الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 290-308

كِتَابُ الجِنَايَاتِ

صفحات 290-308

..................................  ذلك، أنَّه إذا أرادَ الاستِيفاءَ مِن مُوضِحَةٍ وشِبْهِها، فإن كان على مَوْضِعِها شَعَرٌ أزَالَه، ويَعْمِدُ إلى مَوْضِعِ الشَّجَّةِ مِن رَأْسِ المَشْجُوجِ، فيَعْلَمُ طُولَها وعَرْضَها بخَشَبَةٍ أو خَيْطٍ، ويضَعُها على رأسِ الشَّاجِّ، ويُعْلِمُ طَرَفَيْه بسَوادٍ أو غيرِه، ويأْخُذُ حَدِيدةً عَرْضُها كعَرْضِ الشَّجَّةِ، فيَضَعُها في أوَّلِ الشَّجَّةِ، ويَجُرُّها إلى آخِرِها، فيَأْخُذُ مثلَ الشَّجَّةِ طُولًا وعَرْضًا، ولا يُراعِى العُمْقَ؛ لأَنَّ حَدَّه العَظْمُ، ولو رُوعِىَ لَتَعَذَّرَ الاسْتِيفاءُ؛ لأَنَّ الناسَ يخْتَلِفونَ في قِلَّةِ اللَّحْمِ وكَثْرَتِه، وهذا كما يُسْتَوْفَى الطَّرَفُ بمثلِه.
وإنِ اخْتَلَفا في الصِّغَرِ والكِبَرِ، والدِّقَّةِ والغِلَظِ، فإن كان رَأْسُ الشَّاجِّ والمَشْجُوجِ سواءً، اسْتَوْفَى قَدْرَ الشَّجَّةِ، وإن كان 1 رَأْسُ الشَّاجِّ أصْغَرَ، لكنَّه يتَّسِعُ للشَّجَّةِ، اسْتُوفِيَتْ وإنِ اسْتَوْعَبَتْ رَأْسَ الشَّاجِّ كلَّه؛ لأنَّه اسْتَوْفاها بالمساحَةِ، ولا يَمْنَعُ الاسْتِيفاءَ زِيادَتُها على مثلِ مَوْضِعِها مِن رَأْسِ الجانِى؛ لأَنَّ الجَمِيعَ رَأْسٌ.
وإن كان قَدْرُ الشَّجَّةِ يَزِيدُ على رَأْسِ الجانِى، فإنَّه يَسْتَوْفِى الشَّجَّةَ في جَمِيعِ رأْسِ الشَّاجِّ، ولا يجوزُ أن يَنْزِلَ إلى جَبْهَتِه 2؛ لأنَّه يَقْتَصُّ في عُضْو آخرَ غيرِ العُضْوِ المَجْنِىِّ

..................................  عليه، ولا يَنْزِلَ إلى قَفَاه؛ لِما ذكَرْنا.
ولا يَسْتَوْفِى بَقِيَّةَ الشَّجَّةِ في موضعٍ آخَرَ مِن رَأْسِه؛ لأنَّه يكونُ مُسْتَوْفِيًا مُوضِحَتَيْنِ، وواضِعًا للحَدِيدَةِ في غيرِ الموْضِعِ الذى وضَعَها فيه الجانِى.
واخْتَلَفَ أصْحابُنا في 1 ماذا يَصْنَعُ؟ فذكَر القاضى أنَّ ظاهِرَ كلامِ أبى بكر، أنَّه لا أَرْشَ له فيما بَقِىَ؛ [لِئلَّا يَجْتَمِعَ] 2 قِصاصٌ ودِيَةٌ في جُرْحٍ واحدٍ.
وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ.
فعلى هذا، يتَخَيَّرُ بينَ الاسْتِيفاءِ في جميعِ رَأْسِ الشَّاجِّ ولا أَرْشَ له، وبينَ العَفْوِ إلى دِيَةِ مُوضِحَةٍ.
وقال أبو عبدِ اللَّهِ ابنُ حامدٍ، وبعْضُ أصْحابِنا: له أَرْشُ ما بَقِىَ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأن القِصاصَ تَعَذَّرَ فيما جَنَى عليه، فكل له أَرْشُه، كما لو تعَذرَ في الجميعِ.
فعلى هذا، تُقَدَّرُ شَجَّةُ الجانِى مِنَ الشَّجَّةِ في رَأْسِ 3 المَجْنِىِّ عليه، ويَسْتَوْفِى أَرْشَ الباقِى، فإن كانتْ بقَدْرِ ثُلُثَيْها 4 فلَه أَرْشُ ثُلُثِ مُوضِحَةٍ، وإن زادتْ على هذا أو نقَصَتْ، فبالحِساب مِن أَرْشِ المُوضِحَةِ.
[ولا يَجِبُ له أَرْشُ مُوضِحَةٍ] 5 كاملةٍ؛ لِئَلَّا يُفْضِىَ إلى إيجابِ القِصاصِ ودِيَةِ مُوضِحَةٍ [في مُوضِحَةٍ واحدةٍ] 6، فإن أوْضَحَه في جميعِ رَأْسِه، ورَأْسُ الجانِى أكبرُ،

..................................  فللمَجْنِىِّ عليه أن يُوضِحَ منه بقَدْرِ مِساحَةِ مُوضِحَةٍ مِن أىِّ الطَّرَفَيْنِ شاءَ؛ لأنَّه جَنَى عليه في ذلك الموْضِعِ كلِّه، وإنِ اسْتَوْفَى قَدْرَ مُوضِحَتِه، ثم تجاوَزَها واعْتَرَفَ أنَّه عَمَدَ ذلك، فعليه القِصاصُ في ذلك القَدْرِ، فإذا انْدَمَلَتْ مُوضِحَتُه، اسْتُوفِىَ منه القِصاصُ في مَوْضِعِ الانْدِمال؛ لأنَّه مَوْضِعُ الجِنايةِ، وإنِ ادَّعَى الخَطَأَ، فالقولُ قولُه؛ لأنَّه مُحْتَمِلٌ، وهو أعْلَمُ بقَصْدِه، وعليه أَرْشُ مُوضِحَةٍ.
فإن قيل: فهذه المُوضِحَةُ كلُّها 1 لو كانت عُدْوانًا لم يَجِبْ فيها إلَّا دِيَةُ مُوضِحَةٍ، فكيف يَجِبُ في بعْضِها دِيَةُ مُوضِحَةٍ؟ قُلنا: لأَنَّ المُسْتَوْفَى لم يَكُنْ جِنايةً، إنَّما الجِنايةُ الزَّائدُ، والزَّائدُ لو انْفَرَدَ لَكانَ مُوضِحَةً، فكذلك إذا كان معه ما ليس بجِنايةٍ، بخِلافِ ما إذا كانتْ كلُّها عُدْوانًا، فإنَّ الجميعَ جِناية واحدةٌ.
فصل: إذا أوْضَحَه في جميعِ رَأْسِه، ورأسُ الجانِى أكْبَرُ، فأَحبَّ 2 أن يَسْتَوْفىَ القِصاصَ بعضَه مِن مُقَدَّمِ الرّأْسِ وبعضَه مِن مُؤَخَّرِه، مُنِعَ

..................................  مِن ذلك؛ لأنَّه يَأْخُذُ مُوضِحَتَيْنِ بواحدةٍ، ودِيَتُهما مُخْتَلِفَةٌ.
ويَحْتَمِلُ الجوازُ؛ لأنَّه لا يُجاوِزُ مَوْضِعَ الجِنايةِ ولا قَدْرَها.
فإنْ قال أهلُ الخِبْرَةِ: إنَّ في ذلك زِيادةَ ضَرَرٍ أو شَيْنٍ.
لم يَجُزْ.
ولأصحابِ الشافعىِّ كَهذيْن القوْلَيْنِ.
فإن كان رأسُ المَجْنِىِّ عليه أَنْ بَرَ، فأوْضَحَه الجانِى في مُقَدَّمِه ومُؤَخَّرِه مُوضِحَتَيْنِ، قَدرُهما جميعُ رأسِ الجانِى، فله الخِيارُ بينَ أن يُوضِحَه مُوضِحة واحدةً في جميعِ راسِه، أو 1 يُوضِحَه مُوضِحَتَيْنِ يَقْتَصِرُ في كلِّ واحدةٍ منهما على قَدرِ مُوضِحَتِه، ولا أَرْشَ لذلك، وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّه تَرَكَ الاسْتِيفاءَ مع إمكانِه.
وإن عَفا إلى الأَرْشِ، فله أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ، وإن شاءَ اقْتَصَّ من إحدَاهما، وأخَذَ أَرْشَ الأُخْرَى.
فصل: فإن كانتِ الجِنايةُ في غيرِ الرَّأْسِ والوَجْهِ، فكانتْ في ساعِدٍ، فزادَتْ على ساعدِ الجانِى، لم يَنْزِلْ إلى الكَفِّ، ولم يصعد إلى العَضُدِ، وإن كانتْ في السَّاقِ، لم ينزلْ إلى القَدَمِ، ولم يَصْعَدْ إلى الفَخِذِ؛ لأنَّه عُضْو آخَرُ، فلا يَقْتَصُّ منه، كما لم ينْزِلْ من الرَّأْسِ إلى الوَجْهِ، ولم يصْعد من الوَجْهِ إلى الرَّأْسَ.
فصل: إذا شُجَّ في مُقَدَّمِ رَأسِه أو مُؤخَّرِه عَرْضًا شَجَّةً لا يَتَّسِعُ لها مثلُ مَوْضِعِها مِن رَأسِ الشَّاجِّ، فأرادَ أن يَسْتَوْفِىَ مِن وَسَطِ الرَّأْسِ، فيما بينَ الأُذُنَيْنِ، لكَوْنِه يَتَّسِعُ لمثلِ تلك الشَّجَّةِ، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا

فَصْلٌ: وَإِنِ اشْتَرَكَ الْجَمَاعَةُ فِى قَطعِ طَرَفٍ، أَوْ جُرجٍ مُوجاٍ لِلْقِصَاصِ وَتَسَاوتْ أفْعَالُهُم، مِثْلَ أَنْ يَضَعُوا الْحَدِيدَةَ عَلَى يَدِهِ وَيَتَحَامَلُوا عَلَيْها جَمِيعًا حَتَّى تَبِينَ، فَعَلَى جَمِيعِهِمُ الْقِصَاصُ، في إحدَى الرِّوَايَتَيْن.
يجوزُ، لأنَّه غيرُ الموْضِعِ الذىَ شَجَّه فيه، فلم يَجُزْ له الاسْتِيفاءُ منه، كما لو أمكَنَه اسْتِيفاءُ حَقِّه مِن مَحَلِّ الشَّجَّةِ.
واحتَمَلَ الجوازُ، لأَنَّ الرَّأْسَ عُضْوٌ واحدٌ، فإذا لم يُمكِنْه اسْتِيفاءُ حَقِّه مِن مَحَلِّ شَجَّتِه، جازَ مِن غيرِه، كما لو شَجَّه في مُقَدَّم رَأْسِه شجةً قَدرها جَمِيعُ رَأسِ الشَّاجِّ، جازَ إتْمامُ اسْتِيفائِها مِن مُؤَخَّرِ رأسِ الجانِى.
وهذا مَنْصُوصُ الشافعىِّ.
وهكذا يُخَرَّجُ فيما إذا كان الجرحُ في مَوْضِعٍ مِن السَّاقِ والقَدَمِ والذِّراعِ والعَضُدِ.
وإن أَمْكَنَ الاسْتِيفاءُ مِن مَحَل الجِنايةِ، لم يَجُزِ العُدُولُ عنه، وَجْهًا واحدًا.

فصل

: قال: (وإذا اشْتَرَكَ جماعةٌ في قَطْعِ طَرَفٍ، أو جُرحٍ مُوجِبٍ للقِصاصِ وتَساوَتْ أفْعالُهم، مثلَ أن يضَعُوا الحَدِيدةَ على يَدِه ويتَحامَلُوا عليها جميعًا حتى تَبِينَ، فعلى جَمِيعِهم القِصاصُ، في أشْهرِ الرِّوايتَيْن) وهى التى ذكَرها الخِرَقِىُّ.
وبذلك قال مالكٍ، والشافعى 1، وأبو

..................................  ثَوْرٍ.
وقال الحسنُ، والزُّهْرِىُّ، والثَّوْرىُّ، وأصحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ: لا تُقْطَعُ يَدانِ بيَدٍ واحدةٍ.
وهى الروايةُ الأُخْرَى؛ لأَنَّه رُوِى عنه أنَّ الجماعةَ لا يُقْتَلون بالواحدِ.
وهذا تَنْبيهٌ على أنَّ الأطْرَافَ لا تُؤْخَذُ بطَرَفٍ واحدٍ؛ لأَنَّ الأَطْرَافَ يُعتَبَرُ التَّساوِى فيها، بدليلِ أنَّا لا نَأخُذُ الصَّحِيحةَ بالشَّلَّاءِ، ولا كامِلَةَ الأصابعِ بناقِصَتِها 1، ولا أصْلِيَّةً بزائدةٍ، ولا يَمِينًا بيَسارٍ، ولا يَسارًا بيَمين، ولا تَساوِىَ بينَ الطَّرَفِ والأطْرَافِ، فوَجَبَ امْتِناعُ القِصاصِ بينَهما، ولا يُعتَبَرُ التَّساوِى في النَّفْسِ، فإنَّا نَأْخُذُ الصَّحِيحَ بالمريضِ، وصَحِيحَ الأطْرَافِ بمقْطُوعِها وأشَلِّها، ولأنَّه يُعتَبَرُ في القِصاصِ في الأطْرَافِ التَّساوِى 2 في نَفْسِ القَطْعِ، بحيث لو قطَع كُل واحدٍ مِن جانبٍ 3، لم يَجِبِ القِصاصُ، بخِلافِ النَّفْسِ، ولأَنَّ الاشْتِراكَ المُوجِبَ للقِصاصِ في النَّفْسِ يَقَعُ كثيرًا، فوَجَبَ القِصاصُ زَجْرًا عنه، كَيْلا يُتَّخَذَ وسِيلةً إلى كَثْرَةِ القَتْلِ، والاشْتِراكُ المُخْتَلَفُ فيه لا يَقَعُ إلَّا في غايةِ النُّدرَةِ، فلا حاجةَ إلى الزَّجْرِ عنه، ولأَنَّ إيجابَ القِصاصِ على المُشْتَرِكينَ في النَّفْسِ يحْصُلُ به الزَّجْرُ عن كُلِّ اشْتِراكٍ، أو عن الاشْتِراكِ المُعتادِ، وإيجابُه على المُشْترِكينَ في

..................................  الطَّرَفِ لا يَحْصُلُ به الزَّجْرُ عن الاشْتِراكِ المُعتادِ، ولا عن شئٍ مِنَ الاشْتِراكِ، إلَّا عن صُورَةٍ نادرةِ الوُقوعِ، بَعِيدةِ الوُجُودِ، يُحْتاجُ في وُجُودِها إلى تَكَلُّفٍ، فإيجابُ القِصاصِ للزَّجْرِ عنها يكون مَنْعًا لشئٍ لا يَكادُ يَقَعُ لصُعُوبَتِه، وإطْلاقًا في القَطْع السَّهْلِ المُعْتادِ بِنَفْى القِصاصِ عن فاعِلِه، وهذا لا فائدَةَ فيه، بخلافِ الاشْتِراكِ في النَّفْسِ، يُحَقِّقُه أنَّ وُجُوبَ القِصاصِ في الطَّرَفِ والنَّفْسِ على الجماعةِ بواحدٍ على خِلافِ الأصْلِ، لكَوْنِه يأخُذُ في الاسْتِيفاءِ زِيادَةً على ما فوَّتَ عليه، ويُخِلُّ بالتَّماثُلِ المَنْصُوصِ على النَّهْى عمَّا عَداه، وإنَّما خُولِفَ هذا الأصلُ زَجْرًا عن الاشْتِراكِ الذى يَقَعُ القَتْلُ به غالِبًا، ففيما عَدَاه يَجِب البَقاءُ على أصْلِ التَّحْريمِ، ولأَنَّ النَّفْسَ أشْرَفُ مِنَ الطَّرَفِ، ولا يَلْزَمُ مِن المُحافظةِ عليها بأَخْذِ الجماعةِ بالواحدِ، المُحافظَةُ على ما دُونَها بذلك.
ولَنا، ما رُوِى أنَّ شاهِدَينِ شَهِدا عندَ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، على رَجُل بالسَّرِقَةِ، فقَطَعَ يَدَه، ثم جاءَا بآخَرَ، فقالا: هو السَّارِقُ، وأخْطَأْنا في الأَوَّلِ.
فرَدَّ شَهادَتَهُما على الثانى، وغَرَّمَهُما دِيَةَ يَدِ الأَوَّلِ، وقال: لو عَلِمتُ أنَّكُما تَعَمَّدْتُما لمَطَعتُكُما 1. فأخْبَرَ أنَّ القِصاصَ على كلِّ واحدٍ منهما لو تَعَمَّدَا قَطْعَ يَدٍ واحدةٍ.
ولأنَّه أحَدُ نَوْعَىِ القِصاصِ، فيُؤْخَذُ فيه الجماعةُ بالواحدِ، كالأنْفُس 2، وأمَّا اعتِبارُ التَّساوِى، فمِثْلُه في الأنْفُسِ 3؛

..................................  فإنَّا نَعتَبِرُ التَّساوِىَ فيها فلا نأْخُذُ مُسْلِمًا بكافِر، ولا حُرًّا بعَبْدٍ، وأمَّا أَخْذُ صَحيحِ الأَطْرَافِ بمقْطُوعِها، فلأنَّ الطَّرَفَ ليس هو مِنَ النَّفْسِ المُقْتَصِّ منها، وإنَّما يُؤْخَذُ تَبَعًا، ولذلك 1 كانتْ دِيَتُهُما واحدةً، بخِلافِ اليَدِ النَّاقِصَةِ والشَّلَّاءِ مع الصَّحِيحةِ، فإنَّ دِيَتَهُما مُخْتلِفة.
وأمَّا اعتِبارُ التَّساوِى في الفِعْلِ، فإنَّما اعتُبِرَ في اليَدِ؛ لأنَّه يُمْكِنُ مُباشَرَتُها بالقَطْعِ، فإذا قطَع كلُّ واحدٍ منهما مِن جانبٍ، كان 2 فِعْلُ كلِّ واحدٍ منهما مُتَمَيِّزًا عن فِعْلِ الآخرِ، فلا يَجِبُ على إنْسانٍ قَطْعُ مَحَلٍّ لم يُقْطَعْ مثلُه، وأمَّا النَّفْسُ، فلا يُمكِنُ مُباشَرَتُها بالفِعلِ، وإنَّما أفْعالُهم في البَدَنِ، فَيُفْضِى 3 أَلَمُه إليها فتَزْهَقُ، ولا يتَمَيَّزُ أَلَمُ فِعْلِ أحَدِهما مِن ألَمِ فِعْلِ 4 الآخَرِ، فكانا كالقاطِعَيْنِ في مَحَل واحدٍ، ولذلك لا يُسْتَوْفَى مِن الطَّرَفِ إلَّا في المَفْصِلِ الذى قطَع الجانِى منه 5، ولا يجوزُ تَجاوُزُه، وفى النَّفْسِ لو قَتَلَه بجُرْحٍ في جَنْبِه أو بَطْنِه أو غيرِ ذلك، كان الاسْتِيفاءُ مِنَ العُنُقِ دونَ المَحَلِّ الذى وقَعَتِ الجِنايةُ فيه.
إذا ثبَت هذا، فإنَّ الجِنايةَ إنَّما تَجِبُ على المُشْتَرِكينَ في الطَّرَفِ، إذا اشْتَرَكُوا فيه على وَجْهٍ لا يتَمَيَّزُ فِعلُ أحَدِهم

وَإِنْ تَفَرَّقَتْ أَفْعَالُهُم، أَوْ قَطَعَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ جَانِبٍ، فَلَا قِصَاصَ، رِوايةً وَاحِدَةً.
مِن فِعْلِ الآخَرِ؛ إمَّا بأنْ يَشْهدُوا عليه بما يُوجِبُ قَطْعَه، فيُقْطَعَ، ثم يرجِعُوا عن الشَّهادةِ، أو (1) يُكْرِهُوا إنْسانًا على قَطْعِ طَرَفٍ، فيَجِبُ قَطْعُ المُكْرِهِينَ والمُكْرَهِ، أو يُلْقُوا صَخْرَةً على طَرَفِ إنْسانٍ، فيَقْطَعَه، أو يَقْطَعُوا يدًا، أو يَقْلَعُوا (2) عَيْنًا بضَربَةٍ واحدةٍ، أو يَضَعُوا حَدِيدةً على مَفْصِلٍ وَيَتَحامَلُوا عليها جَمِيعًا، أو يَمُدُّوها فتَبِينَ، ونحو ذلك.

4164 -

مسألة: (وإن تَفَرَّقَتْ أفْعَالُهم، أو قطَع كُلُّ وَاحِدٍ مِن جَانِبٍ، فلا قِصاصَ)

عليهم (روايَةً واحِدَةً) لأَنَّ كلَّ واحدٍ منهم لم يَقْطَعِ اليَدَ، ولم يُشارِكْ في قَطْعِ جَمِيعِها، وإن كان فِعلُ كل واحدٍ منهم يُمكِنُ الاقْتِصاصُ 3 بمُفْرَدِه، اقْتُصَّ منه.
وهذا مذهبُ الشافِعىِّ.12

وَسِرَايَةُ الْجِنَايَةِ مَضْمُونَة بِالْقِصَاصِ أوِ الدِّيَةِ، فَلَوْ قَطَعَ إصبَعًا فَتَآكَلَتْ أُخْرَى إلى جَانِبها وَسَقَطَتْ مِنْ مَفْصِل، أَوْ تَآكَلَتِ الْيَدُ وَسَقَطَتْ مِنَ الْكُوعِ، وَجَبَ الْقِصَاصُ فِى ذَلِكَ،

4165 - مسألة: (وسِرايَةُ الجِنايَةِ مَضْمُونَة بالْقِصاصِ أو الدِّيَةِ)

سِرايةُ الجِنايةِ مضْمُونةٌ بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّها أثَرُ جِنايَةٍ، والجِنايةُ مضْمُونةٌ، فكذلك أَثَرُها، ثم إن سَرَت إلى النَّفْسِ، و 1 ما لا يُمكِنُ مُباشَرَتُه بالإِتْلافِ، مثلَ أن يَهْشِمَه في رَاسِه فيَذْهبَ ضَوْءُ عيْنَيْه 2، وجَبَ القِصاصُ فيه، ولا خِلافَ في ذلك في النَّفْسِ، وفى ضَوْءِ العَيْنِ خِلاف ذكَرْناه فيما مَضَى.
وإن سَرَتْ إلى ما يُمكِنُ مُباشَرَتُه بالإِتْلافِ، مثلَ أن قطَع إصبَعًا فتآكَلَت أُخْرَى وسَقَطَتْ، ففيه القِصاصُ أيضًا، في قوْلِ إمامِنا، وأبى حنيفةَ، ومحمدِ بنِ الحسنِ.
وقال أكثرُ الفُقَهاءِ: لا قِصاصَ في الثَّانيةِ، وتَجِبُ دِيَتُها؛ لأَنَّ ما أمكَنَ مُباشَرَتُه بالجِنايةِ لا يَجِبُ القَوَدُ فيه بالسِّرايةِ، كما لو رَمَى سَهْمًا إلى شَخْصٍ، فمَرَقَ منه إلى آخَرَ.
ولَنا، أنَّ ما وَجَبَ فيه القَوَدُ بالجِنايةِ، وجَبَ بالسِّرايةِ،

وَإِنْ شَلَّ، فَفِيهِ دِيَتُهُ دُونَ الْقِصَاصِ.
كالنَّفْسِ، ولأنَّه أحَدُ نَوْعَىِ القِصاصِ، فأَشْبَهَ ما ذكَرنا.
وفارَقَ ما ذكَرُوه؛ فإنَّ ذلك (1) فِعْلٌ وليس بسِرَايةٍ، ولأنَّه لو قَصَدَ ضَربَ رَجُلٍ فأصابَ آخَرَ، لم يَجِبِ القِصاصُ، ولو قَصَدَ قَطْعَ إبْهامِه فقَطَعَ سَبَّابَتَه، وجَبَ القِصاصُ.
ولو ضَرَبَ إبْهامَه فمَرَقَ إلى سَبَّابَتِه، وجَبَ القِصاصُ فيها، فافْتَرَقا.
ولأَنَّ الثَّانيةَ تَلِفَتْ بفِغل أوْجَبَ القِصاصَ، فوَجَبَ القِصاصُ فيها، كما لو رَمَى إحدَاهما فمَرَقَ إلى الأُخْرَى.

4166 -

مسألة: (وإن شَلَّ، ففيهِ دِيَتُه)

وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ، قالوا: يجبُ الأَرْشُ في الثَّانيةِ التى شَلَّتْ، والقِصاصُ في الأُولَى.
وقال أبو حنيفةَ: لا يجبُ القِصاصُ فيهما 2، ويَجِبُ أَرْشُهُما جميعًا؛ لأَنَّ حُكْمَ السِّرايةِ لا يَنْفَرِدُ عن الجِنايةِ، بدليلِ ما لو سَرتْ إلى النَّفْسِ، فإذا لم يَجِبِ القِصاصُ في إحداهما، لم يَجبْ في الأُخْرَى.
ولَنا 3، أنَّها جِنايةٌ مُوجِبة للقِصاصِ لو لم تَسْرِ، [فأَوْجَبَتْه إذا سَرَت، كالتى تَسْرِى] 4 إلى سُقُوطِ أُخْرَى، وكا لو قطَع يدَ حُبْلَى فسَرَى إلى1

وَسِرَايةُ الْقَوَدِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ، فَلَوْ قَطَعَ الْيَدَ قِصَاصًا، فَسَرَى إِلَى النَّفْسِ، فَلَا شَىْءَ عَلَى الْقَاطِعِ.
جَنِينِها.
وبهذا يَبْطُلُ ما ذكَرَه (1). وفارَقَ الأصلَ؛ لأَنَّ السِّرايةَ مُقْتَضِيَةٌ للقِصاصِ، كاقْتِضاءِ الفِعْلِ له، فاسْتَوَى حُكْمُهما، وههُنا بخِلافِه (2)، ولأَنَّ ما ذكَره غيرُ صَحِيح، فإنَّ القَطْعَ إذا سَرَى إلى النَّفْسِ، وجَب القِصاصُ في النَّفْسِ، وسقَط في القَطْعِ، فخالفَ حُكْمُ الجِنايةِ حُكْمَ السِّرايةِ، فسَقَطَ ما قالَه.
إذا ثبَت ذلك، فإنَّ الأَرْشَ يَجِبُ في مالِه، فلا تَحمِلُه العاقِلَةُ؛ لأنَّه جِنايَةُ عمدٍ، وإنَّما لم يَجبِ القِصاصُ فيه لعَدَمِ المُماثَلَةِ في القَطْعِ، فإذا قطَع إصبَعَه فشَلَّتْ أَصابِعُه الباقِية وكَفُّه، فعَفَا عن القِصاصِ، وجَب له [نِصْفُ الدِّيَةِ] (3)، وإنِ اقتَصَّ مِنَ الإِصْبَعِ، فله في الأصابعِ الباقيةِ أرْبعونَ مِنَ الإِبِلِ، ويَتْبَعُها ما حاذاها مِنَ الكَفِّ، وهو أربَعةُ أخْماسِه.
فيَدْخُلُ أَرْشُه فيها، ويَبْقَى خُمسُ الكَفِّ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَتْبَعُها في الأَرْشِ، فلا شئَ له (2) فيه.
والثانى، فيه الحُكومةُ؛ لأَنَّ ما يُقابِلُ الأَرْبَعَ يَتْبَعُها في الأَرْشِ، لاسْتِوائِهِما في الحُكْمِ، وحُكْمُ التى اقْتصَّ منها مُخالِفٌ لحُكْمِ الأَرْشِ، فلم يَتْبَعْها.

4167 -

مسألة: (وَسِرايَةُ القَوَدِ غيرُ مَضْمُونَةٍ، فلو قطَع اليدَ

123

..................................  قِصاصًا، فسَرَى إلى النَّفْسِ، فلا شئَ على القاطعِ) وبهذا قال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، ومالكٌ 1، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو يوسف، ومحمدٌ، وابنُ المُنْذِرِ.
ورُوِى ذلك عن أبى بكرٍ، وعمرَ، وعلىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وقال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، وعمرُو بنُ دِينارٍ، والحارِثُ العُكْلِىُّ، والشَّعبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: عليه الضَّمانُ.
قال أبو حنيفةَ: عليه كمالُ الدِّيَةِ في مالِه.
وقال غيرُه: هى على عاقِلَتِه؛ لأنَّه فَوَّتَ نَفْسَه، ولا يَسْتَحِقُّ إلَّا طَرَفَه، فلَزِمَتْه دِيَتُه، كما لو ضَرَبَ عُنُقَه، ولأنَّها سِرَايةُ قَطعٍ مَضْمُونٍ، فكانت مَضْمُونةً كسِرايةِ الجِنايةِ، والدَّليلُ على أنَّه مَضْمُونٌ، أنَّه مَضْمون بالقَطْعِ الأَوَّلِ؛ لأنَّه في مُقابَلَتِه.
ولَنا، أنَّ عمرَ وعَلِيًّا، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال 2: مَن مات مِن حَدٍّ أو قِصاصٍ لا دِيَةَ له، الحَقُّ 3 قَتَلَه.
روَاه سَعِيدٌ بمعناه 4. ولأنَّه قَطْعٌ

وَلا يَقْتَصُّ مِنَ الطَّرَفِ إلَّا بَعدَ بُرْئِهِ، فإنِ اقْتَصَّ قَبْلَ ذَلِكَ، بَطَلَ حَقُّهُ مِنْ سِرَايَةِ جُرْحِهِ.
مُسْتَحَق مُقَدَّر، فلا تُضْمَنُ سِرايَتُه، كقَطْعِ السَّارِقِ.
وفارَقَ ما قَاسُوا عليه، فإنَّه ليس ما فَعَلَه مُسْتَحَقًّا.
إذا ثبَت هذا، فلا فَرقَ بينَ سِرايته إلى النَّفْس، بأن يَمُوتَ منها، أو إلى ما دُونَها، مثلَ أن يَقْطَعَ إصبَعًا فتَسْرِىَ إلى كَفِّه.

4168 -

مسألة: (ولَا يُقْتَصُّ مِن الطَّرَفِ إلَّا بعدَ بُرْئِه)

في قولِ أكثرِ أَهْلِ العلمِ؛ منهم النَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
ورُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ، والحسنِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 1: كلُّ مَن نحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ يَرَى الانْتِظارَ بالجُرحِ حتى يَبْرَأَ.
ويتَخَرَّجُ لنا أنَّه يجوزُ الاقْتِصاصُ قبلَ البُرْءِ، بِناءً على قَوْلِنا: إنَّه إذا سَرَى إلى النَّفْسِ، يُفْعَلُ به كما 2 فعَل.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
قال:

..................................  ولو سألَ القَوَدَ ساعةَ قُطِعَتْ إصْبَعُه، أقَدْتُه؛ لما رَوَى جابرٌ، أنَّ رَجُلًا طعَن رجلًا بقَرْنٍ في رُكْبَتِه، فقال: يا رسولَ اللَّهِ أقِدْنِى.
قال: «حَتَّى تَبْرَأَ».
فأبَى، وعَجَّلَ، فاسْتَقادَ له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَعِيبَتْ رِجْلُ المُسْتَقِيدِ، وبَرأَتْ رِجلُ المُسْتَقادِ منه.
فقال له 1 النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَيْسَ لك شَىْءٌ، إنَّكَ عَجِلْتَ».
رواه سعيدٌ مُرْسلًا 2. ولأَنَّ القِصاصَ في الطرًّفِ لا يَسْقُطُ بالسِّرايةِ، فوَجَبَ أن يَمْلِكَه في الحالِ، كما لو بَرَأَ.
ولَنا، ما رَوَى جابرٌ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهى أن يُسْتَقادَ مِن الجُرْحِ 3 حتى يَبْرأَ المَجْرُوحُ.
وروَاه الدَّارَقُطنِىُّ 4، عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ولأَنَّ الجُرْحَ لا يُدْرَى أقَتْلٌ هو أو لا، فيَنْبَغِى أن يُنْتَظَرَ 5 ليُعْلَمَ ما حُكْمُه؟ فقد روَاه 6، وفى سِياقِه، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، عَرَجْتُ.
فقال: «قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِى، فأَبْعَدَكَ اللَّه»،

فَلَو سَرَى إِلَى نَفْسِهِ، كَانَ هَدْرًا، وَإِنْ سَرَى الْقِصَاصُ إِلَى نَفْسِ الْجَانِى، كَانَ هَدْرًا أَيْضًا.
وبَطَل عَرَجُكَ».
ثم نَهَى أن يُقْتَصَّ مِن جُرْحٍ حتى يَبْرَأَ صاحِبُه.
وهذه زِيادةٌ يجبُ قَبُولُها، وهى مُتَأخِّرَة عن الاقْتِصاصِ، فتكونُ ناسِخَةً له.
وفى نفسِ الحديثِ ما يَدُلُّ على أنَّ اسْتِقادَتَه قبلَ البُرْءِ مَعْصِيَةٌ؛ لقَوْلِه: «قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِى».
وما ذكَرُوه مَمْنُوعٌ، وهو مَبْنَى الخِلافِ.

4169 -

مسألة: فإن فعَل ذلك، سقَط حقُّه مِن سِرايَتِه (فلو سرَى إلى نَفْسِه، كان هَدْرًا، ولو سَرَى القِصاصُ إلى نَفْسِ الجانى، كان هَدْرًا أيضًا)

وقال الشافعىُّ: هى مَضْمُونَةٌ؛ لأنَّها سِرايَة جنَايَةٍ، فكانت مَضْمُونَة، كما لو لم يَقْتَصَّ.
ولَنا، الخَبَرُ المذْكورُ، ولأنَّه اسْتَعْجَلَ 1 ما لم يكُنْ له اسْتِعْجالُه، فبَطَلَ حَقُّه، كقاتِلِ مَوْرُوثِه، وبهذا فارَقَ مَن لم يَقْتَصَّ.
فعلى هذا، لو سَرَى القَطْعانِ جميعًا، فمات الجانِى والمُسْتَوْفِى، فهما هَدْرٌ.
وقال أبو حنيفةَ: يجبُ ضَمانُ كُلِّ واحدٍ منهما؛ لأَنَّ سِرايةَ كُلِّ واحدٍ منهما مَضْمُونَةٌ، ثم يتَقاصَّان.
وقال الشافعىُّ: إن ماتَ المَجْنِىُّ عليه أوَّلًا، ثم مات الجانِى، كان قِصاصًا به؛ لأنَّه مات مِن سِرايَةِ القَطْعِ، فقد مات بفِعْلِ المَجْنِىِّ عليه.
وإن مات

..................................  الجانِى 1، فكذلك في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، وفى الآخَرِ، يكونُ مَوْتُ الجانِى هَدْرًا، ولوَلِىِّ المَجْنِىِّ عليه نِصْف الدِّيَةِ.
فأمَّا إن سَرَى أحَدُ القَطْعَيْنِ دونَ صاحبِه، فعندَنا هو هَدْرٌ، لا ضَمانَ فيه.
وعندَ أبى حنيفةَ، يجبُ ضَمانُ سِرايَتِه.
وعندَ الشافِعىِّ، إن سَرَتِ الجِنايَةُ فهى مَضْمُونَةٌ، وإن سَرَى الاسْتِيفاءُ، لم يَجِبْ ضَمانُه.
ومَبْنَى ذلك على ما تَقَدَّمَ مِنَ الخِلافِ.
فصل: وإنِ انْدَمَلَ جُرْحُ الجِنايةِ، فاقْتَصَّ منه، ثم انْتَقَضَ 2 فَسَرَى، فسِرايَتُه مَضْمُونةٌ، وسِرايَةُ الاسْتِيفاءِ غيرُ مَضْمُونةٍ؛ لأنَّه اقْتَصَّ بعدَ جوازِ القِصاصِ.
فعلى هذا، لو قطَع يَدَىْ رَجُلٍ فَبَرأَ، فاقْتَصَّ، ثم انْتَقَضَ جُرْحُ المَجْنِىِّ عليه، فمات، فلِوَلِيِّه قَتْلُ الجانِى؛ لأنَّه مات مِن جِنايَتِه.
وقال ابنُ أبى موسى: إذا جَرَحَه، فبَرَأَ، ثم انْتَقَضَ، فماتَ، فلا قَوَدَ فيه؛ ولَنا، أنَّ الجِنايةَ لو سَرَتْ إلى النَّفْسِ قبلَ الانْدِمالِ وجَب القِصاصُ، فكذلك بعدَه، وإن عَفا إلى الدِّيَةِ، فلا شئَ له 3، لأنَّه اسْتَوْفَى بالقَطْعِ ما قِيمَتُه دِيَةٌ وهو يَداه، وإن سَرَى الاسْتِيفاءُ، لم يَجِبْ أيضًا شئٌ؛ لأَنَّ القِصاصَ قد سقَط بمَوْتِه، والدِّيَةُ لا يُمْكِنُ إيجابُها؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن كان المقْطُوعُ بالجِنايةِ يَدًا، فوَلِيُّه بالخِيارِ بينَ القِصاصِ في

..................................  النَّفْسِ وبينَ العَفْوِ 1 إلى نِصْفِ الدِّيَةِ.
ومتى سقَط القِصاصُ بمَوْتِ الجانِى أو غيرِه، وجَب نِصْفُ الدِّيَةِ في تَرِكَةِ الجانِى، أو مالهِ إن كان حَيًّا.
فصل: ولو قطَع كِتَابِىٌّ يَدَ مُسْلِمٍ، [فبَرأَ و] 2 اقْتَصَّ، ثم انْتَقَضَ جُرْحُ المُسْلِمِ ومات، فلِوَلِيِّه قَتْلُ الكِتابِىِّ والعَفْوُ إلى أَرْشِ الجُرْحِ، وفى قَدْرِه وَجْهان؛ أحدُهما، نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لأنَّه قد اسْتَوْفَى بَدَلَ يَدِه بالقِصاصِ، وبَدَلُها نِصْفُ دِيَتِه، فبَقِىَ له نِصْفُها، كما لو كان القاطِعُ مُسْلِمًا.
والثانى، له ثَلاثَةُ أرْباعِها؛ لأَنَّ يَدَ اليَهودِىِّ تَعْدِلُ نِصْفَ دِيَتِه، وذلك رُبْعُ دِيَةِ المُسْلِمِ، فقد اسْتَوْفَى رُبْعَ دِيَتِه، وبَقِىَ له ثَلاثةُ أرْباعِها.
وإن كان قَطَع يَدَىِ المُسْلِمِ، فاقْتَصَّ منه، ثم مات المسلمُ، فعَفا وَلِيُّه إلى مالٍ، انْبَنَى على الوَجْهَيْنِ.
وإن قُلْنا: تُعْتَبَرُ قِيمةُ يَدِ اليَهُودِىِّ.
فله ههُنا نِصْفُ الدِّيَةِ.
وإن قُلْنا: الاعْتِبارُ بقِيمَةِ يَدِ المسلمِ.
فلا شئَ له ههُنا؛ لأنَّه قد اسْتَوْفَى بَدَلَ يَدَيْه 3، وهما جَمِيعُ دِيَتِه.
ولو كان القَطْعُ في يَدَيْه ورِجْلَيْه، فعَفَا إلى الدِّيَةِ، لم يكُنْ له شئٌ، وجْهًا واحدًا؛ لأَنَّ دِيَةَ ذلك دِيَةُ المُسْلِمِ.
ولو كان الجانِى امرأةً، فالحُكْمُ على ما ذكَرْنا سَواءً؛ لأَنَّ دِيَتَها نِصْفُ دِيَةِ 4 الرَّجُلِ.

..................................  فصل: إذا قطَع يدَ رَجُلٍ [مِن الكُوعِ] 1، ثم قَطَعَها آخَرُ مِن المَرْفِقِ، فمات بسِرايَتِهما، فلِلْوَلِىِّ قَتْلُ القاطِعَيْنِ، وليس له أن يَقْطَعَ طَرَفَيْهِما، في أحدِ الوَجْهَيْنِ.
وفى 2 الآخَرِ، له قَطْعُ يَدِ القاطِعِ مِنَ الكُوعِ.
فإن قَطَعَها، ثم عَفا عنه، فله نِصْفُ الدِّيَةِ، وأمَّا الآخَرُ، فإن كانتْ يَدُه مقْطُوعَة مِن الكُوعِ، فقَطَعَها من المَرْفِقِ، ثم عَفا، فله دِيَةٌ إلَّا قَدْرَ الحُكومةِ في الذِّراعِ.
ولو كانت يَدُ القاطعِ مِن المَرْفِقِ صَحِيحةً، لم يَجُزْ قَطْعُها، رِواية واحدةً؛ لأنَّه يأْخُذُ صَحِيحَةً بمَقْطُوعةٍ.
وإن قطَع أيْدِيَهما وهما صَحيحَتانِ، أو قطَع رَجُلانِ يَدُيْهِ، فقَطَع أيْدِيَهما، ثم سَرَتِ الجِنايةُ، فمات مِن قَطْعِهما، فليس لوَلِيِّهما العَفْوُ إلى الدِّيَةِ؛ لأنَّه قد اسْتَوْفَى ما قِيمَتُه دِيَةٌ.
وإنِ اخْتارَ قَتْلَهما، فله ذلك.
واللَّهُ أعلمُ.

كِتَابُ الدِّيَاتِ  كتابُ الدِّياتِ الأَصْلُ في وُجُوبِ الدِّيَةِ الكتابُ والسُّنَّةُ والإجْماع؛ أمَّا الكتابُ فقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ 1 الآية.
وأمَّا السُّنَّةُ، فرَوَى أبو بكرِ بنُ محمدِ ابنِ عمرِو بنِ حَزْمٍ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كَتَبَ لعمرِو بنِ حَزْمٍ كِتابًا إلى أَهْلِ اليَمَنِ، فيه الفَرائِضُ والسُّنَنُ والدِّيَاتُ، وقال فيه: «وفى النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ».
رَوَاه النَّسَائِىُّ في «سُنَنِه»، ومالكٌ في «مُوَطَّئِهِ» (2). قال ابنُ عبدِ البَرِّ 2: وهو كتابٌ مَشْهورٌ عندَ أَهْلِ السِّيَرِ، مَعْروفٌ عندَ أَهْلِ العِلْمِ مَعْرِفَةً يُسْتَغْنَى بشُهْرَتِها عن الإِسْنادِ؛ لأنَّه أشْبَهَ التَّواتُرَ 3 في مَجِيئِه في أحاديثَ كثيرةٍ.
تأْتِى 4 في مواضِعِها مِن البابِ، إن شاءَ اللَّهُ5

###: باب

ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول...، من كتاب القسامة.
المجتبى 8/ 52 - 54. والإمام مالك، في: باب ذكر العقول، من كتاب العقول.
الموطأ 2/ 849. كما أخرجه الدارمى، في: باب كم الدية من الإبل، من

جارٍ التحميل