..................................
أمّا الهَدْىُ فقد اسْتَوَيا نجيه، وأمّا البَدَلُ فإنَّ الإِحْصارَ ليس بمَنْصُوصٍ على البَدَلِ فيه، وإنَّما ثَبَت قِياسًا، وقِياسُه على الأصْلِ المَنْصُوصِ عليه أوْلَى مِن قِياسِه على فَرْعِه، على أنَّ الصيامَ ههُنا مِثْلُ الصيامِ عن دَمِ الإِحْصارِ في العَدَدِ، إلَّا أن صِيامَ الإحْصارِ يَجِبُ قبلَ الحِلِّ، وهذا يَجُوزُ قبلَ الحِلِّ وبعدَه.
وأمّا الخِرَقِىُّ، فإنَّه جَعَل الصومَ عن دَمِ الفَواتِ كالصَّوْمِ عن جزاءِ الصَّيْدِ، عن كلِّ مُدٍّ يَوْمًا.
والمرْوِىُّ عن عُمَرَ وابْنِه، رَضِىَ اللهُ عنهما، مِثْلُ ما ذَكَرْنا.
ويُقاسُ عليه أيْضًا كلُّ دَمٍ وَجَب لتَرْكِ واجِبٍ، كتَرْكِ الإحْرامِ مِن المِيقاتِ، والوُقُوفِ بعَرَفَةَ إلى غُرُوبِ الشمسِ، والمبِيتِ بمُزْدَلِفَةَ، وطَوافِ الوَداعِ، فالواجِبُ فيه ما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْىِ، فإن لم يَجِدْ فصِيامُ عَشَرَةِ أيّامٍ؛ لأنَّ المُتَمَتِّعَ تَرَك الإحْرامَ مِن المِيقاتِ بالحَجِّ، وكان يَقْتَضِى أن يَكُون واجِبًا، فوَجَبَ عليه الهَدْىُ لذلك، فقِسْنا عليه تَرْكَ الواجِبِ.
ويُقاسُ على فِدْيَةِ الأذَى ما وَجَب بفِعْلِ مَحْظُورٍ يُتَرَفَّهُ به، كتَقْلِيم الأظْفارِ، واللُّبْسِ، والطِّيبِ.
وكلُّ اسْتِمْتاعٍ
وَمَتَى أَنْزَلَ بِالْمُبَاشَرَةِ دُوِن الْفَرْجِ، فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، وَإِنْ لَم يُنْزِلْ، فَعَلَيْهِ شَاةٌ.
وَعَنْهُ، بَدَنةٌ.
مِن النِّساءِ يُوجِبُ شاةً، كالوَطء في العُمْرَةِ، وبعدَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ في الحَجِّ، والمُباشَرَةِ مِن غيرِ إنْزالٍ، فإنَّه في مَعْنَى فِدْيَةِ الأذَى مِن الوَجْهِ الذى ذَكَرْناه، فيُقاسُ عليه، ويُلْحَقُ به.
وقد قال ابن عباسٍ، في مَن وَقَع على امْرأتِه في العُمْرَةِ قبلَ التَّقْصِير: عليه فِدْيَةٌ مِن صِيام أو صَدَقَةٍ أو نُسُكٍ.
رَواه الأثْرَمُ (1).
1224 -
مسألة: (ومتى أنْزَلَ بالمُباشَرَةِ دُونَ الفَرْجِ، فعليه بَدَنَةٌ، وإن لم يُنْزِلْ، فعليه شاةٌ. وعنه، بَدَنَةٌ)
أمّا إذا أنْزَلَ بالمُباشَرَةِ، فإنَّ عليه بَدَنَةً؛ لأئه اسْتِمْتاعٌ أوْجَبَ الغُسْلَ، فأوْجَبَ بَدَنَةً، كالوَطْءِ في الفَرْجِ، وإن لم يُنْزِلْ، فعليه شاةٌ، في الصَّحِيحِ.
كذلك ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وابن سِيرينَ، والزُّهْرِىُّ،1
..................................
وقَتادَةُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّها مُلامَسَةٌ لا تُفْسِدُ الحَجَّ، عَرِيَتْ عن الإِنْزالِ، فلم تُوجِبْ بَدَنَةً، كاللَّمْسِ لغيرِ شَهْوَةٍ.
وعنه، يَجِبُ عليه بَدَنَةٌ.
وقال الحسنُ، في مَن ضَرَب بيَدِه على فَرْجِ جارِيَتِه: عليه بَدنَةٌ.
وعن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ: إذا نال منها ما دُونَ الجِماعِ، ذَبَح بَقَرَةً؛ لأنَّها مُباشَرَة مَحْظُورَةٌ بالإحْرامِ، أشْبَهَتْ ما اقْتَرَنَ به الإنزالُ.
ولَنا، أنَّها مُلامَسَةٌ مِن غيرِ إنْزالٍ، فأشْبَهَتْ لَمْسَ غيرِ الفَرْجِ.
ويَجِبُ به شاةٌ؛ لِما روَى الأثْرَمُ، أن عُمَرَ بنَ [عُبَيدِ الله] 1 قَبَّلَ عائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ مُحْرِمًا، فسَألَ، فأُجْمِعَ له على أن يُهَرِيقَ دَمًا، والظَّاهِرُ أنَّه لم يَكُنْ أنْزَلَ؛ لأنَّه لم يُذْكَرْ.
وسَواءٌ مَذَى أو لم يَمْذِ، قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: إن قَبَّلَ، فمَذَى، أو لم يَمْذِ، فعليه دَمٌ.
وسائِرُ اللَّمْسِ لشَهْوَةٍ كالقُبْلَةِ فيما ذَكَرْنا؛ لأَّنه اسْتِمْتاعٌ يَلْتَذُّ به، كالقُبْلَةِ.
قال أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، في مَن قَبَض على فَرْجِ امْرَأتِه، وهو مُحْرِمٌ: فإنَّه يُهَرِيقُ دَمًا.
وَإنْ كَرَّرَ النَّظرً فَأَنْزَلَ، أوِ اسْتَمْنَى، فَعَلَيْهِ دَمٌ، هَلْ هُوَ بَدَنَةٌ أَوْ شَاةٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإنْ مَذَى بِذَلِكَ، فَعَلَيْهِ شَاةٌ.
وبه قال عَطاءٌ؛ لأنَّه اسْتِمْتاعٌ مَحْظُورٌ في الإحْرامِ، أشْبَهَ الوَطْءَ فيما دُونَ الفَرْجِ.
1225 -
مسألة: (وإن كَرَّرَ النَّظَر فأنْزَلَ، أو اسْتَمْنَى، فعليه دَمٌ، هل هو شاةٌ أو بَدَنَةٌ؟ على رِوايَتَيْن. وإن مَذَى بذلك، فعليه شاةٌ)
إذا كَرَّرَ النَّظَرَ فأنْزَلَ، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، عليه بَدنَةٌ.
رُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ.
والثّانِيَةُ، عليه شاةٌ.
وهو قولُ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ.
ورُوِىَ أيْضًا عن ابنِ عباسٍ.
وقال أبو ثَوْرٍ: لا شئَ عليه.
وحُكِىَ عن أبي حنيفةَ، والشافعىِّ، لأنَّه ليس بمُباشَرَةٍ، أشْبَهَ الفِكْرَ.
ولَنا، أنَّه إنْزالٌ بفِعْلِ مَحْظُورٍ، فأوْجَبَ الفِدْيَةَ، كاللَّمْسِ.
وقد روَى الأثْرَمُ عن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّه قال له رجلٌ: فَعَل اللهُ بهذِه وفَعَل، إنَّها
..................................
تَطَيَّبَتْ لِى، فكَلَّمَتْنِى، وحَدَّثَتْنِى، حتى سَبَقَتْنِى الشَّهْوَةُ.
فقالَ ابنُ عباسٍ: أتْمِمْ حَجَّكَ وأهْرِقْ دَمًا 1. والاسْتِمْناءُ في مَعْنَى تَكْرارِ النَّظَرِ فيُقاسُ عليه، فإن كَرَّرَ النَّظَرَ فمَذَى، فعليه شاةٌ، وكذلك ذَكَرَه أبو الخَطّابِ؛ لأنَّه جُزْءٌ من المَنِىِّ؛ لكَوْنِه خارِجًا بسَبَبِ الشَّهْوَةِ، ولأنَّه حَصَل به الْتِذاذٌ، فهو كاللَّمْسِ، فإن لم يَقْتَرِنْ به مَنِىٌّ ولا مَذْىٌ، فلا شئَ عليه، كَرَّرَ النَّظَرَ أو لم يُكَرِّرْه.
وقد رُوِىَ عن أحمدَ، في مَن جَرَّدَ امْرَأتَه، ولم يَكُنْ منه غيرُ التَّجْرِيدِ، أنَّ عليه شاةً، وهو مَحْمُولٌ على أنَّه لَمْسٌ، فإنَّ التَّجْرِيدَ لا يَخْلُو عن اللَّمْسِ ظاهِرًا، أو على أنَّه أمْنَى، أو أمْذَى، أمّا مُجَرَّدُ النَّظَرِ فلا شَئَ فيه، فقد كان النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - يَنْظُرُ إلى نِسَائِه وهو مُحْرِمٌ، وكذلك أصحابُه.
وَإنْ فَكَّرَ فَانزَلَ، فَلَا فِديَةَ عَلَيْهِ.
فصل: فإن نَظرَ ولم يُكَرِّرِ النَّظَرَ، فأمنَى، فعليه شاة؛ لأنَّه فِعْلٌ يَحْصُلُ به اللَّذَّةُ، أوْجَبَ الإنْزالَ، أشْبَهَ اللَّمْسَ، وإلَّا فلا شئَ عليه؛ لأنَّه لا يمكِنُ التَّحَرُّزُ عنه، أشْبَة الفِكْرَ والاحْتِلامَ.
1226 -
مسألة: (فإنْ فَكَّرَ فأنزلَ، فلا شئَ عليه)
وحَكَى
..................................
أبو حَفْص البَرْمَكِىُّ، وابنُ عَقِيل، أن حُكْمَه حُكْمُ تَكْرارِ النَّظَرِ إذا اقْتَرَن به الإِنْزالُ، في إفْسادِ الصومِ، فيَحتَمِلُ أن يَجِبَ به ههُنا دَمٌ، قِياسًا عليه.
ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِىَ لأمَّتِى عَنِ الْخَطإِ وَالنِّسْيَانِ».
«وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أنفُسَها، مَا لَمْ تعمَلْ أوْ تَتَكَلَّمْ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. ولأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا إجْماعَ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على تَكْرارِ النَّظَرِ؛ لأنَّه دُونَه في اسْتِدعاءِ الشَّهْوَةِ، وإفْضائِه إلى الإنْزالِ، ويُخالِفُه في التَّحْرِيمِ إذا تَعَلَّقَ بأجْنَبِيَّةٍ، أو الكَراهةِ إن كان في زَوْجَتِه، فيَبْقَى على الأصْلِ.
فصل: والعَمدُ والنِّسْيانُ في الوَطْءِ سَواءٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وقد ذَكرناه، فأمّا القُبْلَةُ، واللمسُ، وتَكْرارُ النظَرِ، فلم يَذْكُز شيخُنا حُكْمَ النِّسْيانِ فيه في الحَجِّ، لكنْ ذَكًره في مُفْسِداتِ الصَّوْمِ 2، وفَرَّقَ بينَ العَمدِ والسَّهْوِ، فيَنبغِى أن يَكُونَ ههُنا مِثْلَه، وكذلك ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
والفرقُ بينهما، أنَّ الوَطْءَ لا يَكادُ يَتَطَرَّقُ النِّسْيانُ إليه، بخِلافِ ما دُونَه، ولأنَّ، الجِماعَ يُفْسِدُ الصَّوْمَ بمُجَرَّدِه دُونَ غَيْرِه.
والجاهِلُ بالتحرِيمِ 3، والمُكْرهُ، في حُكْمِ النّاسِى؛ لأنَّه مَعْذُورٌ.
فَصْلٌ: وَمَنْ كَرَّرَ مَحْظُورًا مِنْ جِنْسٍ، مِثْلَ أَنْ حَلَقَ ثُمَّ حَلَقَ، أَوْ وَطِئَ ثُمَّ وَطِئَ، قَبْلَ التَّكْفِيرِ عَنِ الْأوَّلِ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَإِنْ كَفَّرَ عَنِ الْأوَّلِ، لَزِمَتْهُ لِلثَّانِى كَفَّارَةٌ.
فصل: قال رَضِىَ اللهُ عنه: (ومن كَرَّرَ مَحْظُورًا مِن جِنْسٍ، مِثْلَ أن حَلَق ثم حَلَق، أو وَطِئَ ثم وَطئَ، قبلَ التَّكْفِيرِ عن الأوَّلِ، فكَفّارَةٌ واحِدَةٌ.
وإن كَفَّرَ عن الأوَّل، فعليه للثّانِى كَفّارَةٌ) إذا حَلَق ثم حَلَق، فالواجِبُ فِدْيَةٌ واحِدَةٌ، ما لم يُكَفِّرْ عن الأوَّلِ قبلَ فِعْلِ الثّانِى، فإن كَفَّرَ عن الأوَّلِ، ثم حَلَق ثانِيًا، فعليه للثّانِى كَفّارَةٌ أيْضًا، وكذلك الحُكْمُ فيما إذا وَطِئَ ثم وَطِئَ، أو لَبِس ثم لَبِس، أو تَطَيَّبَ ثم تَطَيَّبَ، وكذلك
..................................
سائِرُ مَحْظُورِاتِ الإحْرامِ، إذا كَرَّرَها، ما خَلا قَتْلَ الصَّيْدِ، وسواءٌ فَعَلَه مُتَتابِعًا أو مُتَفرِّقًا فإنَّ فِعْلَها مُجْتَمِعَة كفِعْلِها مُتَفَرِّقَةً في وُجُوبِ الفِدْيَةِ، ما لم يُكَفِّرْ عن الأوَّلِ قبلَ فعل الثّانى.
وعنه، أنَّ لكلِّ وَطْء كَفّارَةً، وإن لم يُكَفِّرْ عن الأوَّلِ؛ لأنَّه سَبَبٌ للكَفّارَةِ.، فأوْجَبَها، كالأوَّلِ.
وعنه، أنَّه إن كَرَّرَ لأسْبابٍ، مِثْلَ أن لَبِس للبَرْدِ، ثم لَبِس للحَرِّ، ثم لَبِس للمَرَضِ، فكَفّاراتٌ، وإن كان لسَبَبٍ واحِدٍ، فكَفّارَةَ واحِدَةٌ.
وروَى عنه الأثْرَمُ، في مَن لَبِس قَمِيصًا وجُبَّةً وعِمامَةً وغيرَ ذلك لعِلَّةٍ واحِدَةٍ، كَفّارَةٌ واحدةٌ.
فإنِ اعْتَلَّ فلَبِسَ جُبَّة، ثم بَرَأ، ثم اعْتَلَّ فلَبِسَ جُبَّة، فقالَ: لا، هذا عليه كَفّارَتان.
وقال ابنُ أبى موسى في «الإرْشادِ»: إذا لَبِس وغَطَّى رَأْسَه مُتَفَرِّقًا وَجَب عليه دَمان، وإن كان في وَقْتٍ واحِدٍ، فعلى رِوايَتَيْن.
وعن الشافعىِّ كقَوْلِنا.
وعنه، لا يَتَداخَلُ.
وقال مالكٌ: تَتَداخَلُ 1 كَفّارَةُ
وإنْ قَتَل صَيْدًا بَعدَ صَيْدٍ، فَعَلَيْهِ جَزَاوهُمَا.
وَعَنْهُ، عَلَيْهِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ.
الوَطْءِ دُونَ غيرِه.
وقال أبو حنيفةَ: إن كَرَّرَه في مَجْلِس واحِدٍ، فكَفّارَةٌ واحِدًة، وإن كان في مجالِسَ، فكَفّارَات.
وقال في تَكْرارِ الوَطْءِ: عليه للثّانى شاةٌ إلَّا أن يَفْعَلَه في مَجْلِس واحِدٍ على وَجْهِ الرَّفض للإِحْرامِ.
ولَنا، أنَّ ما يَتَداخَلُ إذا كان مُتَتابعًا، يَتَداخَلُ وإن تَفَرقَ، كالحُدُودِ وكَفّاراتِ الأيمانِ، ولأنَّ الله تعالى أَوْجَبَ في حَلْقِ الرَّأْسِ فديَةً واحِدَةً، ولم يُفَرِّقْ بينَ ما وَقَع في دُفْعَةٍ أو في دُفَعاتٍ، والقَوْلُ بأنه لا يَتَداخَلُ لا يَصِحُّ، فإنَّه إذا حَلَق لا يمكِنُ إلاَّ شيئًا بعدَ شئٍ.
ولَنا على أنَّه لا يَتَداخَلُ إذا كَفَّرَ عن الأوَّلِ، أنَّه سَببٌ للكَفّارَةِ، فإذا كَفَّرَ عن الأوَّلِ وَجَب عليه للثّانِي كَفّارَةٌ، كالأيمانِ.
أو نَقُولُ: سَبَب يُوجِبُ عُقوبةً، فيُكَررُ بتَكَرُّره بعدَ التَّطهِيرِ،
كالحُدُودِ.
1227 -
مسألة: (وإن قَتَل صَيْدًا بعدَ صَيْدٍ، فعليه جَزاؤهما. وعنه، عليه جَزاءٌ واحِدٌ)
إذا قَتَل صَيْدَيْن، فعليه جَزاؤهما؛
وَإِنْ فَعَلَ مَحْظُوراً مِنْ أَجْنَاس، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ فِدَاءٌ.
وَعَنْهُ، عَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ.
سواءٌ قَتَلَهما دُفْعَةً واحِدَةً، أو واحِدَةً بعدَ واحِدَةٍ.
وعن أحمدَ، أنَّه يَتَداخَلُ إذا كان مُتَفَرِّقًا، فيَجِبُ عليه جَزاءٌ واحِدٌ، كالمَحْظُوراتِ غيرَ قتْلِ الصَّيْدِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (1). ومِثلُ الصَّيْدَيْن لا يَكُونُ مِثلَ أحَدِهما، ولأنَّه لو قَتَل صَيْدَيْن دُفْعَة واحِدَةً وَجَب جَزاؤهما، فإذا تَفَرَّقا، كان الوُجُوبُ أوْلَى؛ لأنَّ حالَةَ التَّفْرِيقِ لا تَنْقُصُ عن حالَةِ الاجْتِماعِ، كسائِرِ المَحْظُوراتِ.
1228 -
مسألة: (كان فَعَل مَخظورًا مِن أجْناسٍ، فعليه لكلِّ واحِدٍ فِداءٌ. وعنه، عليه فِنيَةٌ واحِدَةٌ)
إذا فَعَل مَحْظُورًا مِن أجْناسٍ،1
..................................
كحَلْقٍ ولُبْس وتَطُّيبٍ ووَطْءٍ، فعليه لكلِّ واحِدٍ فِديَةٌ، سواءٌ فَعَلَه مُجْتَمِعًا أو مُتَفَرِّقًا.
وهذا مَذْهبُ الشافعىِّ.
وعن أحمدَ، أنَّ في الطِّيبِ واللُّبْسِ والحَلْقِ فِديَةً واحِدَةً، إذا كانا في وَقْتٍ واحِدٍ، كان فَعَل ذلك واحِدًا بعدَ واحِدٍ، فعليه لكلِّ واحِدٍ دَمٌ.
وهو قولُ إسْحاقَ.
وقال عَطاءٌ، وعَمرُو ابنُ دِينارٍ: إذا حَلَق، ثم اختاجَ إلى الطِّيبِ، أو إلى قَلَنْسُوَةٍ، أو إليهِما، ففَعَلَ ذلك، فليس عليه إلَّا فِديَةٌ واحِدَةٌ.
وقال الحسنُ: إن لَبِس القَمِيصَ وتَعمَّمَ وتطَيَّبَ، فَعَل ذلك جَمِيعًا، فليس عليه إلَّا فِديَةٌ واحِدَةٌ.
ولَنا، أنَّها مَحْظُورات مُخْتَلِفَةُ الأجْناسِ، فلم يَتَداخَلْ جَزاؤها 1، كالحُدُودِ المُخْتَلِفَةِ، والأيْمانِ المُخْتَلِفَةِ، وعَكْسُه إذا كانتْ مِن جِنْسٍ واحِدٍ.
وَإنْ حَلَقَ، أَوْ قَلَّمَ، أَوْ وَطِئَ، أَوْ قَتَلَ صَيْدًا عَامِدًا أوْ مُخْطِئًا، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
وَعَنْهُ فِى الصَّيْدِ، لَا كَفَّارَةَ إلَّا فِى الْعَمدِ.
وَيُخَرَّجُ فِى الْحَلْقِ مِثْلُهُ.
1229 - مسألة: (كان حَلق، أو قَلَّمَ، أو وَطِئَ، أو قَتل صَيْدًا عامِدًا أو مُخْطِئًا، فعليه الكَفّارَةُ. وعنه في الصَّيْدِ، لا كَفّارَةَ عليه إلَّا في العَمدِ، ويَتَخَرَّجُ في الحَلْقِ مِثْلُه)
أنها الوَطْءُ، فقد ذَكَرْناه.
وجُمْلَتُه أنَّه لا فرقَ بينَ العَمدِ والخَطإِ في الحَلْقِ والتَّقْلِيمِ، ومَن له عُذْرٌ، ومَن لا عُذْرَ له، في ظاهِرِ المَذْهبِ.
وهو قولُ الشافعىِّ.
ونحوه عن الثَّوْرِىِّ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، لا فِديَةَ على النّاسِى.
وهو قولُ إسْحاقَ 1، وابنِ المُنْذِرِ؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «عُفِىَ لأِمَّتِى عَنِ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» 2. ولَنا، أنَّه إتْلافٌ، فاسْتَوَى عَمدُه وسَهْوُه، كإتْلافِ مالِ الآدمِىِّ، ولأنَّ الله تعالى أوْجَبَ الفِديَةَ على مَن حَلَق رأْسَه لأذًى به، وهو مَعذُورٌ، فكان تَنْبِيهًا على وُجُوبِها على غيرِ المَغذُورِ، ودَلِيلًا على وُجُوبِها على المَعْذُورِ بنَوْعٍ آخَرَ، كالمحتَجِمِ يحلِقُ مَوْضِعَ مَحاجِمِه، أو شَعَرَ شَجَّتِه.
وفى مَعْنَى
..................................
النّاسِى النائِمُ الذى يَقْلَعُ شَعَرَه، أو يُصَوِّبُ رَأْسَه إلى تَنُّورٍ، فيَحْرِقُ اللَّهَبُ شَعَرَه، ونحوُ ذلك.
فصل: وقَتْلُ الصَّيْدِ يَسْتَوِى عَمده وسَهْوه أْيضًا.
هذا ظاهِرُ المَذْهبِ.
وبه قال الحسنُ، وعَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ.
قال الزُّهْرِىُّ: على المُتَعَمِّدِ بالكِتابِ، وعلى المُخْطِئ بالسُّنَّةِ.
وعنه، لا كَفّارَةَ على المُخْطِئ.
وهو قولُ ابنِ عباسٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وطاوُسٍ، وابنِ المُنْذِرِ، وداودَ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُم مُتَعَمِّدًا﴾.
فيَدُلُّ بمَفْهُومه على أنَّه لا جَزاءَ على
وَإنْ لَبِسَ، أَوْ تَطَيَّبَ، أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ نَاسِيًا، فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ.
وَعَنْهُ، عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
الخاطِئَ، ولأنَّ الأصلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه، فلا يَشْغَلُها إلَّا بدَلِيل، ولأنَّه محظورٌ بالإحرامِ لا يَفْسُدُ به، فَفُرِّقَ بينَ عَمده وخَطَئِه، كاللُّبْسِ.
ووَجْهُ الأُولَى قَوْلُ جابِرٍ رَضِىَ الله عنه: جَعَل رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في الضَّبُعِ يَصِيدُه المُحرِمُ كَبْشًا.
وقال عليه السلامُ، في بَيضِ النَّعامِ يُصِيبُه المُحرِمُ: «ثَمَنُه».
ولم يُفَرِّقْ بينَ العَمدِ والخَطإِ.
رَواهما ابنُ ماجه (1). ولأنَّه ضَمانُ إتْلافٍ، فاسْتوَى عَمده وخَطَؤُه، كمالِ الآدَمِىِّ.
1230 -
مسألة: (وإن لَبس، أو تَطَيَّبَ، أو غَطَّى رَأْسَه ناسِيًا، فلا كَفّارَةَ فيه. وعنه، عليه الكَفَّارَةُ)
أنها إذا لَبِس، أو تَطَيَّبَ، أو غَطَّى رَأْسَه عامِدًا، فإنَّ عليه الفِديَةَ بغيرِ خِلافٍ عَلِمناه؛ لأنَّه تَرَفَّه بمَحْظُورٍ في إحرامِه عامِدًا، فأشْبَهَ حَلْقَ الشَّعَرِ.
ويسْتَوِى في ذلك قَلِيلُ الطِّيبِ1
..................................
وكَثِيرُه، وقَلِيلُ اللُّبْسِ وكَثِيرُه.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَجِبُ الدَّمُ إلَّا بتَطْيِيبِ عُضْوٍ كامِلٍ، وفى اللّباسِ بلباس يَوْم ولَيْلَةٍ، ولا شئَ فيما دُونَ ذلك؛ لأنَّه لم يَلْبَسْ لُبْسًا مُغتادًا، أشْبَة ما لو ائْتزَرَ بالقَمِيصِ.
ولَنا، أنَّه مَعْنًى حَصَل به الاسْتفتاعُ بالمَحْظُورِ، فاغتُبِر بمُجَرَّدِ الفِعْلِ، كالوَطْءِ، أو مَحْظُورٌ فلا تَتَقَدَّرُ فِدْيَتُه بالزَّمَنِ، كسائِرِ المَحْظُوراتِ، وما ذَكَرُوه مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ النّاس يَخْتَلِفُون في اللُّبْسِ في العادَةِ، وما ذَكَرُوه تَقدِيرٌ، والتَّقْدِيراتُ بابُها التَّوْقِيفُ، وتَقدِيرُهم بعضْوٍ ويوم ولَيْلَةٍ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ، وأمّا إذا ائْتزَرَ بقَمِيصٍ فليس ذلك بلُبْسِ مَخِيطٍ، ولذلك لا يَحْرُمُ عليه وإن طال، والمُخْتَلَفُ فيه مُحَرَّمٌ لُبْسُه.
فصل: ويَلْزَمُه غَسْلُ الطِّيبِ، وخَلْعُ اللِّباسِ؛ لأنَّه فِغلٌ مَخظُورٌ، فلَزِمَتْه إزالَتُه وقَطعُ اسْتِدامَتِه، كسائِرِ المَحْظوراتِ.
والمُسْتَحَبُّ أن يَسْتَعِينَ في غَسْلِ الطِّيبِ بحَلالٍ؛ لئَلَّا يُباشِرَ المُخرِمُ الطيبَ بنَفْسِه.، كان وَلِيَه بنَفْسِه، فلا بَأْسَ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال للذى عليه طِيبٌ: «اغْسِلْ عَنْكَ الطِّيبَ» 1. ولأنَّه تارِكٌ له.
فإن لم يَجِن ما يَغْسِلُه به مَسَحَه بخِرْقَةٍ، أو حَكَّهُ بتُرابٍ أو غيرِه؛ لأنَّ الذى عليه أن يُزِيلَه حَسَبَ الإِمْكانِ، وقد فَعَلَه.
..................................
فصل: فإن كان معه ماءٌ، وهو مُحْتاجٌ إلى الوُضُوءِ، والماءُ لا يَكْفِيهما، غَسَل به الطِّيبَ، وتَيَمَّمَ للحَدَثِ؛ لأنَّه لا رُخْصَةَ في إبْقاءِ الطِّيبِ، وتَزكُ الوُضُوءِ إلى التَّيَمُّمِ رُخْصَةٌ، فإن قَدَر على قَطْعِ رائِحَةِ الطِّيبِ بغيرِ الماءِ، فَعَل، وتَوَضَّأ؛ لأنَّ المَقْصُودَ مِن إزالَةِ الطِّيبِ قَطْعُ رائِحَتِه، فلا يَتَعَيَّن الماءُ، والوُضُوءُ بخِلافِه.
فإن لَبِس قَمِيصًا وسَراوِيلَ وعِمامَةً وخُفَّيْن كَفاه فِديَةٌ واحِدَةٌ؛ لأنَّ الجَمِيعَ لُبْسٌ، فأشْبَهَ الطِّيبَ في رَأسِه وبَدَنِه.
وفيه خِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى 1.
فصل: فأمّا إن فَعَل ذلك ناسِيًا، فلا فِديَةَ عليه.
هذا ظاهِرُ المَذْهبِ.
والجاهِلُ في مَغنَى النّاسِى.
وهذا قولُ عَطاءٍ، والثَّوْرِىِّ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ.
قال أحمدُ: قال سُفْيانُ: ثَلاَثَةٌ في الحَجِّ العَمْدُ والنِّسْيانُ سَواءٌ؛ إذا أتُى أهْلَه، وإذا أصابَ صَيْدًا، وإذا حَلَق رَأْسَه.
قال أحمدُ:
..................................
إذا جامَعَ أهْلَه بَطَل حَجُّه.
لأنَّه شئٌ لا يَقْدِرُ على رَدِّه، والصَّيْدُ إذا قَتَلَه، فقد ذَهب لا يَقْدِرُ على رَدِّه، والشَّعَرُ إذا حَلَقَه فقد ذَهب، فهذه الثَّلاثَةُ، العَمْدُ والخَطَأُ والنِّسْيانُ فيه سَواءٌ.
وكلُّ شَئٍ مِن النِّسْيانِ بعدَ الثَّلاثَةِ فهو يَقْدِرُ على رَدِّه، مثلَ إذا غَطَّى المُحرِمُ رَأسَه، ثم ذَكَر، ألْقاه عن رَأْسِه وليس عليه شئٌ، أو لَبِس خُفَّا، نَزَعَه، وليس عليه شئٌ.
وعنه رِوايَةٌ أْخْرَى، أنَّ عليه الفِديَةَ في كلِّ حالٍ.
وهو مَذْهبُ مالكٍ؛ واللَّيْثِ، وأبي حنيفةَ؛ لأنَّه هتَك حُرمَةَ الإحرامِ، فاسْتَوَى عَمدُه وسَهْوُه، كالحَلْقِ والتَّقْلِيمِ.
ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه عليه السلامُ: «عُفِىَ لأمَّتِى عَنِ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ».
وروَى يَغلَى بنُ أُمَيَّةَ، أنَّ رجلًا أتَى النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، وهو بالجِعرانَةِ، وعليه جُبَّةٌ، وعليه أثر خَلُوقٍ، أو قال 1: أثر صُفْرَةٍ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، كيف تَأْمُرُنى أن أصْنَعَ في عُمرَتِى؟ قال: «اخْلَعْ عَنْكَ هذه الْجُبَّةَ، وَاغْسِلْ عَنْكَ أثَرَ الخَلُوقِ - أو قال: أثَرَ الصُّفْرَةِ- وَاصنَغ في عُمرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ في حَجِّكَ».
مُتَّفَقٌ عليه 2. وفى لَفظٍ، قال: يا رسولَ اللهِ، أحْرَمْتُ بالعُمرَةِ وعلىَّ هذه الجُبَّةُ.
فلم يأْمُرْه بالفِدْيَةِ، مع مَسْألَتِه عَمّا يَصنَعُ، وتَأْخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ غيرُ جائِزٍ، دَلَّ على أنَّه عَذَره لجَهْلِه.
والنّاسِى في مَعناه.
ولأنَّ
..................................
الحَجَّ عِبادَةٌ يَجِبُ بإفْسادِها الكَفّارَةُ، فكانَ في مَحْظُوراتِه ما يُفَرَّقُ فيه بينَ عَمْدِه وسَهْوه، كالصَّوْمِ.
وأمّا الحَلْقُ وقَتْل الصَّيْدِ فهو إتْلاف، ولا يُمْكِن تَلافِيه.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه متى ذَكَر فعليه خَلْعُ اللِّباسِ وغَسْلُ الطيِّبِ في الحالِ، فإن أخَّرَ ذلك عن زَمَنِ الإمْكانِ، فعليه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه تَطَيَّبَ ولَبِس مِن غيرِ عُذْرٍ، فأشْبَة المبْتَدِئَ.
وإن مَسَّ طِيبًا يَظُنُّه يابِسًا، فبان رَطْبًا، ففيه وَجْهَان؛ أحَدُهما، عليه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه قَصَد مَسَّ الطِّيب.
والثّانِى، لا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّه جَهِل تَحْرِيمَه، فأشْبَة مَن جَهِل تَحْرِيمَ الطّيِبِ.
وإن طُيِّبَ بإذْنِه فعليه الفِدْيَة؛ لأنَّه مَنْسُوبٌ إليه.
فإن قِيلَ: فلِمَ لا يَجُوز له اسْتِدامَة الطيِّبِ ههُنا، كالذى تطَيَّبَ قبلَ إحْرامِه؟ قُلْنا: ذلك فِعْلٌ مَنْدُوبٌ إليه، فكانَ له اسْتِدامَته، وههُنا هو مُحَرَّمٌ، وإنَّما سَقَط حُكْمُه بالنِّسْيانِ والجَهْلِ، فإذا زالا ظَهَر حُكْمه، وإن تَعَذَّرَ عليه إزالتُه لإكْراهٍ أو عِلَّةٍ، ولم يَجِدْ مَن يُزِيلُه، فلا فِدْيَةَ عليه، وجَرَى مَجْرَى المُكْرهِ على ابْتِداءِ الطِّيبِ.
وحُكْمُ الجاهِل إذا عَلِم حُكْمُ النّاسِى إذا ذَكَر، وحُكْمُ المكْرَهِ حُكْمُ النّاسِى؛ لأنَّه مَقْرون به في الحديثِ الدّالِّ على العَفْوِ.
ويُسْتَحَبُّ له أن يُلبِّىَ إذا فَعَل ذلك؛ اسْتِذْكارًا للحَجِّ، واسْتِشْعارًا بإقامَتِه
وَمَنْ رَفَضَ [68 و] إحْرَامَهُ، ثُمَّ فَعَلَ محْظُورًا، فَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ.
عليه ورُجُوعِه إليه.
ويُروَى هذا القولُ عن إبراهيمَ النَّخَعِىِّ.
وقد ذَكَره الخِرَقِىُّ.
1231 -
مسألة: (ومَن رَفَض إحْرامَه، ثم فَعَل مَحْظُورًا، فعليه فِداؤه)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ التَّحَلُّل مِن الحَجِّ لا يَحْصُلُ إلَّا بأحَدِ ثَلاثَةِ أشْياءَ؛ كمالُ أفْعالِه، أو التَّحَلُّلُ عندَ الحَصْرِ، أو بالعُذْرِ إذا شَرَط.
وما عدا هذا فليس له أن يَتَحَلَّل به.
ولو نَوَى التَّحَلُّلَ لم يَحِلَّ، ولا يَفسُدُ الإحْرامُ برَفْضِه؛ لأنَّها عِبادَةٌ لا يَخْرُجُ منها بالفَسادِ، فلم يَخْرُجْ برَفْضِها، بخِلافِ سائِرِ العباداتِ.
ويَكُونُ الإحْرامُ باقِيًا في حَقِّه، يَلْزَمُه أحْكَامُه، ويَلْزَمُه جَزاءُ كلِّ جِنايَةٍ جَناها.
وإن وَطِئَ أفْسَدَ حَجَّه، وعليه لذلك بَدَنَةٌ مع ما
ومَنْ تَطَيَّبَ قَبْلَ إحْرَامِهِ فِى بَدَنِهِ، فَلَهُ اسْتِدَامَةُ ذَلِكَ فِى إِحْرَامِهِ، وَلَيْسَ لَهُ لُبْسُ ثَوْبٍ مُطَيَّبٍ.
وَجَب عليه مِن الدِّماءِ، سواءٌ كان الوَطْءُ قبلَ الجِناياتِ أو بعدَها، فإنَّ الجِنايَةَ على الإحْرامِ الفاسِدِ كالجِنايَةِ على الإحْرامِ الصَّحِيحِ، وليس عليه لرَفْضِ الإحْرامِ شئٌ؛ لأنَّه مُجَرَّدُ نِيَّةٍ لم تُؤَثِّرْ شَيْئًا.
1232 -
مسألة: (ومَن تَطَيَّبَ قبلَ إحْرامِه في بَدَنِه، فله اسْتِدامَةُ ذلك في إحْرامِهْ، وليسٍ له لُبْسُ ثَوْبٍ مُطَيَّبٍ)
يُسْتَحَبُّ لمن أرادَ الإِحْرامَ أن يَتَطَيَّبَ في بَدَنِه خاصَّة، وقد ذَكَرْناه في بابِ الإحْرام 1. وله اسْتِدامَةُ الطِّيبِ في إحْرامِه.
قالت عائِشَةُ، رَضِىَ اللهُ عنها: كُنْتُ أُطيِّبُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لإحْرامِه، قبلَ أن يُحْرِمَ.
وقالَتْ: كأنّى أنظر إلى وَبِيص الطِّيبِ في مفارِقِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وهو مُحْرمٌ.
مُتَّفَقٌ عليه 2. وفى لفظٍ للنَّسائىِّ: كأنِّىْ أنْظُرُ إلى وَبِيص طِيبِ المِسْكِ في مَفْرِقِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -
وَإنْ أَحْرَمَ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ، خَلَعَهُ وَلَم يَشُقَّهُ،
قالتْ عائِشَةُ، رَضِىَ الله عنها: كُنّا نَخْرُجُ مع النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - إلى مَكَّةَ فنُضَمِّدُ جِباهَنا بالمِسْكِ المُطَيَّب عندَ الإحْرامِ، فإذا عَرِقَت إحْدانا سال على وَجْهِها، فيَراها النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -، فلا يَنْهاها.
رَواه أبو داودَ (1).
فصل: وليس له لُبْسُ مُطَيَّب بعدَ إحْرامِه، بغيرِ خِلافٍ؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرانُ وَلَا الْوَرسُ».
مُتَّفَقٌ عليه (2). فإن لَبس ثَوْبًا مُطَيَّباً، ثم أحْرَمَ، فله اسْتِدامَةُ لُبْسِه، ما لم يَنْزِعْه، فإن نَزَعَه لم يَكَنْ له أن يَلْبَسَه، فإن فَعَل، فعليه الفِدْيَة؛ لأنَّ الإحْرامَ يَمْنَعُ ابْتِداءَ الطّيِبِ ولُبْسَ المُطَيَّبِ، دُونَ اسْتِدامَتِه.
وقد ذَكَرْناه، والله تعالى أعْلَمُ.
1233 -
مسألة: (وإن أحْرَمَ وعليه قَمِيصٌ، خَلَعَه ولم يَشُقَّه،
12
فَإنِ اسْتَدَامَ لُبْسَهُ، فعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
وَإنْ لَبِس ثَوْبًا كَانَ مُطَيَّبًا، وَانْقَطَعَ رِيحُ الطِّيبِ مِنْهُ، وَكَانَ بِحَيْثُ إِذَا رُشَّ فِيهِ مَاءٌ فَاحَ رِيحُهُ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
فإنِ اسْتَدامَ لُبْسَه، فعليه الفِدْيَةُ) إذا أحْرَمَ وعليه قمِيصٌ أو سَراوِيلُ أو جُبَّةٌ، خَلَعَه ولم يَشُقَّه، ولا فِدْيَةَ عليه.
وبه قال أكْثرُ أهْلِ العِلْم.
وقال بعضُهم: إنَّه يَشُقُّ ثِيابَه؛ لئَلَّا يَتَغَطَّى رأْاسُه حينَ ينزِعُ القَمِيصَ منه.
ولَنا، ما ذَكَرْناه مِن حديثِ يَعْلَى بنِ أمَيَّةَ، أن رَجلًا أتى النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، وهو بالجِعْرانَةِ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، أحْرَمْتُ بالعُمْرَةِ، وعلىَّ هذه الجُبَّةُ.
فأمَرَه النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - بخَلْعِها (1). ولو وَجَب شَقُّها، أو وَجَبَتْ عليه فِدْيَة لأمَرَ بها؛ لأنَّه لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ.
فإنِ اسْتدامَ لُبْسَه، فعليه الفِديَةُ؛ لأنَّ خَلْعَه واجِبٌ؛ لأمْرِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - به، ولأنَّه مَحْظُورٌ مِن مَحْظُوراتِ الإحرامِ، فوَجَبَ عليه دَمٌ لفِعْلِه، كما لو حَلَق رَأْسَه.
1234 -
مسألة: (وإن لَبِس ثَوْبًا كان 2 مُطيَّبًا، فانْقَطَعَ رِيحُ الطّيبِ منه، وكان بحيثُ إذا رُشَّ فيه الماءُ فاحَ رِيحُه، فعليه الفِدْيَةُ) لأنَّه1
.................................. مُطَيَّبٌ، بدَلِيلِ أنَّ رائِحَتَه تَظْهَرُ عندَ رَشِّ الماءِ، والماءُ لا رائِحَةَ له، وإنَّما
فَصْلٌ: وَكُلُّ هَدْىٍ أَوْ إِطْعَام، فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ، إِنْ قَدَرَ عَلَى إِيصَالِهِ إِلَيْهِم، إِلَّا فِدْيَةَ الأَذَى وَاللُّبْسِ وَنَحْوَهَا، إِذَا وُجِدَ سَبَبُهَا فِى الْحِلِّ، فيُفَرِّقُهَا حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُهَا.
وَدَمُ الإِحْصَارِ يُخْرِجُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ.
هو مِن الطِّيبِ الذى فيه، فلَزِمَتْه الفِدْيَةُ، كما لو ظَهَرَتْ بنَفْسِها.
فصلْ: قال رَحِمَه الله: (وكلُّ هَدْىٍ أو إطْعام، فهو لمساكِينِ الحَرَمِ، إذا قَدَر على إيصالِه إليهم، إلَّا فِدْيَةَ الأذَى واللُّبْسِ ونَحْوَها، إذا وُجدَ سَبَبُها في الحِلِّ، فيُفَرِّقُها حيثُ وحدَ سَبَبُها.
ودَمُ الإحْصارِ يُخْرِجُه حيثُ أُحْصِرَ) الهَدايا والضَّحايا مُخْتَصَّةٌ بمَساكِينِ الحَرَمِ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ 1. وكذلك جَزاءُ المَحْظُوراتِ، إذا فَعَلَها في الحَرَمِ.
نَصَّ عليه أحمدُ، رَحِمَه الله، فقالَ: أمّا إذا كان بمَكَّةَ، أو كان مِن الصَّيْدِ، فكلُّه بمَكَّةَ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ 2. وذَكَر القاضى في قَتْلِ الصَّيْدِ رِوايَةً أُخْرَى، أنَّه يَفدِى حيثُ قَتَلَه، كحَلْقِ الرَّأُسِ.
وهذا يُخالِفُ نصَّ الكِتابِ،
..................................
ومَنْصُوصَ أحمدَ، فلا يُعَوَّلُ عليه.
وما وَجَب لتَرْكِ نُسُكٍ أو فَواتٍ فهو لمساكِينِ الحَرَمِ دُونَ غيرِهم؛ لأنَّه هَدْىٌ وَجَب لتَرْكِ نُسُكٍ، أشْبَهَ دَمَ القِرانِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ، في مَن فَعَل المَحْظُورَ لغيرِ سَبَبٍ يُبِيحُه: إنَّه يَخْتَصُّ ذَبْحُه وتَفْرِقَةُ لَحْمِه بفُقَراءِ الحَرَمِ، كسائِرِ الهَدْىِ.
فصل: وما وَجَب نحْره بالحَرَمِ، وَجَب تَفْرِقَةُ لَحْمِه به.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: إذا ذَبَحَها في الحَرَمِ، جاز تَفْرِقَةُ لَحْمِها في الحِلِّ.
ولَنا، أنَّه أحَدُ مَقْصُودَىِ النُّسُكِ، فاخْتَصَّ بالحَرَمِ، كالذَّبْحِ، ولأنَّ المَقْصُودَ مِن ذَبْحِه بالحَرَمِ التَّوْسِعَةُ على مَساكِينِه، ولا يَحْصُلُ بإعْطائِه غيرَهم.
والطَّعامُ كالهَدْىِ في اخْتِصاصِه بفُقَراءِ الحَرَمِ، فيما يَخْتَصُّ الهَدْىُ به.
وقال عَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ: الهَدْىُ بمَكَّةَ، وما كان مِن طَعام أو صِيام، فحيثُ شاء.
ويَقْتَضِيه مَذْهبُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ.
ولَنا، قولُ ابنِ عباسٍ، رَضِىَ الله عنهما: الهَدْىُ والإطْعامُ بمَكَّةَ، والصَّوْمُ حيثُ شاء.
ولأنَّه نُسُكٌ يَتَعَدَّى نَفْعُه إلى المساكِينِ، فاخْتصَّ بالحَرَمِ، كالهَدْىِ.
..................................
فصل: ومَساكِين الحَرَمِ مَن كان فيه مِن أهْلِه، ومَن وَرَد إليه مِنِ الحاجِّ وغيرِهم، وهم الذين تُدْفَع إليهم الزكاة لحاجَتِهم 1. فإن دَفَع إلى فَقِيرٍ في ظَنِّه، فبان غَنِيًّا، خُرِّجَ فيه وَجْهان، كالزكاةِ.
وللشافعىِّ فيه قَوْلان.
وما جَاز تَفْرِقَتُه بغيرِ الحَرَم، لم يَجُزْ دَفْعُه إلى فقَراءِ أهْلِ الذِّمَّةِ.
وبه قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وجَوًّزه أصحابُ الرَّأُىِ.
ولَنا، أنَّه كافِرٌ، فلم يَجُزْ الدَّفْعُ إليه، كالحَرْبىِّ.
فصل: فإن عَجَز عن إيصالِه إلى فقَراء الحَرَمِ، جاز ذَبْحُه وتَفْرِيقُه في غيرِه، لقَوْلِه سُبْحانَه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ 2. فإن مُنِع النّاذِرُ الوُصُولَ بنَفْسِه، وأمْكَنَه تَنفِيذُه، لَزِمَه.
وقال ابن عَقِيلٍ:
..................................
يُخَرَّجُ في الهَدْىِ المَنْذُورِ إذا عَجَز عن إيصالِه رِوايَتان، كدِماءِ الحَجِّ.
والصَّحِيحُ الجَوازُ.
فصل: فأمّا فِدْيَة الأذَى، إذا وُجِدَ سَبَبُها في الحِل، فيَجُوزُ في المَوْضِع الذى حَلَق فيه.
نصَّ عليه أحمدُ.
وقال الشافعىُّ: لا يَجُوزُ إلَّا في الحَرَمِ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾.
ولَنا، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ كَعْبَ بنَ عُجْرةَ بالفِدْيَةِ بالحُدَيْبيِة، وهى مِن الحِلِّ، ولم يَأمُرْه ببَعْثِه إلى الحَرَمِ 1. وروَى الأثْرَم والجُوزْجانىُّ، في كِتابَيْهما، عن أبى أسْماءَ،
..................................
مَوْلَى عبدِ اللهِ بنِ جعْفَرٍ، رَضِىَ الله عنهما، قال: كُنْتُ مع عثمانَ وعلىِّ وحُسَيْنِ بنِ علىٍّ، رَضِىَ الله عنهم، حُجّاجًا، فاشْتَكَى حُسَيْنُ بنُ علىٍّ بالسُّقْيَا، فأوْمَأ بيَدِه إلى رَأْسِه فحَلَقه علىًّ، ونَحَر عنه جَزُورًا بالسُّقْيا.
وهذا لفظُ رِوايَةِ الأثْرَمِ.
ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ.
والآيَةُ وَرَدَتْ في الهَدْىِ.
وحُكْمُ اللُّبْسِ والطِّيبِ حُكْمُ الحَلْقِ إذا وُجِدَ في الحِلِّ.
ذَكَرَه القاضى قِياسًا عليه، وقال: فيه وفى الحَلْقِ رِوايَتان؛ إحْداهما، يَفْدِى حيثُ وُجِدَ سَبَبُه، والثّانِيَةُ، مَحِلُّ الجمِيعِ الحَرَمُ.
حَكاهما ابنُ أبى موسى في «الإرْشاد».
..................................
فصل: فأمّا دَمُ الإحْصارِ، فيُخْرِجُه حيث إحْصِر؛ مِن حِلٍّ أو حَرَمٍ.
نَص عليه أحمدُ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ.
فإن كان قادِرًا على أطرافِ الحَرَمِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَلْزَمُه نَحْره فيه؛ لأنَّ الحَرَمَ كلَّه مَنْحَرٌ، وقد قَدَر عليه.
والثّاني، يَنْحَره في مَوْضِعِه؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - نَحَر هَدْيَه في مَوْضِعِه 1. وعن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ: ليس للمُحْصَرِ نَحْرُ هَدْيِه إلَّا في الحَرَم، فيَبْعَثُه إلى الحَرَمِ، ويُواطِى رجلًا على نَحْرِه في وَقتِ يَتَحَلَّلُ.
وهذا يُرْوَى عن ابنِ مَسْعُودٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، في مَن لُدِغَ في الطَّرِيقِ.
ورُوِىَ ذلك عن الحسنِ، والشَّعْبِىِّ، وعَطاءٍ، لأنَّه أمْكَنَه النَّحْرُ في الحَرَمِ، أشبهَ ما لو حُصِرَ فيه.
قال شيخُنا 2: وهذا، والله أعْلَمُ، في مَن كان حَصْرُه خاصًّا، أمّا الحَصْرُ العامُّ فلا يَنْبَغِى أن يَقُولَه أحَدٌ؛ لأنَّ ذلك يُفْضِى إلى تَعَذرِ الحِل، لِتَعَذرِ وُصُولِ الهَدْىِ إلى مَحلهِ، ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصْحابَه نَحَرُوا هَداياهم بالحُدَيْبِيةِ، وهى مِن الحِلِّ.
قال
..................................
البخاريُّ، ومالكٌ 1: إن النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه حَلَقُوا، وحَلُّوا مِن كلِّ شئٍ، قبلَ الطَّوافِ، وقبلَ أن يَصِلَ الهَدْىُ إلى البَيْتِ.
ولم يُذْكَرْ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ أحَدًا أن يَقْضِىَ شيئًا، ولا أن يَعُودَ له.
ويروَى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - نَحَر هَدْيَه عندَ الشجَرَةِ التى كانَتْ تَحتَها بَيْعَةُ الرضْوانِ.
وهي مِن الحِلِّ بِاتِّفاقِ أهْلِ السيرِ والنقْلِ.
وقد دَلَّ عليه قَولُه سُبْحانَه: ﴿وَالْهَدْىَ مَعْكُوفًا أن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ 2. ولأنَّه مَوْضِعُ حِلِّه، فكانَ مَوْضِعَ نحْرِه، كالحَرَمِ.
فإن قِيلَ: فقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رءُوسَكُمْ حَتى يبلُغ الْهَدْىُ مَحِلهُ﴾.
وقال: ﴿ثم مَحِلهَآ إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيق﴾.
ولأنَّه ذبْحٌ يَتَعَلَّقُ بالإحْرامِ، فلم يَجُزْ في غيرِ الحَرَمِ، كجَزاءِ الصَّيْدِ.
قُلْنا: الآيةُ في حَقِّ غيرِ المُحْصَر، وَلا يُمْكِنُ قِياسُ المُحْصَرِ عليه؛ لأنَّ تحَلُّلَ المُحْصَرِ في الحِل، وتَحَلُّلَ غيرِه في الحَرَمِ، وكلُّ منهما يَنْحَرُ في مَوْضع تَحَلُّلِه.
وقد قِيلَ في قَوْلِه تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.
أى حتى يُذْبَحَ.
وذَبْحُه في حَقِّ المُحْصَرِ في مَوْضع حِلِّه؛ اقْتِداءً بالنبىِّ - صلى الله عليه وسلم -.
وَأما الصِّيَامُ، فَيُجْزِئُهُ بِكُلِّ مَكَانٍ.
وَكُلُّ دَمٍ ذَكَرْنَاهُ، يُجْزِئُ فِيهِ شَاةٌ أوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ.
وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ، أَجْرأَتْهُ بَقَرَةٌ.
1235 - مسألة: (وأمّا الصيامُ، فَيُجْزِئُه بكلِّ مَكانٍ)
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
كذلك قال ابنُ عباس، وعَطاءٌ، والنخَعِىُّ، وغيرُهم؛ وذلك لأنَّ الصيامَ لا يَتَعَدَّى نَفْعُه إلي أحَدٍ، فلا مَعْنَى لتَخْصِيصِه بمَكانٍ، بخِلافِ الهَدْىِ والإطْعامِ، فإن نَفْعَه يَتَعَدَّى إلى المُعْطَى.
والله تعالى أعْلَمُ.
1236 -
مسألة: (وكلُّ دَمِ ذَكَرْناه، يُجْزِئُ فيه شاةٌ أو سُبْعُ بَدَنَةٍ. ومَن وَجَبَتْ عليه بَدَنَةٌ، أجْزأتْه بَقَرَةٌ)
كلُّ مَن وَجَب عليه دَمٌ، أجْزَأهُ ذَبْحُ شاةٍ، أو سُبْعُ بَدَئةٍ، أو بَقَرَةٍ؛ لقَوْلِه سُبْحانَه في المُتَمَتِّعِ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما: شاةٌ، أو شِرْكٌ في دَمٍ.
وقال تعالى في فِدْية الأذَى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
وفَسَّرَه النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -، في حديثِ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ، بذَبْحِ
..................................
شاةٍ.
وما سِوَى هذَيْن مَقِيسٌ عليهما، فإنِ اخْتارَ ذَبْحَ بَدَنَةٍ، فهو أفْضَلُ؛ لأنَّها أوْفَرُ لَحْمًا، وأنفَعُ للفُقَراءِ.
وهل تَكُونُ كلُّها واجِبَةً؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، تكونُ واجِبَةً.
اختاره ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّه اختار الأعْلَى لأداءِ فَرضِه، فكان كلُّه واجِبًا، كا لو اخْتارَ الأعْلَى مِن خِصالِ الكَفّارَةِ.
والثّانِى، يَكُونُ سُبْعُها واجِبًا، والباقِى تَطَوُّعٌ، له أكْلُه وهدِيته؛ لأنَّ الزّائِدَ على السُّبْع يَجُوزُ تَركُه مِن غيرِ شَرطٍ ولا بَدَلٍ، أشْبَهَ ما لو ذَبَح سَبْعَ شياهٍ.
فصل: ولا يُجزِئُه إلاَّ الجَذَعُ مِن الضَّأنِ، والثَّنِىُّ مِن غيرِه.
والجَذَعُ، ما له سِتَّةُ أشْهُرٍ، والثَّنِىُّ مِن المَعزِ، ما له سَنَةٌ، ومِن البَقَرِ ما له سَنَتان، ومِن الإِبِلِ ما له خمسُ سِنِين.
وبه قال مالك، واللَّيْثُ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ.
وقال ابنُ عُمَرَ، والزُّهْرِىُّ: لا يُجْزئ إلاَّ الثَّنِىُّ مِن كلِّ شَئ.
وقال عَطاءٌ، والأوْزاعِىُّ:
..................................
يُجْزِئُ الجَذَعُ مِن الكلِّ إلاَّ المَعْزَ.
ولَنا على الزُّهْرِىِّ، ما رُوِىَ عن [أمِّ بِلالٍ] 1 بنتِ هِلالٍ، عن أبِيها، أن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «يَجُوزُ الجَذَعُ مِن الضَّأْنِ أُضْحِيَة».
وعن عاصِمِ بنِ كُلَيْبٍ، عن أبِيهِ، قال: كُنّا مع رجلٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، يُقالُ له: مُجاشِعُ بنُ سُلَيْم، فعَزَّتِ الغَنَمُ، فأمَرَ مُنادِيًا، فنادَى: إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان يَقُولُ: «إنَّ الجَذَعَ يُوفِى مِما تُوفِى مِنْهُ الثَّنِيَّةُ».
رَواهما ابنُ ماجه 2. وعن جابِرٍ، رَضِىَ الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - له: «لَا تذْبَحُوا إلاَّ مُسنةً، إلاَّ أنْ يَعسُرَ علَيْكُف فَتَذْبَحُوا جَذَعًا مِنَ الضَّأنِ».
رَواه مسلمٌ 3. وهذا حُجَّةً على عَطاءٍ، والأوْزاعِىِّ.
وحديثُ أبى بُرْدَةَ بنِ نِيَارٍ، قال:
..................................
يا رسولَ الله، إنَّ عِنْدِى عَناقًا جَذَعًا، هى خَيْرٌ مِن شاتَىْ لَحْمٍ.
قال: «تُجْزِئُكَ، وَلَا تُجْزئُ أحَدًا بَعْدَكَ».
رَواه أبو داودَ والنَّسائيُّ 1. ولا يُجْزئ فيها المَعِيبُ الذى يَمنعُ مِن الإجْزاءِ في الهدىِ والأضاحِى، قِياسًا 2 عليها.
فصل: ومَن وَجَبَتْ عليه بَدَنَة، أجْزَأتْه بَقَرَةٌ إذا كان في غيرِ النَّذْرِ وجَزاءِ الصيدِ؛ لِما روَى أبو الزُّبَيْرِ، عن جابِر، قال: كُنّا نَنْحَرُ البَدَنَةَ عن سَبْعَةٍ.
فقيلَ له: والبَقَرَة؟ قال: وهل هى إلَّا مِن البُدْنِ.
رَواه مسلم 3. فأمّا في النَّذْرِ، فقالَ ابنُ عَقِيلٍ: يَلْزَمُه ما نَواه.
فإن أطْلَقَ، ففيه رِوايَتان؛ إحداهُما، هو مُخير؛ لِما ذَكَرْنا مِن الخَبَرِ.
والأُخْرَى، لا تُجْزِئُه، إلاَّ مع عَدَمِ البَدَنَةِ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنها بَدَل، فاشْتُرِطَ عَدَمُ المُبْدَلِ لها.
قال شيخُنا 4: والأولَى أوْلَى؛ للخَبَرِ، ولأنَّ ما أجْزَأ عن سَبْعَةٍ في الهدايا ودَمِ المُتْعَةِ، أجْزَأ في النَّذْرِ بلَفْظِ البَدَنَةِ، كالجَزُورِ.
..................................
وإن كان في جَزاءِ الصَّيْدِ أجْزَأتْ أيْضًا؛ لحديثِ جابرٍ.
اخْتاره شيخُنا.
ويَحْتَمِلُ أن لا تُجْزِى؛ لأنَّ البَقَرَةَ لا تُشْبِهُ النعامَةَ.
ومَن وَجَبَتْ عليه بَدَنَةٌ، أجْزَأه سَبْع مِن الغَنَمِ.
ذَكَره الخِرَقِىُّ.
سَواء كانَتْ مِن جَزاءِ الصَّيْدِ، أو مَنْذُورَةً، أو فديَةَ الوَطْءِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: إنّما تُجْزِئُ عنها عندَ عَدَمِها في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ، رَحِمَه الله؛ لأنَّه بدَل، فلا يُصارُ إليه مع وُجُودِها، كسائِرِ الأبدالِ.
فأمّا عندَ عَدَمِها فيَجُوزُ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ الله عنه، قال: أتى النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - رجلٌ، فقالَ: إنَّ علىَّ بَدَنَةً، وأنا مُوسِرٌ لها، ولا أجِدُها فأشْتَرِيَها.
فأمَره النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يَبْتاعَ سَبْعَ شِيَاهٍ فيَذْبَحَهُنَّ.
رَواه ابنُ ماجه 1. وعنه، لا يُجْزِئُه أقَلُّ مِن عَشْرِ شِياهٍ؛ لأنَّهم كانُوا يَعدِلُونها في الغَنِيمَةِ بعَشْرٍ كذلك.
هذا، والأوَّلُ أوْلَى؛ للخَبَرِ.
ولَنا، أنَّ الشاةَ معدُولَةٌ بِسُبْعِ بَدُنَةٍ، وهىٍ أطْيَبُ لَحمًا، فإذا عَدَل إلى الأعْلَى، أجْزَأه، كما لو ذَبَح عن الشَّاةِ بَدَنَة.
فصل: ومَن وَجَبَتْ عليه سَبْعٌ مِن الغَنَمِ أجْزأتْه بَدَنَةٌ أو بَقَرَةٌ، إن كان
..................................
في كَفّارَةِ مَحْظُورٍ؛ لأنَّ الواجِبَ فيه ما اسْتَيْسَرَ مِن الهدي، وهو شاةٌ أو سُبْعُ بَدنةٍ، وقد كان أصحابُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يَتَمَتَّعُون، فيَذْبَحُون البَقَرَةَ عن سَبْعَةٍ.
قال جابِرٌ: أمَرَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن نَشْتَرِكَ في الإبِلِ والبَقَرِ، كلُّ سَبْع منّا في بَدَنَةٍ.
رَواه مسلم 1. فأمّا إن وَجَب عليه سَبع مِن الغنَمِ في جَزاءِ الصيدِ، فقالَ شيخُنا 2: لا تُجْزِئُه البَدَنةُ في الظّاهِرِ؛ لأنَّ الغنَمَ أطْيَبُ لَحْمًا، فلا يَعدِلُ عن الأعلَى إلى الأدْنَى.
فصل: ومَن وَجَبَتْ عليه بَقَرَةٌ، أجْزَأتْه بَدَنَة؛ لأنَّها أكْثَرُ لَحْمًا وأوْفَرُ.
ويُجْزِئُه سَبْعٌ مِن الغَنَمِ، إذا قُلْنا: يُجْزئُ عن البَدَنَةِ.
بطَرِيقِ الأوْلَى.
وإن كانَتِ البَقَرَةُ مَنْذُورَةً، احتَمَلَ، على ما حَكاه ابنُ عَقِيلٍ، أن لا تُجْزِئَه سَبْع مِن الغنَمِ مع وُجُودِها،؛ لو كان المَنْذُورُ بَدَنةً.
والله تعالى أعلَمُ.
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى 1415 هـ - 1995 م
المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756
المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة
يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته.. ووفقه لمرضاته
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ
وَهُوَ ضَربَانِ، أَحَدُهُمَا، لَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ، فَيَجِبُ فِيهِ مِثْلُهُ.
وَهُوَ نَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا، مَا قَضَتْ فِيهِ الصَّحَابَةُ، فَفِيهِ [68 ظ] مَا قَضَتْ؛
بابُ جَزاءِ الصَّيْدِ
(وهو ضَربان؛ أحَدُهما، له مِثْلٌ مِن النَّعَمِ، فَيَجِبُ مِثْلُه.
وهو نَوْعان؛ أحَدُهما، قَضَتْ فيه الصَّحابَةُ، ففيه ما قَضَتْ) يَجِبُ على المُحْرِمِ الجَزاءُ بقَتْلِ صيْدِ البَرِّ بمِثْلِه مِن النَّعَمِ، إن كان له مِثْلٌ.
هذا قولُ أكثَرِ أهْلِ العِلْمِ، منهم الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: الواجِبُ القِيمَةُ، ويَجُوزُ صَرْفُها إلى المِثْلِ؛ لأنَّ الصَّيْدَ ليس بمِثْلِىٍّ.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ 1. وجَعَل النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - في الضبع كَبْشًا 2. وأجْمَعَ الصَّحابَةُ، رَضِىَ اللهُ عنهم، على إيجابِ المِثْلِ، فقال