..................................
الحَمام صَغِيرُ أوْلادِ الغنَمِ.
وفى فَرْخِ النَّعامَةِ حُوارٌ 1، وفيما عَداهما قِيمَة، إلَّا ما كان أكْبَرَ مِن الحَمامِ، ففيه ما نَذكُرُه مِن الخِلافِ في أُمَّهاتِه إن شاء اللهُ تعالى.
ولا يَحِلُّ لمُحْرِمٍ أكْلُ بَيْضِ الصَّيْدِ إذا كَسَرَه هو أو مُحْرِمٌ سِواه.
وإن كَسَرَه حَلالٌ فهو كلَحْمِ الصَّيْدِ، إن كان أخَذَه لأجْلِ المُحْرِمِ لم يُبْحْ أكْلُه، وإلَّا أُبِيحَ.
وإن كَسَر المُحْرِمُ بَيْضَ صَيْدٍ، لم يُحَرَّمْ على الحَلالِ؛ لأنَّ حِلَّهُ له لا يَقِفُ على كَسْرِه، ولا يُعْتَبَر له أهْلِيَّتُه، بل لو كَسَرَه مَجُوسِيٌّ أو وَثَنيُّ، أو بغيرِ تَسْمِيَةٍ، لم يحَرَّمْ، فأشْبَهَ قَطْعَ اللَّحْمِ وَطبْخَه.
وقال القاضى: يُحَرَّمُ على الحَلالِ أكْلُه، كالصَّيْدِ؛ لأنَّ كَسْرَه جَرَى مَجْرَى الذَّبْحِ، بدَلِيلِ حِلِّه للمُحْرِمِ بكَسْرِ الحَلالِ له، وتَحْرِيمِه عليه بِكَسرِ المُحْرِمِ.
فصل: وإن نَقَل بَيْضَ صَيْدٍ، فجَعَلَه تَحْتَ آخَرَ، أو تَرَك مع بَيْضِ الصيْدِ بَيْضًا آخَرَ، أو شَيْئًا، فنَفَرَ عن بَيْضِه حتى فَسَد، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّه تَلِف بسَبَبِه.
وإن صَحَّ وفَرَّخَ، فلا ضَمانَ عليه.
وإن باضَ الصَّيْدُ على فِراشِه، فنَقَلَه بِرفقٍ، ففسَدَ، ففيه وَجْهان؛ بناءً على الجَرادِ إذا انْفَرَشَ في طَرِيقهِ، وحُكْمُ بَيْضِ الجَرادِ حُكْمُ الجَرادِ، وكذلك بَيْضُ كلِّ حيَوانٍ حُكْمُه حُكْمُه؛ لأنَّه جُزءٌ منه أشْبَهَ الأصْلَ.
وانِ احْتَلَبَ لَبَنَ صَيْدٍ ففيه قِيمَتُه، كما لو حَلَب لَبَنَ حَيَوانٍ مَغْصُوبٍ.
وَلَا يَمْلِكُ الصَّيْدَ بِغَيْرِ الإِرْثِ.
وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُهُ بِهِ أيْضًا.
1202 - مسألة: (ولا يَمْلِكُ الصَّيدَ بغَيرِ الإِرْثِ. وقِيلَ: لا يَمْلِكُه 1 به أيضًا) لا يَمْلِكُ المُحْرِمُ الصَّيدَ ابْتداءً بالبَيْع ولا بالهِبَةِ، ونحْوِهما مِن الأسْبابِ، فإنَّ الصَّعْبَ بنَ جَثّامَةَ أهْدَى إلى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - حِمارًا وَحْشِيًّا، فرَدَّه عليه، وقال: «إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَّا أنَّا حُرُمٌ» 2. فإن أخَذَه بأحَدِ هذه الأسْبابِ، ثم تَلِف، فعليه جَزاؤه، وإن كان مَبِيعًا، فعليه القِيمَةُ لمالِكِه مع الجَزاءِ؛ لأنَّ مِلْكَه لم يَزُلْ عنه، وإن أخَذَه رَهْنًا، فلا شئَ عليه سِوَى الجَزاءِ؛ لأنَّه أمانَةٌ، فإن لم يَتْلَفْ فعليه رَدُّه إلى مالكِه،
..................................
فإن أرْسَلَه، فعليه ضَمانُه لمالِكِه، وليس عليه جَزاءٌ، وعليه رَدُّ المَبِيع أيْضًا.
ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه إرْسالُه، كما لو كان مَمْلُوكًا، ولأنَّه لا يَجُوزُ له إثْباتُ يَدِه المُشاهَدَةِ على الصَّيْدِ.
وهذا قولُ الشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ.
ولا يَسْتَرِدُّ المُحْرِمُ الصَّيْدَ الذى باعَهُ وهو حَلالٌ بخِيارٍ ولا عَيْبٍ في ثَمَنِه، ولا غيرِ ذلك؛ لأنَّه ابْتِداءُ مِلْكٍ على الصَّيْدِ، وهو مَمْنُوعٌ منه.
وإن رَدَّه المُشْتَرِى عليه بِعَيْبٍ أو خِيارٍ، فله ذلك؛ لأنَّ سَبَبَ الرَّدِّ مُحَقَّقٌ، ثم لا يَدْخُلُ في مِلْكِ المُحْرِمِ، ويَلْزَمُه إرْسالُه.
فصل: وإن وَرِثه المُحْرِمُ مَلَكَه 1؛ لأن المِلْكَ بالإِرْثِ ليس بفِعْلٍ مِن جِهتِه، وإنَّما يَدْخُلُ في مِلْكهِ حُكْمًا، اخْتارَ ذلك أو كَرِهَه، ولهذا يَدْخُلُ في مِلْكِ الصَّبِىِّ والمَجْنُونِ، ويَدْخُلُ به المُسْلِمُ في مِلْكِ الكافِرِ،
وَإِنْ أَمْسَكَ صَيْدًا حَتّي تَحَلَّلَ، ثُمَّ تَلِفَ أَوْ ذَبَحَهُ، ضَمِنَهُ، وَكَانَ مَيْتَةً.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَهُ أَكْلُهُ.
فجَرَى مَجْرَى الاسْتِدامَةِ.
وقِيلَ: لا يَمْلِكُ به أيضًا؛ لأنَّه جِهَةٌ مِن جِهاتِ التَّمْلِيكِ، أشْبَهَ البَيْعَ وغيرَه، فعلى هذا يَكُون أحَقَّ به مِن غيرِ ثُبُوتِ مِلْكِه عليه، فإذا حَلَّ مَلَكَه.
1203 -
مسألة: (وإن أمْسَكَ صَيْدًا حتى تَحَلَّل، ثم تَلِف أو ذَبَحَه، ضَمِنَه، وكان مَيْتَةً. وقال أبو الخَطّابِ: له أكْلُه)
1 إذا صادَ المُحْرِمُ صَيْدًا لم يَمْلِكْه، فإن أمْسَكَه حتى حَلَّ، لَزِمَه إرْسالُه، وليس له ذَبْحُه، فإن تَلِف فعليه ضَمانه؛ لأنَّه لا يَحِلُّ له إمْساكه، أشْبَهَ الغاصِبَ.
وإن
..................................
ذَبَحَه ضَمِنَه لذلك، وحَرُمَ أكْلُه؛ لأنَّه صَيْدٌ ضَمِنَه بحُرْمَةِ الإحْرامِ، فلم يُبَحْ أكْلُه، كما لو ذَبَحَه حالَ إحْرامِه.
ولأنَّها ذَكاةٌ مُنِعَ منها بسَبَبِ الإِحْرام، فأشْبَهَ ما لو كان الإحْرامُ باقِيًا.
واخْتارَ أبو الخَطّاب، أنَّ له أكْلَه، وعَليه ضَمانُه؛ لأنَّه ذَبَحَه وهو مِن أهْلِ ذَبْحِ الصَّيدِ، فأشْبَهَ ما لو صادَه بعدَ 1 الحِلِّ.
والفَرْقُ ظاهِرٌ؛ لأنَّ هذا يَلْزَمُه ضَمانُه، بخِلافِ الذى صادَه بعدَ الحِلِّ.
روَى ابنُ أبِى موسى، عن أحمدَ: إذا اسْتَأْجَرَ بَيْتًا في الحَرَمِ، فوَجَدَ فيه صَيْدًا مَيْتًا، فَداه احْتِياطًا.
والقِياسُ أنَّه لا يَجِبُ عليه فِداؤه؛ لأنَّ 2 الأصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ.
وَإنْ أَحْرَمَ وَفِى يَدِهِ صَيْدٌ، أَوْ دَخَلَ الْحَرَمَ بِصَيْدٍ، لَزِمَهُ إِزَالَةُ يَدِهِ الْمُشَاهَدَةِ دُونَ الْحُكْمِيَّةِ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل، فَتَلِفَ، ضَمِنَهُ، وَإنْ أرْسَلَهُ إِنْسَانٌ مِنْ يَدِهِ قَهْرًا، فَلَا ضَمَان عَلَى الْمُرْسِلِ.
1204 - مسألة: (وإن أحْرَمَ وفى يَدِه صَيْدٌ، أو دَخَل الحَرَمَ بصَيْدٍ، لَزِمَه إزالَةُ يَدِه المُشاهَدَةِ دُونَ الحُكْمِيَّةِ عنه، فإن لم يَفْعَلْ، فتَلِفَ، ضَمِنَه، وإن أرْسَلَه إنْسانٌ مِن يَدِه قَهْرًا، فلا ضَمانَ على المُرْسِلِ)
إذا أحْرَمَ وفى مِلْكِه صَيْدٌ، لم يَزُلْ مِلْكُه عنه، ولا يَدُه الحُكْمِيَّةُ، مِثْلَ أن يَكُونَ في بَلَدِه، أو في يَدِ نائِبٍ 1 له في غيرِ مَكانِه.
ولا شئَ عليه إن مات، وله التَّصَرُّفُ فيه بالبَيْع والهِبَةِ وغيرِهما.
وإن غَصَبَه غاصِبٌ لَزِمَه رَدُّه، ويَلْزَمُه إزالَةُ يَدِه المشاهَدَةِ عنه.
ومَعْناه: إذا كان في قَبْضَتِه، أو خَيْمَتِه، أو رَحْلِه، أو قَفَصٍ معه، أو مَرْبُوطًا بحَبْلٍ معه، لَزِمَه إرْسالُه.
..................................
وبه قال مالك، وأصحابُ الرَّأيِ.
وقال الثَّوْرِيُّ: هو ضامِنٌ لِما في بَيْتِه أَيضًا.
وحُكِيَ نحوُ ذلك عن الشافعيِّ.
وقال أبو ثَوْرٍ: ليس عليه إرْسالُ ما في يَدِه.
وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشافعيِّ؛ كما لأنَّه في يَدِه، ولم يَجِبْ إرْسالُه، كما لو كان في يَدِه الحُكْمِيَّة, ولأنَّه لا يَلزَمُ مِن مَنْع ابْتداءِ الصيدِ المَنْعُ مِنَ استدامَتِه، بدَلِيلِ الصَّيْدِ في الحَرَمِ.
ولَنا على أنَّه لا يَلزَمُه إزالَةُ يَدِه الحُكْمِيّة، أنَّه لم يَفْعَل في الصيدِ فِعْلاً، فلم يَلزَمْه شئٌ, كما كما لو كان في مِلكِ غيرِه.
وعَكْسُ هذا إذا كان في يَدِه المُشاهَدَةِكما لأنَّه فَعَل الإِمْساكَ في الصَّيْدِ، فكانَ مَمْنُوعًا منه، وكحالَةِ الإبتداء، فإنَّ استِدامَةَ الإمْساكِ إمْساكٌ؛ كما بدَلِيلِ أنَّه لو حَلَف لا يُمْسِكُ 1 شَيْئاً، فاسْتَدَامَ إمْساكُه، حَنِث.
والأصْل المَقِيسُ عليه مَمْنُوع، والحُكْمُ فيه ما ذَكَرْنا قِياسًا عليه.
..................................
إذا ثَبَت هذا، فإنّه متى أرْسَلَه لم يَزُلْ مِلْكُه عنه، ومَن أخَذَه رَدَّه عليه إذا حَلَّ، ومَن قَتَلَه ضَمِنَه له؛ لأنّ مِلكَه كان عليه، وإزالَةُ يَدِه لا تُزِيلُ المِلْك، بدَلِيلِ الغَصْبِ والعارِيَّةِ.
فإن تَلِفَ في يَدِه قبلَ إرْسالِه مع إمْكانِه، ضَمِنَه؛ لأنه تَلِفَ تحتَ اليَدِ العادِيَة، فلَزِمَه ضَمانُه، كمالِ الآدَمِيِّ.
ولا يَلْزَمُه ضَمانُه قبلَ إمْكانِ الإرْسالِ؛ لعَدَم التَّفْرِيطِ والتعَدِّي.
فإن أرسَلَه إنْسانٌ مِن يَدِه قَهْراً، فلا ضَمانَ عليه؛ لأَنَّه فَعَل ما له فِعْلُه؛ ولأنَّ اليَدَ قد زالَ حُكْمُها وحُرْمَتُها.
فإن أمْسَكَه حتَّى حَلَّ، فمِلْكُه باقٍ عليه؛ لأن مِلْكَه لم يَزُل بالإحْرامِ، إنّما زالَ حُكْم المُشاهَدَةِ، فصارَ كالعَصِيرِ يَتَخَمَّرُ ثم يَتَخَلَّلُ قبلَ إراقَتِه.
..................................
فصل: ومَن مَلَك صَيْداً في الحِلِّ، فأدْخَلَه الحَرَمَ، لَزِمَه رَفْعُ يَدِه وإرْسالُه، فإن تَلِف في يَدِه، أو أتلَفَه، فعليه ضَمانُه، كصَيْدِ الحِلِّ في حَقِّ المُحْرِمِ.
قال عَطاء: إن ذَبَحَه، فعليه الجَزاءُ.
ورُوىَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنهما.
وممَّن كَرِه إدْخالَ الصَّيْدِ الحَرَمَ، ابنُ عُمَرَ، وابن عباس، وعائِشَةُ، وعَطاء، وطاوسٌ، وأصْحاب الرَّأيِ.
ورَخَّصَ فيه جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ، ورُوِيَتْ عنه الكَراهَةُ.
قال هِشامُ بنُ عُرْوَةَ: كان ابن الزُّبَيرِ تِسْعَ سِنِين يَراها في الأقْفاص، وأصْحابُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لا يَرَوْن به بأسًا.
ورَخَّصَ فيه سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، ومُجاهِدٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابن المُنْذِرِ؛ لأنه مَلَكَه خارِجًا، وحَلَّ له التَّصَرُّفُ فيه، فجازَ له ذلك في الحَرَم، كصَيْدِ المَدِينَةِ.
ولَنا، أن الحَرَمَ سَبَبٌ مُحَرِّمٌ للصِّيْدِ، يُوجِبُ ضَمانَه، فحَرَّمَ اسْتِدامَةَ إمْساكِه، كالإحْرامِ، ولأنَّه صَيْدٌ ذَبَحَه في الحَرَمِ، فلَزِمَه جزاؤه، لو صادَه منه، وصَيْدُ المَدِينَةِ لا جَزاءَ فيه، بخِلافِ صَيْدِ الحَرَمِ.
وَإنْ قَتَلَ صَيْدًا صَائلاً عَلَيْهِ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، فصل: فإن أمْسَكَ صَيْدًا في الحَرَمِ، فأخْرَجَه [إلى الحِلِّ] (1)، لزِمَه إرْسالُه مِن يَدِه، كالمُحْرِمِ إذا أمْسَكَ الصيدَ حتَّى حَلَّ، فإن تَرَكَه، فتَلِفَ، فعليه ضَمانُه، كالمُحْرِمِ إذا أمْسَكَه حتى تَحَلَّلَ.
1205 -
مسألة: (وإن قَتَل صَيْدًا صائِلاً عليه دَفْعًا عن نَفْسِه، أو
1
أوْ بِتَخْلِيصِهِ مِنْ سَبُع، أوْ شَبَكَةٍ لِيُطْلِقَهُ، لَمْ يَضْمَنْهُ.
وَقِيلَ: يَضْمَنُهُ فِيهمَا.
بِتَخْلِيصِه مِن سَبُع، أو شَبَكَةٍ ليُطْلِقَه، فتَلِفَ، لم يَضْمَنْه.
وقِيلَ: يَضْمَنُه فيهما) إذا صالَ عليه صَيْدٌ، فلم يَقْدِرْ على دَفْعِه إلَّا بقَتْلِه، فله قَتْلُه، ولا ضَمانَ عليه.
وبهذا قال الشَّافعيّ.
وقال أبو بَكْرٍ: عليه الجَزاءُ.
وهو قولُ أبِي حنيفة؛ لأنَّه قَتَلَه لحاجَةِ نَفْسِه، أشْبَهَ قَتْلَه لحاجَتِه إلى أكْلِه.
ولَنا، أنَّه حَيَوان قتَله لدَفع شَرِّه، فلم يَضْمَنْه، كالآدَمِيٍّ الصّائِلِ، ولأنَّه التَحَقَ بالمُؤْذِياتِ طَبْعًا، فصارَ كالكَلْب العَقُورِ.
ولا فرْقَ بينَ أن يَخْشَى منه التَّلَفَ أو مَضَرَّةً، كجَرْحِه 1، أوَ إتْلافِ مالِه، أو بعض حَيَواناتِه.
فصل: فإن خَلَّصَ صَيْدًا مِن سَبُع، أو شَبَكَةٍ، أو أخَذَه لِيُخَلِّصَ مِن رِجْلِه خَيْطًا ونحوَه، فَتَلِفَ بذلك، فلا ضَمانَ عليه.
وبه قال عَطاءٌ.
وَلا تَأثِيرَ لِلْحَرَمِ وَلا لِلْإحْرَامِ في تَحْرِيمِ حَيَوَانٍ إنْسِيٍّ، وَلا مُحَرَّمِ الْأَكْلِ.، إلَّا الْقَمْلَ في رِوَايَةٍ.
وَأيُّ شَيءٍ تَصَدَّقَ بِهِ، كَانَ خَيْرًا مِنه.
وقيلَ: عليه الضَّمانُ.
وهو قولُ قَتادَةَكما لعُمُومِ الآيَة.
ولأنَّ غايَةَ ما فيه أنَّه عَدِم القَصْدَ إلى قَتْلِه، فأشْبَهَ قَتْلَ الخطأ.
ولَنا، أنَّه فِعْلٌ أُبِيحَ لحاجَةِ الحَيَوانِ، فلم يَضْمَنْ ما تَلِف به، كما لو داوى وَلِي الصَّبِيِّ الصَّبِيَّ، فمات بذلك، وهذا ليس بمُتَعَمِّدٍ، ولا تَناوَلُه الآيَةُ.
1206 -
مسألة: (ولا تَأْثِيرَ للحَرَم ولا للإحْرامِ في تَحْرِيمِ حَيَوانٍ إنسىٍّ، ولا مُحَرَّمِ الأكْلِ، إلَّا القَمْلَ)
على المُحْرِمِ في رِوايَةِ.
وأيُّ شئٍ تَصَدَّقَ به، كان خَيْراً منه) لا تَأثِيرَ للحَرَمِ ولا للإحْرامِ في تَحْرِيم شيئٍ مِن الحَيَوانِ الأهْلِيِّ؛ كبَهِيمةِ الأنعامِ، والخَيلِ، والدجاجِ، ونحوِها؛ لأنَّه ليس بِصَيْدٍ، وإنَّما حَرَّمَ الله سُبْحانَه الصَّيْدَ.
وقد كان النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يَذْبَح البُدْنَ في احْرامِه في الحَرَمِ، يَتَقَرَّبُ إلى اللهِ سُبْحانَه بذلك.
..................................
وقال عليه السلامُ: «أفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ والثَّجُّ» 1. يعني إسالَةَ الدِّماءِ بالذَّبْحِ والنَّحْرِ.
وهذا لا خِلافَ فيه.
فإن كان مُتَولِّدًا بينَ وَحْشِىٍّ وأهلىٍّ، غَلَب جانِبُ التَّحْرِيمِ.
فصل: فأمّا المُحَرَّمُ أكلُه فهو ثَلاثةُ أقْسام؛ أحَدُها، الخَمْسُ الفَواسِق التي أباحَ الشّارِعُ قَتْلَها في الحِلِّ والحَرَمِ، وهي الحِدَأةُ، والغُرابُ، والفَأرَةُ، والعَقْرَبُ، والكَلْبُ العَقُورُ.
وفي بعض ألْفاظ الحديثِ: الحَيَّةُ مَكانَ العَقْرَبِ.
فيُباحُ قَتْلُهُنَّ في الإحْرام والحَرَمِ.
وهذا قولُ أكثَرِ أهْلِ العِلْمِ منهم؛ الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْيِ، وإسْحاقُ.
وحُكِيَ عن النَّخَعِيِّ أنَّه مَنَع قَتْلَ الفَأْرَةِ.
والحديثُ صَريحٌ في حِلِّ قَتْلِها، فلا تَعْوِيلَ على ما خالَفَه.
والمُرادُ بالغُرابِ الأبقَعُ وغُرابُ البَيْنِ.
وقال قَوْمٌ: لا يُباحُ قَتْلُ غُراب البَيْنِ؛ لأنَّه رُوِىَ: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ في الحِلِّ وَالْحَرَمِ؛ الحَيًّةُ، وَالْغُرَابُ الأبقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا».
رَواه مسلمٌ 2. وهذا يُقَيِّدُ
..................................
مُطْلَقَ ذِكْرِ الغُرابِ في الحديثِ الآخَرِ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ على العُمُومِ، بدَلِيلِ أنَّ المُباحَ مِن الغِرْبانِ لا يَحِلُّ قَتْلُه.
ولَنا، ما رَوَتْ عائشَةُ، رَضِيَ اللهُ عنها، قالَتْ: أمَرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بقَتْلِ خَمس فَواسِقَ في الحَرَمِ؛ الحِدَأةُ، والغُرابُ، والفَأْرَةُ، والعَقْرَبُ، والكَلْبُ العَقُورُ.
وعن ابنِ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنهما، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ، لَيْسَ عَلَى المُحْرِمِ جُنَاحٌ في قَتْلِهِنَّ».
وذَكَر مثلَ حديثِ عائشَةَ.
مُتَّفَقٌ عليهما 1. وهذا عامٌّ في الغُرابِ، وهو أَصَحُّ مِن الحديثِ الآخَرِ.
ولأنَّ غُرابَ البَيْنِ مُحَرَّم الأكْلِ، يَعْدُو على أمْوالِ النّاس، ولا وَجْهَ لإخْراجِه مِن العُمُومِ.
وفارَقَ ما أُبِيحَ أكْلُه، فإنَّه ليس في مَعْنى ما أُبِيحَ قَتْلُه، فلا يَلْزَمُ مِن تَخْصِيصِه تَخْصِيصُ ما ليس في مَعْناه.
القِسْم الثّانِي مِن المُحَرَّمِ أكلُه، ما كان طَبْعُه الأَذَى، وإن لم يُوجَدْ منه أذًى؛ كالأسَدِ،
..................................
والنَّمِرِ، والفهْدِ، والذِّئْبِ، وما في مَعْناه، فيُباحُ قَتْلُه ايضُاً, ولا جَزاء فيه.
قال مالكٌ: الكَلْبُ العَقُور، ما عَقَر النّاسَ وعَدا عليهم، مِثلَ الأسَدِ، والذِّئْبِ، والنَّمِرِ، والفهْدِ.
فعلى هذا يُباحُ قَتْلُ كلِّ ما فيه أذًى للنّاسِ في أنفُسِهم وأمْوالهِم، مِثْلَ سِباعِ البَهائِمِ كلِّها، الحَرام أكْلُها، وجَوارِحِ الطَّيْرِ؛ كالبازِيِّ، والصَّقْرِ، والشّاهِينِ، والعُقابِ، ونحوِها، والحشَراتِ المُؤْذِيَة، والزُّنْبُورِ، والبَقِّ، والبَعُوضِ، والبَراغِيثِ، والذُّبابِ.
وبه قال الشَّافعيُّ.
وقال أصْحابُ الرايِ: يُقْتَلُ ما جاء في الحديثِ، والذِّئْبُ قِياسًا عليه.
ولَنا، أنَّ الخَبَرَ نَصَّ مِن كلِّ جِنْسٍ على صُورَةٍ مِن أدْناه؛ تَنْبِيهًا على ما هو أعْلَى منها، ودَلالَةً على ما كان في مَعْناها، فنَصُّه على الغُرابِ والحِدَأةِ تَنْبِيهٌ على البازِيِّ ونحوِه، وعلى الفَارَةِ تَنْبِيهٌ على الحَشراتِ، وعلى العَقْرَبِ تَنْبية على الحَيَّة، وقد ذُكِرَتْ في بعضِ الأحاديثِ، وعلى الكَلْبِ العَقُورِ تَنْبيهٌ على السِّباعِ التي هي أعْلَى منه، ولأنَّ ما لا يُضْمَنُ بقِيمَتِه ولا مِثْلِه، لا يُضْمَنُ بشئٍ، كالحَشراتِ.
القِسْمُ الثّالِثُ مِن المُحَرَّمِ الأكْلِ، ما لا يُؤْذِي بِطبعِه، كالرَّخَمِ، والدِّيدانِ، فلا أثَرَ للحرَمِ ولا للإحْرامِ فيه، ولا جَزَاءَ فيه إن قَتَلَه.
وبه قال الشافعيّ.
..................................
وقال مالكٌ: يحرُمُ قَتْلُها، فإن قَتَلَها فَداها، وكذلك كل سَبُعٍ لا يَعْدُو على النّاسِ.
فإذا وَطِئَ الذُّبابَ، أو النَّمْلَ، أو الذَّرَّ، أو قَتَل الزُّنبُورَ، تَصَدَّقَ بشَئٍ مِن الطَّعام.
وقال ابنُ عَقِيل: في النَّمْلَةِ لُقْمَةٌ أو تَمْرَةٌ إذا لم تُؤْذِه.
ويَتَخَرَّجُ في النًّحْلَةِ مثلُ ذلك؛ لأنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن قتل النَّمْلَةِ والنَّحْلَةِ 1. وحَكَى ابنُ أبي موسى: في الضِّفْدَعِ حُكُومَةٌ.
ولَنا، أنَّ الله سُبْحانَه إنَّما أوْجَبَ الجَزاءَ في الصَّيْدِ، وليس هذا بِصَيْدٍ.
قال بعضُ أهْلِ العِلْمِ: الصَّيدُ ما جَمَع ثلاًثةَ أشْياءَ؛ أنْ يَكُونَ مُباحاً مُمْتَنِعًا 2. ولأنَّه لا مِثْلَ له ولا قِيمَةَ، والضَّمَانُ إنّما يَكُونُ بأحَدِ هذين
..................................
فصل: ولا بأسَ من أن يُقَرِّدَ المُحْرِمُ بَعِيرَه.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، رَضىَ الله عنهما، أنَّه قَرَّدَ بَعِيرَه بالسُّقْيَا 1، أي نَزَع القُرادَ 2 عنه، فرَماه.
وهذا قولُ ابن عباسٍ، وجابِرِ بنِ زَيْدٍ 3، وعَطاءٍ.
وقال مالكٌ: لا يَجُوزُ.
وكَرِهَه عِكْرِمَةُ.
ولَنا، أنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحابَةِ، ولأنَّه مُؤْذٍ فأبِيحَ قَتْلُه، كالحَيَّه والعَقْرَبِ.
فصل: فأمّا القَمْلُ، ففيه روايَتان؛ إحْداهما، إباحَةُ قَتْلِه؛ لأنَّه مِن
..................................
أكثرِ الهَوامِّ أذًى، فأُبِيحَ قَتْلُه، كالبَراغِيثِ، وسائِرِ ما يُؤْذِي.
والثّانِيَةُ، أنَّ قَتْلَه مُحَرَّم.
وهو ظاهِرُ كَلام الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه يَتَرَفَّهُ بإزالَتِه، فَحُرِّمَ، كقَطْع الشَّعَرِ، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَأى كَعْبَ بنَ عُجْرَةَ والقَمْلُ يَتَناثَرُ على وَجْهِه، فقالَ له: «احْلِقْ رَأسَك» 1. فلو كان قَتْلُ القَمْلِ وإزالته مُباحًا لم يَكُن كَعبٌ ليَتْرُكَه حتَّى يَصِيرَ كذلك، ولكانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَه بإزالَتِه خاصَّة.
والصِّئبانُ كالقَمْلِ؛ لأنَّه بَيْضُه، ولا فَرْقَ بينَ قَتْلِ القَمْل ورَمْيه، أو قَتْلِه بالزِّئبَقِ، لحُصُولِ التَّرَفُّهِ به.
قال القاضي: إنَّما الرِّوايَتان فيما أَزالَه مِن شَعَرِه، أمّا ما ألْقاه مِن ظاهِرِ بَدَنِه وثَوْبِه، فلا شئَ فيه، رِوايَةً واحِدَةً.
وظاهِرُ كَلامِ شيخِنا ههُنا يَقْتَضِي العُمُومَ.
ويَجُوزُ له حَكُّ رَاسِه برِفْقٍ؛ كَيْلا يَقْطَعَ شَعَرًا، أو يَقْتُلَ قَمْلاً، فإن حَكَّ فرَأى في يَدِه شَعَرًا اسْتُحِبَّ له أن يَفدِيَه 2 احْتِياطًا, ولا يَجِبُ حَتى يَسْتَيْقِنَ.
..................................
فصل: فإن تَفَلَّى المُحْرِمُ، أو قَتَل قَمْلاً، فلا فِدْيَةَ فيه، فإنَّ كَعْبَ ابنَ عُجْرَةَ حينَ حَلَق رَأْسَه قد أذْهَبَ قَمْلاً كَثِيرًا، ولم يَجِبْ عليه لذلك شيئٌ، إنَّما أوْجَبَ الفِدْيَةَ بحَلْقِ الشَّعَرِ، ولأنَّ القَمْلَ لا قِيمَةَ له، فأشْبَهَ البَعُوضَ والبَراغِيثَ، ولأنَّه ليس بصَيْدٍ، ولا هو مَأكُول.
حُكِيَ عن ابن عُمَرَ، قال: هي أهْوَنُ مَقْتُول.
وسُئلَ ابنُ عباس، عن 1 مُحْرِم ألْقَى قَمْلَةً، ثم طَلَبَها فلم يَجِدْها، قال: تلك 2 ضالَّة لا تُبْتَغَى.
وهذا قولُ طاووسٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وعطَاءٍ، وأبِي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وعن أحمدَ -في مَن قَتَل قَمْلَةً- قال: يُطْعِمُ شَيْئًا.
فعلى هذا، أيُّ شئٍ تَصَدَّقَ به أجْزَأهُ، سَواءٌ قَتَل قَلِيلاً أو كثيرًا.
وهذا قولُ أصْحابِ الرَّأْيِ.
وقال إسْحاقُ: تَمْرَةٌ فما فَوْقَها.
وقال مالكٌ: حَفْنَة مِن طَعامٍ.
ورُوِي ذلك عن ابنِ عُمَرَ.
وهذه الأقْوالُ كلُّها قَرِيبٌ مِن قَوْلِنا، فإنَّهُم لم يُرِيدُوا بذلك التَّقْدِيرَ، وإنَّما هو على التَّقْرِيبِ لأقَلِّ ما يُتَصَدَّقُ به.
..................................
فصل: والخِلافُ إنَّما هو في قَتْلِه للمُحْرِمِ، أمّا في الحَرَمِ فيُباحُ قَتْلُ القَمْلِ بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه إنَّما حُرِّمَ في حَقِّ المُحْرِمِ؛ لِما فيه مِن التَّرَفُّهِ، فهو كقَطْعِ الشَّعَرِ,، ومَن كان في الحَرَمِ غيرَ مُحرِمٍ، فمُباحٌ له قَطْعُ الشَّعَرِ، وتَقْلِيم الأظْفارِ، والطِّيبُ، وسائرُ ما يُتَرَفَّهُ به.
فصل: ولا بَأسَ بغسْلِ المُحْرِمِ رَأْسَه وبَدَنَه برِفْقٍ.
فَعَل ذلك عُمَرُ، وابْنُه، ورَخَّصَ فيه علىٌّ، وجابِرٌ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وكَرِه مالك للمُحْرِمِ أن يَغْطِسَ في الماءِ، ويُغيِّبَ فيه رَأسَه، ولَعَلَّه ذَهَب إلى أنَّ ذلك سِتْرٌ له.
والصَّحِيحُ أَنَّه لا بَأْسَ بذلك؛
..................................
لأنَّ ذلك ليس بسِتْرٍ، ولهذا لا يَقُومُ مَقامَ السُّتْرَةِ في الصلاةِ.
وقد رُوِيَ عن ابنِ عباس، قال: رُبَّما قال لي عُمَرُ ونحن مُحْرِمُون بالجُحْفَةِ: تعالَ أُباقِيك 1 أيُّنا أطْوَلُ نَفَسًا في الماءِ.
رَواه سعيد 2. ولأنّه ليس بسِتْرٍ مُعْتادٍ، وأشْبَهَ صَبَّ الماءِ عليه، ووَضْعَ يَدِه عليه.
وقد روَى عبد اللهِ بنُ حُنَيْنٍ، قال: أرْسَلَنِي ابنُ عباسٍ إلى أبِي أَيوبَ الأنْصارِيِّ، فأتَيْتُه وهو يَغْتَسِلُ، فسَلَّمْتُ عليه، فقالَ: مَن هذا؟ فقلتُ 3: أنا عبد اللهِ بنُ حُنَيْنٍ، أرْسَلَنِي إليك عبد اللهِ بنُ عباس لم يَسْألك: كيف كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَغْسِلُ رَأسَه وهو مُحْرمٌ.
فوَضَعَ أبو أيُّوبَ يَدَه على الثوْبِ، فطَأْطَأه حتَّى بَدا لي رَأسُه، ثم قال لإنْسانٍ يَصُبُّ عليه الماءَ: صُبَّ.
فصَبَّ على
..................................
رَأْسِه، ثم حَرَّكَ رَأْسَه بيَدَيْه، فأقْبَلَ بهما وأدْبَرَ، ثم قال: هكذا رَأَيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يفْعَلُ.
مُتَّفَقٌ عليه 1.
فصل: ويُكْرَهُ له غَسْلُ رَأَسِه بالسِّدْرِ والخِطْمِيِّ 2 ونحوِهما؛ لِما فيه من إزالَةِ الشَّعَثِ، والتعَرُّضِ لقَطْع الشعَرِ.
وكَرِهَه جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرأيِ.
فإن فَعَل فلا فِدْيَةَ عليه.
وبه قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْر، وابن المُنْذِرِ.
وعن أحمدَ رَحِمَه اللهُ: عليه الفِدْيَةُ.
..................................
وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ.
وقال صاحِباه: عليه صَدَقَةٌ؛ لأنَّ الخِطْمِيَّ يُسْتَلَذُّ بِرائِحَتِه، ويُزيلُ الشَّعَثَ، ويَقْتُلُ الهَوامَّ، فوَجَبَتْ به الفِدْيَةُ، كالوَرْس.
ولَنا، أنًّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال، في المُحْرِمِ الذي وقَصَه بَعِيرُه: «اغْسِلُوُه بمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ، وَلا تُحَنِّطُوهُ، وَلا تُخَمِّرُوا رَأسَهُ؛ فإنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيا».
مُتَّفقٌ عليه 1. فأمَرَ بِغَسْلِه
..................................
بالسِّدْرِ، مع إثْباتِ حُكْمِ الإحْرامِ في حَقِّه، والخِطْمِىُّ كالسِّدْرِ.
ولأنَّه ليس بطِيبٍ، فلم تَجِبِ الفِدْيَةُ باسْتِعْمالِه، كالتُّرابِ.
وقَوْلُهم: تُسْتَلَذُّ رائِحَتُه.
مَمْنُوعٌ، ثم يبطُلُ بالفاكِهَةِ وبعضِ التُّرابِ.
وإزالَةُ الشعَثِ يَحْصُلُ بذلك أَيضًا.
وقَتْلُ الهَوامِّ لا يُعْلَمُ حُصُولُه، ولا يَصِحُّ قِياسُه على الوَرْس؛ لأنه طِيبٌ.
ولذلك لو اسْتَعْمَلَه في غيرِ الغسْلِ، أو في ثَوْبِه، مُنِعَ منه، بخِلافِ مسْألتِنا.
وَلا يَحْرُمُ صَيْدُ الْبَحْرِ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَفِي إبَاحَتِهِ في الْحَرَمِ رِوَايَتَانِ.
1207 - مسألة: (ولا يَحْرُمُ صَيْد البَحْرِ على المُحْرِمِ، وفي إباحَتِه في الحَرَمِ رِوايَتان، لا يَحْرُمُ صَيْدُ البَحْرِ على المُحْرم، بغيرِ خِلافٍ، لقَوْلِه تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْد الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾
1. قال ابنُ عباس، وابنُ عُمَرَ: طَعامُه ما ألْقاه.
وعن ابنِ عباس: طعامُه مِلْحُه.
ولا خِلافَ بينَ أهْلِ العِلْمِ في جَوازِ أكْلِه وبَيْعِه وشِرائه.
ولا فَرْقَ بينَ حَيَوانِ البَحْرِ المِلْحِ، وبينَ ما في الأنْهارِ والعُيُونِ، فإنَّ اسم البَحْرِ يَتَناوَلُ الكلَّ، قال اللهُ سُبحانَه: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ 2. ولأنَّ الله تعالى قابَلَه بصَيْدِ البَرِّ بقَولِه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرّ﴾.
فدَلَّ على أن ما ليس مِن صَيْدِ البَرِّ فهو مِن صَيْدِ البَحْرِ.
..................................
وحَيَوان البَحْرِ ما كان يَعِيشُ في الماءِ، ويُفْرِخُ فيه، ويَبِيضُ فيه.
فإن كان مما لا يَعِيشُ إلَّا في الماءِ، كالسَّمَكِ ونحوِه، فهذا لا خِلافَ فيه، وإن كان ممّا يَعِيشُ في البَرِّ، كالسُّلَحْفاةِ، والسَّرَطانِ، فهو كالسَّمَكِ، لا جَزاءَ فيه.
وقال عَطاءٌ: فيه الجَزاءُ، وفي الضِّفْدَعِ، وكلِّ ما يَعِيشُ في البَرِّ.
ولَنا، أنه يفرِخُ في الماءِ، ويَبِيضُ فيه، فكانَ مِن حَيَوانِه، كالسَّمَكِ.
فأمّا طَيْرُ الماءِ، ففيه الجَزاءُ، في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم الأوْزاعِي، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأيِ.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا غيرَ ما حُكِيَ عن عَطاء، أنَّه قال: حَيْثُما يَكُونُ أكْثَرَ فهو مِن صَيدِه.
ولَنا، أنَّه إنَّما يُفْرِخُ في البَرِّ، ويَبيضُ فيه، وإنَّما يدخلُ الماءَ ليَتَعَيَّشَ فيه، ويَكْتَسِبَ منه، فهو كصَيَّادِ الآدَمِيِّين.
فإن كان جنْسٌ مِن الحَيَوانِ، نَوْعٌ منه في البَرِّ، ونَوْعٌ منه في البَحْرِ، كالسلَحْفاةِ، فلِكلِّ نَوْعٍ حُكْمُ نَفْسِه، كالبَقَرِ، منها الوَحْشِيُّ مُحَرَّمٌ، والأهْلِيُّ مُباحٌ.
فصل: وهل يُباحُ صَيْدُ البَحْرِ في الحَرَمِ؟ فيه رِوايَتان؛ أصَحُّهما،
وَيَضْمَن الجَرَادَ بِقِيمَتِهِ، فَإنِ انْفَرَشَ في طَرِيقِهِ، فَقَتَلَهُ بِالْمَشْىِ
أَنَّه لا يُباحُ، فلا يَحِلُّ الصيدُ مِن آبارِ الحَرمِ وعُيُونِه، كَرِهَه جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ، رَضِيَ الله عنه؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «لا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» (1). ولأنّ الحُرْمَةَ تَثْبُتُ للصيدِ بحُرْمَةِ المَكانِ، وهو شامِلٌ لكلِّ صَيْدٍ.
والثانيةُ، أنَّه مُباحٌ؛ لأنَّ الإحْرامَ لا يُحَرِّمُه، فلم يُحَرِّمْه الحَرَمُ، كالسِّباعِ، والحَيَوانِ الأهْلِيِّ.
1208 -
مسألة: (ويَضْمَن الجَرادَ بقِيمَتِه، فإن انْفَرَش في
1
عَلَيْهِ، فَفِي الْجَزَاءِ وَجْهَانِ.
وَعَنْهُ، لا ضَمَانَ في الْجَرَادِ.
طَرِيقه، فقَتَلَه بالمَشْيِ عليه، ففي الجَزاءِ وَجْهان.
وعنه، لا ضَمانَ في الجَرادِ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في الجَرادِ، فعنه، هو مِن 1 صَيْدِ البَحْرِ، لا جَزاءَ فيه.
وهو مَذْهَبُ أبي سعيدٍ.
قال ابن المُنْذِرِ: قال ابنُ عباسٍ، وكَعْبٌ: هو مِن صَيْدِ البَحْرِ.
قال عُرْوَةُ: هو مِن نثرةِ حُوتٍ.
ورُوِيَ عن أبِي هُرَيرةَ، قال: أصابَنا ضَرْبٌ مِن جَرادٍ، فكانَ الرجُلُ مِنّا يَضْرِبُ بِسَوْطِه وهو مُحْرِمٌ.
فقِيلَ له: إنَّ هذا لا يَصْلُحُ.
فذُكِرَ ذلك للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ: «إنَّ هذَا مِنْ صيدِ الْبَحْرِ».
وعنه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «الجَرَادُ مِنْ صَيْدِ البَحْرِ».
رَواهما أبو داودَ 2. والرِّوايَة الثّانِيَة، أنَّه مِن صَيْدِ البَرِّ، وفيه الجَزاءُ.
وهو قول الأكْثَرِين؛ لما رُوِيَ أن عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، قال لكَعْبٍ في جَرادَتَيْن: ما جَعَلْتَ في نَفْسِك؟
..................................
قال دِرْهمان.
قال: بَخٍ، دِرْهمان خَيْرٌ مِن مائَةِ جَرادَةٍ.
رَواه الشافعيُّ في «مُسْنَدِه» 1. ولأنَّه طَيْرٌ يُشاهَدُ طَيَرانُه في البَرِّ، ويُهْلِكُه الماءُ إذا وَقَع فيه، أشْبَهَ العَصافِيرَ.
فأمّا الحديثان اللَّذان ذَكَرْناهما للرِّوايةِ الأولَى، فوَهْمٌ.
قاله أبو داودَ.
فعلى هذا يَضْمَنُه بقِيمَتِه؛ لأنَّه لا مِثْلَ له.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وعن أحمدَ: يَتَصَدَّقُ بتَمْرَةٍ عن الجَرادَة.
وهذا يُرْوَى عن عُمَرَ، وعبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ.
وقال ابنُ عباسٍ: قَبْضَة مِن طَعامٍ.
قال القاضي: كَلامُ أحمدَ وغيرِه مَحْمُولٌ على أنَّه أوْجَبَ ذلك على طَرِيقِ القِيمَةِ.
والظّاهِرُ أنَّهم لم يُرِيدُوا بذلك التقْدِيرَ، وإنَّما أرادُوا أنَّ 2 فيه أقلَّ شئٍ.
فصل: فإنِ افْتَرَش الجَرادُ في طَرِيقه، فقَتَلَه بالمَشْيِ عليه، بحيثُ لا
وَمَنِ اضْطرُّ إِلَى أكلِ الصَّيْدِ، أوِ احْتَاجَ إِلَى فِعْلِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَحْظُورَاتِ، فَلَهُ فِعْلُهُ، وَعَلَيْهِ الْفِدَاءُ.
يُمْكِنُه التَّحَرُّزُ منه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَجِبُ جَزاؤه؛ لأنَّه أتْلَفَه لِنَفْعِ نَفْسِه، فضَمِنَه، كالمُضطَرِّ يَقْتُلُ صَيْدًا يَأْكُلُه.
والثّانِي، لا يَضْمَنُه؛ لأنَّه اضْطَرَّه إلى إتْلافِه، أشْبَهَ الصّائِلَ عليه.
1209 -
مسألة: (ومَنِ اضْطُرَّ إلى أكْلِ الصَّيْدِ، أوِ احْتاجَ 1 إلى شئٍ مِن هذه المَحْظُوراتِ، فله فِعْلُه، وعليه الفِداءُ) إذا اضْطُرَّ إلى أكْلِ
..................................
الصَّيْدِ، أُبِيحَ له ذلك، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لقَوْلِه سُبْحانَه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ 1. وتَرْك الأكْلِ مع القُدْرَةِ عندَ الضَّرُورَةِ، إلْقاءٌ بيَدِه إلى التَّهْلُكَةِ.
ومتى قَتَلَه لَزِمَه ضَمانُه، سَواءٌ وَجَد غيرَه أو لم يَجِدْ.
وقال الأوْزاعِيُّ: لا يَضْمَنُه؛ لأنَّه مُباحٌ، أشبهَ صَيْدَ البَحْرِ.
ولَنا، عُمُومُ الآية، ولأنَّه قَتَلَه مِن غيرِ مَعْنى حَدَث مِنَ الصيدِ يَقْتَضِي قتلَه، فضَمِنَه كغيرِه، ولأنَّه أتلَفَه لدَفْع الأَذَى عن نَفْسِه، لا لمَعْنى منه، أشْبَهَ حَلْقَ الشَّعَرِ لاذى برَاسِه.
وكذلك إنِ احْتاجَ إلى حَلْقِ شَعَرِه للمَرَض أو القَمْلِ [أو قَطْع] 2 شَعَرِه لمُداواةِ جُرْح أو نحوِه، أو تَغطِيَة رَأَسِه، أو لُبْس المَخِيطِ، أو شئٍ مِن المَحْظُوراتِ، فله فِعْلُه، كما جاز حَلْقُ رَأْسِه للحاجَةِ، فإن فَعَلَه فعليه الفِدْيَةُ؛ لأن الفِدْيَةَ تَثْبُتُ في حَلْقِ الرَّأْسِ للعُذْرِ؛ للحاجة، وحديثِ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ، وقِسْنا عليه سائرَ المَحْظُوراتِ.
فَصْلٌ: السَّابع، عَقْد النِّكَاحِ لا يَصِحُّ مِنْهُ.
وَفِي الرَّجْعَةِ رِوَايَتَانِ.
وَلا فِدْيَةَ عَلَيْهِ في شَيءٍ مِنْهُمَا.
فصل: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه الله: (السّابع، عَقْدُ النِّكاحِ لا يَصِحُّ منه.
وفى الرَّجْعَةِ رِوايَتان.
ولا، فِدْيَةَ عليه في شئٍ منهما) لا يَجُوزُ للمُحْرِمِ أن يَتَزَوَّجَ لنَفْسِه، ولا يَكُونُ وَلِيًّا في النِّكاحِ، ولا وَكِيلاً فيه، ولا يَجُوزُ تَزْوِيجُ المُحْرِمَةِ.
رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وابْنِه، وزَيْدِ بنِ ثابِتٍ، رَضِيَ الله عنهم.
وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّب، وسُلَيْمانُ بنُ يسارٍ، والزُّهْرِىُّ، والأوْزاعِيُّ، ومالك، والشافعىُّ.
وأجازَه ابنُ عباسٍ،
..................................
وهو قول أبِي حنيفةَ؛ لِما روَى ابنُ عباس، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - تَزَوجَ مَيْمُونَةَ وهو مُحْرِمٌ.
مُتفَقٌ عليه 1. ولأنَّه عَقْدٌ يَمْلِكُ به الاسْتِمْتاعَ، فلم يُحَرِّمْه الإحْرامُ، كشِراءِ الإماء.
ولَنا، ما روَى عثمانُ بنُ عَفانَ، رَضىَ الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَنْكِح المُحْرِمُ، وَلا يُنْكِحُ، وَلا يَخْطُبُ».
رَواه مسلمٌ 2. ولأنَّ الإحْرامَ يُحَرم الطِّيبَ، فيُحَرِّم النِّكاحَ، كالعِدَّةِ.
فأمّا حديثُ ابن عباس، فقد روَى يزيدُ بن الأصَمِّ، عن مَيْمُونةَ،
..................................
رَضِيَ الله عنها، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَزَوَّجَها حَلالاً، وبَنَى بها حَلالاً، وماتَتْ بسَرِفٍ، في الظُّلَّةِ التي بَنَى بها فيها.
رَواه أبو داودَ، والأثْرَمُ 1. وعن أبِي رافِعٍ، قال: تَزَوَّجَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَيْمُونَةَ وهو حَلالٌ، وبَنَى بها وهو حَلالٌ، وكنت أنا الرسول بينهما 2. قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وميمونة أعلم بحال نفسها، وأبو رافع صاحب القصة، وهو السَّفِيرُ فيها، فهما أعْلَمُ بذلك مِن ابنِ عباسٍ، وأوْلَى بالتَّقْدِيمِ لو كان ابنُ عباسٍ كَبِيرًا، فكيفَ وقد كان صَغِيرًا لا يَعْرِفُ حَقائقَ الأُمُورِ.
وقد أُنْكِرَ عليه هذا القولُ، فقالَ سعيدُ بن المُسَيبِ: وَهِمَ ابنُ عباسٍ، ما تَزَوَّجَها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلَّا حَلالاً.
فكيف يُعْمَلُ بحديثٍ هذا حالُه؟
..................................
ويُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِه: وهو مُحْرِمٌ.
أي في الشَّهْرِ الحَرامِ، أو في البَلَدِ الحَرام، كما قِيلَ:
قتلُوا ابنَ عَفّانَ الخَلِيفَةَ مُحْرِماً 1
وقِيلَ: تَزَوَّجَها حَلالاً وظهَرَ 2 أمْرُ تَزْوِيجِها وهو مُحْرِمٌ.
ثم لو تَعارَضَ الحديثان، كان تَقْدِيمُ حديثنا أوْلَى؛ لأنَّه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وذلك فِعْلُه، والقولُ آكَدُ؛ لأنه يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ مُخْتَصًّا بما فَعَلَه.
وعَقْدُ النِّكاحِ يُخالِفُ شراءَ الأمَةِكما لأنَّه يَحْرُمُ بالعِدَّةِ والرِّدَّةِ واخْتِلافِ الدِّينِ، وكَوْنِ المَنْكُوحَةِ أُخْتًا له مِن الرَّضاعِ، ولأنَّ النِّكاحَ إنّما يُرادُ للوَطْءِ غالِبًا، بخِلافِ الشِّراءِ، فإنّه يرادُ للخِدْمَةِ والتِّجارَةِ، وغيرِ ذلك، فافْتَرَقا.
..................................
فصل: وإذا وَكَّلَ المُحْرِمُ حَلالاً في النِّكاحِ، فعَقَدَ له النِّكاحَ بعدَ تَحَلُّلِ المُوكِّلِ، صَحَّ العَقْدُ؛ لأنَّ الاعْتِبارَ بحالَةِ العَقْدِ.
وإن وَكَّلَه وهو حَلالٌ، فلم يَعْقِدْ له العَقْدَ حتَّى أحْرَمَ، لم يَصِحَّ؛ لِما ذَكَرْنا.
فإن أحْرَمَ الإمامُ الأعْظَمُ مُنِعَ مِن التَّزوِيجِ، لنَفْسِه، وتَزْوِيجِ أقارِبِه، وهل يُمْنَعُ مِن أن يُزَوِّجَ بالوِلاية العامّةِ؛ فيه احْتِمالان؛ أحَدُهما، يُمْنَعُ، كما لو باشَرَ العَقْدَ.
والثّانِي، لا يُمْنَعُ؛ لأنَّ فيه حَرَجاً على النّاس، وتَضْيِيقاً عليهم في سائِرِ البِلادِ؛ لأنَّ مَن يُزَوَّجُ مِن الحُكّام إنَّما يُزَوِّجُونَه بإذْنِه ووِلايته.
ذَكَر ذلك ابنُ عَقِيلٍ، واخْتارَ الجَوازَ؛ لأنَّه حالَ ولايَتِه كان حَلالاً، والاسْتِدامَةُ أقوَى مِن الإبتداءِ؛ لأنَّ الإمامَةَ العُظْمَى مِن شَرْطِها العَدالَةُ، ولا تَبْطُلُ بالفِسْقِ الطّارِئ.
فصل: وإذا وكَّلَ الحَلالُ مُحِلاًّ في النِّكاحِ، فعَقَدَ النِّكاحَ، وأحْرَمَ المُوَكِّلُ، فقالتِ الزَّوْجَةُ: وَقَع العَقْدُ بعدَ الإحْرامِ، فلم يَصِحَّ.
وقال الزَّوْجُ: بل قبلَه.
فالقَوْلُ قوْلُه.
وإن كان الاخْتِلافُ بالعَكْسِ، فالقَوْلُ قَوْلُه أيضاً؛ لأنَّه يَمْلِكُ فَسْخَ العَقْدِ، فمَلَكَ الإقْرارَ به، لكنْ يَجِبُ عليه نِصْفُ الصَّداقِ.
فصل: فإن تزَوَّجَ، أو زَوَّجَ، أو زُوِّجَتِ المُحْرِمَةُ، لم يَصِحَّ
..................................
النِّكاحُ، سَواءٌ كان الكلُّ مُحْرِمِين أو بعضُهم؛ لأنَّه مَنْهِىٌّ عنه، فلم يَصِحَّ، كنِكاحِ المَرْأةِ على عَمَّتِها وخالَتِها.
وقال ابنُ أبِى موسى: إذا زَوَّجَ المُحرِمُ غيرَه، صَحَّ في إحْدَى الرِّوايَتَيْن.
ورُوِىَ عن أحمدَ، رَحِمَه الله، أنَّه قال: إن زَوَّج المُحْرِمُ لم يَنْفَسِخَ النِّكاحُ.
قال بعضُ أصْحابِنَا: هذا يَدُلُّ على أنَّه إذا كان الوَلِىُّ بمُفْرَدِه أو الوَكِيلُ مُحْرِماً، لم يَفْسُدِ النِّكاحُ؛ لأنَّه سَبَبٌ يُبِيحُ مَحْظُوراً للحَلالِ، فلم يَمْنَعْ منه الإِحْرامُ، كما لو حَلَق المُحْرِمُ رَأسَ حَلالٍ.
والمَذْهَبُ الأوَّلُ؛ للحديثِ.
وكَلامُ أحمدَ يُحْمَلُ على أنَّه لم يفسَخْه لكَوْنِه مُخْتَلَفاً فيه.
قال القاضى: ويُفَرَّقُ بينَهما بطَلْقَةٍ.
وكذلكَ كلُّ نِكاحٍ مُخْتَلَفٍ فيه، كالنكاحِ بلا وَلِىّ؛ ليُباحَ تَزْوِيجُها بيَقِينٍ.
وفى الرَّجْعَةِ رِوايَتان؛ إحْداهما، لا تَصِحُّ؛ لأنَّه عَقْدٌ وُضِعَ لإباحَةِ البُضْعِ، أشْبَهَ النِّكَاحَ.
والثّانِيَةُ، تَصِحُّ، وتُباحُ.
وهو قولُ أكثَر أهْلِ العِلْمِ، واخْتِيارُ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّها إمْساكٌ للزَّوْجَةِ؛ لقَوْلِه تعالى:
..................................
﴿فأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ 1. ولأنَّها تَجُوزُ بلا وَلِيٍّ، ولا شُهُودٍ، ولا إذْنِها، فلم تَحْرُمْ، كإمْساكِها بتَرْكِ الطلاقِ.
ولأنَّ الصَّحِيحَ مِن المَذْهَبِ أنَّ الرجْعِيَةَ مُباحَة قبلَ الرَّجْعَةِ، فلا يَحْصُلُ بها إحْلالٌ، ولو قُلْنا: إنَّها مُحَرَّمَةٌ.
لم يَكُنْ ذلك مانِعًا مِن رَجْعَتِها، كالتَّكْفِيرِ للمُظاهِرِ.
وهذه الرِّوايَةُ هي الصَّحِيحَةُ إن شاءَ اللهُ تعالى.
ويُباحُ شِراءُ الإماءِ للتَّسَرِّي وغيرِه، ولا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا، واللهُ أعْلَمُ.
فصل: ويُكْرَهُ للمُحْرِمِ الخِطبةُ، وخِطبةُ المُحْرِمَةِ، ويُكْرَهُ للمُحْرِمِ أن يَخْطُبَ للمُحِلِّين؛ لقَوْلِه عليه السلامُ في حديثِ عثمانَ: «وَلا يَخْطُبُ» 2. ولأنَّه تَسَبُّبٌ إلى الحَرامِ، أشْبَهَ الإشارَةَ إلى الصَّيدِ.
فَصْلٌ: الثَّامِنُ، الْجِمَاعُ في الْفَرْجِ، قُبُلاً كَانَ أَوْ دُبُرًا، مِنْ
والإحْرام الفاسِدُ كالصَّحِيحِ في مَنْع النِّكاحِ، وسائرِ المَحْظُوراتِ؛ لأنَّ حُكْمَه باق في وُجُوبِ ما يَجِبُ بالاحْرامِ، فكذلك في ما يَحْرُمُ به.
فصل: ويُكْرَهُ أن يَشْهَدَ في النِّكاحِ؛ لأنَّه مَعُونَةٌ على النِّكاحِ، أشْبَهَ الخِطْبَةَ.
وإن شَهِد أو خَطَب، لم يَفْسُدِ النِّكاح.
وقال بعضُ أصْحابِ الشافعيِّ: لا يَنْعَقِد النِّكاحُ بِشَهادَةِ مُحْرِمِين؛ لأنَّ في بعْضِ الرِّواياتِ: «لا يَشْهَدُ».
ولَنا، انَّه لا مَدْخَلَ للشّاهِدِ في العَقْدِ، فأشْبَهَ الخَطِيبَ، وهذه الزِّيادَةُ غيرُ مَعْرُوفَةٍ، فلا يَثْبُتُ بها حُكْمٌ.
ومتى تَزَوَّجَ المُحْرِمُ أو المُحْرِمَةُ، أو زَوَّج، لم يَجِبْ عليه فِدْيَةٌ؛ لأنَّه فَسَد لأجْلِ الإحْرامِ, فلم يَجِبْ به فِدْيَة، كشِراءِ الصَّيْدِ.
ولا فرقَ بينَ الإحْرامِ الفاسِدِ والصَّحِيحِ فيما ذَكَرْنا؛ لأنَّه يَمْنَعُ ما يَمْنَعُه في الصَّحِيحِ، كحَلْقِ الشعَرِ، وتَقْلِيمِ الأظْفارِ، وغيرِ ذلك، كذلك التَّزْوِيجُ.
فصل: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللهُ: (الثّامِنُ، الجِماعُ في الفَرْجِ؛ قُبُلاً
آدَمِيّ أوْ غَيْرهِ.
فَمَتَى فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ التَحَلُّلِ الْأَوَّلِ، فَسَدَ نُسُكُهُ، عَامِدًا كَانَ أَوْ سَاهِيًا،
كان أو دُبُرًا، مِن آدَمِيّ أو غيرِه.
فمتى فَعَل ذلك قبلَ التَّحَلُّلِ، فَسَد نُسُكُه، عامِدًا كان أو ساهِيًا) يَفْسُد الحَجُّ بالوَطْءِ، في الجُمْلَةِ، بغيرِ خِلافٍ.
قال ابن المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ الحَجَّ لا يَفْسُدُ بإتْيانِ شئٍ في حالِ الإحْرام، إلَّا الجماعَ.
والأصْلُ فيه ما رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، أن رجَلاً سَأله فقالَ: إنِّي وَقَعْتُ بامْرأتِي ونحنُ مُحْرِمان.
فقالَ: أفْسَدْتَ حَجَّكَ، انْطَلِقْ أَنْتَ وأهْلُك مع النّاس، فاقْضُوا ما يَقْضُون، وخِلَّ إذا حَلُّوا، فإذا كان العام المُقْبِلُ فاحْجُجْ أَنْتَ وامْرأتُك، وأهْدِيَا هَدْيًا، فإن لم تجدا، فصُوما ثَلاثةَ أيَّام في الحَجِّ، وسَبْعَةً إذا رَجَعْتُم.
وكذلك قال ابنُ عباسٍ، وابنُ عَمْرٍو 1، ولم نَعْرِفْ لهم مُخالِفًا في عَصْرِهم، فكان إجماعًا.
رَواه الأثْرَمُ في «سُنَنِه» 2. وفي حديثِ ابنِ عباس: ويَتَفَرَّقانِ مِن حيثُ يُحْرِمان، حتَّى يَقْضِيا حَجَّهما.
قال ابن المُنْذِرِ: قول ابنِ عباس أعْلَى شيءٍ رُوِيَ في مَن وَطِيء في حَجِّه.