..................................
فصل: فإن خَرَج في جِهادِ تَطَوُّعٍ بإذْنِهما، فمَنَعاه منه بعدَ سَيْرِه وقبلَ تَعَيُّنه عليه، فعليه الرجُوعُ؛ لأنَّه معنًى لو وُجِدَ في الابتدَاءِ مَنَع، فمَنَعَ إذا وُجِدَ في أثْنائِه، كسائِرِ المَوانِعِ، إلَّا أن يَخافَ على نفْسِه في الرُّجُوعِ، أو يَحْدُثَ له عُذْرٌ مِن مَرَضٍ أو نحوِه، فإن أمْكَنَه الإِقامَةُ في الطرِيقِ، وإلَّا مَضَى مع الجَيْشِ وإذا حَضَر الصَّفَّ تَعَيَّنَ عليه؛ لحُضُورِه، وسَقَط إذْنُهما.
وإن كان رُجُوعُهما عن الإِذْنِ بعدَ تَعَيُّن الجِهادِ عليه، لم يُؤَثِّرْ شيئًا.
وإن كانا كافِرَيْن، فأسْلَما ومَنَعَاه، كان كمَنْعِهما بعدَ إذْنِهما، سواءٌ.
وحُكْمُ الغَرِيمِ يأذَنُ في الجِهادِ ثم يَمْنَعُ منه، حُكْمُ الوالدِ على ما فَصَّلْناه.
فأمَّا إن حَدَث للإِنْسانِ في نفْسِه مَرَضٌ أو عَمًى أو عَرَجٌ، فله الانْصِرافُ، سواءٌ الْتَقَى الصَّفَّانِ أوْ لا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه القِتالُ، فلا فائِدَةَ في مُقامِه.
فصل: فإن أذِنَ له والداه في الجِهادِ، وشَرَطا عليه أن لا يُقاتِلَ، فحَضَرَ القِتالَ، تَعَيَّنَ عليه، وسَقَط شَرْطُهما.
كذلك قال الأوْزَاعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّه صارَ واجِبًا عليه، فلم يَبْقَ لهما في تَرْكِه طاعةٌ.
ولو خَرَج بغيرِ إذْنِهما، فحَضَرَ القِتالَ، ثم بَدا له الرجُوعُ، لم يَجُزْ له ذلك 1.
وَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ الْفِرَارُ مِنْ ضِعْفِهِمْ، إِلَّا مُتَحَرِّفِينَ لِقِتَالٍ، أوْ مْتَحَيِّزِينَ إِلَى فِئَةٍ، وَإنْ زَادَ الكُفَّارُ، فَلَهُمُ الْفِرَارُ، إِلَّا أنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِمُ الظَّفَرُ.
1393 - مسألة: (ولا يَجُوزُ للمسلمين الفِرارُ مِن ضِعْفِهم، إلَّا مُتَحَرِّفِين لقِتالٍ، أو مُتَحَيِّزِين إلى فِئَةٍ، فإن زاد الكُفَّارُ، فلهم الفِرارُ، إلَّا أن يَغْلِبَ على ظَنِّهِم الظَّفَرُ)
وجملةُ ذلك أنَّه إذا الْتَقَى المسلمون والكُفَّارُ، وَجَب الثَّباتُ، وحَرُمَ الفِرارُ؛ لقولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ 1. وقولِه سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ 2 الآية.
وقد عَدَّ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الفِرارَ يومَ 3 الزَّحْفِ مِن الكبائِرِ 4. وحُكِىَ عن الحَسَنِ، والضَّحاكِ، أنَّ هذا كان يومَ بَدْرٍ خاصَّةً، ولا يَجِبُ في غيرِها.
ولَنا، أنَّ الأمْرَ مُطْلَق،
..................................
والخبرُ عامٌّ، فلا يجوزُ التَقْيِيدُ والتَّخْصِيصُ إلَّا بدليلٍ.
وإنَّما يَجِبُ الثَّباتُ، بشَرْطَيْن، أحدُهما، أن لا يزيدَ الكُفَّارُ على ضِعْفِ المُسْلِمِين، فإنْ زادُوا، جازَ الفِرارُ، لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ 1. وهذا وإن كان لفظُه لَفْظَ الخبرِ، فهو أمْرٌ، بدَلِيلِ قولِه: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾.
ولو كان خَبرًا على حَقِيقَتِه، لم يكُنْ رَدُّنا مِن غَلَبَةِ الواحِدِ للعشرةِ إلى غَلَبَةِ الاثْنَيْن تَخْفِيفًا، ولأنَّ خَبَرَ اللَّهِ تعالى صِدْقٌ لا يَقعُ بخِلافِ مُخْبِرِه، وقد عُلِمَ أنَّ الظَّفَرَ والغَلَبَةَ لا يَحْصُلُ للمُسْلِمِين في كل مَوْطِن يَكُونُ العَدُوُّ فيه ضِعْفَ المسلمين فما دُونَ، فعُلِمَ أنَّه أمْرٌ وفَرْضٌ، ولم يَأْتِ شئٌ يَنْسَخُ هذه الآيةَ في كتابٍ ولا سُنَّةٍ، فوَجَبَ الحُكْمُ بها.
قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما: نَزَلَتْ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾.
فشَقَّ ذلك على المسلمين حينَ فُرِضَ عليهم أن لا يَفِرَّ واحدٌ مِن عشرةٍ، ثم جاء تَخْفِيفٌ، فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾.
إلى قولِه: ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ فلمَّا خَفَّف اللَّهُ عنهم مِن العَدَدِ، نقَصَ مِن
..................................
الصَّبْرِ بقَدْرِ ما خَفَّفَ مِن العَدَدِ.
رَواه أبو داودَ 1. وقال ابنُ عباسٍ: مَن فَرَّ مِن اثْنَيْنِ فقد فَرَّ، ومَن فَرَّ مِن ثَلاثةٍ فما فَرَّ.
الثانى، أنْ لا يَقْصِدَ بفِرارِه التَّحَيُّزَ إلى فِئَةٍ، ولا التَّحَرُّفَ لقتالٍ، فإن قَصَد أحَدَ هذَيْن، أُبِيحَ له؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ 2. ومَعْنَى التَّحَرُّفِ للقِتالِ: أن ينْحازَ إلى مَوْضِعٍ يكونُ القِتالُ فيه أمْكَنَ، مثل أن ينْحازَ مِن مُواجَهَةِ الشَّمْسِ أو الرِّيحِ إلى اسْتِدْبارِهما، أو مِن نُزولٍ إلى عُلُو، أو مِنِ مَعْطَشَةٍ إلى مَوْضِعِ ماء، أو يَفِرَّ بينَ أيْدِيهم لتَنْتَقِضَ صُفُوفُهم، أو تَنْفرِدَ خَيْلُهم مِن رجّالَتِهم، أو لِيَجِدَ فيهم فُرْصَةً، أو ليَسْتَنِدَ إلى جَبَلٍ، ونحوِ ذلك ممّا جَرَتْ به عادَةُ أهْلِ الحرْبِ.
وقد رُوِى عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه كان يومًا في خُطبتِهِ إذ قال: يا سارِيَةُ بن زُنَيْمٍ،
..................................
الجَبَلَ، ظَلَمَ الذِّئْبَ مَن اسْتَرْعاه الغَنَمَ.
فأنْكَرَها النّاسُ، فقال علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: دَعُوه.
فلمّا نَزَل سألوه عمّا قال لهم، فلم يَعْتَرِفْ به، وكان بَعَث سارِيَةَ إلى ناحِيَةِ العِراقِ لغَزْوِهم، فلمّا قَدِمَ ذلك الجيشُ أخْبَرُوا أنَّهم لَقُوا عَدُوَّهم يومَ الجُمُعَةِ، وظَهَرَ 1 عليهم، فسَمِعُوا صوتَ عُمَرَ، فتَحَيَّزُوا إلى الجبلِ، فنَجَوْا مِن عَدُوِّهم وانْتَصَرُوا عليهم 2. وأمَّا التَّحَيُّزُ إلى فِئَةٍ: فهو أن يَصِيرَ إلى فِئَةٍ مِن المسلمين؛ ليكُونَ معهم، فيَقْوَى بهم على عَدُوِّه.
وسواءٌ بَعُدَتِ المسافَةُ أو قَرُبَتْ.
قال القاضى: لو كانتِ الفِئَة بخُراسانَ، والفِئَةُ بالحِجَازِ، جازَ التَّحَيُّزُ إليها.
ونحوَه ذكَرَ أصحابُ الشافعىِّ؛ لأنَّ ابنَ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، روَى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:
..................................
«إنى فِئَةٌ لَكُمْ».
وكانُوا بمكانٍ بعيدٍ عنه.
وقال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: أنا فِئَةُ كلِّ مُسْلمٍ.
وكان بالمدينةِ وجُيوشُه بمصرَ والشامِ والعِراقِ وخُراسان.
رَواهما سعيدٌ 1. وقال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: رَحِمَ اللَّهُ أبا عُبَيْدَةَ، لو كان تَحَيَّزَ إلىَّ، لكُنْتُ له فِئَةً 2. وإذا خَشِىَ الأسْرَ، فالأوْلَى أن يُقاتِلَ حتى يُقْتَلَ، ولا يُسَلِّمَ نَفْسَه للأسْرِ؛ لأنَّه يَفُوزُ بالثَّوابِ والدَّرجَةِ الرَّفِيعَةِ، ويَسْلَمُ مِن تَحَكمِ الكُفَّارِ عليه بالتَّعْذِيبِ والاسْتِخْدامِ والفِتْنَةِ.
فإنِ اسْتأْسرَ جازَ؛ لما روَى أبو هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَعَث عَشَرَةً عَيْنًا، وأمَّرَ عليهم عاصمَ بنَ ثابِتٍ، فنَفَرَتْ إليهم هُذَيْلٌ بقريبٍ مِن مائَةِ رَجُلٍ رامٍ، فلمّا أحَسَّ بهم عاصِمٌ وأصحابُه، لَجَئُوا إلى فَدْفَدٍ 3، فقالوا لهم: انْزِلُوا فأعْطُونا أيْدِيَكم، ولكم العَهْدُ والمِيثاقُ أنْ
..................................
لا نَقْتُلَ منكم أحدًا.
فقال عاصمٌ: أمَّا أنَا فلا أنْزِلُ في ذِمَّةِ مُشْرِكٍ.
فرَمَوْهُم بالنَّبْلِ، فَقَتَلُوا عاصِمًا مع سبعةٍ معه، ونزَل إليهم ثَلاثةٌ على العَهْدِ والمِيثاقِ، منهم خُبَيْبٌ، وزيدُ بنُ الدَّثِنَةِ، فلمّا اسْتَمْكَنُوا منهم أطْلَقُوا أوْتارَ قِسِيِّهم، فرَبَطُوهم بها.
مُتَّفَقٌ عليه 1. فعاصِمٌ أخَذَ بالعَزِيمَةِ، وخُبَيْبٌ وزيدٌ أخَذَا بالرُّخْصَةِ، وكلُّهم مَحْمودٌ غيرُ مَذْمُومٍ ولا مَلُومٍ.
فصل: فإنْ كان العَدُوُّ أكثرَ مِن ضِعْفِ المُسْلِمِين، فغَلَب على ظَنِّ المسلمين الظَّفَرُ، فالأوْلَى لهم الثَّباتُ؛ لِما في ذلك من المَصْلَحَةِ، ويجوزُ لهم الانْصرافُ؛ لأنَّهم لا يَأْمَنُون العَطَبَ, والحُكْمُ عُلِّقَ على مَظِنَّتِه، وهو كَوْنُهم أقَلَّ مِن نِصْفِ عَدُوِّهم، ولذلك لَزِمَهم الثَّباتُ إذا كانُوا أكثرَ مِن النِّصْفِ، وإن كان غَلَب على ظَنِّهم الهَلاكُ فيه.
ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَهم الثَّباتُ إذا غَلَب على ظَنِّهِم الظَّفَرُ؛ لِما فيه مِن المَصْلَحَةِ.
فإن غَلَب على ظَنِّهم الهَلاكُ في الإِقامَةِ، والسَّلامَةُ في الانْصِرافِ، فالأوْلَى لهم الانْصِرافُ،
..................................
وإن ثَبَتُوا جازَ؛ لأنَّ لهم غَرَضًا في الشَّهادةِ، مع جَوازِ الغَلَبَةِ أيضًا.
وإن غَلَب على ظَنِّهم الهَلاكُ في الإِقامَةِ والانْصِرافِ، فالأوْلَى لهم الثَّباتُ؛ ليَنالُوا دَرَجَةَ الشُّهَداء المُقْبلِين على القِتال مُحْتَسِبين، فيكونوا أفْضَلَ مِن المُوَلِّين، ولأنَّه يجوزُ أن يَغْلِبُوا أيضًا، فقد قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ 1 الآية.
ولذلك صَبَر عاصمٌ وأصحابُه، فقاتَلُوا حتى أكرَمَهُم اللَّه بالشَّهادَةِ.
فصل: فإن جاءَ العَدُوُّ بَلَدًا، فلأهْلِه التَّحَصُّنُ منهم، وإن كانُوا أكْثَرَ مِن نِصْفِهم؛ ليَلْحَقَهم مَدَدٌ أو قُوَّةٌ، ولا يكُونُ ذلك تَوَلِّيًا ولا فِرارًا، إنَّما التَّوَلِّى بعدَ اللِّقاءِ.
فإن لَقُوهم خارِجَ الحِصْنِ، فلهُم التَّحَيُّزُ إلى الحِصْنِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ التَّحَرُّفِ للقِتالِ، أو التَّحَيُّزِ إلى فِئَةٍ.
وإن غَزَوْا فذَهَبَتْ دَوابُّهم، فليس ذلك عُذْرًا في الْفِرارِ؛ لأنَّ القِتالَ مُمْكِنٌ للرَّجّالَةِ.
وإن تَحَيَّزُوا إلى جَبَلٍ ليُقاتِلُوا فيه رَجَّالَةً، فلا بَأْسَ؛ لأنَّه تَحَرُّفٌ للقِتالِ.
وإن ذَهَب سِلاحُهم، فتَحَيَّزُوا إلى مكانٍ يُمْكِنُهم القِتالُ فيه بالحجارَةِ،
وإنْ أُلقِىَ فِى مَرْكَبِهِمْ نَارٌ، فَعَلُوا مَا يَرَوْنَ السَّلَامَةَ فِيهِ، فَإنْ شَكُّوا، فَعَلُوا مَا شَاءُوا مِنَ الْمُقَامِ أوْ إلْقَاءِ نُفُوسِهِمْ فِى المَاءِ.
والتَّستُّرُ بالشَّجَرِ ونحوهِ، أو لهم في التَّحَيُّزِ إليه فائِدَةٌ، جازَ.
فصل
: وإنْ فَرُّوا قبلَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ، فلا شئَ لهم إذا أحْرَزَها غيرُهم؛ لأنَّ مِلْكَها لمَن أحْرَزَها.
وإنِ ادَّعَوْا أنَّهم فَرُّوا مُتَحَيزِين إلى فِئَةٍ، أو مُتَحَرِّفين للقتالِ، فلا شئَ لهم أيضًا؛ لذلك.
وإن فَرُّوا بعدَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ، لم يسْقُطْ سهْمُهم منها؛ لأنَّهم مَلكُوا الغَنِيمَةَ بحِيازَتِها، فلم يَزُلْ مِلْكُهم عنها بفِرارِهم.
1394 -
مسألة: (فإن أُلقِىَ فِى مَرْكَبِهم نَارٌ)
فاشْتَعَلَتْ فيه، فالذى يَغْلِبُ على ظَنِّهم السَّلامَةُ فيه (مِن المُقامِ، أو إلْقاءِ أنْفُسِهِم في الماءِ)
وَعَنْهُ، يَلْزَمُهُمُ الْمُقَامُ.
فَصْلٌ: وَيَجُوزُ تَبْيِيتُ الْكُفَّارِ، وَرَمْيُهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ، وَقَطْعُ الْمِيَاهِ عَنْهُمْ، وَهَدْمُ حُصُونِهِمْ.
فَالأَوْلَى لَهم فِعْلُه.
وإنِ اسْتَوَى عندَهم الأمْران، فقال أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ: كيف شاءَ صَنَع.
قال الأوْزاعِىُّ: هما مَوْتَتان، فاخْتَرْ أيْسَرَهما.
(وعنه، يَلْزَمُهم المُقامُ) ذَكَرَها أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّهم إذا رَمَوْا أنْفُسَهم بالماءِ، كان مَوْتُهم بفِعْلِهم، وإذا أقامُوا فموْتُهُم بفِعْلِ غيرِهم.
فصل
: قال، رَضِىَ اللَّهُ عنه: (ويجوزُ تَبْيِيتُ الكُفَّارِ، ورَمْيُهم بالمَنْجَنِيقِ، وقَطْعُ المياهِ عنهم، وهَدْمُ حُصُونِهم) معنى تَبْيِيتِ الكُفَّارِ: كَبْسُهم ليلًا، وقَتْلُهم وهم غَارُّون.
قال أحمدُ: لا بَأْسَ بالبَياتِ، وهل غَزْوُ الرُّومِ إلَّا بِالبَياتِ؟ قال: ولا نَعْلَمُ أحَدًا كَرِهَ بَياتَ العَدُوِّ؛ وذلك لِما روَى الصَّعْبُ بنُ جَثّامَةَ اللَّيْثىُّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُسْأَلُ عن الدِّيارِ مِن دِيارِ المُشْرِكِين، يُبَيَّتون فيُصِيبُونَ مِن نِسائِهم
..................................
وذَرارِيِّهم؟ فقال: «هُمْ مِنْهُمْ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وقد قال سَلَمَةُ بنُ الأكْوَعِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: أمَّرَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أبا بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فَغَزَوْنا ناسًا مِن المُشْرِكين، فبَيَّتْناهم.
رَواه أبو داودَ 2. فإن قِيلَ: فقد نَهَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن قَتْلِ النِّساءِ والذُّرِّيَّةِ.
قُلْنا: هذا مَحْمُولٌ على التَّعَمُّدِ لقَتْلِهم.
قال أحمدُ: أمَّا أن يتَعَمَّدَ قَتْلَهم، فلا.
قال: وحديثُ الصَّعْبِ بعدَ نَهْيِه عن قَتْلِ النِّساء؛ لأنَّ نَهْيَه عن قَتْلِ النِّساءِ حينَ بَعَث إلى ابنِ أبى الحُقَيْقِ.
وعلى أنَّ الجَمْعَ بينَهما مُمْكِنٌ 3، يُحْمَلُ النَّهْىُ على التَّعَمُّدِ، والإِباحَةُ على ما عَداهُ.
ويجوزُ رَمْيهُم بالمَنْجَنِيقِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نصَبَ المَنْجَنِيقَ على أهْلِ الطَّائِفِ 4. وظاهِرُ كلامِه ههُنا أنَّه يجوزُ مع الحاجةِ وعَدَمِها؛ للحديثِ.
وممَّن رأى ذلك الثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقد رُوِى عن عمرِو بنِ العاصِ، أنَّه نَصَب المَنجَنِيقَ على الإِسْكَنْدَرِيَّةِ 5. ولأنَّ القِتالَ به مُعْتادٌ، أشْبَهَ الرَّمْىَ
وَلَا يَجُوزُ إِحْرَاقُ نَحْلٍ، وَلَا تَغْرِيقُهُ،
بالسِّهامِ.
ويجوزُ رَمْيُهم بالنّارِ، وهَدْمُ حُصُونِهم، وقَطْعُ المياهِ عنهم، وإن تَضَمَّنَ ذلك إتْلافَ النّساءِ والصِّبْيانِ؛ لحديثِ الصَّعْبِ بنِ جَثّامَةَ في البَياتِ، وهذا في مَعْناه؛ ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَصَب المَنْجَنِيقَ، وهو يَهْدِمُ الحُصُونَ عادَةً.
1395 -
مسألة: (ولَا يَجُوزُ إحْرَاقُ نَحْلٍ، ولَا تَغْرِيقُه)
هذا قولُ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم الأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ.
وقِيلَ لمالِكٍ: أنُحَرِّقُ بُيوتَ نَحْلِهم؟ فقال: أمَّا النَّحْلُ فلا أدْرِى ما هو.
ومُقْتَضَى مَذْهَبِ أبى حنيفةَ إباحَتُه؛ لأنَّ فيه غَيْظًا لهم وإضْعافًا، فأشْبَهَ قَتْلَ بهائِمِهم حالَ قِتالِهم.
ولَنا، ما رُوِى عن أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال ليزيدَ بنِ أبى سفيانَ، حينَ بعَثَه أمِيرًا على القِتالِ بالشامِ: ولا تُحَرِّقَنَّ نَحْلًا، ولا تُغَرِّقَنَّه.
ورُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قَدِمَ عليه ابنُ أخيه مِن غَزاةٍ غَزاها، فقال: لَعَلَّكَ حَرَّقْتَ حَرْثًا؟ قال: نعم.
قال: لَعَلَّكَ حَرَّقْتَ نَحْلًا؟ قال: نعم.
قال: لَعَلَّك قَتَلْتَ صَبِيًّا؟ قال: نعم.
قال: لِيَكُنْ غَزْوُك كِفافًا.
أخْرَجَهُما سعيدٌ 1. ونحوُ ذلك
وَلَا عَقْرُ دَابَّةٍ وَلَا شَاةٍ، إِلَّا لِأَكْلٍ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ.
عن ثَوْبانَ (1). ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن قَتْلِ النَّحْلَةِ (2). ولأنَّه إفْسادٌ، فيَدْخُلُ في عُمومِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (3). ولأنَّه حيوانٌ ذو رُوحٍ، فلم يَجُزْ قَتْلُه لِيَغِيظَهم، كنِسائِهم وصِبْيانِهم.
فأمَّا أخْذُ العَسَلِ وأكلُه فمُباحٌ، لأنَّه مِن الطَّعامِ المُباحِ.
وهل يجوزُ أخْذُ الشَّهْدِ كلِّه؟ فيه رِوايتان، إحْدَاهما، لا يجوزُ، لأن فيه هَلاكَ النَّحْلِ.
والثانيةُ، يجوزُ، لأنَّ هَلاكَه إنَّما يَحْصُلُ ضِمنًا غيرَ مَقْصودٍ، فأشْبَهَ قَتْلَ النِّساءِ في البَياتِ.
1396 -
مسألة: (ولا)
يَجُوزُ (عَقْرُ دابَّةٍ ولا) ذَبْحُ (شاةٍ، إلَّا لأكْلٍ يُحْتاجُ إليه) أمَّا عَقْرُ دَوابِّهم في غيرِ حالِ الحربِ؛ لمُغايَظَتِهم،123
..................................
والإِفْسادِ عليهم، فلا يجوزُ، سَواءٌ خِفْنا أخْذَهم لها أو لم نَخَف.
وبهذا قال اللَّيْثُ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: يجوزُ؛ لأنَّ فيه غَيْظًا لهم، وإضْعافًا لقُوَّتِهم، فأشْبَهَ قَتْلَها حالَ قِتالِهم.
ولَنا، أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال في وَصِيَّته ليزيِدَ، حينَ بعَثَه أميرًا: يا يزيدُ، لا تَقْتُلْ صَبِيًّا ولا امرأةً، ولا هَرِمًا، ولا تُخَرِّبَنَّ عامِرًا، ولا تَعْقِرَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا، ولا دَابَّةً عَجْماءَ، ولا شاةً، إلَّا لمأكَلَةٍ، ولا تُحرِّقَنَّ نَحْلًا، ولا تُغَرِّقَنَه، ولا تَغْلُل، ولا تَجْبُنْ.
ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن قَتْلِ شئٍ مِن الدَّوابِّ صَبْرًا 1. ولأنَّه حيوانٌ ذو حُرْمَةٍ، فأشْبَهَ قَتْلَ النِّساءِ والصِّبْيانِ.
فأمَّا حالُ الحَرْبِ، فيجوزُ فيها قَتْلُ المُشرِكِين كيف أمْكَنَ، بخِلافِ حالِهم إذا قُدِرَ عليهم، ولهذا جازَ قَتْلُ النِّساءِ والصِّبْيانِ في البَياتِ، وفى المَطْمُورَةِ 2، إذا لم يتَعَمَّدْ قَتْلهم مُنْفرِدِين، بخِلافِ حالَةِ القُدْرَةِ عليهم، وقتلُ بهائِمِهم حالَ القِتالِ يتوَصَّلُ به إلى قَتْلِهم
..................................
وهَزِيمَتِهم.
وقد رُوِى أنَّ حَنْظَلَةَ بنَ الرّاهِبِ، عَقَر فَرَسَ أبى سفيانَ به يومَ أُحُدٍ، فرمَتْ به، فخَلَّصَه ابنُ شَعُوب 1. وليس في هذا خِلافٌ.
فصل: فأمَّا عَقْرُها للأَكْلِ، فإن كانتِ الحاجَةُ داعِيَةً إليه، ولا بُدَّ منه، فمباحٌ؛ لأنَّ الحاجَةَ تُبِيحُ مالَ المَعْصُومِ، فمالُ الكُفَّارِ أوْلَى.
وإن لم تكُنِ الحاجَةُ داعِيَةً، وكان الحيوانُ لا يُرادُ إلَّا للأكلِ، كالدَّجاجِ والحَمامِ وسائِرِ الطَّيْرِ والصُّيُودِ، فحكمُه حُكْمُ الطَّعامِ، في قولِ الجميعِ؛ لأنَّه لا يُرادُ لغيرِ الأَكْلِ، وتَقِلُّ قِيمَتُه، فأشْبَهَ الطَّعامَ.
وإن كان ممّا يُحْتاجُ إليه في القِتالِ، كالخيلِ، لم يَجُزْ ذَبْحُه للأَكْلِ، في قولِهم جميعًا.
وإن كان غيرَ ذلك، كالبَقَرِ والغَنَمِ، لم يُبَحْ.
وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ.
وقال القاضى: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ إباحَتُه؛ لأنَّ هذا الحيوانَ في بابِ الأكْلِ مثلُ الطَّعامِ، فكانَ مِثْلَه في إباحَتِه، كالطَّيْرِ.
وإذا ذَبَح الحيوانَ، أكَل لَحْمَه، وليس له الانْتِفاعُ بجِلْدِه؛ لأنَّه إنَّما أبِيحَ له ما يأكُلُه دُونَ غيرِه.
قال عبدُ الرحمن بنُ مُعاذٍ: كُلوا لحمَ الشاةِ، ورُدُّوا إهابَها
..................................
إلى المَغْنَمِ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، ما روَى سعيدٌ 1، عن أبى الأحْوَصِ، عن سِماكِ بنِ حَرْب، عن ثَعْلَبَةَ بنِ الحَكَم، قال: أصَبْنَا غَنَمًا للعَدُوِّ، فانْتَهَبْناها، فنَصَبْنا قُدُورَنا، فمرَّ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالقُدُورِ وهى تَغْلِى، فَأمَرَ بها فأُكْفِئَتْ، ثم قال لهم: «إِنَّ النُّهْبَةَ لَا تَحِلُّ».
ولأنَّ هذه الحيواناتِ تَكْثُرُ قِيمَتُها، وتَشِحُّ بها أنْفُسُ الغانِمين، ويُمْكِنُ حَمْلُها إلى دارِ الإِسْلامِ، بخِلافِ الطَّيْرِ والطَّعامِ، لكنْ إن أذِنَ الأمِيرُ فيها، جازَ؛ لِما روَى عَطِيَّةُ ابنُ قَيْسٍ، قال: كُنَّا إذا خَرَجْنا في سَرِيَّةٍ فأصَبْنا غَنَمًا، نادَى مُنادِى الإِمامِ: ألَا مَن أرادَ أن يَتناوَلَ شَيْئًا مِن هذه الغَنَمِ فلْيَتَناولْ، إنَّا لا نَسْتَطِيعُ سِياقَتَها.
رَواه سعيدٌ 2. وكذلك قَسْمُها؛ لِما روَى مُعاذٌ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: غَزَوْنا مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَيْبَرَ، فأصَبْنا غَنَمًا، فقسَم بيْنَنا النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- طائِفَةً، وجَعَل بَقِيَتّهَا في المَغْنَمِ.
رَواه أبو داودَ 3. وروَى سعيدٌ 4، بإسْنادِه، أنَّ رَجُلًا نَحَر جَزُورًا بأرْضِ الرُّومِ، فلمّا بَرَدَت،
..................................
قال: أَيُّها الناسُ، خُذُوا مِن لَحْمِ هذا الجَزُورِ، فقد أذِنَّا لكُم.
فقال مكحولٌ: يا غَسَّانِىُّ، ألا تَأْتِينا مِن لَحْمِ هذا الجَزُورِ؟ فقال: يا أبا عبدِ اللَّهِ ألا تَرَى ما عليها مِن النُّهْبَى؟ قال مَكْحُولٌ: لا نُهْبَى في المَأْذُونِ فيه.
قال شيخُنا 1: ولم يُفَرِّقْ أصْحابُنا بينَ جميعِ البهائِمِ في هذه المسألَةِ، ويَقْوَى عندِى أنَّ ما عَجَزَ المسلمون عن سياقَتِه وأخذِه، إن كان ممَّا يسْتَعِينُ به الكُفَّارُ، كالخَيْلِ، جازَ عَقْرُه وإتْلافُه؛ لأنَّه ممّا يَحْرُمُ إيصالُه إلى الكُفَّارِ بالبَيْعِ، فتَرْكُه لهم بغيرِ عِوَضٍ أوْلَى بالتَّحْرِيمِ، وإن كان ممَّا يَصْلُحُ للأَكْلِ، فللمسلمين ذَبْحُه، والأَكْلُ منه، مع الحاجَةِ وعَدَمِها، وما عدا هذَيْن القِسْمَيْن، لا يَجُوزُ إتْلافُه؛ لأنَّه مُجَرَّدُ إفْسادٍ وإتْلافٍ، وقد نَهَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذَبْحِ الحيوانِ لغيرِ مَأْكَلَةٍ 2.
وَفِى حَرْقِ شَجَرِهِمْ وَزَرْعِهِمْ وَقَطْعِهِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، يَجُوزُ، إِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالْمُسْلِمِينَ.
وَالأُخْرَى، لَا يَجُوزُ، إِلَّا أنْ لَا يُقْدَرَ عَلَيْهِمْ إِلَّا بِهِ، أوْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَه بِنَا، وَكَذَلِكَ رَمْيُهُمْ بِالنَّارِ، وَفَتْحُ الْمَاءِ لِيُغْرِقَهُمْ.
1397 - مسألة: (وَفِى حَرْقِ شَجَرِهِمْ وَزَرْعِهِمْ وَقَطْعِهِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، يَجُوزُ، إِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالْمُسْلِمِينَ.
وَالأُخْرَى، لَا يَجُوزُ، إِلَّا أنْ لَا يُقدَرَ عَلَيْهِمْ إِلَّا بِهِ، أوْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَه بِنَا، وَكَذَلِكَ رَمْيُهُمْ بِالنَّارِ، وَفَتْحُ الْمَاءِ لِيُغْرِقَهُمْ)
وحملةُ ذلك، أنَّ الزَّرْعَ والشَّجَرَ ينْقَسِمُ ثلاثةَ أقْسامٍ؛ أحَدُها، ما تدْعُو الحاجَةُ إلى إتْلافِه، كالذى يَقْرُبُ مِن حُصُونِهم، ويَمْنَعُ مِن قِتالِهم، أو يَسْتَتِرُون به مِن المسلمين، أو يُحْتاجُ إلى قَطْعِه؛ لتَوْسِعَةِ الطَّرِيقِ، أو تَمَكُّن مِن قِتالٍ، أو سَدِّ شئٍ، أو إصْلاحِ طَرِيقٍ، أو سِتارَةِ مَنْجَنِيقٍ، أو غيرِه، أو لا يُقْدَرُ عليهم إلَّا به، أو يَكُونُون يفْعلُون ذلك بنا، فيُفْعَلُ ذلك بهم؛ ليَنْتَهُوا، فهذا يجوزُ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
الثانى، ما يتَضَرَّرُ المسلمون بقَطْعِه؛ لكَوْنِهم يَنْتَفِعُونَ ببَقائِه لعَلُوفَتِهم، أو يَسْتَظِلُّون به، أو يَأْكُلُون مِن ثَمَرِه، أو تَكُونُ العادَةُ لم تَجْرِ بذلك بَيْنَنا وبينَ عَدُوِّنا، فإذا فعَلْناه بهم فَعَلُوه بنا، فهذا يَحْرُمُ؛ لِما فيه مِن الإِضْرارِ
..................................
بالمسلمين.
الثالثُ، ما عَدا هذَيْن القِسْمَيْن، ممّا لا ضَرَرَ فيه بالمسلمين، ولا نَفْعٌ سِوَى غَيْظِ الكُفّارِ، والإِضْرارِ بهم، ففيه رِوايتان؛ إحْداهما، لا يجوزُ؛ لحديثِ أبى بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ووَصِيَّتِه 1، وقد رُوِى نحوُ ذلك مَرْفُوعًا إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولأنَّ فيه إتْلافًا مَحْضًا، فلم يَجُزْ، كعَقْرِ الحيوانِ.
وبه قال الأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ، وأبو ثَوْرٍ.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يجوزُ.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
قال إسْحاقُ: التَّحْرِيقُ سُنَّةٌ، إذا كان أنْكَى في العَدُوِّ، ولقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ 2. وروَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَرَّقَ نَخْلَ بَنِى النَّضِيرِ، وقَطَعَ، وهى البُوَيْرَةُ، فأنْزَلَ اللَّهُ تَعالَى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾.
ولها يقولُ حَسّان 3:
وَهانَ على سَراةِ بَنِى لُؤَىٍّ … حَرِيق بالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ
..................................
مُتَّفَقٌ عليه 1. وعن الزُّهْرِىِّ، قال: فحدَّثَنى عُرْوَةُ، قال: فحَدَّثَنِى أُسامَةُ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان عَهِدَ إليه، فقال: «أغِرْ عَلَى أُبْنَى 2 صَبَاحًا، وحَرِّقْ».
رَواه أبو داودَ 3. قيل لأبِى مُسْهِرٍ: أُبْنَى (2)؟ قال: نحن أعْلمُ، هى يُبْنا فِلَسْطِين.
والصَّحيحُ أنَّها أُبْنَى (2) كما جاءَتِ الرِّوايةُ، وهى قريبةٌ مِن أرْضِ الكَرْكِ، في أطْرافِ الشامِ، في النَّاحِيَةِ التى قُتِلَ فيها أَبُوه، فأمَّا يُبْنا فهى مِن أرضِ فِلَسْطِين، وَلم يَكُنْ اُسامَةُ ليَصِلَ إليها، ولا أمَرَه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالإِغارَةِ عليها؛ لبُعْدِها، والخَطَرِ بالمصيرِ إليها، لتَوَسُّطها في البلادِ، وبُعْدِها مِن أطْرافِ الشامِ، فما كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ليَأْمُرَه بالتَّغْرِيرِ بالمسلمين، فكيف يُحْمَلُ الخبرُ عليها، مع مُخالَفَةِ لَفْظِ الرِّوايَةِ، وفَسادِ المَعْنَى!
..................................
فصل: ومتى قُدِرَ على العَدُوِّ، لم يَجُزْ تَحْرِيقُه بالنَّارِ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
وقد كان أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، يَأْمُرُ بتحْرِيقِ أهلِ الرِّدَّةِ بالنّارِ 1. وفَعَلَه خالدُ بنُ الوليدِ بأمْرِه.
فأمَّا اليومَ فلا نعلمُ فيه خِلافًا بينَ النّاسِ.
وقد روَى حَمْزَةُ الأَسْلَمِىُّ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَّرَه على سَرِيَّةٍ، قال: فَخَرَجْتُ فيها، فقال: «إنْ أخَذْتُمْ فُلَانًا، فأحْرِقُوه بِالنَّارِ».
فوَلَّيْتُ، فنادانِى، فرَجَعْتُ، فقاك: «إِنْ أَخَذْتُمْ فُلَانًا، فَاقْتُلُوهُ، ولَا تُحْرِقُوهُ؛ فَإنَّهُ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلا رَبُّ النَّارِ».
رَواه أبو داودَ، وسعيدٌ 2. وروَى البخارىُّ 3، عن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نحوَ حديثِ حمزةَ.
فأمَّا رَمْيُهم بالنَّارِ قبلَ أخْذِهم، فإن أمْكَنَ أخْذُهم بدُونِها، لم يَجُزْ؛ لأنَّهم في مَعْنى المَقْدورِ عليه، وأمَّا عندَ العَجْزِ عنهم بغيرِها، فجائِزٌ في قولِ أَكثرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم الأوْزَاعِىُّ،
..................................
والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ.
وقد روَى سعيدٌ 1 بإسْنادِه، عن صَفْوانَ بن عمرٍو، وجَرِيرِ بنِ عُثمانَ، أنَّ جُنادَةَ بنَ أبى أُمَيَّةَ الأزْدِىَّ، وعبدَ اللَّهِ بنَ قَيْسٍ الفَزَارِىَّ، وغيرَهما مِن وُلاةِ البَحْرِ، ومَن بعدَهم، كانُوا يَرْمُون العَدُوَّ مِن الرُّومِ وغيرِهم بالنَّارِ، ويُحَرِّقونَهم، هؤلاء لهؤلاء، وهؤلاء لهؤلاء.
قال عبدُ اللَّهِ بنُ قَيْسٍ: ولم يَزَلْ أمْرُ المسلمين على ذلك.
وكذلك الحُكْمُ في فَتْحِ البُثُوقِ عليهم؛ لغَرَقِهم.
وإِن قُدِرَ عليهم بغيرِه، لم يَجُزْ، إذا تَضَمَّنَ ذلك إتْلافَ النِّساءِ والذُّرِّيَّةِ، الذين يَحْرُمُ إتْلافُهم قَصْدًا، وإن لم يُقْدَرْ عليهم إلَّا به، جازَ كما يجوزُ البَياتُ المُتَضَمِّنُ لذلك.
فصل: قال الأوْزَاعِىُّ: إذا كان العَدُوُّ في المَطْمُورَةِ، فعَلِمْتَ أنَّكَ تَقْدِرُ عليهم بغيرِ النّارِ، فأحَبُّ إلىَّ، أن يَكُفَّ عن النّارِ، وإن لم يُمْكِنْ ذلك، وأَبَوْا أن يَخْرُجُوا، فلا أرَى بَأْسًا، وإن كان معهم ذُرِّيَّةٌ، قد كان المسلمون يُقاتِلُون بها.
ونحوَ ذلك قال سفيانُ، وهشامٌ: ويُدَخَّنُ عليهم.
قال أحمدُ: أهلُ الشامِ أعْلَمُ بهذا.
وَإذَا ظُفِرَ بِهِمْ، لَمْ يُقْتَل صَبِىٌّ، وَلَا امْرَأةٌ، وَلَا رَاهِبٌ، وَلَا شَيْخٌ فَانٍ، وَلَا زَمِنٍ، وَلَا أَعْمَى، لَا رَأْىَ لَهُمْ، إِلَّا أنْ يُقَاتِلُوا.
1398 - مسألة: (وَإذَا ظُفِرَ بِهِمْ، لَمْ يُقْتَل صَبِىٌّ، وَلَا امْرَأةٌ، وَلَا رَاهِبٌ، وَلَا شَيْخٌ فَانٍ، وَلَا زَمِنٍ، وَلَا أَعْمَى، لَا رَأْىَ لَهُمْ، إِلَّا أنْ يُقَاتِلُوا)
إذا ظَفِرَ بالكُفَّارِ، لم يَجُزْ قَتْلُ صَبِىٍّ لم يبْلُغْ، بغيرِ خِلافٍ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن قَتْلِ النِّساءِ والصِّبْيانِ.
مُتَّفقٌ عليه 1 ولأنَّ الصَّبِىَّ يَصِيرُ رَقِيقًا بنَفْسِ السَّبْى، ففى قَتْلِه إتْلافُ المالِ، وإذا سُبِىَ مُنْفَرِدًا صارَ مُسْلِمًا، فإتْلافُه إتْلافُ مَن يُمْكِنُ جَعْلُه مسلمًا.
والبُلُوغ يحصُلُ [بأحَدِ ثَلاثةِ] 2 أشْياءَ؛ الاحْتِلامُ، وهو خُروجُ المَنِىِّ مِن ذَكَرِ الرجلِ أو قُبُلِ المرأةِ في يَقَظَةٍ أو مَنامٍ.
ولا خِلافَ
..................................
فيه، وقد دَلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ 1. وقال -صلى اللَّه عليه وسلم- لمُعَاذٍ: «خُذْ مِن كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا».
وقال: «لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَام».
رَواهما أبو داودَ 2. والثانى، نَباتُ الشَّعَرِ الخَشِنِ حَوْلَ القُبُلِ، وهو علامَةٌ على البُلُوغِ؛ لِما روَى عَطِيَّةُ القُرَظِىُّ، قال: كنْتُ مِن سَبْى قرَيْظَةَ، فكانُوا يَنْظُرُون، فمَن أنْبَتَ الشَّعَرَ قُتِلَ، ومَن لم يُنْبِتْ لم يُقْتَلْ، فكُنْتُ في مَن لم يُنْبِتْ.
رَواه التِّرْمِذىُّ 3، وقال: حديثٌ حسَنٌ صَحِيحٌ.
وعن كَثِيرِ بنِ السَّائِبِ، قال: حدَّثَنى أَبْناءُ قُريظةَ، أنَّهم عُرِضُوا على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فمَن كانَ منهم مُحْتَلِمًا أو نَبَتَتْ عانَتُه قُتِلَ، ومَن لا، تُرِكَ.
أخْرَجَه الأثْرَمُ.
وحُكِىَ عن الشافعىِّ، أنَّ هذا بُلُوغٌ في حَقِّ الكُفّارِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ إلى قولِهم في الاحْتِلامِ وعَدَدِ السِّنين، وليس بعلامَةٍ عليه في المسلمين؛ لإِمْكانِ ذلك فيهم.
ولَنا، قولُ أبى بَصْرَةَ، وعُقْبَةَ بنِ عامرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عَنهما، حينَ
..................................
اخْتُلِفَ في بُلوغِ [تَميمِ بنِ فِرَعٍ] 1 المَهْرِىِّ: انظرُوا، فإن كان قد أشْعَرَ، فاقْسِمُوا له.
فنَظَرَ إليه بعضُ القوم، فإذا هو قد أنْبَتَ، فقَسَمُوا له.
ولم يَظْهَرْ خِلافُه، فكان إجْماعًا.
ولَأنَّ ما كان عَلَمًا على البُلُوغِ في حَقِّ الكافِرِ، كان عَلَمًا عليه في حَقِّ المُسْلِمِ، كالاحْتِلامِ، والسِّنِّ.
وقولُهم: إنَّه يَتَعَذَّرُ في حَقِّ الكافرِ مَعْرِفَةُ الاحْتِلامِ والسِّنِّ.
قُلْنا: لا تَتَعَذَّرُ مَعْرِفَةُ السِّنِّ في الذِّمِّىِّ النّاشِئ بينَ المسلمين، ثم تَعَذُّرُ المَعْرِفَةِ لا يُوِجِبُ جَعْلَ ما ليس بعلامَةٍ علامَةً، [كغيرِ الإِنْباتِ] 2. الثالثُ، بُلُوغُ خَمْسَ عَشْرَةَ سنةً؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: عُرِضْتُ على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنا ابنُ أربعَ عَشْرَةَ، فلم يُجِزْنِى في القتالِ، وعُرِضْتُ عليه وأنا ابنُ خمسَ عَشْرَةَ، فأجَازَنى في المُقاتِلةِ.
قال نافِعٌ: فحدَّثْتُ عُمَرَ ابنَ عبدِ العزِيزِ بهذا الحَدِيثِ، فقال: هذا فَصْلُ ما بينَ الرِّجال وبينَ الغِلْمانِ.
مُتَّفقٌ عليه 3. وهذه العَلاماتُ الثَّلاثُ في حَقِّ الذَّكَرِ والأُنْثَى، تَزِيدُ الأُنْثَى بالحَمْلِ والحَيْضِ، فمَن لم يُوجَدْ فيه علامَةٌ منهُنَّ، فهو صَبِىٌّ يَحْرُمُ قَتْلُه.
..................................
فصل: ولا تُقْتَلُ امْرَأةٌ، ولا شَيْخٌ فانٍ.
وبذلك قال مالكٌ، وأصحابُ الرَّأْى.
ورُوِىَ ذلك عن أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، ومُجاهدٍ.
ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ 1. يقولُ: تَقْتُلوا النِّساءَ والصِّبْيان والشَّيْخَ الكَبِيرَ 2. وقال الشافعىُّ، في أحدِ قَوْلَيْه، وابنُ المُنْذِرِ: يَجُوزُ قَتْلُ الشُّيُوخِ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِين، واسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ 3». رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ 4، وقال: حديثٌ حسنٌ صَحيحٌ.
ولأنَّه يَدْخُلُ في عُمُومِ قولِه تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ 5. [قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْرِفُ حُجَّةً في قولِ قَتْلِ الشُّيُوخِ، يُسْتَثْنَى بها مِن عُمُومِ قَوْلِه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾] 6. ولأنَّه كافِرٌ لا نَفْعَ في حياتِه، فيُقْتَلُ، كالشَّابِّ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا، وَلَا طِفْلًا، وَلَا امْرَأةً».
رَواه أبو داودَ 7. ورُوِىَ عن أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه أوْصَى يزيدَ حينَ وَجَّهَه
..................................
إلى الشامِ، فقال: لا تَقْتُلِ امْرأةً، ولا صَبِيًّا، ولا هَرِمًا.
وعن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه أوْصَى سَلَمَةَ بنَ قَيْسٍ، فقال: لا تَقْتُلُوا 1 امْرَأَةً، ولا صَبِيًّا، ولا شَيْخًا هَرِمًا.
رَواهما سعيدٌ 2. ولأنَّه ليس مِن أهلِ القِتالِ، فلا يُقْتَلُ، كالمرْأةِ.
وقد أوْمَأَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى هذه العِلَّةِ في المرأةِ، فقال: «مَا بَالُهَا قُتِلَتْ وَهِىَ لَا تُقَاتِلُ؟» 3. والآيةُ مَخصُوصَةٌ بما رَوَيْنا، ولأنَّه قد خَرَج عن عُمُومِها المرأةُ، والشَّيْخُ الهَرِمُ في معْناها.
وحدِيثُهم أرادَ به الشُّيوخَ الذين فيهم قُوَّةٌ على القِتالِ، ومَعُونَةٌ عليه، برَأْيٍ أو تَدْبِيرٍ، جَمْعًا بينَ الأحاديثِ، ولأنَّ حدِيثَنا خاصٌّ في [الشَّيْخِ الهَرِمِ] 4، وحدِيثَهم عامٌّ في الشُّيُوخِ، والخاصُّ يُقَدَّمُ على العامِّ، وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بالعَجُوزِ التى لا نَفْعَ فيها.
ولا يُقْتَلُ خُنْثَى مُشْكِلٌ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ كوْنُه رَجُلًا.
فصل: ولا يُقْتَلُ زَمِنٌ، ولا أعْمَى، ولا راهِبٌ، والخِلافُ فيهم كالخِلافِ في الشَّيْخِ و [حُجَّتُهم ههُنا] 5 حُجَّتُهم فيه.
ولَنا، أنَّ الزَّمِنَ
..................................
والأعْمَى، لَيْسَا مِن أهْلِ القِتالِ، أشْبَهَا المرأةَ، ولأنَّ في حديثِ أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: وسَتَمُرُّونَ على أقْوام في صَوَامِعَ لهم، احْتَسَبُوا أنْفُسَهم فيها، فدَعْهُم حتَّى يُمِيتَهم اللَّهُ عَلى ضَلَالَتِهم.
ولأنَّهم لا يُقاتِلُون تَدَيُّنًا، فأَشبَهُوا مَن لا يَقدِرُ على القِتالِ.
فصل: ولا يُقْتَلُ العَبيدُ.
وبه قال الشافعىُّ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أدْرِكُوا خَالِدًا، فَمُرُوهُ أَنْ لَا يَقْتُلَ ذُرْيَّةً -وَلَا عَسِيفًا» 1. وهم العَبِيدُ، ولأنَّهم يصيرونَ رَقِيقًا للمسلمين بنَفْسِ السَّبْىِ، أشْبَهُوا النِّساءَ والصِّبْيانَ.
فصل: ومَن قاتَلَ ممَّن 2 ذَكَرْنا جَميعِهم، جازَ قَتْلُه.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَتَلَ يومَ قُرَيْظَةَ امرأةً ألْقَتْ رَحًا على محمودِ بنِ مَسْلَمَةَ 3. ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عَنهما، قال: مَرَّ النبىُّ
..................................
- صلى اللَّه عليه وسلم- بامرأةٍ مَقْتُولَةٍ يومَ الخَنْدَقِ، فقال: «مَنْ قَتَلَ هذِهِ؟».
قال رَجُلٌ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ.
قال: «وَلِمَ؟».
قال: نازَعَتْنِى قائِمَ سَيْفِى.
قال: فسَكَتَ 1. ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وقَفَ على امرأةٍ مَقْتُولَةٍ، فقال: «مَا بَالُهَا قُتِلَتْ، وَهِى لَا تُقَاتِلُ؟» 2. وفيه دَلِيلٌ على أنَّه إنَّما نَهَى عن قَتْلِ المرأةِ إذا لم تُقاتِلْ، وكذلك مَن كان مِن هؤلاء الرِّجالِ المذْكُورِين ذا رَأْىٍ يُعينُ به في الحرْبِ، جازَ قَتْلُه؛ لأنَّ دُرَيْدَ بنَ الصِّمَّةِ قُتِلَ يومَ حُنَيْنٍ، وهو شَيْخٌ لا قِتالَ فيه، وكانوا خَرَجُوا به معهم يتَيَمَّنُون به، ويَسْتَعِينُون برأْيِه، فلم يُنْكِرِ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَتْلَه 3. ولأنَّ الرَّأْى مِن أعْظَمِ المَعُونَةِ في الحَرْبِ، ورُبَّما كان أَبلَغَ مِن القِتالِ كما قال المتنبى 4:
الرَّأْىُ قبلَ شجاعَةِ الشُّجْعَانِ … هو أوَّلٌ وهْى المحلُّ الثّانِى
فإذا هما اجْتَمَعا لنَفْس مُرَّةٍ … بلَغَت مِن العَلْيَاءِ كلَّ مكانِ
ولَرُبَّما طَعَنَ الفَتَى أقْرانَه … بالرَّأْىِ قبلَ تَطاعُنِ الفُرْسانِ
..................................
وقد جاء عن مُعاوِيَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال لمَرْوانَ والأسْوَدِ: أمْدَدْتُما عَلِيًّا بقَيْسِ بنِ سعدٍ 1، وبرأْيِه ومُكايَدَتِه، فوَاللَّهِ لو أنَّكما أمْدَدْتُما بثمانِيَةِ آلافِ مُقاتلٍ، ما كان بأغْيَظَ لِى مِن ذلك 2. فأمَّا المَرِيضُ فيُقْتَلُ إذا كان ممَّن لو كان صَحِيحًا قاتَلَ؛ لأنَّه كالإِجْهازِ على الجَرِيحِ، فإن كان مَأْيُوسًا مِن بُرْئهِ، فهو بمَنْزِلَةِ الزَّمِنِ، فلا يُقْتَلُ؛ لأنَّه لا يُخافُ منه أن يصيرَ إلى حالٍ يُقاتِلُ فيها.
فصل: فأمّا الفَلَّاحُ الَّذى لا يُقاتِلُ، فيَنْبَغِى أن لا يُقْتَلَ؛ لِما رُوِى عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: اتَّقُوا اللَّهَ في الفَلَّاحِين، الذين لا يَنْصِبُون لكم الحَرْبَ 3. وقال الأوْزَاعِىُّ: لا يُقْتَلُ الحَرّاثُ، إذا عُلِمَ أنَّه ليس مِنَ المُقاتِلَةِ.
وقال الشافعىُّ: يُقْتَلُ؛ إلَّا أن يُؤَدِّىَ الجِزْيَةَ؛ لدُخُولِه في عُمُومِ المُشْرِكين.
ولَنا، قولُ عُمَرَ، ولأنَّ الصحابَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، لم
فَإِنْ تَتَرَّسُوا بِهِمْ، جَازَ رَمْيُهُمْ، وَيَقْصِدُ الْمُقَاتِلَةَ.
يَقْتُلُوهم حينَ فَتَحُوا البِلادَ، ولأنَّهم لا يُقاتِلُون، أشْبَهُوا الشُّيُوخَ والرُّهْبانَ.
1399 -
مسألة: (فَإن تَتَرَّسُوا بهم، جازَ رَمْيُهم، ويَقْصِدُ المُقاتِلَةَ)
إذا تَتَرَّسُوا في الحرب بالنِّساء والصِّبْيانِ ومَن لا يجوزُ قَتْلُه، جازَ رَمْيُهم، ويَقْصِدُ المُقاتِلَةَ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَماهُم بالمَنْجَنِيقِ ومعهم النِّساءُ والصِّبْيانُ، ولأنَّ كَفَّ المُسْلِمِين عنهم يُفْضِى إلى تَعْطِيلِ الجِهادِ؛ لأنَّهم متى عَلِمُوا ذلك تَتَرَّسُوا بهم عندَ خَوْفِهم، وسَواءٌ كانتِ الحربُ مُلْتَحِمَةَ أوْ لَا؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يكن يتَحَيَّنُ بالرَّمْى حالَ الْتِحامِ الحَرْبِ.
فصل: ولو وَقَفَتِ امرأةٌ في صَفِّ الكُفّارِ، أو على حِصْنِهم، فشَتَمَتِ المسلمين، أو تَكشَّفَتْ لهم، جازَ رَمْيُها قَصْدًا؛ لِما روَى سعيدٌ 1: حدَّثَنا حَمّادُ بنُ زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن عِكْرِمَةَ، قال: لمّا حاصَرَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- الطّائِفَ، أشْرَفَتِ امرأةٌ، فكَشَفَتْ عن قُبُلِها، فقالتْ: هادُونَكُمْ فارْمُوا.
فرَمَاها رَجُلٌ مِن المسلمين، فما أخْطأ ذاك منها.
ويجوزُ النَّظَرُ إلى فَرْجِها للحاجَةِ إلى رَمْيِها؛ لأنَّه مِن ضَرُورَتِه.
وكذلك يجوزُ رَمْيُها إذا كانت تَلْتَقِطُ لهم السِّهامَ، أو تَسْقِيهمُ الماءَ، أو تُحَرِّضُهم على القِتالِ؛ لأنَّها في مَعْنَى المُقاتِلِ.
وكذلك الحُكْمُ في الصَّبِىِّ
وَإِن تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمِينَ، لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ، إِلَّا أَنْ يخافَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَيَرْمِيَهُمْ، وَيَقْصِدُ الْكُفَّارَ.
والشَّيْخِ وسائِرِ مَن مَنَعْنا قَتْلَه منهم.
1400 -
مسألة: (وَإِن تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمِينَ، لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ، إِلَّا أَنْ يخافَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَيَرْمِيَهُمْ، وَيَقْصِدُ الْكُفَّارَ)
إذا تَتَرَّسُوا بمسلمٍ، ولم تَدْعُ حاجَةٌ إلى رَمْيِهم؛ لكَوْنِ الحَرْبِ غيرَ قائِمَةٍ، أو لإِمْكانِ القُدْرَةِ عليهم بدُونِه، أو للأمْنِ مِن شَرِّهم، لم يَجُزْ رَمْيُهُم.
فإن رَماهُم فأصابَ مُسْلِمًا، فعليه ضَمانُه.
وإن دَعَتِ الحاجَةُ إلى رَمْيِهم للخَوْفِ على المسلمين، جازَ رَمْيُهم للضَّرُورَةِ، ويَقْصِدُ الكُفّارَ.
فإن لم يَخَفْ على المسلمين، لكنْ لم يُقْدَرْ عليهم إلَّا بالرَّمْى، فقال الأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ: لا يجوزُ رَمْيُهم.
وهو ظاهِرُ كلامِه في هذا الكِتابِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:
وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا، لَمْ يَجُزْ لَهُ قَتْلُهُ حَتَّى يَأْتِىَ بِهِ الإمَامَ، إِلَّا أنْ يَمْتَنِعَ مِنَ السَّيْرِ مَعَهُ وَلَا يُمْكِنَهُ إكْرَاهُهُ.
﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ (1) الآية.
قال اللَّيْثُ: تَرْكُ فَتْحِ حِصْن يُقْدَرُ على فَتْحِهِ، أفْضَلُ مِن قَتْلِ مسلم بغيرِ حَقٍّ.
وقال القاضى: يجوزُ رَمْيُهم حالَ قِيامِ الحَرْبِ؛ لأنَّ تَرْكَه يُفْضِى إلى تَعْطِيلِ الجِهادِ.
فعلى هذا، إن قَتَلَ مسلمًا، فعليه الكَفّارَةُ، وفى وُجُوبِ الدِّيَةِ على العاقِلَةِ رِوايتان، ووَجْهُهما يُذْكَرُ في مَوْضِعِه.
وقال أبو حنيفةَ: لا دِيَةَ له (2)، ولا كَفَّارَةَ فيه؛ لأنَّه رَمْى أُبِيحَ مع العِلْمِ بحَقِيقَةِ الحالِ، فلم يُوجِبْ شَيْئًا، كرَمْى مَنْ أُبِيحَ رَمْيُه.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (3). ولأنَّه قَتَلَ مَعْصُومًا بالإِيمانِ، وهو مِن أهْلِ الضَّمانِ، أشْبَهَ ما لو لم يُتَتَرَّسْ به.
1401 -
مسألة: (وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا، لَمْ يَجُزْ لَهُ قَتْلُهُ حَتَّى يَأْتِىَ بِهِ الإمَامَ، إِلَّا أنْ يَمْتَنِعَ مِنَ السَّيْرِ مَعَهُ وَلَا يُمْكِنَهُ إكْرَاهُهُ)
لا يجوزُ لمَن أسَرَ123
..................................
أسِيرًا قَتْلُه حتَّى يَأْتِىَ بهِ الإِمامَ، فيرَى فيه رَأْيَه؛ لأنَّه إذا صارَ أَسِيرًا، فالْخِيَرَةُ فيه إلى الإِمامِ.
وقد رُوِى عن أحمدَ كلامٌ يَدُلُّ على إباحَةِ قَتْلِه، فإنَّه قال: لا يَقْتُلُ أسِيرَ غيرِه إلَّا أن يشاءَ الوالِى.
فمَفْهُومُه أنَّ له قَتْلَ أسِيرِه بغيرِ إذْنِ الوالِى؛ لأنَّ له أن يَقْتُلَه ابْتِداءً، فكان له قَتْلُه دَوامًا، كما لو هَرَب منه أو قاتَلَه.
فإنِ امْتَنَعَ الأسِيرُ أن ينْقادَ معه، فله إكْراهُه بالضَّرْبِ وغيرِه، فإن لم يُمْكِنْ إكْراهُه، فله قَتْلُه.
وكَذلك إن خافَه، أو خافَ هَرَبَه.
وإنِ امْتَنَعَ مِن الانْقِيادِ معه بجُرْحٍ أو مرضٍ، فله قَتْلُه.
وتَوَقَّفَ أحمدُ عن قَتْلِه.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ، كالتَّذْفِيفِ 1 على الجَرِيحِ، ولأنَّ تَرْكَه حَيًّا ضَرَرٌ على المسلمين، وتَقْوِيَةٌ للكُفَّارِ، فتَعَيَّنَ القَتْلُ، كحالَةِ الابتِداءِ، وكَجَرِيحِهم إذا لم يأْسِرْه.
فأمَّا أسِيرُ غيرِه، فلا يجوزُ قَتْلُه إلَّا أن يَصِيرَ إلى حالٍ يجوزُ قَتْلُه لمَن أسَرَه.
وقد روَى يحيى بنُ أبى كَثِيرٍ 2، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَا يَتَعَاطَيَنَّ أحَدُكُمْ أسِيرَ صَاحِبِه إذَا أخَذَه فَيَقْتُلَهُ».
رَواه سعيدٌ 3. فإن قَتَل أسِيرَه، أو أسِيرَ غيرِه قبلَ ذلك، أساءَ، ولا ضَمانَ
..................................
عليه.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال الأوْزَاعِىُّ: إن قَتَلَه قبلَ أن يَأْتِىَ به الإِمامَ، لم يَضْمَنْه، وإن قَتَلَه بعدَ ذلك، ضَمِنَه؛ لأنَّه أتْلَفَ مِن الغَنِيمَةِ ما لَه قِيمِةٌ، فضَمِنَه بقِيمَتِه، كما لو قَتَلَ امرأةً.
ولنَا، أنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ عَوْفٍ أَسَرَ أُمَيَّةَ بنَ خَلَفٍ وابنَه عليًّا يومَ بَدْرٍ، فرآهما بلالٌ، فاسْتَصْرَخَ الأنْصارَ عليهما حتَّى قَتَلُوهما، ولم يَغْرَمُوا شيئًا 1. ولأنَّه أتْلَفَ ما ليس بمالٍ، فلم يَغْرَمْه، كما لو أتْلَفَه قبلَ أن يَأْتِىَ به الإِمامَ، ولأنَّه أتْلَفَ ما لا قِيمَةَ له قبلَ أن يَأْتِىَ به الإِمامَ، فلم يَغْرَمْه، كما لو أتْلَفَ كَلْبًا، فأمَّا إن قَتَل امرأةً أو صَبِيًّا، ضَمِنَه؛ لأنه صارَ رَقِيقًا بنَفْسِ السَّبْى.
فصل: ومَن أمَرَ أسِيرًا، فادَّعى أنَّه كان مسلمًا، لم يُقْبَلْ قولُه إلَّا بِبَيِّنةٍ؛ لأنَّه يَدَّعِى أمْرًا الظَّاهِرُ خلافُه، يتَعَلَّقُ به إسْقاطُ حَقٍّ تَعَلَّقَ برَقَبَتِه.
فإنْ شَهِدَ له واحدٌ، حَلَف معه، وخُلِّىَ سَبِيلُه.
وقال الشافعىُّ: لا تُقْبَلُ إلَّا شَهَادَةُ عَدْلَيْن؛ لأنَّه ليس بمالٍ، ولا يُقْصَدُ منه المالُ.
ولَنا، ما روَى
وَيُخَيَّرُ الْأَميرُ في الْأَسْرَى؛ بَيْنَ الْقَتْلِ، وَالِاسْتِرْقَاقِ، وَالْمَنِّ، وَالْفِدَاءِ بِمُسْلِمٍ، أو بِمَالٍ.
وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ بِمَالٍ، إلَّا غيْرَ الْكِتَابِىِّ، فَفِى اسْتِرْقَاقِهِ رِوَايَتَانِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَارَ إِلَّا الأصْلَحَ لِلْمُسْلِمِينَ.
عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال يومَ بَدْرٍ: «لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أحَدٌ إلَّا أنْ يُفْدَى، أوْ يُضْرَبَ عُنُقُهُ».
فقال عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ: إلَّا سُهَيْلَ بنَ بَيْضاءَ، فإنِّى سَمِعْتُه يذْكُرُ الإِسْلامَ.
فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إلَّا سُهيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ» 1. فقَبِلَ شَهادةَ عبدِ اللَّهِ وحدَه.
1402 -
مسألة: (وَيُخَيَّرُ الْأمِيرُ في الْأَسْرَى؛ بَيْنَ الْقَتْلِ، وَالِاسْتِرْقَاقِ، وَالْمَنِّ، وَالْفِدَاءِ بِمُسْلِمٍ، أو بِمَالٍ.
وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ بِمَالٍ، إلَّا غيْرَ الْكِتَابِىِّ، فَفِى اسْتِرْقَاقِهِ رِوَايَتَانِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَارَ إِلَّا الأصْلَحَ لِلْمُسْلِمِينَ)
وحملةُ ذلك، أنَّ مَن اسِرَ مِن دارِ الحَرْبِ على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛
..................................
أحدُها، النِّساءُ والصِّبْيانُ، فلا يجوزُ قَتْلُهم، بغيرِ خِلافٍ، ويَصِيرُونَ رَقِيقًا للمسلمين بنَفْسِ السَّبْى، لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن قَتْل النِّساءِ والوِلْدانِ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وكان عليه الصلاةُ والسلامُ يَسْتَرِقُّهم إذا سَباهم.
الثانى، الرجالُ مِنْ أهْلِ الكِتابِ.
والمَجُوسِ الذين يُقَرُّون بالجِزْيَةِ، فيتَخَيَّرُ الإِمامُ فيهم بينَ أربعةِ أشْياءَ، القتلُ، والمَنُّ بغيرِ عِوَضٍ، والمُفاداةُ بِهم، واسْتِرْقاقُهم.
الثالثُ، الرِّجالُ ممَّن لا يُقَرُّ بالجِزْيَةِ، فيُخَيَّرُ الإِمامُ فيهم بينَ القَتْلِ والمَنِّ والفِداءِ، ولا يجوزُ اسْتِرْقاقُهم، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن.
اخْتارَها الخِرَقِىُّ.
وهو قولُ الشافعىِّ.
والثانيةُ، يجوزُ اسْتِرْقاقُهم، لأنَّه كافِرٌ أصْلِىٌّ، أشْبَهَ أهْلَ الكِتابِ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ جَوازُ اسْتِرْقاقِهم مَبْنِيًّا على أخْذِ الجِزْيَةِ منهم،
..................................
فإن قُلْنا بجوازِها، جازَ اسْتِرْقاقُهم، وإلَّا فلا.
وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ في العَجَمِ دُونَ العَرَبِ.
بِناءً على قولِه في أخْذِ الجِزْيَةِ منهم.
ولَنا، أنَّه كافِرٌ لا يُقَرُّ بالجِزْيَةِ، فلم يَجُزِ اسْتِرْقاقُه، كالمُرْتَدِّ، والدَّليلُ على أنَّه لا يُقَرُّ بالجِزْيَةِ يُذْكَرُ في بابِ عَقْدِ الذِّمَّةِ، إن شاء اللَّه تعالى.
فصل: وبما ذَكَرْنا في أهْلِ الكتابِ قال الأوْزَاعِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وعن مالِكٍ كمَذْهَبِنا.
وعنه، لا يجوزُ المَنُّ بغيرِ عِوَضٍ؛
لأنَّه لا مَصْلَحَةَ فيه، وإنَّما يجوزُ للإِمامِ فِعْلُ ما فيه المَصْلَحَةُ.
وحُكِىَ عن الحَسنِ، وعَطَاءٍ، وسعيدِ بن جُبَيْرِ، كرَاهِيَةُ قَتْلِ الأسْرَى، وقالوا: لو مَنَّ عليه أو فاداه كما صُنِعَ بأُسارَى بَدْرٍ.
ولأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ 1. فخَيَّرَه بعدَ الأسْرٍ بَينَ هَذَيْن لا غيرُ.
وقال أصحابُ الرَّأْى: إن شاءَ قَتَلَهم، وإن شاءَ اسْتَرَقَّهم،
..................................
لا غير، ولا فِدَاءَ، لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ 1. بعدَ قوْلِه: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾.
وكان عمرُ ابنُ عبدِ العزيزِ، وعِياضُ بنُ عُقْبَةَ يَقْتُلان الأُسارَى.
ولَنا على جَوازِ المَنِّ والفِداءِ، الآيةُ المذْكُورةُ، وأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَنَّ على ثُمامَةَ بنَ أُثالٍ 2، وأبى عَزَّةَ الشاعِرِ 3، وأبى العاصِ بنِ الرَّبِيعِ 4، وقال في أُسارَى بدرٍ: «لَوْ كَانَ مُطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ سَأْلَنِى في 5 هَؤُلَاءِ النَّتْنَى،
.................................. لأَطْلَقْتُهُمْ لَهُ» 1. وفادَى أُسارَى بَدْرٍ 2، وفادَى يومَ بَدْرٍ 3 رَجُلًا برَجُلَيْن 4، وصاحِبَ العَضْباءِ برَجُلَيْن 5. وأمَّا القَتْلُ، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَتَل رجالَ بنى قُرَيْظَةَ 6، وقَتَل يومَ بَدْرٍ النَّضْرَ بنَ الحارِثِ، وعُقْبَةَ بنَ