الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 28-67

كِتَابُ الْحُدُودِ

صفحات 28-67

..................................  الحالِ: يُعَزِّرُهم الإِمامُ، وإن رأى أنَّ يحْبِسَهُم حَبَسَهم.
وقيلَ عنه: النَّفْىُ طلبُ الإِمامِ لهم ليُقِيمَ فيهم حُدودَ اللَّهِ.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ.
وقال ابنُ شُرَيْحٍ: يَحْبِسُهمِ في غيرِ بلدِهم.
وهذا مثلُ قولِ مالكٍ.
[قالوا: وهذا أوْلَى] 1؛ لأَنَّ تشْرِيدَهم إخْراجٌ لهم إلى مَكانٍ يَقْطَعُونَ فيه الطَّريقَ، ويُؤْذُونَ به النَّاسَ، فكان حَبْسُهم أوْلَى.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، حَكَاها أبو الخَطَّابِ، مَعْناها أنَّ نَفْيَهم طَلَبُ الإِمامِ لهم، فإذا ظَفَرَ بهم عَزَّرَهم بما يَرْدَعُهم.
ولَنا، ظاهرُ الآيةِ، فإنَّ النَّفْىَ الطَّرْدُ

وَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، سَقَطَتْ عَنْهُ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى؛ مِنَ الصَّلْبِ، وَالْقَطْعِ، وَالنَّفْىِ، وَانْحِتَامِ الْقَتْلِ، وَأُخِذَ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّيِنَ، مِنَ الْأَنْفُسِ، وَالْجِرَاحِ، وَالْأَمْوَالِ، إِلَّا أَنْ يُعْفَى لَهُ عَنْهَا،  والإِبْعادُ، والحَبْسُ إمْساكٌ، وهما يَتَنافَيان.
فأمَّا نَفْيُهم إلى مكانٍ غيرِ مُعَيَّن؛ فلقولِه تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾.
وهذا يَتَناوَلُ نَفْيَه مِن جميعِها.
وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بنَفْىِ الزَّانِى، فإنَّه يُنْفَى إلى مكانٍ يَحْتَمِلُ أنَّ يوجدَ فيه الزِّنَى.
ولم يَذْكُرْ أصحابُنا قَدْرَ مُدَّةِ نَفْيهِم، فيَحْتَمِلُ أنَّ تَتَقَدَّرَ مُدَّتُه بما يَظْهَرُ فيه تَوْبَتُهُم، وتَحْسُنُ سِيرَتُهُم.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يُنْفَوْا عامًا، كنَفْىَ الزَّانِى 1.

4545 -

مسألة: (ومَن تابَ قبلَ القُدْرَةِ عليه، سَقَطَتْ عنه حُدُودُ اللَّهِ تعالى؛ من الصَّلْبِ والقَطْعِ والنَّفْىِ وانْحِتامِ القَتْلِ، وأُخِذَ بحُقُوقِ الآدَمِيِّينَ؛ من الأنْفُسِ، والجِراحِ، والأمْوالِ، إلَّا أن يُعْفَى لَه عنها)

لا نعلمُ في هذا خِلافًا.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى،

..................................  وأبو ثَوْرٍ.
والأَصْلُ في هذا قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 1. فأمَّا إن تابَ بعدَ القُدْرَةِ عليه، لم يَسْقُطْ عنه شئٌ من الحُدودِ؛ للآيةِ، فأوْجَبَ عليهم الحَدَّ، ثم اسْتَثْنَى التَّائِبينَ قبلَ 2 القُدْرَةِ.، فمَن عَدَاهم يَبْقَى على قَضِيَّةِ العُمومِ، و 3 لأنَّه إذا تابَ قبلَ القُدْرَةِ، فالظَّاهِرُ أنَّها تَوْبَةُ إخْلاصٍ، وبعدَها الظاهِرُ 4 أنَّها تَقِيَّةٌ من إقامَةِ الحَدِّ عليه، ولأَنَّ في قَبُولِ تَوْبَتِه، وإسْقاطِ الحَدِّ عنه قبلَ القُدْرَةِ، تَرْغيبًا في تَوْبَتِه، والرُّجُوعِ عن مُحارَبَتِه وإفْسادِه، فناسبَ ذلك الإِسْقاطُ عنه، وأمَّا بعدَها فلا حاجَةَ إلى تَرْغِيبِه؛ لأنَّه قد عَجَز عن الفَسادِ والمُحارَبَةِ.
فصل: وإن فَعَلَ المُحارِبُ ما يُوجِبُ حَدًّا لا يَخْتَصُّ المُحارَبةَ؛ كالزِّنَىْ، والقَذْفِ، وشُرْبِ الخَمْرِ، والسَّرِقَةِ، فذَكَرَ القاضى أنَّها

وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ للَّه تِعَالَى سِوَى ذَلِكَ، فَتَابَ قَبْلَ إِقَامَتِهِ عليه، لم يَسْقُطْ.
وَعَنْهُ، أنَّهُ يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ قَبْلَ إِصْلَاحِ الْعَمَلِ.
تَسْقُطُ بالتَّوْبَةِ؛ لأنَّها حُدودٌ للَّهِ تعالى، فسَقَطَتْ بالتَّوْبَةِ (1)، كحَدِّ المُحاربَةِ، إلَّا حَدَّ القَذْفِ، فإنَّه لا يَسْقُطُ؛ لأنَّه حَقُّ آدَمِىٍّ، ولأَنَّ في إسْقاطِها تَرْغِيبًا في التَّوْبةِ.
ويَحْتَمِل أن لا تَسْقُطَ؛ لأنَّها لا تَخْتَصُّ المُحارَبَةَ، فكانت في حَقِّه [كما هِىَ] (2) في حَقِّ غيرِه.
فإن أتَى حَدًّا قبلَ المُحاربةِ، ثم حارَبَ وتابَ قبلَ القُدْرَةِ، لمِ يَسْقُطِ الحَدُّ الأَوَّلُ؛ لأَنَّ التَّوْبَةَ إنَّما يَسْقُطُ بها الذَّنْبُ الذى تابَ منه دون غيرِه.

4546 -

مسألة: (ومَن وَجَب عليه حَدٌّ للَّهِ تَعالَى سِوَى ذلك، فتابَ قبلَ إقامَتِه، لم يَسْقُطْ)

عنه (وعنه، أنَّه يَسْقُطُ بمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ قبلَ إصْلاحِ العَمَلِ) من تابَ وعليه حَدٌّ مِن غيرِ 3 المُحارِبين، وأصْلَحَ،12

..................................  ففيه رِوايَتان؛ إحداهما، يَسْقُطُ عنه؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ 1. وذَكَر حَدَّ 2 السَّارِقِ، ثم قال: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ 3. وقال النبىُّ -صلي اللَّه عليه وسلم-: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ، كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» 4. ومن لا ذَنْبَ له لا حَدَّ عليه.
وقال في ماعِز لَمَّا أُخْبِرَ بهَرَبه: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ 5 يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْه!» 6. ولأنَّه خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تعالى، فيَسْقُطُ بالتَّوْبَةِ، كحَدِّ المُحارِبِ.
والثانيةُ، لا يَسْقُطُ.
وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفة، وأحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ 7. وهو عامٌّ في التَّائِب وغيرِه، وقال اللَّهُ تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ 8. ولأَنَّ النبىَّ -صلي اللَّه عليه وسلم- رَجَم ماعِزًا والغامِدِيَّةَ، وقَطَعَ الذى أقَرَّ

..................................  بالسَّرِقَةِ، وقد جاءُوا تائِبين يَطْلُبُون التَّطْهِيرَ بإقامَةِ الحَدِّ، وقد سَمَّى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فِعْلَهم تَوْبَةً، فقال في حَقِّ المرأةِ: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ عَلَى أَهْلِ المَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ» 1. وجاءَ عمرُو بنُ سَمُرَةَ إلى النبىِّ -صلي اللَّه عليه وسلم-،

..................................  فقال: يا رسولَ اللَّهِ-صلي اللَّه عليه وسلم-، إنِّى سَرَقْتُ جَملًا لبنى فُلانٍ، فطَهِّرْنِى 1. وقد أقامَ رسولُ اللَّهِ -صلي اللَّه عليه وسلم- عليه الحَدَّ.
ولأَنَّ الحَدَّ كَفارَةٌ، فلم يَسْقُطْ بالتَّوْبَةِ، ككفَّارَةِ اليَمينِ والقتلِ، ولأنَّه مَقْدُورٌ عليه، فلم يَسْقُطِ الحَدُّ عنه، كالمُحارِبِ بعدَ القُدْرَةِ عليه.
فإن قُلْنا: بسُقوطِ 2 الحَدِّ بالتَّوْبَةِ.
فهل يَسْقُطُ بمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ، أو بها مع إصْلاحِ العملِ؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَسْقُطُ بمُجَرَّدِها.
وهو ظاهِرُ قولِ أصحابِنا، لأنَّها تَوْبَةٌ مُسْقِطَةٌ للحَدِّ، فأشْبَهَتْ تَوْبَةَ المُحارِب قبلَ القُدْرَةِ عليه.
والثانى، يُعْتَبَرُ إصْلاحُ العَمَلِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ 3. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ 4. فعلى هذا الوَجْهِ، يُعْتَبَرُ مُضِىُّ مُدَّةٍ يُعْلَمُ بها صِدْقُ

..................................  تَوْبَتِه، وصَلاحُ نِيَّتِه، وليست مُقَدَّرَةً بمُدَّةٍ معلومةٍ.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعىِّ: مُدَّةُ ذلك سَنَةٌ.
وهذا تَوْقِيتٌ بغيرِ تَوْقِيف، فلا يَجُوزُ.

وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ حَدٌّ، سَقَطَ عَنْهُ.

فَصْلٌ: وَمَنْ أُرِيدَتْ نَفْسُهُ أَوْ حُرمَتُهُ أَوْ مَالُهُ، فَلَهُ الدَّفْعُ عِنْ ذَلِكَ بِأَسْهلِ مَا يَعْلَمُ دَفْعَهُ بهِ، فَإِنْ لَمْ يَحْصلْ إِلَّا بِالْقَتْلِ، فَلَهُ ذَلِكَ وَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قُتِلَ كَانَ شَهِيدًا.
وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّفْعُ عِنْ نَفْسِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَسَوَاءٌ كَانَ الصَّائِلُ آدَمِيًّا أَوْ بَهِيمَةً.
وَإِذَا دَخَلَ رَجُلٌ مَنْزِلَهُ مُتَلَصِّصًا أَوْ صَائِلًا فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا ذَكَرْنَا.

4547 - مسألة: (ومَن ماتَ وعليه حَدٌّ، سَقَط عنه)

لفَواتِ مَحَلِّه، كما يَسْقُطُ غُسْلُ ما ذَهَب مِن أعْضاءِ الطَّهارةِ في الوُضوءِ والغُسْلِ.

فصل

: قال رَحِمَه اللَّهُ: (ومَن أُريدتْ نَفْسُه أو حُرمتُه أو مالُه، فله الدَّفْعُ عن ذلك بأسْهلِ ما يَعْلَمُ دَفْعَه به، فإن لم يَحْصُلْ إلَّا بالقَتْلِ، فله ذلك ولا شئَ عليه، وإن قُتِلَ كان شهيدًا، وهل يجبُ الدَّفْعُ عن نفسِه؟ على رِوايَتَيْن، وسَواءٌ كان الصائِلُ آدَمِيًّا أو) غيرَه (وإن دَخَل رجلٌ منزِلَه مُتَلَصَّصًا أو صائِلًا، فحُكْمُه حكمُ ما ذَكَرْنا) وجملةُ ذلك، أنَّ الرجُلَ

..................................  إذا دَخَل مَنْزِلَ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلِصاحِب المَنْزِلِ أمْرُه بالخُروجِ مِن مَنْزِلِه، سَواءٌ كان معه سِلاحٌ أو لم يَكُنْ؛ لأَنَّه مُتَعَدٍّ بدُخولِ مِلْكِ غيرِه، فكان لصاحِبِ المنزِلِ مُطالَبَتُه بتَرْكِ التَّعَدِّى، كما لو غَصَب منه شيئًا، فإن خَرَج بالأمْرِ، لم يَكُنْ له ضَرْبُه؛ لأَنَّ المَقْصُودَ إخْراجُه.
وقد رُوِى عن ابنِ عمرَ، أنَّه رأى لِصًّا، فأصْلَتَ عليه السَّيْفَ، قال الرَّاوِى: فلو تَرَكْناه لَقَتَله 1. وجاءَ رجل إلى الحسنِ، فقال: لِصٌّ دَخَل بَيْتِى ومعه حَدِيدةٌ، أقْتُلُه؟ قال: نعم، بأىِّ قِتْلَةٍ قَدَرْتَ أن تَقْتُلَه.
ولَنا، أنَّه أمْكَنَ إزالَةُ العُدْوانِ بغيرِ القَتْلِ، فلم يَجُزِ القَتْلُ، كما لو غَصَب منه 2 شيئًا، فأمْكَنَ أخْذُه بغيرِ القتلِ.
وفعلُ ابنِ عمرَ يُحْمَلُ على قَصْدِ 3 التَّرْهِيبِ،

..................................  لا على أنَّه قَصَد إيقاعَ الفِعْلِ.
فإن لم يَخْرُجْ بالأمْرِ، فله ضَرْبُه بأسْهَلِ ما يَعْلَمُ أنَّه يَنْدَفِعُ به؛ لأنَّ المَقْصُودَ دَفْعُه، فإذا انْدَفَعَ بقليل، فلا حاجَةَ إلى أكثرَ منه، فإن عَلِمَ أنَّه يَخْرُجُ بالعَصا، لم يَكُنْ له ضَرْبُه بالحديدِ؛ لأنَّ الحديدَ آلةٌ للقَتْلِ، بخلافِ العَصا.
وإن ذَهَب هارِبًا، لم يَكُنْ له قَتْلُه، ولا اتِّباعُه، كالبُغاةِ.
وإن ضَرَبَه ضَرْبَةً عَطَّلَتْه، لم يَكُنْ له أن يُثَنِّيَ عليه؛ لأنَّه كُفِيَ شَرَّه.
وإن ضَرَبَه فقَطَعَ يَمينَه، فوَلَّى مُدْبِرًا، فضَرَبَه فقَطَعَ رِجْلَه 1 فالرِّجْلُ مضمونةٌ بالقِصاصِ أو الدِّيَةِ؛ لأنَّه في حالٍ لا يَحِلُّ له ضَرْبُه، وقَطْعُ اليَدِ غيرُ مَضْمُونٍ، فإن ماتَ من سِرايَةِ القَطْعِ، فعليه نِصْفُ الدِّيةِ، كما لو ماتَ مِن جِراحَةِ اثْنَين.
وإن عادَ إليه بعدَ قَطْعِ رِجْلِه، فقَطَعَ يَدَه الأخْرَى فاليَدَانِ غيرُ مَضْمُونَتَين.
فإن ماتَ، فعليه ثُلُثُ الدِّيَةِ، كما لو ماتَ من جِراحَةِ ثَلاثةِ أنْفُس.
وقِياسُ المذهبِ أنَّه يَضْمَنُ نِصْفَ الدِّيَةِ؛ لأنَّ الجُرْحَينِ قَطْعُ رجُل واحدٍ، فكان حُكْمُهما واحدًا، كما لو جَرَح رجلٌ رجُلًا جِراحاتٍ.
وجَرَحَه آخرُ جُرْحًا واحِدًا، وماتَ،

..................................  كانتْ دِيَتُه بينَهما نِصْفَين، ولا تُقْسَمُ الدِّيَةُ على عَدَدِ الجِراحاتِ، كذا هذا.
فإن لم يُمْكِنْه دَفْعُه إلَّا بالقَتْلِ، أو خافَ أنَّ يَبْدُرَه بالقَتْلِ إن لم يُعاجِلْه بالدَّفْعِ، فله ضَرْبُه بما يَقتُلُه، ويَقْطَعُ طَرَفَه، وما أَتلَفَ منه فهو هَدْرٌ، لأنَّه تَلِفَ لدَفْعِ شَرِّه، فلم يَضْمَنْه، كالباغِي، ولأنَّه اضْطَرَّ صاحِبَ المنزلِ إلى قَتْلِه، فصارَ كالقاتِلِ لنفسِه.
وإن قُتِلَ صاحبُ المنْزِلِ، فهو شهيدٌ، لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ بِغَيرِ حَق، فَقَاتَلَ فَقُتِلَ، فَهُوَ شَهِيدٌ».
رَواه الخَلَّالُ بإسْنادِه 1. ولأنَّه قُتِلَ لدَفْعِ ظالم، فكانَ شهيدًا، كالعادِلِ إذا قَتَلَه الباغِي.

..................................  فصل: وكُلُّ مَن عَرَض لإِنْسانٍ يُرِيدُ ماله أو نفسَه، فحُكْمُه ما ذَكَرْنا في مَن دَخَل منزلَه، في دَفْعِهم بأسْهَلِ ما يُمْكِنُ دَفْعُه به، فإن كان بينَهما نهرٌ كبيرٌ، أو خَنْدَقٌ، [أو حِصْنٌ] 1 لا يَقْدِرونَ على اقْتِحامِه، فليس له رَمْيُهم، فإن لم يُمْكِنْ إلَّا بقِتالِهم، فله قِتالُهم وقَتْلُهم.
قال أحمدُ، في اللُّصوصِ يُرِيدُونَ نفسَك ومالكَ: قاتِلْهم تَمْتَعْ نَفْسَك ومالكَ.
وقال عَطاءٌ، في المُحْرِمِ يَلْقَى اللُّصُوصَ، قال 2: يقاتِلُهم أشَدَّ القتَالِ.
وقال ابنُ سِيرِينَ: ما أعلمُ أحدًا تَرَك قِتال الحَرُورِيَّةِ واللصوص تَأَثُّمًا، إلَّا أنَّ يَجْبُنَ.
وقال الصَّلْتُ بنُ طَرِيفٍ: قلتُ للحسنِ: إنِّي أُحْرَجُ في هذه الوُجُوهِ، أخوَفُ شىِءٍ عندِي يَلْقَانِي المُصَلُّونَ 3 يَعْرِضُونَ لي في مالِي، فإن كَفَفْتُ يَدِي ذهبُوا بمالِي، وإن قاتَلْتُ المُصَلِّيَ 4 ففيه ما قد علمتَ؟ قال: أي بُنَيَّ، مَن عَرَض لك في مالِك، فإن قَتَلْتَه فإلى النارِ، وإن قَتَلَكَ فَشَهِيدٌ.
ونحوُ ذلك عن أنس، والنَّخَعِيِّ والشَّعْبِيِّ.
وقال أحمدُ، في امرأةٍ أرادَها رجلٌ على نَفْسِها، فقَتَلَتْه لِتُحْصِنَ نَفسَها، قال: إذا عَلِمَتْ أنَّه لا يُرِيدُ إلَّا نفسَها، فقَاتَلَتْه لتَدْفَعَ عن نفسِها، فلا شيءَ عليها.

..................................  وذَكَر حديثًا يَرْويه الزُّهْرِيُّ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ، عن عُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ، أنَّ رجلًا ضَافَ 1 ناسًا مِن هُذَيلٍ، فأرادَ امرأةً على نفسِها، فرَمَتْه بحَجَر فَقَتَلَتْه، فقال عمرُ: واللهِ لا يُودَى أبدًا 2. ولأنَّه إذا جازَ الدَّفْعُ عن مالِه الذي يجوزُ له 3 بَذْلُه وإباحَتُه، فدَفْعُ المرأةِ عن نَفْسِها وصِيانتها عن الفاحِشَةِ، التي لا تُباحُ بحالٍ، أَولَى.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يجبُ عليها أنْ تَدْفَعَ عن نفسِها إن أمْكَنَها ذلك، لأنَّ التَّمْكِينَ منها مُحَرَّمٌ، وفي تَرْكِ الدَّفْعِ نوْعُ تَمْكِين.
فأمَّا مَن أَرِيدَ مالُه، فلا يجبُ عليه الدَّفْعُ، لأنَّ بَذلَ المالِ مُباحٌ.

..................................

4548 - مسألة: فإن أُرِدَتْ نَفْسُه، لم يَلْزَمْه الدَّفْعُ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال في الفِتْنَةِ: «اجْلِسْ فِي بَيتكَ فَإنْ خِفْتَ أنْ يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيفِ، فَغَطِّ وَجْهَكَ»

1. وفي لفظٍ: «فَكُنْ عَبْدَ اللهِ المَقْتُولَ، وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللهِ القَاتِلَ» 2. وفي لفظٍ: «كُنْ كَخَيرِ ابْنَيْ آدَمَ» 3. ولأنَّ عثمانَ، رَضِيَ اللهُ عنه، لم يَدْفَعْ عن نفْسِه، وتَرَكَ القِتَال مع إمْكانِه.
فإن قِيلَ: فلِمَ 4 قُلْتُم في المُضْطَرِّ، إذا وَجَد ما يَدْفَعُ به الضَّرُورَةَ: لَزِمَه الأكْلُ منه.
في أحَدِ الوَجْهَين؟ قُلْنا: الأكْلُ تَحْيَى به

..................................  نَفْسُه، مِن غيرِ تَفْويتِ غيرِه، فَلَزِمَه، [كالأكْلِ في المَخْمَصَةِ.
والثاني، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّه دَفْعٌ عن نَفْسِه، فلم يَلْزَمْه، كالدَّفْعِ بالقِتالِ.
وفيه رِوايةٌ أُخْرَى، يَلْزَمُه] 1 الدَّفْعُ عن نَفْسِه؛ لأنَّه لا يجوزُ إقرارُ المُنْكَرِ مع إمْكانِ دَفْعِه.
والأوْلَى إن شاء اللهُ أنَّه يَلْزَمُه الدَّفْعُ عن حُرْمَتِه، ولا يَلْزَمُه الدَّفْعُ عن مالِه؛ لأنَّه يجوزُ له بَذْلُه، فإن أُرِيدَتْ نفْسُه فالأوْلَى في الفِتْنَةِ تَرْكُ الدَّفْعِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأحاديثِ والأثرِ في دَفْعِ اللُّصوصِ.
وإذا صالتْ عليه بَهِيمَةٌ، ففيه رِوايَتان، أوْلاهُما، وُجُوبُ الدَّفْعِ إذا أمْكَنَه، كما لو خافَ مِن سَيل أو نارٍ، وأمْكَنَه أنَّ يَتَنَحَّى عن ذلك، [وإن أمْكَنَه الهَرَبُ، ففيه وَجْهان؛ أَولاهُما، يَلْزَمُه، كالأكْل في المَخْمَصَةِ.
والثاني، لا يَلْزَمُه، كالدَّفْعِ بالقِتالِ] (1). فصل: وإذا صال على إنْسانٍ صائِلٌ، يُريدُ نفسَه أو ماله ظُلْمًا، أو

..................................  يريدُ امرأةً ليَفْجُرَ بها، فلِغيرِ المَصُولِ عليه مَعُونَتُه في الدَّفْعِ.
ولو عَرَض اللُّصوصُ لقافِلَةٍ، جازَ لغيرِ أهلِ القافِلَةِ الدَّفْعُ عنهم؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «انْصُرْ أخَاكَ ظَالِمًا، أوْ مَظْلُومًا» 1. وفي حديثٍ: «إِنَّ المُؤْمِنِينَ يَتَعَاوَنُونَ عَلَى الفُتَّانِ» 2. ولأنَّه لولا التَّعاونُ لذَهَبَتْ أمْوالُ النَّاسِ وأنْفُسُهم؛ لأنَّ قُطَّاعَ الطَّرِيقِ إذا انْفَرَدُوا بأخْذِ مالِ إنْسانٍ ولم يُعِنْه غيرُه، فإنَّهم يَأْخُذُونَ أمْوال الكلِّ، واحِدًا واحِدًا، وكذلك غيرُهم.
فصل: إذا وَجَد رجلًا يَزْنِي بامرأتِه فقَتَلَه، فلا قِصاصَ عليه، [ولا دِيَةَ] 3؛ لِما رُوِيَ أنَّ عمرَ، رَضِيَ الله عنه، بينَما هو يَتَغَدَّى يومًا، إذْ أقْبَلَ رجلٌ يَعْدُو، ومعه سَيفٌ مُجَرَّدٌ مُلَطَّخٌ بالدَّمِ، فجاءَ حتى قَعَد مع عمرَ،

..................................  فَجَعَلَ يأكُلُ، وأقبلَ جماعَةٌ من النَّاسِ، فقالوا: يا أميرَ المؤمِنِين، إنَّ هذا قَتَل صاحِبَنَا مع امرأتِه.
فقال عمرُ: ما يقولُ هؤلاء؟ قال: ضَرَب الآخَرُ فَخِذَي 1 امرأتِه بالسَّيفِ، فإن كان بينَهما أحَدٌ فقد قتَلَه 2. فقال لهم عمرُ: ما يقولُ؟ قالوا: ضَرَب بسَيفِه، فَقَطَعَ فَخِذَيِ امرأتِه، فأصابَ وَسَطَ الرَّجُلِ، فقَطَعَه اثْنَين.
فقال عمرُ: إن عادُوا فَعُدْ 3. رَواه هُشَيمٌ، عن مُغِيرَةَ، عن إبراهيمَ.
أخْرَجَه سعيدٌ 4. فإن كانتِ المرأةُ مُطاوعَةً، فلا ضَمانَ عليه فيها، وإن كانت مُكْرَهَةً، فعليه القِصاصُ.
فأمَّا إن قَتَل رجلًا، وادَّعَى أنَّه وَجَدَه مع امرأتِه، فقَتَلَها أو قَتَلَه.
فقال عليٌّ: إن جاءُوا بأرْبعهِ شُهَداءَ، وإلَّا فَلْيُعْطَ بُرمَّتِه 5. فعلى هذا، يَفْتَقِرُ إلى أربعةِ شُهُودٍ، لحديثِ عليٍّ.
ورُوِيَ أنَّها يَكْفِي شاهدان؛ لأنَّ البَيَّنَةَ تَشْهَدُ على وُجُودِه مع المرأةِ، وهذا يَثْبُتُ بشاهِدَين، وإنَّما

..................................  الذي يَحْتاجُ إلى أربعةٍ الزِّنَى، وهذا لا يَحْتاجُ إلى إثْباتِ الزِّنَى.
فإن قِيلَ: فحديثُ عمرَ في الذي وجَد مع امرأتِه رجلًا ليس فيه بَيِّنَةٌ، وكذلك رُوِيَ أنَّ رجلًا مِن المسلمين خرَج غازِيًا، وأوْصَى بأهْلِه رجلًا، فبَلَغَ الرجلَ أنَّ يَهُودِيًّا يَخْتَلِفُ إلى امرأتِه، فكَمَنَ له حتى جاءَ، فجعلَ يُنْشِدُ: وأشْعَثَ غَرَّهُ الإِسْلامُ مِنِّي … خَلَوْت بعِرْسِه ليلَ التَّمامِ أبِيتُ على تَرائِبِها ويُضْحِي … على جَرْداءَ لاحِقَةِ الْحِزَامِ كأنَّ مَواضِعَ الرَّبَلَاتِ منها … فِئَامٌ يَنْهَضُونَ إلى فِئَامِ 1 فقام إليه الرجلُ 2 فقَتَلَه، فرُفِعَ ذلك إلى عمرَ، فأهْدَرَ دَمَه 3. فالجَوابُ أنَّ ذلك ثَبَت عندَه بإقْرارِ الوَلِيِّ.
وإن لم تَكُنْ بَيَنة، فادَّعَى عِلْمَ الوَلِيِّ بذلك، فالقولُ قولُ الوَلِيِّ مع يَمِينه.

..................................  فصل: فإن قَتَل رجلٌ رجلًا، وادَّعَى أنَّه قد هَجَم مَنْزِلَه، فلم يُمْكِنْه دَفْعُه إلَّا بالقَتْلِ، لم يُقْبَلْ قولُه إلَّا ببَيِّنَةٍ، وعليه القَوَدُ سَواءٌ كان المقتولُ يُعْرَفُ بسَوقةٍ، أو عِيَارَةٍ، أو لا يُعْرَفُ بذلك، فإن شَهِدَتِ البَيِّنَةُ أنَّهم رَأوْا هذا مُقْبلًا إلى هذا بسِلاحٍ مَشْهورٍ، فضَرَبَه هذا، فقد هَدَر دَمَه، وإن شَهِدُوا أَنَّهم رَأوْه داخِلًا دارَه، ولم يَذْكُرُوا سِلاحًا، أو ذَكَروا سِلاحًا غيرَ مَشْهُورٍ، لم يَسْقُطِ القَوَدُ بذلك؛ لأنَّه قد يَدْخُلُ لحاجَةٍ، ومُجَرَّدُ الدُّخُولِ المشْهودِ به لا يُوجِبُ إهْدارَ دَمِه.

وَإنْ عَضَّ إِنْسَانٌ إِنْسَانًا، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ، فَسَقَطَتْ ثَنَاياهُ، ذَهَبَتْ هَدْرًا.

4549 - مسألة: (وإنْ عَضَّ إنْسَان إنسانًا، فانْتَزَعَ يَدَه من فِيهِ، فسَقَطَتْ ثَنَايَاهُ، ذَهَبَتْ هَدْرًا)

[إذا عُضَّ فله جَذْبُ يَدِه مِن فِيهِ، فإن جَذَبَها فوَقَعَتْ ثَنايا العاضِّ، فلا ضَمانَ فيها] 1. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
ورَوَى سعيدٌ، عن هُشَيم، عن محمدِ بنِ عبدِ اللهِ، أنَّ رجلًا عَضَّ رجلًا، فانْتَزَعَ يَدَه من فِيهِ، فسَقَطَتْ بعضُ أسْنانِ العَاضِّ، فاخْتَصَما إلى شُرَيحٍ، فقال شُرَيحٌ: انْزَعْ يَدَكَ مِن فِي السَّبُعِ.
وأَبْطَلَ أسْنانَه.
وحُكِيَ عن مالكٍ، وابنِ أبي لَيلَى، أنَّ عليه الضَّمان؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ» 2. ولَنا، ما رَوَى يَعْلَى بنُ أُمَيَّةَ، قال: كان لي أجيرٌ، فقاتَلَ إنسانًا 3، فعَضَّ أحَدُهما يَدَ الآخرِ، قال: فانتزَعَ المَعْضُوضُ يَدَه مِن فِي العاضِّ، فانْتَزَعَ إحْدَى ثَنِيَّتَيْهِ، فأتَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فأهْدَرَ ثَنِيَّتَه، فحَسِبْتُ أنَّه قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أفيَدَعُ يَدَهُ في فَمِكَ تَقْضَمُها قَضْمَ الفَحْلِ».
مُتَّفَقٌ عليه 4. ولأنَّه عُضْوٌ تَلِف ضرُورَةَ دَفْع

..................................  شَرِّ صاحِبِه، فلم يُضْمَنْ، كما لو صال عليه، فلم يُمْكِنْه دَفْعُه إلَّا بقَطْعِ عُضْوه.
وحديثُهم يَدُلُّ على دِيَةِ السِّنِّ إذا قُلِعَتْ ظُلْمًا، وهذه لم تُقلَعْ ظُلْمًا، وسَواءٌ كان المَعْضُوضُ ظالِمًا أو مَظْلُومًا؛ لأنَّ العَضَّ مُحَرَّمٌ، إلَّا أنَّ يكونَ العَضُّ مُباحًا له، مثلَ أنَّ يُمْسِكَه في مَوْضِع يَتَضَرَّرُ بإمْساكِه، أو يَعَضَّ 1 يَدَه.
[ونحوَ ذلك ممّا] 2 لا يَقْدِرُ على التَّخَلُّصِ من ضَرَرِه إلَّا بِعَضِّه، فيَعَضُّه، فما سَقَط مِن أسْنانِه ضَمِنَه؛ لأنَّه عادٍ.
وكذلك لو عَضَّ أحَدُهما يَدَ الآخرِ، ولم يُمْكِنِ المَعْضُوضَ تخْليصُ يَدِه إلَّا بعَضِّه، فله عَضُّه، ويَضْمَنُ الظَّالِمُ منهما ما تَلِفَ من المَظْلُومِ، وما تَلِفَ من الظالمِ كان هَدْرًا.
وكذلك الحكمُ فيما إذا عَضَّه في غيرِ يَدِه، أو عَمِلَ به عَمَلًا غيرَ العَضِّ أفْضَى إلى تَلَفِ شيءٍ من الفاعِلِ، لم يَضْمَنْه.
وقد روَى محمدُ بنُ عُبَيدِ 3 اللهِ، أنَّ غُلَامًا أخَذَ قِمَعًا من أقْماعِ الزَّيَّاتِينَ، فأدْخَلَه بينَ رِجْلَيْ رَجُل، ونَفَخَ فيه، فذُعِرَ الرجلُ من ذلك، وخَبَطَ = مسلم 3/ 1301. كما أخرجه أبو داود، في: باب في الرجل يقاتل الرجل....، من كتاب الديات.
سنن أبي داود 2/ 500. والنسائي، في: باب الرجل يدفع عن نفسه، وباب ذكر الاختلاف على عطاء....، من كتاب القسامة.
المجتبى 8/ 26، 27، 28. وابن ماجه، في: باب من عض رجلًا فنزع يده فندر ثناياه، من كتاب الديات.
سنن ابن ماجه 2/ 886، 887. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 222، 224، 428، 430.

وَإنْ نَظَرَ في بَيتِهِ مِنْ خَصاصِ الْبَابِ، أَوْ نَحْوهِ، فَحَذَفَ عَينَهُ  برِجْلِه، فوَقَعَ على الغُلام، فكَسَرَ بعضَ أسنانِه، فاخْتَصَمُوا إلى شُرَيح، فقال شُرَيحٌ: لا أعْقِلُ الكَلْبَ الهَرَّارَ.
قال القاضي: يُخَلِّصُ المَعْضُوضُ يَدَه بأسْهَلِ ما يُمْكِنُه، فإن أمْكَنَه فَكُّ لَحْيَيه بيَدِه الأُخْرَى فَعَلَ، وإن لم يُمْكِنْه لَكَمَه في (1) فَكِّه، فإن لم يُمْكِنْه، فله أنَّ يَبْعَجَ بَطْنَه، وإن أتَى على نَفْسِه.
قال شيخُنا (2): والصَّحِيحُ أنَّ هذا الترتيبَ غيرُ مُعْتَبَر، وله أنَّ يَجْذِبَ يَدَه أوَّلًا، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم (3) يَسْتَفْصلْ، ولأنَّه لا يَلْزَمُه تَرْكُ يَدِه في فَمِ العاضِّ حتى يَتَحَيَّلَ بهذه الأشياءِ المَذْكُورَةِ، ولأنَّ جَذبَ يَدِه مُجَرَّدُ (4) تَخْلِيصِ يَدِه (4)، وما حَصَل من سُقُوطِ الأسْنانِ حَصلَ ضرُورةَ التَّخْلِيصِ الجائزِ، ولَكْمُ فَكِّه جِنَايَةٌ غيرُ التَّخْلِيصِ، ورُبَّما تَضَمَّنَتِ التَّخْلِيصَ، وربَّما أتْلَفَتِ الأسْنانَ التي لم يَحْصُلِ العَضُ بها، فكانت البِداءَةُ بجَذْبِ يَدِه أوْلَى.
ويَنْبَغِي أنَّه متى أمْكَنَه جَذْبُ يَدِه، فعَدَلَ إلى لَكْمِ فَكِّه، فأتْلَفَ سِنًّا، ضَمِنَه؛ لإِمْكانِ التَّخَلّصِ بما هو أوْلَى منه.

4550 -

مسألة: (وإن نَظَر في بَيتِه من خَصاصِ البابِ، أو نحوه،

1234

فَفَقَأَهَا، فَلَا شَيْءَ عَلَيهِ.
فحذَفَ عَينَه، ففَقَأهَا، فلا شيءَ عليه) وجملةُ ذلك، أنّ مَن اطَّلَعَ في بيتِ إنسانٍ من ثَقْبٍ، أو شَقِّ بابٍ، أو نحوه، فرَماهُ صاحِبُ الدَّارِ بحَصاةٍ، أو طَعَنَه بعُودٍ، فقَلَع عَينَه، لم يَكُنْ عليه جُناحٌ، ولا يَضْمَنُها.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَضْمَنُها؛ لأنَّه لو دَخَل مَنْزِلَه، ونَظَر فيه، أو نال من امرأتِه ما دُونَ الفَرْجِ، لم يَجُزْ قَلْعُ عَينِه فبمُجَرَّدِ النَّظَرِ أولَى.
ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَوْ أنَّ امْرَأَ اطَّلَعَ عَلَيكَ بِغَيرِ إذْنٍ، فحَذَفْتَه بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَينَه، لَمْ يَكُنْ عَلَيكَ جُنَاحٌ».
وعن سهلِ بنِ سعدٍ، أنَّ رجلًا اطَّلَعَ في جُحْر مِن بابِ النبيِّ، - صلى الله عليه وسلم -، [ورسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -] 1 يَحكُّ رَأسَه بِمِدْرًى 2 في يَدِه، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ عَلِمْتُ أنَّكَ تَنْظُرُنِي، لَطَمَسْتُ 3، أو: لَطَعَنْتُ بِهَا فِي

..................................  عَينِكَ».
مُتَّفَقٌ عليهما 1. ويُفارِقُ ما قاسُوا عليه؛ لأنَّ مَن دَخَل المنزلَ يُعْلَمُ به، فيُسْتَتَرُ منه، بخِلافِ النَّاظِرِ من ثَقْبٍ، فإنَّه يَرَى من غيرِ عِلْم به، ثم الخبرُ أوْلَى من القِياسِ.
وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه لا يُعْتَبَرُ في هذا أنَّه لا يُمْكِنُه دَفْعُه إلَّا بذلك، لظاهِرِ الخبرِ.
وقال ابنُ حامدٍ: يَدْفَعُه بأسْهَلِ ما يُمْكِنُه دَفْعُه به 2، يقولُ له أوَّلًا: انْصَرِفْ.
فإن لم يَفْعَلْ، أشارَ إليه أنَّه يَحْذِفُه، فإن لم يَنْصَرِفْ، فله حَذْفُه حينَئذٍ.
واتِّباعُ السُّنَّةِ أوْلَى.
فإن تَرَك الاطِّلاع ومَضَى، لم يَجُزْ رَمْيُه، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَطْعَنِ الذي اطَّلَع ثم انْصَرَف، ولأنَّه تَرَكَ الجنايَةَ، فأشْبَهَ مَن عَضَّ ثم تَرَكَ العَضَّ، لم يَجُزْ قَلْعُ أسْنانِه.
وسَواءٌ كان المكانُ المُطَّلَعُ منه صغيرًا،

..................................  كثَقْبٍ أوْ شَقٍّ، أو واسِعًا، كنَقْبٍ كبيرٍ.
وذَكَر بعضُ أصحابِنا أنَّ البابَ المفتوحَ كذلك، والأوْلَى أنَّه لا يجوزُ حَذْف مَن نَظَرَ من بابٍ مفتوح؛ لأنَّ التَّفْرِيطَ من تارِكِ الباب مَفْتُوحًا، والظَّاهِرُ أنَّ من تَرَكَ بابَه 1 مفتوحًا، أنَّه يَسْتَتِرُ، لعِلْمِه أنَّ النَّاسَ يَنْظُرونَ منه، ويَعْلَمُ بالنَّاظِرِ فيه، والواقِفِ عليه، فلم يَجُزْ رَمْيُه، كدَاخِلِ الدَّارِ.
وإن اطَّلَع، فرَماه صاحِبُ الدَّارِ، فقال المُطَّلِعُ: ما تَعَمَّدْتُه.
لم يَضْمَنْه، على ظاهرِ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّ الاطِّلاعَ قد وُجِدَ، والرَّامِي لا يَعْلَمُ ما في قَلْبِه 2. وعلى قولِ ابنِ حامدٍ، يَضْمَنُه؛ لأنَّه لم يَدْفَعْه بما هو أسْهَلُ.
وكذلك لو قال: لم أرَ شيئًا حينَ اطَّلَعْتُ.
وإن كان المُطَّلِعُ أعْمَى، لم يَجُزْ رَمْيُه؛ لأنَّه لا يَرَى شَيئًا، ولو كان إنْسانٌ عُرْيانًا في طَرِيقٍ، لم يَكُنْ له رَمْيُ مَن نَظَر إليه؛ لأنَّه المُفَرِّطُ.
وإن كان المُطَّلِعُ في الدَّارِ من مَحارِم النِّساءِ اللَّائي فيها، فقال بعضُ أصحابِنا: ليس لصاحِبِ الدَّارِ رَمْيُه، إلَّا أَن يَكُنَّ مُتَجَرِّدَاتٍ،

..................................  فيَصِرْنَ كالأجانِبِ.
وظاهِرُ الخبرِ أنَّ لصاحِبِ الدَّارِ رَمْيَه، سَواءٌ كان فيها نِساءٌ أو لم يَكُنْ؛ لأنَّه لم يَذْكُرْ أنَّه كان في الدَّارِ التي اطَّلَع فيها على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - نِساءٌ.
وقولُه: «لَوْ أنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيكَ بِغَيرِ إذْنٍ، فحَذَفْتَهُ [ففَقَأْتَ عَينَهُ] 1». عامٌّ في الدَّارِ التي فيها نِساءٌ وغيرِها.
فصل: وليس لصاحبِ الدَّارِ رَمْيُ النَّاظِرِ بما يَقْتُلُه ابْتِداءً، فإن رَمَاهُ بحَجَرٍ يَقْتُلُه، أو حَدِيدَةٍ تَقْتُلُه، ضَمِنَه بالقِصَاصِ؛ لأنَّه إنَّما له ما يَقْلَعُ به 2 العَينَ المُبْصِرَةَ، التي حَصَل الأذَى منها، دُونَ ما يَتَعَدَّى إلى غيرِها، فإن لم يَنْدَفِعِ المُطَّلِعُ برَمْيِه بالشَّيءِ اليَسِيرِ، جازَ رَمْيُه بأكْبَرَ منه، حتى يَأْتِيَ ذلك على نفْسِه، وسَواءٌ كان النَّاظِرُ في الطرَّيقِ، أو مِلْكِ نَفسِه، أو غيرِ ذلك.
واللهُ أعلمُ.

بَابُ قِتَالِ أهْلِ الْبَغْيِ

بابُ قِتالِ أهْلِ البَغْي والأصلُ في هذا قولُ اللهِ تعالى ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَينَ أَخَوَيكُمْ﴾ 1. ففيها خمسُ فَوائِدَ؛ أحدُها، أنَّهم لم يَخْرُجُوا بالبَغْي عن الإِيمانِ، فإنَّه سَمَّاهم مُؤْمِنين.
الثَّانيةُ، أنَّه أوْجَبَ قِتالهم.
الثالثةُ، أنَّه أسْقَطَ قِتالهم إذا فَاءُوا إلى أمْرِ اللهِ.
الرَّابِعةُ، أنَّه أسْقَطَ عنهم التَّبِعَةَ فيما أتْلَفُوه في قِتالِهم [إذا فاءُوا إلى أمْرِ الله] 2. الخامِسَةُ، أنَّ الآيَةَ

..................................  أفادَتْ جَوازَ قِتالِ كلِّ مَن مَنَع حَقًّا عليه.
وروَى عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو، قال: سَمِعْ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «مَنْ أعْطَى إمَامًا صَفْقَةَ يَدِهِ، وثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْه مَا اسْتَطَاعَ، فَإنْ جَاءَ أحَدٌ يُنَازِعُهُ، فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَرِ» رَوَاه مسلمٌ 1. وروَى عَرْفَجَةُ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «سَتَكُونُ هَنَاتٌ وهَنَاتٌ».
ورَفَع صوتَه «ألَا مَن خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي وَهُمْ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ بِالسَّيفِ، كَائِنًا مَنْ كَانَ» 2. فكلُّ مَن ثَبَتَتْ إمامَتُه، وَجَبَتْ طاعَتُه، وحَرُمَ الخُرُوجُ عليه وقِتالُه، لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ 3.

..................................  وروَى عُبادةُ بنُ الصَّامِتِ، قال: بايَعْنا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على السَّمْعِ والطَّاعَةِ، في المَنْشَطِ والمَكْرَهِ، وأنْ لا نُنازِعَ الأمْرَ أهْلَه 1. ورُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وفَارَقَ الجَمَاعَةَ، فَمَاتَ، فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ».
رَواه ابنُ عبدِ البَرِّ من حديثِ أبي هُرَيرَةَ وأبي ذَرٍّ وابنِ عباس، كلُّها بمعْنًى واحدٍ 2. وأجْمَعَتِ الصحابةُ، رَضِيَ اللهُ عنهم، على قِتالِ البُغَاةِ، فإنَّ أبا بكر، رَضِيَ اللهُ عنه، قاتلَ 3 مانِعِي الزَّكاةِ، وعليٌّ، رَضِيَ اللهُ عنه، قاتَلَ أهْلَ الجَمَلِ وأهلَ صِفِّينَ وأهلَ النَّهْرَوانِ.

وَهُمُ الْقَوْمُ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ عَلَى الإمَامِ بِتَأْويلٍ سَائِغٍ، وَلَهُمْ مَنَعَة وَشوْكة،

4551 - مسألة: (وهم القَوْمُ الذينَ يَخْرُجُونَ على الإِمامِ بتَأْويل سائِغٍ، ولهم مَنَعَةٌ وشَوْكَةٌ)

الخارِجونَ عن قَبْضَةِ الإِمامِ، أصْنافٌ أرْبَعَةٌ، أحدُها، قَوْمٌ امْتَنَعُوا 1 من طاعَتِه، وخَرَجُوا عن قَبْضَتِه بِغيرِ تَأْويل، فهؤلاءِ قُطَّاعُ الطَّريق، ساعُونَ في الأرْضِ بالفَسادِ، وقد ذَكَرْنا حُكْمَهم.
الثاني، قوْمٌ لهم تَأْويل، إلَّا أنَّهم نَفَر يَسِيرٌ، لا مَنَعَةَ لهم، كالعَشِيرةِ ونحوهم، فهؤلاءِ حُكْمُهم حُكْمُ الصِّنْفِ 2 الذي قبلَهم، في قولِ أكثرِ الأصحابِ، ومذهبِ الشافعيِّ؛ لأنَّ ابنَ مُلْجَم لَمَّا جَرَح عليًّا،

..................................  قال للحسنِ: إنْ بَرِئْتُ رَأَيتُ رَأْييِ، وإنْ مِتُّ فَلا تُمَثِّلُوا به 1. فلم يُثْبِتْ لفِعْلِه حُكمَ البُغاةِ.
ولأنَّنا لو أثْبَتْنا للعَدَدِ اليَسِيرِ حُكْمَ البُغاةِ، في سُقُوطِ ضَمانِ ما أتْلَفُوه، أفْضَى إلى إتْلافِ أمْوالِ النَّاسِ.
وقال أبو بكرٍ: لا فَرْقَ بينَ الكثيرِ والقليلِ، وحُكْمُهم حُكْمُ البُغاةِ إذا خَرَجُوا عن قَبْضَةِ الإِمامِ.
الثالثُ، الخوارجُ الذين يُكَفِّرُونَ بالذَّنْبِ، ويُكَفِّرُونَ عليًّا وعُثمانَ وطَلْحَةَ والزُّبَيرَ، وكثيرًا من الصحابةِ، ويَسْتَحِلُّونَ دِماءَ المسلِمينَ، وأمْوالهُم، إلَّا مَن خَرَج معهم، فظاهِر قولِ الفُقَهاءِ المُتَأخِّرينَ من أصحابِنا، أنَّهم بُغَاةٌ، لهم حُكْمُهُم.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ، وجُمْهورِ الفُقَهاءِ، وكثيرٍ من أهلِ الحديثِ.
وأمَّا مالكٌ فيَرَى اسْتِتَابَتَهُم، فإن تابُوا، وإلَّا قُتِلُوا على إفْسادِهم، لا على كُفْرِهم.
وذَهَبَتْ طائِفَةٌ من أهلِ الحديثِ إلى أنَّهم كفَّارٌ مُرْتَدُّونَ، حُكْمُهم حُكْمُ المُرْتَدِّينَ، تُباحُ دِماوهم وأمْوالُهم، فإن تَحَيَّزُوا في مكانٍ، وكانتْ لهم مَنَعَةٌ وشَوْكَةٌ، صارُوا أهْلَ حَرْبٍ، كسائرِ الكُفَّارِ، وإن كانوا في قَبْضَةِ الإِمامِ،

..................................  اسْتَتابَهم، كاسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ، فإن تابُوا، وإلَّا قُتِلُوا، وكانت أمْوالُهم فَيئًا، لا يَرِثُهم ورَثَتُهم المسلمونَ؛ لِما روَى أبو سعيدٍ، قال: سَمِعْت رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «يَخْرُجُ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وصِيَامَكُمْ مَعَ صِيامِهِمْ، وأعْمَالكُمْ مَعَ أعْمَالِهِمْ، يَقْرأُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَنْظُر في النَّصْلِ فَلا يَرَى شَيئًا، [وَيَنْظُرُ فِي القِدْحِ فَلَا يَرَى شَيئًا] 1، ويَنْظُرُ في الرَّيشِ فَلَا يَرَى شَيئًا، وَيَتمَارَى في الْفُوقِ 2». وهو حديثٌ صحِيحٌ ثابتُ الإِسْنادِ، رَواه البخارِيُّ، ومالكٌ، في «المُوَطَّأ» 3. وفي لَفْظٍ قال: «يَخْرُجُ قَوْمٌ 4 فِي آخِرِ الزَّمَانِ، أحْدَاثُ الأسْنَانِ، سُفَهاءُ الأحْلَامِ، يَقولونَ مِن خَيرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ، يَقْرأُونَ القُرْآنَ لَا يُجاوزُ تَرَاقِيَهُمْ،

..................................  يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَأَينَما [لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ] 1، فَإنَّ في 2 قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ».
رَواه البخارِيُّ 3. ورُوِيَ مَعْناه من وُجُوهٍ.
يقولُ: فكما خَرَج هذا 4 السَّهْمُ نَقِيًّا خاليًا (4) من الدَّمِ والفَرْثِ، لم يَتَعَلَّقْ منهما بشَيْءٍ، كذلك خُرُوجُ هؤلاءِ من الدِّينِ، يَعْنِي الخَوارِجَ.
وعن أبي أُمَامَةَ، أنَّه رَأَى رُءُوسًا مَنْصُوبَة على دَرَجِ مَسْجِدِ دِمَشْقَ، فقال: «كِلَابُ النَّارِ، شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أدِيمِ السَّماءِ، خيرُ قَتْلَى مَنْ قَتَلُوه»، ثم قَرأ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ 5 إلى آخِرِ الآيةِ.
فقِيلَ له: أنتَ سَمِعْتَه من رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: لو لم أسْمَعْه إلَّا مَرَّةً، أو مَرَّتَين، أو ثَلاثًا، أو أرْبَعًا -حتى عَدَّ

..................................  سَبْعًا- ما حَدَّثْتُكُمُوه 1. قال التِّرْمِذِيّ: هذا حديثٌ حسنٌ.
ورَواه ابنُ ماجه 2، عن سَهْل، [عن ابنَ] 3 عُيَينَةَ، عن أبي غالِبٍ، أنَّه سَمِع أبا أُمَامَةَ يقولُ: «شَرُّ قَتْلَى قُتِلُوا 4 تَحْتَ أَديمِ السَّماءِ، وخَيرُ قَتْلَى مَن قَتَلُوه، كِلَابُ أهْلِ النَّارِ، كِلابُ أهْلِ النَّارِ، كِلابُ أهْلِ النَّارِ، قد (4) كانُوا مُسْلِمينَ فَصارُوا كُفَّارًا» قلتُ: يا أبا أُمَامَةَ، هذا شيءٌ تقولُه؟ قال: بل سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وعن عليٍّ في قولِه تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ 5. قال: هم أهْلُ النَّهْرَوانِ 6. وعن أبي سعيدٍ، في حديثٍ آخَرَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ والخَلِيقَةِ، لَئِنْ أَدرَكْتُهُمْ لأقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ» 7. وقال 8: «لا يُجاوزُ إِيمانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ» 9. وأكثرُ الفُقَهاءِ على أنَّهم بُغَاةٌ، ولا يَرَوْنَ تَكْفِيرَهم.
قال

..................................  ابنُ المُنْذِرِ: لا أعلمُ أحدًا وافَقَ أهْلَ الحديثِ على تَكْفِيرِهم وجَعْلِهم كالمُرْتَدِّينَ.
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ 1، في الحديثِ الذي رَوَيناهُ: قولُه عليه السَّلامُ: «يَتَمارَى فِي الفُوقِ».
يَدُلُّ على أنَّه لم يُكَفِّرْهُم؛ لأنَّهم عَلِقُوا مِن الإِسْلامِ بشيءٍ، بحيثُ يُشَكُّ في خُرُوجِهم منه ورُوِيَ أنَّ عليًّا لَمَّا قاتَلَ أهْلَ النَّهْرِ، قال لأصحابِه: لا تَبْدَأُوهُمْ بالقِتالِ.
وبَعَث إليهم: أقيدُونَا بِعبدِ اللهِ بنِ خَبَّابٍ.
قالوا: كلُّنا قَتَلَه 2. فحينَئذٍ اسْتَحَلَّ قِتَالهم؛ لإِقْرارِهم على أنْفُسِهم بما يُوجِبُ قَتْلَهم.
وذَكَر ابنُ عبدِ البَرِّ 3، عن علي، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه سُئِلَ عن أهْلِ النَّهْرِ، أكفَّارٌ هم؟ قال: مِن الْكُفْرِ فَرُّوا.
قِيل: فمُنافِقُونَ؟ قال: إنَّ المُنافِقينَ لا يَذْكُرونَ اللهَ إلَّا قَلِيلًا.
قيل 4: فما هم؟ قال: هم قَوْمٌ أصَابَتْهُم فِتْنَةٌ، فعَمُوا فيها وصمُّوا، وبَغَوْا علينا، وقاتَلُونا فقَتَلْناهُم 5. ولما جَرَحَه ابنُ مُلْجَمٍ، = والملحدين، وباب من ترك قتال الخوارج، من كتاب استتابة المرتدين.
صحيح البخاري 8/ 47، 9/ 21، 22. باب في قتال الخرارج، من كتاب السنة.
سنن أبي داود 2/ 544، 545. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 81، 92، 113، 131.

..................................  قال للحسنِ: أحْسِنُوا إسَارَه، وإن عِشْتُ فأنا وَلِيُّ دَمِي، وإن مِتُّ فضَرْبَةٌ كضَرْبَتِي.
وهذا رَأْيُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ فيهم، وكثير مِن العُلَماءِ.
وقال شيخُنا 1، رَحِمَه اللهُ: والصَّحيحُ، إن شاءَ اللهُ تعالى، أنَّ الخَوارِجَ يجوزُ قَتْلُهم [ابْتِداءً، والإِجازَةُ على جَرِيحِهم، لأمرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بقَتْلِهِم، ووَعْدِه بالثَّوابِ مَن قَتَلَهم] 2؛ فإن عليًّا، رَضِيَ اللهُ عنه، قال: لولا أنَّ تَبْطَرُوا 3 لحَدَّثْتُكُمْ بما وَعَدَ اللهُ الذين يَقْتُلونهم على لسانِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - 4. ولأنَّ بدْعَتَهم، وسُوءَ فِعْلِهم، يَقْتَضِي حِلَّ دِمَائِهم؛ بدَليلِ ما أخْبَرَ به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، مِنْ عِظَمِ ذَنْبِهم، وأنَّهم شَرُّ الخَلْقِ والخَلِيقَةِ، وأنَّهم يَمْرُقونَ من الدِّينَ، وأنَّهم كِلابُ النَّارِ، وحَثِّه على قِتالِهم، وإخْبارِه بأنَّه لو أدْرَكَهم لقَتَلَهم قَتْلَ عادٍ، فلا يجوزُ إلْحاقُهم بمَن أمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالكَفِّ عنهم، وتَوَرَّعَ كثيرٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن قِتالِهم، ولا بِدْعَةَ فيهم.
الصِّنفُ الرابعُ: قَوْمٌ من أهلِ الحَقِّ يَخْرُجونَ عن قَبْضَةِ الإِمامِ، ويَرومُونَ خَلْعَه لَتَأْويل سائِغ، وفيهم مَنَعَةٌ يَحْتاجُ في كَفِّهم إلى جَمْعِ الجيشِ، فهؤلاءِ البُغَاةُ الذين نَذْكرُ في هذا البابِ حُكْمَهم.
وجملةُ الأمْرِ، أنَّ مَن اتَّفَقَ المسلمونَ على إمامَتِه وبَيعَتِه، ثَبَتَتْ إمامَتُه، ووَجَبَتْ مَعُونَتُه؛

وَعَلَى الإمَامِ أَنْ يُرَاسِلَهُمْ، وَيَسْأَلَهُمْ مَا يَنْقِمُونَ مِنْهُ، وَيُزِيلَ مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ مَظْلِمَةٍ، وَيَكْشِفَ مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ شُبْهَةٍ، فَإِنْ فَاءُوا  لِما ذَكَرْنا مِن النَّصِّ في أوَّلِ الباب مع الإِجْماعِ على ذلك.
وفي مَعْناه، مَن ثَبَتَتْ إمامَتُه بعَهْدٍ مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أو بعَهْدِ إمام قبلَه إليه، فإنَّ أبا بكرٍ، رَضِيَ اللهُ عنه، ثَبَتَتْ إمامَتُه بإجْماعِ الصحابةِ على بَيعَتِه، وعِمرَ ثَبَتَت إمامَتُه بعَهْدِ أبي بكرٍ إليه، وإجْماعِ الصحابةِ على قَبولِه.
ولو خرَج رجلٌ على إمام، فقَهَرَه، وغَلَب الناسَ بسَيفِه حتى أقَرُّوا له، وأذْعَنُوا بطاعَتِه، وبَايَعُوه صارَ إمامًا يَحْرُمُ قِتالُه، والخرُوجُ عليه؛ فإنَّ عبدَ الملكِ بنَ مَرْوانَ، خرَج على ابنِ الزُّبَيرِ، وقَتَلَه، واسْتَوْلَى على البلادِ وأهْلِها، حتى بايَعُوه طَوْعًا وكَرْهًا، وصارَ إمامًا يَحْرُمُ الخُرُوجُ عليه؛ وذلك لِما في الخُروجِ عليه من شَقِّ عَصَا المسلمين، وإراقَةِ دِمائِهم، وذَهابِ أمْوالِهم، ويَدْخل الخارجُ عليه في عُمُومِ قولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «مَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي، وهُمْ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ بالسَّيفِ، كَائِنًا مَنْ كَانَ» (1). فَمَن خَرَج على مَن ثَبَتَتْ إمامَتُه بأحدِ هذه الوُجُوهِ باغِيًا، وَجَبَ قِتالُه.

4552 -

مسألة: (وعلى الإِمامِ أنَّ يُرَاسِلَهم، ويَسْأَلهُمْ ما يَنْقِمُون منه، ويُزِيلَ ما يَذْكُرُونَه من مَظْلِمَةٍ، ويَكْشِفَ ما يَدَّعُونَه مِنْ شُبْهَةٍ،

1

وَإِلَّا قَاتَلَهُمْ.
فإن فَاءُوا وإلَّا قاتَلَهم) وجملةُ ذلك، أنَّ الإِمامَ لا يجوزُ له قِتالُهم حتى يَبْعَثَ إليهم مَن يَسْألهم، ويَكْشِفُ لهم الصَّوابَ، إلَّا أنَّ يَخافَ كَلَبَهم 1، فلا يُمْكِنُ ذلك في حَقهم.
فأمَّا إن أمْكَنَ تَعْرِيفُهم، عَرَّفَهم ذلك، وأزال ما يَذْكُرُونَه من المَظالِمِ، وأزال حُجَجَهم، فإنْ لَجُّوا، قَاتَلَهم حينَئذٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالى بَدَأَ بالأَمرِ بالإِصلاحِ قبلَ القِتالِ، فقال سبحانَه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ 2. ورُوِيَ أنَّ عليًّا،

..................................  رَضِيَ اللهُ عنه، راسَلَ أهْلَ البَصْرَةِ قبلَ وَقْعَةِ الجملِ، ثم أمَرَ أصحابَه أنَّ لا يَبْدأُوهم بالقتالِ، ثم قال: إنَّ هذا يَوْمٌ مَن فَلَجَ 1 فيه فَلَجَ يَوْمَ القِيامةِ.
ثم سَمِعَهم يقولون: اللهُ أكبرُ، يا ثَارَاتِ عُثمانَ.
فقال: اللَّهُمَّ أكِبَّ قَتَلَةَ عُثمانَ لوُجُوهِهم 2. وروَى عبدُ اللهِ بنُ شَدَّادِ بنِ الهادِ 3، أنَّ عليًّا لمَّا اعْتَزَلَتْه الحَرُورِيَّةُ 4، بَعَث إليهم عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ، فواضَعُوه كتابَ اللهِ ثلاثةَ أيَّامٍ، فرَجَعَ منهم أرْبَعَةُ آلافٍ 5.

جارٍ التحميل