخْتِيارِ، وإن جَعَلَ المال كُلَّه في نَجْمٍ واحدٍ جازَ؛ لأنَّه عَقْدٌ يُشْتَرَطُ فيه التَّأْجيلُ، فجازَ أن يكونَ إلى أجلٍ واحدٍ، كالسَّلَمِ، ولأنَّ اعْتِبارَ التَّأْجِيلِ ليتَمَكَّنَ مِن تَسْلِيم العِوَضِ، وهذا يَحْصُلُ بنَجْمٍ واحدٍ.
ووَجْهُ الأولِ، ما رُوِيَ عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه قال: الكِتابةُ على نجْمَين، والإِيتَاءُ مِن الثَّانِي 1. وهذا يَقْتَضِي أنَّ هذا أقَلُّ ما تجوزُ عليه الكتابةُ؛ لأنَّ أكْثَرَ مِن نجْمَين جائزٌ بالإِجْماعِ.
ورُوِيَ عن عثمانَ أنَّه غَضِبَ على عبدٍ له، فقال: لأُعاقِبَنَّكَ، ولأُكاتبَنَّكَ على نجْمَين.
ولو جازَ أقَلُّ مِن هذه لعاقَبَه به في الظاهِرِ.
وفي حديثِ بَريرَةَ، أنَّها أتَتْ عائشةَ، فقالت: يا أُمَّ المؤمنين، إني كاتَبْتُ أهْلِي على تِسْعِ أواقٍ، في كلِّ عامٍ أُوقِيَّةٌ، فأعِينِيني 2. ولأنَّ الكِتابةَ مُشْتَقّةٌ مِن الضَّمِّ، وهو ضَمُّ نَجْمٍ إلى نجْمٍ، فدَلَّ ذلك على افْتِقارِها إلى نَجْمَين.
والأوَّلُ أقْيَسُ.

يَعْلَمُ قَدْرَ مَا يُؤَدِّي في كُلِّ نَجْمٍ.
وَقِيلَ: تَصِحُّ عَلَى نَجْمٍ وَاحِدٍ.
وَقَال الْقَاضِي: تَصِحُّ عَلَى عَبْدٍ مُطْلَقٍ، وَلَهُ الْوَسَطُ.

2983 - مسألة: ويُشْتَرَطُ عِلْمُ ما يُؤَدَّى إليه، في كُلِّ نَجْمٍ، كالثَّمَنِ في البَيعِ، ولِئلَّا يُفْضِيَ إلى التَّنازعِ

1 والاخْتِلافِ.
ولا يُشْتَرَطُ تَساوي النُّجُوم، فإذا قال: كاتبْتُك على ألْفٍ إلى عَشْرِ سِنينَ، تُؤَدِّي عندَ انْقِضاءِ كُلِّ سَنَةٍ مائةً.
أو قال: تُؤَدِّي منها مائةً عندَ انْقِضاءِ خَمْسِ سِنِينَ، وباقِيَها عندَ تَفامِ العَشَرَةِ.
أو قال: تُؤَدِّي في آخِرِ العامِ الأوَّلِ مائةً، وتِسْعَمائةٍ عندَ انْقِضاءِ السَّنةِ العاشرةِ.
فكلًّ ذلك جائِزٌ.
فإن قال: تُؤَدِّي في كُلِّ عام مائةً.
جازَ، ويكونُ أجَلُ كُلِّ مائةٍ عندَ 2 انْقِضاء السَّنةِ 3. وظاهِرُ قولِ القاضي، وأصحابِ الشافعيِّ، أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لم 4 يُبَيِّنْ وقْتَ الأداءِ مِن العامِ.
ولَنا، قولُ بَرِيرَةَ: كاتَبْتُ

..................................  أهْلِي على تِسْعِ أوَاقٍ، في كلِّ عام أُوقِيَّة.
ولأنَّ الأجَلَ إذا عُلِّقَ بمُدَّةٍ، تَعَلَّقَ بأَحَدِ طَرَفَيها.
فإن كان بحَرفِ «إلى» تَعَلَّقَ بأوَّلِها، كقولِه: إلى شَهْرِ رَمضانَ.
وإن كان بحَرفِ «في»، كان إلى آخرِها؛ لأنَّه جعَل جميعَها وقْتًا لأدائِها، فإذا أدَّى في آخرِها كان مُؤَدِّيًا لها في وَقْتِها، فلم يَتَعَيّنْ عليه الأداءُ قبلَه، كتأْدِيةِ الصلاةِ في آخِرِ وَقْتِها.
وإن قال: تُؤَدِّيها في عَشْرِ سِنينِ.
أو: إلى عَشْرِ سِنينَ.
لم يَجُز؛ لأنَّه نَجْمٌ واحدٌ.
ومَن أجازَ الكِتابَةَ على نجْمٍ واحدٍ أجازَة.
وإن قال: تؤدِّي بَعْضَها في نِصْفِ المُدَّةِ، وباقِيَهَا في آخِرِها.
لم يَجُزْ؛ لأنَّ البَعْضَ يَقَعُ على القَلِيلِ والكَثيرِ، فيكونُ مَجْهُولًا.
فصل: وتجوزُ الكِتابةُ على كلِّ 1 مالٍ يجوزُ السَّلَمُ فيه؛ لأنَّه مالٌ يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ مُؤَجَّلًا في مُعاوَضَةٍ، فجاز ذلك فيه، كعَقْدِ السَّلَمِ.
فإن كان مِن الأثْمانِ، وكان في البَلَدِ نَقْدٌ واحدٌ، جازَ إطْلاقُه؛ لأنَّه يَنْصَرِفُ إليه، فأشْبَهَ البَيعَ.
وإن كان فيه نُقُودٌ بَعْضُها أغْلَبُ في الاسْتِعمالِ، جاز الإِطْلاقُ أيضًا، وانْصَرَفَ إليه عندَ الإِطْلاقِ، كما لو انْفَرَدَ.
وإن كانت مُخْتَلفةً

جارٍ التحميل