الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 323-365

وَإِنْ مَال حَائِطُهُ، فَلَمْ يَهْدِمْهُ حَتَّى أَتْلَفَ شَيئًا، لَمْ يَضْمَنْهُ، نَصَّ عَلَيهِ.
وَأَوْمَأَ في مَوْضِعٍ، أَنَّهُ إِنْ تُقُدِّمَ إِلَيهِ بِنَقْضِهِ وَأُشْهِدَ عَلَيهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، ضَمِنَ.
الجَناحِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ إخْراجَه مُباحٌ، بل هو مُحَرَّمٌ؛ لأنَّه أخْرَجَ إلى هَواءِ مِلْكِ غيرِه شَيئًا [يضُرُّ به، أشْبهَ ما أخْرَجَه إلى مِلْكِ آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ بغيرِ إذْنِه.
فأمَّا إن أخْرَجَه إلى مِلْكِ آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ بغيرِ إذْنِه، فهو مُتَعَدٍّ، ويَضْمَنُ ما تَلِفَ به.
لا نَعْلَمُ في ذلك خِلَافًا.

2376 -

مسألة: (وإن مال حائِطُه، فلم يَهْدِمْه حتى أَتْلَفَ شيئًا] 1، لم يَضْمَنه. نَصَّ عليه. وأوْمَأَ في مَوْضِعٍ، أنَّه إن تُقُدِّمَ إليه لنَقْضِه وأُشْهِدَ عليه، فلم يَفْعَلْ، ضَمِن) إذا كان في مِلْكِه حائِطٌ مُسْتَوٍ

..................................  [أو مائِلٌ إلى مِلْكِه] 1، أو بِناءٌ كذلك، فسَقَطَ مِن غيرِ اسْتِهْدامٍ ولا مَيلٍ، فلا ضَمانَ على صاحِبِه فيما تَلِفَ به؛ لأنَّه لم يَتَعدَّ ببِنائِه، ولا حَصَل منه تَفْرِيطٌ بإبْقائِه، وإن مال قبلَ وُقُوعِه إلى مِلْكِه ولم يَتَجاوَزْه، فلا ضَمان عليه أيضًا؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ بِنائِه مائِلًا في مِلْكِه، وإن مال قبلَ وُقُوعِه إلى هَواءِ الطَّرِيقِ، أو إلى مِلْك إنْسانٍ، أو مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ بينَه وبينَ غيرِه، وكان بحيثُ لا يُمْكِنُه نَقْضُه، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه لم يتَعدَّ ببِنائِه، ولا فَرَّطَ في تَرْكِ نَقْضِه؛ لعَجْزِه عنه، أشْبَهَ ما لو سَقَط مِن غيرِ مَيلٍ.
فإن أمْكَنَه نَقْضُه ولم يَنْقُضْه ولم يُطالبْ بذلك، لم يَضْمَنْ، في المَنْصُوصِ عن أحمدَ.
وهو الظّاهِرُ 2 عن الشافعيِّ.
ونحوُه قولُ الحسنِ، والنَّخَعِيِّ، والثَّوْرِيِّ،

..................................  وأصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّه بَناه في مِلْكِه، والمَيلُ حادِثٌ بغيرِ فِعْلِه، أشْبَهَ ما لو وَقَع قبلَ مَيلِه.
وذَكَر بعضُ أصحابِنا فيه وَجْهًا آخَرَ، أنَّ عليه الضَّمانَ.
وهو قولُ ابنِ أبي لَيلَى، وأبِي ثَوْرٍ، وإسحاقَ؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ بتَرْكِه مائِلًا فضَمِنَ ما تَلِفَ به، كما لو بَناه مائِلًا إلى ذلك ابْتِداءً، ولأنَّه لو طُولِبَ بنَقْضِها فلم يَفْعَلْ، ضَمِن ما تَلِف به، ولو لم يَكُنْ مُوجبًا للضَّمانِ لم يَضْمَنْ بالمُطالبَةِ, كما لو لم يَكُنْ مائِلًا أو كان مائِلًا إلى مِلْكِه.
وأمّا إن طُولِبَ بنَقْضِه فلم يَفْعَلْ، فقد تَوَقَّفَ أحمدُ عن الجَوابِ فيها.
وقال أصحابُنا: يَضْمَنُ.
وقد أوْمَأَ إليه أحمدُ.
وهو مَذْهَبُ مالِكٍ.
ونحوَه قال الحسنُ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: الاسْتِحْسانُ أن يَضْمَنَ؛ لأنَّ حَقَّ الجَوازِ للمُسْلِمينَ، ومَيلُ الحائِطِ يَمْنَعُهم ذلك، فكان لهمُ المُطالبَةُ بإزالتِه، فإذا لم يُزِلْه، ضَمِنَ, كما لو وَضَع شيئًا على حائِطِ نَفْسِه فسَقَطَ في مِلْكِ غيرِه فطُولِبَ برَفْعِه فلم يَفْعَلْ حتى عَثَر به

..................................  إنْسانٌ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، لا ضَمانَ عليه.
قال أبو حنيفةَ: وهو القِياسُ.
لأنَّه بَناه في مِلْكِه ولم يَسْقُطْ بفِعْلِه، فأشْبَهَ ما لو لم يُطالبْ بنَقْضِه، أو سَقَط قبلَ مَيلِه، أو لم يُمْكِنْه نَقْضُه، ولأنَّه لو وَجَب الضَّمانُ به لم تُشْتَرَطِ المُطالبَةُ به، كما لو بَناه مائِلًا إلى غيرِ مِلْكِه.
فإن قُلْنا: عليه الضَّمانُ إذا طُولِبَ.
فإنَّ المُطالبَةَ مِن كلِّ مُسْلمٍ أو ذِمِّيٍّ تُوجِبُ الضَّمانَ، إذا كان مَيلُه إلى الطَّرِيقِ؛ لأنَّ لكلِّ واحِدٍ منهم حَقَّ المُرُورِ، فكانت له المُطالبَةُ, كما لو مال الحائِطُ إلى مِلْكِ جَماعَةٍ كان لكلِّ واحِدٍ منهم المُطالبَةُ.
وإذا طالبَ واحِدٌ، فاسْتَأْجَلَه صاحِبُ الحائِطِ، أو أَجَّلَه الإِمامُ، لم يَسْقُطْ عنه الضَّمانُ؛ لأنَّ الحَقَّ لجميعِ المُسْلِمينَ، فلا يَمْلِكُ الواحِدُ منهم إسْقاطَه.
وإن كانتِ المُطالبَةُ لمُسْتَأْجِرِ الدّارِ ومُرْتَهِنِها ومُسْتَعِيرِها أو 1

..................................  مُسْتَوْدَعِها، فلا ضَمانَ عليهم؛ لأنَّهم لا يَمْلِكُونَ النَّقْضَ، وليس الحائِطُ مِلْكًا لهم، وإن طُولِبَ المالِكُ في هذه الحالِ، فلم يُمْكِنْه اسْتِرْجاعُ الدّارِ ونَقْضُ الحائِطِ، فلا ضَمانَ عليه؛ لعَدَمِ تَفْرِيطِه، وإن أمْكَنَه اسْتِرْجاعُها كالمُعِيرِ والمُودِعِ والرَّاهِنِ إذا أمْكَنَه فَكاكُ الرَّهْنِ فلم يَفْعَلْ، ضَمِن؛ لأنَّه أمْكَنَه النَّقْضُ.
وإن كان المالِكُ مَحْجُورًا عليه لسَفَهٍ أو صِغَرٍ أو جُنُونٍ، فطُولِبَ هو، لم يَلْزَمْه الضَّمانُ؛ لأنَّه ليس أهْلًا للمُطالبَةِ، وإن طُولِبَ وَلِيُّه أو وَصِيُّه، فلم يَنْقُضْه، فالضَّمانُ على المالِكِ؛ لأنَّ سَبَبَ

..................................  الضَّمانِ مالُه، فكان الضَّمانُ عليه دونَ المُتَصَرِّفِ 1، كالوَكِيلِ مع المُوَكِّلِ.
وإن كان المِلْكُ مُشْتَرَكًا بين 2 جَماعَةٍ، فطُولِبَ أحَدُهُم بنَقْضِه، احْتَمَلَ وَجْهَين؛ أحدُهما، لا يَلْزَمُه شيءٌ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه نَقْضُه بدونِ إذْنِهِم، فهو كالعاجِزِ.
والثاني، يَلْزَمُه بحِصَّتِه؛ لأنَّه يتَمَكَّنُ مِن النَّقْضِ بمُطالبَتِه شُرَكاءَه وإلْزَامِهِم النَّقْضَ، فصارَ بذلك مُفَرِّطًا.
فإن كان مَيلُ الحائِطِ إلى مِلْكِ آدَمِيّ مُعَيَّن إمّا واحِدٍ أو جَماعَةٍ، فالحُكْمُ على ما ذَكَرْنا، إلَّا أنَّ المُطالبَةَ تكونُ للمالكِ، أو ساكِنِ المِلْكِ الذي مال إليه دُونَ غيرِه.
وإن كان لجَماعَةٍ، فأَيُّهم طالبَ، وَجَب النَّقْضُ بمُطالبَتِه، كما لو طالبَ واحِدٌ بنَقْضِ المائِلِ إلى الطَّرِيقِ، إلَّا أنَّه متى طُولِبَ ثم أجَّلَه صاحِبُ المِلْكِ، أو أبْرَأَة منه، أو فَعَل ذلك ساكِنُ الدّارِ التي مال إليها، جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لِه، وهو يَمْلِكُ إسْقاطَه.
وإن مال إلى دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ، فالحَقُّ لأَهلِ الدَّرْبِ، والمُطالبَةُ لهم؛ لأنَّ المِلْكَ لهم، ويَلْزَمُ النَّقْضُ بمُطالبَةِ أحَدِهِم، ولا يَبْرَأُ بإبْرائِه وتَأْجيلِه، إلَّا أن يَرْضَى بذلك جَمِيعُهم؛ لأنَّ الحَقَّ للجَمِيعِ.

..................................  فصل: وإن لم يَمِلِ الحائِطُ لكنْ تَشَقَّقَ، فإن لم يُخْشَ سُقُوطُه؛ لكَوْنِ شُقُوقِه بالطُّولِ، لم يَجِبْ نَقْضُه، وحُكْمُه حُكْمُ الصَّحِيحِ، قِياسًا عليه.
وإن خِيفَ وُقُوعُه؛ لكَوْنِه مَشْقُوقًا بالعَرْضِ، فحُكْمُه حُكْمُ المائلِ؛ لأنَّه يُخافُ منه التَّلَفُ، أشْبَهَ المائِلَ.
فصل: ولو بَنَى في مِلْكِه حائِطًا مائِلًا إلى الطَّريقِ أو إلى مِلْكِ غيرِه، فتَلِفَ به شيءٌ أو سَقَط على شيءٍ أتْلَفَه، ضَمِن؛ لتَعَدِّيه، فإنَّه ليس له البِناءُ في هَواءِ مِلْكِ غيرِه أو هَواءٍ مُشْتَرَكٍ، ولأنَّه يُعَرِّضُه للوُقُوعِ على غيرِه في غيرِ مِلْكِه، أشْبَهَ ما لو نَصَب فيه مِنْجَلًا يَصِيدُ به.
وهذا مَذْهَبُ الشافِعِيِّ.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا.

..................................  فصل: إذا تُقُدِّمَ إلى صاحِبِ الحائِطِ المائِلِ بنَقْضِه، فبَاعَه مائِلًا، فسَقَطَ على شيءٍ، فتَلِفَ به، فلا ضَمانَ على بائِعِه؛ لأنَّه ليس بمِلْكِه، ولا على المُشْتَرِي؛ لأنَّه لم يُطالبْ بنَقْضِه، وكذلك إن وَهَبَه وأقْبَضه، وإن قُلْنا بلُزُومِ الهِبَةِ، زال الضَّمانُ عنه بمُجَرَّدِ العَقْدِ.
وإذا وَجَب الضَّمانُ وكان التّالِفُ به آدَمِيًّا، فالدِّيَةُ على عاقِلَتِه، فإن أنْكَرَتِ العاقِلَةُ كَوْنَ الحائِطِ لصاحِبِهم، لم يَلْزَمْهُم، إلَّا أنَّ يَثْبُتَ ذلك ببَيِّنةٍ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الوُجُوبِ عليهِم، فلا يَجِبُ بالشَّكِّ، وإنِ اعْتَرَفَ صاحِبُ الحائِطِ، فالضَّمانُ عليه دُونهم؛ لأنَّ العاقِلَةَ لا تَحْمِلُ الاعْتِرافَ، وكذلك إن أنْكَرُوا مُطالبَتَه بنَقْضِه، فالحُكْمُ على ما ذَكَرْنا.
وإن كان الحائِطُ في يَدِ صاحِبِهم، وهو ساكِنٌ في الدّارِ، لم يَثْبُتْ بذلك الوُجُوبُ عليهم؛ لأنَّ دَلالةَ ذلك على المِلْكِ مِن جِهَةِ الظاهِرِ، والظاهِرُ لا تَثْبُتُ به الحُقُوقُ، وإنَّما تُرَجَّحُ به الدَّعْوَى.

وَمَا أَتْلَفَتِ الْبَهِيمَةُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِهَا، إلا أنْ تَكُونَ فِي يَدِ إِنْسَانٍ؛ كَالرَّاكِبِ وَالسَّائِقِ وَالْقَائِدِ، فَيَضْمَنُ مَا جَنَت يَدُهَا أوْ فَمُهَا دُونَ مَا جَنتْ رِجْلُهَا.

2377

  • مسألة: (و ما أَتْلفَتِ البَهِيمَةُ، فلا ضَمانَ على صاحِبِها، إلَّا أنَّ تكونَ في يَدِ إنسانٍ؛ كالرَّاكِبِ والسَّائِقِ والقائِدِ، فيَضْمَنُ ما جَنَتْ يَدُها أو فَمُها دونَ ما جَنَتْ برِجْلِها) إذا أتْلَفَتِ البَهِيمَةُ شيئًا، فلا ضَمانَ على صاحِبِها، إذا لم تَكُنْ يَدُ أَحَدٍ عليها؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ» 1. يَعْنِي هَدْرًا.
    فأمَّا إن كانت يَدُ صاحِبِها عليها، كالرَّاكِبِ والسَّائِقِ والقائِدِ، فإنَّه يَضْمَنُ.
    وهذا قولُ شُرَيح، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
    وقال مالكٌ: لا ضَمانَ عليه؛ لِما ذَكَرْنا مِن

..................................  الحَدِيثِ، ولأنَّه جنايَةُ بَهِيمَةٍ، فلم يَضْمَنْها، كما لو لم تَكُنْ يَدُه عليها.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الرِّجْلُ 1 جُبَارٌ».
رَواه سعيدٌ 2، بإسْنادِه، عن الهُزَيلِ بنِ شُرَحْبيل، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وعن أبي هُرَيرَةَ 3 عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وتَخْصِيصُ الرِّجْلِ بكَوْنِها جُبارًا دَلِيلٌ على وُجُوبِ الضَّمَانِ في جِنايَةِ غيرِها، ولأنَّه يُمْكِنُه حِفْظُها مِن الجِنايَةِ إذا كان راكِبَها أو يَدُه عليها، بخِلَافِ مَن لا يَدَ له عليها، وحَدِيثُه مَحْمُولٌ على مَن لا يَدَ له عليها.

..................................  فصل: ولا يَضْمَنُ ما جَنَتْ برِجْلِها.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وعن أحمدَ رِوَيَة أُخرَى، أنَّه يَضْمَنُها.
وهو قول شرَيحٍ، والشافِعِيِّ؛ لأنَّه مِن جنايَةِ بَهِيمَةٍ يَدُه عليها، فضَمِنَه، كجِنايَةِ يَدِها.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - «الرِّجْلُ جُبَارٌ».
ولأنَّه لا يَمْلِكُ حِفْظَ رِجْلِها عن الجِنايَةِ، فلم يَضْمَنْها، كما لو لم تَكُنْ يَدُه عليها.
فأمّا إن كانت جِنايَتُها بفِعْلِه، مثلَ أنَّ كَبَحَها أو ضَرَبَها في وَجْهِها ونحو ذلك، فإنَّه يَضْمَنُ جِنايَةَ رِجْلِها؛ لأنَّه السَّبَبُ في جِنايَتِها، فكان عليه ضَمانُها، ولو كان السَّبَبُ غيرَه، مثلَ أنَّ نَخَسَها أو نَفَّرَها، فالضَّمانُ على مَن فَعَل ذلك دونَ راكِبِها وسائِقِها وقائدِها؛ لأنَّه السَّبَبُ في جِنايَتِها.

..................................  فصل: فإن كان على الدَّابَّةِ راكِبانِ، فالضَّمانُ على الأوَّلِ منهما؛ لأنَّه المُتَصَرِّفُ فيها القادِرُ على كَفِّها، إلَّا أنَّ يكونَ الأوَّلُ منهما صَغِيرًا أو مَرِيضًا ونحوَهما، ويكونَ الثاني هو المُتَوَلِّيَ لتَدْبِيرِها، فيكونُ الضمانُ عليه.
فإن كان مع الدّابَّةِ قائِدٌ وسائِقٌ، فالضَّمانُ عليهما؛ لأن كلَّ واحِدٍ منهما لو انْفَرَدَ ضَمِن، فإذا اجْتَمَعا ضَمِنَا.
وإن كان معهما أو مع أحَدِهما راكِبٌ، فالضَّمانُ عليهم جَمِيعًا، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لذلك.
والثاني، الضَّمانُ على الرّاكِبِ؛ لأنَّه أقْوَى يَدًا وتَصَرُّفًا.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يكونَ على القائِدِ؛ لأنَّه لا حُكْمَ للرَّاكِبِ معه.

..................................  فصل: والجَمَلُ المَقْطُورُ على الجَمَلِ الذي عليه راكِبٌ، يَضْمَنُ جِنايَتَه؛ لأنَّه في حُكْمِ القائِدِ، فأمّا الجَمَلُ المَقْطُورُ على الجَمَلِ الثاني، فيَنْبَغِي أنَّ لا يَضْمَنَ جِنايَتَه، إلَّا أنَّ يكونَ له سائِقٌ؛ لأن الرَّاكِبَ الأوَّلَ لا يُمْكِنُه حِفْظُه عن الجِنايةِ.
ولو كان مع الدَّابَّةِ وَلَدُها، لم يَضْمَنْ جِنايَتَه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه حِفْظُه.
وذَكَر ابنُ أبي مُوسَى في «الإرْشادِ» أنَّه يَضْمَنُ، قال: لأنَّه يُمْكِنُه حِفْظُه 1 بالشَّدِّ.

وَمَا أفْسَدَتْ مِنَ الزَّرْعِ وَالشَّجَرِ لَيلًا، وَلَا يَضْمَنُ مَا أفْسَدَتْ مِنْ ذَلِكَ نَهَارًا.

2378 - مسألة: (و)

يَضْمَنُ (ما أفْسَدَتْ مِن الزَّرْعِ والشَّجَرِ لَيلًا، ولا يَضْمَنُ ما أفْسَدَت مِن ذلك نَهارًا) يَعْنِي إذا لم تَكُنْ يَدُ أحدٍ عليها.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأكْثَر فُقَهاء الحِجَازِ.
وقال اللَّيثُ: يَضْمَنُ مالِكُها ما أفْسَدتْه لَيلًا ونَهارًا، بأقَلِّ الأمْرَين مِن قِيمَتِها أو قَدْرِ ما أتْلَفَتْه، كالعَبْدِ إذا جَنَى.
وقال أبو حنيفةَ: لا ضَمانَ عليه بحالٍ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «العَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ».
يَعْنِي هَدْرًا.
ولأنَّها أفْسَدَتْ وليست يَدُه عليها، فلم يَضْمَنْ، كالنَّهارِ، أو كما

..................................  لو أتْلَفَتْ غيرَ الزَّرْعِ.
ولَنا، ما روَى مالِكٌ 1، عن الزُّهْرِي، عن حَرامِ بنِ سَعدِ 2 بنِ 3 مُحَيِّصَةَ، أنَّ ناقَةً للبَراءِ دَخَلَتْ حائِطَ قَوْم فأفْسَدَتْ، فقَضَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّ على أهْلِ الأمْوالِ حِفْظَها بالنَّهَارِ، وما أفْسَدَتْ باللَّيلِ فهو مَضْمُون عليهم.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: إن كان هذا مُرْسَلًا فهو مَشْهُورٌ حَدَّثَ به الأئِمَّةُ الثِّقَاتُ، وتَلَقَّاه فُقَهاءُ الحِجازِ بالقَبُولِ.
ولأنَّ العادَةَ مِن أهْلِ المَواشِي إرْسالُها في النَّهَارِ للرَّعْي وحِفْظُها لَيلًا، وعادَةُ أهْلِ الحَوائِطِ حِفْظُها نَهارًا دونَ اللَّيلِ، فإذا ذَهَبَتْ لَيلًا، كان التَّفْرِيطُ مِن أهْلِها بتَرْكِهِم حِفْظَها في وَقْتِ عادَةِ الحِفْظِ، وإن تَلِفَتْ نَهارًا كان التفْرِيطُ مِن أهْلِ الزَّرْعِ، فكانَ عليهم، وقد فَرَّقَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بينَهما، وقَضَى على كلِّ إنسانٍ بالحِفْظِ في وَقْتِ عادَتِه.

..................................  فصل: قال بعضُ أصحابِنا: إنَّما يَضْمَنُ مالِكُها ما أتْلَفَتْه لَيلًا إذا فَرَّطَ بإرْسالِها لَيلًا أو نَهارًا، أو 1 لم يَضمَّها باللَّيلِ، أو ضَمَّها بحيثُ يُمْكِنُها الخُرُوجُ، أمَّا إذا ضَمَّها فأخْرَجَها غيره بغيرِ إذْنِه أو فَتَح عليها بابَها، فالضَّمانُ على مُخْرِجِها أو فاتِحِ بابِها؛ لأنَّه المُتْلِفُ.
قال القاضِي: هذه المسألَةُ عندي مَحْمُولَة على مَوْضِع فيه مَزارِعُ ومَرَاعٍ، أمَّا القرَى العامِرَة التي لا مَرْعَى فيها إلَّا بينَ قَرَاحَين 2 كساقِيَةٍ وطَرِيقٍ وطَرَفِ زَرْعٍ، فليس لِصاحِبِها إرْسالُها بغيرِ حافِظٍ عن الزَّرْعِ، فإن فَعَل، فعليه الضَّمانُ؛ لتَفْرِيطِه.
وهذا قولُ بعضِ أصحابِ الشافِعِيِّ.

..................................  فصل: فإن أتْلَفَتِ البَهِيمَةُ غيرَ الزَّرْعِ والشَّجَرِ، لم يَضْمَنْ مالِكُها ما أتْلَفَتْه، لَيلًا كان أو نَهارًا، ما لم تَكُنْ يَدُه عليها.
وحُكِيَ عن شُرَيح أنَّه قَضَى في شاةٍ وَقَعَتْ في غَزْلِ حائِكٍ لَيلًا، بالضَّمانِ على صاحِبِها، وقَرَأَ: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ 1. قال: والنَّفْشُ لا يكونُ إلَّا باللَّيلِ.
وعن الثَّوْرِيِّ، يَضْمَنُ وإن كان نَهارًا؛ لتَفْرِيطِه بإرْسالِها.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْعَجْمَاءُ جَرْحُها جُبَارٌ».
مُتَّفَقٌ عليه 2. أي هَدْرٌ.
وأمَّا الآيَةُ، فالنَّفْشُ هو الرَّعْيُ باللَّيلِ، وكان هذا في الحَرْثِ الذي تُفْسِدُه البَهائِمُ طَبْعًا بالرَّعْي، وتَدْعُوها نَفْسُها إلى أكْلِه، بخِلافِ غيرِه، فلا يَصِحُّ قِياسُ غيرِه عليه.

..................................  فصل: إذا اسْتَعارَ بَهِيمَةً فأتْلَفَتْ شيئًا، وهي في 1 يَدِ المُسْتَعِيرِ، فضَمانُه عليه، سَواءٌ كان المُتْلَفُ لمالِكِها أو لغيرِه؛ لأنَّ ضَمانَه يَجِبُ باليَدِ، واليدُ للمُسْتَعِيرِ.
وإن كانت البَهِيمَةُ في يَدِ الرَّاعِي، فأَتلَفتْ زَرْعًا أو شَجَرًا، فالضَّمانُ على الرَّاعِي دونَ المالِكِ؛ لأنَّ إتْلافَ ذلك في النَّهارِ لا يُضْمَنُ إلَّا بثُبُوتِ اليَدِ عليها، واليَدُ للرَّاعِي دونَ المالِكِ، فضَمِنَ، كالمُسْتَعِيرِ.
وإن كان الزّرْعُ للمالِكِ وكان لَيلًا، ضَمِن أيضًا؛ لأنَّ ضَمانَ اليَدِ أقْوَى، بدَلِيلِ أنَّه يَضْمَنُ في اللَّيلِ والنَّهارِ جَمِيعًا.

وَمَنْ صَال عَلَيهِ آدَمِيٌّ أَوْ غَيرُهُ، فَقَتَلَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، لَمْ يَضْمَنْهُ.

2379 - مسألة: (ومَن صال عليه آدَمِيٌّ أو غيرُه، فقَتَلَه دَفْعًا عن نَفْسِه، لم يَضْمَنْه)

لأنَّه قَتَلَه بالدَّفْعِ الجائِزِ، فلم يَجِبْ ضَمانُه.
فإن كان الصّائِلُ بَهِيمَةً فلم يُمْكِنْه دَفْعُها إلَّا بقَتْلِها، جازَ له قَتْلُها إجْماعًا،.
ولا يَضْمَنُها إذا كانت لغيرِه.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافِعِيِّ، وإسحاقَ.
وقال أبو حنيفةَ: يَضْمَنُها؛ لأنَّه أتْلَفَ مال غيرِه لإحْياءِ نَفسِه، فضَمِنَه، كالمُضْطَرِّ إذا أكَلَ طَعامَ غيره.
وكذلك الخِلافُ في غيرِ المُكَلَّفِ مِن الآدَمِيِّين، كالصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، يَجُوزُ قتْله ويَضْمَنُه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ إباحَة نَفْسِه، ولذلك 1 لو ارْتَدَّ لم يُقْتَلْ.
ولَنا، أنَّه قَتَلَه بالدَّفْعِ الجائِزِ، فلم يَضْمَنْه، كالعَبْدِ، ولأنَّه حَيَوانٌ جازَ إتْلافُه، فلم يَضْمَنْه، كالآدَمِيِّ المُكَلَّفِ، ولأنَّه قَتَلَه لدَفْعِ شَرِّه، فأشْبَهَ العَبْدَ، وذلك أنَّه إذا

..................................  قَتَلَه لدَفْعِ شَرِّه، كان الصّائِلُ هو القاتِلَ لنَفْسِه، فأشْبَهَ ما لو نَصَب حَرْبَةَ في طَرِيقِه فقَذَفَ نَفْسَه عليها فماتَ بها.
وفارَقَ المُضْطَرَّ، فإنَّ الطَّعامَ لم يُلْجِئْه إلى إتْلافِه ولم يَصْدُرْ منه ما يُزِيل عِصْمَتَه، ولهذا لو [قَتَل المُحْرِمُ صَيدًا] 1 لِصِيَالِه، لم يَضْمَنْه، ولو قَتَلَه [لاضْطِرارِه إليه، ضَمِنَه، ولو قَتَل المُكَلفَ لِصيالِه، لم يَضْمَنْه، ولو قَتَلَه] 2 ليَأْكُلَه في المَخْمَصَةِ، وَجَب عليه الضَّمانُ، وغيرُ المُكَلَّفِ كالمُكَلَّف في هذا.
وقولُهم: لا يَمْلِكُ إبَاحَةَ نَفْسِه.
قُلْنا: والمُكَلَّفُ لا يَمْلِكُ إباحَةَ نَفْسِه، ولو قال: أبَحْتُ دَمِي.
لم يُبَحْ، مع أنَّه إذا صَال فقد أُبِيحَ دَمُه بفِعْلِه، فلم يَضْمَنْه، كالمُكَلَّفِ.

وَإِنِ اصْطَدَمَتْ سَفِينَتَانِ فَغَرِقَتَا، ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَفِينَةَ الْآخَرِ وَمَا فِيهَا.

2380 - مسألة: (وإن اصْطَدَمَتْ سَفِينَتانِ فغرِقَتَا، ضَمِن كلُّ واحِدٍ منهما سَفينَةَ الآخَرِ وما فيها)

إذا اصْطَدَمَتْ سَفِينتانِ مُتَساويَتانِ؛ كاللَّتَين في بَحْر أو ماءٍ واقِفٍ، فإن كان القَيِّمانِ مُفَرِّطَين، ضَمِن كلُّ واحِدٍ منهما سَفِينَةَ الآخرِ بما فيها مِن نَفْس ومالٍ، كالفارِسَين إذا تَصادَمَا، وإن لم يَكُونَا مُفَرِّطَين، فلا ضَمانَ عليهما.
وقال الشافِعِيُّ: يَضْمَنُ.
في أحَدِ القَوْلَين 1؛ لأنَّهما في أيدِيهما، فضَمِنَا، كما لو اصْطَدَمَ فارِسَانِ لغَلَبَةِ الفَرَسَين لهما.
ولَنا، أنَّ المَلَّاحَين لا يُسَيِّرانِ السَّفِينَتَين بفِعْلِهِما، ولا يُمْكِنُهما ضَبْطُهُما في الغالِبِ ولا الاحْتِرازُ مِن ذلك، فأشْبَهَ الصّاعِقَةَ إذا نَزَلَتْ فأحْرَقَتْ سَفِينَةً، ويُخالِفُ الفَرَسَين، فإنَّه يُمْكِنُ ضَبْطُهُما

..................................  والاحْتِرازُ مِن طَرْدِهِما.
وإن كان أحَدُهما مُفَرِّطًا وحدَه، ضَمِن وحدَه.
وإنِ اخْتَلَفا في تَفْرِيطِ القَيِّمِ ولا بَيِّنَةَ، فالقولُ قولُه مع يَمِينه؛ لأن الأصْلَ عَدَمُه، وهو أمِينٌ، أشْبَهَ المُودَعَ.
وعندَ الشافِعِيِّ أنَّهما إذا 1 كانا مُفَرِّطَين، فعلى كلِّ واحِدٍ مِن القَيِّمَينِ ضَمانُ نِصْفِ سَفِينَتِه ونِصْفِ سَفِينَةِ صاحِبِه، وقال مثلَ ذلك في الفارِسَين المُصْطَدِمَين 2، وسَنَذْكُرُه، إن شاء اللهُ تَعالى.
والتَّفْرِيطُ أنَّ يكونَ قادِرًا على ضَبْطِها أو رَدِّها عن الأخْرَى فلم يَفْعَلْ، أو أمْكَنَه أنَّ يَعْدِلَها إلى ناحِيةٍ أُخْرَى فلم يَفْعَلْ، أو لم يُكْمِلْ آلتَها مِن الرِّجالِ والحِبَالِ وغيرِهما.

فَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا مُنْحَدِرَةً، فَعَلَى صَاحِبِهَا ضَمَانُ الْمُصْعِدَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ غَلَبَهُ رِيحٌ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ضَبْطِهَا.

2381 - مسألة: (وإن كانت إحْداهُما مُنْحَدِرَةً، فعلى صاحِبِها ضَمانُ المُصْعِدَةِ، إلَّا أنَّ يكونَ غلبَه رِيحٌ، فلم يَقْدِرْ على ضَبْطِها)

متى كان قَيِّمُ المُنْحَدِرَةِ مُفَرِّطًا، فعليه ضَمانُ الصاعِدَةِ؛ لأنَّها تَنْحَطُّ عليها مِن عُلْوٍ فيكون ذلك سَبَبًا لغَرَقِها، فتنزِلُ المُنْحَدِرَة بمَنْزِلَةِ السّائِرِ، والصاعِدَةُ بمَنْزِلَةِ الواقِفِ، إذا اصْطَدَمَا.
وإن غَرِقَتَا جَمِيعًا، فلا شيءَ على المُصْعِدِ، وعلى المُنْحَدِرِ قِيمَةُ المُصْعِدَةِ، أو أرْشُ ما نَقَصَتْ إن لم تَتْلَفْ كلُّها، إلَّا أَنْ يكونَ التَّفْرِيط مِن المصْعِدِ، بأن يُمْكِنَه العدُولُ بسَفِينَتِه، والمُنْحَدِرُ

..................................  غيرُ قادِرٍ ولا مُفَرِّطٍ، فيكونُ الضمانُ علي المُصْعِدِ.
وإن لم يَكُنْ مِن واحِدٍ منهما تَفْرِيطٌ، لكن هاجَتْ ريحٌ، أو كان الماءُ شَدِيدَ الجرْيَةِ فلم يُمْكِنْه ضَبْطُها، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه لا يَدْخُلُ في وُسْعِه، وَلَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إلَّا وُسْعَها.
فإن كانت إحْدَى السَّفِينَتَين واقِفَةً والأخْرَى سائِرَةً، فلا شيءَ على الواقِفَةِ، وعلى السائِرَةِ ضَمانُ الواقِفَةِ إن كان القَيِّمُ مُفَرِّطًا، ولا ضَمانَ عليه إذا لم يُفَرِّطْ، على ما ذَكَرْنا.
فصل: فإن خِيفَ على السَّفِينَةِ الغَرَقُ، فألْقَى بعضُ الرُّكْبانِ مَتاعَه لتَخِفَّ وتَسْلَمَ مِن الغَرَقِ، لم يَضْمَنْه أحَدٌ؛ لأنَّه أتْلَفَ مَتاعَ نَفْسِه باخْتِيارِه لصَلاحِه وصَلاحِ غيرِه.
وإن ألْقَى مَتاعَ غيرِه بغيرِ إذْنِه، ضَمِنَه وحدَه،

..................................  وإن قال لغيرِه: ألْقِ مَتاعَكَ.
فقَبِلَ منه، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّه لم يَلْتَزِمْ ضَمانَه.
وإن قال: ألْقِه وأنا ضامِنٌ له.
أو: عليَّ قِيمَتُه.
لَزِمَه ضَمانُه؛ لأنَّه أتْلَفَ ماله بعِوَض لمَصْلَحَةٍ، فوَجَب له العِوَضُ على مَن الْتَزَمَه، كما لو قال: أعْتِقْ عَبْدَكَ وعَلَيَّ ثَمَنُه.
وإن قال،: ألْقِه، وعليَّ وعلى رُكّابِ السَّفِينةِ ضَمانُه.
فألْقاه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَلْزَمُه ضَمانه وحدَه.
ذَكَرَه أبو بكر.
وهو نَصُّ الشافِعِيِّ؛ لأنَّه الْتَزَمَ ضَمانَ جَميعِه، فلَزِمَه ما الْتَزَمَه.
وقال القاضِي: إن كان ضَمانَ اشْتراكٍ، مثلَ أن يقولَ: نحن نضْمَنُ لك.
أو قال: على كلِّ واحِدٍ مِنّا ضَمانُ قِسْطِه أو رُبْعُ مَتاعِكَ.
لم يَلْزَمْه إلَّا ما يَخُصُّه مِن الضَّمانِ.
وهذا قولُ بعضِ أصحابِ الشافِعِيِّ؛ لأنَّه لم يَضْمَنْ إلَّا حِصَّتَه، وإنَّما أخْبَرَ عن الباقِينَ بالضَّمانِ فسَكَتُوا، وسُكُوتُهم ليس بضَمانٍ.
وإنِ الْتَزَم ضَمانَ الجَمِيعِ وأخْبَرَ عن كلِّ واحِدٍ

..................................  منهم بمثلِ ذلك، لَزِمَه ضَمانُ الكلِّ؛ لأنَّه ضَمِن الكُلَّ.
وإن قال: ألْقِه على أنَّ أضْمَنَه لك أنا ورُكْبانُ السَّفِينَةِ، فقد أذِنُوا لي في ذلك.
فأنْكَرُوا الإذْنَ، فهو ضامِنٌ للجَمِيعِ.
وإن قال: أْلْقِى مَتاعِي وتَضْمَنُه؟ فقال: نعم.
ضَمِنَه له.
وإن قال: أْلْقِ مَتاعَكَ، وعليَّ ضَمانُ نِصْفِه، وعلى أخِي ضَمانُ ما بَقِيَ.
فألْقاه، فعليه ضَمانُ النِّصْف وحدَه، ولا شيءَ على الآخَرِ؛ لأنَّه لم يَضْمَنْ، واللهُ أعْلَمُ.
فصل: إذا خَرَق سَفِينَةً فغَرِقَتْ بما فيها، وكان عَمْدًا، وهو مِما يُغْرِقُها غالِبًا ويُهْلِكُ مَن فيها؛ لكَوْنِهم في اللُّجّةِ، أو لعَدَمِ مَعْرِفَتهِم بالسَّباحَةِ، فعليه القِصَاصُ إن قُتِلَ مَن يَجِبُ القِصاصُ بقَتْلِه، وعليه ضَمانُ السَّفِينَةِ بما فيها مِن مالٍ ونَفْس.
وإن كان اخطَأ، فعليه ضَمانُ العَبِيدِ، ودِيَةُ الأحْرارِ على عاقِلَتِه، وإن كان عَمْدَ خَطَأ، مثلَ أنَّ أخَذَ السَّفِينَةَ ليُصْلِحَ مَوْضِعًا، فقَلَعَ لَوْحًا، أو يُصْلِحَ مِسْمارًا فنَقَبَ مَوْضِعًا، فهو عَمْدُ الخَطَأ.
ذكَرَه

وَمَنْ أَتْلفَ مِزْمَارًا، أوْ طُنْبُورًا، أَوْ صَلِيبًا،  القاضِي.
وهو مَذْهَبُ الشافِعِيِّ.
والصَّحِيحُ أنَّ هذا خَطَأٌ مَحْضٌ؛ لأنَّه قَصَد فِعْلًا مُباحًا، فأَفْضَى إلى التَّلفِ لما لم يُرِدْه، فأشْبَهَ ما لو رَمَى صَيدًا فأصَابَ آدَمِيًّا فقَتَلَه، ولكن إن قصَد قَلْعَ اللَّوْحِ في مَوْضِع الغالِبُ أنَّه لا يُتْلِفُها فأتْلَفَها، فهو عَمْدُ الخَطَأ، فيه ما فيه.

2382 -

مسألة: وإن كَسَر (مِزْمارًا، أو طُنْبُورًا، أو صَلِيبًا)

لم يَضْمَنْه.
وقال الشافِعِيُّ: إن كان ذلك إذا فُصِلَ يَصْلُحُ لنَفْع مُباح، وإذا كُسِرَ لم يَصْلُحْ، لَزِمَه ما بينَ قِيمَتِه مُفْصَلًا ومَكْسُورًا؛ لأنَّه أتلَفَ بالكَسْرِ ما لهُ قِيمَةٌ، وإن كان لا يَصْلُحُ لمَنْفَعَةٍ مُباحَةٍ، لم يَضْمَنْ.
وقال أبو حنيفةَ:

أَوْ كسَرَ إِناءَ فِضَّةٍ أَوْ ذهَبٍ،  يَضْمَنُ.
ولَنا، أنَّه لا يَحِلُّ بَيعُه، فلم يَضْمَنْه، كالمَيتَةِ، والدَّلِيلُ على أنَّه لا يَحِلُّ بَيعُه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ حَرَّمَ بَيعَ الْخَمْرِ وَالْمَيتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأصْنَامِ».
مُتَّفَق عليه (1). وقال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «بُعِثْتُ بِمَحْقِ القَيناتِ والْمَعازِفِ» (2).

2383 -

مسألة: وإن (كَسَر)

آنِيةَ (فِضَّةٍ أو ذَهَبٍ) لم يَضْمَنْها.
وحَكَى أبو الخَطَّابِ رِوايَةً أُخْرَى عن أحمدَ، أنَّه يَضْمَنُ، فإنَّ مُهَنَّا نَقَلَ عنه، في مَن هَشَم على غيرِه إبْرِيقَ فِضَّةٍ: عليه قيِمَتُه، يَصُوغُه12

..................................  كما كان.
فَقِيلَ له: أَليسَ قد نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن اتِّخاذِها 1؟ فسَكَتَ.
والصَّحِيحُ أنَّه لا يَضْمَنُ.
نَصَّ عليه في رِوَاية المَرُّوذِيِّ في مَن كَسَر إبْرِيقَ فِضةٍ: لا ضَمانَ عليه.
لأنَّه أتْلَفَ ما ليس بمُباحٍ، فلم يَضْمَنْه، كالمَيتَةِ.
ورِوايَةُ مُهَنَّا تَدُلُّ على أنَّه رَجَع عن قَوْلِه ذلك؛ لكَوْنِه سَكَتَ حينَ ذَكر السّائِلُ النَّهْيَ عنه، ولأنَّ 2 في رِوايَةِ مُهَنَّا أنَّه قال: يَصُوغُه.
ولا تَحِلُّ صِنَاعَتُه، فكيف تَجِبُ؟!

أوْ إِنَاءَ خَمْرٍ، لَمْ يَضْمَنْهُ.
وَعَنْهُ، يَضْمَنُ آنِيَةَ الْخَمْرِ أنْ كَانَ يُنْتَفَعُ بِهَا فِي غَيرِهِ.

2384 - مسألة: وإن كَسَرَ (إنَاءَ خَمْر، لم يَضْمَنْه)

في أصَحِّ الرِّوايَتَين؛ لما رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، قال: أمَرَنِي رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن آتِيَه بمُدْيَةٍ، وهي الشَّفْرَةُ، فأتَيتُه بها، فأَرسَلَ بها فأُرْهِفَتْ، ثم أَعطَانِيها وقال: «اغْدُ عَلَيَّ بِهَا».
ففَعَلْتُ، فخَرَجَ بأصحابِه إلى أسْواقِ المَدِينَةِ، وفيها زِقَاقُ الخَمْرِ قد جُلِبَتْ مِن الشّامِ، فأخَذَ المُدْيَةَ مِنِّي، فشَقَّ ما كان مِن تلك الزِّقَاقِ بحَضْرَتِه كلِّها، وأَمرَ أصحابَه الذين كانوا معه أنَّ يَمْضُوا مَعِي، ويُعاونُونِي، وأَمرَنِي أنَّ آتِيَ الأسْواقَ كلَّها، فلا أَجِدُ فيها زِقَّ خَمْرٍ

..................................  إلا شَقَقْتُه.
رَواهُ أحمدُ 1. ورُوِيَ عن أنس، قال: كُنْتُ أسْقِي أبا طَلْحَةَ، وأُبَيَّ بنَ كَعْبٍ، وأبا عُبَيدَةَ شَرَابًا مِن فَضِيخٍ 2، فأتَانَا آتٍ، فقال: إنَّ الخَمْرَ قد حُرِّمَتْ.
فقال أبُو طَلْحةَ: قُمْ يا أَنَسُ إلى هذه الدِّنَانِ فاكْسِرْها 3. وهذا يَدُلُّ على سُقُوطِ حُرْمَتِها وإباحَةِ إتْلافِها، فلا يَضْمَنُها، كسائِرِ المُباحَاتِ.
والثانيةُ، يَضْمَنُها إذا كان يُنْتَفَعُ بها في غيرِه؛ لأنَّها مالٌ يُمْكِنُ الانْتِفاعُ به ويَحِلُّ بَيعُه، فيَضْمَنُها، كما لو لم يَكُنْ فيها خَمْرٌ، ولأنَّ جَعْلَ الخَمْرِ فيها لا يَقْتَضِي سُقُوطَ ضَمانِها، كالبَيتِ الذي جُعِل مَخْزنًا للخَمْرِ 4.

بَابُ الشُّفْعَةِ وَهِيَ اسْتِحْقَاقُ الْإِنْسَانِ انْتِزَاعَ حِصَّةِ شَرِيكِهِ مِنْ يَدِ مُشْتَرِيهَا.
بابُ الشُّفْعَةِ 1 (وهي اسْتِحْقاقُ الإِنْسانِ انْتِزاعَ حِصَّةِ شَرِيكِه مِن يَدِ مُشْتَرِيها) وهي ثابتَةٌ بالسُّنَّةِ والإِجْماعِ؛ أمَّا السُّنَّةُ فما روَى جابِرٌ، قال: قَضَى رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بالشفْعَةِ فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وصُرِّفَتِ الطرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ.
مُتَّفَق عليه (2). ولمسلم قال: قَضَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالشُّفْعَةِ في كلِّ ما لم يُقْسَمْ؛ رَبْعَةٍ 2، أو حائِطٍ، لا يَحِلُّ له أنَّ يَبِيعَ حتى يَسْتَأْذِنَ شَرِيكَه، فإن شاءَ أخَذَ، وإن شاءَ تَرَكَ، فإن باعَ ولم يَسْتَأْذِنْه، فهو أَحَقُّ3

باب الشفعة

ما لم يقسم....، من كتاب الشفعة، وفي: باب الشركة في الأرضين، وباب إذا اقتسم الشركاء....، من كتاب الشركة.
صحيح البخاري 3/ 104، 114، 183. ومسلم، في: باب الشفعة، من كتاب المساقاة.
صحيح مسلم 3/ 1229. كما أخرجه أبو داود، في: باب في الشفعة، من كتاب البيوع.
سنن أبي داود 2/ 256. والترمذي، في: باب ما جاء إذا أحدت الحدود....، من أبواب الأحكام.
عارضة الأحوذي 6/ 131. والنسائي، في: باب ذكر الشفعة وأحكامها، من كتاب البيوع.
المجتبى 7/ 282. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 296، 316، 372، 399.

..................................  به.
وللبخارِيِّ: إنّما جَعَل رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الشُّفْعَةَ فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ.
وأمَّا الإجْماعُ، فقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على إثْباتِ الشُّفْعَةِ للشَّرِيكِ الذي لم يُقاسِمْ، فيما بِيعَ مِن أَرْضٍ أو دارٍ أو حائطٍ.
والمَعْنَى في ذلك أنَّ أحَدَ الشَّرِيكَين إذا أرادَ أنَّ يَبِيعَ نصِيبَه، وتَمَكَّنَ مِن بَيعِه لشَرِيكِه، وتَخْلِيصِه مِمّا كان بصَدَدِه مِن تَوَقُّعِ الخَلَاصِ والاسْتِخْلاصِ، فالذي يَقْتَضِيه حُسْنُ العِشْرَةِ أنَّ يَبِيعَه منه؛ ليَصِلَ إلى غَرَضِه مِن بَيعِ نَصِيبِه، وتَخْلِيص شَريكِه مِن الضَّرَرِ، فإذا لم يَفْعَلْ ذلك وباعَه لأَجْنَبِيٍّ، سَلَّطَ الشَّرْعُ الشَّرِيكَ على صَرْفِ ذلك إلى نَفْسِه.
قال شيخُنا 1: ولا نَعْلَمُ أحَدًا خالفَ هذا إلَّا الأصَمَّ، فإنه قال: لا تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ؛ فإنَّ في ذلك إضْرَارًا بأرْبابِ الأَملاكِ، فإن المُشْتَرِيَ إذا عَلِمَ أنَّه يُؤخَذُ منه إذا اشْتَراه لم يَبْتَعْه، ويَتَقاعَدُ الشَّرِيك عن الشِّراءِ، فيَسْتَضِرُّ المالِكُ.
وهذا الذي ذَكَره ليس

وَلَا يَحِلُّ الاحْتِيَال لإسْقَاطِهَا.
بشيءٍ؛ لمُخالفَتِه الأحادِيثَ الصَّحِيحَةَ والإِجْماعَ المُنْعَقِدَ قبلَه.
والجَوابُ عما ذكره مِن وَجْهَين؛ أحدُهما، أَنّا نُشَاهِدُ الشُّرَكاءَ يَبِيعُون، ولا يُعْدَمُ مَن يَشْتَرِي منهم غيرَ شُرَكائِهِم، ولم يَمْنَعْهُم اسْتِحْقاقُ الشُّفْعَةِ مِن الشِّراءِ.
الثاني، أنَّه يُمْكِنُه إذا لَحِقَتْه بذلك مَشَقَّةٌ أن يُقاسِمَ، فتَسْقُطَ الشُّفْعَةُ.
واشْتِقاقُها مِن الشَّفْعِ، وهو الزَّوْجُ، فإنَّ الشَّفِيعَ كان نَصِيبُه مُنْفَرِدًا في مِلْكِه، فبالشُّفْعَةِ يَضُمُّ المَبِيعَ إلى مِلْكِه فيَشْفَعُه به.
وقيلَ: اشْتِقاقُها مِن الزِّيادَةِ؛ لأن الشَّفِيعَ يَزِيدُ المَبِيعَ في مِلْكِه.

2385 -

مسألة: (ولا يَحِلُّ الاحْتِيالُ)

على إسْقاطِها.
فإن فَعَل، لم يَسْقُطْ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ إسْماعيلَ بنِ سعيدٍ، وقد سَأَلَه

..................................  عن الحِيلَةِ في إبْطالِ الشُّفْعَةِ، فقال: لَا يَجُوزُ شيءٌ مِن الحِيَلِ في ذلك، ولا في إبْطالِ حَقِّ مسلم.
وبهذا قال أبو أيُّوبَ، وأبو خَيثَمَةَ، وابنُ أبي شَيبَةَ، وأبو إسْحاقَ الجُوزْجَانِيُّ.
وقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: مَن يَخْدَعِ اللهَ يَخْدَعْه.
ومَعْنَى الحِيلَةِ: أنَّ يُظْهِرُوا في البَيعِ شيئًا لا يُوخَذُ بالشُّفْعَةِ معه، ويَتَواطَئُونَ في الباطِنِ على خِلافِه، مثلَ أنَّ يَشْتَرِيَ شَيئًا يُساوي عَشَرَةَ دَنانِيرَ بألْفِ دِرْهَمٍ ثم يَقْضِيَهِ عنها عَشَرَةَ دَنانِيرَ، أو يَشْتَرِيَه بمائةِ دِينارٍ ويَقْضِيَه عنها مائةَ دِرْهمٍ، أو يَشْتَريَ البائِعُ مِن المُشْتَرِي عَبْدًا قِيمَتُه مائة بأَلْفٍ في ذِمَّتِه ثم يَبِيعَه الشِّقصَ بالأَلْفِ، أَوْ يَشتَرِيَ شِقصًا بأَلْفٍ ثم يُبْرِئه البائِعُ مِن تِسْعِمائةٍ، أو يَشْتَرِيَ جُزْءًا مِن الشِّقْصِ بمائةٍ ثم يَهَبَ له البائِعُ باقِيَه، أو يَهَبَ الشِّقْصَ للمُشْتَرِي ويَهَبَ المُشْتَرِي له الثَّمَنَ، أو يُعْقَدَ البَيعُ بثَمَن مَجْهُولِ المِقْدارِ، كحَفْنَةِ قُرَاضَةٍ، أو جَوْهَرَةٍ مُعَيَّنةٍ، أو سِلْعَةٍ مُعَيَّنةٍ غيرِ مَوْصُوفَةٍ، أو بمائةِ دِرْهَم ولُؤْلُؤَةٍ، وأشباهُ هذا.
فإن وَقَع ذلك مِن غيرِ تَحَيُّل، سَقَطَتِ الشفْعَةُ.
وإن تَحَيَّلَا به على إسْقاطِ الشُّفْعَةِ لم تَسْقُطْ، ويَأْخُذُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ في الصُّورَةِ الأُولَى بعَشَرَةِ دَنانِيرَ أو قِيمَتِها مِن الدَّراهِمِ.
وفي الثانيةِ بمائةِ دِرْهَم أو قِيمَتِها ذَهَبًا.
وفي الثالثةِ

..................................  بقِيمَةِ العَبْدِ المَبِيعِ.
وفي الرَّابِعَةِ بالباقِي بعدَ الإبراءِ.
وفي الخامسةِ، يَأْخُذُ الجُزْءَ المَبِيعَ مِن الشِّقْص بقِسْطِه مِن الثَّمَنِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يَأْخُذَ الشِّقْصَ كلَّه بجَمِيعِ الثَّمنِ؛ لأَنهَ إنَّما وَهَبَه بَقِيَّةَ الشِّقْصِ عِوَضًا عن الثَّمَنِ الذي اشْتَرَى به جُزْءًا مِن الشِّقْصِ.
وفي السادسةِ يَأْخُذُ بالثَّمَنِ المَوْهُوبِ.
وفي سائِرِ الصُّوَرِ المَجْهُولِ ثَمَنُها يَأْخُذُه بمِثلِ الثَّمنِ، أو قِيمَتِه إن لم يَكُنْ مِثْلِيًّا إذا كان الثَّمَنُ مَوْجُودًا، فإن لم يُوجَدْ، دَفَع إليه قِيمَةَ الشِّقْصِ؛ لأن الأغْلَبَ وُقُوعُ العَقْدِ على الأشْياءِ بقِيمَتِها.
وقال أصحابُ الرَّأْي، والشافعيُّ: يَجُوز ذلك كلُّه، وتَسْقُطُ به الشُّفْعَةُ؛ لأنَّه لم يَأْخُذْ بما وَقَع [البَيعُ به] 1، فلم يَجُزْ، كما لو لم 2 يَكُنْ حِيلَةً.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَينَ فَرَسَينِ، وَلَا يَأمَنُ أَنْ يَسْبِقَ، فَلَيسَ بِقِمَارٍ، وَإنْ أمِنَ أنْ يَسْبِقَ، فَهُوَ قِمَارٌ».
رَواه أبو داودَ وغيرُه 3. فجَعَلَ إدْخال

..................................  الفَرَسِ المُحَلِّلِ قِمَارًا في المَوْضِعِ الذي يَقْصِدُ به إباحَةَ إخْراجِ كلِّ واحِدٍ مِن المُتَسَابقين جُعْلًا، مع عَدَمِ مَعْنَى المُحَلِّلِ فيه، وهو كونُه بحالٍ يَحْتَمِلُ أنَّ يَأْخُذَ سَبَقَهُما.
وهذا يَدُلُّ على إبْطالِ كلِّ حِيلَةٍ لم يُقصَدْ بها إلَّا إباحَةُ المُحَرَّمِ، مع عَدَمِ المَعْنَى فيها.
واسْتَدَلَّ أصحابُنا بما روَى أبو هُرَيرَةَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبتِ اليَهُودُ، فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللهِ بأدْنَى الْحِيَلِ» 1. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لَعَنَ الله اليَهُودَ، إنَّ اللهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيهِمْ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، وَأكَلُوا ثَمَنَهُ».
مُتَّفَق عليه 2. ولأنَّ اللهَ تَعالى ذَمَّ المُخادِعِينَ له بِقَولِه: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُون﴾ 3. والحِيَلُ مُخادَعَةٌ، وقد مَسَخَ اللهُ تَعَالى الذينَ اعْتَدَوْا في السَّبْتِ قِرَدَةً بحِيَلهِم، فإنَّه رُوِيَ عنهم أنَّهم كانوا يَنْصِبُونَ شِبَاكَهُم يومَ الجُمُعَةِ، ومنهم مَن يَحْفِرُ جِبَابًا، ويُرْسِلُ الماءَ إليها يومَ الجُمُعَةِ، فإذا

..................................  جاءتِ الحِيتانُ يومَ السَّبْتِ وَقَعَتْ في الشِّبَاكِ والجِبَابِ، فَيَدَعُونَها إلى لَيلَةِ الأحَدِ، فيَأْخُذُونَها، ويَقُولُونَ: ما اصْطَدْنَا يومَ السَّبْتِ شيئًا.
فمَسَخَهُم الله تَعالى بحِيلَتِهِم.
وقال تَعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَينَ يَدَيهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ 1. قِيلَ: يَعْنِي به أمَّةَ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -. أي ليَتَّعِظَ بذلك أمَّةُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، فيَجْتَنِبُوا مِثلَ فِعْل المُعْتَدِينَ.
ولأنَّ الحِيلَةَ خَدِيعَةٌ، وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَحِلُّ الخَدِيعَةُ لِمُسْلِم» 2. ولأنَّ الشُّفْعَةَ وُضِعَتْ لدَفْعِ الضَّرَرِ، فلو سَقَطَتْ بالتَّحَيُّلِ لَلَحِقَ الضَّرَرُ، فلم تَسْقُطْ، كما لو أسْقَطها المُشْتَرِي عنه بالوَقْفِ والبَيعِ.
وفارَقَ ما لم يُقْصَدْ به التَّحَيُّلُ؛ لأنَّه لا خِدَاعَ فيه، ولا قصِدَ به إبْطالُ حَقٍّ، والأعْمالُ بالنِّيَّاتِ.
فإنِ اخْتَلَفَا هل وَقَعَ شيءٌ مِن هذا حِيلَةً أو لا؟ فالقولُ قولُ المُشْتَرِي مع يَمينه؛ لأنَّه أعْلَمُ بنِيَّته وحالِه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الغَرَرَ في الصُّورَتَين الأُولَيَين على المُشْتَرِي؛ لشِرَائِه ما يُسَاوي

وَلَا تَثْبُتُ إلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ؛ أَحَدُهَا، أنْ يَكُونَ مَبِيعًا.
وَلَا شُفْعَةَ فِيمَا انْتَقَلَ بِغَيرِ عِوَضٍ بِحَالٍ،  عَشَرَةً بمائةٍ، وما يُساوي مائَةَ دِرْهَم بمائةِ دِينَارٍ، وأشْهَدَ على نَفْسِه أنَّ عليه ألْفًا، فرُبَّما طالبَه بها، فلَزِمَه في ظاهِرِ الحُكْمِ.
وفي الثالثةِ الغَرَرُ على البائِعِ؛ لأنَّه اشْتَرَى عَبْدًا يُساوى مائةً بأَلفٍ.
وفي الرابعةِ الغَرَرُ على المُشتَري؛ لأنَّه اشْتَرَى بعض شِقصًا قِيمَتُه مائة بأَلْفٍ.
وكذلك في الخامسةِ؛ لأنَّه اشْتَرَى بعضَ الشِّقْصِ بثَمَنِ جَمِيعِه.
وفي السادسةِ على البادِئ منهما بالهِبَةِ؛ لأنَّه قد لا يَهَبُ له الآخَرُ شيئًا.
فإن خالفَ أحَدُهما ما تَوَاطَآ عليه، فطالبَ صاحِبَه بما أظْهَرَه، لَزِمَه في ظاهِرِ الحُكْمِ؛ لأنَّه عَقَدَ البَيعَ مِع صاحِبِه بذلك مُخْتارًا، فأمّا في ما بينَه وبينَ اللهِ تعالى، فلا يَحِلُّ لمَن غرَّ صاحِبَه الأخْذُ بخِلافِ ما تَواطَآ عليه؛ لأنَّ صاحِبَه إنَّما رَضِيَ بالعَقْدِ للتَّوَاطُؤ، فمع فَواتِه لا يتَحَقَّقُ الرِّضا به.

2386 -

مسألة: (ولا تَثْبُتُ إلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ؛ أحَدُها، أنَّ يكونَ مبيعًا، ولا شُفعَةَ فيما انْتَقَلَ بغيرِ عِوَض بحالٍ)

كالهِبَةِ بغيرِ ثوابٍ، والصَّدَقَةِ، والوَصِيَّةِ، والإِرْثِ، فلا شُفْعَةَ فيه في قَوْلِ الأكْثَرِينَ؛ منهم مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُ الرَّأي، إلَّا أنَّه حُكِيَ عن مالكٍ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّ الشُّفْعَةَ تَجِبُ في المُنْتَقِلِ بهِبَةٍ أو صَدَقَةٍ، ويَأْخُذه الشَّفِيعُ بِقيمَتِه.
وحُكِيَ عن ابنِ أبي لَيلَى؛ لأنَّ الشفْعَةَ تَثْبُت لإِزالةِ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ، وهو مَوْجُود في الشرِكَةِ كيفما كان، ولأنَّ

وَلَا فِيمَا عِوَضُهُ غَيرُ الْمَالِ؛ كَالصَّدَاقِ، وَعِوَض الْخُلْعَ، وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ.
الضَّرَرَ اللَّاحِقَ بالمُتَّهِبِ دُونَ ضَرَرِ المُشْتَرِي؛ لأنَّ إقْدامَ المُشْتَرِي على شِرَاءِ الشِّقْصِ وبَذْلِ مالِه، دَلِيلُ حاجَتِه إليه، فانْتِزاعُه منه أعْظَمُ ضَرَرًا مِن أخْذِه مِمّن لم يُوجَدْ منه دَلِيلُ الحاجَةِ إليه.
ولَنا، أنَّه انْتَقَلَ بغيرِ عِوَض، أشْبَهَ المِيراثَ، ولأنَّ محَلَّ الوفَاقِ هو البَيعُ، والخَبَرُ وَرَد فيه، وليس غيرُه في مَعْناه؛ لأنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُه مِن المُشْتَرِي بمِثْلِ السَّبَبِ الذي انْتَقَل إليه به، ولا يُمْكِنُ هذا في غيرِه، ولأنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الشِّقْصَ بثَمَنِه، لا بقِيمَتِه، وفي غيرِه يَأْخُذُه بقِيمَتِه، فافْتَرَقَا.

2387 -

مسألة: (ولا)

تَجِبُ (فيما عِوَضُه غيرُ المالِ؛ كالصَّدَاقِ، وعِوَضِ الخُلْعِ، والصُّلْحِ عن دَمِ العَمْدِ، في أحَدِ الوَجْهَينِ) المُنْتَقِلُ بعِوَض على ضَرْبَينِ؛ أحدُهما، ما عِوضُه المالُ، كالبَيعِ، ففيه الشُّفْعَةُ، بغيرِ خِلافٍ، وكذلك كلُّ ما جَرَى مَجْراه، كالصُّلْحِ بمَعْنَى البَيعِ، والصُّلْحِ عن الجِنايَةِ المُوجِبَةِ للمالِ، والهِبَةِ

جارٍ التحميل