الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 500-16

فَصْلٌ: الْقِسْمُ الثَّانِي، يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ، وَهُوَ شَيئَانِ؛ الرَّتْقُ، وَهُوَ كَوْنُ الْفَرْجِ مَسْدُودًا لَا مَسْلَكَ لِلذَّكَرِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْقَرْنُ وَالْعَفَلُ، وَهُوَ لَحْمٌ يَحْدُثُ فِيهِ يَسُدُّهُ.
وَقِيلَ: الْقَرْنُ عَظْمٌ، وَالْعَفَلُ رغْوَةٌ تَمْنَعُ لَذَّةَ الْوَطْءِ.
وَالثَّانِي، الْفَتَقُ، وَهُوَ انْخِرَاقُ مَا بَينَ السَّبِيلَينِ.
وَقِيلَ: انْخِرَاقُ مَا بَينَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ وَالْمَنِيِّ.
وليستْ بأحَقَّ أن يُقْبَلَ قولُها مِن الأُولَى، ولأنَّ الرجلَ لو أقَرَّ بالعَجْزِ عن الوَطْءِ في يومٍ أو شهرٍ، لم تَثْبُتْ عُنَّتُه بذلك، وأكثرُ ما في الذي ذَكَروه، أن يَثْبُتَ عَجْزُه عن الوَطْءِ في اليومِ الذي اخْتَبَرُوه فيه، وإذا لم يَثْبُتْ حُكْمُ عُنَّتِه بإقْرارِه بعَجْزِه، فلأن لا يَثْبُتَ بدَعْوَى غيرِه ذلك عليه أَوْلَى.
فصل: (القِسمُ الثَّاني، يَخْتَصُّ النساءَ، وهو شَيئان؛ الرَّتْقُ، وهو كونُ الفَرْجِ مَسْدُودًا لا مَسْلَكَ للذَّكَرِ فيه، وكذلك القَرَنُ والعَفَلُ، وهو لَحْمٌ يَحْدُثُ فيه يَسُدُّه.
وقيلَ: القَرْنُ عَظْمٌ، والعَفَلُ رغْوَةٌ) 1 فيه (تمنَعُ لَذَّةَ الوَطْءِ.
الثاني، الفَتَقُ، وهو انْخِراقُ ما بينَ السَّبِيلَين.
وقِيلَ: انْخِرَاقُ ما بينَ مَخْرَجِ البَوْلِ والمَنِيِّ).

فَصْلٌ: الْقِسْمُ الثَّالِثُ، مُشْتَرَكٌ بَينَهُمَا، وَهُوَ الْجُذَامُ وَالْبَرَصُ وَالْجُنُونُ، سَوَاءٌ كَانَ مُطْبِقًا أَوْ يَخْنُقُ فِي الْأَحْيَانِ.
فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ يَثْبُتُ بِهَا خِيَارُ الْفَسْخِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (القسمُ الثالثُ، مُشْتَرَكٌ بَينَهما، وهو الجُذامُ والبَرَصُ والجُنونُ، سَواءٌ كان مُطْبِقًا، أو يَخْنُقُ في الأحيانِ.
فهذِه الأقسامُ يَثْبُتُ بها خِيارُ الفَسْخِ، رِوايةً واحدةً) لِما

فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْبَخَرِ، وَهُوَ نَتَنُ الْفَمِ.
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: نَتَنٌ فِي الْفَرْجِ يَثُورُ عِنْدَ الْوَطْءِ.
وَاسْتِطْلَاقِ الْبَوْلِ وَالنَّجْو، وَالقُرُوحِ السَّيَّالةِ فِي الْفَرْجِ، وَالْبَاسُورِ، وَالنَّاسُورِ، وَالْخِصَاءِ، وَهُوَ قَطْعُ الْخُصْيَتَينِ، وَالسَّلِّ، وَهُوَ سَلُّ الْبَيضَتَينِ، وَالْوجَاءِ، وَهُوَ رَضُّهُمَا، وَفِي كَوْنِهِ خُنْثَى، وَفِيمَا إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ عَيبًا بِهِ مِثْلُهُ، أَوْ حَدَثَ بِهِ الْعَيبُ بَعْدَ  سَبَق، وقد ذَكَرْنا دَلِيلَ ذلك والخِلافَ فيه.
فصل: (واخْتَلَفَ أصحابُنا في البَخَرِ، وهو نَتَنُ الفَمِ.
وقال ابنُ حامدٍ: نَتَنٌ في الفرجِ يَثُورُ عندَ الوَطْءِ.
واسْتِطْلاقِ البَوْلِ والنَّجْو 1، والقُرُوحِ السَّيَّالةِ في الفَرْجِ، والخِصاءِ، وهو قَطْعُ الخُصْيَتَين، والسَّلِّ، وهو سَلُّ البَيضَتَين.
والوجاءِ، وهو رَضُّهُما.
وفيما إذا وَجَد أحَدُهما بصاحِبِه عيبًا به مثلُه، أو حَدَث به العَيبُ بعدَ العقدِ، وفي كَوْنِه خُنْثَى،

الْعَقْدِ، هَلْ يَثْبُتُ الْخِيَارُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
هل يَثْبُتُ الخِيارُ؟ على وَجْهَينِ) أحَدُهما، لا يَثْبُتُ الخِيارُ، وهو المَفْهُومُ مِن كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه 1 ذَكَر العُيوبَ التي تُثْبِتُ الخِيارَ في فَسْخِ النِّكاحِ، ولم يَذْكُرْ شيئًا مِن هذه؛ لأنَّ ذلك لا يَمْنَعُ مِن الاسْتِمْتاعِ، ولا يُخْشَى تَعَدِّيه، فلم يَثْبُتْ به الخِيارُ، كالعَمَى والعَرَجِ، ولأنَّ ذلك إنَّما يَثْبُتُ بنَصٍّ أو إجْماعٍ أو قِياسٍ، ولا نَصَّ فيها ولا إجْماعَ، ولا يَصِحُّ قِياسُها على العُيوبِ المُثْبِتَةِ للخيارِ؛ لِما بينَهما مِن الفَرْقِ، فإنَّ الوَطْءَ مع هذه العيوبِ مُمْكِنٌ، بل قد قِيلَ: إنَّ الخَصِيَّ أقْدَرُ على الجِماعِ؛

..................................  لأنَّه لا يَفْتُرُ 1 بإنْزَالِ الماءِ.
والخُنْثَى فيه خِلْقَةٌ زائِدةٌ لا تَمْنَعُه الجِماعَ، أشْبَهَ اليَدَ الزائدةَ، وإذا وَجَد أحدُهما بصاحِبِه عَيبًا به مثلُه، فلا خِيارَ؛ لأنَّهما مُتساويان، فلا مَزِيَّةَ لأحدِهما على صاحبِه.
والوجْهُ الثاني، له الخيارُ.
وقال أبو بكرٍ، وأبو حفصٍ: إذا كان أحَدُهما لا يَسْتَمْسِكُ بَوْلُه ولا خَلاه، فللآخَرِ الخِيارُ.
ويَتَخَرَّجُ على ذلك مَن به الباسُورُ، [والنَّاصُورُ] 2، والقُرُوحُ السَّيَّالةُ في الفَرْجِ.
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّها تُثِيرُ نَفْرَةً 3، وتَتَعَدَّى نَجاسَتُها، وتُسَمَّى مَن لا تَحْبِسُ نَجْوَها الشَّرِيمَ 4، ومَن لا تَحْبِسُ بَوْلَها الماشُولةَ 5، ومثلُها مِن الرِّجالِ الأمْثَنُ 6. وقال أبو حَفْصٍ: والخِصَاءُ عَيبٌ يُرَدُّ به.
وهو أحَدُ قَوْلي

..................................  الشافعيِّ؛ لأنَّ فيه نَقْصًا وعارًا، ويَمْنَعُ الوَطْءَ أو يُضْعِفُه.
وقد روَى أبو عُبَيدٍ بإسنادِه عن سليمانَ بنِ يَسارٍ، أنَّ [ابنَ سَنْدَرٍ] 1 تَزَوَّجَ امرأةً وهو خَصِيٌّ، فقال له عمرُ: أعْلَمْتَها؟ قال: لا.
قال: أعْلِمْها، ثمَّ خَيِّرْها 2. وفي البَخَرِ وكَوْنِ أحَدِ الزَّوْجَين خُنْثَى غَيرَ مُشْكِلٍ وَجْهان؛ أحدُهما، يَثْبُتُ الخِيارُ؛ لأنَّ فيه نَفْرَةً ونَقْصًا وعارًا.
والبَخَرُ: نَتَنُ الفَمِ 3. وقال ابنُ حامدٍ: نَتَنٌ في الفَرْجِ يَثُورُ عندَ الوَطْءِ.
وهذا إن أرادَ به أنَّه يُسَمَّى بَخَرًا و 4 يُثْبِتُ الخِيارَ، وإلَّا فلا مَعْنَى له، فإنَّ نَتَنَ الفَمِ يُسَمَّى بَخَرًا، ويَمْنَعُ مُقارَبَةَ 5 صاحِبِه إلَّا على كُرْهٍ.
وما عَدَا هذه مِن العيوبِ لا يُثْبِتُ الخِيارَ، وَجْهًا واحدًا؛ كالقَرَعِ، والعَمَى،

..................................  والعَرَجِ، وقَطْعِ اليَدَين والرِّجْلَين؛ لأنَّه لا يَمْنَعُ الاسْتِمْتاعَ، ولا يُخْشَى تَعَدِّيه.
ولا نَعْلَمُ في هذا بينَ أهْلِ العلمِ خلافًا، إلَّا أنَّ الحسنَ قال: إذا وَجَدَ أحَدُهما 1 الآخَرَ عَقِيمًا يُخَيَّرُ.
وأحَبَّ أحمدُ أن يُبَيِّنَ أمْرَه، وقال: عَسَى امرأتُه تُرِيدُ الوَلَدَ.
وهذا في ابْتِدَاءِ النِّكاحِ، فأمَّا الفَسْخُ فلا يَثْبُتُ به، ولو ثَبَت لذلك لثَبَتَ في الآيِسَةِ، ولأنَّ ذلك 2 لا يُعْلَمُ، فإنَّ رجالًا لا 3 يُولَدُ لأحَدِهم وهو شابٌّ، ثمَّ يُولَدُ له وهو شَيخٌ، ولا يَتَحَقَّقُ ذلك

..................................  منهما.
وأمَّا سائِرُ العُيُوبِ فلا يَثْبُتُ بها فَسْخٌ عندَهم.
واللهُ أعلمُ.
وأمَّا إذا وَجَد أحَدُهما بصاحِبِه عَيبًا به مثلُه، ففيه وَجْهٌ أنَّه يَثْبُتُ الخِيارُ، لوُجودِ

..................................  سَبَبِه، كما لو غُرَّ عَبْدٌ بأمَةٍ، ولأنَّ الإِنْسانَ قد يَأْنَفُ مِن عَيبِ غيرِه، ولا

..................................  يَأْنَفُ مِن عَيبِ نَفْسِه.
فصل: وأمَّا إذا وَجَد أحَدُهما بصاحِبِه عيبًا، [وبه] 1 عَيبٌ مِن غَيرِ جِنْسِه، كالأبْرَصِ يَجِدُ المرأةَ مَجْنُونَةً أو مَجْذُومَةً، فلكلِّ وَاحِدٍ منهما الخِيارُ؛ لوُجُودِ سَبَبِه، إلَّا أن يَجِدَ المَجْبُوبُ 2 المرأَةَ رَتْقاءَ، فلا يَنْبَغِي أن يَثْبُتَ لهما 3 خِيارٌ؛ لأنَّ عَيبَه ليس هو المانعَ لصاحِبِه مِن الاسْتِمْتاعِ، وإنَّما امْتَنَعَ لعيبِ نَفْسِه.

وَإِنْ عَلِمَ بِالْعَيبِ وَقْتَ الْعَقْدِ، أَوْ قَال: قَدْ رَضِيتُ بِهِ مَعِيبًا.
أَوْ وُجِدَ مِنْهُ دَلَالةٌ تَدُلُّ عَلَى الرِّضَا؛ مِنْ وَطْءٍ أَوْ تَمْكِينٍ مَعَ الْعِلْمِ  فصل: وإن حَدَثَ (1) العَيبُ بعدَ العَقْدِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَثْبُتُ الخِيارُ.
وهو ظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه قال: فإن جُبَّ قبلَ الدُّخُولِ، فلها الخِيارُ في وَقْتِها.
لأنَّه عَيبٌ في النِّكاحِ يُثْبِتُ الخِيارَ مُقارِنًا، فأثْبَتَه طارِئًا (2)، كالإِعْسارِ والرِّقِّ، فإنَّه يُثْبِتُ الخِيارَ إذا قارَنَ، مثلَ أن تُغَرَّ الأمَةُ مِن عَبْدٍ، ويُثْبِتُه إذا طَرَأَتِ الحُرِّيَّةُ، إذا عَتَقَتِ الأمَةُ تحتَ العَبْدِ، ولأنَّه عَقْدٌ على مَنْفَعَةٍ، فحُدُوثُ العَيبِ بها يُثْبِتُ الخِيارَ، كالإِجَارَةِ.
والثاني، لا يُثْبِتُ الخِيارَ.
وهو قولُ أبي بكرٍ، وابنِ حامدٍ، ومذهبُ مالكٍ؛ لأنَّه عَيبٌ حَدَث بالمَعْقُودِ عليه بعدَ لُزُومِ العَقْدِ، أشْبَهَ الحادثَ بالمَبِيعِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ.
وهذا يَنْتَقِضُ بالعَيبِ الحادِثِ في الإِجارَةِ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: إن حَدَث بالزَّوْجِ أثْبتَ الخِيارَ، وإن حَدَث بالمرأةِ، فكذلك في أحَدِ الوَجْهَين، ولا يُثْبِتُه في الآخَرِ؛ لأنَّ الرجلَ يُمْكِنُه طَلاقُها، بخِلافِ المرأةِ.
ولَنا، أنَّهما تَسَاوَيا فيما إذا كان العَيبُ سابقًا، فتَسَاوَيا فيه لاحِقًا، كالمُتَبايِعَين.

3204 -

مسألة: (وإن عَلِم بالعَيبِ وَقْتَ العَقْدِ، أو قال: قد رَضِيتُ به مَعِيبًا)

بعدَ العَقْدِ (أو وُجِدَ منه دَلَالةٌ على الرِّضَا؛12

بِالْعَيبِ، فَلَا خِيَارَ لَهُ.
مِن وَطْءٍ أو تَمْكِينٍ مع العِلْمِ بالعَيبِ، فلا خِيارَ له) لا نَعْلَمُ فيه خلافًا؛ لأنَّه رَضِيَ به، فأشْبَهَ مُشْتَرِىَ المَعِيبِ.
وإن ظَنَّ العَيبَ يَسِيرًا فبانَ كثيرًا، كمَن ظَنَّ البَرَصَ في قليلٍ مِن جَسَدِها فبانَ في كثيرٍ منه، فلا خِيارَ له أيضًا؛ لأنَّه مِن جِنْسٍ ما رَضِيَ به.
وإن رَضِيَ بعيبٍ فبان به 1 غَيرُه، فله الخِيارُ؛ لأنَّه وَجَد به 2 عيبًا لم يَرْضَ به ولا بجنْسِه، فيَثْبُتُ له الخِيارُ، كالمَبِيعِ إذا رَضِيَ بِعَيبٍ فيه فوَجَدَ به غيرَه.
وإن رَضِيَ بعيبٍ فزادَ بعدَ العَقْدِ، كأنْ كان قليلٌ مِن البَرَصِ فانْبَسَطَ في جِلْدِها 3، فلا خِيارَ له؛ لأنَّ رِضاه به رِضًا بما يَحْدُثُ منه.
فصل: وخِيارُ العَيبِ ثابِتٌ على التَّراخِي، لا يَسْقُطُ، ما لم يُوجَدْ منه ما يَدُلُّ على الرِّضَا به، مِن القولِ، أو الاسْتِمْتاعِ به مِن الزَّوْجِ، أو التَّمْكِينِ مِن المرأةِ.
هذا ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لقولِه: فإن عَلِمَتْ أنَّه

..................................  عِنِّينٌ، فسَكَتَتْ عن المُطالبَةِ، ثمَّ طالبَتْ بعدُ، فلها ذلك.
وذَكَر القاضي أنَّه على الفَوْرِ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ.
فمتى أخَّرَ الفَسْخَ مع العِلْمِ والإِمكانِ، بَطَل خِيارُه؛ لأنَّه خِيارُ الردِّ بالعيبِ، فكان على الفورِ، كرَدِّ المَبِيعِ المَعِيبِ.
ولنا، أنَّه خِيارٌ لدَفْعِ ضَرَرٍ مُتَحَقِّقٍ، فكان على التَّراخِي، كخِيارِ القِصاصِ، وخِيارُ العَيبِ في المَبِيعِ مَمْنُوعٌ، ثمَّ الفرقُ بينَهما أنَّ ضَرَرَه في المَبِيعِ غيرُ مُتَحَقِّقٍ؛ لأنَّه قد يكونُ المقصودُ مالِيَّتَه أو خِدْمَتَه، ويَحْصُلُ ذلك مع عَيبِه، وههُنا المقصودُ الاسْتِمْتاعُ، وذلك يَفُوتُ بعَيبِه 1. وأمَّا خِيارُ الشُّفْعَةِ والمَجْلِسِ، فهو لدَفْعِ ضَرَرٍ غيرِ مُتَحَقِّقٍ.

وَلَا يَجُوزُ الْفَسْخُ إلا بِحُكْمِ حَاكِمٍ،

3205 - مسألة: (ولا يَجُوزُ الفَسْخُ إلَّا بحُكْمِ حاكِمٍ)

لأنَّه مُجْتَهَدٌ فيه، فهو كفَسْخِ العُنَّةِ، والفَسْخِ للإعْسارِ 1 بالنَّفَقَةِ.
ويُخالِفُ خِيارَ المُعْتَقَةِ؛ لأنَّه مُتَّفَقٌ عليه.

فَإِنْ فُسِخَ قَبْلَ الدُّخُول، فَلا مَهْرَ، وَإِنْ فُسِخَ بَعْدَهُ، فَلَهَا الْمَهْرُ الْمُسَمَّى.
وَقِيلَ عَنْهُ: مَهْرُ الْمِثْلِ.

3206 - مسألة: (فإن فُسِخَ قبلَ الدُّخُولِ، فلا مَهْرَ، وإن فُسِخَ بعدَه، فعليه المهرُ المُسَمَّى. وقِيلَ):

عليه (مَهْرُ المِثْلِ) أمَّا إذا فُسِخَ قبلَ الدُّخُولِ، فلا مَهْرَ عليه، سَواءٌ كان مِن الزَّوْجِ أو مِن المرأةِ.
وهذا قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الفَسْخَ إن كان منها 1، فالفُرْقَةُ مِن جِهَتِها، فيَسقطُ مَهْرُها، كما لو فَسَخَتْه برَضاعِ زَوْجَةٍ له أخْرَى، وإن كان منه، فإنَّما فَسَخ لعَيبٍ بها دَلَّسَتْه بالإِخْفاءِ، فصار الفَسْخُ كأنَّه منها.
فإن قيل: فهَلَّا جَعَلْتُمْ فَسْخَها لعُنَّتِه كأنَّه منه؛ لحُصُولِه بتَدْلِيسِه؟ قُلْنا: العِوَضُ مِن الزَّوْجِ في مُقابَلَةِ مَنافِعِها، فإذا اخْتارَتْ فَسْخَ العَقْدِ مع سَلامةِ ما عُقِدَ عليه، رَجَعَ العِوَضُ إلى العاقِدِ معها، وليس مِن جِهَتِها عِوَضٌ في مُقابَلَةِ مَنافِعِ الزَّوْجِ، وإنَّما يَثْبُتُ لها الخِيارُ 2 لأجْلِ ضَرَرٍ يَلْحَقُها، لا لتَعَذُّرِ ما اسْتَحَقَّتْ عليه في مُقابَلَتِه عِوَضًا، فافْتَرَقَا.

..................................  فصل: وإن كان الفَسْخُ بعدَ الدُّخُولِ، فلها المَهْرُ؛ لأنَّه يَجِبُ بالعَقْدِ، ويَسْتَقِرُّ بالدُّخولِ، فلم يَسْقُطْ بحادِثٍ بعدَه، ولذلك لا يَسْقُطُ برِدَّتِها ولا بفَسْخٍ مِن جِهَتِها.
ويَجِبُ المَهْرُ المُسَمَّى.
وذَكَر القاضي في «المُجَرَّدِ» فيه رِوايَتَين؛ إحداهما، يَجِبُ المُسَمَّى.
والأُخْرَى، مَهْرُ المِثْلِ، بِناءً على الرِّوايَتَين في العَقْدِ الفاسدِ.
وقال الشافعيُّ: الواجِبُ مَهْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ الفَسْخَ اسْتَنَدَ إلى العَقْدِ، [فصار كالعَقْدِ] 1 الفَاسِدِ.
ولَنا، أنَّها فُرْقَةٌ بعدَ الدُّخولِ في نِكاحٍ صحيحٍ فيه [مُسَمًّى صحيحٌ] 2، فوَجَبَ المُسَمَّى، كغيرِ المَعِيبَةِ، وكالمُعْتَقَةِ تحتَ

وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ، مِنَ الْمَرْأَةِ وَالْوَلِيِّ.
وَعَنْهُ، لَا يَرْجِعُ.
عَبْدٍ.
والدليلُ على أنَّ النِّكاحَ صحيحٌ، أنَّه وُجِدَ بشُرُوطِه وأركانِه، فكان صحيحًا، كما لو لم يَفْسَخْه، ولأنَّه لو لم يَفْسَخْه لكان صحيحًا، فكذلك إذا فَسَخَه، كنِكاحِ الأمَةِ إذا عَتَقَتْ تحتَ عَبْدٍ، ولأنَّه تَتَرَتَّبُ عليه أحكامُ الصِّحَّةِ مِن ثُبُوتِ الإِحْصانِ والإِباحَةِ للزَّوْجِ الأوَّلِ، وسائرُ أحْكامِ الصَّحيحِ، ولأنَّه لو كان فاسدًا لمَا جاز إِبْقاؤُه وتَعَيَّنَ فَسْخُه.
وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ فإنَّ الفَسْخَ يَثْبُتُ حُكْمُه مِن حِينِه، غيرَ سابقٍ عليه، وما وَقَع على صِفَةٍ يَسْتَحِيلُ أن يكونَ واقِعًا على غيرِها.
وكذلك لو فُسِخَ البَيعُ بعَيبٍ، لم يَصِرِ العَقْدُ فاسدًا، ولا يكونُ النَّماءُ لغيرِ المُشْتَرِي، ولو كان المَبِيعُ أمَةً فَوَطِئَها، لم يَجِبْ به مَهْرُها، فكذلك النِّكاحُ.

3207 -

مسألة: (ويَرْجِعُ به على مَن غَرَّه، مِن المرأةِ والوَلِيِّ. وعنه، لا يَرْجِعُ)

المذهبُ أنَّه يَرْجِعُ، وهو الذي ذَكَرَه الخِرَقِيُّ.
وقال أبو بكرٍ: فيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّه لا يَرْجِعُ.
قال شيخُنا 1: والصحيحُ أنَّ المذهبَ رِوايةٌ واحدةٌ، أنَّه يَرْجِعُ؛ فإنَّ أحمدَ قال: كنتُ أذْهَبُ إلى قولِ

..................................  عليٍّ فَهِبْتُه، فمِلْتُ إلى قولِ عمرَ: إذا تَزَوَّجَها، فرأى جُذَامًا أو بَرَصًا، فإنَّ لها صَدَاقَها 1 بمَسِيسِه إيَّاها، ووَلِيُّها ضامِنٌ للصَّداقِ 2. وهذا يَدُلُّ على أنَّه رَجَع إلى هذا القولِ.
وبه قال الزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، ومالكٌ، والشافعيُّ في القديمِ.
ورُوِيَ عن عليٍّ، أنَّه لا يَرْجِعُ 3. وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ في الجديدِ؛ لأنَّه ضَمِنَ ما اسْتَوْفَى بَدَلَه، وهو الوَطْءُ، فلا يَرْجِعُ به على غيرِه، كما لو كان المَبِيعُ مَعِيبًا 4 فأكَلَه.
ولَنا، ما روَى مالكٌ، عن يَحْيَى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: أيُّما رجلٍ تَزَوَّجَ امرأةً بها جُنُونٌ أو جُذَامٌ أوَ بَرَصٌ، فمَسَّها، فلها صَداقُها، وذلك لزَوْجِها غُرْمٌ على وَلِيِّها 5. ولأنَّه غَرَّه في النِّكاحِ

..................................  بما يُثْبِتُ الخِيارَ، فكان المَهْرُ عليه، كما لو غَرَّه بحُرِّيةِ أمَةٍ.
إذا ثَبَت هذا، فإن كان الوَلِيُّ عَلِم، غَرِم، وإن لم يكنْ عَلِم، فالتَّغْرِيرُ مِن المرأةِ، فيَرْجِعُ عليها بجميعِ الصَّدَاقِ، وإنِ اخْتَلَفُوا في عِلْمِ الوَلِيِّ، فشَهِدَتْ عليه بَيِّنَةٌ بالإِقْرَارِ بالعلمِ، وإلَّا فالقولُ قولُه مع يَمِينِه.
وقال الزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ: إن عَلِم الوَلِيُّ غَرِمَ، وإلَّا اسْتُحْلِفَ باللهِ، أنَّه ما عَلِمَ، ثمَّ هو على الزَّوْجِ.
وقال القاضي: إن كان أبًا أو جَدًّا، أو ممَّن يَجُوزُ له أن يَراها، فالتَّغْرِيرُ

..................................  مِن جِهَتِه، عَلِم أو لم يَعْلَمْ، وإن كان ممَّن لا يَجُوزُ له أن يَرَاها، كابنِ العمِّ، والمَوْلَى، وعَلِمَ، غَرِمَ، وإن أنْكَرَ ولم تَقُمْ بَيِّنَةٌ بإقرارِه، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، ويَرْجِعُ على المرأةِ بجميعِ الصَّدَاقِ.
وهذا قولُ مالكٍ، إلَّا أنَّه قال: إذا رَدَّتِ المرأةُ ما أخَذَتْ، تَرَك لها قَدْرَ ما تُسْتَحَلُّ به، لئلَّا تَصِيرَ كالمَوْهُوبةِ.
وللشافعيِّ قَوْلان، كقولِ مالكٍ والقاضي.
ولَنا، على أنَّ الوَلِيَّ إذا لم يَعْلَمْ لا يَغْرَمُ، أنَّ التَّغْرِيرَ مِن غيرِه، فلم يَغْرَمْ، كما لو كان ابنَ عَمٍّ.
وعلى أنَّه يَرْجِعُ بكلِّ الصَّداقِ، أنَّه مَغْرُورٌ منها، فرجَع بكلِّ الصَّدَاقِ، كما لو غَرَّه الوَلِيُّ.
وقولُهم: لا يَخْفَى على مَن يَرَاها.
لا يَصِحُّ؛ فإنَّ عُيُوبَ الفَرْجِ لا اطِّلَاعَ له عليها، ولا يَحِلُّ له رُؤْيَتُها، وكذلك العُيوبُ تحتَ الثِّيابِ، فصار في هذا كمَن لا يَراها، إلَّا في الجُنُونِ، فإنَّه لا يَكادُ يَخْفَى على مَن يَراها، إلَّا أن يكونَ غائِبًا.
وأمَّا الرُّجوعُ بالمَهْرِ، فإنَّه بسَبَبٍ آخَرَ، فيكونُ بمَنْزِلَةِ ما لو وَهَبَتْه إيَّاه، بخلافِ المَوْهُوبَةِ.
فصل: فإنْ طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، ثمَّ عَلِمَ أنَّه كان بها عَيبٌ، فعليه نِصْفُ

..................................  الصَّداقِ، ولا يَرْجِعُ به؛ لأنَّه رَضِيَ بالْتِزَامِه، فلم يَرْجِعْ على أحدٍ، وإن ماتتْ أو ماتَ قبلَ العِلْمِ بالعَيبِ، فلها الصَّداقُ كامِلًا، ولا يَرْجِعُ به على أحدٍ؛ لأنَّ سَبَبَ الرُّجوعِ الفَسْخُ، ولم يُوجَدْ، وههُنا اسْتَقَرَّ الصَّداقُ بالمَوْتِ، فَلا يَرْجِعُ به.
فصل: ولا سُكْنَى لها ولا نَقَقَةَ؛ لأنَّ ذلك إنَّما يَجِبُ لمَن لزَوْجِها عليها الرَّجْعَةُ، وهذه تَبِينُ بالفَسْخِ، كما تَبِينُ بالثَّلاثِ، وليس لزَوْجِها عليها وَجْعَةٌ، فلم تَجِبْ لها نَفَقَةٌ ولا سُكْنَى؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لفاطمةَ بنتِ قَيسٍ: «إنَّما 1 النَّفَقَةُ والسُّكْنَى للمْرَأَةِ إذَا كَانَ لِزَوْجِها عليها الرَّجْعَةُ».
رَواه النَّسائِيُّ 2. وهذا إذا كانت حائِلًا، فإن كانت حامِلًا، فلها النَّفَقَةُ؛ لأنَّها بائِنٌ مِن نِكاحٍ صحيحٍ وهي حامِلٌ، فكانت لها النَّفقةُ،

فَصْلٌ: وَلَيسَ لِوَلِيِّ صَغِيرَةٍ، أَوْ مَجْنُونَةٍ، وَلَا سَيِّدِ أَمَةٍ، تَزْويجُهَا مَعِيبًا، وَلَا لِوَلِيِّ كَبِيرَةٍ تَزْويجُهَا بِهِ بِغَيرِ رِضَاهَا.
كالمُطَلَّقةِ ثلاثًا والمُخْتَلعةِ.
وفي السُّكْنَى رِوايتان.
وقال القاضي: لا نَفَقَةَ لها وإن كانت حامِلًا، في أحدِ الوَجْهَين؛ لأنَّها بائِنٌ مِنِ نِكاحٍ فاسدٍ.
وكذلك قال أصحابُ الشافعيِّ في أحدِ الوَجْهَين، وفي الآخَرِ: لها النَّفَقَةُ؛ لأنَّ النَّفقةَ للحَمْلِ، والحَمْلُ لاحِقٌ به.
وبَنَوْه على [أنَّ النِّكاحَ فَاسِدٌ] (1)، وقد بَيَّنّا صِحَّته فيما مَضَى.
فصل: قال الشيخُ، - رَضِيَ اللهُ عنه -: (وليس لوَلِيِّ صَغِيرةٍ، ولا مَجْنُونَةٍ، ولا سيدِ أمةٍ، تَزْويجُها مَعيبًا) لأنَّه ناظِرٌ لهم بما فيه الحَظُّ، ولا حَظَّ لهم في هذا العقدِ.
فإن زَوَّجَهُنَّ مع العِلْمِ بالعَيبِ، لم يَصِحَّ النِّكاحُ، وكذلك الحُكْمُ في الصغيرِ؛ لأنَّه عَقَدَ لهم عَقْدًا لا يَجُوزُ عَقْدُه، فلم يَصِحَّ، كما لو باع عَقَارَه لغيرِ غِبْطَةٍ ولا حاجةٍ.
وإن لم يَعْلَمْ بالعَيبِ، صَحَّ، كما لو اشْتَرَى لهم مَعِيبًا لا يَعْلَمُ عَيبَه، ويَجِبُ عليه الفَسْخُ إذا عَلِمَ؛ لأنَّ عليه النَّظَرَ لهم فيما فيه الحظُّ، [والحَظُّ] (2) في الفَسْخِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ النِّكاحُ؛ لأنَّه زَوَّجَهُم ممَّن لا يَمْلِكُ تزْويجَهُم إيَّاه، فلم يَصِحَّ؛ كما لو زَوَّجَهُم مِمَّن يَحْرُمُ عليهم.

3208 -

مسألة: (وليس له تَزْويجُ كَبِيرَةٍ بمَعِيبٍ بغيرِ رِضَاها)

12

فَإِنِ اخْتَارَتِ الْكَبِيرَةُ نِكَاحَ مَجْبُوبٍ أَوْ عِنِّينٍ، لَمْ يَمْلِكْ مَنْعَهَا،  بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّها تَمْلِكُ الفَسْخَ إذا عَلِمتْ به بعدَ العَقْدِ، فالامْتِناعُ أوْلَى.

3209 -

مسألة: (فإنِ اخْتارَتِ الكَبِيرَةُ تَزْويجَ مَجْبُوبٍ أو عِنِّينٍ، لم يَمْلِكْ مَنْعَها)

لأنَّ الحقَّ لها، في أحَدِ الوَجْهَين.
والوجهُ الثاني (له

..................................  مَنْعُها) قال أحمدُ: ما يُعْجِبُنِي أن يُزَوِّجَها بعِنِّينٍ، وإن رَضِيَتِ الساعةَ تكْرَهُ إذا أُدْخِلَت عليه؛ لأنَّ مِن شَأْنِهِنَّ النِّكاحَ، ويُعْجِبُهُنَّ مِن ذك ما يُعْجِبُنا.
وذلك لأنَّ الضَّرَرَ في هذا دائمٌ، والرِّضَا غيرُ مَوثْوقٍ 1 بدَوامِه، ولا تَتَمَكَّنُ مِن التَّخَلُّصِ إذا كانت عالِمَةً في ابْتِداءِ العَقْدِ، وربَّما أفْضَى إلى الشِّقاقِ والعَداوةِ، فيَتَضَرَّرُ وَلِيُّها وأهْلُها، فمَلَكَ الوَلِيُّ مَنْعَها، كما لو أرادت نِكاحَ مَن ليس بكُفْءٍ.
وقال القاضِي: له مَنْعُها مِن نِكاحِ المجْنونِ، وليس له مَنْعُها مِن نِكاحِ المَجْبُوبِ والعِنِّينِ؛ لأنَّ ضَرَرَهُما عليها خاصَّةً.
وفي الأبْرَصِ والمَجْذُومِ 2 وَجْهان؛ أحدُهما، لا يملكُ مَنْعَها؛ لأنَّ الحقَّ لها، والضَّرَرَ عليها، فأشْبَهَا 3 المجْبُوبَ والعِنِّينَ.
والثاني، له مَنْعُها؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا فيه، فإنَّه يُعَيَّرُ 4 به، ويُخْشَى تَعَدِّيه إلى الوَلَدِ، فأشْبَهَ التَّزْويجَ بغيرِ كُفْءٍ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
والأَوْلَى أنَّ له مَنْعَها؛ لأنَّ عليها فيه ضَرَرًا دائِمًا، وعارًا عليها وعلى أهْلِها، فمَلَكَ مَنْعَها منه، كالتَّزْويجِ بغيرِ الكُفْءِ، فأمَّا إنِ اتَّفَقَا على ذلك، ورَضِيَا به، جازَ، وصَحَّ النِّكاحُ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، لا يَخْرُجُ عنهما.
ويُكْرَهُ لهما ذك؛ لِما ذَكَره أبو عبدِ اللهِ، مِن أنَّها وإن رَضِيَتِ الآنَ، تَكْرَهُ فيما بعدُ.

وَإِنِ اخْتَارَتْ نِكَاحَ مَجْنُونٍ، أَوْ مَجْذُومٍ، أَوْ أَبْرَصَ، فَلَهُ مَنْعُهَا فِي أَصَحِّ الْوَجْهَينِ، وَإِنْ عَلِمَتِ الْعَيبَ بَعْدَ الْعَقْدِ، أَوْ حَدَثَ بِهِ، لَمْ يَمْلِكْ إِجْبَارَهَا عَلَى الْفَسْخِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ سائرُ الأوْلياءِ الاعْتِرَاضَ عليها ومَنْعَها مِن هذا التَّزْويجِ؛ لأنَّ العارَ يَلْحَقُ بهم، ويَنَالُهم الضَّرَرُ، فأشْبَهَ ما لو زَوَّجَها بغيرِ كُفْءٍ.

3210 -

مسألة: (فأمَّا إن عَلِمَتِ العَيبَ بعدَ العَقْدِ، أو حَدَثَ

..................................  به، لم يَمْلِكْ إجْبارَها على الفَسْخِ) إذا رَضِيَتْ؛ لأنَّ حقَّ الوَلِيِّ في ابْتِداءِ العَقْدِ لا في دَوَامِه، ولهذا لو دَعَتْ وَلِيَّها إلى تَزْويجِها بِعَبْدٍ لم تَلْزَمْه إجابَتُها، ولو [عَتَقَتْ تحتَ عَبْدٍ] 1 لم يَمْلِكْ إجْبارَها على الفَسْخِ.

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى 1416 هـ - 1996 م

المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756

المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته.. ووفقه لمرضاته

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بَابُ نِكَاحِ الْكُفَّارِ

وَحُكْمُهُ حُكْمُ نِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَجِبُ بِهِ وَتَحْرِيمِ الْمُحَرَّمَاتِ،  بابُ نِكَاحِ الكُفَّارِ (وحُكمُه حُكْمُ نِكاحِ المسلمين فيما يَجِبُ به وتَحريمِ المحرماتِ) وجملةُ ذلك، أنَّ أنْكِحَتَهم يتَعَلَّقُ بها أحكامُ النِّكاحِ الصَّحِيحِ، مِن وُقُوعِ الطَّلاقِ، والظِّهارِ، والإِيلاءِ، ووُجُوبِ المَهْرِ، والقَسْمِ، والإِباحَةِ للزَّوْجِ الأوَّلِ، والإِحْصانِ، وغيرِ ذلك.
وممَّن أجازَ طَلاقَ 1 الكُفَّارِ؛ عطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وحَمَّادٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
ولم يُجَوِّزْهُ الحسنُ، وقَتادَةُ،

..................................  ورَبِيعةُ، ومالكٌ.
ولَنا، أنَّه طَلَاقٌ مِن بالِغٍ عاقلٍ في نكاحٍ صحيحٍ، فَوَقَعَ، كطَلَاقِ المسلمِ، فإن قِيلَ: لا نُسَلِّمُ صِحَّةَ أنْكِحَتِهم.
قُلْنا: دليلُ ذلك أنَّ اللهَ تَعالى أضافَ النِّساءَ إليهم، فقال: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالةَ الْحَطَبِ﴾ 1. وقال: ﴿امْرَأَت فِرْعَوْنَ﴾ 2. وحَقِيقةُ الإِضافةِ تَقْتَضِي زَوْجِيَّةً صحيحةً.
[وقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -] 3: «وُلِدْتُ مِنْ نِكَاحٍ لَا مِنْ سِفَاحٍ» 4. وإذا ثَبَت صِحَّتُها، ثَبَتَتْ أحكامُها، كأَنْكِحةِ المسلمينَ.
فعلى هذا، إذا طَلَّقَ الكافرُ ثلاثًا، ثمَّ تَزَوَّجَها قبلَ زَوْجٍ وإصَابَةٍ، ثمَّ أسْلَما، لم يُقَرَّا عليه.
وإن طَلَّقَ امْرأتَه أقَلَّ مِن ثَلاثٍ، ثمَّ أسْلَما، فهي عندَه على ما بَقِيَ مِن طَلاقِها، وإن نَكَحَها كِتَابِيٌّ وأصابَها، حَلَّتْ لمُطَلِّقِها ثَلاثًا، سواءٌ كان المُطَلِّقُ مُسْلِمًا أو كافِرًا، وإن ظاهَرَ الذِّمِّيُّ مِن امْرأَتِه، ثمَّ أسْلَما، فعليه كَفَّارةُ الظِّهارِ؛ لقَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ 5 الآية.
فإن آلَى، ثَبَتَ حُكْمُ الإِيلاءِ، لِقَوْلِه تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ 6. ويَحْرُمُ عليهم في النِّكاحِ ما يَحْرُمُ على المسلمين، على ما ذَكَرْنا في بابِ المُحَرَّمَاتِ في النِّكاحِ.

وَيُقَرُّونَ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْمُحَرَّمَةِ، مَا اعْتَقَدُوا حِلَّهَا، وَلَمْ يَرْتَفِعُوا إِلَينَا.

3211 - مسألة: (وَيُقَرُّونَ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْمُحَرَّمَةِ، ما اعْتَقَدوا حِلَّها، ولم يَرْتَفِعُوا إلينا)

إنَّما يُقَرُّونَ بهذَين الشَّرطَين؛ أحدُهما، أن لا يَتَرافَعُوا إلينا.
الثاني، أن يَعْتَقِدُوا إباحَةَ ذلك في دينِهم؛ لأنَّ ما لا يعْتَقِدُون حِلَّه ليسَ مِن دِينِهم، فلا يُقَرُّونَ عليه، كالزِّنى، والسَّرِقَةِ، قال اللهُ تَعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَينَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيئًا﴾ 1. فيَدُلُّ هذا على أنَّهم يُخَلَّوْنَ وأحْكامَهم إذا لم يَجِيئُوا إلينا.
ولأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أخذَ الجِزْيَةَ مِن مَجُوسِ هَجَرَ 2، ولم يَعْتَرِضْ عليهم في أنْكِحَتِهم، مع عِلْمِه أنَّهم يَسْتَبِيحُون نِكاحَ محارِمِهِم.
ولأنَّه أسْلَمَ خَلْقٌ كثيرٌ في زَمَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فأقَرَّهم على أنْكِحَتِهم، ولم يكْشِفْ عن كَيفِيَّتِها.
فإذا لم يَرْتَفِعُوا، لم نَتَعَرَّضْ لهم؛ لأنَّا صَالحْناهم على الإِقْرَارِ

وَعَنْهُ، فِي مَجُوسِيٍّ تَزَوَّجَ كِتَابِيَّةً، أَو اشْتَرَى نَصْرَانِيَّةً، يَحُولُ بَينَهُمَا الْإِمَامُ.
فَيُخَرَّجُ مِنْ هَذَا، أَنَّهُمْ لَا يُقَرُّونَ عَلَى نِكَاحٍ مُحَرَّمٍ.
على دِينِهم.
(وعن أحمدَ في مَجُوسِيٍّ تَزَوَّجَ كتابِيَّةً، أو اشْتَرَى نَصْرَانِيَّةً) قال: يُحَالُ بَينَه وبَينَها.
قيل: مَن يَحولُ بَينَهُما؟ قال: الإِمامُ.
قال أبو بكرٍ: لأنَّ علينا ضَرَرًا في ذلك بتَحْريمِ أولادِ النَّصرانِيَّةِ علينا.
ويجئُ على قولِه في تَزْويجِ النَّصْرانِيِّ المَجُوسِيَّةَ (فيُخَرَّجُ مِن هذا أَنَّهم لا يُقَرُّونَ

فإِنْ أَسْلَمُوا، أَوْ تَرَافَعُوا إِلَينَا فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ، لَمْ نُمْضِهِ إلا عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَائِهِ، لَمْ نَتَعَرَّضْ لِكَيفِيَّةِ  على نِكاحٍ محرَّمٍ) [وأنْ يُحال بينَهم وبينَ نِكاحِ مَحارِمِهم؛ فإنَّ عمرَ كتَب أن فَرِّقوا بينَ كلِّ ذِي مَحْرَمٍ] (1) (2) مِن المجُوسِ.
وقال أحمدُ في مجُوسِيٍّ مَلَكَ أمَةً نَصْرانِيَّةً: يُحالُ بينَه وبينَها، ويُجْبَرُ على بَيعِها؛ [لأنَّ النَّصارى لهم دِينٌ] (3). فإن مَلَكَ نَصْرَانِيٌّ مجُوسِيَّةً، فلا بأسَ أن يَطأَها.
وقال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ: لا يُبَاحُ له وَطْؤُها أيضًا.
لِما ذكرْناه مِن الضَّرَرِ.

3212 -

مسألة: (وإِن أَسْلَمُوا، أو تَرافَعُوا إلينا في ابْتِداءِ العَقْدِ، لم نُمْضِه إلَّا على الوَجْهِ الصَّحِيحِ)

مِثْلَ أنْكِحَةِ المسلمين؛ بِالولِيِّ والشُّهُودِ والإِيجابِ والقَبُولِ؛ لأنَّه لا حاجَةَ إلى عَقْدٍ يُخالِفُ ذلك، قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَينَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ 4 (وإن كان في أثْنائِه 5، لم123

عَقْدِهِمْ، بَلْ إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا، كَذَاتِ مَحْرَمِهِ، وَمَنْ هِيَ فِي عِدَّتِهَا، أَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ فِي نِكَاحِهَا مَتَى شَاءَ، أَوْ مُدَّةً هُمَا فِيهَا، أَوْ مُطَلَّقَتِهِ ثَلَاثًا، فُرِّقَ بَينَهُمَا، وَإِلَّا أُقِرَّا  نَتَعرَّضْ لكَيفِيَّةِ عَقْدِهِم) ولا تُعْتَبَرُ له شُرُوطُ أنْكِحَةِ المسلمين؛ من الوَلِيِّ والشُّهودِ، وصِيغةِ الإِيجابِ والقَبُولِ، وأشْباهِ ذلك، بلا خِلافٍ بينَ المسلمين.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ (1): أجْمَعَ العلماءُ على أنَّ الزَّوْجَينِ إذا أسْلَما معًا في حالٍ واحدةٍ، أنَّ لهما المُقامَ على نِكاحِهما، ما لم يَكُنْ بينَهما نَسَبٌ أو رَضَاعٌ.
وقد أسْلَم خَلْقٌ كثيرٌ (2) في عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وأسْلَمَ نِسَاؤُهم، فأُقِرُّوا على أنْكِحَتِهم، ولم يَسْأَلْهم النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن شُرُوطِ النِّكاحِ ولا كَيفِيَّتِه، وهذا أَمْرٌ عُلِمَ بالتَّواتُرِ والضَّرُورةِ، فكان يَقِينًا.

3213 -

مسألة: لكنْ إن كانَتِ المرْأةُ في هذه الحالِ ممَّن [يَجُوزُ ابْتِداءُ نكاحِها في الحالِ، أُقِرَّا عليه (وإن كانت ممن] 3 لا يجوزُ ابْتِداءُ نِكاحِها) كأَحَدِ المُحَرَّماتِ بالنَّسَبِ أو السَّبَبِ، أو المُعْتَدَّةِ، أو المُرْتَدَّةِ و 4 الوَثَنِيَّةِ والمَجُوسِيَّةِ، والمُطَلَّقَةِ ثلاثًا، لم يُقَرَّا؛ لحديثِ عمرَ. وإن12

عَلَى النِّكَاحِ.
تَزَوَّجَها في العِدَّةِ وأسْلَما بعدَ انْقِضائِها، أُقِرَّا؛ لأنَّها ممَّن يَجُوزُ ابْتِداءُ نِكاحِها.
وإن تَرافَعا إلينا في العِدَّةِ، فُسِخَ نِكاحُهما؛ لأنَّه لا يجوزُ ابْتِداءُ نِكاحِهما.
وإن كان بَينَهما نِكاحُ مُتْعَةٍ، لم يُقَرَّا عليه؛ لأنَّه إن كان بعدَ المُدَّةِ، لم يَبْقَ بينَهما نِكاحٌ، وإن كان في المُدَّةِ، فهما لا يَعْتَقِدان تَأْبِيدَه،

..................................  والنِّكاحُ عَقْدٌ مُؤَبَّدٌ، إلَّا أن يَعْتَقِدا 1 فسادَ الشَّرطِ [وصِحَّةَ النِّكاحِ وبَقاءَه مُؤبَّدًا، فيُقَرّانِ عليه.
فإن كان بينَهما نِكاحٌ شُرِطَ فيه الخِيارُ متَى شَاءَا أو شاءَ أحدُهما، لم يُقَرّا عليه؛ لأنَّهما لا يَعْتَقِدان لُزُومَه، إلَّا أن يَعْتَقِدا فَسادَ الشَّرطِ] 2 وحدَه، وإن كان خيار مدَّةٍ فأسْلَما فيها، لم يُقَرَّا؛ لذلك، وإن كان بعدَها أُقِرَّا؛ لأنَّهما يَعْتَقِدانِ لُزُومَه، وكُلُّ ما اعْتَقَدُوه نِكاحًا، فهو نِكاحٌ يُقَرُّونَ عليه، وما لا فلا.

وَإِنْ قَهَرَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيَّةً، فَوَطِئَهَا، أَوْ طَاوَعَتْهُ، وَاعْتَقَدَاهُ نِكَاحًا، أُقِرَّا، وَإِلَّا فَلَا.
وَإِنْ كَانَ الْمَهْرُ مُسَمّىً صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا قَبَضَتْهُ، اسْتَقَرَّ، وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا لَمْ تَقْبِضْهُ، فُرِضَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ.

3214 - مسألة: (وإن قَهَرَ حرْبِيٌّ حرْبِيَّةً، فوَطِئَها، أو طَاوَعَتْهُ، واعْتَقَدَاه نِكاحًا)

ثمَّ أسْلَما (أُقِرَّا) عليه؛ لأنَّه نِكاحٌ لهم في مَن يجوزُ ابْتِداءُ نِكاحِها، فأُقِرَّا عليه، كالنِّكاحِ بلا وَلِيٍّ، وإن لم يَعْتَقِداه نِكاحًا، لم يُقَرَّا عليه؛ لأنَّه ليس مِن أنْكِحَتِهم.
3215 -

مسألة: (وإن كان المَهْرُ مُسَمًّى صحيحًا، أو فاسدًا قَبَضَتْه، اسْتَقَرَّ، وإن كان فاسدًا لم تَقْبِضْه، فُرِضَ لها مَهْرُ المِثْلِ)

إذا أسْلَمَ الكُفَّارُ، [أو تَحاكَمُوا] 1 إلينا بعدَ العَقْدِ والقَبْضِ، لم نتَعرَّضْ لِما فَعَلوه،

..................................  وما قَبَضَتْ مِن المَهْرِ، فقد نَفَذ، وليسَ لها غيرُه، حَلالًا كان أو حَرامًا، بدلِيلِ قولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ 1. فأمَرَ بتَركِ ما بَقِيَ دُونَ 2 ما قُبِضَ.
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ 3. ولأنَّ التَّعرُّضَ للمَقْبوضِ بإبْطالِه يَشُقُّ، لتَطاوُلِ الزَّمانِ، وكَثْرَةِ تصرُّفاتِهم في الحَرامِ، ففيه تَنْفِيرُهم عن الإِسلامِ، فعُفِىَ عنه، كما عُفِيَ عمّا ترَكُوه مِن الفَرائِضِ والواجباتِ، ولأنَّهما تَقابَضا بحكمِ الشِّرْكِ، فبَرِئَتْ ذِمَّةُ مَن هو عليه منه، كما لو تَبايَعا بيعًا فاسدًا وتَقابَضا.
وإن لم يَتقابَضا وكان المُسَمَّى حَلالًا، وَجَبَ ما سَمَّياه؛ لأنَّه مُسَمًّى صحيحٌ [في نِكاحٍ صحيحٍ] 4، فوَجَبَ، كتَسْمِيَةِ المسلمِ.
وإن كان حرامًا، كالخَمْرِ والخِنْزِيرِ، بطَلَ، ولمِ يُحْكَمْ بِه؛ لأنَّ ما سَمَّياهُ لا يجوزُ إيجابُه في الحُكْمِ، ولا يجوزُ أن يكونَ صَداقًا لمسلمةٍ، ولا في نِكاحِ مسلمٍ.

..................................  ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ إن كان قَبْلَ الدُّخولِ، ونِصْفُه إن وقَعتِ الفُرْقَةُ قبلَ الدُّخولِ.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان أصْدَقَها خمرًا أو خِنْزِيرًا مُعَيَّنَينِ، فليس لها إلَّا ذلك، وإن كانا غيرَ مُعَيَّنَينِ، فلها في الخمرِ القِيمَةُ، وفي الخِنْزِيرِ مَهْرُ المِثْلِ، اسْتِحْسانًا.
ولَنا، أنَّ الخَمْرَ لا قِيمَةَ له في الإِسلامِ، فكان الواجِبُ مَهْرَ المِثْلِ، كما لو أصْدَقَها خِنْزِيرًا، ولأنَّه مُحَرَّمٌ، أشْبَهَ الخنزيرَ.
فصل: وإن قَبَضَتْ بعضَ الحرامِ دُونَ بعضٍ، سقَط مِن المَهْرِ بقَدْرِ ما قُبِضَ، ووَجَبَ بحِصَّةِ ما بَقِيَ مِن مَهْرِ المِثْلِ، فإن كان الصَّداقُ عَشَرةَ زِقَاقِ خَمْرٍ مُتَساويةً، فَقَبَضَتْ منها خَمْسَةً، سقَط نِصْفُ المَهْرِ، ووَجَب لها نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ، وإن كانت مختلِفةً، اعْتُبِرَ ذلك بالكَيلِ، في أحدِ الوَجْهَينِ؛ لأنَّه إذا وجَب اعْتِبارُه، اعْتُبِرَ ذلك بالكَيلِ فيما له مِثْلٌ يتأتَّى الكيلُ فيه.
والثاني، يُقْسَمُ على عَدَدِها؛ لأنَّه لا قِيمةَ لها، فاسْتَوَى كبيرُها

..................................  وصغيرُها.
وإن أَصْدَقَها عشَرةَ خَنازيرَ، ففيه الوَجْهَان؛ أحدُهما، يُقْسَمُ على عددِها؛ لِما ذكَرْنا.
والثاني، تُعْتَبَرُ قِيمَتُها كأنَّها ممَّا يجوزُ بَيعُه 1، كما تُقَوَّمُ شِجَاجُ الحُرِّ كأنَّه عَبْدٌ.
وإن أصْدَقها كَلْبًا وخِنْزِيرَينِ وثلاثَةَ زِقاقِ خَمْرٍ، ففيه ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها، يُقْسَمُ على قَدْرِ قِيمَتِها عندَهم.
والثاني، يُقْسَمُ على عَدَدِ الأجْناسِ، فيُجْعَلُ لكلِّ جِنْسٍ ثُلُثُ المَهْرِ.
والثالثُ، يُقْسَمُ على العَدَدِ كلِّه (1)، فلِكُلِّ واحدٍ سُدْسُ المَهْرِ، ولِلكَلْبِ سُدْسُه، ولكلِّ واحدٍ مِن الخِنْزِيرَينِ والزِّقاقِ سُدْسُه.
ومذهبُ الشافعيِّ فيه (1) على نحو هذا.
فصل: فإن نَكَحَها نِكاحًا فاسدًا، وهو ما لا يُقَرُّونَ عليه إذا أسْلَمُوا، كَنِكاحِ ذَواتِ الرَّحِمِ 2، فأسْلَما قَبْلَ الدُّخولِ، أو تَرافَعُوا إلينا، فُرِّقَ بينَهما، ولا مَهْرَ لها.
قال أحمدُ، في المَجُوسِيَّةِ تكونُ تحتَ أخيها أو أبيها، فَيُطَلِّقُها أو يَموتُ عنها، فتَرْتَفِعُ إلى المسلمين: لا مَهْرَ لها.
وذلك لأنَّه نِكاحٌ باطلٌ مِن أصْلِه، لا يُقَرُّ عليه في الإِسلامِ، وُجِدَت فيه الفُرْقةُ قبلَ

جارٍ التحميل