وَمَنْ لَمْ يَفْضُلْ عِنْدَهُ إلَّا نَفَقَةُ وَاحِدٍ، بَدَأَ بِالْأقْرَبِ فَالأقْرَبِ،
وبه قال أبو حنيفةَ، والشَّافعىُّ، في الولَدِ الذَّكَرِ.
فأمَّا الجارِيَةُ، فقال أبو حنيفةَ: لا تَسْقُطُ نَفَقَتُها حتى تتَزَوَّجَ.
ونحوُه قولُ مالكٍ؛ لأنَّه في مَظِنَّةِ الكَسْبِ، يَقْدِرُ عليه غالِبًا، أشْبَهَ الغَنِىَّ.
والأَوَّلُ أَوْلَى.
4004 -
مسألة: (ومَن لم يَفْضُلْ عِنْدَه إلَّا نَفَقَةُ واحِدٍ، بَدَأ
وَإِنْ كَانَ لَهُ أَبَوَانِ، جَعَلَهُ بَيْنَهُمَا، بالأقْرَبِ فالأقْرَبِ، فإن كان له أبَوان، جَعَلَه بينَهما) إذا لم يَفْضُلْ عندَ الرَّجُلِ إلَّا نَفَقَةُ شَخْصٍ واحدٍ، وله امرأةٌ، فالنَّفقَةُ لها دُونَ الأقارِبِ؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حَدِيثِ جابِرٍ: «إذاكان أحَدُكُمْ فَقِيرًا، فَلْيَبْدَأْ نَفْسِه، فإن كان له فَضْلٌ، فعلى عِيَالِه، فإن كان له فَضْلٌ، فعلى قَرَابَتِه» (1). ولأَنَّ نَفَقَةَ القَريبِ مُواساةٌ، ونَفَقةَ المرأةِ تجب على سبيلِ المُعاوَضَةِ، فقُدِّمَتْ على مُجَرَّدِ المُواساةِ، ولذلك (2) وجَبَت مع [يَسارِهما وإعْسارِهما] (3)، بخِلافِ نَفَقةِ القَريبِ، ثم مِن بعدِها نَفَقةُ الرَّقِيقِ؛ لأنَّها تجث مع اليَسارِ والإِعْسارِ، فقُدِّمَتْ على مُجَرَّدِ المُواساةِ، ثم مِن بعدِ ذلك الأقْرَبُ فالأقْرَبُ.
4005 -
مسألة: (فإن كان له أبوان، فهو بينَهما)
هذا أحدُ123
فَإِنْ كَانَ مَعَهُما ابْنٌ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوجُهٍ؛ أَحَدُهَا، يَقْسِمُهُ بَيْنَهُمْ.
وَالثَّانِى، يُقَدِّمُهُ عَلَيْهِمَا.
وَالثَّالِثُ، يُقَدِّمُهُمَا عَلَيْهِ.
الوُجُوهِ؛ لِتَساوِيهِما في القُرْبِ.
والثانى، تُقَدَّمُ الأمُّ؛ لأنَّهَا أحَقُّ بالبِرِّ، ولها فَضِيلَةُ الحَمْلِ والرَّضاعِ والتَّرْبِيَةِ، وزِيادَةِ الشَّفَقَةِ، وهى أضْعَفُ وأعْجَزُ.
والثالثُ، يُقَدَّمُ الأبُ؛ لفَضِيلَتِه وانْفِرادِه بالوِلايَةِ على وَلَدِه، واسْتِحْقاقِ الأخْذِ مِن مالِه، وإضافَةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الولدَ ومالَه إليه بقَوْلِه: «أنْتَ ومَالُكَ لأبِيكَ» (1). والأَوَّلُ أَوْلَى.
4006 -
مسألة: (وإن كان معهما ابنٌ)
فقال القَاضِى: إن كان الإبْنُ صَغِيرًا 2 أو مَجْنُونًا، قُدِّمَ؛ لأَنَّ نَفَقَتَه وجَبَتْ بالنَّصِّ، مع أنَّه عاجِزٌ عن الكَسْبِ، والكَبِيرُ في مَظِنَّةِ الكَسْبِ، وإن كان الابنُ كَبِيرًا، و 3 الأبُ زَمِنٌ، فهو أحَقُّ؛ لأَنَّ حُرْمَتَه آكَدُ، وحاجَتَه أشَدُّ.
ويَحْتَمِلُ تَقْديمَ الابنِ؛ لأَنَّ نَفَقَتَه وجَبَتْ بالنَّصِّ.
وإن كانا صَحِيحَيْن فَقِيرَيْن، ففيه ثلَاثةُ1
وَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ وَجَدٌّ، أَوِ ابْنٌ وَابْنُ ابْنٍ،، فَالأَبُ وَالِابْنُ أَحَقُّ.
أوْجُهٍ؛ أحَدُها، التَّسْوِيَةُ؛ لتَساوِيهِما في القُرْبِ.
والثانى، تَقْديمُ الابنِ؛ لوُجُوبِ نَفَقَتِه بالنَّصِّ.
والثالثُ، تَقْديمُ الوالدِ؛ لتأَكُّدِ حُرْمَتِه.
4007 -
مسألة: (وإن كان له أبٌ وجَدٌّ، أو ابنٌ وابنُ ابنٍ، فالأبُ والابنُ أحَقُّ)
وقال أصْحابُ الشافعىِّ: يَسْتَوِى الأبُ والجَدُّ، في أحَدِ الوَجْهَيْن، وكذلك الابنُ وابنُه؛ لتَساوِيهم في الوِلادَةِ والتَّعْصِيبِ.
ولَنا، أنَّ الابنَ والأبَ أقْرَبُ وأحَقُّ بمِيراثِه، فكانا أحَقَّ، كالأبِ مع الأَخِ.
.................................. فصل: وإنِ اجْتَمَعَ ابنٌ وجَدٌّ، أو أبٌ وابنُ ابنٍ، احْتَمَلَ وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، تَقْديمُ الابنِ والأبِ؛ لأنَّهما أقْرَبُ، فإنَّهما يَلِيانِه بغيرِ واسِطَةٍ، ولا يَسْقُطُ إرْثُهما بحالٍ، والجَدُّ وابنُ الابْنِ بخِلافِهما، ويَحْتَمِلُ التَّسْوِيَةَ
وَلَا تَجِبُ نَفَقَةُ الأَقَارِبِ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّين.
وَقِيلَ: فِى عَمُودَىِ
بينَهما؛ لأنَّهما سواءٌ في الإِرْثِ والتَّعْصِيبِ والوِلادَة.
والأوَّل أوْلى.
فإنِ اجْتَمَعَ جَدٌّ وابنُ ابنٍ، فهما سَواءٌ؛ لتَساوِيهِما في القُرْبِ والإِرْثِ والوِلادَةِ والتَّعْصِيبِ.
ويَحْتَمِلُ تَقْديمَ الابْنِ؛ لأَنَّ نفقَتَه ثَبَتَتْ بالنَّصِّ، ولأنَّه يُسْقِطُ تَعْصِيبَ الجَدِّ.
ويَحْتَمِلُ تَقْديمَ (1) الجَدِّ؛ لِتأكُّدِ حُرْمَتِه بالأبُوَّةِ.
وإنِ اجْتَمَعَ جَدٌّ وأخٌ، احْتَمَلَ التَّسْوِيَةَ بينَهما؛ لتَساوِيهِما في اسْتِحْقاقِ المِيراثِ.
والصَّحيحُ تَقْديمُ الجَدِّ؛ لأَنَّ له مَزِيَّةَ الولادَة والأُبُوَّةِ، ولأَنَّ ابنَ ابنِه يَرِثُه مِيراثَ ابنٍ، والأخُ مِيراثَ أخٍ، ومِيراثُ الابَنِ آكَدُ، فالنَّفَقةُ الواجِبَةُ به تكونُ آكَدَ.
وإن كان مكانَ الأخِ [ابْنُ أخٍ أو عَمٌّ] (2)، فالجَدُّ أحَقُّ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه يُقَدَّمُ عليهما في المِيراثِ.
4008 -
مسألة: (ولا تَجِبُ النَّفَقَةُ مع اخْتِلافِ الدِّينِ. وقِيل:
12
النَّسَبِ رِوَايَتَانِ.
في عَمُودَىِ النَّسَبِ روايتان) [إذا كان دِينُ القَرِيبَيْن مُخْتلِفًا، فلا نَفَقةَ لأحدِهما على الآخرِ.
وذكر القاضى في عمودَىِ النَّسَبِ رِوايَتَيْن؛ إحداهما، تجبُ النَّفَقةُ] 1 مع اخْتِلافِ الدِّينِ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّها نَفقةٌ مع اتِّفاقِ الدِّينِ، فتجبُ مع اخْتِلافِه، كنَفقةِ الزَّوجةِ [والمَمْلوكِ] 2، ولأنَّه يَعْتِقُ عليه، فيَجِبُ عليه الإنْفاقُ عليه، كما لو اتَّفقَ دِينُهما.
ولَنا، أنَّها مُواساة على سَبيلِ البِرِّ والصِّلَةِ، فلم تجبْ مع اخْتِلافِ الدِّينِ، كنَفقةِ غيرِ عَمُودَىِ النَّسَبِ، ولأنَّهما لا يتَوَارَثان، فلم يجبْ لأحدِهما على الآخَرِ نَفقَة بالقَرابةِ، كما لو كان أحَدُهما رَقِيقًا، ويُفارِقُ نَفقةَ الزَّوْجاتِ؛ لأنَّها عِوَضٌ 3 تجبُ مع الإِعْسارِ، فلم يُنافِها 4 اخْتِلافُ الدِّينِ، كالصَّداقِ والأُجْرَةِ، وكذلك تجبُ مع الرِّقِّ فيهما أو في أحَدِهما، وكذلك نَفقةُ المَماليكِ، ولأَنَّ هذه النَّفقةَ صِلَةٌ ومُواساةٌ، فلا تجِبُ مع اخْتِلافِ الدِّينِ، كأداءِ زَكاتِه إليه، وعَقْلِه عنه، وإرْثِه منه.
وَإِنْ تَرَكَ الإِنْفَاقَ الْوَاجِبَ مُدَّةً، لَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهُ.
4009 - مسألة: (وإن تَرَكَ الإِنْفاقَ الواجِبَ مُدَّةً، لم يَلْزَمْه عِوَضُه)
لأَنَّ نَفقةَ القَريبِ وجَبَتْ لِدَفْعِ الحاجَةِ، وإحْياءِ النَّفْسِ، وتَزْجِيَةِ الحالِ 1، وقد حَصَلَ له 2 ذلك في الماضِى بدُونِها، فإن كان الحاكمُ قد فَرَضَها، فيَنْبَغِى أن تَلْزَمَه؛ لأنَّها تأكَّدَت بفَرْضِ الحاكمِ، فلَزِمَتْه، كنَفقةِ الزَّوْجَةِ.
..................................
فصل: ويَلْزَمُ الرَّجُلَ إعْفافُ أبِيه 1 إذا احْتاجَ إلى النِّكاحِ.
وهذا ظاهرُ مذهبِ الشافعىِّ.
ولهم في إعْفافِ الأبِ الصَّحيحِ وَجْهٌ، أنَّه لا يجبُ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَلْزَمُ الرَّجُلَ إعْفافُ أبيه، سواءٌ وجَبَتْ نَفَقَتُه أو لم تَجِبْ؛ لأَنَّ ذلك مِن المَلاذِّ، فلم تَجِبْ للأَبِ، كالحَلْوَاءِ، ولأنَّه أحَدُ الأبَوَيْن، فلم يَجِبْ ذلك له، كالأُمِّ.
ولَنا، أنَّ ذلك مِمَّا تَدْعو حاجتُه إليه، ويَسْتَضِرُّ بفَقْدِه، فلَزِمَ ابْنَه له، كالنَّفَقةِ، ولا يُشْبهُ الحَلْوَاءَ؛ فإنَّه لا يَسْتَضِرُّ بفَقْدِها، وإنَّما يُشْبِهُ الطَّعامَ والأُدْمَ.
وأمَّا الأُمُّ فإنَّ إعْفافَها إنَّما هو بتَزْوِيجِها إذا طَلَبَتْ ذلك، [وخَطبَها كُفْءٌ لها] 2، ونحنُ نقولُ بوُجُوبِه عليه، وهم يُوافِقُونَنا في ذلك.
إذا ثَبَتَ ذلك، فإنَّه يجبُ إعْفافُ مَن وجَبَتْ نَفَقَتُه مِن الآباءِ والأجْدادِ، فإنِ اجْتَمَعَ جَدَّان، ولم يُمْكِنْ إلَّا 3 إعْفافُ أحَدِهما، قُدِّمَ الأقْرَبُ، إلَّا أن يكونَ أحَدُهما مِن جهَةِ الأبِ والآخرُ مِن جِهَةِ الأُمِّ، فيُقَدَّمُ الذى مِن جِهَةِ الأبِ وإن بَعُدَ؛ لأنَّه عَصَبَةٌ، والشَّرْعُ قد اعْتَبَرَ جِهَتَه في التَّوْرِيثِ والتَّعْصِيبِ، فكذلك
..................................
في الإِنْفاقِ والاسْتِحْقاقِ.
فصل: وإذا وجَبَ عليه إعْفافُ أبيه 1، فهو مُخَيَّرٌ، إن شاءَ زَوَّجَه، وإن شاءَ مَلكه أمَةً، أو دَفَعَ إليه ما يتَزَوَّجُ به حُرَّةً أو يَشْتَرِى به أمَةً، وليس للأبِ التَّخْيِيرُ عليه، إلَّا أنَّ الأبَ إذا عَيَّنَ امْرأةً، وعيَّنَ الابنُ أُخْرَى، وصَداقُهما واحدٌ، قُدِّمَ تَعْيِينُ الأبِ؛ لأَنَّ النِّكاحَ له، والمُؤْنَةَ واحدَةٌ، فقُدِّمَ قولُه، كما لو عَيَّنَتَ البنتُ كُفْئًا والأبُ غيرَه، قُدِّمَ تَعْيِينُها 2. فإنِ اخْتَلَفا في الصَّداقِ، لم يَلزَمْ الابنَ الأكْثَرُ؛ لأنَّه إنَّما يَلزَمُه أقَلُّ ما 3 تَحْصُلُ به الكِفايةُ.
وليس له أَنْ يزَوِّجَه قَبيحَةً، ولا يُمَلِّكَه إيّاها، ولا كَبِيرةً [لا اسْتِمْتَاعَ] 4 فيها، ولا أن يُزَوِّجَه أمَةً؛ لأَنَّ فيه ضَرَرًا بإرْقاقِ ولَدِه، والنَّقْصِ في اسْتِمْتاعِه.
فإن رَضِىَ الأبُ بذلك لم يَجُزْ؛ لأَنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُ بغيرِه، وهو الوَلَدُ، ولذلك 5 لم يكُنْ للمُوسِرِ أن يتَزَوَّجَ أمَةً.
ومتى أيْسَرَ الأبُ، لم يكُنْ للوَلدِ اسْتِرْجاعُ ما دَفَعَه إليه، ولا عِوَضُ ما زَوَّجَه به؛ لأنَّه دَفَعَه إليه في حالِ وُجُوبِه عليه، فلم يَمْلِكِ اسْتِرْجَاعَه، كالزَّكاةِ.
فإن زَوَّجَه أو مَلَّكَه أمَةً 6، فطَلَّقَ الزَّوْجَةَ أو أعْتَقَ الأمَةَ، لم يكُنْ عليه أن يُزَوِّجَه أو يُمَلِّكَه ثانِيًا؛ لأنَّه فَوَّتَ ذلك على نَفسِه.
فإن ماتتا، فعليه إعْفافُه ثانيًا؛ لأنَّه لا صُنْعَ له في ذلك.
وَمَنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَةُ رَجُلٍ، فَهَلْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وعلى الأبِ إعْفافُ ابْنِه إذا كانت عليه نَفَقَتُه، وكان مُحْتاجًا إلى الإعْفافِ.
ذكَرَه أصْحابُنا.
وهو قولُ بعْضِ أصْحابِ الشافعىِّ.
وقال بعْضُهم: لا يجبُ ذلك.
ولَنا، أنَّه مِن عَمُودَىْ نَسَبِه، وتَلْزَمُه نَفَقَتُه، فيَلْزَمُه إعْفافُه عندَ حاجَتِه إليه، كأبِيه (1). قال القاضى: وكذلك يجئُ في كلِّ مَن لَزِمَتْه نَفَقَتُه؛ مِن أخٍ، وعَمٍّ، وغيرِهم؛ لأَنَّ أحمدَ نَصَّ في العَبْدِ: يَلْزَمُه أن يُزَوِّجَه إذا طَلَبَ ذلك، وإلَّا بِيعَ عليه.
4010 -
مسألة: (ومَن لَزِمَتْه نَفَقةُ رَجُلٍ، فهل تَلْزَمُه نَفَقَةُ امرأتِه؟ على روايتَيْنِ)
كُلُّ مَن لَزِمَه إعفافُ رَجُلٍ لَزِمَتْيه نَفَقَةُ امرأتِه؛ لأنَّه لا يَتَمَكَّنُ مِن الإعْفافِ إلَّا بذلك.
[وقد رُوِى] 2 عن أحمدَ، أنَّه لا 3 يَلْزَمُ الأبَ نَفَقةُ زَوْجَةِ الابْنِ.
وهذا مَحْمُولٌ على أنَّ الابْنَ كان يَجِدُ نَفَقَتَها.1
.................................. فصل: والواجبُ في نَفَقةِ القَريبِ قَدْرُ الكِفايةِ؛ مِن الخُبْز والأُدْمِ والكُسْوَةِ بقَدْرِ 1 العادةِ، كما ذكَرْنا في الزَّوْجَةِ؛ لأنَّها وجَبَت للحاجةِ، [فتَقَدَّرَتْ بما تَنْدَفِعُ به الحاجةُ] 2، وقد قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لهِنْدٍ: «خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» 3. فقَدَّرَ نَفَقَتَها ونَفَقَةَ وَلَدِها بالكِفايةِ، فإنِ احْتاجَ إلى خادِمٍ، فعليه إخْدَامُه، كقَوْلِنا في الزَّوْجَةِ؛ لأَنَّ ذلك مِن تَمامِ الكِفايَةِ.
..................................
فصل: ويجبُ على المُعْتِقِ نَفقةُ عَتِيقِه، على قَوْلِنا: إنَّ النَّفقةَ تجبُ على الوارِثِ على ما قَرَّرْناه.
والمُعْتِقُ وارثُ عَتِيقِه، فوجَبَتْ [عليه نَفَقتُه إذا كان فَقِيرًا، ولمَوْلاهُ يَسارٌ يُنْفِقُ عليه منه.
وقال مالِكٌ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى: لا تجبُ عليه نَفَقتُه] 1. بِناءً على أُصُولِهم المذْكُورَةِ.
ولَنا، عُمُومُ 2 قولِه تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ 3. وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- «أُمَّكَ وأَبَاكَ، وأُخْتَكَ وأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ، وِمَوْلَاكَ الَّذِى يَلِى ذَاكَ، حَقًّا وَاجِبًا، ورَحِمًا مَوْصُولًا» 4. ولأنَّه يَرِثُه بالتَّعْصِيبِ، فكانتْ عليه نفقتُه كالأبِ.
ويُشْتَرطُ في 5 وُجوبِ الإِنْفاقِ عليه الشُّرُوطُ المذْكُورةُ في غيرِه.
..................................
فصل: فإن مات مَوْلاه، فالنَّفقةُ على الوَرَثَةِ مِن عَصَباتِه، على ما [ذُكِرَ في بابِ] 1 الوَلاءِ.
ويجبُ على السيِّدِ نَفَقةُ أوْلادِ عَتِيقِه، إذا كان له عليهم وَلاءٌ؛ لأنَّه عَصَبَتُهم ووارِثُهم، وعليه نَفَقةُ أولادِ مُعْتَقَتِه إذا كان أبُوهم عَبْدًا؛ لذلك 2، فإن أُعْتِقَ أبُوهم فانْجَرَّ الوَلاءُ إلى مُعْتِقِه، صارَ وَلاؤُهم لمُعْتِقِ أبِيهم، ونَفَقتُهم عليه، إذا كَمَلَتِ الشُّروط، وليس على العَتِيقِ 3 نَفَقةُ مُعْتِقِه وإن كان فَقِيرًا؛ لأنَّه لا يَرِثُه، فإن كان 4 كلُّ 5 واحِدٍ منهما مَوْلى الآخرِ، فعلى كُلِّ واحدٍ منهما نَفَقةُ الآخَرِ؛ لأنَّه يَرِثُه.
فصل: وليس على العَبْدِ نَفَقةُ ولَدِه 6، حُرَّةً كانتِ الزَّوْجَةُ أو أمَةً؛ لأَنَّ الحُرَّةَ ولَدُها أحْرارٌ، وليس على العَبْدِ نَفَقةُ أقارِبِه الأحْرارِ؛ لأَنَّ نَفَقَتَهم تجبُ على سَبِيلِ المُواساةِ، وليس هو مِن أهْلِها.
وإن كانتْ زَوْجَتُه مَمْلوكَةً، فوَلَدُها عَبِيدٌ لسَيِّدِها؛ لأنَّهم يَتْبَعُونَها، فتكونُ نَفَقتُهم على مالِكِهم.
فصل: ونَفَقةُ أوْلادِ المُكاتَبِ الأحْرارِ وأقارِبِه لا تجبُ عليه؛ لأنَّها
..................................
تجبُ على سَبِيلِ المُواساةِ، وليس هو مِن أهْلِها، ولذلك 1 لا تجبُ عليه الزَّكاةُ في مالِه، فإن كانتْ زَوْجَتُه حُرَّةً، فنَفقةُ أوْلادِها عليها؛ لأنَّهم يتبَعُونَها في الحُرِّيَّةِ.
وإن كان لهم أقارِبُ أحْرارٌ، كجَدٍّ حُرٍّ 2، وأخٍ حُرٍّ مع الأُمِّ، أنْفَقَ كلُّ واحدٍ منهم بحَسَبِ مِيراثِه، والمُكاتَبُ كالمَعْدُومِ بالنِّسْبَةِ إلى النَّفقةِ، فأمَّا ولَدُ المُكاتَبِ مِن أمَتِه، فنَفَقَتُهم عليه؛ لأَنَّ ولَدَه مِن أمَتِه تَاِبعٌ له، يَعْتِقُ بعِتْقِه، فجَرَى مَجْرَى نَفْسِه في النَّفَقةِ، فكما أنَّه يُنْفِقُ على نفْسِه، فكذلك على وَلَدِه الذى هذا حالُه، ولأَنَّ هذا الولدَ ليس له مَن يُنْفِقُ عبيه سِوى أبِيه، فإنَّ أمَّه أَمَةٌ 3 للمُكاتَبِ، وليس له مِن الأحْرارِ أقارِبُ، فيَتَعَيَّنُ على المُكاتَبِ الإنْفاقُ عليه، كأُمِّه، ولأنَّه لا ضَرَرَ على السَّيِّدِ في إنْفاقِ المُكاتَبِ على وَلَدِه مِن أمَتِه، لأنَّه إن أدَّى وعَتَقَ، فَقَد وَفَّى مالَ الكتابةِ، وليس للسيِّدِ أكثرُ منه، وإن عَجَزَ ورَقَّ، عادَ إليه المُكاتَبُ ووَلَدُه الذى أنْفقَ عليه، فكأنَّه إنَّما أنْفَقَ على عَبْدِه، وتَصِيرُ نَفَقَتُه عليه كنَفَقَتِه على سائرِ رَقِيقِه.
فصل: فأمَّا ولَدُ المُكاتَبِ إذا كان مِن زَوْجَتِه المُكاتَبَةِ، فإنَّهم يَتْبَعُونَها في الكِتابةِ، ويكوِنُ حُكْمُهم حُكْمَها؛ إن رَقَّتْ رَقُّوا، وإن عَتَقَتْ بالأداءِ عَتَقُوا، فتكونُ نَفقَتُهم عليها ممَّا في يَدِها 4؛ لأنَّهم في حُكْمِ
فَصْلٌ: وَتَجِبُ نَفَقَةُ ظِئْرِ الصَّبِىِّ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَلَيْسَ لِلْأَبِ مَنْعُ الْمَرأَةِ مِنْ وَضَاعِ وَلَدِهَا إِذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ.
نَفْسِها، ونَفَقَتُها على نَفْسِها ممَّا في يَدِها، فكذلك نَفَقةُ ولَدِها.
وأمَّا زَوْجُها المُكاتَبُ، فليس عليه نَفَقَتُهم؛ لأنَّهم عَبِيدٌ لسَيِّدِ المُكاتَبةِ، فإن أرادَ المُكاَتَبُ التَّبَرُّعَ بالنَّفَقةِ على ولَدِه، مِن أمَةٍ أو مُكاتَبَةٍ لغيرِ سَيِّدِه أو حُرَّةٍ، فليس له ذلك؛ لأَنَّ فيه تَغْرِيرًا بمالِ سَيِّدِه.
وإن كان مِن أمَةٍ لسَيِّدِه، جازَ؛ لأنَّه مَمْلُوكٌ لسَيِّدِه، فهو يُنْفِقُ عليه مِن المالِ الذى تَعَلَّقَ به حَقُّ سَيِّدِه، وإن كان مِن مُكاتَبَةٍ لسَيِّدِه، احْتَمَلَ الجَوازَ؛ لأنَّه في الحالِ بمَنْزِلةِ أُمِّه (1)، وأُمُّه مَمْلُوكَةٌ لسَيِّدِها.
واحْتَمَلَ أن لا يجوزَ؛ لأَنَّ فيه تَغْرِيرًا، ويَحْتَمِلُ أن يَعْجِزَ هو، وتُؤَدِّىَ المُكاتَبَة، فيَعْتِقُ وَلَدُها، فيَحْصُلُ الإِنْفاقُ عليه من مالِ سَيِّدِه، ويَصِيرُ حُرًّا.
فصل
: (وتجبُ نَفَقَةُ ظِئْرِ (2) الصَّبِىِّ على مَن تَلْزَمُه نَفَقَتُه) لأَنَّ نَفَقةَ ظِئْرِ الصَّبِىِّ (3) الصَّغيرِ كنَفَقةِ الكَبيرِ، ويَخْتَصُّ وجُوبُ النَّفقةِ بالأبِ وحدَه، كالكَبِيرِ.
4011 -
مسألة: (وليس له مَنْعُ المرْأةِ مِن رَضاعِ وَلَدِها إذا طَلَبَتْ
123
..................................
ذلك) إذا طلبتِ الأُمُّ رَضاعَ ولَدِها بأجْرِ مِثْلِها، فهى أحَقُّ به، سواءٌ كانت في حالِ الزَّوْجِيَّةِ أو بعدَها، وسواءٌ وَجَدَ الأبُ مُرْضِعَةً مُتَبَرِّعَةً أو لم يجدْ.
وقال أصْحابُ الشافعىِّ: إن كانت في حِبالِ الزَّوْجِ، فلِزَوْجِها مَنْعُها مِن رَضاعِه، لأنَّه يُفَوِّتُ حَقَّ الاسْتِمْتاعِ بها في بعضِ الأحْيانِ، وإنِ اسْتَأْجرَها على رَضاعِه، لم يَجُزْ؛ لأَنَّ المنافِعَ حَقٌّ له، فلا يَجوزُ أن يَسْتأْجِرَ منها 1 ما هو أو بعضُه حَقٌّ له.
وإن أرْضَعَتِ الولَدَ، فهل لها أجْرُ المِثْلِ؟ على وَجْهَيْن.
وإن كانت مُطلَّقَةً، فطَلَبَتْ أجْرَ المِثْلِ، فأرادَ انْتِزاعَه منها ليُسَلِّمَه إلى مَن يُرضِعُه بأجْرِ المِثْلِ أو أكثرَ، لم يكُنْ له ذلك.
وإن وجَدَ مُتَبَرِّعَةً أو مُرْضِعَةً [بدونِ أجْرِ] 2 المِثْلِ، فله انتِزاعُه منها، في ظاهرِ المذْهَبِ، لأنَّه لا يَلْزَمُه الْتِزامُ المُؤْنَةِ مع دَفعَ حاجةِ الولَدِ بدُونِها.
وقال أبو حنيفةَ: إن طَلَبَتِ الأُجْرَةَ، لم يَلْزَمِ الأبَ بَذْلُها، ولا يَسْقُطُ حَقُّها مِن الحَضانَةِ، وتأْتِى المُرْضِعَةُ تُرْضِعُه عندَها، لأنَّه أمْكَنَ الجَمْعُ بينَ الحَقَّيْن، فلم يَجُزِ الإِخْلالُ بأحَدِهما.
ولَنا، قولُه سُبْحانه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ 3. فقَدَّمَهُنَّ على غيرِهنَّ، وهذا خبرٌ
..................................
يُرادُ به الأمْرُ، وهو عامٌّ في حَقِّ 1 كُلِّ والدةٍ.
وقولُه: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ 2. ولَنا، على جوازِ الاسْتِئْجارِ، أنَّه عَقْدُ إجارَةٍ يَجُوزُ مع غيرِ الزَّوْجِ إذا أذِنَ فيه، فجازَ مع الزَّوْجِ، كإجارَةِ نَفْسِها للخِياطَةِ.
وقَوْلُهم: إنَّ المنافعَ مَمْلُوكَةٌ له 3. لا يَصِحُّ؛ فإنَّه لو مَلَكَ مَنْفَعَةَ الحضانَةِ، لمَلَكَ إجْبارَها عليها، ولم يَجُزْ إجارةُ نَفْسِها لغيرِه بإذْنِه، [ولَكانتِ] 4 الأُجْرةُ له، وإنَّما امْتَنَعَ إجارةُ نَفْسِها لأجْنَبِى بغيرِ إذْنِه، لِما فيه مِن تَفْوِيتِ الاسْتِمْتاعِ في بعضِ الزَّمانِ، ولهذا جازتْ بإذْنِه، وإذا اسْتأْجَرَها، فقد أذِنَ لها في إجارةِ نَفْسِها، فصَحَّ، كما يَصِحُّ مِن الأجْنَبِىِّ.
وأمَّا الدَّليلُ على وُجُوبِ تَقْديم الأُمِّ، إذا طَلَبَتْ أجْرَ مِثْلِها، على المُتَبَرِّعَةِ، فما ذكَرْنا مِن الآيتَيْن.
ولأَنَّ الأمَّ أحْنَى وأشْفَقُ، ولَبَنَها أمْرَأُ مِن لَبَنِ غيرِها، فكانت أحَقَّ به مِن غيرِها، كما لو طَلَبَتِ الأجْنَبِيَّةُ رَضاعَه بأجْرِ مِثْلِها، ولأَنَّ في رَضاعِ غيرِها تَفْوِيتًا لحَقِّ الأمِّ مِن الحَضانَةِ،
وَإِنْ طَلَبَتْ أُجْرَةَ مِثْلِهَا، وَوُجِدَ مَنْ يَتَبَرَّعُ بِرَضَاعِهِ، فَهِىَ أَحَقُّ،
وإضْرارًا بالوَلَدِ، ولا يَجوزُ تَفْوِيتُ حَقِّ الحضانَةِ الواجبِ، والإِضْرارُ بالولَدِ لغَرَضِ إسْقاطِ حَقٍّ أوْجَبَه اللَّهُ تَعالى على الأبِ.
وقولُ أبى حنيفةَ يُفْضِى إلى تَفْوِيتِ حَقِّ [الولدِ مِن] 1 لَبَنِ أُمِّه، وتَفْويتِ الأُمِّ في إرْضاعِه لَبَنَها، فلم يَجُزْ ذلك، كما لو تَبَرَّعَتْ برَضاعِه.
فأمَّا إن طَلَبَتِ الأُمُّ أكثرَ مِن أجْرِ مِثْلِها، ووَجَدَ الأبُ مَن يُرْضِعُه بأجْرِ مِثْلِها، أو 2 مُتَبَرِّعَةً، جازَ انْتِزاعُه منها؛ لأنَّها أسْقَطَتْ حَقَّها [باشْتِطاطِها، وطَلَبِها] 3 ما ليس لها، فدَخَلَتْ في قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ 4. وإن لم يجدْ مُرْضِعَةً إلَّا بتلك الأُجْرَةِ، فالأُمُّ أحَقُّ؛ لأنَّهُما تساوتا في الأجْرِ، فقُدِّمَتِ الأُمُّ، كما لو طَلَبَتْ كلُّ واحدَةٍ منهما أَجْرَ مِثْلِها.
فصل: وإن طَلَبَتِ المُزَوَّجَةُ بأجْنَبِىٍّ إرْضاعَ ولَدِها بأجْر مِثْلِها، بإذْنِ زَوْجِها، ثَبَتَ حَقُّها، وكانت أحَقَّ به مِن غيرِها؛ لأَنَّ الأمَّ إنَّما مُنِعَتْ مِن الإِرْضاعِ لحَقِّ 5 الزَّوْجِ، فإذا أذِنَ فيه، زالَ المانِعُ، فصارَتْ كغيرِ
..................................
ذاتِ الزَّوْجِ، وإن مَنَعَها الزَّوْجُ، سَقَطَ حَقُّها، لتَعَذُّرِ وُصُولِها إليه.
فصل: وإن أرْضَعَتِ المرأةُ ولَدَها، وهى في حِبالِ والدِه، فاحْتاجَتْ إلى زِيادَةِ نَفَقَةٍ، لَزِمَهُ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
ولأنَّها تَسْتَحِقُّ عليه قَدْرَ كِفايَتِها، فإذا
وَإِنِ امْتَنَعَتْ مِنْ رَضَاعِهِ، لَمْ تُجْبَرْ، إِلَّا ان يُضْطرَّ إِلَيْهَا، وَيَخْشَى عَلَيْهِ.
زادَتْ (1) حاجَتُها، زادَتْ كِفايَتُها.
4012 -
مسألة: (وإنِ امْتَنَعَتْ مِن رَضاعِه لم تُجْبَرْ، إلَّا أن يُضْطرَّ إليها، ويَخْشَى عليه)
ليس للزَّوجِ إجْبارُ أمِّ الولدِ على إرْضاعِه، دَنِيَّةً كانت أو شَرِيفَةً، وسواءٌ كانت في حِبالِ الزَّوْجِ أو مُطَلَّقَةً.
قال شيْخُنا 2: ولا نعلمُ في عَدَمِ إجْبارِها على ذلك إذا كانتْ مُفارقَةً خِلافًا، وكذلك إن كانت مع الزَّوْجِ عندَنا.
وبه يقول الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وقال ابنُ أبى لَيْلَى، والحسنُ بنُ صالحٍ: له إجْبارُها على ذلك.
وهو قولُ أبى ثَوْرٍ، ورِوايَةٌ عن مالكٍ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾.1
..................................
والمشْهورُ عن مالكٍ، أنَّها إن كانت شَرِيفَةً لم تَجْرِ عادةُ مِثْلِها بالرَّضاعِ 1 لوَلَدِها، لم تُجْبَرْ عليه، وإن كانتْ ممَّن تُرْضِعُ 2 في العادةِ، أُجْبِرَتْ عليه.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾.
وإذا اخْتَلَفا فقد تَعاسَرا، ولأَنَّ الإِجْبارَ على الرَّضاعِ [لا يَخْلو] 3، إمَّا أن يكونَ لحَقِّ الولَدِ، أو لحَقِّ الزَّوْجِ، أو لهما، لا يَجوزُ أن يكونَ لحَقِّ الزَّوْجِ؛ فإنَّه لا يَمْلِكُ إجْبارَها على رَضَاعِ ولَدِه مِن غيرِها، ولا على خِدْمَتِه فيما يَخْتَصُّ به.
ولا يَجوزُ أن يكونَ لحَقِّ الولَدِ؛ لأنَّه لو كانَ له، لَلَزِمَها بعدَ الفُرْقَةِ، ولأنَّه ممَّا [يَلْزَمُ الوالِدَ] 4 لولَدِه، فلَزِمَ الأبَ على الخُصُوصِ، كالنَّفقَةِ، أو كما بعدَ الفُرْقَةِ.
ولا يَجوزُ أن يكونَ لهما؛ لأَنَّ ما لا مُناسَبَةَ فيه، لا يَثْبُتُ الحُكْمُ بانْضِمامِ بعضِه إلى بَعْضٍ، ولأنَّه لو كان لهما لَثَبَتَ الحُكْمُ به بعدَ الفُرْقَةِ، والآيةُ مَحْمُولَة على حالَةِ الإِنْفاقِ وعَدَمِ التَّعاسُرِ.
فأمَّا إنِ اضْطُرَّ الولدُ إليها، بأن لا تُوجَدَ مُرْضِعَةٌ سواها، أو لا يَقْبَلَ الوَلَدُ الارْتِضاعَ مِن غيرِها، وجَبَ عليها التَّمْكِينُ مِن إرْضاعِه؛ لأنَّها حالُ ضَرُورَةٍ وحِفْظٍ لنَفْسِ ولَدِها، كما لو لم يكُنْ له 5 أحَدٌ غيرَها.
وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الظِّئْرِ لِمَا زَادَ عَلَى الْحَوْلَيْنِ.
وَإِذَا تَزَوَّجَتِ الْمَرْأَةُ، فَلِزَوْجِهَا مَنْعُهَا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا إِلَّا ان يُضْطرَّ إِلَيْهَا.
4013 - مسألة: (ولا تَجبُ عليه أُجْرَةُ الظِّئْرِ لِمَا زاد على الحَوْلَيْن)
لِقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾.
4014 -
مسألة: (وإن تَزَوَّجَتِ المَرْأةُ، فلزَوْجِها مَنْعُها مِن رَضاعَ وَلَدِها، إلَّا أن يُضْطَر إلَيْها)
وجملةُ ذلك، أنَّ للزَّوْجِ مَنْعَ امْرأتِه مِن رَضاعِ ولَدِها مِن غيرِه، ومِن رَضاعِ ولَدِ غيرِها، إلَّا أن يُضْطَرَّ إليها؛ لأَنَّ عَقْدَ النِّكاحِ يَقْتَضِى تَمْلِيكَ الزَّوْجِ الاسْتِمْتاعَ في كلِّ الزَّمانِ، مِن كلِّ الجِهاتِ، سِوَى أوْقاتِ الصَّلَواتِ، والرَّضاعُ يُفَوِّتُ عليه الاسْتِمْتاعَ في بعْضِ الأوْقاتِ، فكان له مَنْعُها، كالخُرُوجِ مِن مَنْزِلِه.
فأمَّا إنِ اضْطُرَّ إليها 1، بأن لا توجَدَ مَن تُرْضِعُه غيرَها، أو لا يَقْبَل الارْتِضاعَ مِن غيرِها، وجَبَ التَّمْكِينُ مِن إرْضاعِه؛ لأنَّها حالُ ضَرُورَةٍ وحِفْظٍ لنَفْسِ ولَدِها، فقُدِّمَ على حَقِّ الزَّوْجِ، كتَقْديمِ المُضْطرِّ على المالِكِ، إذا لم يكُنْ بالمالِكِ 2 مثلُ ضَرُورَتِه.
..................................
فصل: فإن أرادَتْ إرْضاعَ ولَدِها منه 1، [فكلامُ الخِرَقِىِّ] 2 يَحْتَمِلُ وجْهَين؛ أحَدُهما، له مَنْعُها؛ لعُمُومِ لفْظِه في هذه المَسْألَةِ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه يُخِلُّ بالاسْتِمْتاعِ منها، فأشبَهَ وَلَدَ غيرِهِ 3. والثانى، ليس له مَنْعُها؛ فإنَّه قال: إلَّا أن تَشاءَ الأُمُّ أن تُرْضِعَه بأجْرِ مِثْلِها، فتكونُ أحَقَّ به مِن غيرِها، سواءٌ كانت في حِبالِ الزَّوْجِ أو مُطَلَّقَةً.
وذلك لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾.
وهو خَبَرٌ يُرادُ به الأمْرُ، وهو عامٌّ في كلِّ 4 والدةٍ.
وقال أصْحابُ الشافعىِّ: يُحْمَلُ على المُطَلَّقاتِ.
ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنَّه جَعَلَ لَهُنَّ رِزْقَهُنَّ وكُسْوَتَهُنَّ، وهم لا يُجِيزونَ جَعْلَ ذلك أجْرَ الرَّضاعِ ولا غيرَه.
وقولُنا في الوَجْهِ الأَوَّلِ: إنَّه يُخِلُّ باسْتِمْتاعِه.
قُلْنا: ولكن لإِيفاءِ حَقٍّ عليه، وليس ذلك مُمْتَنِعًا، كما أنَّ قَضاءَ دَيْنِه بدَفْعِ مالِه فيه واجِبٌ، لا
..................................
سِيَّما إذا تَعَلَّقَ به حَقُّ الولَدِ، مع كوْنِه مع أُمِّه، وحَقُّ الأُمِّ في [الجَمْعِ بينها] 1 وبينَ وَلَدِها.
وهذا الوَجْهُ ظاهِرُ كلامِ ابنِ 2 أبى موسى، والأَوَّلُ ظاهِرُ كلامِ القاضِى أبى يَعْلَى.
فصل: فإن أجَرَتِ المرأةُ نَفْسَها للرَّضاعِ، ثم تزَوَّجَت، صَحَّ النِّكاحُ، ولم يَمْلِد الزَّوْجُ فَسْخَ الإِجارَةِ، ولا مَنْعَها مِن الرَّضاعِ حتى تَمْضِىَ المُدَّةُ؛ لأَنَّ مَنافِعَها مُلِكَتْ بعَقْدٍ سابقٍ على نكاحِه، أشْبَهَ ما لو اشْتَرَى أمَةً مُسْتأْجَرَةً 3. وإن نامَ الصَّبِىُّ أو 4 اشْتَغَلَ بغيرِها، فللزَّوْجِ الاسْتِمْتاعُ، وليس لِوَلِىِّ الصَّبِىِّ مَنْعُه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال مالِكٌ: ليس له وَطْؤُها إلَّا بِرِضَا الوَلِىِّ، لأَنَّ ذلك يَنْقُصُ اللَّبَنَ.
ولَنا، أنَّ وَطْءَ الزَّوْجِ مُسْتَحَقٌّ بالعَقْدِ، فلا يَسْقُطُ بأمْرٍ مَشْكُوكٍ فيه، كما لو أَذِنَ فيه الوَلِىُّ، ولأنَّه يَجوزُ له الوَطْءُ مع إذْنِ الوَلِىِّ، فجازَ مع عَدَمِه؛ لأنَّه ليس
فَصْلٌ: وَعَلَى السَّيِّدِ الإِنْفَاقُ عَلَى رَقِيقِهِ قَدْرَ كِفَايَتِهِمْ، وَكُسْوَتُهُمْ، للوَلِىِّ الإذْنُ فيما يَضُرُّ بالصَّبِىِّ، ويُسْقِطُ حَقَّه.
فصل
: فإن أجَرَتِ المرأةُ المُزَوَّجَةُ نَفْسَها للرَّضاعِ بإذْنِ زَوْجِها، جازَ، ولَزِمَ العَقْدُ؛ لأَنَّ الحَقَّ لهما، لا يَخْرُجُ عنهما.
وإن أجَرَتْها بغيرِ إذْنِه، لم يَصِحَّ؛ لتَضَمُّنِه تَفْوِيتَ حَقِّ زَوْجها.
وهذا أحَدُ الوجْهَيْن لأصْحابِ الشافعىِّ.
والآخرُ، يَصِحُّ 1؛ لأَنَّه تَناوَلَ 2 مَحَلًّا غيرَ مَحَلِّ النِّكاحِ، لكنْ للزَّوْجِ فَسْخُه؛ لأنَّه يَفُوتُ به الاسْتِمْتاعُ ويَخْتَلُّ.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ يَفُوتُ به حَقُّ مَن ثَبَتَ له الحَقُّ بعَقْدٍ سابقٍ، فلم يَصِحَّ، كإجارَةِ المُسْتأْجَرِ 3.
فصل: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (وعلى السيِّدِ الإنْفاقُ على رَقِيقِه قَدْرَ كِفايَتِهم، وكُسْوَتُهم) بالمَعْروفِ.
نَفَقةُ المَمْلوكِين على مُلَّاكِهِم ثابِتَةٌ بالسُّنَّةِ والإِجْماعِ؛ أمَّا السُّنَّةُ؛ فروَى أبو ذَرٍّ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «إخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُم اللَّهُ تَحْتَ أيْدِيكُمْ، فَمَنْ كان أخُوهُ تَحْتَ
..................................
يَدِه، فَلْيُطْعِمْه مِمَّا يَأْكلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، ولا تُكَلِّفُوهُمْ ما يَغْلِبُهُمْ، فإنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فأعِينُوهُمْ عليه».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وروَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لِلمَمْلُوكِ طَعامُهُ وكِسْوَتُهُ بالمَعْرُوفِ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ ما لا يُطِيقُ».
رواه الشَّافعىُّ في «مُسْنَدِهِ» 2. وأجْمَعَ العُلَماءُ على وُجُوبِ نَفَقةِ المَمْلُوكِ على سَيِّدِه، ولأنَّه لا بُدَّ له 3 مِن نَفَقةٍ، ومَنافِعُه لسَيِّدِه، وهو أخَصُّ الناسِ به، فوجَبَتْ نَفَقَتُه عليه، كبَهِيمَتِه.
فصل: والواجبُ مِن ذلك قَدْرُ كِفايَتِهم 4 مِن غالِبِ قُوتِ البَلَدِ،
..................................
سواءٌ كان قُوتَ سَيِّدِه، أو دُونَه، أو فَوْقَه، وأُدْم مِثْلِه بالمْعروفِ؛ لحديثِ أبى هُرَيْرَةَ.
والمُسْتَحَبُّ أن يُطْعِمَه مِن جِنْسِ 1 طَعامِه؛ لقَوْلِه: «فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ».
فجَمعْنا بينَ الخَبَرَين، فحمَلْنَا خَبَرَ أبى هُرَيْرَةَ على الإِجْزاءِ، وحَدِيثَ أبى ذَرٍّ على الاسْتِحْبابِ.
والسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بينَ أن يَجْعَلَ نَفقَتَه مِن كَسْبِه، إن كان له كَسْبٌ، وأن يُنْفِقَ عليه مِن مالِه ويأْخُذَ كَسْبَه، أو يَجْعَلَه برَسْمِ 2 خِدْمَتِه، ويُنْفِقَ عليه مِن مالِه؛ لأَنَّ الكلَّ مالُه، فإن جَعَلَ نَفَقَتَه في كَسْبِه، فكانت وَفْقَ الكَسْب، [صَرَفَها إليه] 3، وإن فَضَلَ مِن الكَسْبِ شئٌ، فهو لسَيِّدِه، وإن أعْوَزَ، فعليه تَمامُها 4. وأمَّا الكُسْوَةُ فبالمعْروفِ مِن غالِبِ الكُسْوَةِ لأمْثالِ العَبْدِ في ذلك البَلَدِ الذى هو به، والمُسْتَحَبُّ أن يُلْبِسَه مِن لِباسِه؛ لحدِيثِ أبى ذَرٍّ.
ويُسْتَحَبُّ أن يُسَوِّىَ بينَ عَبِيدِه الذُّكُورِ في الكُسْوَةِ والإِطْعامِ، وبينَ إمائِه إن كُنَّ للخِدْمَةِ أو الاسْتِمْتاعِ، وإن كان فيهنَّ مَن هو للخِدْمَةِ، ومَن هو للاسْتِمْتاعِ، فلا بأْسَ بزِيادَة مَن هى للاسْتِمْتاعِ في الكُسْوَةِ؛ لأنَّه المَعْرُوفُ 5، ولأَنَّ غَرَضَه تَجْمِيَلُ مَن يَسْتَمْتِعُ بها، بخِلافِ الخادِمَةِ.
وَتَزْوِيجُهُمْ إِذَا طَلَبُوا ذَلِك،
4015 - مسألة: (و)
عليه (تَزْوِيجُهم إذا طَلَبُوا ذلك) وهذا أحدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ: لا يُجْبَرُ عليه؛ لأن فيه ضَرَرًا عليه، وليس ممَّا تقومُ به البِنْيَةُ، فلم يَلْزَمْه، [كإطْعام الحَلْواءِ] 1. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ 2. والأمْرُ يَقْتَضِى الوُجوبَ، ولا يجبُ إلَّا عندَ الطَّلَب.
وروَى عِكْرِمَةُ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: مَن كانت له جارِيَةٌ، فلم يُزَوِّجْها، ولم يُصِبْها، أو عَبْدٌ فلم يُزَوِّجْه، فما صَنَعا مِن شئٍ كان على السَّيِّدِ.
ولولا وُجُوبُ إعْفافِهما لَما لَحِقَ السيِّدَ الإِثْمُ بفِعْلِهما، ولأنَّه مُكَلَّفٌ محْجُورٌ عليه، دَعَا إلى تَزْوِيجِه، فلَزِمَتْ إجابَتُه، كالمَحْجُورِ عليه للسَّفَهِ، ولأَنَّ النِّكاحَ ممَّا تَدْعُو الحاجةُ إليه غالِبًا، ويتَضَرَّرُ [بفَواتِه، فأُجْبِرَ عليه، كالنَّفَقةِ، ولأنَّه يُخافُ مِن تَرْكِ إعْفافِه الوقوعُ في المَحْظُورِ، بخِلافِ الحَلْواءِ] 3. إذا ثَبَتَ هذا، فالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بينَ تَزْوِيجِه، أو تَمْلِيكِه أمَةً [يتَسَرَّاها] 4. وله أن يُزَوِّجَه أمَةً؛ لأَنَّ نِكاحَ الأمَةِ مُباحٌ للعَبْدِ مِن غيرِ شَرْطٍ.
ولا يجبُ عليه تَزْوِيجُه إلَّا عندَ طَلَبِه؛ لأَنَّ هذا ممَّا يَخْتَلِفُ الناسُ فيه وفى الحاجةِ إليه، ولا نَعْلَمُ حاجَتَه إلَّا بطَلَبِه.
إِلَّا الأَمَةَ إذَا كَانَ يَسْتَمْتِعُ بِهَا، وَلَا يُكَلِّفُهُم مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُونَ، وَيُرِيحُهُمْ وَقْتَ الْقَيْلُولَةِ وَالنَّوْمِ وَأَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ،
ولا يجوزُ تَزْوِيجُه إلَّا باخْتِيارِه، إذا كان عَبْدًا كبيرًا.
[وإذا كان للعَبْدِ زَوْجةٌ، فعلى سَيِّدِه تَمْكِينُه مِن الاسْتِمْتاع بها لَيْلًا؛ لأَنَّ إذنه في النِّكاحِ إذْنٌ في الاسْتِمْتاعِ المُعْتادِ، والعادَةُ جاريةٌ بذلك ليلًا، وعليه نَفَقةُ زَوْجَتِه على ما قَدَّمْناه] (1).
4016 -
مسألة: (إلَّا الأمَةَ إذا كان يَسْتَمْتِعُ بها)
وجملَتُه، أنَّ السَّيِّدَ مُخَيَّرٌ في الأمَةِ بينَ تَزْوِيجِها إذا طَلَبَتْ ذلك، وبينَ الاسْتِمْتاعِ بها، فيُغْنِيها باسْتِمْتاعِه عن غيرِه؛ لأنَّ المَقْصُودَ قضاءُ الحاجةِ، وإزالَةُ ضَرَرِ (2) الشَّهْوَةِ، وذلك يَحْصلُ بأحَدِهما، فلم يتَعَيَّنِ الآخَرُ.
4017 -
مسألة: (ولا يُكَلِّفُهم مِن العَمَلِ ما لا يُطِيقُون)
وهو ما يَشُقُّ عليه (3)، ويُعرفُ (4) مِن العَجْزِ عنه؛ لحديثِ أبى ذَرٍّ، ولأن ذلك يَضُرُّ به ويُؤْذِيه، وهو مَمْنُوعٌ مِن ذلك.
4018 -
مسألة: (ويُرِيحُهم وَقْتَ القَيْلُولَةِ والنَّوْمِ وأوْقاتَ
1234
.................................. الصَّلَواتِ) لأَنَّ العادَةَ جاريةٌ بذلك، ولأَنَّ عليهم في تَرْكِ ذلك ضَرَرًا، ولا يَحِلُّ الإِضْرارُ بهم.
وَيُدَاوِيهِمْ إِذَا مَرِضُوا،
4019 - مسألة: (ويُداوِيهم إذا مَرِضُوا)
إذا مَرِضَ المَمْلوكُ، أو زَمِنَ، أو عَمِىَ، أو انْقَطَعَ كَسْبُه، فعلى سَيِّدِه القِيامُ به، والإِنْفاقُ عليه؛ لأَنَّ نَفقَتَه تَجِبُ بالمِلْكِ، ولهذا تَجِبُ مع الصِّغَرِ، والمِلْكُ باقٍ مع المَرَضِ والعَمَى والزَّمانةِ، فتَجِبُ نَفَقَتُه معهما؛ لعُمُومِ النُّصوصِ المذْكُورَةِ.
وَيُرْكِبُهُمْ عُقْبَةً إِذَا سَافَرَ بِهِمْ، وَإِذَا وَلِىَ أَحَدُهُمْ طَعَامَهُ، أَطْعَمَهُ مَعَهُ، فَإِنْ أَبَى، أَطْعَمَهُ مِنْهُ،
4020 - [مسألة: (ويُرْكِبُهم عُقْبَةً إذا سافَرَ بهم) لئلا يُكَلِّفَهم ما لا يُطِيقُون]
(1). 4021 -
مسألة: (وإذا وَلِىَ أحَدُهم طَعامَه، أطْعَمَه معه، فإن أبى، أطْعَمَه منه)
لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إذا كَفَى أحَدَكُمْ خادِمُهُ طَعَامَهُ، حَرَّهُ ودُخَانَه، فَلْيَدْعُه، ولْيُجْلِسْه معه، فإنْ أبَى، فَلْيُرَوِّغْ له اللُّقْمَةَ وَاللُّقْمَتَيْنِ».
رواه البُخارِىُّ 2. ومَعْنى تَرْويغِ اللُّقْمَةِ، غَمْسُها في المَرَقِ والدَّسَمِ، وتَرْوِيَتُها بذلك، ودَفْعُها إليه.
ولأنَّه يَشْتَهِيه لحُضُورِه فيه، وتَوَلِّيه إيَّاه، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ 3. ولأَنَّ نَفْسَ الحاضِرِ تَتُوقُ ما لا تَتَوقُ نَفْسُ الغائِبِ.1
وَلَا يَسْتَرْضِعُ الْأَمَةَ لِغَيْرِ وَلَدِهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا فَضْلٌ عَنْ رَيِّهِ.
وَلَاَ يُجْبِرُ الْعَبْدَ عَلَى الْمُخَارَجَةِ، وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَيْهَا، جَازَ.
4022
- مسألة:
(ولا يَسْتَرْضِعُ الأمَةَ لِغَيْرِ وَلَدِها، إلَّا أن يَكُونَ فيها فَضْلٌ عن رَيِّه) [أمَّا إذا أراد اسْتِرْضاعَ أمَتِه لغيرِ ولدِها مع كونِه لا يَفْضُلُ عنه، فليس له ذلك] (1)؛ لأَنَّ فيه إضْرارًا بوَلَدِها، لنَقْصِه من كِفايَتِه (2)، وصَرْفِ اللَّبَنِ المخْلُوقِ له إلى غيرِه، مع حاجَتِه إليه، فلم يَجُزْ، كما لو أرادَ أن يَنْقُصَ الكَبيرَ عن كِفايَتِه ومُؤْنَتِه، فإن كان فيها فَضْلٌ عن رَىِّ ولَدِها، جازَ؛ لأنَّه مِلْكُه، [وقد] (3) اسْتَغْنَى عنه الوَلَدُ، فكان له اسْتِيفاؤُه، كالفاضِلِ مِن كَسْبِها (4)، أو كما لو مات وَلَدُها وبَقِىَ لَبَنُها.
4023 -
مسألة: (ولا يُجْبِرُ العَبْدَ على المُخارَجَةِ، وإنِ اتَّفَقَا عليها، جاز)
معنى المُخارَجَةِ، أن يَضْرِبَ عليه خَراجًا مَعْلُومًا يُؤدِّيهْ إلى1234
..................................
سَيِّدِه، وما فَضَلَ للعَبْدِ؛ لأَنَّ ذلك عَقْدٌ بينَهما، فلا يُجْبَرُ عليه، كالكِتابَةِ.
وإن طَلَبَ العَبْدُ ذلك، وأباه السَّيِّدُ، لم يُجْبَرْ عليه؛ لِمَا ذكَرْنا.
فإنِ اتَّفَقَا على ذلك، جازَ؛ لِما رُوِى أنَّ أبا طَيْبَةَ حَجَمَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأعْطاه أَجْرَه، وأمَرَ مَوالِيَه أن يُخَفِّفُوا عنه مِن خَراجِه 1. وكان كثيرٌ مِن الصَّحابةِ يَضْرِبُونَ على رَقِيقِهم خَراجًا، فرُوِىَ أنَّ الزُّبَيْرَ كان له ألْفُ مَمْلُوكٍ، على كلِّ واحدٍ منهم كلَّ يَوْم دِرْهَمٌ 2. وجاءَ أبو لُؤْلُؤَةَ إلى أميرِ المُؤْمِنينَ عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فسأله أن يَسْألَ المُغِيرَةَ بنَ شُعْبَةَ يُخفِّفُ عنه مِن خَراجِه 3. ثم يُنْظَرُ، فإن كان ذا كَسْبٍ، فجُعِلَ عليه بقَدْرِ 4 ما يَفْضُلُ مِن 5 كَسْبِه عن نفَقَتِه وخَراجِه شئٌ، جازَ، فإن لهما به نَفْعًا، فإنَّ العَبْدَ يَحْرِصُ على الكَسْب، ورُبَّما فَضَلَ معه شئٌ يزِيدُه في النَّفقَةِ، ويَتَّسِعُ به.
وإن وَضَعَ عليه أكثرَ مِن كَسْبِه بعدَ نفقتِه، لم يَجُزْ.
وَمَتَى امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، فَطَلَبَ الْعَبْدُ الْبَيْعَ، لَزِمَهُ بَيْعُهُ.
وكذلك إن كَلَّفَ مَن لا كَسْبَ له المُخارَجَةَ؛ لِما رُوِى عن عُثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: لا تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الكَسْبَ، فإنَّكم متى كَلَّفْتُموه الكَسْبَ سَرَقَ، ولا تُكَلِّفُوا المرأةَ غيرَ ذاتِ الصَّنْعَةِ الكَسْبَ، فإنَّكم متى كَلَّفْتُموها الكَسْبَ كَسَبَتْ بفَرْجِها (1). ولأنَّه متى كَلَّفَ غيرَ ذِى الكَسْبِ خَراجًا، كَلَّفَه (2) ما يَغْلِبُه، وقد قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لا تُكَلِّفُوهُم ما يَغْلِبُهُم» (3). ورُبَّما حَمَلَه ذلك على أن يأْتِىَ به مِن غيرِ وَجْهِه، فلم يَكُنْ للسَّيِّدِ أخْذُه.
4024 -
مسألة
..................................
لأَنَّ بقاءَ مِلْكِه عليه مع الإِخْلالِ بسَدِّ خَلَّاتِه إضْرارٌ به، وإزالَةُ الضَّرَرِ واجِبَةٌ، فوَجَبَتْ إزالَتُه، ولذلك 1 أبَحْنا للمرأةِ فَسْخَ النِّكاحِ عندَ عَجْزِ زَوْجِها عن الإِنْفاقِ عليها، وقد رُوِى في بَعْضِ الحديثِ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «عَبْدُكَ يَقُولُ: أطْعِمْنِى وإلَّا فبِعْنِى.
وامْرَأتُكَ تَقُولُ: أطْعِمْنِى أو 2 طَلِّقْنِى» 3. وهذا يدُلُّ بمَفْهُومِه على أنَّ السَّيِّدَ متى وَفَّى بحُقُوقِ عَبْدِه، وطَلَب العَبْدُ بَيْعَه، لم يُجْبَرِ السَّيِّدُ عليه.
وقد روَى أبو داودَ عن أحمدَ أنَّه قِيلَ له: اسْتَباعَتِ المَمْلُوكَةُ، وهو يَكْسُوها ممَّا يَلْبَسُ 4، ويُطْعِمُها ممَّا يأْكُلُ؟ قال: لا تُباعُ وإن أكْثَرَتْ مِن ذلك، إلَّا أن تَحْتاجَ إلى زَوْجٍ، فتَقولَ: زَوِّجْنِى.
وقال عطاءٌ، وإسْحاقُ، في العَبْدِ يُحْسِنُ إليه سَيِّدُه، وهو يَسْتَبِيعُ: لا يَبِعْه؛ لأَنَّ المِلْكَ للسَّيِّدِ، والحَقَّ له، فلا يُجْبَرُ على إزالَتِه مِن غيرِ ضَرَرٍ بالعَبْدِ، كما لا يُجْبَرُ على طَلاقِ زَوْجَتِه مع القِيامِ بما يَجِبُ لها، ولا على بَيْعِ بَهِيمَتِه مع الإِنْفاقِ عليها.
وَلَهُ تَأْدِيبُ رَقِيقِهِ بِمَا يُؤَدِّبُ بِهِ وَلَدَهُ وَامْرأَتَهُ.
4025 - مسألة: (وله تأْدِيبُ رَقِيقِه بما يُؤَدِّبُ به وَلَدَه وَامْرَأتَه)
له تَأْدِيبُ عَبْدِه وأمَتِه إذا أذْنَبا، بالتَّوْبِيخِ والضَّرْبِ الخَفِيفِ، كما يُؤَدِّبُ ولَدَه، وامرأتَه في النُّشُوزِ، وليس له ضَرْبُه على غيرِ ذَنْبٍ، ولا أن يَضْرِبَه ضَرْبًا مُبَرِّحًا وإن أذْنَبَ، ولا لَطْمُه في وَجْهِه، وقد رُوِى عن ابنِ مُقَرِّنٍ المُزَنِىِّ 1، قال: لقد رَأْيْتُنِى سابعَ سَبْعَةٍ، ما لنا إلّا خادِمٌ واحِدٌ، فلَطَمَها أحَدُنا، فأمَرَنا النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بإعْتاقِها 2. ورُوِىَ عن أبى مَسْعُودٍ،
وَلِلْعَبْدِ أَنْ يَتَسَرَّى بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
وَقِيلَ: ذَلِكَ يَنْبَنِى عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ
قال: كنتُ أضْرِبُ غُلامًا لى، وإذا رَجُلٌ مِن خَلْفِى يقولُ: «اعْلَمْ أبا مَسْعُودٍ، [اعْلَمْ أبا مَسْعُودٍ»] (1). فالْتَفَتُّ إليه (2)، فإذا النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «اعْلَمْ أبا مَسْعُودٍ [أنَّ اللَّهَ] (3) أقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ على هذا الغُلَامَ» (4).
4026 -
مسألة: (وللعَبْدِ التَّسَرِّى بإذْنِ سَيِّدِه، ولو مَلَّكَه سَيِّدُه
1234
فِى مِلْكِ الْعَبْدِ بِالتَّمْلِيكِ، وَلَوْ وَهَبَ لَهُ سَيِّدُهُ أَمَةً، لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّسَرِّى بِهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ.
جارِيَةً، لم يَكُنْ له التَّسَرِّى بها إلَّا بإذْنِه) هذا هو المَنْصُوصُ عن أحمدَ، في روايةِ الجماعةِ.
وهو قولُ ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، والأوْزَاعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ.
وكَرِهَ ذلك ابنُ سِيرِينَ، وحَمَّادُ ابنُ أبى سُليمانَ 1، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وللشافعىِّ فيه قوْلان مَبْنِيّان على أنَّ العَبْدَ هل يملكُ بتَمْلِيكِ سَيِّدِه أو لا؟ وقال القاضى: يجبُ أن يكونَ في مذهبِ أحمدَ في تَسَرِّى العَبْدِ، وَجْهان مَبْنِيّان على الرِّوايتَيْن في ثُبُوتِ المِلْكِ له 2 بتَمْليكِ سَيِّدِه.
واحْتَجَّ مَن مَنَعَ ذلك بأنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ المالَ، ولا يجوزُ الوَطْءُ إلَّا في نِكاحٍ أو ملكِ يَمِينِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ 3. ولَنا، قولُ ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، ولانَعْرِفُ لهما في الصَّحابةِ مُخالِفًا.