وَمَتَى أخَذَهَا ثُمَّ رَدَّهَا إلَى مَوْضِعِهَا، أوْ فَرَّطَ فِيهَا، ضَمِنَهَا.
الحَرامِ، وتَضْيِيعِ الواجِبِ مِن تَعْرِيفِها وأداءِ الأمَانةِ فيها، فكان تَركُه أوْلَى وأسْلَمَ، كولايةِ مالِ اليَتيمِ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالضَّوالِّ، فإنه لا يجوزُ أخْذُها مع ما ذَكَرُوه، وكذلك ولايةُ مالِ الأيتامَ.
2504 -
مسألة: (ومتى أخَذَها ثم رَدَّها إلى مَوضِعِها، [أو فَرَّطَ فيها، ضَمِنَها)
إذا أخَذَ اللُّقَطَةَ، ثم رَدَّها إلى مَوْضِعِها] 1، ضَمِنَها.
رُوِيَ
..................................
ذلك عن طَاوُس، وبه قال الشافعيُّ.
وقال مالكٌ: لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه رُوِيَ عن عُمَرَ، أنَّه قال لرجل وَجَد بَعِيرًا: أرْسِلْه حيث وَجَدْتَه.
رَواه الأثْرَمُ 1. ولِما رُوِيَ عن جَرِيرِ بنِ عبدِ اللهِ، أنَّه رَأى في بَقَرِه بَقَرة قد لَحِقَتْ بها، فأمَرَ بها فَطُرِدَتْ حتى تَوارَتْ 2. ولَنا، أنَّها أمانَة حَصَلَتْ في يَدِه، لَزِمَه حِفْظُها، وتَرْكُها تَضْيِيعُها.
فأمّا حَدِيثُ عُمَرَ، فهو في الضّالَّةِ التي لا يَحِلُّ أخْذُها.
فإذا أخَذَه احْتَمَلَ أنَّ له رَدَّه إلى مكانِه، ولا ضَمانَ عليه؛ لهذه الآثارِ، ولأنَّه كان واجِبًا عليه تَرْكُه في مكانِه ابْتِداءً، فكان له ذلك بعد أخْذِه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَبْرَأ مِن ضَمانِه برَدِّه؛ لأنَّه دَخَل في ضَمانِه، فلم يَبْرَأ برَدِّه إلى مكِانِه، كالمَسْرُوقِ، وما يَجُوزُ الْتِقاطُه.
فعلى هذا، لا يَبْرأ إلَّا برَدِّه إلى الإِمامِ أو نائِبِه.
وأمّا عُمَرُ فهو كان الإِمامَ، فإذا أمَر برَدِّه.
فهو كأخْذِه منه.
وحَدِيثُ جَرِير لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّه لم يَأخُذِ البَقَرَةَ، ولا أخَذَها غُلامُه، إنَّما لَحِقَتْ بالبَقَرِ مِن غيرِ فِعْلِه ولا اخْتِيارِه.
كذلك 3 يَلْزَمُه ضَمانُها إذا فَرَّط فيها؛ لأنَّها أمانَة، فهي كالوَدِيعةِ.
..................................
فصل: فإن ضاعَتِ اللّقَطَةُ مِن مُلْتَقِطِها في حَوْلِ التَّعْرِيفِ بغيرِ تَفْرِيطٍ، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّها أمانة في يَدِه، فهي كالوَدِيعةِ.
فإن الْتَقَطَها آخَرُ، فعَلِمَ أنَّها ضاعتْ مِن الأوَّلِ فعليه رَدُّها إليه؛ لأنَّه قد ثَبَت له حَقُّ التَّمَوُّلِ وَولايةُ التَّعْرِيفِ والحِفْظِ، فلا يَزُولُ بالضياعِ.
فإن لم يَعْلَمِ الثّاني بالحالِ حتى عَرَّفَها حَوْلًا، مَلَكَها؛ لأنَّ سَبَبَ المِلكِ وُجِدَ منه مِن غيرِ عُدْوانٍ، فَثَبَتَ المِلْكُ به، كالأوَّلِ، ولا يَمْلِكُ الأوَّلُ انْتِزاعَها منه؛ لأنَّ المِلْكَ مُقَدَّمٌ على حَقِّ التَّملُّكِ.
فإذا جاء صاحبُها أخَذَها مِن الثاني، وليس له مُطَالبةُ الأوَّلِ؛ لأنَّه لم يُفَرِّطْ.
وإن عَلِمَ الثاني بالأوَّلِ، فرَدَّها إليه، فأبَى أخْذَها، وقالْ: عَرِّفْها أنت.
فعرَّفَها، مَلَكَها أيضًا؛ لأنَّ الأوَّلَ تَرَك حَقَّه، فسَقَطَ.
وإن قال: عَرِّفْها، ويكونُ مِلْكُها لي.
ففَعَلَ، فهو نائِبُه في التَّعْرِيفِ، ويَمْلِكُها الأولُ؛ لأنَّه وَكَّلَه في التَّعْرِيفِ، فصَحَّ، كما لو كانتْ في يَدِ الأوَّلِ.
وإن قال: عَرِّفْها، وتكونُ بَينَنا.
ففَعَلَ، صَحَّ أيضًا، وكانتْ بينهما؛ لأنَّه أسْقَطَ حَقَّه مِن نِصْفِها، ووَكَّلَه في الباقِي.
وإن قَصَد الثّاني بالتَّعْرِيفِ تَمَلُّكَها لنَفْسِه دُونَ الأوَّل، احْتَمَلَ وَجْهَين؛ أحدُهما، يَمْلِكُها الثّاني، لأنَّ سَبَبَ المِلْكِ وُجِدَ منه، فمَلَكَها، كما لو أذِنَ له الأوَّلُ في تَعْرِيفِها لنَفْسِه.
والثّانِي، لا يَمْلِكُها؛ لأنَّ ولايةَ
..................................
التَّعْرِيفِ للأوَّلِ، أشْبَهَ ما لو غَصَبَها مِن المُلْتَقِطِ غاصِبٌ فعَرفَها.
وكذلك الحُكْمُ إذا عَلِمَ الثّانِي بالأوَّلِ فعَرَّفها، ولم يُعْلِمْه بها.
ويُشْبِهُ هذا مَن تحَجَّرَ مَواتًا إذا سَبَقَه غيرُه 1 إلى ما حَجَّرَه، فأحْياهُ بغيرِ إذْنِه.
فأمّا إن غَصَبَها غاصِبٌ مِن المُلْتَقِطِ فعَرَّفَها، لم يَمْلِكْها، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه تَعَدَّى بأخْذِها ولم يُوجَدْ منه سَبَبُ تَملّكِها، فإنَّ الالْتِقاطَ مِن جُمْلَةِ السَّبَبِ، ولم يُوجَدْ منه.
ويُفارِقُ هذا إذا الْتَقَطَها ثانٍ، فإنَّه وُجِدَ منه سببُ 2 الالتِقاطِ والتَّعْرِيفِ.
فصل: ومَن اصْطادَ سَمَكةً مِن البَحْرِ، فوَجَدَ فيها دُرَّةً أو عَنْبَرَةً، أو شيئًا مِمّا يكونُ في البَحْرِ، فهو للصَّيّادِ؛ لأنَّ ذلك يكون في البَحْرِ.
قال اللهُ تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ 3. ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ مِلْكِها لغَيرِه.
فإن باعَها الصَّيّادُ ولم يَعْلَمْ، فوَجَدَها المُشْتَرِي في بَطْنِها، فهي للصَّيادِ.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه إذا لم يَعْلَمْ به، فما باعهُ ولا رَضِيَ بزَوالِ مِلْكِه عنه، فأشْبَهَ مَن باع دارًا له مال مَدْفُونٌ فيها.
فإن وَجَدَ دَراهِمَ أو دَنانِيرَ، فهي لُقَطَةٌ، لأنَّ ذلك لا يُخْلَقُ في البَحْرِ، ولا يكونُ إلَّا للآدَمِيِّ، فكان لُقَطَةً، كما لو وَجَدَه في البَرِّ 4. وكذلك الحُكْمُ في الدُّرَّةِ والعَنْبَرَةِ إذا كان فيها أثَرٌ لآدَمِيٍّ، كالمَثْقُوبَةِ، والمُتَّصِلَةِ
..................................
بذَهَبٍ أو فِضَّةٍ أو غيرِهما.
أو كانتِ العَنْبَرَةُ تُفّاحَةً ونحوَ ذلك، مِمَّا لا يُخْلَقُ عليه في البَحْرِ تكونُ لُقَطَةً، لأنَّها لم تَقَعْ في البَحْرِ، حتى تَثْبُتَ اليَدُ عليها، فهي كالدِّينارِ، فمتى وَجَدَها الصَّيّادُ فعليه تَعْرِيفُها، لأنَّه مُلْتَقِطُها، وإن وَجَدَها المُشْتَرِي، فالتَّعْرِيف عليه؛ لأنَّه واجِدُها، ولا حاجَةَ إلى البِدايَةِ بالبائِعِ، فإنَّه لا يَحْتَمِلُ أن تكونَ السَّمَكَةُ ابْتَلَعَتْ ذلك بعدَ اصْطِيادِها ومِلْكِ الصَّيّادِ لها، فاسْتَوَى هو وغيرُه.
فأمّا إن اشْتَرَى شاةً ووَجَدَ في بَطْنِها دُرَّةً أو عَنْبَرَةً أو دَنانِيرَ أو دَراهِمَ، فهي لُقَطَةٌ يُعَرِّفُها، ويَبْدَا بالبائِعِ، لأنَّه يَحْتَمِلُ أن تكونَ ابْتَلَعَتْها مِن مِلْكِه، فيَبْدَا به، كقَوْلِنا في مَن اشْتَرَى في دارًا فوَجدَ فيها مالًا مَدْفُونًا.
وإن اصْطادَ السَّمَكَةَ مِن غيرِ البَحْرِ، كالنَّهْرِ والعَينِ، فحُكْمُها حُكْمُ الشّاةِ، في أنَّ ما وُجِدَ في بَطْنِها مِن ذلك فهو لُقَطَةٌ، لأنَّ ذلك لا يكونُ إلَّا في البَحْرِ عادَةً.
ويَحْتَمِلُ أنَّ النَّهْرَ إذا كان مُتَّصِلًا بالبَحْرِ، فهو كما لو صادَها منه؛ لأنَّها قد تَبتَلِعُ ذلك في البَحْرِ، ثم تَخْرُجُ إلى النَّهْرِ، وإن لم يَكُنْ مُتَّصِلا به، فهو لُقَطَةٌ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ للصَّيّادِ، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾.
فصل: وإن وَجَدَ عَنْبَرَةً على السّاحِلِ، فهي له، لأنَّه يُمْكنُ أنَّ البَحْرَ ألْقاها، والأصْلُ عَدَمُ المِلْكِ فيها، فكانت مُباحَةً لآخِذِها، كالصَّيدِ.
وقد روَى سَعِيدٌ، عن إسماعيلَ بنِ عَيّاش، عن مُعاويَةَ بنِ عَمْرِو
..................................
العَبْدَرِيِّ 1، قال: ألْقَى بَحْرُ عَدَنَ عَنْبَرَةً مِثلَ البَعِيرِ، فأخَذَها ناسٌ بعَدَنَ، فكَتَبَ إلى عُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ، فكَتَبَ إلينا، أن خُذُوا منها الخُمْسَ، وادْفَعُوا إليهم سائِرَها، وإن باعوكُمُوها فاشْتَرُوها.
فأرَدْنا أن نَزِنَها، فلم نَجِدْ مِيزانًا يُخْرِجُها، فقَطَعْناها ثِنْتَينِ ووَزَنّاها، فوَجَدْناها 2 سِتَّمائةَ رَطْل، فأخَذْنا خُمْسَها، ودَفَعْنا سائِرَها إليهم، ثم اشْتَرَيناها بخَمْسَةِ الآفِ دِينارٍ، وبَعَثْنا بها إلى عُمَرَ، فلم يَلْبَثْ إلَّا قَلِيلًا حتى باعَها بثَلاثةٍ وثَلاثِين ألْفَ دِينارٍ.
فصل: وإن صاد غَزالًا فوَجَدَه مَخْضُوبًا، أو في عُنُقِه خَرَزٌ، أو في أذُنِه قُرْط، ونحوَ ذلك ممّا يَدُلُّ على ثُبُوتِ اليَدِ عليه، فهو لُقَطَة؛ لأنَّ ذلك يَدُلُّ على أنَّه كان مَمْلُوكًا.
قال أحمدُ، في مَن ألْقَى شَبَكَةً في البَحْرِ فوَقَعَتْ فيها سَمَكَةٌ، فجَذَبَتِ الشَّبَكَةَ، فمَرَّت بها في البَحْرِ، فصادَها رَجُلٌ: فإنَّ السَّمَكَةَ له، والشَّبَبهَةُ يُعَرِّفُها ويَدْفَعُها إلى صاحِبِها.
فجَعَلَ الشَّبَكَةَ لُقَطَةً؛ لأنَّها كانت 3 مَمْلُوكَةً لآدَمِي، والسَّمَكَةُ لمَن صادَها؛ لأنَّها كانت مُباحَةً، ولم يَمْلِكْها صاحِبُ الشَّبَكَةِ؛ لكَوْنِ شَبَكَتِه لم تُثْبِتْها، فبَقِيَتْ على الإِباحةِ.
وهكذا لو نَصَب فَخًّا أو شرَكًا، فوَقَعَ فيه صَيدٌ مِن صُيُودِ البَرِّ فأخَذَه وذَهَب به، فصادَه آخَرُ، فهو لمن صادَه، ويَرُدُّ الآلةَ إلى صاحِبِها، فإن لم يَعْرِفْ صاحِبَها
..................................
فهي لُقَطَةٌ.
وقال أحمدُ، في رَجُل انْتَهَى إلى شَرَكٍ فيه حِمارُ وَحْش أو ظَبي قد شارَفَ المَوْتَ، فخَلَّصَه وذَبَحه: فهو لصاحِبِ الحِبَالةِ 1، وما كان من الصَّيدِ في الحِبَالةِ (1) فهو لمَن نَصَبَها، وإن كان بازِيًّا أو صَقْرًا أو عُقَابًا.
وسُئِلَ عن بازِي أو صَقْر أو كَلْبٍ مُعَلَّم أو فَهْدٍ، ذَهَب عن صاحِبِه، فدَعَاهُ فلم يُجِبْه، ومَرَّ في الأرضَ حتى أتَى لذلك أيام، فأتَى قَرْيَةً، فسَقَطَ على حائِطٍ، فدَعَاهُ رَجُل فأجابَهُ.
قال: يَرُدُّه على صاحِبِه.
قيلَ له: فإن دَعَاهُ فلم يُجِبْه، فنَصَبَ له شَرَكًا فصادَه به.
قال: يَرُدُّه على صاحِبِه.
فجَعَلَه لصاحِبِه؛ لأنَّه قد مَلَكَه، فلم يزُلْ مِلْكُه عنه بذَهَابِه، والسَّمَكَةُ في الشَّبَكَةِ لم يَكُنْ مَلَكَها ولا حازَها، وكذلك جَعَل ما وَقَع في الحِبَالةِ مِن الصَّقْرِ والعُقابِ لصاحِبِ الحِبَالةِ (1)، ولم يَجْعَلْه ههُنا لمَن وَقَع في شَرَكِة؛ لأنَّ هذا فيما عُلِمَ أنَّه قد كان مَمْلُوكًا لإِنْسانٍ فذَهَبَ، وإنَّما يُعْلَمُ هذا بالخَبَرِ، أو بوُجُودِ ما يَدُلّ على المِلْكِ فيه، كوُجُودِ السَّيرِ في رِجْلِه أو آثار التَّعْلِيمِ، مثلَ اسْتِجابَتِه للذي يَدْعُوه، ونحو ذلك، فإن لم يُوجَدْ ما يَدُلّ على أنَّه مَمْلُوك، فهو لمَن صادَه؛ لأنَّ الأصْلَ إباحَتُه وعَدَمُ الملْك فيه.
فصل: ومَن أخِذَتْ ثِيابُه في الحَمّامِ ووَجَد بَدَلَها، أو أخِذَ مَداسُه وتُرِكَ له بَدَلُه، لم يَمْلِكْه بذلك.
قال أحمدُ، في مَن سُرِقَتْ ثيابُه ووَجَدَ غيرَها: لم يَأخُذْها، فإن أخَذَها عَرَّفَها سَنَةً، ثم تَصدَّقَ بها.
إنَّما قال
..................................
ذلك؛ لأنَّ آخِذَ الثِّيابِ لم تَقَع بينَه وبينَ مالِكِها مُعاوَضَة تَقْتَضِي زَوال مِلْكِه عن ثِيابِه، فإذا أخَذَها فقد أخَذ مال غيرِه، ولا يَعرِفُ صاحِبَه، فيُعَرفُه، ويَتَصَدَّقُ به، كالصَّدَقَةِ باللُّقَطَةِ.
قال شيخُنا 1: ويحتَمِلُ أن يُنْظَرَ في هذا، فإن كانت ثَمَّ قَرِينةٌ تَدُلُّ على السَّرِقَةِ، بأن تكونَ ثِيابُه أو مَداسُه خَيرًا مِن المتْرُوكِ له، وكانت مما لا يَشْتَبهُ على الآخِذِ بثِيابِه ومَداسِه، فلا حاجَةَ إلى التَّعرِيفِ؛ لأنَّ التَّعرِيفَ إنَّما جُعِلَ على المالِ الضّائِعِ مِن رَبِّه، ليَعلَمَ به ويَأخُذَه.
وتارِكُ هذا عالِمٌ به راض بِبَدَلِه عِوَضًا عما أخَذَه، ولا يَعتَرِفُ أنَّه له، فلا يحصُلُ مِن تَعرِيفِه فائِدَةٌ، فإذًا ليس بمَنْصُوص عليه، ولا هو في مَعنَى المَنْصُوصِ.
وفيما يَصنَعُ به ثَلاثة أوْجُهٍ؛ أحدُها، يتَصَدَّقُ بها، على ما ذَكَرنا.
والثاني، أنه يُباحُ له أخْذُها؛ لأنَّ صاحِبَها في الظّاهِرِ تَرَكَها له باذِلًا إيّاها عِوَضًا عمّا أخَذَه، قصارَ كالمُبِيحِ له أخْذَها بلِسانِه، فصارَ كمَن قَهر إنْسانًا على أخْذِ ثَوْبِه ودَفَع إليه دِرهمًا.
والثالثُ، يَرفَعُها إلى الحاكِمِ ليَبِيعَها ويَدفَعَ إليه ثَمَنَها عِوَضًا عن مالِه.
والوَجْهُ الثاني أقْرَبُ إلى الرِّفْقِ بالنّاسِ؛ لأنَّ فيه نَفْعًا لمَن سُرِقَتْ ثِيابُه بحُصُولِ عِوَض عنها، ونَفْعًا للسّارِقِ بالتَّخْفِيفِ عنه مِن الإِثمِ، وحِفْظًا لهذه الثِّيابِ المَتْرُوكَةِ مِن الضَّياعِ، وقد أباحَ بعضُ أهْلِ العِلْم في من له على إنْسانٍ حَقٌّ مِن دَين أو غَصبٍ، أن يَأخُذ مِن مالِه بقدرِ حَقِّه إذا عَجَز عن اسْتِيفائِه بغيرِ ذَلك، فههُنا مع رِضَاءِ مَن عليه الحَقُّ بأخْذِه
..................................
أوْلَى.
وإن كانت ثَمَّ قَرِينةٌ دالَّةٌ على أنَّ الآخِذَ للثِّيابِ إنَّما أخَذَها ظَنًّا منه أنّها ثِيابُه، مثلَ أن تكون المَتْروكَةُ مثلَ الأخُوذَةِ أو خيرًا منها، وهي مما تَشْتَبِهُ بها، فيَنْبَغِي أن يُعَرِّفَها ههُنا؛ لأنَّ صاحِبَها لم يَتْرُكْها عَمدًا، فهي بمَنْزِلَةِ الضّائِعَةِ.
والظاهِرُ أنَّه إذا عَلِمَ بها أخَذها ورَدَّ ما كان أخَذَه، فتَصِيرُ كاللُّقَطَةِ في المعنَى، وبعدَ التَّعرِيفِ إذا لم تُعرَفْ، فَفِيها الأوْجُهُ الثلاثةُ المَذْكُورَةُ، إلَّا أنَّنا إذا قُلْنا: يأخُذُها أو يَبِيعُها الحاكِمُ ويَدفَعُ إليه ثَمَنَها.
فإنَّما يأخُذُ بقَدرِ قِيمَةِ ثِيابِه مِن غيرِ زِيادَةٍ؛ لأنَّ الزّائِدَ فاضِلٌ عَمّا يَسْتَحِقُّه، ولم يَرضَ صاحِبُها بتَركِها عِوَضًا عَمّا أخَذَه، فإنَّه لم يأخُذْ غيرَها اخْتِيارًا منه لتَركِها، ولا رضِىَ بالمُعاوَضَةِ بها.
وإذا قُلْنا: إنَّه يَنفَعُها إلى الحاكِمِ ليَبِيعَها ويَدفَعَ إليه ثَمَنَها.
فله أن يَشْتَرِيَها عمَّا 1 في ذمَّتِه، في يسْقِطَ عنه مِن ثَمَنِها ما قابَلَ ثِيابَه، ويَتَصَدَقَ بالباقِي.
فصل: نَقَلَ الفَضْلُ بنُ زِيادٍ، عن أحمدَ، إذا تتازَعَ صاحِبُ الدّارِ والسّاكِنُ في دِفْنِ في الدّارِ، فقال كلٌّ مِنْهُما: أنا دَفَنْتُه.
يُبَين كلُّ واحدٍ منهما ما الذي دَفنَ، فكُلُّ مَن أصابَ الوَصفَ فهو له، وذلك لأنَّ ما يوجدُ من الدَّفْنِ في الأرضِ ممّا عليه علامةُ السلمين، فهو لُقَطَة، واللُّقَطَةُ تُسْتَحَقُّ بوصفِها، ولأنَّ المُصِيبَ للْوَصفِ في الظّاهِرِ هو مَن كان ذلك في يَدِه، فكان أحَقَّ به، كما لو تَنازَعَهُ أجْنَبِيّان، فوَصَفَه أحَدُهما.
فصل: ومَنْ وَجَد لُقَطَةً في دارِ الحربِ، فكان في جَيشٍ، فقال
وَهِيَ عَلَى ثَلًاثَةِ أضْرُبٍ؛ حَيَوان، فَيُخَيَّرُ بَينَ أكْلِهِ وَعَلَيهِ قِيمَتُهُ، وَبَينَ بَيعِهِ وَحِفْظِ ثَمَنِهِ، وَبَينَ حِفْظِهِ والإنْفَاقِ عَلَيهِ مِنْ مَالِهِ.
أحمدُ: يُعَرِّفُها سَنَةً في دارِ الإِسْلامِ، ثم يَطْرَحُها في المَقْسِمِ.
إنَّما عَرَّفَها في دارِ الإِسْلامِ، لأنَّ أموال أهْلِ الحَربِ مُباحَةٌ، ويجوزُ أن تكونَ لمُسْلِم، وقد لا يُمكِنه المُقَامُ في دارِ الحَرب لتَعرِيفِها.
ومَعناه، واللهُ أعلمُ، أنَّه يُتِمُّ التَّعرِيفَ في دارِ الإِسْلامِ، فأَمّا ابْتِداءُ التّعرِيفِ فيكونُ في (1) الجَيشِ الذي هو فيه، لأنَّه يَحتَمِلُ أن تكونَ لأحَدِهِم، فإذا قَفَل أتَمَّ التَّعرِيفَ في دارِ الإِسْلامِ.
فأمّا إن دَخَل دارَهُم بأمَانٍ، فيَنْبَغِي أن يُعَرِّفَها في دارِهِم، لأن أموالهُم مُحَرّمةٌ عليه، فإذا لم تُعرَفْ مَلَكَها، كما يَملِكُها في دارِ الإِسْلامِ.
وإن كان في الجَيشِ، طَرَحَها في المَقسِمِ بعدِ التَّعرِيفِ؛ لأنَّه وَصَل إليها بقُوَّةِ الجَيشِ، فأشْبَهتْ مُباحاتِ دارِ الحربِ إذا أخَذَ منها شيئًا.
فإن دَخَل إليهم مُتَلَصِّصًا فوَجَدَ لُقَطَةً، عَرَّفَها في دارِ الإِسْلامِ، لأنَّ أموالهُمٍ مُباحَةٌ له، ثم يكونُ حُكْمُها حُكْمَ غَنِيمَتِه.
ويَحتَمِلُ أن تكونَ غَنِيمة له لا تَحتاجُ إلى تَعرِيفٍ، لأنَّ الظاهِرَ أنَّها مِن (1) أموالِهِم، وأمْوالُهُم غَنِيمَةٌ، واللهُ أعلَمُ.
2505 -
مسألة: (وهي على ثَلاثَةِ أضْرُبٍ؛ حيوانٌ، فيُخَيَّرُ بين أكلِه)
في الحالِ (وعليه قِيمَتُه، وبينَ بَيعِه وحِفْظِ ثَمَنِه، وبينَ تَركِه1
وهل يَرجِعُ بِذَلِكَ؛ عَلَى وَجْهينِ.
والإنْفاقِ عليه مِن مالِه.
وهل يَرجِعُ) به؟ (على وَجْهين) وجُملَةُ ذلك، أنَّ مُلْتَقِطَ الشّاةِ وما كان مِثْلَها ممَّا يُبَاحُ أكْلُه، يتَخَيَّرُ مُلْتَقِطُها بين ثلاثةِ أشياءَ؛ أحدُها، أكْلُها في الحالِ.
وبه قال مالكٍ، وأبو حنيفةَ، والشافعي، وغيرُهم.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعُوا على أنَّ ضالَّةَ الغَنَمِ في المَوْضِعِ المَخُوفِ عليها، له أكْلُها؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «هِيَ لَكَ أوْ لِأخِيكَ أوْ لِلذِّئْب».
جَعَلَها له في الحالِ، وسَوَّى بينَه وبينَ الذِّئْبِ، والذِّئْبُ لا يُؤَخِّرُ أكلَها، ولأنَّ في أكْلِها في الحالِ إغْناءً غن الإِنْفاقِ عليها، وحِراسَةً لمالِيَّتها على صاحِبِها إذا جاء، فإنَّه يأخُذُ قِيمَتَها بكَمالِها، وفي إبْقائِها تَضْييعٌ للمالِ بالإنْفاقِ عليها والغَرَامَةِ في عَلْفِها، فكان أكْلُها أوْلَى.
وإذا أرادَ أكلَها حَفِظَ صِفَتَها، فمتى جاء صاحِبُها غَرِمَها له، في قولِ عامّةِ أهْلِ العِلْمِ، وقال مالكٌ: كُلْها ولا غُرمَ عليك لصاحبِها ولا تَعرِيفَ لها؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «هِيَ لَكَ».
ولم يُوجِبْ فيها تَعرِيفًا ولا غرمًا، ولأنَّه سَوَّى بينَه وبينَ الذِّئْبِ، والذِّئْبُ لا يُعَرِّفُ ولا يَغْرَمُ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لم يُوافِقْ مالِكًا أحَدٌ مِن العُلَماءِ على قولِه.
وقولُ النبيِّ
..................................
- صلى الله عليه وسلم - في حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عَمرو: «رُدَّ عَلَى أخِيكَ ضَالَّتَهُ» 1. دَلِيلٌ على أنَّ الشّاةَ على مِلك صاحبِها.
ولأنَّها لُقَطَة لها قِيمَةٌ، وتَتْبَعُها النَّفْسُ، فتَجِبُ غَرامَتُها لصاحِبِها إذا جاء، كغيرها، ولأنَّها مِلْك لصاحِبِها، فلم يَجُزْ تَمَلُّكُها عليه بغيرِ عِوَض مِن غيرِ رِضاه، كما لو كانت بينَ البُنْيانِ، ولأنَّها عَين يَجِبُ رَدُّها مع بَقائِها،.
فوَجَبَ غُرمُها إذا أتْلَفَها، كَلُقَطَةِ الذَّهبِ.
وكونُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «هِيَ لَكَ» لا يَمنَعُ وُجُوبَ غَرامَتِها، فإنَّه قد أذِنَ في لُقَطَةِ الذّهبِ والوَرِقِ بعدَ تَعرِيفِها، في أكْلِها وإنْفاقِها، وقال: «هِيَ كَسَائِرِ مَالِكَ» 2. ثم أجْمَعنا على وُجُوبِ غَرَامَتِها، كذلك الشّاةُ.
ولا فرقَ في إباحةِ أكْلِها بينَ وجْدانِها في الصَّحراءِ أو في المِصرِ.
وقال مالكٍ، وأبو عُبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصحابُ الشافعيِّ: ليس له أكلُها في المِصرِ؛ لأنَّه يُمكِنُ بَيعُها، بخِلافِ الصَّحراءِ.
ولَنا، أنَّ ما جازَ أكْلُه في الصَّحراءِ جازَ في المِصرِ، كسائِرِ المَأكُولاتِ، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «هِيَ لَكَ».
ولم يَسْتَفْصِلْ، ولأنَّ أكْلَها معلَّلٌ بما ذَكرنا
..................................
مِن الاسْتِغْناءِ عن الإنْفاقِ عليها، وهذا في المِصرِ أشَدُّ منه في الصَّحراءِ.
الثاني، تركُها والإنْفاقُ عليها مِن مالِه، ولا يَتَمَلَّكُها، فإن تَرَكَها ولم يُنْفِقْ عليها، ضَمِنَها؛ لأنَّه فَرَّطَ فيها.
كان أنْفَقَ عليها مُتَبَرِّعًا، لم يَرجع على صاحِبِها، فإن أنْفَقَ بِنيَّةِ الرُّجُوعِ على صاحِبِها، وأشْهدَ على ذلك، رَجَع عليه بما أنْفَقَ، في إحدَى الرِّوايَتَين.
نصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ،
..................................
في طيرَةٍ أفْرَخَتْ عندَ قَوْم، فقَضَى أنَّ الفِراخَ لصاحِبِ الطيرَةِ، ويَرجِعُ بالعَلَفِ إذا لم يَكُنْ مُتَطَوِّعًا.
وقَضَى عمرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ في مَن وَجَد ضالَّةً فأنْفَقَ عليها، فجاء رَبُّها، فإنَّه يَغْرَمُ له ما أنْفَقَ؛ وذلك أنَّه أنْفَقَ على اللُّقَطةِ لحِفْظِها، فكان مِن مالِ صاحِبِها، كمُؤْنَةِ تَجْفِيفِ الرُّطَبِ والعِنَبِ.
والثّانِيةُ، لا يَرجِعُ بشيءٍ.
وهو قولُ الشَّعبِيِّ، والشافعيِّ، ولم يُعجِبِ الشَّعبِيَّ قَضَاءُ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ؛ لأنَّه أنْفَقَ على مالِ غيرٍ بغيرِ إذْنِه، فلم يَرجِع به، كما لو بَنَى دارَه، ويُفارِقُ العِنَبَ والرُّطَبَ، فإنه قد يَكونُ تَجْفِيفُه والإِنْفاقُ عليه أحَظَّ لصاحِبِه؛ لأنَّ النَّفَقَةَ عليه لا تَتَكَرَّرُ، والحَيَوانُ يَتَكَرَّرُ الإِنْفاقُ عليه، فرُبَّما اسْتَغْرَقَ ثَمَنَه، فكان بَيعُه وأكْلُه أحَظَّ، فلذلك لم يَرجِعِ المُنْفِقُ عليها بما أنْفَقَ.
الثالثُ، بَيعها وحِفْظُ ثَمَنِها لصاحِبِها، وله أن يَتَوَلَّى ذلك بنَفْسِه.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ:
..................................
يَبِيعُها بإذْنِ الإِمامِ.
ولَنا، أنَّه إذا جاز له أكلُها مِن غيرِ إذْنٍ فبَيعُها أوْلَى.
ولم يَذْكر أصحابُنا لها تَعرِيفًا في هذه المواضِعِ.
وهو قولُ مالكٍ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «خُذْها، فَإنمَا هِيَ لَكَ أوْ لِأخِيكَ أوْ لِلذِّئبِ».
ولم يَأمر بتَعرِيفِها، كما أمَرَ في لُقَطَةِ الذَّهبِ والوَرِقِ.
ولَنا، أنَّها لُقَطَةٌ لها خَطَرٌ، فوَجَبَ تعرِيفُها، كالمَطْعُومِ الكَثِيرِ، وإنَّما تَرَك ذِكْرَ تَعرِيفِها؛ لأنَّه ذَكَرَها بعدَ بَيانِ التَّعرِيفِ فيما سِواها، فَاسْتَغْنَى بذلك عن ذِكْرِه فيها، ولا يَلْزَمُ مِن جَوازِ التَّصَرُّفِ فيها في الحَوْلِ سُقُوطُ تَعرِيفِها، كالمَطْعُومِ، وإذا أرادَ بَيعَها أو أكْلَها، لَزِمَه حِفْظُ صِفَتِها؛ لحَدِيثِ زَيدِ بنِ خالدٍ، وسَنَذْكُرُه إن شاء اللهُ.
فصل: وإذا أكَلَها ثَبَتَتْ قِيمَتُها في ذِمَّتِه، ولا يَلْزَمُه عَزْلُها؛ لعَدَمِ الفائِدَةِ فيه، فإنَّها لا تُنْقَلُ مِن الذِّمَّةِ إلى المالِ المَغزُولِ.
ولو عَزَل شَيئًا ثم أفْلَسَ، كان صاحِبُ اللُّقَطَة أسْوَةَ الغُرَماءِ، ولم يَخْتَصَّ بالمالِ المَعزُولِ.
فأمَّا إن باعَها وحَفِظَ ثَمَنَها، وجاء صاحِبُها، أخَذَه، ولم يُشارِكْه فيه أحَدٌ مِن الغُرَماءِ؛ لأنَّه عَينُ مالِه، ولا شيءَ للمُفْلِسِ فيه، فهو كالوَدِيعَةِ.
الثَّانِي، مَا يُخْشَى فَسادُهُ، فَيَتَخَيَّرُ بَينَ بَيعِهِ وَأكْلِهِ إلا أنْ يمكِنَ
2506 - مسألة: (الثاني، ما يُخْشَى فَسادُه، فيُخَيَّرُ بين بَيعِه وأكلِه)
إن كان ممّا لا يُمكِنُ تَجْفِيفُه، كالفاكِهةِ التي لا تُجَفَّفُ، والطَّبِيخِ، والبِطِّيخِ، والخَضْراواتِ، فهو مُخَيَّر بينَ أكْلِه، وبَيعِه وحِفْظِ ثَمَنِه، ولا يجوزُ إبْقاؤه؛ لأنَّه يَتْلَفُ.
فإن تَركَه حتى تَلِفَ، ضَمِنَه؛ لأنَّه فَرَّطَ في حِفْظِه، فهو كالوَدِيعَةِ.
فإن أكلَه ثَبَتتِ القِيمَةُ في ذِمَّتِه، على ما ذَكَرنا في الشّاةِ.
وهذا ظاهِرُ مَذْهبِ الشافعيِّ.
وله أن يَتَوَلَّى بَيعَه بنَفْسِه.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: ليس له بَيعُه إلَّا بإذْنِ الحاكِمِ، فإن عَجَز عنه، جاز البَيعُ بنَفْسِه، لأنَّه حالُ ضَرُورَةٍ، فأمّا مع القُدرَةِ على اسْتِئْذائِه فلا يجوزُ مِن غيرِ إذنْه، لأنَّه مالٌ معصُوم لا ولايةَ عليه، فلم يَجُزْ لغيرِ الحاكِمِ بَيعُه، كغيرِ المُلْتَقَطِ.
ولَنا، أنَّه مال أبِيحَ للمُلْتَقِطِ أكلُه، فأبيحَ له بَيعُه، كمالِه.
ومتى أرادَ بَيعَه أو أكْلَه، حَفِظَ صِفاتِه، ثم
تَجْفِيفُهُ؛ كَالْعِنَبِ، فَيَفْعَلَ مَا يَرَى الْحَظَّ فِيهِ لِمَالِكِهِ.
عَرَّفَه عامًا، على ما نَذْكُرُه.
فإن تَلِفَ الثَّمَنُ قبلَ تَمَلُّكِه مِن غيرِ تَفْرِيطٍ أو نَقْصٍ، أو تَلِفَتِ العَينُ أو نَقَصَتْ مِن غيرِ تَفرِيطٍ، فلا ضَمانَ عليه.
وإن تَلِفَ أو نقَصَ بتَفْرِيطِه، أو تَلِفَتِ اللُّقَطَةُ بتَفْرِيطِه، فعليه ضَمانُه، وكذلك إن تَلِفَ بعد تَمَلكِه أو نقَصَ.
وإن كان ممّا (يمكِنُ تَجْفِيفُه؛
وغَرَامَةُ التَّجْفِيفِ مِنْهُ.
وَعَنْهُ، يَبِيعُ الْيَسِيرَ، وَيَدفَعُ الْكَثِيرَ إِلَى الْحَاكِمِ.
كالعِنَبِ) والرُّطَبِ، فيَنْظُرُ ما فيه الحَظُّ لمالِكِه، فإن كان في التَّجْفِيفِ فعَلَه، ولم يَكُنْ له إلَّا ذلك؛ لأنَّه مالُ غيرِه، فلَزِمَه فعلُ (1) ما فيه الحَظُّ لصاحِبِه، كوَلِيِّ اليَتيمِ.
2507 -
مسألة: (وغَرامَةُ التَّجْفِيفِ منه)
وله بَيعُ بعضِه في ذلك؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ.
فإن أنْفَقَ مِن مالِه رَجَع به؛ لأنَّ النَّفَقَةَ ههُنا لا تُكَرَّرُ، بخِلافِ نَفَقةِ الحَيَوانِ، فإنَّها تُكَرَّرُ، فرُبَّما اسْتَوْعَبَتْ قِيمَتَه، فلا يكونُ لصاحِبِها حَظٌّ في إمساكِها إلَّا بإسْقاطِ النَّفَقَةِ.
وإن كان الحَظُّ في بَيعِه باعَهُ وحَفِظَ ثَمَنَه، كالطَّعامِ الرَّطْبِ.
فإن تَعَذَّرَ بَيعُه، ولم يُمكِنْ تَجْفِيفُه، تَعَيَّنَ أكلُه، كالبِطِّيخِ 2. وإن كان أكلُه أنْفَعَ لصاحِبِه، فله أكلُه أيضًا.1
الثَّالِثُ، سَائِرُ الْمَالِ، فَيَلْزَمُهُ حِفْظُهُ، وَيُعَرِّف الْجَمِيعَ بِالنِّدَاءِ عَلَيهِ فِي مَجَامِعِ النَّاسِ؛ كَالْأَسْوَاقِ وَأبْوَابِ الْمَسَاجِدِ فِي أوْقَاتِ
قال شيخُنا (1): ويَقْتَضِي قولُ أصحابِنا: إنَّ العُرُوضَ لا تُملَكُ بالتّعرِيفِ.
وأنَّ (2) هذا كُلّه لا يجوزُ له أكلُه، لكن يُخَيَّرُ بين الصَّدَقَةِ به وبينَ بَيعِه، وقد قال أحمدُ في مَن وَجَد في مَنْزِلِه طَعامًا لا يَعرِفُه: يُعَرِّفُه ما لم يَخشَ فَسادَه، فإن خَشِيَ فَسادَه، تَصَدَّقَ به، فإن جاء صاحِبُه غَرِمَه.
وكذلك قال مالكٍ، وأصحابُ الرَّأي، في لُقَطَةِ ما لا يَبْقَى سنةً: يَتَصَدَّق به.
وقال الثَّوْرِي: يَبِيعُه ويَتَصَدَّقُ بثَمَنِه.
ولَنا على جَوازِ أكْلِه، قَوْلُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في ضَالَّةِ الغَنَمِ: «خُذْها، فإنَّما هِيَ لَكَ أوْ لِأخِيكَ أوْ لِلذِّئبِ».
وهذا تَجْويزٌ للأكْلِ.
فإذا جاز أكْلُ ما هو مَحفُوظٌ بنَفْسِه، ففيما (3) يَفْسُدُ بِبَقائِه أوْلَى.
وعن أحمدَ، أنَّه (يَبِيعُ اليَسِيرَ، ويَنفَعُ الكَثِيرَ إلى الحاكِمِ) لأنَّ الكَثِيرَ مالٌ لغيرِه، لم يَأذَنْ له في بَيعِه، فيكونُ أمرُه إلى الحاكِمِ.
وأمّا اليَسِيرُ فتدخُلُه المُسامَحَةُ، ويَشُقُّ رَفْعُه إلى السُّلْطانِ، ورُبَّما تَضِيعُ عندَ السُّلْطانِ.
2508 -
مسألة: (الثّالثُ، سائِرُ المالِ، فيَلْزَمُه حِفْظُه، ويُعَرِّفُ الجَمِيعَ بالنداءِ عليه في مَجامِعِ النّاسِ؛ كالأسْواقِ، وأبوابِ المَسَاجِدِ
123
الصَّلَوَاتِ، حَوْلًا كَامِلا: مَنْ ضَاعَ مِنْهُ شَيء أوْ نَفَقَةٌ.
وَأجْرَةُ الْمُنَادِي عَلَيهِ.
وَقَال أبو الْخَطَّابِ: مَا لَا يملَكُ بِالتّعرِيفِ، وَمَا يُقْصَدُ حِفْظُهُ لِمَالِكِهِ، يَرجِعُ بِالأجْرَةِ عَلَيهِ.
في أوْقاتِ الصَّلَواتِ، حَوْلًا كامِلًا، مَن ضاع منه شيءٌ أو نَفَقَةٌ.
وأجْرَةُ المُنادِي عليه.
وقال أبو الخَطَّابِ: ما لا يُملَكُ بالتّعرِيفِ، وما يُقْصَدُ حِفْظُه لمالِكِه، رَجَع بالأجْرِ عليه) وجُملةُ ذلك، أنَّ في التعْرِيفِ فُصُولًا سِتّةً: في وُجُوبِه، وقَدرِه، وزَمانِه، ومَكَانِه، ومَن يَتَوَلَّاه، وكَيفِيّته.
أمّا وُجُوبُه، فهو واجِبٌ على كُلِّ مُلْتَقِطٍ، سواءٌ أرادَ تَملُّكَها أو حِفْظَها لصاحِبِها، إلَّا في اليَسِيرِ الذي لا تَتْبَعُه النَّفْسُ، وقد ذَكَرناه.
وقال الشافعيُّ: لا يَجِبُ على مَن أرادَ حِفْظَها لصاحِبِها.
ولَنا، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمَر به زَيدَ بنَ خالِدٍ، وأبيَّ بنَ كَعبٍ 1، ولم يُفَرِّقْ، ولأنَّ حِفْظَها
..................................
لصاحِبِها إنَّما فائِدَتُه إيصالُها إليه، وطَرِيقُه التَّعريفُ، أنها بقَاؤها في يَدِ المُلْتَقِطِ مِن غيرِ وُصُولِها إلى صاحِبِها، فهو وَهلَاكُها سِيّانِ، ولأنَّ إمساكَها مِن غيرِ تعرِيفٍ تَضْيِيعٌ لها عن صاحِبِها، فلم يَجُزْ، كَرَدِّها إلى مَوْضِعِها، أو إلْقائِها في غيرِه، ولأنَّه لو لم يَجِبِ التّعرِيفُ، لَمَا جازَ الالْتِقاطُ، لأنَّ بَقاءَها في مَكانِها إذًا أقْرَبُ إلى وُصُولِها إلى صاحِبِها؛ إمّا بأن يَطْلُبَها في المَوْضِعِ الذي ضاعَتْ منه فيَجِدَها، وإمّا بأنْ يَأخُذَها مَن يَعرِفُها، وأخْذُ هذا لها يُفَوِّتُ الأمرَين، فيَحرُمُ، فلمّا جاز الالْتِقاطُ لَزِمَ وُجُوبُ التعريفِ، كَيلَا يحصُلَ هذا الضَّرَرُ، ولأنَّ التعْرِيفَ واجب على مَن أرادَ تَمَلُّكَها، وكذلك على 1 مَن أرادَ حِفْظَها، فإنَّ التَّمَلُّكَ غيرُ واجِبٍ، فلا تجِبُ الوَسِيلَةُ إليه، فَيَلْزَمُ أن يكونَ الوُجُوبُ في المَحَلِّ المُتَّفَقِ عليه؛ لصيَانَتِها عن الضيَاعِ عن صاحِبِها، وهذا مَوْجُودٌ في مَحَلِّ النِّزَاعِ.
الفصل الثاني، في قَدرِ التَّعرِيفِ، وذلك سَنَةً.
رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وعليّ، وابنِ عَباس.
وبه قال سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والشَّعبِيُّ، ومالك، والشافعيُّ، وأصحابُ الرأي.
ورُويَ عن عُمَرَ رِوايَة أُخْرى: يُعَرِّفُها ثَلاثةَ أشْهُرٍ.
وعنه ثلاثةَ أعوام؛ لأنَّ أبَي بنَ كَعبٍ روَى أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَه
..................................
بتَعرِيفِ مائةِ الدينارِ ثلاثةَ أعوام.
وقال أبو أيوبَ الهاشِمِيُّ 1: ما دُونَ الخَمسِين دِرهمًا يُعَرِّفُها ثلاثةَ أيام إلى سَبْعةِ أيامٍ.
وقال الحَسَنُ بنُ صالح: ما دُونَ عَشَرَةِ دَراهِمَ يُعَرِّفُها ثَلاثةَ أيام.
وقال الثَّوْرِيُّ في الدِّرهمِ: يُعَرِّفُه أربعةَ أيامٍ.
وقال إسحقُ: ما دُونَ الدِّينارِ يُعَرِّفُه جُمُعةً أو نحوَها.
وروى أبو إسحقَ الجُوزجانِيُّ، بإسْنادِه، عن يَعلَى بنِ أمَيَّةَ قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنِ الْتَقَطَ دِرهمًا أو حَبْلًا، أو شِبْه ذَلِكَ، فَلْيُعَرِّفْهُ ثَلاثةَ أيام، فَإنْ كَانَ فَوْقَ ذَلِكَ، فَلْيُعَرِّفْه سَبْعةَ أيامٍ» 2. ولَنا، حَدِيثُ زَيدِ بنِ خالدٍ الصَّحِيحُ، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَه بعَام واحدٍ، ولأنَّ السَّنَةَ لا تَتَأخَّرُ عنها القَوافِلُ، ويَمضِي فيها الزَّمانُ الذي تُقْصَدُ فيه البِلادُ مِن للحَرِّ والبردِ والاعتِدالِ، فصَلُحَتْ قَدرًا، كُمدَّةِ أجَلِ العِنِّينِ 3. فأمّا حدِيثُ أبَيّ، فقد قال الرّاوي: لا أدرِي ثَلاثةَ أعوام، أو عامًا واحِدًا.
قال أبو داوُدَ: شَكَّ الرّاوي في ذلك.
وحَدِيثُ يَعلَى لم يَقُلْ به قائِلٌ على وَجْهِه، وحَدِيثُ زَيدِ بن خالدٍ وأبَيٍّ أصَحُّ منه وأوْلَى.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَجِبُ أن تكونَ هذه السَّنَةُ تلِي الالْتِقاطَ، وتكونُ مُتَوالِيةً؛
..................................
لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَر بتَعرِيفِها حين سُئِلَ عنها، والأمرُ يَقْتَضِي الفَوْرَ، ولأنَّ القصدَ بالتَّعرِيفِ وُصُولُ الخَبَرِ إلى صاحِبِها، وذلك يَحصُلُ بالتَّعرِيفِ عَقِيبَ ضَياعِها مُتَوالِيًا؛ لأنَّ صاحِبَها في الغالِبِ إنَّما يَطْلُبُها عَقِيبَ ضَياعِها، فيَجِبُ تَخْصِيصُ التّعرِيفِ به.
الفصل الثالث، في زَمانِه، وهو النَّهارُ دُونَ اللَّيلِ؛ لأنَّ النَّهارَ مَجْمَعُ الناسِ ومُلْتَقاهُم، بخِلافِ اللَّيلِ، ويكونُ ذلك في اليَوْمِ الذي وَجَدها والأسْبُوعِ؛ لأنَّ الطَّلَبَ فيه أكثَرُ، ولا يَجِبُ فيما بعدَ ذلك متَواليًا.
وقد روى الجُوزْجانِيُّ بإسْنادِه، عن مُعاويَةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ بَدرٍ الجُهني، قال: نَزَلْنا مُنَاخَ رَكْب فوَجَدتُ خِرقة فيها قَرِيب مِن مائةِ دِينار، فجِئْتُ بها إلى عُمَرَ، فقال: عَرِّفْها ثلاثةَ أيام على بابِ المَسْجِدِ، ثم أمسِكْها حتى قَرنِ السَّنَةِ، ولا يَفِدُ مِن رَكْبٍ إلا أنْشَدتَها، وقلتَ: الذَّهبُ بطَرِيقِ الشّامِ.
ثم شَأنَكَ بها 1.
..................................
الفصل الرابع، في مكانِه، وهو الأسْواقُ، وأبوابُ المَساجِدِ والجَوامِعِ، في الوَقْتِ الذي يَجْتَمِعُون فيه، كأدبارِ الصَّلَواتِ في المَساجِدِ، وكذلك في مَجامِعِ النّاسِ؛ لأنَّ المَقْصُودَ إشَاعَةُ ذِكْرِها وإظْهارُها؛ ليَظْهرَ عليها صاحِبُها، فيَجِبُ تَحَرِّي مَجامِعِ الناسِ، ولا يُنْشِدُها في المَسْجدِ لأنَّ المَسْجِدَ لم يُبْنَ لهذا.
ورَوَى أبو هُرَيرَةَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّتَهُ فِي المَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ: لا رَدَّها اللهُ إِليكَ.
فَإِنَّ المَساجِدَ لَمْ تُبْنَ لهذَا» 1. وأمَرَ عُمَرُ واجِدَ اللُّقَطَةِ بتَعرِيفِها على بابِ المَسْجِدِ.
الفصل الخامس، في كَيفِيّةِ تعرِيفِها، فيَذْكُرُ جِنْسَها لا غيرُ، فيقولُ: مَنْ ضاعَ منه ذَهبٌ، أو فِضَّة، أو دَرَاهِمُ، أو دَنانِيرُ، أو ثِيَابٌ.
ونحوُ ذلك؛ لقولِ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، لِوَاجِدِ الذَّهبِ: قُل: الذَّهبُ بطَريقِ الشّامِ.
ولا يَصِفُها؛ لأنَّه لو وَصَفَها لعَلِمَ صِفَتَها مَن يَسْمَعُها، فلا تَبْقَى صِفَتُها دَلِيلًا على مِلْكِها؛ لمُشارَكَةِ مَن يَسْمَعُه للمالِكُ في ذلك، ولأنَّه لا يَأمَنُ أن يَدَّعِيَها مَن سَمِع صِفَتَها، ويَذْكُرَ صِفَتَها التي يَجِبُ دَفْعُها بها،
..................................
فيَأخُذَها، فتَفُوتَ على مالِكِها.
الفصل السادس، في مَن يَتَوَلَّى تَعرِيفَها، وللمُلْتَقِطِ تَوَلِّي ذلك بنَفْسِه، وأن يَسَتنيبَ فيه، فإن وَجَد مُتَبَرِّعًا بذلك.
وإلَّا اسْتَأجَرَ، والأجْرَةُ على المُلْتَقِطِ.
وبهذا قال الشافعي، وأصحابُ الرَّأي.
واخْتارَ أبو الخَطّابِ، أنَّه إن قَصَد حِفْظَها لمالِكِها دُونَ تَمَلُّكِها رَجَع بالأجْرَةِ عليه.
وكذلك قال ابنُ عَقِيلٍ فيما لا يُمْلَكُ بالتَّعرِيفِ؛ لأنَّه مِن مُؤْنَةِ إيصالِها إلى مالِكِها، فكان على مالكِها، كمُؤْنَةِ تَجْفِيفِها، وأجْرةِ مَخْزَنِها.
ولَنا، أنَّ هذا أجْر واجِبٌ على المُعَرِّفِ، [فكان عليه، كما لو قَصَد تمَلُّكَها] 1، ولأنَّه لو وَلِيَه بنَفْسِه، لم يَكُنْ له أجْر على صاحِبِها، فكذلك إذا اسْتَأَجرَ عليه، ولأنَّه سَبَبٌ لمِلْكِها، فكان على المُلْتَقِطِ، كما لو قَصَد تَمَلُّكَها.
وقال مالك: إن أعطَى منها شيئًا لمَن عَرَّفَها، فلا غرمَ عليه، كما لو دَفَع منها شيئًا لمَن حَفِظَها.
وقد ذَكَرنَا الدَّلِيلَ على ذلك.
فصل: إذا أخَّرَ التَّعرِيفَ عن الحَوْلِ الأوَّلِ مع إمكانِه، أثِمَ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَر به فيه، والأمرُ يَقْتضِي الوُجوبَ.
وقال في حَدِيثِ عِياضِ بنِ
..................................
حِمار: «لا يَكْتُمُ وَلَا يُغَيِّبُ» 1. ولأنَّ ذلك وَسِيلةٌ إلى أن لا يَعرِفَها صاحِبُها؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّه بعدَ الحَوْلِ يَسْلُو عنها ويَيأسُ، فيَتْرُكُ طَلَبَها.
ويَسْقُطُ التَّعرِيفُ بتأخِيرِه عن الحَوْلِ الأوَّلِ في المَنْصوصِ عن أحمدَ؛ لأنَّ حِكْمَةَ التَّعرِيفِ لا تَحصُلُ بعدَه.
فإن تَرَكَه في بعضِ الحَوْلِ، عَرَّفَ بَقِيَّتَه، ويَتَخرَّجُ أن لا يَسْقُطَ التَّعرِيفُ بتَأخِيرِه؛ لأنهَّ واجب، فلا يَسْقُطُ بتَأخِيرِه عن وَقْتِه، كالعِباداتِ وسائِرِ الواجِباتِ، ولأَنَّ التعرِيفَ في الحوْل الثاني يحصُلُ به المَقْصودُ على نعتٍ مِن القُصُورِ، فيَجِبُ الإتْيانُ به؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا أمرتُكُم بِأمر فَائتوا مِنْهُ مَا اسْتَطعتُم» 2. فعلى هذا، إذا أخَّر التَّعرِيف بعضَ الحَوْلِ، أتى بالتعرِيفِ في بَقِيته، وأتَمَّهُ مِن الحَوْلِ الثّاني.
وعلى كلا القَوْلَينِ، لا يملِكُها بالتّعرِيفِ فيما عدا الحَوْلِ الأولِ؛ لأنَّ شَرطَ المِلْكِ التعرِيفُ فيه، ولم يُوجد، ولذلك لو تَرَك التّعرِيفَ في بعضِ الحَوْلِ الأوّلِ، لا يَملِكُها بالتعْرِيفِ بعده؛ لأنَّ الشَّرطَ لم يَكْمُلْ، وعَدَمُ بعضِ الشَّرطِ كعَدَمِ جَمِيعِه، كما لو اخْتَل بعضُ الطهارَةِ في الصَّلاةِ.
فأمّا إن تَرَك التعرِيفَ في
..................................
الحَوْلِ الأوَّلِ لعَجْزِه عنه؛ كالمَرِيضِ والمحبُوسِ، أو لنِسْيانٍ ونحوه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، حُكْمُه حُكْمُ مَن تَرَكَه لغيرِ عُذْرٍ؛ لأنَّ تَعرِيفَه في الحَوْلِ الأوَّلِ سَبَبُ المِلْكِ، والحُكْمُ يَنْتَفِي لانْتِفاءِ سَبَبِه، سواء انْتَفَى لعُذْرٍ أو لغيرِه.
والثاني، يَملِكُها بالتَّعرِيفِ في الحَوْلِ الثاني، لأنَّه لم يُؤَخره عن وَقْتِ إمكانِه، أشْبَه تَعرِيفَها في الحَوْلِ الأوّلِ.
فصل: ومَتَى عَرَّفَ اللُّقَطَةَ حَوْلا فلم تُعرَفْ، مَلَكَها، غَنِيًّا كان أو فَقِيرًا، رُوِيَ نحوُ 1 ذلك عن عُمَرَ، وابنِ مَسْعُودٍ، وعائِشَةَ، رَضِيَ الله عنهم.
وبه قال عَطاءٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
ورُوِيَ عن
..................................
علي، وابنِ عَبّاس، والشعبيِّ، والنَّخَعِيِّ، وطَاوُسٍ، وعِكْرِمَةَ نحوُ ذلك.
وقال مالكٌ، والحَسنُ بنُ صالح، والثَّوْرِيّ، وأصحابُ الرَّأي: يَتَصَدَّقُ بها، فإذا جاء صاحِبُها خُيِّرَ بينَ الأجْرِ والغُرمِ؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه سُئِلَ عن اللّقَطَةِ، فقال: «عَرِّفْها حَوْلًا».
ورُوِيَ: «ثَلاثَةَ أحوَال، فإنْ جَاءَ رَبها، وَإلَّا تَصَدَّقْ بِها، فإذَا جَاءَ رَبُّها، فَرَضِيَ بالأجْرِ، وَإلَّا غَرِمَها» 1. ولأنَّها مال المعصُوم لم يَرضَ بزَوالِ مِلْكِه عنها، ولا يُوجَدُ منه سَبَبٌ يَقْتَضِي ذلك، فلم يَزُلْ مِلْكُه عنه، كغيرِها.
قالوا: وليس له أن يتَمَلَّكَها.
إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ قال: له ذلك إن كان فَقِيرًا مِن غيرِ ذَوى القُربَى؛ لِما روَى عِياضُ بنُ حِمارٍ المُجاشِعِي، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «منْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشهِد عَلَيها ذَا عدلٍ -أوْ ذوَيْ عَدلٍ- وَلَا يَكْتُمُ وَلَا يُغَيِّبُ، فَإنْ وَجَدَ صَاحِبَها فَلْيَرُدَّها عَلَيهِ، وَإلا فَهِيَ مَالُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ».
رَواه النَّسَائِيُّ 2. قالوا: وما يُضافُ إلى اللهِ
فَإِنْ لَم يُعرَفْ، دَخَلَ فِي مِلْكِهِ بَعدَ الْحَوْلِ حُكْمًا، كَالْمِيرَاثِ.
وَعِنْدَ أبِي الْخَطَّابِ، لَا يملِكُهُ حَتَّى يَخْتَارَ ذَلِكَ.
تعالى، إنَّما يَتَمَلَّكُه مَنْ يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ.
ونقلَ حَنْبَل عن أحمدَ مثلَ هذا القَوْل، فأنْكَرَه الخَلَّالُ، وقال: ليس هذا مَذْهبًا لأحمدَ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حَدِيثِ زَيدِ بنِ خالدٍ (1): «فَإن لَم تُعرَفْ فَاستَنْفِقها».
وفي لَفْظٍ: «وَإلَّا فَهِيَ كَسَائِرِ مَالِكَ».
وفي لَفْظٍ: «ثُمَّ كُلها».
وفي لَفْظٍ: «فَانْتَفع بِها».
وفي لَفْظٍ: «فَشأنكَ بِها».
في حَدِيثِ أبي بن كَعبٍ (2) وفي لَفْظٍ: «فاسْتَمتع بِها».
وهو حَدِيث صحيح (3)، ولأنَّ مَن مَلَك بالقَرضِ مَلَك اللَقَطَةَ، كالفَقِيرِ، ومَن جازَ له الالْتِقاطُ مَلَك به بعدَ التّعرِيفِ، كالفَقِيرِ، وحَدِيثُهم عن أبي هُرَيرَةَ لم يَثْبُتْ، ولا نُقِلَ في كتابٍ يُعتَمَدُ عليه، ولا يوثَقُ به.
ودَعواهُم في حَدِيثِ عِياض أنَّ ما يُضَافُ إلى اللهِ تعالى لا يَتَمَلَّكُة إلَّا مَن يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ، لا بُرهانَ لها، وبُطْلانُها ظاهِر، فإنَّ الأشْياءَ كُلَّها تضافُ إلى اللهِ تعالى خَلْقًا ومِلْكًا، قال اللهُ تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (4).
2509 -
مسألة: (فإن لم تُعرَفْ، دَخَلَتْ في مِلْكِه بعد الحَوْلِ حُكْمًا كالمِيراثِ. وعندَ أبي الخَطَّابِ، لا يَملِكُه حتى يَخْتارَ ذلك)
نَصَّ1234
..................................
عليه أحمدُ، في رِوايةِ الجَماعةِ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لقولِه: «وإلَّا كَانَتْ كَسَائِرِ مَالِهِ».
وعندَ أبي الخَطَّابِ: لا تدخُلُ في 1 مِلْكِه حتى يَخْتارَ.
واخْتَلَفَ أصحابُ الشافعيِّ؛ فقال بعضُهم كقَوْلِنا.
وقال قَوْمٌ: يَملِكُها بالنيةِ.
ومنهم مَن قال: يَملِكُها بقَوْلِه: اخْتَرتُ مِلْكَها.
ومنهم من قال: لا يملِكُها إلَّا بقَوْلِه والتَّصَرُّفِ فيها؛ لأنَّ هذا تَملّكٌ بعِوَض، فلم يَحصُلْ إلَّا باخْتِيار المُتَمَلِّكِ، كالقَرضِ.
ولَنا، قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُها وَإلَّا فَهِيَ كَسَائِرِ مالِكَ».
وقولُه: «فَاسْتَنْفِقها».
ولو وَقَف مِلْكُها على تَمَلُّكِها لبَيَّنهَ له، ولم يُجَوِّزْ له التَّصَرُّفَ قبلَه.
وفي لَفْظٍ: «كُلْها».
وهذه الألْفاظُ كلّها تَدُلُّ على ما قُلْنا، ولأنَّ الالْتِقاطَ والتعريف سَبَب للتَّمَلُّكِ، فإذا تَمَّ، وَجَب أن يَثْبُتَ به المِلْكُ حُكْمًا،
..................................
كالإِحياءِ والاصطِيادِ.
ولأنَّه سَببٌ يُملَكُ به، فلم يَقِفِ المِلْكُ بعدَه على قَوْلِه ولا اخْتِيارِه، كسائِرِ الأسْباب، وذلك لأنَّ المُكَلَّفَ ليس إليه إلَّا مُباشَرَةُ الأسْبابِ، فإذا أَتَى بها، ثَبَت الحُكْمُ قَهْرًا وجَبْرًا مِن الله عَزَّ وَجَل، غيرَ مَوْقُوفٍ على اخْتِيارِ المُكَلَّفِ.
فأمّا الاقْتِراضُ فهو السببُ في نَفْسِه، فلم يَثْبُتِ المِلْكُ بدُونِه.
فعلى هذا، لو الْتَقَطَها اثْنان فعَرَّفاها حَوْلًا، مَلَكاها جَمِيعًا.
فإن قُلْنا: يَقِف المِلْكُ على الاخْتِيارِ.
فاخْتارَ أحَدُهُما دُونَ الآَخَرِ، مَلَك المُخْتارُ نِصفَها وحدَه.
فصل: فإن رَأياها مَعًا، فأخَذَها أحَدُهما وحدَه، أو رآها أحَدُهما، فأعلمَ بها صاحِبَه، فأخَذَها، فهي لآخِذِها، لأنَّ اسْتِخقاقَها بالأخْذِ لا بالرؤيَةِ، كالاصطِيادِ.
وإن قال أحَدُهما لصاحِبِه: هاتِها.
فأخَذَها لنَفْسِه، فهي له دُونَ الآمِرِ، وإن أخَذَها الآمِرُ فهي له، كما لو وَكَّلَه في الاصطِيادِ له.
وَعَنْ أحمَدَ، لَا تُملَكُ إلا الْأثْمَانُ.
وَهِيَ ظَاهِرُ الْمَذهبِ.
وَهل لَهُ الصَّدَقَةُ بِغَيرها؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
2510 - مسألة: (وعن أحمدَ، لا تُملَكُ إلَّا الأثْمانُ. وهو ظاهِرُ المَذْهبِ. وهل له الصَّدَقَةُ بغيرِها؟ على رِوايَتَين)
كُل ما جازَ الْتِقاطُه، مُلِكَ بالتَّعرِيف عندَ تَمامِه، أثْمانًا كان أو غيرَها.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخرَقِيِّ.
ونُقِلَ ذلك عن أحمدَ، فرَوَى عنه محمدُ بنُ الحَكَمِ، في الصَّيّادِ يَقَعُ في شَبَكَتِه الكِيسُ أو النُّحاسُ، يُعَرِّفُه سَنَةً، فإن جاء صاحِبُها، وإلا فهو كسائِرِ مالِه.
وهذا نَصّ في النُّحاس.
وقال ابنُ أبي مُوسى: هل حُكْمُ العُرُوضِ في التعرِيفِ وجَوازِ التَّصَرُّفِ بعدَ ذلك حُكْمُ الأثْمانِ؟ على
..................................
رِوايَتَين؛ أظْهرُهما، أنَّها كالأثْمانِ.
قال شَيخُنا 1: ولا أعلَمُ بينَ أكْثَرِ أهْلِ العلْمِ فرقًا بينَ الأثْمانِ والعُرُوضِ في ذلك.
وقال أكْثَرُ أصحابِنا: لا تملَكُ العُرُوضُ بالتعرِيفِ.
قال القاضِي: نص عليه أحمدُ في رِوايةِ الجَماعةِ.
واخْتَلَفُوا فيما يصنَعُ بها، فقال أبو بكر، وابنُ عَقِيل: يُعَرِّفُها أبدًا.
وقال القاضي: هو بالخِيارِ بينَ أن يُقِيمَ على تَعرِيفِها حتى يَجِئَ صاحِبُها، وبينَ دَفْعِها إلى الحاكِمِ ليَرَى رَأيَه فيها.
وهل له بَيعُها بعدَ الحَوْلِ والصَّدَقَةُ.
بها؟ على روايَتَين؛ إحداهُما، يَجُوزُ، كما تجوزُ الصدَقَة بالغُصُوبِ التي لا يُعرَفُ أربابُها.
والثّانيةُ، لا يجوزُ؛ لأنّه يَحتَمِلُ أن يَظْهرَ صاحِبُها فيَأخُذَها.
وقال الخَلَّالُ: كُل مَن روَى عن أحمدَ، روَى عنه أنَّه يُعَرِّفُه سَنَةً ويَتَصَدَّقُ به، والذي روَى عنه أنّه يُعَرِّفُها أبدًا، قول قَدِيم
..................................
رَجَع عنه.
واحتَجُّوا بأنَّه قد رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عَبّاس، وابنِ مَسْعُودٍ مثلُ قَوْلِهم.
ولأنَّها لُقَطَة لا تُملَكُ في الحَرَمِ، فلا تُملَكُ في غيرِه، كالإِبِلِ.
ولأنَّ الخَبَرَ وَرَد في الأثْمانِ، وغيرُها لا يُساويها؛ لعَدَم الغَرَضِ المُتَعَلِّقِ بعَينها، فمثلُها يَقُومُ مَقامَها مِن كُلِّ وَجْهٍ.
ولَنا، عُمُومُ الأَحادِيثِ
..................................
في اللُّقَطَةِ، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ عن اللُّقَطَةِ، فقال: «عَرِّفها سَنَةً».
ثم قال في آخِرِه: «فَشَأنَكَ بِها».
أو: «فَانْتَفع بِها».
وفي
..................................
حَدِيثِ عِياضِ بنِ حمارٍ: «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً».
وهو لَفْط عام.
وقد روَى الجُوزْجانيُّ، والأثْرَمُ في كِتابَيهما: ثنا أبو نُعَيم، ثنا هِشَامُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، قال: أتَى رَجل رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رَسُولَ اللهِ، كَيفَ تَرَى في مَتَاع يُوجَدُ في الطَرِيقِ المُعتادِ، أو في قَريَةٍ مَسْكُونَةٍ؟ قال: «عَرِّفْهُ سَنَة، فَإنْ جَاءَ صاحِبُهُ، وإلَّا فَشْأنَكَ بِهِ» 1. ورَوَيا أنَّ سُفْيانَ بنَ عبدِ اللهِ وَجَد عَيبَةً 2، فأتَى بها عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، فقال: عَرِّفْها سَنَةً، فإن عُرِفَتْ وَإلَّا فَهِيَ لَكَ.
زاد الجُوزْجانِيُّ: فلم تُعرَفْ، فلَقِيَه بها العامَ المُقْبِلَ 3 فذَكَرها له، فقال عُمَرُ: هي لك، إنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمَرَنا بذلك.
ورَواه النسَائِي 4. وهذا نَصُّ في غيرِ الأثْمانِ.
وروَى الجُوزْجانِيُّ بإسْنادِه، عن الحُرِّ بنِ الصَّيَّاحِ 5، قال: كنتُ عند ابنِ عُمَرَ بمَكَّةَ، إذ جاءَه رَجُلٌ، فقال: إنِّي وَجَدتُ هذا البُردَ، وقد نَشَدتُه وعَرَّفْتُه، فلم يَعرِفْه أحَدٌ، وهذا يَوْمُ الترويَةِ، يوم يَتَفَرَّقُ النّاسُ.
فقال: إن شِئْتَ قَوَّمتَه قِيمَةَ عَدْلٍ ولَبِسْتَه، وكنتَ له ضامِنًا، متى جاء صاحِبُه دَفَعتَ إليه ثَمَنَه، وإن
..................................
لم يَجِيء له طالِب فهو لك إن شِئْتَ.
ولأنّ ما جازَ الْتِقاطُه مُلِكَ بالتَّعرِيفِ، كالأثْمانِ، وما حَكَوه عن الصحابةِ إن صَحَّ، فقد حَكَينا عن عُمَرَ وابْنِه خِلافَه.
وقولُهم: إنَّها لُقَطَة لا تُملَكُ في الحَرَمِ.
مَمنُوعٌ، ثم هو مَنْقُوض بالأثْمانِ، وقِياسُها على الإبِلِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ معها حِذَاءَها وسِقَاءَها، تَرِدُ الماءَ وتأكلُ الشَّجَرَ حتى يَأتِيها رَبُّها، ولا يُوجَدُ ذلك في غيرِها، ولأنَّ الإبلَ لا يجوزُ الْتِقاطُها، فلا تُملَكُ، وههُنا يَجُوزُ الْتِقاطُها، فتملَكُ به، كالأثْمانِ.
وقَوْلُهم: إنَّ النَّصَّ خاصٌّ في الأثْمانِ.
قُلْنا بل هو عام في كُلِّ لُقَطَةٍ، فيَجِبُ العَمَلُ بعُمُومِه، كان وَرَد فيها نَصّ خاص، فقد رُوِيَ خَبَر عام، فيُعمَلُ بهما، ثم قد رَوَيناه في العُرُوضِ، فيَجبُ العَمَلُ به، كما وجَب العَمَلُ بالخاصِّ في الأثْمانِ ثم لو اخْتَصَّ الخَبَرُ بالأثْمانِ، لوَجَبَ أن يُقاسَ عليها ما في مَعناها، كسائِرِ النُّصُوصِ التي عُقِلَ مَعناها ووُجِدَ في 1 غيرِها، وههُنا قد وُجدَ المعنَى، فيَجِبُ قِياسُه على المَنْصُوصِ عليه، بل المَعنَى ههُنا آكَدُ، فيَثْبُتُ الحُكْمُ فيه بطَرِيقِ التنبِيهِ 2 بَيانُه أنَّ الأثْمانَ لا تَتْلَفُ بمُضِيِّ الزَّمانِ عليها وانْتِظارِ صاحِبِها بها أبدًا، والعُرُوضُ تَتْلَفُ بذلك، ففي النِّداءِ عليها دائِمًا هلَاكُها وضَياعُ مالِيَّتها على صاحِبِها ومُلْتَقِطِها وسائِرِ النّاسِ، وفي إباحَةِ الانْتفاعِ بها ومِلْكِها بعدَ التَّعرِيفِ حِفْظ لمالِيَّتها على صاحِبِها بدَفْعِ قِيمَتِها إليه، ونَفْعٌ
وَعَنْهُ، لَا تُمْلَكُ لُقَطَةُ الْحَرَمِ بِحَالٍ.
لغيرِه، فيَجِبُ ذلك؛ لنَهْي النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -[عن إضاعَةِ المالِ] (1)، ولِما فيه مِن المَصْلَحَةِ والحِفْظِ لمالِ المُسْلِمِ عليه، ولأنَّ في إثْباتِ المِلْكِ حَثًّا على الْتِقاطِها وحِفْظِها وتَعْرِيفِها؛ لكَوْنِه وَسِيلةً إلى المِلْكِ المَقْصُودِ للآدَمِيِّ، وفي نَفْي مِلْكِها تَضْيِيعٌ لها، لِما في الْتِقاطِها مِن الخَطَرِ والمَشَقَّةِ والكَلَفِ مِن غيرِ نَفْعٍ يَصِلُ إليه، فيُؤَدِّي إلى أن لا يَلْتَقِطَها أحَدٌ، فتَضِيعَ.
وما ذَكَرُوه (2) في الفَرْقِ مُلْغًى في الشّاةِ، فقد ثَبَتٍ المِلْكُ فيها مع هذا الفَرْقِ، ثم يُمْكِنُنا أن نَقِيسَ على الشّاةِ، فلا يَحْصُلُ هذا الفَرْقُ بين الفَرْعِ والأصْلِ، ثم نَقْلِبُ دَلِيلَهُم فنقولُ: لُقَطَةً لا تُمْلَكُ في الحَرَمِ، فما أُبِيحَ الْتِقاطُه منها مُلِكَ إذا كان في الحِلِّ، وما لا يُباحُ لا يُمْلَكُ، كالإبِلِ.
2511 -
مسألة: وعن أحمدَ، أنَّ (لُقَطَةَ الحَرَمِ لا تُمْلَكُ بحالٍ)
المَشْهُورُ عن أحمدَ وفي المَذْهَبِ، أنَّ لُقَطَةَ الحَرَمِ والحِلِّ سَواءٌ.
وهو ظاهِرُ كلام الخِرَقِيِّ.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وعائِشَةَ، وابنِ المُسَيَّبِ.
وهو مَذْهبُ مالِكٍ، وأبي حنيفةَ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه لا يَجُوزُ الْتِقاطُ لُقَطَةِ الحَرَمِ للتَّمْلِيكِ، ويجوزُ لحِفْظِها لصاحِبِها، فإنِ الْتَقَطَها عَرَّفَها أبَدًا حتى يَأْتِيَ صاحِبُها.
وهو قولُ عبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدِيٍّ، وأبي عُبَيدٍ.
وعن الشافعيِّ كالمَذْهَبَينِ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في مَكَّةَ: «لَا12
..................................
تَحِلُّ سَاقِطَتُها إلَّا لمُنْشِدٍ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. والمُنْشِدُ المُعَرِّفُ.
قاله أبُو عُبَيدٍ 2. والنّاشِدُ الطّالِبُ.
ويُنْشَدُ:
إصَاخَةَ النّاشِدِ لِلْمُنْشِدِ 3
فيكونُ مَعْناه: لا تَحِلُّ لُقَطَةُ مَكّةَ إلَّا لمَن يُعَرِّفُها؛ لأنَّها خُصَّتْ بهذا مِن بينِ سائِرِ البُلْدانِ.
وروَى أبو داوُدَ 4، بإسْنادِه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن لُقَطَةِ الحاجِّ.
قال ابنُ وَهْبٍ: يَعْنِي يَتْرُكُها حتى يَجِدَها صاحِبُها.
وَوَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى عمُومُ الأحادِيثِ، ولأنَّه أحَدُ الحَرَمَين، أشْبَه حَرَمَ المَدِينةِ، ولأنَّها أمانَةٌ، فلم يَخْتَلِفْ حُكْمُها بالحِلِّ والحَرَمِ، كالوَدِيعَةِ.
وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إلَّا لِمُنْشِدٍ».
يَحْتَمِلُ أنَّه يُرِيدُ إلَّا لمَن عَرَّفَها عامًا.
فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي اللُّقَطَةِ حَتَّى يَعْرِفَ وعَاءَهَا، وَوكَاءَهَا، وَقَدْرَهَا، وَجنْسَهَا، وَصِفَتَهَا.
وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ عِنْدَ وجْدَانِهَا، وَالإشْهَادُ عَلَيهَا.
وتَخْصِيصُها بذلك لتَأْكِيدِها؛ لقَوْلِه - عليه السلام -: «ضَالَّةُ المُؤْمِنِ حَرَقُ النَّارِ» 1 وضالَّةُ الذِّمِّيِّ مَقِيسَةٌ عليها.
والله أعلمُ.
فصل: (ولا يجوزُ له التَّصرُّفُ في اللُّقَطَةِ حتى يَعْرِفَ وعاءَها، وَوكاءَها، وقَدْرَها، وجِنْسَها، وصِفَتَها.
ويُسْتَحَبُّ ذلك عند وجْدانِها، في الإشْهادُ عليها) لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حَديثِ زَيدٍ: «اعْرِفْ وكَاءَهَا وعِفَاصَهَا» 2. وقال في حديثِ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ: «اعْرِفْ عِفَاصَها وَوكَاءَهَا وعَدَدَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةٌ» 3. وفي لَفْظٍ عن أُبَيِّ بنِ