وَلِلْمَرأَةِ مَعَ الْمَرْأَةِ، وَالرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ، النَّظَرُ إِلَى مَا عَدَا مَا بَينَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ.
وَعَنْهُ، أَنَّ الْكَافِرَةَ مَعَ الْمُسْلِمَةِ كَالْأَجْنَبِيِّ.
3066 - مسألة: (وللمرأةِ مع المرأةِ، والرجلِ مع الرجلِ، النَّظَرُ إلى ما عدا ما بينَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ. وعنه، أنَّ الكافِرَةَ مع المُسْلِمَةِ كالأجْنَبِيِّ)
يَجوزُ للرجلِ مع الرجلِ النَّظَرُ مِن صاحِبِه إلى ما ليس بعَوْرَةٍ.
وفيها رِوايتان؛ إحداهما، ما بينَ السُّرَّةِ والرُّكبَةِ.
والأُخْرَى، الفَرْجان.
وقد ذَكَرْناهما في بابِ سَتْرِ العَوْرَةِ 1. ولا فرْقَ بينَ الأمْرَدِ وذي اللِّحْيَةِ، إلَّا أنَّ الأمْرَدَ إذا كان جميلًا، يُخافُ الفِتْنَةُ بالنَّظرِ إليه، لم يَجُزْ تَعَمُّدُ النَّظَرِ
..................................
إليه.
فقد رُوِيَ عن الشَّعْبِيِّ، قال: قَدِمَ وَفْدُ عبدِ القَيسِ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وفيهم غُلامٌ أمْرَدُ، ظاهِرُ الوَضاءَةِ، فأجْلَسَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وراءَ ظَهْرِه.
رَواه أبو حَفْصٍ 1. قال المَرُّوذِيُّ: سَمِعْتُ أبا بكرٍ الأَعْيَنَ 2 يقولُ: قَدِم علينا إنسانٌ مِن خُراسانَ، صَدِيقٌ لأبي عبدِ اللهِ، ومعه غلامٌ ابنُ أخْتٍ
..................................
له، وكان جميلًا، فمَضَى إلى أبي عبدِ اللهِ فحَدَّثَه، فلَمّا قُمْنا [خَلا بالرجلِ] 1، وقال له: مَن هذا الغلامُ منك؟ قال: ابنُ أخْتِي.
قال: إذا جِئتَنِي لا يكونُ معك، والذي أرَى لك أن 2 لا يَمْشِيَ معك في طريقٍ.
فأمَّا الغلامُ قبلَ السَّبْعِ، فلا عَوْرَةَ له يَحْرُمُ النَّظَرُ إليها.
وقد رُوِيَ عن ابنِ أبِي لَيلَى، [عن أبيه] 3، قال: كنا جُلُوسًا عندَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: فجاءَ الحسنُ، فجَعَلَ يَتَمَرَّغُ عليه، فرَفَعَ مُقَدَّمَ قَمِيصِه، أُراه 4 قال: فقَبَّلَ زُبَيبَتَه 5. رَواه أبو حَفص 6.
فصل: وحُكْمُ المرأةِ مع المرأةِ والرجلِ مع الرجلِ سَواءٌ، ولا فَرْقَ بينَ المُسْلِمَتَين 7، وبينَ المُسْلِمَةِ مع 8 الكافِرَةِ، كما لا فَرْقَ بينَ الرجلَين المسلمَين، وبينَ المُسْلِمِ والذِّمِّيِّ، في النَّظَرِ.
قال أحمدُ: ذَهَب بعضُ
..................................
الناسِ إلى أنَّها لا تَضَعُ خِمارَها عندَ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وأمّا أنا فأذْهَبُ إلى أنَّها لا تَنْظُرُ إلى الفَرْجِ، ولا تَقْبَلُها حينَ تَلِدُ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّ المُسْلِمَةَ لا تَكْشِفُ قِناعَها عندَ الذِّمِّيَّةِ، ولا تَدْخُلُ معها الحَمَّامَ.
وهو قولُ مَكْحُولٍ، وسُليمانَ بنِ 1 مُوسَى؛ لقولِه تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ 2. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ النِّساءَ الكَوافِرَ 3 مِن اليَهُوديَّاتِ وغيرِهِنَّ، قد كُنَّ يَدْخُلْنَ على نِساءِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فلم يَكُنَّ يُحْجَبْنَ، ولا أُمِرْنَ بحِجابٍ، وقد قالت عائشةُ: جاءت يَهُودِيَّة تَسْألُها، فقالت: أعاذَكِ اللهُ مِن عَذابِ القَبْرِ: فسألتْ عائشةُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وذَكَر الحديثَ 4. وقالت أسماءُ: قَدِمَتْ عليَّ أمِّي، وهي راغِبَةٌ -يَعْنِي
وَيُبَاحُ لِلْمَرأةِ النَّظَرُ مِنَ الرَّجُلِ إِلَى غَيرِ الْعَوْرَةِ.
وَعَنْهُ، لَا يُبَاحُ.
عن الإِسلامِ- فسألتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أفأصِلُها؟ قال: «نَعَمْ» (1). ولأنَّ الحَجْبَ بينَ الرجالِ والنِّساءِ لمَعْنًى لا يُوجَدُ بينَ المسلمةِ والذِّمِّيَّةِ، فوَجَبَ أن لا يَثْبُتَ الحَجْبُ بينَهما، كالمسْلمِ مع الذِّمِّي، ولأنَّ الحِجابَ إمّا أن يَجبَ بنَصٍّ أو قياسٍ، ولم يُوجَدْ واحِدٌ منهما.
فأمّا قولُه: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾.
فيَحْتَمِلُ أن يكونَ أرادَ جُمْلَةَ النِّساءِ.
3067 -
مسألة: (ويُبَاحُ للمرأةِ النَّظَرُ مِن الرجلِ إلى غَيرِ العَوْرَةِ. وعنه، لا يُبَاحُ)
وهذه إحْدَى الرِّوايَتَين.
والأُخْرَى، لا يُباحُ لها النَّظَرُ مِن الرجلِ إلَّا إلى مثلِ ما يَنْظُرُ إليه منها.
اخْتارَه أبو بكرٍ.
وهو أحدُ قولَي الشافعيِّ؛ لما روَى الزُّهْرِيُّ، عن نَبْهانَ، عن أمِّ سَلَمَةَ، قالت: كنتُ قاعِدَةً عندَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنا وحَفصَةُ، فاسْتَأْذَنَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «احْتَجِبْنَ مِنْهُ».
فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّهُ ضَرِيرٌ لَا يُبْصِرُ.
قال: «أَفعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا لَا تُبْصِرَانِه!».
رَواه أبو داودَ، وغيرُه 2.1
..................................
ولأنَّ اللهَ تعالى أمَرَ النِّساءَ بغَضِّ أبْصارِهِنَّ كما أمَرَ الرجال به، ولأنَّهنَّ أحدُ نوْعَي الآدَمِيِّينَ، فحَرُمَ عليهنَّ النَّظَرُ إلىِ النَّوْعِ الآخرِ قِياسًا على الرِّجالِ، يُحَقِّقُه أنَّ المَعْنَى المُحَرِّمَ على الرجلِ خوْفُ الفِتْنَة، وهذا في المرأةِ أبْلَغُ، فإنَّها أشَدُّ شَهْوَةً، وأقَلُّ عَقْلًا، فتَسارُعُ الفِتْنَةِ إليها أكثرُ.
ولَنا، قول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لفاطمةَ بنتِ قيسٍ: «اعْتَدِّي فِي بَيتِ ابْنِ 1 أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُل أَعمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَكِ فَلَا يَرَاكِ».
وقالت عائشةُ: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتُرُنِي برِدائِه، وأنا أنظُرُ إلى الحَبَشَةِ يَلْعبونَ في المسجدِ.
مُتَّفَقٌ
.................................. عليهما 1. ولمَّا فَرَغ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِن خُطبَةِ العيدِ، مَضَى إلى النِّساءِ فذَكَّرهُنَّ، ومعه بلالٌ فأمَرَهُنَّ بالصَّدَقَةِ 2. ولأنَّهُنَّ لو مُنِعْنَ النَّظَرَ
..................................
لوَجبَ على الرِّجالِ الحِجابُ كما وَجب على النِّساءِ، لِئلَّا يَنْظُرْن إليهم.
فأمّا حديثُ نَبْهانَ، فقال أحمدُ: نَبْهانُ روَى حَدِيثَينِ عَجِيبَين.
هذا الحديثُ، والآخرُ: «إِذَا كَانَ لإِحْدَاكُنَّ مُكاتَبٌ، فَلْتَحْتَجِبْ
..................................
مِنْهُ» 1. كأنَّه أشارَ إلى ضَعْفِ حَدِيثِه، إذ لم يَرْو إلَّا هذَين الحَديثَين المُخالفَين للأُصُولِ.
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: نَبْهانُ مَجْهُولٌ، لا يُعْرَفُ إلَّا برِوايَةِ الزُّهْرِيِّ عنه هذا الحَديثَ.
وحديثُ فاطمةَ صَحِيحٌ، فالحُجَّةُ به لازِمَةٌ، ثم يَحْتَمِلُ أنَّ حديثَ نَبْهانَ خاصٌّ لأزواجِ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. كذلك قال أحمدُ، وأبو داودَ.
قال الأثْرمُ: قُلْتُ لأَبي عبدِ اللهِ: كان حديثُ نَبْهانَ لأزواجِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خاصَّةً، وحديثُ فاطمةَ لسائِرِ النَّاسِ؟ قال: نعم.
وإن قُدِّرَ التَّعارُضُ فتَقْدِيمُ الأحاديثِ الصَّحِيحَةِ أوْلَى مِن الأخْذِ بحَديثٍ مُفْرَدٍ في إسنادِه مَقالٌ.
المقنع وَيَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى الْغُلَامِ لِغَيرِ شَهْوَةٍ.
3068 - مسألة: (ويَجُوزُ النَّظرُ إلى الغُلامِ لغَيرِ شَهْوَةٍ)
فأمَّا النَّظرُ إليه لشَهْوَةٍ فلا يُباحُ؛ لأنَّها تَدْعُو إلى الفِتْنَةِ، وقد ذَكَرْنا ذلك.
وَلَا يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى أَحدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا لِشَهْوَةٍ.
3069 - مسألة: (ولا يَجُوزُ النَّظَرُ إلى أحَدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنا لشَهْوَةٍ)
لِما ذَكَرْنا مِن خَوْفِ الفِتْنَةِ.
ومَعْنَى الشَّهْوَةِ، أنَّه يَتَلَذَّذُ بالنَّظَرِ إليه.
واللهُ أعلمُ.
وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَينِ النَّظَرُ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِ الْآخَرِ وَلَمْسُهُ، وَكَذَلِكَ السَّيِّدُ مَعَ أمَتِهِ.
3070 - مسألة: (ولكلِّ واحِدٍ مِن الزَّوْجَين النَّظرُ إلى جَمِيعِ بَدَنِ الآخَرِ وَلَمْسُه، وكذلك السَّيِّدُ مع أمَتِه)
لما روَى بَهْزُ بنُ حَكيمٍ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، عَوْراتُنا ما نَأْتِي منها وما نَذَرُ 1؟ قال: «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ».
رَواه التِّرْمِذِيُّ 2، وقال: حديث حسنٌ.
ولا فَرْقَ بينَ الفَرْجِ وغيرِه؛ لعُمُومِ الحديثِ، ولأنَّ الفَرْجَ يُباحُ الاسْتِمْتاعُ به، فجازَ النَّظرُ إليه ولَمْسُه، كبَقِيَّةِ البَدَنِ.
وقيل: يُكْرَهُ النَّظرُ إلى الفَرْجِ؛ لقولِ عائشةَ: ما رَأيتُ فَرْجَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَطُّ.
رَواه ابنُ ماجَه 3. وفي لفظٍ قالت: ما رَأْيتُه مِن رسولِ اللهِ
..................................
- صلى الله عليه وسلم -، ولا رآهُ منِّي.
قال أحمدُ في رِوايَةِ جَعْفَرِ بنِ محمدٍ، في المرأةِ تَقْعُدُ بينَ يَدَيْ زَوْجِها وفي بَيتِها مَكْشُوفَةً، في ثِيابٍ رقاقٍ: فلا بَأْسَ به.
قلتُ: تَخْرُجُ مِن الدَّارِ إلى بيتٍ مَكْشُوفَةَ الرأسِ، وليس في الدَّارِ إلَّا هي وزوجُها؟ فرَخَّصَ في ذلك.
فصل: وحُكْمُ السَّيِّدِ حُكْمُ الزَّوجِ فيها ذَكَرْنا، وسَواءٌ في ذلك سُرِّيَّته وغيرُها؛ لأنَّه يُباحُ له الاسْتِمتاعُ بجَمِيعِ بَدَنِها، فأُبِيحَ له النَّظَرُ إليه، فأمَّا إن زَوَّجَ أمَتَه، حَرُمَ عليه الاسْتِمْتاعُ بها والنَّظرُ منها إلى ما بينَ السُّرَّةِ
..................................
والرُّكبَةِ؛ لما روَى عَمرُو بنُ شُعَيب، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا زَوَّجَ أحَدُكُمْ خَادِمَه 1 [عَبْدَهُ أو أَجيرَهُ] 2، فَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَا دُونَ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَةِ، فَإِنَّهُ عَوْرَةٌ».
رَواه أبو داودَ 3. ومَفْهُومُه إباحَةُ النَّظَرِ إلى ما عَداه.
وأمَّا تَحْرِيمُ الاسْتِمتاعِ بها، فلا خِلافَ فيه، فإنَّها قد صارَتْ مُباحَةً للزَّوجِ، ولا تَحِلُّ امْرأةٌ لرَجُلَين.
فإن وَطِئَها، أثِمَ، وعليه التَّعْزِيرُ؛ لأنَّه فِعْلٌ مُحَرَّمٌ.
فإن أوْلَدَها، فقال أحمدُ: لا يَلْحَقُه نسَبُه؛ لأنَّها فِراشٌ لغيرِه، فلم يَلْحَقْه وَلَدُها، كالأَجْنَبِيَّةِ.
قلتُ: وقد ذَكَر في بابِ حُكْمِ أمَّهاتِ الأولادِ 4، أنَّه يَلْحَقُه النَّسَبُ؛ لأنَّه وَطْءٌ سَقَط فيه الحَدُّ لشُبْهَةِ المِلْكِ، أشْبَهَ وَطْءَ الجارِيَةِ المرْهُونَةِ.
واللهُ أعلمُ.
..................................
فصل: فأمَّا نَظَرُ الرجُلِ إلى الأجْنَبِيَّةِ مِن غيرِ سَبَبٍ، فيَحْرُمُ عليه النظرُ إلى جَميعِها، في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ، فإنَّه قال: لا يَأْكُلُ مع مُطَلَّقَتِه، هو أجنَبِيٌّ لا يَحِلُّ له أن يَنْظُرَ إليها، كيف يَأْكلُ معها يَنْظُرُ إلى كَفِّها! لا يَحِلُّ له ذلك.
وقال القاضِي: يَحْرُمُ عليه النَّظرُ إلى ما عَدا الوَجْهَ والكَفَّين؛ لأنَّه عَوْرَةٌ، ويُباحُ له النَّظرُ إليهما مع الكَراهَةِ إذا أمِنَ الفِتْنَةَ ونَظَر بغيرِ شَهْوَةٍ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
قال ابنُ عباسٍ: الوَجْهَ والكَفَّينِ.
ورَوَتْ عائشةُ أنَّ أسماءَ بنتَ أبي بكرِ دَخَلَتْ على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في ثيابٍ رِقاقٍ، فأعْرَضَ عنها، وقال: «يا أسْمَاءُ، إنَّ المَرْأةَ إذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ تَصْلُحْ أنْ يُرَى مِنْهَا إلَّا هَذَا وهَذَا».
وأشارَ إلى وَجْهِه وكَفَّيه.
رَواه أبو بكرٍ، وغيرُه 1. ولأنَّه ليس بعَوْرَةٍ، فلم يَحْرُمِ النَّظرُ إليه مِن غيرِ رِيبَةٍ،
..................................
كوجْهِ الرجلِ.
ولَنا، قولُ الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ 1. وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا كَانَ لإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ فمَلَكَ مَا يُؤدِّي، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ» 2. وكان الفَضْلُ بنُ عباسٍ رَدِيفَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فجاءَتْه الخَثْعَمِيَّةُ تَستَفْتِيهِ، [فجَعَل يَنْظُرُ إليها] 3 وتَنْظُرُ إليه، فصَرَفَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَجْهَه عنها 4. وعن جَرِيرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: سَألتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن نَظرَ الفَجْأَة، فأمَرَنِي أن أصْرِفَ بَصَرِي.
حديث صحيحٌ.
وعن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُتْبعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّمَا لَكَ الأُولَى، وَلَيسَتْ لك الآخِرَةُ».
رَواهما أبو داودَ 5. وفي إباحَةِ 6 النَّظرَ إلى المَرأةِ إذا أرادَ تَزَوُّجَهَا 7 دليلٌ على التَّحريمِ عندَ عَدَمِ ذلك، إذ لو كان مُباحًا على
..................................
الإِطْلاقِ، فما وَجْهُ التَّخْصيصِ لهذا الحالِ؟ وأمَّا حديثُ أسْماءَ -إن صَحَّ- فيَحْتَمِلُ أنَّه كان قبلَ نُزُولِ الحِجابِ، فيُحْمَلُ عليه.
فصل: فأمَّا العَجُوزُ التي لا تُشْتَهَى، فلا بَأْسَ بِالنَّظَرِ إلى ما يَظْهَرُ منها غالبًا؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ 1. الآية.
قال ابنُ عباسٍ في قولِه تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ 2 ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ 3. فنَسَخَ واستَثْنَى مِن ذلك: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾.
الآية.
وفي مَعْنَى ذلك الشَّوْهاءُ التي لا تُشْتَهَى.
فصل: والأَمَةُ يُباحُ النَّظَرُ مِنها إلى ما يَظْهَرُ غالبًا؛ كالوَجْهِ، والرَّأْسِ، واليَدَين، والسَّاقَين؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، رَأى أَمَةً مُتَكَمِّمَةً، فضَرَبَها بالدِّرَّةِ، وقال: يا لَكاعِ تَشَبَّهِينَ بالحَرائِرِ! وروَى أبو حَفْصٍ بإسْنادِه، أنَّ عُمَرَ كان لا يَدَعُ أَمَةً تَقَنَّعُ في خِلافَتِه، وقال: إنَّما القِناعُ للحَرائِرِ 4. ولو كان نَظَرُ ذلك منها محَرَّمًا لم يَمْنَعْ مِن سَتْرِه، بل أَمَرَ به.
وقد روَى أنَسٌ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لمَّا أخَذَ صَفِيَّةَ قال الناسُ: أجَعَلَها أُمَّ
..................................
المُؤمِنِينَ أَمْ أُمَّ وَلَدٍ؟ فقالوا: إن حَجَبَها فهي أُمُّ المؤمنينَ، وإن لم يَحْجُبْها فهىِ أُمُّ وَلَدٍ.
فلمّا رَكِبَ وَطَّأَ لها خَلْفَه، ومَدَّ الحِجابَ بينَه وبينَ الناسِ.
مُتَّفقٌ عليه 1. وهذا دليلٌ عَلى أنَّ عَدَمَ حَجْبِ الإِماءِ كان مُسْتَفيضًا بينَهما مَشْهُورًا، وأنَّ الحَجْبَ لغيرِهِنَّ كان مَعْلُومًا.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: يُباحُ النَّظَرُ منها إلى ما ليس بعَوْرَةٍ، وهو ما فوقَ السُّرَّةِ وتحتَ الرُّكْبَةِ.
وسَوَّى [بعضُ أصحاب الشافعيِّ] 2 بينَ الحُرَّةِ والأَمَةِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
الآية.
ولأنَّ العِلَّةَ في تَحْرِيمِ النَّظَرِ الخوفُ مِن الفِتْنَةِ، والفِتْنَةُ المَخُوفَةُ يَسْتَوي فيها الحُرَّةُ والأمَةُ، فإنَّ الحُرِّيَّةَ أمْرٌ 3 لا يؤَثِّرُ في الأمْرِ الطَّبِيعِيِّ.
وقد ذَكَرْنا ما يَدُلُّ على التَّخْصِيصِ ويُوجِبُ الفَرْقَ بينَهما، وإن إيَفتَرِقا فيما ذَكَرُوه، افْتَرَقا في الحُرْمَةِ ومَشَقَّةِ السَّترِ 4، لكن إن كانتِ الأمَةُ 5 جميلةً، يُخافُ الفِتْنَةُ
..................................
بها، حَرُمَ النَّظَرُ إليها، كما يَحْرُمُ إلى الغُلامِ الذي تُخْشَى 1 الفِتْنَةُ بالنَّظَرِ إليه.
قال أحمدُ في الأَمَةِ إذا كانت جميلةً: تُنَقَّبُ، ولا يُنْظَرُ إلى المَمْلُوكَةِ، كم مِن نَظْرَةٍ قد ألْقَتْ في قَلْبِ صاحِبِها البَلابِلَ 2.
فصل: والطِّفْلَةُ التي لا تَصْلُحُ للنِّكاحِ لا بَأْسَ بالنَّظَرِ إليها.
قال أحمدُ في رِوايَةِ الأثْرَمِ، في الرجلِ يَأْخُذُ الصَّغِيرَةَ فيَضَعُها في حِجْرِه ويُقَبِّلُها: فإن كان يَجِدُ شَهْوَةً، فلا، وإن كان لغيرِ شَهْوَةٍ، فلا بَأْسَ.
وقد روَى أبو بكرٍ، بإسنادِه عن عُمَرَ بنِ حفص المَدِينيِّ، أنَّ الزُّبَيرَ بنَ العوَّامِ أرْسَلَ بابْنَةٍ له إلى عمرَ بنِ الخطابِ مع مَوْلاةٍ له، فأخَذَها عمرُ بيَدِه، 7 وقال: ابنةُ أبي عبدِ اللهِ.
فتَحَرَّكَتِ الأجْراسُ مِن رِجلِها، فأخَذَها عمرُ فقَطَعَها، وقال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَعَ كُل جَرَسٍ شَيطَانٌ» 3. فأمَّا إذا بَلَغَتْ حَدًّا يَصْلُحُ لِلنِّكاحِ، [كابْنَةِ تِسْعٍ] 4، فإنَّ عَوْرَتَها مُخالِفَةٌ لعَوْرَةِ البالِغَةِ، بدليلِ قولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلا بِخِمَارٍ» 5. يدُلُّ على صِحَّةِ صلاةِ مَن لم تَحِضْ مَكشُوفَةَ الرَّأْسِ 6، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ حُكْمُها حكمَ ذَواتِ المَحارِمِ، كقَوْلِنا في الغُلامِ المُراهِقِ مع النِّساءِ.
وقد روَى أبو بكرٍ، عن ابنِ
فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ التَّصْرِيحُ بِخِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ، وَلَا التَّعْرِيضُ بِخِطْبَةِ الرَّجْعِيَّةِ.
جُرَيجٍ، قال: قالت عائشةُ: دَخَلَتْ عليَّ ابنةُ أخِي، فدَخَل عليَّ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فأعْرَضَ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّها ابنةُ أخِي وجارِيَةٌ.
فقال: «إذَا عَرَكَتِ (1) المَرْأةُ لَمْ يَجُزْ لَهَا أنْ تُظْهِرَ إلَّا وَجْهَهَا وَمَا دُونَ هَذَا».
وقَبَض على ذِراعِ نَفْسِه، فتَرَكَ بينَ قَبْضَتِه وبينَ الكَفِّ مثلَ قَبْضَةٍ أُخْرَى أو نحوَها (2). احتجَّ أحمدُ بهذا الحديثِ.
وتَخْصِيصُ الحائِضِ بهذا التحديدِ دَلِيل على إباحَةِ أكثرَ مِن ذلك في حَقِّ غيرِها.
3071 -
مسألة؛ قال الشيخُ، رَضِيَ اللهُ عنه: (وَلَا يَجُوزُ التَّصْرِيحُ بخِطْبَةِ المُعْتَدَّةِ، ولا التَّعْرِيضُ بخِطْبَةِ الرَّجْعِيَّةِ)
أمَّا التَّصْرِيحُ بخِطْبَةِ المُعْتَدَّةِ، فلا يَجُوزُ؛ لأنَّ قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ 3. دَلِيلٌ على تَحْرِيمِ.
التَّصْرِيحِ؛ لأنَّ التَّصْرِيحَ لا يَحْتَمِلُ غيرَ النِّكاحِ، فلا يُؤْمَنُ أن يَحْمِلَها الحِرْصُ عليه على الإِخبارِ بانقِضاءِ عِدَّتِها قبلَ انْقِضائِها، والتَّعْريضُ بخِلافِه.12
وَيَجُوزُ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ وَالْبَائِنِ.
بِطَلَاقٍ ثَلَاثٍ.
وَهَلْ يَجُوزُ فِي عِدَّةِ الْبَائِنِ بِغَيرِ الثَّلَاثِ؟ عَلَى وَجْهَين.
3072 - مسألة: فَأمَّا الرَّجْعِيَّةُ، فلا يَجُوزُ لأَحَدٍ التَّعْرِيضُ بخِطْبَتِها ولا التَّصْرِيحُ؛
لأنَّهَا في حُكْمِ الزَّوْجَاتِ، فهي كالتي في صُلْبِ نِكَاحِهِ.
3073 -
مسألة: (وَيَجُوزُ في عِدَّةِ الْوَفَاةِ، و)
في (البائنِ بطَلاقٍ ثَلَاثٍ) المُعْتَدَّاتُ على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ الرَّجْعِيَّةُ (1)، وحُكْمُها حُكْمُ مَن هي في صُلْبِ النِّكاحِ، وقد ذَكَرْناها.
الثاني، المُعْتَدَّةُ مِن وَفاةٍ، أو طَلاقٍ ثلاثٍ، أو فسْخٍ لتَحْرِيمِها على زَوْجِها، كالفَسْخِ برَضاعٍ أو لِعانٍ، ونحوه ممَّا لا تَحِلُّ بعدَه لزَوْجِها، فهذه يَجُوزُ التَّعْرِيضُ بخِطْبَتِها؛ للآيةِ، ولما رَوَتْ فاطِمَةُ بنتُ قَيسٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لها لمَّا طَلَّقَها زَوْجُها ثَلاثًا: «إِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِيني».
وفي لفظٍ: «لَاتَسْبِقِيني بنَفْسِكِ» (2). وهذا تَعْرِيضٌ بخِطْبَتِها في عِدَّتِها.
3074 -
مسألة: (وهل يَجُوزُ في عِدَّةِ البَائِنِ بغيرِ الثَّلَاثِ؟ على
12
وَالتَّعْرِيضُ نَحْوَ قَوْلِهِ: إِنِّي فِي مِثْلِكِ لَرَاغِبٌ.
وَ: لَا تَفُوتِيني بِنَفْسِكِ.
وَجْهَين) هذا الضَّربُ الثالِثُ، كالمُخْتَلِعَةِ (1)، والبائِنِ بفَسْخٍ، لعَيبٍ أو إعْسارٍ أو نحوه، فلزَوْجِها التَّصْرِيحُ بخِطْبَتِها والتَّعْرِيضُ؛ لأنَّه مُباحٌ له نِكاحُها في عِدَّتِها، فهي كغيرِ المُعْتَدَّةِ.
وهل يجُوزُ لغيرِه التَّعْرِيضُ بخِطْبتِها؟ فيه وَجْهان.
وللشافعيِّ فيه قولان؛ أحدُهما، يَجُوزُ؛ لعُمُوم الآيةِ، ولأنَّها بائِنٌ، فأشْبَهَتِ المُطَلَّقَةَ ثلاثًا.
والثاني، لا يَجُوزُ؛ لأنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ أن يَسْتَبِيحَها، فهي كالرَّجْعِيَّةِ.
والمرأةُ في الجَوابِ كالرجلِ في الخِطْبَةِ فيما (2) يَحِلُّ ويَحْرُمُ؛ لأنَّ الخِطْبَةَ للعَقْدِ، فلا يَخْتَلِفان في حِلِّهِ وحُرْمَتِه.
3075 -
مسألة: (وَالتَّعْرِيضُ قولُه: إنِّي فِي مِثْلِكِ لَراغِبٌ. و:
12
وَتُجِيبُهُ: مَا يُرْغَبُ عَنْكَ.
وَ: إِنْ قُضِيَ شَيْءٌ كَانَ.
وَنَحْوُهُمَا.
لا تَفُوتِينِي بنَفْسِكِ) و: ما أحْوَجَنِي إلى مِثْلِكِ.
وقال الزُّهْرِيُّ: أنتِ مَرْغوبٌ فيك.
و: أنتِ جَمِيلَةٌ.
و: إذا حَلَلْتِ فآذِنِينِي.
ونحوُ ذلك.
قال مجاهِدٌ: مات رجلٌ، وكانتِ امرأتُه تَتْبَعُ (1) الجِنازَةَ، فقال لها رجلٌ: لا تَسْبِقينا بنفسِك.
فقالتْ: سَبَقَكَ غيرُك.
3076 -
مسألة: (وتُجيبُه)
المرأةُ: (ما يُرْغَبُ عنك.
و: إن قُضِيَ شيءٌ كان) وما أشْبَهَه.
فصل: فأمَّا التَّصْرِيحُ فهو اللفظُ الذي لا يَحْتَمِلُ غيرَ النِّكاحِ، نحوَ قولِه: زَوِّجيني نَفْسَكِ.
و: إذا انْقَضَتْ عِدّتُكِ تَزَوَّجْتُكِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ هذا مَعْنَى قولِه تعالى: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ 2. فإنَّ النِّكاحَ يُسَمَّى سِرًّا، قال الشاعرُ 3:
فلَنْ تَطْلُبوا سِرَّها للغِنَى … ولنْ تُسلِمُوها لإِزْهادِها 4
وقال الشافعيّ: السِّرُّ: الجِماعُ.
وأنشَد لامْرِئِ القَيسِ 5:
أَلَا زَعَمَتْ بَسْبَاسَةُ القَوْمِ أنَّنِي … كَبِرْتُ وأن لا يُحْسِنَ السِّرَّ أمْثَالِي1
وَلَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَن يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخيهِ إِنْ أُجِيبَ، وَإنْ رُدَّ، حَلَّ، وَإنْ لَمْ يَعْلَمِ الْحَال فَعَلَى وَجْهَينِ.
ومُواعَدَةُ السِّرِّ أن يقولَ: عندِي جِماعٌ يُرْضِيكِ.
[ونحوُه قولُه: رُبَّ جِماعٍ يُرْضيكِ] (1). فنُهِيَ عنه لِما فيه مِن الهُجْرِ والفُحْشِ والدَّناءَةِ والسُّخْفِ.
فصل: فإن صَرَّحَ بالخِطْبَةِ، أو عَرَّضَ في مَوْضِعٍ يَحْرُمُ التَّعْرِيضُ، ثم تَزَوَّجَها بعدَ حِلِّها، صَحَّ نِكاحُه.
وقال مالِكٌ: يُطَلِّقُها تَطْلِيقَةً، ثم يَتَزَوَّجُها.
ولا يَصِحُّ هذا؛ لأنَّ هذا المُحَرَّمَ لم يُقارِنِ (2) العَقْدَ، فلم يُؤثِّرْ فيه، كما في النِّكاحِ الثانِي، أو كما لو رَآها مُتَجَرِّدَةً ثم تَزَوَّجَها.
3077 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ للرجلِ أن يَخْطُبَ على خِطْبَةِ أخِيه إن أُجِيبَ، وإن رُدَّ، حَلَّ، وَإن لم يَعْلَمِ الحَال فعلى وَجْهَين)
الخطْبَةُ بالكَسْرِ: خِطْبَةُ الرجلِ المرأةَ ليَتَزَوَّجَها.
وبالضَّمَ: حَمْدُ اللهِ والتَّشَهُّدُ.
ولا يَخْلُو حالُ المَخْطُوبَةِ مِن ثَلاثةِ أقْسام:12
..................................
أحَدُها، أن تَسْكُنَ إلى الخاطِبِ لها، فتُجِيبَه، أو تَأذَنَ لوَلِيِّها في إجابَتِه، فهذه يَحْرُمُ على غيرِه خِطْبَتُها؛ لما روَى ابنُ عُمرَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَخْطُبُ أحدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أخيهِ».
وعن أبي هُريرةَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَخْطُبُ احدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أخِيهِ، حَتَّى يَنْكِحَ أو يَتْرُكَ».
مُتَّفَق عليهما 1. ولأنَّ في ذلك إفسادًا على الخاطِبِ الأوَّل، وإيقاعَ العَداوَةِ بينَ الناسِ، ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا بينَ أهلِ العِلْمِ، إلَّا أنَّ قَومًا حَمَلُوا النَّهْيَ على الكَراهَةِ، والأوَّلُ أوْلَى.
..................................
القسمُ الثاني، أن تَرُدَّه أو 1 لا تَرْكَنَ إليه، فيجوزُ خِطبَتُها؛ لما رَوَتْ فاطِمَةُ بِنتُ قَيس أنها أتَتِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فذَكَرَتْ أنَّ مُعاويَةَ وأبا جَهْم خَطَباها، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أمَّا مُعاويَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَال له، وَأمَّا أبو جَهْم فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، انْكِحِي أسَامَةَ بنَ زَيدٍ».
مُتَّفَقٌ عليه 2. فخَطَبَها النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدَ إخبارِها إيَّاه بخِطْبَةِ مُعاويَةَ وأبي جَهْم لها.
ولأنَّ تَحْرِيمَ خِطْبَتِها على هذا الوَجْهِ إضرارٌ بها؛ فإنَّه لا يَشاءُ أحَدٌ أن يَمْنَعَ المراة النِّكاحَ (1) إلَّا مَنَعَها بخِطْبَتِه إيَّاها.
وكذلك لو عَرَّضَ لها في عِدَّتِها بالخِطْبَةِ فقال: لا تَفُوتِيني بنَفْسِكِ.
وأشْبَاه هذا، لم تَحْرُمْ خِطْبَتُها؛ لأنَّ في قِصَّةِ فاطمةَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا تَفُوتِينَا بِنَفْسِكِ».
..................................
ولم يُنْكرْ 1 خِطْبَةَ أبي جَهْم ومُعاويَةَ لها.
وذَكَر ابنُ عبدِ البَرِّ 2 أنَّ ابنَ وَهْبٍ روَى بإسنادِه عن الحارِثِ بنِ سعدِ بنِ أبي ذُبابٍ 3، أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ خَطَب امرأةً على جَريرِ بنِ عبدِ اللهِ، وعلى مَرْوانَ بنِ الحَكَمِ، وعلى عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، فدَخَلَ على المرأةِ وهي جالِسَةٌ في بيتها، فقال عمرُ: إنَّ جَرِيرَ بنَ عبدِ اللهِ خَطَب، وهو سَيِّدُ أهلِ المشرِقِ، ومروانَ يَخطُبُ، وهو سَيِّدُ شَبابِ قُرَيش، وعبد الله بِنَ عُمرَ، وهو مَن قد عَلِمْتم، وعمرَ بنَ الخطابِ.
فكَشَفَتِ المراة السِّتْرَ، فقالت: أجادٌّ أميرُ المؤمنينَ؟ فقال: نعم.
فقالت: قد أنْكحْتُ أميرَ المؤمنينَ، فأنْكحُوه.
فهذا عمرُ قد خَطَب على واحدٍ بعدَ واحدٍ، قبلَ أن يَعْلَمَ ما تقولُ المرأةُ في الأوَّلِ.
..................................
القسمُ الثالثُ: أن يُوجَدَ مِن المرأةِ ما يَدُلُّ على الرِّضَا والسُّكُونِ، تَعْرِيضًا لا تَصْريحًا، كقولِها: ما أنْتَ إلَّا رِضًا.
و: ما عَنْكَ رَغْبَةٌ.
فهذا في حُكْمِ الأوَّلِ، لا يَحِلُّ لغيرِه خِطْبَتُها.
هذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، فإنَّه قال: إذا رَكَن بعضُهم إلى بعضٍ، فلا يَحِلّ لأحدٍ أن يَخْطُبَ.
والرُّكُونُ يُسْتدلُّ عليه بالتَّعْرِيضِ تارَةً، وبالتَّصريح أخْرَى.
وقال القاضي: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ إباحَةُ خِطْبَتِها.
وهو مذهبُ الشافعي في الجديدِ؛ لحديثِ فاطمةَ، حيثُ خَطَبَها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. وزَعَموا أنَّ الظاهِرَ مِن كلامِها رُكُونُها إلى أحَدِهِما.
واسْتَدَلَّ القاضي بخِطْبَتِه لها قبلَ سُوالِها هل وُجِد منها ما دلَّ على الرِّضَا أو لا.
ولَنا، عُمُومُ قولِه عليه الصلاةُ والسَّلامُ: «لا يَخْطُبُ أحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أخيهِ».
ولأنَّه وُجِد منها 1 ما دَلَّ على الرِّضَا، فحَرُمَتْ خِطْبَتُها، كما لو صَرَّحَتْ بذلك.
وأمّا حديثُ فاطمةَ، فلا حُجَّةَ لهم فيه، فإنَّ فيه ما يَدُلَّ على أنَّها لم تَرْكَنْ إلى واحِدٍ منهما مِن وَجهَينَ؛ أحَدُهما، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -
وَالتَّعْويلُ فِي الرَّدِّ وَالإجَابَةِ إنْ لَمْ تَكُنْ مُجْبَرَةً عَلَيهَا، وَإنْ كَانَتْ
قد كان قال لها: «لَا تَسْبِقِيني بِنَفْسِكِ».
وفي رِوايَةٍ: «إِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِيني».
فلم تَكُنْ لتَفْتَاتَ بالإِجابَةِ قبلَ إذنِه.
الثاني، أنَّها ذَكَرَتْ ذلك لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كالمُسْتَشِيرَةِ له فيهما أو في العُدُولِ عنهما، وليس في الاسْتِشارَةِ دَلِيلٌ على تَرْجِيحِ (1) أحدِ الأمرَين، ولا مَيلٍ إلى أحَدِهِما، على أنَّها إنَّما ذَكَرَتْ ذلك لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لتَرْجِعَ إلى قولِه ورَأيه، وقد أشارَ عليها بتَركِهِما، لما ذَكَر مِن عَيْبهما، فجَرَى ذلك مَجْرَى رَدِّهَا لهما، وتَصْرِيحِها بمَنْعِهِما.
ومِن وَجْهٍ آَخَرَ، وهو أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد سَبَقَهُما بخِطْبَتِها تَعْرِيضًا (2) بقولِه لها ما ذَكَرْنا، فكانت خِطْبَتُه لها مَبْنِيَّةً على الخِطْبَةِ السَّابقةِ، بخِلافِ ما نحن فيه.
فإن لم يَعْلَمِ الحال فعلى وَجْهَين؛ أحَدُهما، لا يَجُوزُ، لعُمومِ النَّهْي.
والثاني، يَجُوزُ، لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الإجابَةِ المُحَرِّمَةِ.
3078 -
مسألة: (والتَّعْويلُ فِي الرَّدِّ والإِجابةِ عليها إن لم تَكُنْ
12
مُجْبَرَةً، فَعَلَى الوَلِيِّ.
مُجْبَرَةً، وإن كانت مُجْبَرَةً، فعلى الوَلِيِّ) أمَّا إذا لم تَكُنْ مُجْبَرَةً؛ فلأنَّها أحَقُّ بنَفْسِها مِن وَلِيِّها، فإن أجابَ هو، وَرغِبَتْ عن النِّكاحِ، كان الأمْرُ أمرَها.
فإن أجابَ وَلِيُّها فرَضِيَتْ، فهو كإجابَتِها، وإن سَخِطَتْ فلا حُكْمَ لإِجابَتِه؛ لأنَّ الحَقَّ لها.
ولو أجابَ الوَلِيُّ في حَقِّ المُجْبَرَةِ، فكَرِهَتِ المُجابَ واخْتارَتْ غيرَه، سَقَط حُكْمُ إجابَةِ وَلِيِّها؛ لكَوْنِ اختِيارِها مُقَدَّمًا على اخْتِيارِه.
وإن كَرِهَتْه ولم تَخْتَرْ سِواه، فيَنْبَغِي أن يَسْقُطَ حُكْمُ الإِجابَةِ أيضًا؛ لأنَّه قد أُمِرَ باسْتِثمارِها، فلا يَنْبَغِي له أن يُكْرِهَها على مَن 1 لا تَرْضاه.
وإن أجابَتْ ثم رَجَعَتْ عن الإِجابَةِ وسَخِطَتْه، زال حُكْمُ الإِجابَةِ؛ لأنَّ لها الرُّجُوعَ.
وكذلك إذا رَجَع الوَلِيّ المُجْبِرُ عن الإِجابةِ، زال حُكْمُها؛ لأنَّ له النَّظَرَ في أمْرِ مُوَلِّيَته، ما لم يَقَعِ العَقْدُ.
وإن لم تَرْجِعْ هي ولا وَلِيُّها، لكنْ تَرَكَ الخاطِبُ الخِطْبَةَ، أو 2 أذِنَ فيها، جازت خِطْبَتُها؛ لما رُوِيَ في حديثِ ابنِ عمرَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه نَهَى أن يَخْطُبَ الرجلُ على خِطْبَةِ أخِيه، حتى يَأذَنَ أو يَتْرُكَ.
رَواه البخاريُّ 3.
..................................
فصل: وخِطْبَةُ الرجلِ على خِطبةِ أخيه 1 في مَوْضِعِ النَّهْي مُحَرَّمَة.
قال أحمدُ: لا يَحِلُّ لأحَدٍ أن يَخْطُبَ في هذه الحالِ.
وقال أبو حَفْص العُكْبَرِيُّ: هي مَكْرُوهَةٌ غيرُ مُحَرَّمَةٍ، وهذا نَهْيُ تَأدِيبٍ.
ولَنا، ظاهِرُ النَّهْي، فإنَّ مُقْتَضاه التَّحْرِيمُ، ولأنَّه نَهْيٌ عن الإِضْرارِ بالآدَمِيِّ المَعْصُومِ، فكان على التَّحْرِيمِ، كالنَّهْي عنِ أكْلِ مالِه.
فإن فَعَل فنِكاحُه صحيحٌ.
نصَّ عليه أحمدُ فقال: لا يُفرَّقُ بينَهما.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
ورُوِيَ عن مالكٍ، وداودَ، أنَّه لا يَصِحُّ.
وهو قياسُ قولِ أبي بكر؛ لأنَّه قال في البَيعِ على بَيعِ أخِيه: هو باطِل.
وهذا في مَعْناه؛ لأنَّه نِكاحٌ مَنْهِيٌّ عنه، فكان باطِلًا، كنِكاحِ الشِّغارِ.
ولَنا، أنَّ المُحَرَّمَ لم يُقارِنِ العَقْدَ، فلم يُؤثِّرْ، كما لو صَرَّحَ بالخِطْبَةِ في العِدَّةِ.
فصل: ولا يُكْرَهُ للوَلِيِّ الرُّجُوعُ عن الإجابَةِ 2 إذا رَأَى المَصْلَحَةَ لها في ذلك؛ لأنَّ الحَقَّ لها، وهو نائِب عنها في النَّظرَ لها، فلم يُكْرَهْ له الرُّجُوعُ إذا رَأى المَصْلَحَةَ، كما لو ساوَمَ في بَيعِ دارها، ثم رَأى المَصْلَحَةَ لها 3 في تَرْكِها.
ولا يُكْرَهُ لها أيضًا الرُّجُوعُ إذا كرِهَتِ الخاطِبَ؛ لأنَّه
..................................
عَقْدُ عُصر يَدُومُ الضَّرَرُ فيه، فكان لها الاحْتِياطُ لنَفْسِها، والنَّظرُ في خِطْبَتِها.
وإن رَجَعا عن ذلك لغيرِ غَرَض، كُرِهَ؛ لما فيه مِن إخْلافِ الوَعْدِ والرُّجُوعِ عن القولِ، ولم يَحْرُمْ؛ لأنَّ الحَقَّ بعدُ لم يَلْزَمْهما 1، كمَن ساوَمَ بسِلْعَتِه، ثم بدا له أن لا يَبِيعَها.
فصل: فإن كان الخاطِبُ الأوَّلُ ذِمِّيًّا، لم تَحْرُمِ الخِطْبَةُ على خِطْبَتِه.
نصَّ عليه أحمدُ، فقال: «لا يَخْطُبُ على خِطْبَةِ أخِيه، ولا يُساومُ على سَوْمِ أخيه».
إنَّما هو للمُسْلِمينَ، ولو خَطَب على خِطْبَةِ يَهُودِي أو نَصْرانِيٍّ، أو سام على سَوْمِهما، لم يَكُنْ داخلًا في ذلك؛ لأنَّهم ليسوا بإخْوَةٍ للمُسْلمِينَ.
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا يَجُوزُ أيضًا؛ لأنَّ هذا خَرَجَ مَخْرَجَ 2 الغالِبِ، لا لتَخْصيص المُسْلِمِ به.
ولَنا، أنَّ لَفْظَ النَّهْي خاصٌّ في المسْلمينَ، وإلْحاقُ غيرِه به إنَّما يَصِحُّ إذا كان مثلَه، وليس الذِّمِّي كالمُسْلِم، ولا حُرْمَتُه كحُرْمَتِه، ولذلك لم تَجِبْ إجابَتُهم في دَعْوةِ الوَلِيمَةِ ونحوها.
وقولُه: خَرَج مَخْرَجَ (2) الغالِبِ.
قُلْنا: متى كان في المَخْصُوصِ بالذِّكْرِ 3 مَعْنًى يصْلُحُ أن يُعْتَبَرَ في الحُكْمِ، لم يَجُزْ حَذْفُه ولا تَعْدِيَةُ الحُكْمِ بدُونِه، والأخُوَّةُ الإسلامِيَّةُ لها تَأثِيرٌ في وُجُوبِ الاحْتِرامَ، وزِيادَةِ الاحْتِياطِ في رِعايَةِ حُقُوقِه، وحِفْظِ قَلْبِه، واسْتِيفاءِ 4 مَوَدَّتِه، فلا يَجُوزُ حَذْفُ ذلك.
وَيُسْتَحَبُّ عَقْدُ النِّكَاحِ مَسَاءَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ.
وَأنْ يُخْطَبَ قَبْلَ الْعَقْدِ بِخُطْبَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
3079 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ عَقْدُ النِّكاحِ مساءَ يَوْمِ الجُمُعَةِ)
لأنَّ جَماعَةً مِن السَّلَفِ اسْتَحَبُّوا ذلك؛ منهم ضَمْرَةُ بنُ حَبِيبٍ، وراشِدُ بنُ سَعْدٍ (1)، وحَبِيبُ بنُ عُتْبَةَ (2). ولأنَّه يومٌ شَرِيف ويومُ عيدٍ، وفيه خُلِقَ آدمُ - عليه السلام - (3). والمساءُ به (4) أوْلَى؛ فإنَّ أبا حَفْص روَى بإسنادِه، عن أبي هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَسُّوا بِالإمْلَاكِ، فَإِنَّهُ أعظَمُ لِلْبَرَكَةِ» (5). ولأنَّه أقْرَبُ إلى مَقْصُودِه، وأقلُّ لانتظارِه.
3080 -
مسألة: (و)
يُسْتَحَبُّ (أنْ يَخطُبَ قَبْلَ العَقْدِ بخُطْبَةِ ابن مسعودٍ) خُطْبَةُ العاقِدِ أو غيرِه قبلَ الإِيجابِ والقَبولِ مُسْتَحَبَّة، ثم يكون12345
..................................
العقدُ بعدَ ذلك، لقولِ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كُلُّ أمْر ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ للهِ، فَهُوَ أقطَعُ» 1. وقال: «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيسَ فِيهَا شَهَادَةٌ، فَهِيَ كالْيَدِ الْجَذْمَاءِ» 2. رَواهما ابنُ المُنْذِرِ.
ويُجْزِئُ مِن ذلك أن يَحْمَدَ اللهَ تعالى، ويَتَشَهَّدَ، ويُصَلِّيَ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. ويُسْتَحَبُّ أن يَخْطُبَ بخُطْبَةِ ابنِ مسعودٍ، التي قال: عَلَّمَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - التَّشَهُّدَ في إلصلاةِ والتَّشَهُّدَ في الحاجَةِ، قال: التَّشَهُّدُ: [في الحاجَةِ.
أنِ] 3 الحمدُ للهِ نَحْمَدُه، ونَستَعينُه، ونَعُوذُ باللهِ مِن شُرُورِ أنْفُسِنا، مَن يَهْدِه اللهُ فَلَا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هادِيَ له، وأشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا الله، وأشْهَدُ أنَّ محمدًا عَبْدُه ورسولُه، ويَقرَأ ثَلاثَ آيات: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا﴾ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾.
الآية.
رَواه
..................................
أبو داودَ، والتِّرمِذِيّ 1، وقال: حديث حسن.
قال الخَلَّالُ: ثنا أبو سليمانَ 2 إمامُ طَرَسُوسَ، قال: كان أحمدُ بنُ حنبل إذا حَضَر عَقْدَ نِكاحٍ فلم يُخْطَبْ فيه 3 بخُطْبَةِ ابنِ مَسْعودٍ، قامَ 4 وتَركَهم.
وهذا كان مِن أبي عبدِ اللهِ على طَريقِ المُبالغَةِ في اسْتِحْبابِهَا، لا على الإِيجابِ لها؛ فإنَّ حَرْبَ بنَ إسماعيلَ قال: قُلْتُ لأحمدَ: فيَجِبُ أن تكونَ خُطْبَةُ النِّكاحِ مثلَ قولِ ابنِ مسعودٍ؛ فوَسَّعَ في ذلك.
وقد رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان إذا دُعِيَ لتَزْويجٍ، قال: لَا تَفْضُضُوا 5 علينا النَّاسَ، الحمدُ للهِ، وصلَّى اللهُ على محمدٍ، إنَّ فُلانًا يَخْطُبُ إليكم، فإن أنْكَحْتُمُوه فالحَمدُ للهِ، وإن رَدَدْتُمُوه فسُبْحانَ الله 6. والمُسْتَحَبُّ خُطبة واحِدَة 7 يَخْطُبُها
..................................
الوَلِيُّ أو الزَّوجُ أو غيرُهما.
وقال الشافعيُّ: المَسْنُونُ خُطْبَتان.
هذه التي ذَكَرْناها في أوَّلِه، وخُطْبَةٌ مِن الزَّوجِ قبلَ قَبُولِه.
والمَنقولُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وعن السَّلَفِ، خُطْبَة واحِدَةٌ، وهو أوْلَى ما اتُّبعَ.
فصل: وليستِ الخُطبَةُ واجِبَةً عندَ أحَدٍ مِن أهلِ العِلمِ فيما عَلِمْنَا 1 إلَّا داودَ، فإنَّه أوْجَبَها، لما ذَكَرْناه.
ولَنا، أنَّ رجلًا قال للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: زَوِّجْنِيها.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ».
مُتَّفَقٌ عليه 2. ولم يَذْكُرْ خُطْبَةً.
وخُطِبَ إلى ابنِ عمرَ مَوْلاةٌ له، فما زادَ على أن قال: قد أنْكَحْتُك على ما أمَرَ اللهُ، على إمْساكٍ بمَعْرُوفٍ، أو تَسْرِيحٍ بإحسانٍ 3. وقال جَعْفَرُ بنُ محمدٍ عن أبِيه: إن كان الحُسَينُ ليزَوجُ بعضَ بَناتِ الحَسَنِ وهو 4 يَتَعَرَّقُ العَرْقَ 5. رَواهُما ابنُ المنذرِ.
وروَى أبو داودَ 6 بإسْنادِه، عن رجلٍ مِن بني
وَأنْ يُقَال لِلْمُتَزَوِّجِ: بَارَكَ اللهُ لَكُمَا وَعَلَيكُمَا، وَجَمَعَ بَينَكُمَا فِي خَيرٍ وَعَافِيَةٍ.
سُلَيمٍ، قال خَطَبْتُ إلى رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أُمامَةَ بنتَ عبدِ المُطَّلِبِ، فأنْكَحَنِي مِن غيرِ أن يَتَشَهَّدَ.
ولأَنَّه عَقْدُ مُعَارضَةٍ، فلم تَجِبْ فيه الخُطْبَةُ كالبَيعِ، وما اسْتَدَلُّوا به يَدُلُّ على عَدَمِ الكَمال بدونِ الخُطْبَةِ، لا على الوُجُوبِ.
3081 -
مسألة؛ (و)
يُسْتَحَبُّ (أن يُقَال للمُتَزَوِّجِ: بارَكَ اللهُ لكما، وعليكما، وجَمَع بينَكما في خَير وعافِيَةٍ) وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَأى على عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ أثَرَ 1 صُفْرَةٍ، فقال: «مَا هَذَا؟».
قال: إنِّي تَزَوَّجْتُ على وَزْنِ نَواةٍ مِن ذَهَبٍ 2 قلل: «بَارَكَ اللهُ لَكَ، أوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ».
مُتَّفقٌ عليه 3. قال بعضُ أهلِ العلمِ: وَزْنُ
وَإذَا زُفَّتْ إِلَيهِ، قَال: اللَّهُمَّ إِنِّي أسْألكَ خَيرَهَا وَخَيرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيهِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيهِ.
نَواةٍ خَمْسَةُ دَراهِمَ، وذلك ثَلاثةُ مَثاقِيلَ ونِصفٌ مِن الذَّهَبِ.
وقال المُبَرِّدُ: الصَّوابُ عندَ أهلِ العَرَبِيَّةِ أن يُقال: على (1) نَواةٍ.
فحَسْبُ؛ فإنَّ النَّواةَ عندَهم اسْمٌ لخَمْسَةِ دَراهِمَ، كما أنَّ الأوقِيَّةَ أرْبَعون دِرْهَمًا، والنَّشَّ عِشْرُونَ.
3082 -
مسألة: (ويقُولُ إذا زُفَّتْ إليه: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألكَ خَيرَها وخَيرَ ما جَبَلْتَها عليه، وأعُوذُ بك مِن شَرِّها وشَرِّ ما جَبَلْتَها عليه)
لما روَى صالحُ بنُ أحمدَ، في «مَسائلِه»، عن أبيه، ثنا داودُ، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سعيدٍ 2 مَوْلَى أبي أسَيدٍ، قال: تَزَوَّجَ 3، فحَضَرَه عبدُ الله بنُ مَسعودٍ، وأبو ذَرٍّ، وحُذَيفَةُ، وغيرُهم مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فحَضَرَتِ الصلاةُ، فقَدَّمُوه وهو مَمْلُوكٌ، فصَلَّى بهم، ثم قالوا1 = كما أخرجه أبو داود، في: باب قلة المهر، من كتاب النكاح.
سنن أبي داود 1/ 486. والترمذي، في: باب ما جاء في الوليمة، من أبواب النكاح.
عارضة الأحوذي 5/ 2، 3. وابن ماجه، في: باب الوليمة، من كتاب النكاح.
سنن ابن ماجه 1/ 615، والدارمي، في: باب في الوليمة، من كتاب الأطعمة، وكتاب النكاح 2/ 104، 143. والإمام مالك، في: باب ما جاء في الوليمة، من كتاب النكاح.
الموطأ 2/ 545. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 165، 190، 205، 271.
..................................
له: إذا دَخَلْتَ على أهلِكَ فصَلِّ رَكعتَين، ثم خُذْ برَأْسِ أهْلِكَ، فقُلْ: اللَّهم بارِكْ لي في أهْلِي، وبارِكْ لأهْلِي فِيَّ، وارْزُقْهُم مِنِّي، وارْزُقنِي منْهم.
ثم شَأنَك وشَنَ أهلِكَ 1. وروَى أبو داودَ 2 بإسْنادِه عن عَمْرِو بنَ شُعيبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «إِذَا تَزَوج [أحَدُكُمُ امْرأةً أو] 3 اشْتَرَى خَادِمًا، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألكَ خَيرَهَا، وَخَيرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيهِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيهِ.
وإذَا اشْتَرَى بَعِيرًا، فَلْيَأخُذْ بِذُرْوَةِ سَنَامِهِ، وَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ».
بَابُ أَرْكَانِ النِّكَاحِ وَشرُوطِهِ
فَأرْكَانُهُ الإيجَابُ وَالقَبُولُ.
وَلَا يَنْعَقِدُ الْإيجَابُ إلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْويجِ بِالْعَرَبِيَّةِ لِمَنْ يُحْسِنُهُمَا، أو بِمَعْنَاهُمَا الْخَاصِّ بِكُلِّ لِسَانٍ لِمَنْ لَا يُحْسِنُهُمَا.
بابُ أرْكَانِ النِّكَاحِ وَشُرُوطِه
(أرْكانُه الإيجابُ والقَبُولُ، فلا يَنْعَقِدُ إلَّا بلَفْظِ النِّكَاحِ والتَّزْويج بالعَرَبيَّةِ لمَن يُحْسِنُهما، أو بمَعناهُما الخاصِّ بكلِّ لسانٍ لمَن لا يُحْسِنُهما) وجُملتُه، أنَّ النِّكاحَ يَنْعَقِدُ بلَفْظِ النكاحِ والتَّزْويجِ، والجَوابِ عنهما إجماعًا، وهما اللَّذانِ وَرَد بهما نصُّ الكتابِ في قولِه سبحانَه: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ 1. وقولِه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ 2. وسَواءٌ اتَّفَقا مِن الجانِبَين أو اخْتَلَفا، مثلَ أن يقولَ: