الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 165-207

كِتَابُ الْعِدَدِ

صفحات 165-207

وأمَّا الْمَبْتُوتَةُ فَلَا تَجِبُ عَلَيهَا الْعِدَّةُ فِي مَنْزِلِهِ، وَتَعْتَدُّ حَيثُ شَاءَتْ.
نصَّ عَلَيهِ.
واحْتَمَلَ أن تَلْزَمَها العِدَّةُ في مَنْزِلِها؛ لأنَّها أسْبَقُ، ولأنَّها فَرَّطَتْ وغَلَّظَتْ على نَفْسِها، فإذا قَضَتِ العِدَّةَ، وأمْكَنَها [السَّفَرُ إلى] (1) الحجِّ، لَزِمَها ذلك، فإن أدْرَكَتْه، وإلَّا تَحَلَّلَتْ بعُمْرَةٍ، وحُكْمُها في القَضاءِ حكمُ مَن فاتَه الحجُّ.
وإن لم يُمْكِنْها السَّفَرُ، فهي كالمُحْصَرَةِ التي يَمْنَعُها زَوْجُها مِن السَّفَرِ.
وحُكْمُ الإِحْرامِ بالعُمْرَةِ كذلك، إذا خِيفَ فواتُ الرُّفْقةِ أو لم يُخَفْ.

3893 -

مسألة: (وأمَّا المَبْتُوتَةُ فلا تَجِبُ عليها العِدَّةُ في مَنْزِلِه، وتَعْتَدُّ حيثُ شَاءتْ. نَصَّ عليه)

قال أصْحابُنا: لا يَتَعَيَّنُ الموْضِعُ الذي1

..................................  تَسْكُنُه المْبْتُوتَةُ في الطَّلاقِ، سَواءٌ قُلْنا: لها 1 السُّكْنَى.
أو لم نَقُلْ، بل يتَخَيَّرُ الزَّوجُ بينَ إقْرارِها في مَوْضِعِ طَلاقِها، وبينَ نَقْلِها إلى مَسْكَنِ مِثْلِها؛ لحديثِ فاطمةَ بنتِ قَيسٍ 2، يُذْكرُ في بابِ 3 النَّفَقاتِ إن شاء اللهُ تعالى.
والمُسْتَحَبُّ إقْرارُها؛ لقولِه سبحانه: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.ولأنَّ فيه خُروجًا مِن الخِلافِ، فإنَّ الذين يَرَوْنَ لها السُّكْنَى يُوجِبون عليها الاعْتِدادَ في مَنْزِلِها.
فإن كانت 4 في بَيتٍ يَمْلِكُ الزوجُ سُكْناه، يَصْلُحُ لمِثْلِها، اعْتَدَّت فيه، فإن ضاق عليهما 5، انْتَقَلَ عنها؛ لأنَّه يُسْتَحَبُّ سُكْناها في البيتِ الذي طَلَّقَها فيه، وإنِ اتَّسَعَ الموضعُ لهما، وأمْكَنَها السُّكْنَى في موضعٍ مُنْفَرِدٍ، كالحُجْرَةِ وعُلْو الدارِ، وبينَهما بابٌ مُغْلَقٌ، جازَ، وسَكَنَ الزوجُ في الباقي، [كالحُجْرَتَين المُتَجاورَتَين] 6، وإن لم يكنْ بينَهما بابٌ مُغْلَقٌ،

..................................  لكن لها موضعٌ تَسْتَتِرُ فيه، بحيثُ لا يَراها، ومعها مَحْرَمٌ تَتَحَفَّظُ به، جاز، وتَرْكُه أَوْلَى، ولا يجوزُ مع عَدَمِ المَحْرَمِ؛ لأنَّ الخَلْوَةَ بالأجْنَبِيَّةِ مُحَرَّمَةٌ.
وإنِ امْتَنَعَ مِن إسْكانِها، وكانت ممَّن لها عليه السُّكْنَى، أجْبَرَهُ الحاكمُ، فإن لم يكنْ ثَمَّ حاكمٌ، رجَعَتْ على الزوجِ، وإن وُجِدَ الحاكمُ، ففي رُجُوعِها رِوايتان.
فإن كان الزوجُ حاضِرًا ولم يَمْنَعْها المَسْكَنَ، فاكْتَرَتْ لنَفْسِها مَسْكَنًا، أو سَكَنَتْ في موضع تَمْلِكُه، لم تَرْجِعْ؛ لأنَّها تَبَرَّعَتْ بذلك.
وإن عَجَزَ الزَّوْجُ عن إسْكانِها؛ لِعُسْرَتِه، أو غَيبَتِه، أو امْتَنَعَ منه مع القُدْرَةِ، سَكَنَتْ حيثُ شاءتْ.
واللهُ أعلمُ.

بَابٌ فِي استِبْرَاءِ الْإِمَاءِ

وَيَجِبُ الاسْتِبْرَاءُ فِي ثَلَاثةِ مَوَاضِعَ؛ أحَدُهَا، إِذَا مَلَكَ أمَةً، لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا وَلَا الاسْتِمْتَاعُ بِهَا بِمُبَاشَرَةٍ وَلَا قُبْلَةٍ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا، إلا المَسْبِيَّةَ، هَلْ لَهُ الاسْتِمْتَاعُ بِهَا فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ،  بابٌ في استِبْراءِ الإِماءِ (ويجبُ الاسْتِبْراءُ في ثلاثةِ مواضعَ؛ أحدُها، إذا مَلَكَ أمَةً، لم يَحِلَّ له وَطْؤُها ولا الاسْتِمْتاعُ بها بمُباشَرَةٍ أو قُبْلَةٍ حتى يَسْتَبْرِئَها، إلَّا المَسْبِيَّةَ، هل له الاسْتِمْتاعُ منها بما دُونَ الفَرْجِ؟ على رِوايَتَين) مَن مَلَكَ أمَةً بسَبَبٍ مِن أسْبابِ المِلْكِ؛ كالبيعِ، والهِبَةِ، والإِرْثِ، وغيرِ ذلك، لم يَحِلَّ له وَطْؤُها حتى يَسْتَبْرِئَها، بِكْرًا كانت أو ثَيِّبًا، صَغِيرةً أو كبيرةً، ممَّن تَحْمِلُ أو ممَّن 1 لا تَحْمِلُ.
هذا قولُ الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، وأكثرِ

..................................  أهلِ العِلْمِ؛ منهم مالكٌ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْي.
وقال ابنُ عمرَ: لا يجبُ اسْتِبْراءُ البِكْرِ.
وهو قولُ داودَ؛ لأنَّ الغَرَضَ بالاسْتِبْراءِ مَعْرِفَةُ بَراءَتِها مِن الحَمْلِ، وهذا مَعْلُومٌ في البِكْرِ، فلا حاجةَ إلى الاسْتِبْراء.
وقال اللَّيثُ: إن كانتْ ممَّن لا يَحْمِلُ مِثْلُها، لم يَجِبِ اسْتِبْراؤُها [لذلك.
وقال عثمانُ البَتِّيُّ: يجبُ الاسْتِبْراءُ على البائعِ دونَ المُشْتَرِي؛ لأنَّه لو زَوَّجَها، لكان الاسْتِبْراءُ] 1 على السَّيِّدِ دونَ الزَّوْجِ، كذلك ههُنا.
ولَنا، ما روَى أبو سعيدٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عامَ أوْطَاسٍ أن تُوطَأ حامِلٌ حتى تَضَعَ، ولا غيرُ حامِلٍ حتى تَحِيضَ.
روَاه أحمدُ في «المسندِ» 2. وعن رُوَيفِعِ بنِ ثابتٍ، قال: إنَّنِي لا أقولُ إلَّا ما سَمِعْتُ مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، سمِعْتُه يقولُ: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ، أنْ يَقَعَ عَلَى امْرَأةٍ مِنَ السَّبْي حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بحَيضَةٍ».
رواه أبو داودَ 3. وفي لفظٍ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ حُنَينٍ يقولُ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْم الآخِرِ، [فَلَا يَسْقِ مَاءَه زَرْعَ غَيرِه، ومَنْ كان يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ] (1)، فَلَا يَطَأْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْي

..................................  حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بحَيضَةٍ».
رواه الأثْرَمُ 1. ولأنَّه مَلَكَ جارِيةً مُحَرَّمَةً عليه، فلم تَحِلَّ له قبلَ اسْتِبْرائِها، كالثَّيِّبِ 2 التي تَحْمِلُ، ولأنَّه سَبَبٌ وَجَبَ للاسْتِبْراءِ، فلم تَفْتَرِقِ الحالُ فيه بينَ البِكْرِ والثَّيِّبِ، والتي تَحْمِلُ والتي لا تَحْمِلُ، كالعِدَّةِ.
قال أبو عبدِ اللهِ: قد بَلَغَنِي أنَّ العَذْراءَ تَحْمِلُ.
فقال له بعضُ أهْلِ المجْلِسِ: نعم، قد كان في جِيرانِنا.
وذَكَره بعضُ أصْحابِ الشافعيِّ.
وما ذكَرُوه يَبْطُلُ بما إذا اشْتَراها مِن امرأةٍ أو صَبِيٍّ، أو مَن تَحْرُمُ عليه برَضاعٍ أو غيرِه، وما ذكَرَه البَتِّيُّ 3 لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المِلْكَ قد يكونُ بالسَّبْي والإرْثِ والوَصِيَّةِ، فلو لم يَسْتَبْرِئْها المُشتَرِي، أفْضَى إلى اخْتِلاطِ المِياهِ، واشْتِباهِ الأنْسابِ.
والفَرْقُ بينَ البَيعِ والتَّزْويجِ، أنَّ التزويجَ لا يُرادُ إلَّا للاسْتِمْتاعِ، فلا يجوزُ إلَّا في مَن تَحِلُّ له، فوَجَبَ أن يتقَدَّمَه الاسْتِبْراءُ، ولهذا لا يَصِحُّ تَزْويجُ مُعْتَدَّةٍ، ولا مُرْتَدَّةٍ، ولا مَجُوسِيَّةٍ، ولا وَثَنِيَّةٍ، ولا مُحَرَّمَةٍ بالرَّضاعِ ولا المُصاهَرَةِ، والبيعُ يُرادُ لغيرِ ذلك، فصَحَّ قبلَ الاسْتِبْراءِ، ولهذا صَحَّ في هذه المُحَرَّماتِ، ووَجَبَ الاسْتِبْراءُ على المُشْتَرِي؛ لِما ذَكَرْناه.

..................................

3894 - مسألة: وَيَحْرُمُ الاسْتِمْتاعُ منها

1 بالقُبْلَةِ والنَّظَرِ لِشَهْوَةٍ، والاسْتِمْتاعُ بها فيما دُونَ الفَرْجِ إذا لم تَكُنْ مَسْبِيَّةً، روايةً واحدةً.
وقال الحسنُ: لا يَحْرُمُ مِن المُسْتَبْرأةِ إلا فَرْجُها، وله أن يَسْتَمْتِعَ منها بما شاءَ، ما لم يَمَسَّ، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما نَهَى عن الوَطْءِ، ولأنَّه تَحْرِيمٌ للوَطْءِ مع ثُبُوتِ المِلْكِ، فاختَصَّ بالفَرْجِ، كالحَيضِ.
ولَنا، أنَّه اسْتِبْراءٌ يُحَرِّمُ الوَطْءَ، فحرَّمَ الاسْتِمْتاعَ، كالعِدَّةِ، ولأنَّه لا يَأْمَنُ مِن 2 كَوْنِها حامِلًا مِن بائِعِها، فتكونُ أُمَّ ولَدٍ، فلا يَصِحُّ بَيعُها، فيكونُ مُسْتَمْتِعًا بأُمِّ ولَدِ غيرِه، وبهذا فارَقَ الحائِضَ.
فأمَّا المَسْبِيَّةُ، ففيها روايتان؛ إحداهما، تَحْريمُ مُباشَرَتِها.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ.
وهو الظَّاهِرُ عن أحمدَ، إذا كان لشَهْوَةٍ، قِياسًا على العِدَّةِ، ولأنَّه داعِيَةٌ إلى الوَطْءِ

..................................  المُحَرَّمِ المُفْضِي إلى اخْتِلاطِ المِياهِ، واشْتِباهِ الأنْسابِ، فأشْبَهَتِ المَبِيعةَ 1. والرِّوايةُ الثانيةُ، لا يَحْرُمُ؛ لِما رُوِيَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه قال: وقَعَ في سَهْمِي يومَ جَلُولاءَ 2 جارِيةٌ، كأنَّ عُنُقَها إِبْرِيقُ فِضَّةٍ، فما مَلَكْتُ نَفْسِي أن قُمْتُ إليها فَقَبَّلْتُها والناسُ يَنْظُرون 3. ولأنَّه لا نَصَّ في المَسْبيَّةِ، ولا يَصِحُّ قِياسُها على المَبِيعَةِ؛ لأنَّها تَحْتَمِلُ أن تكونَ أمَّ ولَدٍ للبائِعِ، فيكونَ مُسْتَمْتِعًا بأُمِّ ولدِ غيرِه، ومُباشِرًا لمَمْلُوكةِ غيرِه، والمَسْبِيَّةُ مملوكةٌ له على كلِّ حالٍ، وإنَّما حَرُمَ وَطْوها لِئَلَّا يَسْقِيَ ماءَه زَرْعَ غيرِه.

سَوَاءٌ مَلَكَهَا مِنْ صَغِيرٍ أوْ كَبِيرٍ، أوْ رَجُلٍ أو امْرأةٍ.
وَإنْ أعتَقَهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا، لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكَاحُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا،

3895 - مسألة: (وسَواءٌ مَلَكَها مِن صَغِيرٍ أو كَبِيرٍ، أو رجلٍ أو امرأةٍ)

أو مَجْبُوبٍ (1)، أو مِن رَجُلٍ قد اسْتَبْرأها، ثم لم يَطَأها؛ لقولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا تُوطأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، ولا حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرأ بِحَيضَةٍ».
[ولأنَّه يجوزُ أن تكونَ حامِلًا مِن غيرِ البائعِ، فوَجَبَ اسْتِبْراؤُها، كالمَسْبِيَّةِ مِن امرأةٍ] (2). 3896 -

مسألة: (وإن أعْتَقَها قبلَ اسْتِبْرائِها، لم يَحِلَّ له نِكَاحُها

12

وَلَهَا نِكَاحُ غَيرِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ بَائِعُهَا يطَؤُهَا.
حتى يَسْتَبْرِئَها، ولها نِكاحُ غَيرِهِ إن لم يَكُنْ بائِعُها يَطَؤُها) إذا اشْتَرَى أمَةً، فأعْتَقَها قبلَ اسْتِبْرائِها، لم يَجُزْ أن يتزَوَّجَها [حتى يَسْتَبْرِئَها] 1. وبه قال الشافعيُّ.
وقال أصْحابُ الرَّأْي: له ذلك.
ويُرْوَى أنَّ الرَّشِيدَ اشْتَرى جارِيةً، فتاقَتْ نَفْسُه إلى جِماعِها قبلَ اسْتِبْرائِها، فَأمَرَه أبو يوسفَ أن يُعْتِقَها ويتزَوَّجَها ويَطَأَها.
قال أبو عبدِ اللهِ: وبَلَغَنِي أنَّ المَهْدِيَّ اشْتَرَى جارِيةً، فأعْجَبَتْه، فقيل له: أعْتِقْها وتزَوَّجْها.
قال أبو عبدِ اللهِ: ما أعْظَمَ هذا، أبْطَلُوا الكِتابَ والسُّنَّةَ، جَعَلَ اللهُ على الحَرائرِ العِدَّةَ مِن أجْلِ الحَمْلِ، فليس مِن امرأةٍ تُطَلَّقُ أو يَمُوتُ زَوْجُها إلَّا وتَعْتَدُّ مِن أجلِ الحَمْلِ، وسَنَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - اسْتِبْراءَ الأمَةِ بحَيضَةٍ مِن أجْلِ الحَمْلِ، ففَرْجٌ يُوطَأُ 2، يشْتَرِيه ثم يُعْتِقُها على المكانِ، ثم يتزَوَّجُها، فيَطَؤُها، يَطَؤُها 3 رجلٌ اليومَ ويطؤُها الآخَرُ غدًا، فإن كانت حامِلًا كيف يَصْنَعُ؟ هذا نَقْضُ الكتابِ والسُّنَّةِ، قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُوطَأُ الحَامِلُ حَتَّى تَضَعَ، ولَا غَيرُ الحَامِلِ حَتَّى تَحِيضَ».
وهذا لا يَدْرِي أهى حامِلٌ أم لا؟ ما أسْمَجَ هذا! قِيلَ له: إنَّ قَوْمًا يقولُون هذا.

..................................  فقال: قَبَّحَ الله هذا، وقَبَّحَ مَن يَقُولُه.
وفيما نَبَّه عليه أبو عبدِ الله مِن الأدِلَّةِ كِفايةٌ.
إذا ثَبَتَ هذا، فليس له تَزْويجُها لغيره قبلَ اسْتِبْرائِها، إذا لم يُعْتِقْها؛ لأنَّها ممَّن يَجِبُ اسْتِبْراؤُها، فلم يَجُزْ أن تتَزَوَّجَ، كالمُعْتَدَّةِ.
وسَواءٌ في ذلك المُشْتَراةُ 1 مِن رجل يَطَؤُها، أو مِن رجل قد اشْتَراها ثم لم يَطَأْها، أو ممَّن لا يُمْكِنُه الوَطْءُ، كالصَّبِيِّ والمَجْبُوبِ والمرأةِ.
وقال الشافعيُّ: إذا اشْتَراها ممَّن لا يَطَؤُها، فله تَزْويجُها، سَواءٌ أعْتَقَها أو لم يُعْتِقْها، وله أن يتَزَوَّجَها إذا أعْتَقَها؛ لأنَّها ليست فِراشًا، وقد كان لسَيِّدِها تزْويجُها قبلَ بَيعِها، فجازَ ذلك بعدَ بَيعِها، ولأنَّها لو عتَقَتْ على البائعِ بإعْتاقِه أو غيرِه، لجازَ لكلِّ أحَدٍ نِكاحُها، فكذلك إذا أعْتَقَها المُشْتَرِي.
ولَنا، عُمُومُ قولِه - عليه السلام -: «لَا تُوطَأُ حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأ بِحَيضَةٍ».

وَالصَّغِيرَةُ الَّتِي لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا، هَلْ يَجِبُ اسْتِبْرَاؤهَا؟ عَلَى وَجْهَينِ.
ولأنَّها أمَةٌ يَحْرُمُ عليه وَطْؤُها قبلَ اسْتِبْرائِها، فحَرُمَ عليه تَزْويجُها والتَّزَوُّجُ بها، كما لو كان بائِعُها يَطَؤُها.
فأمَّا إن أعْتَقَها في هذه الصُّورَةِ، فله تَزْويجُها لغيرِه؛ لأنَّها حُرَّةٌ لم تَكنْ فِراشًا، فأُبِيحَ لها النِّكاحُ، كما لو أعْتَقَها البائعُ، وفارَقَ المَوْطُوءَةَ، فإنَّها فِراشٌ يجبُ عليها اسْتِبْراءُ نَفْسِها، فَحَرُمَ عليها النِّكاحُ، كالمُعْتَدَّةِ، وفارَقَ ما إذا أراد سَيِّدُها نِكاحَها، فإنَّه لم يَكُنْ له وَطْؤُها بِمِلْكِ اليَمِينِ، فلم يكُنْ له أن يتزَوَّجَها، كالمُعْتَدَّةِ، ولأنَّ هذا يُتَّخَذُ حِيلَةً على إبْطالِ الاسْتِبْراءِ، فحَرُمَ، بخلافِ تَزْويجِها لغيرِه.

3897 -

مسألة: (والصَّغِيرَةُ التي لا يُوطَأُ مِثْلُها، هل يَجِبُ اسْتِبْراؤُها؟ على وَجْهَين)

أحَدُهما، يَجِبُ.
وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ،

..................................  في أكْثَرَ الرِّواياتِ عنه، فإنَّه قال: تُسْتَبْرأُ وإن كانت في المَهْدِ.
وتَجْرُمُ مُباشَرَتُها على هذه الرِّوايَةِ، كالكَبِيرَةِ؛ لأنَّ الاسْتِبْراءَ يجبُ عليها بالعِدَّةِ، كذلك هذا.
ورُوِيَ عنه أنَّه قال: إن كانت صغيرةً، [بأيِّ شيءٍ تُسْتَبْرأُ] 1 إذا كانت رضيعةً؟ وقال في رِوايةٍ أُخْرى: تُسْتَبْرأُ بحَيضَةٍ إن كانت تَحِيضُ، وإلَّا ثلاثةِ أشْهُرٍ إن كانت ممَّن يُوطَأُ ويَحْبَلُ.
فظاهِرُ هذا أنَّه لا يجبُ اسْتِبْراؤُها، ولا تَحْرُمُ مُباشَرَتُها.
وهذا اخْتيارُ ابنِ أبي مُوسى، وقولُ مالكٍ، وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ سَبَب الإباحَةِ مُتَحَقِّقٌ، وليس على تَحْريمِها دَلِيلٌ، فإنَّه لا نَصَّ فيه، ولا مَعْنى نَصٍّ، ولايرادُ لبَراءَةِ الرَّحِمِ، ولا يُوجَدُ الشُّغلُ في حَقِّها.

وَإنِ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ، أوْ عَجَزَتْ مُكَاتَبَتُهُ، أوْ فَكَّ أمَتَهُ مِنَ الرَّهْنَ،

3898 - مسألة: (وإنِ اشْتَرَى زَوْجَتَه)

لَم يَلْزَمْه اسْتِبْراؤُها؛ لأنَّها فِراشٌ له فلم يَلْزَمْه اسْتِبْراؤُها مِن مائِه، لكن يُسْتَحَبُّ ذلك؛ ليَعْلَمَ هل الولَدُ مِن النِّكاحِ ليكونَ عليه ولاءٌ له؛ لأنَّه عَتَقَ بمِلْكِه، ولا تَصير به الجاريةُ أُمَّ ولَدٍ، أو هو حادِثٌ في مِلْكِ يَمِينِه، فلا يكونُ عليه ولاءٌ، وتَصِيرُ به الأمَةُ أُمَّ ولَدٍ.
ومتى تَبَيَّنَ حَمْلُها فله وَطْؤُها، لأنَّه قد تَبَيَّنَ الحَمْلُ وزال (1) الاشْتِباهُ.
3899 -

مسألة: (أو عَجَزَتْ مُكاتَبَتُه)

حَلَّتْ لسَيِّدِها بغيرِ اسْتِبْراءٍ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وكذلك إنِ ارْتَدَّتْ أمَتُه، ثم أسْلَمَتْ، أو زَوَّجَ [الرجلُ أمَتَه] 2، فطَلَّقَها الزَّوْجُ، لم يَلْزَمِ السَّيِّدَ اسْتِبْراؤُها.
وقال الشافعيُّ: يجبُ عليه الاسْتِبْراءُ في هذا كلِّه؛ لأنَّه زال مِلْكُه عن اسْتِمْتاعِها ثم عاد، فأشْبَهَتِ المُشْتَراةَ.
ولَنا، أنَّه لم يتجدَّدْ مِلْكُه عليها، فأشْبَهَتِ المُحْرِمَةَ إذا حَلَّتْ.
(وإن فَكَّ أمَتَه مِن الرَّهْن) حَلَّتْ بغيرِ اسْتِبْراءٍ، بغيرِ خلافٍ، فكذلك هذا، ولأنَّ الاسْتِبْراءَ إنَّما شُرِعَ لمعْنًى مَظِنَّتُه تجْديدُ المِلْكِ، فلا يُشْرَعُ مع تَخَلُّفِ المَظِنَّةِ والمَعْنَى.1

أوْ أسْلَمَتِ الْمَجُوسِيَّةُ، أَو الْمُرْتَدَّةُ، أَو الْوَثَنِيَّةُ الَّتِي حَاضَتْ عِنْدَهُ، أوْ كَانَ هُوَ الْمُرْتَدَّ فَأَسْلَمَ، أو اشْتَرَى مُكَاتَبُهُ ذَوَاتِ رَحِمِهِ، فَحِضْنَ عِنْدَهُ، ثُمَّ عَجَزَ، أو اشْتَرَى عَبْدُهُ

3900 - مسألة: (أو أسْلَمَتْ)

أمَتُه (المَجُوسِيَّةُ، أو المُرْتَدَّةُ، أو الوَثَنِيَّةُ التي حاضَتْ عندَه، أو كان هو المُرْتَدَّ فأسْلَمَ) فهي حلال بغَيرِ اسْتِبْراءٍ.
إذا مَلَكَ مَجُوسِيَّةً، أو وَثَنِيَّةً، فأسْلَمَتْ قبلَ اسْتِبْرائِها، لم تَحِلَّ حتى يَسْتَبْرِئَها، أو تُتِمَّ ما بَقِيَ مِن اسْتِبْرائِها؛ لِمَا مَضَى.
فإنِ اسْتَبْرأها [ثم أسْلَمَتْ، حَلَّتْ بغيرِ اسْتبراءٍ.
وقال الشافعيُّ: لا تَحِلُّ حتى يُجَدِّدَ اسْتِبْراءَها] (1) بعدَ إسْلامِها؛ لأنَّ مِلْكَه تَجدَّدَ على اسْتِمْتاعِها، فأشْبَهَ مَن تَجَدَّدَ مِلْكُه على رَقَبَتِها.
ولَنا، قولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: «لَا تُوطَأُ حَائِلٌ حتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيضَةٍ».
وهذا وَرَدَ في سَبايا أوْطاسٍ، وهُنَّ مُشْرِكاتٌ، ولم يَأْمُرْ في حَقِّهِنَّ بأكْثَرَ مِن حَيضَةٍ، ولأنَّه لم يتَجَدَّدْ مِلْكُه عليها، ولا أصابَها وَطْءٌ مِن غيرِه، فلم يَلْزَمْه اسْتِبْراؤُها، كما لو حَلَّتِ المُحْرِمَةُ، ولأنَّ الاسْتِبْراءَ إنَّما وَجَبَ كَيلا يُفْضِيَ إلى اخْتِلاطِ المِياهِ واشْتِباهِ الأنْسابِ، ومَظنَّةُ ذلك تَجْديدُ المِلْكِ على رَقَبَتِها، ولم يُوجَدْ.
3901 -

مسألة: (أو اشْتَرَى مُكاتَبُه ذَواتِ رَحِمِه، فحِضْنَ

1

التَّاجِرُ أمَةً فَاسْتَبْرأهَا، ثُمَّ أخَذَهَا سَيِّدُهُ، حَلَّتْ بِغَيرِ اسْتِبْرَاءٍ.
عِنْدَه، ثم عَجَزَ، أو اشْتَرَى عَبْدُه التَّاجِرُ أمَةً، فاسْتَبْرأها، ثم أخَذَها سيِّدُه) منه، فإنَّها (تَحِلُّ بغَيرِ اسْتِبْراءٍ) [أمّا إذا اشْتَرى عبدُه التاجِرُ أمةً، فأخَذَها منه سيِّدُه بغيرِ اسْتِبْرائِها، فليس على السّيدِ اسْتِبْراؤُها] 1، لأنَّ مِلْكَه ثابِتٌ على ما في يَدِ عَبْدِه، فقد حَصَلَ اسْتِبْراؤُها في مِلْكِه.
وأمَّا إذا اشْتَرى مُكاتَبُه أمَةً، فاسْتَبْرأها 2، ثم صارت إلى سَيِّدِه ولم تَكُنْ مِن ذَواتِ رَحِمِ المُكاتَبِ، فعلى السَّيِّدِ اسْتِبْراؤُها، لأنَّ مِلْكَه تجَدَّدَ عليها، إذ ليس للسَّيِّدِ مِلْكٌ على 3 ما في يَدِ مُكاتَبِه.
فإن كانت مِن ذَواتِ مَحارِمِه، فإنَّها تُباحُ للسَّيِّدِ بغيرِ اسْتِبْراءٍ.
كذلك ذَكَرَه أصْحابُنا؛ لأنَّه يَصِيرُ حُكْمُها حكمَ المُكاتَبِ، إن رَقَّ رَقَّتْ، وإن عَتَقَ عَتَقَتْ، والمُكاتَبُ عبْدٌ ما بَقِيَ عليه دِرْهَمٌ.
فصل: فإن وَطِئَ الجاريةَ التي يَلْزَمُه اسْتِبْراؤُها قبلَ اسْتِبْرائِها، أثِمَ،

..................................  والاسْتِبْراءُ باقٍ بحالِه؛ لأنَّه حَقٌّ عليه، فلا يَسْقُطُ بعُدْوانِه، فإن لم تَعْلَقْ منه، اسْتَبْرأها بما كان يَسْتَبْرِئُها به قبلَ الوَطْءِ، وتَبْنِي على ما مَضَى مِن الاسْتِبْراء، وإن عَلِقَتْ منه، فمتى وضَعَتْ حَمْلَها، اسْتَبْرأها بحَيضَةٍ، ولا يَحِلُّ له الاسْتِمْتاعُ بها في حالِ حَمْلِها؛ لأنَّه لم يَسْتَبْرِئْها.
وإن وَطِئَها وهي حامِلٌ حَمْلًا كان موْجودًا حينَ البَيعِ مِن غيرِ البائعِ، فمتى وضَعَتْ حَمْلَها انْقَضَى اسْتِبْراؤُها.
قال أحمدُ: ولا يَلْحَقُ بالمُشْتَرِي، ولا يَبِيعُه، ولكن يُعْتِقُه؛ لأنَّه قد شَرِكَ فيه؛ لأنَّ الماءَ يَزِيدُ في الولَدِ.
وقد روَى أبو داودَ 1 بإسْنادِه عن أبي الدَّرْداءِ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه مَرَّ بامرأةٍ مُجِحٍّ، على بابِـ 2 فُسْطاطٍ، فقال: «لَعَلَّه يُرِيدُ أن يُلِمَّ بِهَا؟».
قالوا: نعم.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ ألْعَنَهُ لَعْنًا يَدْخُلُ معه قَبْرَه، كَيفَ يُوَرِّثُه وهو لا يَحِلُّ لَهُ، أو كَيفَ يَسْتَخْدِمُهُ وهُوَ لا يَحِلُّ لَهُ!».
ومعْناه أنَّه إنِ اسْتَلْحَقَه وشَرَّكَه في مِيراثِه، لم يَحِلَّ له؛ لأنَّه ليس بوَلَدِه، وإنِ اتَّخَذَه مَمْلُوكًا له، لم يَحِلَّ له 3؛ لأنَّه قد شَرِكَ فيه، لِكَوْنِ الماءِ يَزيدُ في الولَدِ.
وعن ابنِ عباسٍ قال: نَهَى رسولُ

وَإنْ وُجدَ الاسْتِبْرَاءُ فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، أجْزأَ.
وَيَحْتَمِلُ ألا يُجْزِئَ.
اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن وَطْءِ الحَبَالى حتى يَضَعْنَ ما في بُطُونِهِن.
رواه النَّسَائِيُّ (1).

3902 -

مسألة: (وإن وُجِدَ الاسْتِبْراءُ في يَدِ البائِعِ قَبْلَ القَبْضِ، أجْزَأ. ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْزِئَ)

[لا يكونُ الاسْتِبْراءُ إلَّا] 2 بعدَ مِلْكِ المُشْتَرِي لجميعِ الأمَةِ، فلو مَلَكَ بعْضَها، ثم مَلَكَ بَاقِيَها، لم يُحْتَسَبْ الاسْتِبْراءُ إلَّا مِن حينَ مَلَكَ بَاقِيَها.
فإن مَلَكَها ببَيعٍ فيه الخِيارُ، انْبَنَى على نَقْلِ المِلْكِ في مُدَّتِه، فإن قُلْنا: يَنْتَقِلُ.
فابْتِداءُ الاسْتِبْراءِ مِن حينِ البَيعِ.
وإن قُلْنا: لا يَنْتَقِلُ.
فابْتِداؤُه مِن حينَ انْقَطَعَ الخِيارُ.
وإن كان المَبِيعُ مَعِيبًا، فابْتِداؤُه مِن حينِ البيعِ؛ لأنَّ العَيبَ 3 لا يَمْنَعُ نَقْلَ1

..................................  المِلْكِ، بغيرِ خلافٍ.
فإنِ ابْتَدَأ الاسْتِبْراءَ بعدَ البَيعِ، [وقبلَ القَبْض] 1، أجْزَأ، في أظْهَرٍ الوَجْهَين؛ لأنَّ المِلْكَ يَنْتَقِلُ به.
والثاني، لا يُجْزِئُ؛ لأنَّ القَصْدَ مَعْرِفةُ بَراءَتِها مِن ماءِ 2 البائعِ، ولا يَحْصُلُ ذلك مع كَوْنِها في يَدِه.

وَإنْ بَاعَ أَمتَهُ، ثُمَّ عَادَتْ إلَيهِ بِفَسْخٍ أَوْ غَيرِهِ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَجَبَ اسْتِبْرَاؤُهَا، وَإنْ كَانَ قَبْلَهُ، فَعَلَى رِوَايَتَينِ.

3903 - مسألة: (وإن باع أَمتَه، ثم عادَتْ إليه بفَسْخٍ أو غَيرِه بعدَ القَبْضِ، وَجَبَ اسْتِبْراؤُها، وإن كان قَبْلَه، فعلى رِوايَتَين)

أمَّا إذا عادتْ إليه بعدَ القَبْضِ وافْتِراقِهما، لَزِمَه اسْتِبْراؤُها؛ لأنَّه تَجْديدُ مِلْكٍ، سَواءٌ كان المُشْتَرِيَ لها رَجُلٌ أو امرأةٌ.
وإن كان ذلك قبلَ افْتِراقِهما، أو قبلَ غَيبَةِ المُشْتَرِي بالجاريةِ، فعليه الاسْتِبْراءُ أيضًا، في إحْدَى الرِّوايتَين.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه تَجْديدُ مِلْكٍ.
والثانيةُ، ليس عليه اسْتِبْراءٌ.

وَإنِ اشْتَرَى أَمَةً مُزَوَّجَةً، فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ، لَزِمَ اسْتِبْرَاؤُهَا، وَإنْ كَانَ بَعْدَهُ، لَمْ يَجِبْ فِي أَحدِ الْوَجْهَينِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ إذا تَقايَلا قبلَ القَبْضِ؛ لأنَّه لا فائدةَ في الاسْتِبْراءِ مع يَقِينَ البَراءَةِ.

3904 -

مسألة: (وإذا اشْتَرَى أمَةً مُزَوَّجَةً، فَطَلَّقَها الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُول، وَجَبَ اسْتِبْراؤُها)

نصَّ عليه أحمدُ، وقال: هذه حِيلَةٌ وضَعَها أهْلُ الرَّأْي، لابُدَّ مِن اسْتِبْراءٍ.
لأنَّها تَجَدَّدَ المِلْكُ فيها، ولم يَحْصُلِ اسْتِبْراؤُها في مِلْكِه، فلم تَحِلَّ بغيرِ اسْتِبْراءٍ، كما لو لم تكنْ مُزَوَّجَةً ولأنَّ إسْقاطَه ههُنا ذَرِيعَةٌ إلى إسْقاطِ الاسْتِبْراءِ (1) في حَقِّ مَنْ أرادَ إسْقاطَه، بأن يُزَوِّجَها عندَ بَيعِها، ثم يُطَلِّقَها زَوْجُها بعدَ تَمامِ البيعِ، والحِيَلُ حَرامٌ.
3905 -

مسألة: (وإن كان بَعْدَه، لم يَجِبْ في أحَدِ الوَجْهَين)

1

..................................  أمَّا إذا كان الزَّوْجُ دَخَلَ بها، ثم طَلَّقَها، فعليها العِدَّةُ، ولا يَلْزَمُ المُشْتَرِيَ اسْتِبْراؤُها؛ لأنَّ ذلك قد حصَلَ بالعِدَّةِ، ولأنَّها لو عَتَقَتْ لم يَجِبْ عليها مع العِدَّةِ اسْتِبْراءٌ، ولأنَّها قد اسْتَبْرأتْ نَفْسَها ممَّن كانت فِراشًا له، فأجْزَأ ذلك، كما لو اسْتَبْرأتْ نَفْسَها مِن سَيِّدِها إذا كانتْ خالِيَةً مِن زَوجٍ.
وإنِ اشْتَراها 1، وهي مُعْتَدَّةٌ مِن زَوْجِها، لم يجبْ عليه الاسْتِبْراءُ؛ لأنَّها لم تكنْ فِراشًا لِسَيِّدِها، وقد حَصَلَ الاسْتِبْراءُ مِن الزَّوْجِ بالعِدَّةِ، ولذلك لو عَتَقَتْ في هذه الحالِ، لم يجبْ عليها اسْتِبْراءٌ.
وقال أبو الخَطَّابِ في المُزَوَّجَةِ: هل يَدْخُلُ الاسْتِبْراءُ في العِدَّةِ؟ على وجْهَين.
وقال القاضي، في المُعْتَدَّةِ: يَلْزَمُ السَّيِّدَ اسْتِبْراؤها بعدَ قَضاءِ العِدَّةِ، ولا يتَداخَلان؛ لأنَّهما مِن رَجُلَين.
ومَفْهُومُ كلامِ أحمدَ ما ذكَرْناه أوَّلًا؛ لأنَّه عَلَّلَ فيما قبلَ الدُّخُولِ بأنَّها حِيلَةٌ وضَعَها أهْلُ الرَّأْي، ولا يُوجَدُ ذلك ههُنا، ولا يَصِحُّ قولُهم: إنَّ الاسْتِبْراءَ مِن رَجُلَين.
فإنَّ السَّيِّدَ ههُنا ليس له اسْتِبْراءٌ

الثَّانِي، إِذَا وَطِئَ أَمَتَهُ ثُمَّ أرَادَ تَزْويجَهَا، لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا، وَإنْ أَرَادَ بَيعَهَا، فَعَلَى رِوَايَتَينِ.
وَإنْ لَمْ يَطَأْهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِبْرَاؤُهَا فِي الْمَوْضِعَينِ.
فصل: إذا كانتِ الأمَةُ لرَجُلَين، فوَطِئاها، ثم باعاها لرجلٍ آخرَ، أجْزَأ اسْتِبْراءٌ واحدٌ؛ لأنَّه يحْصُلُ به مَعْرِفَةُ البَراءَةِ.
فإن قِيلَ: فلو أعْتَقاها ألْزَمْتُمُوها اسْتِبْراءَين.
قُلْنا: وُجوبُ الاسْتِبْراءِ في حَقِّ المُعْتَقَةِ مُعَلَّلٌ بالوَطْءِ، ولذلك لو أعْتَقَها وهي ممَّن لا يَطَؤُها، لم يَلْزَمْها اسْتِبْراءٌ، وقد وُجِدَ الوَطْءُ مِنْ اثْنَين، فَلَزِمَها حُكْمُ وَطْئِهما 1، وفي مسأَلَتِنا هو مُعَلَّلٌ بتَجْديدِ المِلْكِ لا غيرُ، ولهذا يجبُ 2 على المُشْتَرِي الاسْتِبْراءُ، سَواءٌ كان سَيِّدُها يَطَؤُها أو لم يكنْ، والمِلْكُ واحِدٌ، فوَجَبَ أن يتجَدَّدَ الاسْتِبْراءُ.
(الثاني، إذا وَطِئَ أمَتَه ثم أرادَ تَزْويجَها، لم يَجُزْ حتى يَسْتَبْرِئَها، وإن أرادَ بَيعَها، فعلى رِوايتَين) وإن لم يكنْ بائِعُها يَطَؤُها، لم يَجِبِ اسْتِبْراؤُها في الموْضِعَين.
أمَّا إذا أرادَ تَزْويجَها وكان يَطَؤُها، وجَبَ عليه اسْتِبْراؤُها

..................................  قبلَ تَزْويجِها، وجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ الزَّوْجَ لا يَلْزَمُه اسْتِبْراءٌ، فيُفْضِي إلى اخْتِلاطِ المياهِ، واشْتِباهِ الأنْسابِ.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، والشَّافعيِّ.
وقال أصْحابُ الرَّأي: ليس عليها اسْتِبْراءٌ؛ لأنَّ له بَيعَها، فكان له تَزْويجُها، كالتي لا يُصِيبُها.
وتَسْتَبْرِئُ بحيضَةٍ.
وقال عطاءٌ، وقتادةُ: عِدَّتُها حيضَتان كعِدَّةِ الأمَةِ المُطَلَّقَةِ.
ولَنا، أنَّها فِراشٌ لسَيِّدِها، فلم يَجُزْ أن تَنْتَقِلَ إلي فِراشِ غيرِه بغيرِ اسْتِبْراءٍ، كما لو مات عنها، ولأنَّها مَوْطُوءَةٌ وَطْأً له حُرْمَةٌ، فَلَزِمَه اسْتِبْراؤُها قبلَ التَّزْويجِ، كالمَوْطوءةِ بشُبْهَةٍ، ولأنَّه يُفْضِي إلى أن يَطَأَها سَيِّدُها اليومَ وزَوْجُها غدًا، فيُفْضِي إلى اخْتِلاطِ المِيَاهِ، وهذا لا يَحِلُّ، ويفارِقُ البَيعَ، فإنَّها لا تَصِيرُ للمُشْتَرِي فِراشًا حتى يَسْتَبْرِئَها، فلا يُفْضِي إلى اخْتِلاطِ المِيَاهِ، ولهذا يَصِحُّ بَيعُ المُزَوَّجَةِ والمُعْتَدَّةِ، بخلافِ تَزْويجِها، على أنَّ لنا في البيعِ مَنْعًا أيضًا، أنَّه لا يجوزُ.
فإن أراد بَيعَها، وكان 1 لا يَطَؤُها، أو كانت آيِسَةً، فليس

..................................  عليه اسْتِبْراؤُها، لكن يُسْتَحَبُّ ذلك؛ ليَعْلَمَ خُلُوَّها مِن الحَمْلِ، فيكونَ أحْوَطَ للمُشْتَرِي، وأقْطَعَ للنِّزاعِ.
قال أحمدُ: وإن كانت لامرأةٍ، فإنِّي أحبُّ أن لا تَبِيعَها حتى تسْتَبْرِئَها بحَيضَةٍ، فهو أحْوَطُ لها.
وإن كان يَطَؤُها، وكانت آيِسَةً، فليس عليه اسْتِبْراءٌ؛ لأنَّ انْتِفاءَ الحَمْلِ مَعْلُومٌ.
وإن كانت ممَّن تَحْمِلُ، وَجَبَ عليه اسْتِبْراؤُها، في أصَحِّ الرِّوايتَين.
وبه قال النَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ.
والثانيةُ، لا يَجِبُ عليه.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالِكٍ، والشافعيِّ؛ لأنَّ عبدَ الرَّحمنِ بنَ عَوْفٍ باعَ جاريةً كان يَطَؤُها قبلَ اسْتِبْرائها.
ولأنَّ الاسْتِبْراءَ على المُشْتَرِي، فلا يجبُ على البائعِ، ولأنَّ الاسْتِبْراءَ في حَقِّ الحُرَّةِ آكَدُ، ولا يجبُ قبلَ النكاحِ وبعدَه، كذلك لا يجبُ في الأمَةِ قبلَ البَيعِ وبعدَه.
ولَنا، أنَّ عمرَ أنْكَرَ على عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ بَيعَ جاريةٍ كان يَطَؤُها قبلَ اسْتِبْرائِها، فروَى عبدُ اللهِ بنُ عُبَيدِ

..................................  ابنِ عُمَيرٍ، قال: باعَ عبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ جاريةً كان يَقَعُ عليها قبلَ أن يَسْتَبْرِئَها، فظَهَرَ بها حَمْلٌ عندَ الذي اشْتَراها، فخاصَمُوه إلى عمرَ، فقال له عمرُ: كُنْتَ تَقَعُ عليها؟ قال: نعم.
قال: فبِعْتَها قبلَ أن تَسْتَبْرِئَها؟ قال: نعم.
قال: ما كُنْتَ لذلك [بخَلِيقٍ.
قال] 1: فدَعا القافةَ، فنَظَرُوا إليه، فألْحَقُوه به 2. ولأنَّه يجبُ على المُشْتَرِي الاسْتِبْراءُ لحِفْظِ مائِه، فكذلك البائعُ، ولأنَّه قبلَ الاسْتِبْراءِ مَشْكُوكٌ في صِحَّةِ البيعِ وجَوازِه؛ لاحْتِمالِ أن تكونَ أُمَّ وَلَدٍ، فيَجِبُ الاسْتِبْراءُ لإزالةِ الاحْتِمالِ، ولأنَّه قد يَشْتَرِيها مَن لا يَسْتَبْرِئُها، فيُفْضِي إلى اخْتِلاطِ المِياهِ، واشْتِباهِ الأنْسابِ.
فإن باع، فالبيعُ صحيحٌ في الظاهِرِ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدمُ الحملِ، ولأنَّ عمرَ وعبدَ الرحمنِ لم يَحْكُما بفَسادِ البيعِ في الأمَةِ التي باعَها قبلَ اسْتِبْرائِها، إلَّا بلَحاقِ الوَلَدِ به، ولو كان البيعُ باطِلًا قبلَ ذلك، لم يَحْتَجْ إلى ذلك.
قال شيخُنا 3: وذكرَ أصْحابُنا الرِّوايتَين في كلِّ أمَةٍ يَطؤُها، مِن غيرِ تَفْريقٍ بينَ الآيِسَةِ وغيرِها، والأوْلَى أنَّ ذلك لا يجبُ في الآيِسَةِ؛ لأنَّ عِلَّةَ الوُجوبِ احْتِمالُ الحملِ، وهو وَهْمٌ بعيدٌ، والأصْلُ عَدَمُه، فلا

..................................  يَثْبُتُ به حكمٌ بمُجَرَّدِه.
فصل: إذا اشْتَرَى جاريةً، فظَهَرَ بها حَمْلٌ، لم يَخْلُ مِن أحْوالٍ خمسةٍ؛ أحدُها، أن يكونَ البائعُ أقَرَّ بوَطْئِها عندَ البَيْعِ أو قبلَه، وأتَتْ بوَلَدٍ لدُونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ، أو يكونَ البائعُ ادَّعَى الوَلَدَ، فصَدَّقَه المُشْتَرِي، فإنَّ الولَدَ يكونُ للبائعِ، والجاريةُ أُمُّ وَلَدٍ له، والبيعُ باطِلٌ.
الثاني، أن يكونَ أحَدُهما اسْتَبْرأها 1، ثم أتَتْ بوَلَدٍ لأكثرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن حينَ وَطِئَها المُشْتَرِي، فالولَدُ للمُشْتَرِي، والجاريةُ أُمُّ وَلَدٍ له.
الحالُ الثالثُ، أن تَأْتِيَ به لأكثرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ بعدَ اسْتِبْراءِ أحَدِهما لها، ولأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ مُنْذُ وَطِئَها المُشْتَرِي، فلا يَلْحَقُ نَسَبُه بواحدٍ منهما، ويكونُ مِلْكًا للمُشْتَرِي، ولا يَمْلِكُ فَسْخَ البيعِ؛ لأنَّ الحملَ تَجَدَّدَ في مِلْكِه ظاهرًا، فإنِ ادَّعاه كُلُّ واحدٍ منهما، فهو للمُشْتَرِي؛ لأنَّه وُلِدَ في مِلْكِه مع احْتِمالِ كَوْنِه منه، وإنِ ادَّعاه البائعُ وحدَه، فصَدَّقَه المُشْتَرِي،

..................................  لَحِقَه، وكان البيعُ باطِلًا، وإن كَذَّبَه، فالقولُ قولُ المُشْتَرِي في مِلْكِ الوَلَدِ؛ لأنَّ المِلْكَ انْتَقَلَ إليه ظاهِرًا، فلا تُقْبَلُ دَعْوَى البائعِ فيما يُبْطِلُ حَقَّه، كما لو أقَرَّ بعدَ البيعِ أنَّ الجاريةَ مَغْصُوبةٌ أو مُعْتَقَةٌ.
وهل يَثْبُتُ نَسَبُ الولدِ مع البائعِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَثْبُتُ؛ لأنَّه نَفْعٌ للوَلَدِ مِن غيرِ ضَرَرٍ على المُشْتَرِي، فيُقْبَلُ قولُه فيه، كما لو أَقَرَّ لوَلَدِه بمالٍ.
والثاني، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا على المُشْتَرِي، فإنَّه لو أعْتَقَه كان أبوه أحَقَّ بمالِه منه مِيراثًا، ولذلك 1 لو أقرَّ عَبْدان كلُّ واحدٍ منهما بأُخُوَّةِ صاحِبِه 2، لم يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
الحالُ الرابعُ، أن تَأْتِيَ به بعدَ سِتَّةِ أشْهُرٍ منذُ وَطِئَها المُشْتَرِي وقبلَ اسْتِبْرائِها، فنَسَبُه لاحِقٌ بالمُشْتَرِي، فإنِ ادَّعاه البائعُ، فأقَرَّ له المُشْتَرِي، لَحِقَه، وبَطَلَ البيعُ، وإن كَذَّبَه، فالقولُ قولُ المُشْتَرِي.
وإنِ ادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما أنَّه مِن الآخَرِ، عُرِضَ على القافةِ، فأُلْحِقَ بمَن ألْحَقَتْه به؛ لحديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، ولأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ مِن كلِّ واحدٍ منهما.
فإن ألْحَقَتْه بهما لَحِقَ بهما، ويَنْبَغِي أن

الثَّالِثُ، إِذَا أعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ، أوْ أمَةً كَانَ يُصِيبُهَا، أوْ مَاتَ عَنْهَا، لَزِمَهَا اسْتِبْرَاءُ نَفْسِهَا، إلا أنْ تَكُونَ مُزَوَّجَةً أوْ مُعْتَدَّةً، فَلَا يَلْزَمُهَا اسْتِبْرَاءٌ.
يَبْطُلَ البيعُ، وتكونَ الجاريةُ أُمَّ ولَدٍ للبائِعِ؛ لأنَّا نَتَبَيَّنُ أنَّها كانت حامِلًا منه قبلَ بَيعِها.
الحالُ الخامسُ، أتَتْ به لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ منذُ باعَها، ولم يكنْ [أقَرَّ بوَطْئِها] 1، فالبيعُ صحيحٌ في الظاهرِ، والوَلَدُ مَمْلُوكٌ للمُشْتَرِي، فإنِ ادَّعاه البائعُ، فالحكمُ فيه كما ذكرْنا في الحالِ الثالثِ سواءً.
المَوْضِعُ (الثالثُ، إذا أعْتَقَ أُمَّ وَلَدِه، أو أمَتَه التي كان يُصِيبُها، أو مات عنها، لَزِمَها الاسْتِبْراءُ) لأنَّها صارتْ فِراشًا له، فلم تَحِلَّ لغيرِه قبلَ اسْتِبْرائِها؛ لئلَّا يُفْضِيَ إلى اخْتِلاطِ المِياهِ، واشْتِباهِ الأنْسابِ (إلَّا أن تكونَ مُزَوَّجَةً أو مُعْتَدَّةً، فلا يَلْزَمُها اسْتِبْراءٌ) وإذا زَوَّجَ أُمَّ ولَدِه، ثم مات، عتَقَتْ ولم يَلْزَمْها اسْتِبْراءٌ؛ لأنَّها مُحَرَّمةٌ على المَوْلَى، وليست له فِراشًا، وإنَّما

..................................  هي فِراشٌ للزَّوْجِ، فلم يَلْزَمْها الاسْتِبْراءُ ممَّن ليستْ له فِراشًا, ولأنَّه لم يُزَوِّجْها حتَّى اسْتَبْرأها، فإنَّه لا يَحِلُّ له تَزْويجُها قبلَ اسْتِبْرائِها، وفيه خِلافٌ ذَكَرْناه.
وكذلك إن أعْتَقَها، أو مات عن أمَةٍ كان يَطَؤُها، أو أعْتَقَها، فهي على ما ذَكَرْنا.
فإن زَوَّجَها فطَلَّقَها [الزَّوْجُ قبلَ دُخولِه بها، فلا عِدُّةَ عليها أَيضًا؛ لأنَّه لم يُوجدْ في حَقِّها ما يُوجِبُ الاسْتِبْراءَ، فإن طَلَّقَها] 1 بعدَ المسِيسِ، أو مات عنها قبلَ ذلك أو بعدَه، فعليها 2 عِدَّةُ حُرَّةٍ كاملةٌ؛ لأنَّها 3 قد صارت حُرُّةً في حالِ وُجوبِ العِدَّةِ عليها.
وإن مات سَيِّدُها وهي في عِدَّةِ الزَّوجِ، عَتَقَتْ، ولم يَلْزَمْها اسْتِبْراءٌ؛ لِما ذكَرْناه، ولأنَّه زال فِراشُه عنها قبلَ مَوْتِه، فلم يلزَمْها اسْتِبْراءٌ مِن أجلِه، كغيرِ أمِّ الولَدِ إذا باعَها ثم مات، وتَبْنِي على عِدَّةِ أمةٍ إن كان طَلاقُها بائِنًا، أو كانت مُتَوَفَّى عنها، وإن كانت رَجْعِيَّةً، بَنَتْ على عِدَّةِ حُرَّةٍ، على ما ذكَرْناه، وإن بانَتْ مِن الزَّوْجِ قبلَ الدُّخولِ بطَلاقٍ، أو بانتْ بمَوْتِ زَوْجِها، أو طَلاقِه بعدَ الدُّخولِ، فأتَمَّتْ عِدَّتَها، [ثم مات سَيِّدُها، فعليها الاسْتِبْراءُ؛ لأنَّها عادتْ إلى فِراشِه.
وقال أبو بكرٍ: لا يَلْزَمُها] (1) اسْتِبْراءٌ، إلَّا أن يَرُدَّها السَّيِّدُ إلى نَفْسِه؛ لأنَّ فِراشَه قد زال بتَزْويجِها، ولم يتَجَدَّدْ لها ما يَرُدُّها إليه، فأشْبَهَتِ الأمَةَ التي لم يَطَأها.

وَإنْ مَاتَ زَوْجُهَا وَسَيِّدُهَا، وَلَمْ يُعْلَمِ السَّابِقُ مِنْهُمَا، وَبَينَ مَوْتِهِمَا أقَلُّ مِنْ شَهْرَينِ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ، لَزِمَهَا بَعْدَ مَوْتِ الْآخِرِ مِنْهُمَا عِدَّةُ الْحُرَّةِ مِنَ الْوَفَاةِ حَسْبُ، وَإنْ كَانَ بَينَهُمَا أكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، أوْ جُهِلَتِ الْمُدَّةُ، لَزِمَهَا بَعْدَ مَوْتِ الْآخِرِ مِنْهُمَا أطْوَلُ الْأَمْرَينِ مِنْ عِدَّةِ الْحُرَّةِ أوْ الاسْتِبْرَاءِ.

3906 - مسألة: (وإن مات زَوْجُها وسَيِّدُها، ولم يُعْلَمِ السَّابِقُ منهما، وبينَ مَوْتِهما أقَلُّ مِن شَهْرَين وخَمْسَةِ أيَّامٍ، لَزِمَها بعدَ مَوْتِ الآخِرِ منهما عِدَّةُ حُرَّةٍ مِن الوَفَاةِ حَسْبُ)

وليس عليها اسْتِبْراءٌ؛ لأنَّ السَّيِّدَ إن كان مات أوَّلًا، فقد مات وهي زَوْجَةٌ، وإن كان مات آخِرًا فقد مات وهي مُعْتَدَّةٌ، وليس عليها اسْتِبْراءٌ في هاتَين الحالتَين، وعليها أن تَعْتَدَّ بعدَ مَوْتِ الآخِرِ منهما عِدَّةَ حُرَّةٍ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّ سَيِّدَها مات أوَّلًا، ثم مات زَوْجُها وهي حُرَّةٌ، فلَزِمَتْها عِدَّةُ الحرائِرِ، لتَخْرُجَ مِن العِدَّةِ بيَقِينٍ.
وكذلك على قولِ أبي بكرٍ؛ لأنَّه ليس عليها عِدَّةُ اسْتِبْراءٍ؛ لأنَّ فِراشَ سَيِّدِها قد زال عنها، ولم تَعُدْ إليه، فلَزِمَها عِدَّةُ حُرَّةٍ، لمَا ذكَرْنا.
3907 -

مسألة: (وإن كان بينَهما أكْثَرُ مِن ذلك، أو جُهِلَتِ المُدَّةُ)

فعليها (بعدَ مَوْتِ الآخِرِ منهما أطْوَلُ الأجَلَينِ) مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ، واسْتِبْراءٍ بِحَيضَةٍ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّ السَّيِّدَ مات أوَّلًا، فيكونُ عليها

..................................  عِدَّةُ الحُرَّةِ مِن الوَفاةِ، ويَحْتَمِلُ أنَّه مات آخِرًا بعدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها مِن الزَّوجِ، وعَوْدِها إلى فِراشِه، فوَجَبَ الجَمْعُ بينَهما، ليَسْقُطَ الفَرْضُ بيَقِينٍ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: وعلى هذا جميعُ القائِلينَ مِن العلماءِ بأنَّ عِدَّةَ أمِّ الولَدِ مِن سَيِّدِها حَيضَةٌ، ومِن زَوْجِها شَهْران وخمسُ ليالٍ.
وقولُ أصْحابِ الشافعيِّ في هذا الفَصْلِ كقَوْلِنا، وكذلك قولُ أبي حنيفةَ وأصْحابِه، إلَّا أنَّهم جَعَلُوا مكان الحَيضَةِ ثلاثَ حَيضاتٍ، بِناءً على أصْلِهِم في اسْتِبْراءِ أُمِّ الولَدِ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ 1: حُكْمُها حُكْمُ الإِماءِ، وعليها شَهْران وخمسةُ أيامٍ، ولا أنْقُلُها إلى حُكْمِ الحَرائِرِ إلَّا بإحاطَةِ أنَّ الزَّوجَ مات بعدَ المَوْلَى.
وقيل: إنَّ هذا قولُ أبي بكرٍ عبدِ العزيزِ أَيضًا.
والذي ذَكَرْناه أحْوَطُ.
فصل: فأمَّا المِيراثُ، فإنَّها لا تَرِثُ مِن زَوْجِها شَيئًا؛ لأنَّ الأصْلَ الرِّقُّ، والحُرِّيَّةُ مَشْكُوكٌ فيها، فلم تَرِثْ مع الشَّكِّ، والفَرْقُ بينَ العِدَّةِ والإرْثِ أنَّ إيجابَ العِدَّةِ عليها اسْتِظْهارٌ لا ضَرَرَ فيه على غيرِها، وإيجابَ

..................................  الإرْثِ إسْقاطٌ لحَقِّ غيرِها, ولأنَّ الأصْلَ تَحْرِيمُ النِّكاحِ عليها، فلا يزولُ إلَّا بيَقِينٍ، والأصْلُ عَدَمُ المِيراثِ لها، فلا يَزولُ إلَّا بيَقِينٍ.
فإن قيل: ألَيسَ زوجَةُ المَفْقُودِ لو [ماتت حَقَّقَ ميراثَها] 1 مع الشَّكِّ في إرْثِه؟ قُلْنا: الفَرْقُ بينَهما أنَّ الأصْلَ ههُنا الرِّقُّ، والشَّكُّ في زَوالِه وحُدُوثِ الحالِ التي تَرِثُ فيها، والمفْقُودُ الأصْلُ حياتُه، والشَّكُّ في مَوْتِه وخُرُوجِه عن كَوْنِه وارِثًا 2، فافْتَرقا.
فصل: فإن أعْتَقَ أُمَّ ولَدِه، أو أمَتَه التي كان يُصِيبُها، أو غيرَها 3 ممَّن تَحِلُّ له إصابَتُها، ثم أَرادَ أن يتَزَوَّجَها، فله ذلك في الحالِ مِن غيرِ اسْتِبْراءٍ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أعْتَقَ صَفِيَّةَ، وتزَوَّجَها، وجَعَل عِتْقَها صَداقَها 4. وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أجْرَهُمْ مَرَّتَينِ؛ رَجُلٌ كانَتْ له أمَةٌ، فأدَّبَهَا فأحْسَنَ تَأْدِيبَها، وعَلَّمَها فَأحْسَنَ تَعْلِيمَها، ثم أعْتَقَها وتَزَوَّجَها» 5. ولم يذْكرِ اسْتِبْراءً، ولأنَّ الاسْتِبراءَ لصيانةِ مائِه، وحِفْظِه 6 عن

..................................  الاخْتِلاطِ بماءِ غيرِه، ولا يُصانُ ماؤُه عن مائِه، ولهذا كان له أن يتَزَوَّجَ مُخْتَلِعَتَه في عِدَّتِها.
وقد رُوِيَ عن أَحْمد، في الأمَةِ التي لا يَطَؤُها: إذا أعْتَقَها لا يتَزَوَّجُها بغيرِ اسْتِبْراءٍ؛ لأنَّه لو با عَها لم تَحِلَّ للمُشْتَرِي بغيرِ اسْتِبْراءٍ.
والصَّحيحُ أنَّها تَحِلُّ 1 له؛ لأنّه يَحِلُّ له 2 وَطْؤُها بمِلْكِ اليَمِينِ، فكذلك بالنِّكاحِ، كالتي كان يُصِيبُها, ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أعْتقَ صَفِيَّةَ وتَزَوَّجَها، ولم يُنْقَلْ 3 أنَّه كان قد أصابَها، والحديثُ الآخرُ يَدُلُّ على حِلِّها له بظاهِرِه، لدُخُولِها في العُمُومِ، ولأنَّها تَحِلُّ لمَن يتزَوَّجُها سواه، فله أوْلَى، ولأنَّه لو اسْتَبْرأها، ثم أعْتَقَها ثم تزوَّجها في الحالِ، كان جائِزًا حسنًا، فكذلك هذه، فإنَّه تارِكٌ لوَطْئِها, ولأنَّ وُجُوبَ الاسْتِبْراءِ في حَقِّ غيرِه، إنَّما كان لِصيانةِ مائِه عن الاخْتِلاطِ بغيرِه، ولا يُوجَدُ ذلك ههُنا.
وكلامُ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، محْمولٌ على مَن اشْتَراها 4، ثم تزوَّجَها قبلَ اسْتِبْرائِها.
فصل: إذا كانت له أمَةٌ يطَؤُها، فاسْتَبْرأها، ثم أعْتَقَها, لم يَلْزَمْها اسْتِبْراءٌ؛ لأنَّها خَرَجَتْ عن كَوْنِها فِراشًا باسْتِبْرائِها.
وإن باعَها، فأعْتَقَها

وَإنِ اشْتَرَكَ رَجُلَانِ فِي وَطْءِ أَمَةٍ، لَزِمَهَا اسْتِبْرَاءَانِ.
المُشْتَرِي قبلَ وَطْئِها, لم تَحْتَجْ إلى اسْتِبْراءٍ لذلك.
وإن باعَها قبلَ اسْتِبْرائِها، فأعْتَقَها المُشتَرِي قبلَ وَطْئِها واسْتِبْرائِها، فعليها اسْتِبْراءُ نَفْسِها.
فإن مَضَى بعضُ (1) الاسْتِبْراءِ في مِلْكِ المُشْتَرِي، لَزِمَها إتْمامُه بعدَ عِتْقِها, ولا يَنْقَطِعُ بانْتِقالِ المِلْكِ فيها؛ لأنَّها لم تَصِرْ فِراشًا للمُشْتَرِي، ولم يَلْزَمْها اسْتِبْراءٌ بإعْتاقِه.

3908 -

مسألة: (وإنِ اشْتَرَكَ رَجُلان في وَطْءِ أمَةٍ، لَزِمَها اسْتِبْراءان)

[إذا كانتِ الأمةُ بينَ شَرِيكَين فوَطِئاها, لَزِمَها اسْتِبْراءان] 2. وقال أصْحابُ الشافعيِّ، في أحدِ الوَجْهَين: يَلْزَمُها اسْتِبْراءٌ واحِدٌ؛ لأنَّ القَصْدَ مَعْرِفَةُ بَراءَةِ الرَّحِمِ، ولذلك لا يجبُ اسْتِبْراء بأكثرَ مِن حَيضَةٍ واحدةٍ، وبَراءَةُ الرَّحِمِ تُعْلَمُ باسْتِبْراءٍ واحدٍ.
ولَنا، أنَّهما حَقَّان مَقْصُودان لآدَمِيَّين، فلم يتَداخَلا، كالعِدَّتَين، ولأنَّهما اسْتِبْراءان مِن رَجُلَين، فأشْبَها العِدَّتَين، وما ذكَرُوه يَبْطُلُ بالعِدَّتَين مِن رَجُلَين.1

فَصْلٌ: وَالاسْتِبْرَاءُ يَحْصُلُ بِوَضْعِ الْحَمْلِ إِنْ كَانَتْ حَامِلًا، أَوْ بِحَيضَةٍ إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ،  فصل: قال شيخُنا، رَحِمَه اللهُ: (والاسْتِبْراءُ يَحْصُلُ بوَضْعِ الحملِ إن كانت حامِلًا) ولا خِلافَ في ذلك بحمدِ اللهِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (1). وقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا» (2). ولأنَّ عِدَّةَ الحُرَّةِ والأمَةِ والمُتَوَفَّى عنها والمُطَلَّقةِ واسْتَبراءَ كلِّ أمةٍ إذا كانتْ حامِلًا بوَضْعِ حَمْلِها, ولأنَّ المَقْصُودَ مِن العِدَّةِ والاسْتِبْراءِ معرفةُ بَراءةِ الرَّحِمِ مِن الحَمْلِ (3)، وهذا يَحْصُلُ بوَضْعِه، ومتى كانت حامِلًا بأكْثَرَ مِن واحدٍ، فلا يَنْقَضِي اسْتِبْراؤُها حتَّى تَضَعَ آخِرَ حَمْلِها، على ما ذكَرْناه في المُعْتَدَّةِ.

3909 -

مسألة: (أو بحَيضَةٍ إن كانت مِمَّن تَحِيضُ)

وقد اخْتَلَفَ أهلُ العلمِ في أُمِّ الولَدِ إذا مات عنها سَيِّدُها ولم تكنْ حامِلًا، فالمَشْهورُ123

..................................  عن أحمدَ أنَّ اسْتِبْراءَها يَحْصُلُ بحَيضَةٍ.
رُوِيَ ذلك عن [ابنِ عمرَ] 1، وعثمانَ، وعائشةَ، والحسنِ، والشَّعْبِيِّ، والقاسمِ بنِ محمدٍ، وأبي قِلابةَ، ومالكٍ، والشافعيِّ، وأبي عُبَيدٍ، وأبي ثَوْرٍ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّها تَعْتَدُّ عِدَّةَ الوَفاةِ أرْبعةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا.
وهو قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وابنِ سِيرِينَ، وسعيدِ بنِ جُبَيرٍ، ومُجاهِدٍ، وخِلاسِ بنِ عمرٍو، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والزُّهْرِيِّ، والأوْزَاعِيِّ، وإسْحاقَ؛ لِما رُوِيَ عن عمرِو بنِ العاصِ، أنَّه قال: لا تُفْسِدُوا علينا سُنَّةَ نَبِيِّنا - صلى الله عليه وسلم -، عِدَّةُ أمِّ الولَدِ إذا تُوُفِّيَ عنها سَيِّدُها أرْبَعةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ.
روَاه أبو داودَ 2. ولأنَّها حُرَّة تَعْتَدُّ للوَفاةِ، فكانت عِدَّتُها أرْبَعةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا، كالزَّوْجةِ الحُرَّةِ.
وحَكَى أبو الخَطَّابِ رِوايةً ثالثةً، أنَّها تَعْتَدُّ شَهْرَين وخَمْسةَ أيَّامٍ.

..................................  قال شيخُنا 1: ولم أجِدْ هذه الرِّوايةَ عن أحمدَ في «الجامِعِ»، ولا أظُنُّها صحيحةً عن أحمدَ.
ورُوِيَ ذلك عن عطاءٍ، وطاوُسٍ، وقَتادةَ؛ لأنَّها حينَ الموتِ أَمَةٌ، فكانتْ عِدَّتُها عِدَّةَ الأمَةِ، كما لو مات رَجُلٌ عن زَوْجَتِه الأَمةِ، فعَتَقَتْ بعدَ مَوْتِه.
ويُرْوَى عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وعطاءٍ، والنَّخَعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْي، أنَّ عِدَّتَها ثَلاثُ حِيَضٍ؛ لأنَّها حُرَّةٌ تَسْتَبْرِئُ، فكان اسْتِبْراؤُها بثلاثِ حِيَضٍ، كالحُرَّةِ المُطَلَّقَةِ.
ولَنا، أنَّه اسْتِبْراءٌ لزَوالِ المِلْكِ عن الرَّقَبَةِ، فكان حَيضَةً في حَقِّ مَن تَحِيضُ، كسائرِ اسْتِبْراءِ المُعْتَقاتِ والمَمْلُوكاتِ، ولأنَّه اسْتِبْراءٌ لغيرِ الزَّوْجاتِ والمَوْطُوءاتِ بشُبْهةٍ 2 فأشْبَهَ ما ذكَرْنا.
قال القاسِمُ بنُ محمدٍ: سُبْحانَ اللهِ، يقولُ اللهُ تعالى في كتابِه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ 3. ما هُنَّ بأزْواجٍ.
وأمَّا حديثُ عمرِو بنِ العاصِ فضَعِيفٌ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 4: ضَعَّفَ أحمدُ، وأبو عُبَيدٍ حَدِيثَ عمرِو بنِ العاصِ.
وقال محمدُ بنُ موسى: سأَلتُ أَبا عبدِ اللهِ عن حديثِ عمرِو بنِ العاصِ، فقال: لا يَصِحُّ.
وقال المَيمُونِيُّ: رأيتُ أَبا عبدِ الله يِعْجَبُ مِن حديثِ عمرِو بنِ العاصِ هذا، [ثم قال] 5: أينَ سُنَّةُ النبيِّ

..................................  - صلى الله عليه وسلم - في هذا؟ وقال: أرْبَعةُ أشْهُرٍ وعشرٌ إنَّما هي عِدَّةُ الحُرَّةِ مِن النِّكاحِ، وإنَّما هذه أمَةٌ خَرَجَتْ مِن الرِّقِّ إلى الحُرِّيَّةِ.
ويَلْزَمُ مَن قال بهذا أن يُوَرِّثَها.
وليس لقول مَن قال: تَعْتَدُّ بثلاثِ حِيَضٍ.
وَجْهٌ، وإنَّما تَعْتَدُّ بذلك المُطَلَّقَةُ، وليست هذه مُطَلَّقةً، ولا في مَعْنى المُطَلَّقةِ.
وأمَّا قِياسُهم إيَّاها على الزَّوْجاتِ، فلَا يَصِحُّ؛ فإنَّها ليست زَوْجَةً، ولا في حُكْمِ الزَّوْجَةِ، ولا مُطَلَّقَةً، ولا في حُكْمِ المُطَلَّقَةِ.
فصل: ولا يَكْفِي في الاسْتِبْراءِ طُهْرٌ، ولا بعضُ حَيضَةٍ.
وهو قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
وقال بعضُ أصْحابِ مالكٍ: متى طَعَنَتْ في الحَيضَةِ، فقد تَمَّ اسْتِبْراؤُها.
وزَعَمَ أنَّه مذهبُ مالكٍ.
وقال الشافعيُّ، في أحدِ قولَيه: يَكْفِي طُهْرٌ واحِدٌ إذا [كان كامِلًا] 1، وهو أن يموتَ في حَيضِها، فإذا رأتِ الدَّمَ مِن الحَيضَةِ الثانيةِ، حَلَّتْ، وتَمَّ اسْتِبْراؤُها.
وهكذا الخلافُ في الاسْتِبْراء كلِّه، وبَنَوْا هذا على أنَّ القُرُوءَ الأطْهارُ، وهذا يَرُدُّه قولُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، ولَا حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيضَةٍ» 2. وقال رُوَيفِعُ بنُ ثابتٍ: سمِعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ يومَ خَيبَرَ: «مَنْ كان يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فَلَا يَطَأْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْي

..................................  حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيضَةٍ».
رَواه الأثْرَمُ 1. وهذا صَريحٌ فلا يُعَوّلُ على ما خالفَه.
ولأنَّ الواجِبَ الذي يَدُلُّ على البَراءَةِ هو الحَيضُ؛ لأنَّ الحامِلَ لا تَحِيضُ.
فأمَّا الطُّهْرُ فلا دَلالةَ فيه على البَراءَةِ، فلا يجوزُ أن يُعَوَّلَ في الاسْتِبْراء على ما لا دَلالةَ فيه 2 دون ما يدُلُّ عليه.
وبِناؤُهم قولَهم هذا على أنَّ القُروءَ الأطْهارُ، بِناءٌ للخِلافِ على الخِلَافِ، وليس ذلك بحُجَّةٍ، ثم لم يُمْكِنْهُم [بناءُ هذا على ذاك] 3 حتَّى خالفُوه، فجعَلُوا الطُّهْرَ الذي طَلَّقَهَا فيه قَرْءًا, ولم يجعَلُوا الطُّهْرَ الذي مات فيه سَيِّدُ أمِّ الولَدِ قَرْءًا، فخالفُوا الحَدِيثَ والمعنى.
فإن قالوا: إنَّ بعضَ الحَيضَةِ المُقْتَرِنَ بالطَّهْرِ يَدُلُّ على البَراءَةِ.
قُلْنا: فيكونُ الاعتمادُ حينَئِذٍ 4 على بعضِ الحَيضَةِ، وليس ذلك قَرْءًا 5 عندَ أحَدٍ 6. إذا تَقَرَّرَ هذا، فمات عنها وهي طاهِرٌ، فإذا طَهُرَتْ [مِن الحَيضَةِ المُسْتَقْبَلَةِ، حَلَّتْ، فإن كانت حائِضًا، لم تَعْتَدَّ ببَقِيَّةِ تِلك 7 الحَيضَةِ، ولكن متى طَهُرَتْ مِن الحَيضَةِ الثانيةِ] 8، حَلَّتْ؛ لأنَّ اسْتِبْراءَ هذه بحَيضَةٍ، فلا بُدَّ مِن حَيضَةٍ كاملةٍ.

جارٍ التحميل