..................................
سِرايَتِه، فأشْبَهَ ما لو قَطَع طَرَفَه ثم قَتَلَه، أو جاء آخَرُ فقَتَلَه.
وللشافعىِّ في وُجُوبِ القِصاصِ قَوْلان.
ولَنا، أنَّه قَطْعٌ صار قَتْلًا لِم يجبْ به القَتْلُ، فلم يجبْ به القَطْعُ، كما لو قَطَعِ مِن غيرِ مَفْصِلٍ، وفارَق ما قاسُوا عليه، فإن القَطْعِ لم يَصِرْ قَتْلًا.
وهل تجِبُ دِيَةُ الطَّرَفِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا ضَمان فيه؛ لأنَّه قَتْل لغيرِ مَعْصُومٍ.
والثانى، تَجِبُ؛ لأَنَّ سُقُوطَ حُكْمِ سِرايةِ الجُرْحِ لا يُسْقِطُ ضَمانَه، كما لو قَطَع طَرَفَ رَجُلٍ، ثم قَتَلَه آخَرُ.
فعلى هذا، هل يَجِبُ ضَمانُه بدِيَةِ المَقْطُوعِ 1، أو بأقَلِّ الأَمْرَيْن مِن دِيَتِه أو دِيَةِ النَّفْسِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تجبُ دِيَة المَقْطُوعِ 2، فلو قَطَع يَدَيْه ورِجْلَيْه، ثم ارْتَدَّ ومات، ففيه دِيَتان؛ لأَنَّ
وَإِنْ عَادَ إِلَى الإِسْلَامِ، ثُمَّ مَاتَ، وَجَبَ الْقِصَاصُ فِى النَّفْسِ، فِى ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِى: إنْ كَانَ زَمَنُ الرِّدَّةِ مِمَّا تَسْرِى فِيهِ الْجنَايَةُ، فَلَا قِصَاصَ فِيهِ.
الرِّدَّةَ قَطَعَتْ حُكْمَ السِّرايَةِ، فأشْبَهَ انْقِطاعَ حُكْمِها بانْدِمالِها، أو بقَتْلِ الآخَرِ له.
والثانى، يَجِبُ أقَلُّ الأَمْرَيْن؛ لأنَّه لو لم يَرْتَدَّ، لم يجبْ أكْثَرُ مِن دِيَةِ النَّفْسِ، فمع الرِّدَّةِ أوْلَى، ولأنَّه قَطْعٌ صار قَتْلًا، فلم يَجِبْ (1) أكْثَرُ مِن دِيَةٍ، كما لو لم يَرْتَدَّ، وفارَقَ [أصْلَ الوَجْهِ] (2) الأَوَّلِ، فإنَّه لم يَصِرْ قتلًا، ولأَنَّ الانْدِمالَ والقَتْلَ مَنَع وُجُودَ السِّرايَةِ، والرِّدَّةُ مَنَعَت ضَمانَها ولم تَمْنَعْ جَعْلَها قَتْلًا.
وللشافعىِّ مِن التَّفْصيلِ نحوُ ما قُلْنا.
4068 -
مسألة: (وإن عاد إلى الإسلامِ، ثُمَّ مات، وَجَب القِصاصُ)
على قاتِلِهِ.
نَصَّ عليه أحمدُ في روايةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ (وقال القاضى): يَتَوَجَّهُ عندِى أنَّ (زَمَنَ الرِّدَّةِ إن كان ممّا تَسْرِى فيه الجِنايَةُ)12
..................................
لم يَجِبِ القِصاصُ في النَّفْسِ.
وهل يجبُ في الطَّرَفِ الذى قُطِع في إسْلامِه؟ على وَجْهَيْن.
وهذا 1 مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ القِصاصَ يجبُ بالجِنايَةِ والسِّرايَةِ كلِّها، فإذا لم يُوجَدْ جَمِيعُها في الإِسلامِ، لم يجبِ القِصاصُ 2، كما لو جَرَحَه أحَدُهما في الإِسْلامِ، والآخرُ في الرِّدَّةِ، فمات مِهْما.
ولَنا، أنَّه مسلمٌ حالَ الجِنايَةِ والموَتِ، فوَجَبَ القِصاصُ بقَتْلِه، كما لو لم يَرْتَدَّ، واحْتِمالُ [السِّرايَةِ حالَ الرِّدَّةِ لا يَمْنَعُ؛ لأنَّها غيرُ مَعْلُومَةٍ، فلا يجوزُ تَرْكُ السبَبِ المَعْلُومِ باحْتِمالِ] 3 المَانِعِ، كما لو لم يَرْتَدَّ، فإنَّه يَحْتَمِلُ أنَّ يموتَ بمرضٍ أو سَبَبٍ آخَرَ، أو بالجُرْحِ مع شئٍ آخَرَ يُؤَثِّرُ في الموتِ.
فأمَّا الدِّيَةُ، فتَجِبُ كامِلَةً.
ويَحْتَمِلُ وُجُوبُ نِصْفِها 4؛ لأنَّه ماتَ مِن جُرْحٍ مَضْمُونٍ وسِرايَةٍ غيرِ مَضْمُونَةٍ،
..................................
فوَجَبَ 1 نِصْفُ الدِّيَةِ، كما لو جَرَحَه إنسان وجَرَح نفسَه، فمات منهما.
فأمَّا إن كان زَمَنُ الرِّدَّةِ لا تَسْرِى في مِثْلِه الجِنايَةُ، ففيه الدِّيَةُ أو 2 القِصاصُ.
وقال الشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: لا قِصاصَ فيه؛ لأنَّه انْتَهَى 3 إلى حالٍ لو مات لم يَجِبِ القِصاصُ.
ولَنا؛ أنَّهما مُتكافِئانِ في حالِ الجِنايَةِ والسِّرايَةِ والموتِ، فأشْبَهَ ما لو لم يَرْتَدَّ.
وإن كان الجُرْحُ خَطَأً وَجَبَتِ الكَفَّارَةُ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه فَوَّتَ نفسًا مَعْصُومَةً.
فصل: وإن جَرَحَه وهو مسلمٌ فارْتَدَّ، ثم جَرَحَه جُرْحًا آخَرَ، ثم أسْلَمَ ومات مِنهما، فلا قِصاصَ فيه؛ لأنَّه مات مِن جُرْحَيْن مَضْمُونٍ وغيرِ مَضْمُونٍ، ويجبُ فيه نِصْفُ الدِّيَةِ لذلك.
وسواءٌ تَساوَى الجُرْحان أو زاد أحَدُهما، مثلَ أنَّ قَطَع يَدَيْه وهو مسلمٌ، فارْتَدَّ، فقَطَعَ رِجْلَه، أو كان بالعكسِ؛ لأَنَّ الجُرْحَ في الحالَيْن كجُرْحِ رِجْلَيْن.
وهل يجبُ القِصاصُ في الطَّرَفِ الذى قَطَعَه في حالِ إسلامِه؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن، بِناءً على مَن
فَصْلٌ: الثَّالِثُ، أَنْ يَكُونَ الْمَجْنِىُّ عَلَيْهِ مُكَافِئًا لِلْجَانِى، وَهُوَ أَنْ يُسَاوِيَهُ فِى الدِّينِ، وَالْحُرِّيَّةِ أوِ الرِّقِّ، فَيُقْتَلُ
قُطِع طَرَفُه وهو مسلمٌ، فارْتَدَّ ومات في رِدَّتِه.
ولو قَطَع طَرَفَه في رِدَّتِه أوَّلًا، فأسْلَمَ، ثم قَطَع طَرَفَه الآخَرَ، ومات مِنهما، فالحكمُ فيه كالتى قبلَها.
فصل
: وإن قَطَع مسلمٌ يَدَ نَصْرَانِىٍّ فتَمَجَّسَ، وقُلْنا: لا يُقَرُّ.
فهو كما لو جَنَى على مسلمٍ فارْتَدَّ.
وإن قُلْنا: يُقَرُّ عليه.
وَجَبَت دِيَةُ مَجُوسِىٍّ.
وإن قَطَع يَدَ مَجُوسِىٍّ، فتَنَصَّرَ، ثم يات، وقُلْنا: يُقَرُّ.
وَجَبَت دِيَةُ نَصْرَانِىٍّ.
ويَجِئُ على قولِ أبى بكرٍ والقاضى، أنَّ تجِبَ دِيَة نَصْرانِىٍّ في الأُولَى، ودِيَةُ مَجُوسِىٍّ في الثَّانيةِ، كقولِهم في مَن جَنَى على عبدٍ ذِمِّىٍّ فأسْلَمَ وعَتَقَ، ثم مات مِن الجِنايَةِ، ضَمِنَه بقِيمَةِ عبدٍ ذِمِّىٍّ، اعْتِبارًا بحالِ الجِنايَةِ.
وسنَذْكُرُ ذلك إن شاء اللَّهُ تعالى.
فصل: (الثالثُ، أن يكونَ المَجْنِى عليه مُكافِئًا للجانِى، وهو أن
كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ أوِ الْعَبْدِ، وَالذِّمِّىِّ الْحُرِّ أوِ العَبْدِ بِمِثْلِهِ، يُساوِيَه في الدِّينِ، والحُرِّيَّةِ أو الرِّقِّ، فيُقْتَلُ) الحُرُّ المسلمُ بالحُرِّ المسلمِ، ذَكَرًا كان أو أُنْثَى؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ 1.
4069 -
مسألة: ويُقْتَلُ العبدُ المسلمُ بالعبدِ المسلمِ، تَساوَتْ قِيمَتُهما أو اخْتَلَفَتْ.
هذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
رُوِى ذلك عن عُمَرَ ابنِ عبدِ العزيزِ، وسالمٍ، والنَّخَعِىِّ، والشَّعْبِىِّ، والزُّهْرِىِّ، وقَتادَةَ، والثَّوْرِىِّ، ومالِكٍ، والشافعىِّ، وأبى حنيفةَ.
وعن أحمدَ رِوايَة أُخْرَى، أنَّ مِن شَرْطِ القِصاصِ تَساوِىَ قِيمَتِهم، وإنِ اخْتَلَفَتْ قِيمَتُهم لم يَجْرِ بينَهم قِصاصٌ.
ويَنْبَغِى أنَّ يَخْتَصَّ هذا بما إذا كانت قِيمَةُ القاتِلِ أكْثَرَ، فإن كانت أقَلَّ فلا.
وهذا قولُ عطاءٍ.
وقال ابنُ عباسٍ: ليس في
2 العبيدِ 3 قِصاصٌ في نَفْسٍ ولا جُرْحٍ؛ لأنَّهم أمْوالٌ.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾.
وهذا نَصُّ الكِتابِ، فلا يجوزُ خِلافُه، ولأَنَّ تَفاوُتَ القِيمَةِ
..................................
كتَفاوُتِ الدِّيَةِ والفَضائِلِ 1، فلا يَمْنَعُ القِصاصَ، كالعلمِ والشَّرَفِ، والذُّكُورِيَّةِ والأُنُوثِيَّةِ.
فصل: ويَجْرِى القِصاصُ بينَهم 2 فيما دُونَ النَّفْسِ.
وبه قال عمرُ ابنُ عبدِ العزيزِ، وسالِمٌ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وعن أحمدَ رِوايَة أُخْرَى، لا يَجْرِى القِصاصُ بينَهم (2) فيما دُونَ النَّفْسِ.
وهو قولُ الشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ، لأنّ الأطْرافَ مالٌ، فلا يَجْرِى القِصاصُ فيها، كالبَهائِمِ، ولأن التساوِىَ في الأطْرافِ مُعْتَبَرٌ في جَرَيانِ 3 القِصاصِ، بدليلِ أنّا لا نَأْخُذُ الصحيحةَ بالشَّلاءِ، ولا كامِلَةَ الأصابِعِ بالنّاقِصَةِ، وأطْرَافُ العَبيدِ لا تَتَساوَى.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ 4. الآية.
ولأنَّه أحَدُ نَوْعَىِ 5 القِصاصِ، فجرَى بينَ العَبِيدِ، كالقِصاصِ في النَّفْسِ.
..................................
فصل: وإذا وَجَب القِصاصُ في طَرَفِ العبيدِ، فللعبدِ 1 اسْتِيفاؤُه والعَفْوُ عنه دُونَ السَّيِّدِ
فصل: ويُقْتَلُ العبْدُ 2 القِنُّ بالمُكاتَبِ، والمُكاتَبُ به، ويُقْتَلُ كلُّ واحدٍ مِنهما بالمُدَبَّرِ وأُمِّ الوَلَدِ، ويُقْتَلُ المُدَبَّرُ وأُمُّ الوَلَدِ بكلِّ واحدٍ مِنهما؛ لأَنَّ الكلَّ عبيدٌ، فيَدْخُلون في قولِه تعالى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾.
وقد دَلَّ على 3 كَونِ المُكاتَبِ عبدًا قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِىَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» 4. وسَواءٌ كان قد أدَّى مِن كِتابَتِه شيئًا أو لم يُؤَدِّ، وسَواءٌ مَلَك ما يُؤَدِّى أو لم يَمْلِكْ، إلَّا إذا قُلْنا: إنَّه إذا مَلَك ما يُؤَدِّى صارَ حُرًّا.
فلا يُقْتَلُ بالعبدِ 5؛ لأَنَّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بالعَبْدِ.
وإن أدَّى ثلاثةَ أرْباعِ الكِتابَةِ، لم يُقْتَلْ أيضًا، إذا قُلْنا: إنَّه يصيرُ حُرًّا.
ومَن لم يَحْكُمْ بحُرِّيِتَّه
..................................
إلَّا بأداءِ جميعِ الكِتابَةِ، قال: يُقْتَلُ به.
وقال أبو حنيفةَ: إذا قَتَل العبدُ مُكاتَبًا له وَفاءٌ ووارِثٌ سِوى مَوْلاه، لم يُقْتَلْ به؛ لأنَّه حينَ الجَرْحِ كان المُسْتَحِقُّ 1 المَوْلَى، وحينَ الموتِ الوارثَ، ولا يجبُ القِصاصُ إلَّا 2 لمَن يَثْبُتُ حَقُّه في الطَّرَفَيْن.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.
وقولُه: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾.
ولأنَّه لو كان قِنًّا، لوَجَبَ بِقَتْلِه القِصاصُ، فإذا كان مكاتَبًا كان أوْلَى، كما لو لم [يُخَلِّفْ وارِثًا] 3، وما ذَكَرُوه فشئٌ بَنَوْه على أُصُولِهم، ولا نُسَلِّمُه.
وَيُقْتَلُ الذَّكَرُ بِالْأُنْثَى، وَالْأُنْثَى بِالذَّكَرِ، فِى الصَّحِيحِ عَنْهُ.
فصل: إذا قَتَل الكافرُ الحُرُّ عبدًا مسلمًا، لم يُقْتَلْ؛ لأَنَّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بالعبدِ، لعَدَمِ التَّكافُؤِ، ولأنَّه لا يُحَدُّ بقَذْفِه، فلا يُقْتَلُ به، كالأبِ مع الابنِ، وعليه قِيمَتُه، ويُقْتَلُ لنَقْضِ العَهْدِ، إن قُلْنا: يَنْتَقِضُ عَهْدُه.
وفيه رِوايَتان ذَكَرناهما في مَوْضِعَ ذلك (1). وعلى الرِّوايةِ الأُخْرَى، لا يُقْتَلُ، وعليه قِيمَتُه، ويُؤَدَّبُ بما وَرَاه الإِمامُ أو نائِبُه.
فصل: وإن قتَل عبدٌ مسلمٌ حُرًّا كافرًا، لم يُقْتَلْ به؛ لأَنَّ المسلمَ لا يُقْتَلُ بالكافرِ.
وإن قَتَل مَن نِصْفُه (2) حُرٌّ عبدًا، لم يُقْتَلْ به؛ لأنَّا لا نَقْتُلُ نِصْفَ الحُرِّ بعبدٍ.
وإن قَتَلَه حُرٌّ، لم يُقْتَلْ به؛ لأَنَّ النِّصْفَ الرَّقِيقَ لا يُقْتَلُ به الحُرُّ.
وإن قَتَل مَن نِصْفُه حُرٌّ مِثْلَه، قُتِل به؛ لأَنَّ القِصاصَ يقَعُ بينَ (3) الجُمْلَتَيْن مِن غيرِ تَفْصِيلٍ، وهما مُتَساوِيان.
4070 -
مسألة: (ويُقْتَلُ الذَّكَرُ بالأُنْثَى، والأُنْثَى بالذَّكَرِ)
هذا123
وَعَنْهُ، يُعْطَى الذَّكَرُ نِصْفَ الدِّيَةِ إِذَا قُتِلَ بِالْأُنْثَى.
قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم النَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، ومالِكٌ، وأهلُ المدينةِ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْى، وغيرُهم.
ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: يُقْتَلُ 1 الرجلُ بالمرأةِ، ويُعْطَى أوْلِياؤُه نِصْفَ الدِّيَةِ.
رَواه سعيدٌ 2. ورُوِىَ نحوُه عن أحمدَ.
وحُكِىَ ذلك عن الحسنِ، وعطاءٍ.
وحُكِىَ عنهما مثلُ قولِ الجماعةِ.
ولَعَلَّ مَن ذهَب إلى القولِ الثانى يَحْتَجُّ بقولِ علىِّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.
وقولُه: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾.
مع عُمُومِ سائِرِ النُّصُوصِ، وقد ثَبَت أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَتَل يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جارِيَةٍ 3 مِن الأنْصارِ 4. وروَى أبو بكرِ بنُ محمدِ بنِ عمرِو ابنِ حَزْمٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كَتَب إلى أَهْلِ اليَمَنِ بكتابٍ فيه الفرائضُ والأسْنانُ 5، وأنَّ الرجلَ يُقْتَلُ بالمرأةِ 6. وهو كتابٌ مَشْهُورٌ عندَ أَهْلِ العلمِ، مُتَلَقًّى بالقَبُولِ عندَهم.
ولأنَّهما
وَعَنْهُ، لَا يُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ إِلَّا أَن تَسْتَوِىَ قِيمَتُهُمَا.
وَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ.
وَيُقْتَلُ الْكَافِرُ بِالْمُسْلِمِ، وَالْعَبْدُ بِالْحُرِّ، وَالْمُرْتَدُّ بِالذِّمِّىِّ وَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
شَخْصانِ يُحَدُّ كلُّ واحدٍ منهما بقَذْفِ صاحِبِه، فيُقْتَلُ كلُّ واحِدٍ منهما بالآخَرِ، كالرَّجُلَيْن.
ولا يجبُ مع القِصاصِ شئٌ؛ لأنَّه قِصاصٌ واجِبٌ، فلم يَجِبْ معه شئٌ على المُقْتَصِّ (1)، كسائِرِ القِصاصِ، واخْتِلافُ الأبْدالِ (2) لا عِبْرَةَ به في القِصاصِ، بدليلِ أنَّ الجماعَةَ يُقْتَلُونَ بالواحدِ، والنَّصْرَانِىُّ يُؤْخَذُ بالمَجُوسِىِّ، مع اخْتِلافِ دِينِهما، ويُؤْخَذ العبدُ بالعبدِ، مع اخْتِلافِ قِيمَتِهما.
ويُقْتَلُ كلُّ واحدٍ مِن الرجلِ والمرأةِ بالخُنْثَى، ويُقْتَلُ بهما؛ لأنَّه لا يَخْلُو إمَّا أن يكونَ رجلًا أو امرأةً.
4071 -
مسألة: (وعَن أحمدَ، لا يُقْتَلُ العَبْدُ بالعبدِ إلَّا أن تَسْتَوِىَ قِيمَتُهما. ولَا عَمَلَ عليه)
وقد ذَكَرْناه.
4072 -
مسألة: (ويُقْتَلُ الكافِر بالمسلمِ)
لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَتَلِ اليَهودِىَّ الذى رَضَخَ 3 رَأْسَ جاريةٍ مِن الأنْصارِ على أوْضَاحٍ لها.
ولأنَّه إذا قُتِل بمِثْلِه فبِمن هو فوقَه أوْلَى (و) كذلك يُقْتَلُ (العبدُ بالحُرِّ، والمُرْتَدُّ12
..................................
بالذِّمِّىِّ وإن عاد إلى الإِسلامِ.
نَصَّ عليه) أحمدُ 1، لذلك.
فصل: ويُقْتَلُ المُرْتَدُّ بالذِّمِّىِّ، ويُقَدَّمُ القِصاصُ على القَتْلِ بالرِّدَّةِ؛ لأنَّه حَقُّ آدَمِىٍّ.
وإن عَفا عنه وَلِىُّ القِصاصِ، فله دِيَةُ المَقْتُولِ، فإن أسْلَمَ المُرْتَدُّ فهو 2 في ذِمَّتِه.
وإن قُتِل بالرِّدَّةِ أو مات، تَعَلَّقَتْ بمالِه.
وإن قَطَع طَرَفًا مِن مسلم أو ذِمِّىٍّ، فعليه القِصاصُ فيه أيضًا.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعىِّ: لا يُقْتَلُ المُرْتَدُّ بالذِّمِّىِّ، ولا يُقْطَعُ طَرَفُه بطَرَفِه؛ لأَنَّ أحْكامَ الإِسلامِ في حَقِّه باقِيَةٌ، بدليلِ وُجُوبِ العِباداتِ عليه، ومُطالبتِه بالإِسلامِ.
ولَنا، أنَّه كافِرٌ، فيُقْتَلُ بالذِّمِّىِّ، كالأصْلِىِّ 3. وقولُهم: إنَّ أحْكامَ الإِسلامِ باقِيَةٌ.
غيرُ صحيحٍ، فإنَّه قد زالت عِصْمَتُه وحُرْمَتُه، وحِلُّ [نكاحِ المسلماتِ] 4، وشِراءُ العبيدِ المسلمين، وصِحَّةُ العباداتِ وغيرِها 5، وأمَّا مُطالَبَتُه بالإِسْلام، فهو حُجَّةٌ عليهم؛ لأنَّه يَدُلُّ على تَغْلِيظِ كُفْرِه، وأنَّه لا يُقَرُّ على رِدَّتِه 6، لسُوءِ حالِه، فإذا قُتِل بالذِّمِّىِّ مثلُه، فمَن هو دُونَه أَوْلَى.
ولا يَمْنَعُ إسْلامُه وُجُوبَ القِصاصِ عليه؛ لأنَّه بعدَ اسْتِقْرارِ وُجُوبِ القِصاصِ عليه، والأَصْلُ في كلِّ واجبٍ بَقاؤُه، فأشْبَهَ ما لو قَتَلَه وهو عاقِلٌ، ثم جُنَّ.
وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ،
4073
- مسألة: (ولا يُقْتَلُ مسلمٌ بكافِرٍ) أىَّ كافِرٍ كان.
هذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
رُوِى ذلك عن عُمَرَ، وعُثْمانَ، وعلىٍّ، وزيدِ ابنِ ثابتٍ، ومُعاوِيَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وعَطاءٌ، والحسنُ، وعِكْرِمَةُ، والزُّهْرِىُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال النَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، وأصحابُ الرَّأْى: يُقْتَلُ المسلمُ بالذِّمِّىِّ خاصَّةً.
قال أحمدُ: الشَّعْبِىُّ والنَّخَعِىُّ قالا: دِيَةُ المَجُوسِىِّ والنَّصْرانِىِّ مثلُ دِيَةِ المسلمِ، وإن قَتَلَه يُقْتَلُ به.
سبحانَ اللَّهِ! هذا عَجَبٌ، يصيرُ المَجُوسِىُّ مثلَ المسلمِ، ما هذا القول! واسْتَبْشَعَه.
وقال: النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بكَافِرٍ» 1. وهو يقولُ: يُقْتَلُ بكافرٍ.
فأىُّ شئٍ أشَدُّ مِن هذا! واحْتَجُّوا بالعُمُوماتِ التى ذَكَرْناها، كقولِه تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.
وقولِه: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾.
وبما روَى
..................................
ابنُ البَيْلَمانِىِّ 1، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أقاد مسلمًا بِذِمِّىِّ، وقال: «أنا أحَقُّ مَنْ وَفَّى بِذِمَّتِهِ» 2. ولأنَّه مَعْصُومٌ عِصْمَةً مُؤَبَّدَةً، فيُقْتَلُ به قاتِلُه، كالمسلمِ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤْهُمْ، ويَسْعَى بذِمَّتِهِمْ أدْنَاهُمْ، لا يُقْتَلُ مُؤْمِنُ 3 بِكَافِرٍ».
رَواه أحمدُ، وأبو داودَ 4. وفى لَفْظٍ: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بكَافِرٍ».
رَواه البُخارِىُّ، وأبو داودَ 5. وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: مِن السُّنَّةِ أن لا يُقْتَلَ مُؤْمِنٌ بكافِرٍ.
..................................
رَواه الإِمامُ أحمدُ 1. ولأنَّه مَنْقُوصٌ 2 بالكُفْرِ، فلا يُقْتَلُ به المسلمُ، كالمُسْتَأمِنِ، والعُمُوماتُ مَخْصُوصاتٌ بحدِيثِنا، وحديثُهم ليس له إسْنادٌ.
قالَه أحمدُ.
وقال الدّارَقُطْنِىُّ 3: يَرْوِيه ابنُ البَيْلَمانِىِّ، وهو ضعيفٌ إذا أسْنَدَ، فكيف إذا أرْسَلَ؟ والمَعْنَى في المسلمِ أنَّه مُكافِئٌ للمسلمِ، بخِلافِ الذِّمِّىِّ.
ووافَقَ أبو حنيفةَ الجماعةَ في المسْتَأْمِنِ أنَّ المسلمَ لا يُقادُ به.
وهو المشهورُ عن أبى يُوسُفَ.
وعنه، يُقْتَلُ به؛ لِما سَبَق في الذِّمِّىِّ.
ولَنا، أنَّه ليس بمَحْقُونِ الدَّمِ على التَّأْبِيدِ، فأشْبَهَ الحَرْبِىَّ، مع ما ذَكَرْنا مِن الأدِلَّةِ في التى قبلَها.
فصل.
ويُقْتَلُ الذِّمِّىُّ بالذِّمِّىِّ، سواءٌ اتَّفَقَتْ أدْيانُهم أو اخْتَلَفْ، فيُقْتَلُ النَّصْرانِىُّ باليَهُودِىِّ والمَجُوسِىِّ.
نَصَّ عليه أحمدُ في النَّصْرَانِىِّ يُقْتَلُ بالمَجُوسِىِّ إذا قَتَلَه.
قِيلَ 4: فكَيْفَ يُقْتَلُ به وأدْيانُهما مُخْتَلِفَةٌ؟ قال: أذْهَبُ إلى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَتَل رَجُلًا بالمرأةِ 5. يَعْنِى أنَّه قَتَلَه بها مع اخْتِلافِ دِينِهما.
ولأنَّهما تَكافَآ في العِصْمَةِ بالذِّمَّةِ 6 ونَقِيصةِ الكُفْرِ، فجَرَى 7
ولا حُرٌّ بِعَبْدٍ،
القِصاصُ بينَهما، كما لو تَساوَى دِينُهما.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ.
4074 -
مسألة: (ولا)
يُقْتَلُ (حُرٌّ بعبدٍ) رُوِى هذا عن [أبى بكرٍ] 1، وعُمَرَ، وعلىٍّ، وزيدٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال الحسنُ، وعَطاءٌ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وعِكْرِمَةُ، وعمرُو بنُ دِينارٍ، ومالِكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
ورُوِىَ ذلك عن الشَّعْبِىِّ.
ورُوِىَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والنَّخَعِىِّ، وقَتادَةَ، والثوْرِىِّ، وأصحاب الرَّأْى، أنَّه يُقْتَلُ به؛ لعُمُوم الآياتِ والأخْبارِ، ولقولِ 2 النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ».
ولأنَّه آدَمِىٌّ مَعْصُومٌ، فأشْبَهَ الحُرَّ.
ولَنا، ما روَى الإِمامُ أحمدُ بإسْنادِه عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: مِن السُّنَّةِ أن لا يُقْتَلَ حُرٌّ بعبدٍ 3. وعن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ».
رَواه الدّارَقُطنِىُّ 4. ولأنَّه لا يُقْطَعُ طَرَفُه بطَرَفِه مع التَّساوِى في السَّلامَةِ، فلا يُقْتَلُ به، كالأبِ مع ابْنِه.
إِلَّا أَنْ يَقْتُلَهُ وَهُوَ مِثْلُهُ، أَوْ يَجْرَحَهُ، ثُمَّ يُسْلِمَ الْقَاتِلُ أَوِ الْجَارِحُ، أَوْ يَعْتِقَ وَيَمُوتَ الْمَجْرُوحُ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ.
ولأَنَّ العَبْدَ مَنْقُوصٌ بالرِّقِّ، فلم يُقْتَلْ به الحرُّ (1)، كالمُكاتَبِ إذا مَلَك ما يُؤَدِّى، والعُمُوماتُ مَخْصُوصَةٌ بهذا، فنَقِيسُ عليه.
4075 -
مسألة: (إلَّا أن يَجْرَحَه وهو مِثْلُه، أو يَقْتُلَه ثم يُسْلِمَ القاتِلُ أو الجَارِحُ، أو يَعْتِقَ فيَمُوتَ المَجْرُوحُ، فإنَّه يُقْتَلُ به)
وجملةُ ذلك، أنَّ الاعْتِبارَ في التَّكافُؤِ بحالةِ الوُجُوبِ كالحَدِّ.
فعلى هذا، إذا قَتَل ذِمِّىِّ ذِمِّيًّا أو جَرَحَه، ثم أسْلَمَ الجارِحُ، و 2 مات المَجْرُوحُ، أو قَتَل عبدٌ عبدًا أو جَرَحَه، ثُمَّ عَتَقَ القاتِلُ أو الجارِحُ، ومات المَجْرُوحُ، وَجَب القِصاصُ؛ لأنَّهما مُتكافِئان حالَ الجِنايَةِ، ولأَنَّ القِصاصَ قد وَجَب، فلا يَسْقُطُ بما طَرَأ، كما لو جُنَّ.
[كذا ذَكَره أصحابُنا.
وهو قولُ الشافعىِّ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْتَلَ به.
وهو قولُ الأوْزاعِىِّ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بكافِرٍ».
ولأنَّه مُؤْمِنٌ، فلا يُقْتَلُ بكافِرٍ، كما لو كان مُؤْمِنًا حالَ قَتْلِه.
ولأَنَّ إسْلامَه لو قارَنَ السَّبَبَ مع عِلْمِه، فإذا طَرَأ أسْقَطَ حُكْمَه.
والأَوَّلُ أقْيَسُ] 3.1
..................................
[فصل: ولو جَرَح ذِمِّىٌّ حُرٌّ 1 عبدًا ثم لَحِق بدارِ الحرب، فأُسِرَ واسْتُرِقَّ، لم يُقْتَلْ بالعبدِ؛ لأنَّه حينَ وُجوبِ القِصاصِ حُرٌّ] 2.
فصل: ولا يُقْتَلُ السَّيِّدُ بعبدِه، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وحُكِىَ عن النَّخَعِىِّ، وداودَ، أنَّه يُقْتَلُ به؛ لِما رَوَى قَتادَةُ، عن الحسنِ، عن سَمُرَةَ، قال: إنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَهُ جَدَعْنَاهُ».
رَواه سعيدٌ، والإِمامُ أحمدُ، والتِّرْمِذِىُّ 3، وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
مع العُمُوماتِ والمَعْنَى في التى قبلَها.
ولَنا، ما ذَكَرْناه في التى قبلَها.
وعن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: لو لم أسْمَعْ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «لَا يُقَادُ المَمْلُوكُ مِنْ مَوْلَاهُ، والوَالِدُ مِنْ وَلَدِهِ» لأقَدْتُه مِنْكَ.
رَواه النَّسائِىُّ 4. وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ رجلًا قَتَل
..................................
عبدَه، فجَلَدَه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مائةً، ونَفاهُ عامًا، ومَحا سَهْمَه 1 مِن المسلمين.
رَواه سعيدٌ، والخَلَّالُ 2. قال أحمدُ: ليس بشئٍ مِن قِبَلِ إسحاقَ بنِ أبى فَرْوَةَ.
ورَوَاه عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن أبى بكرٍ وعمرَ 3، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قالا: مَن قَتَل عبدَه، جُلِد مائةً، وحُرِمَ سَهْمَه مع المسلمين 4. فأَمّا حديثُ سَمُرَةَ، فلم يَثْبُتْ.
قال أحمدُ: الحسنُ لم يَسْمَعْ مِن سَمُرَةَ، إنَّما هى صَحِيفَةٌ.
وقال غيرُه: إنَّما سَمِعَ الحسنُ مِن سَمُرَةَ ثلاثةَ أحاديثَ، ليس هذا منها.
ولأَنَّ الحسنَ أفْتَى بخِلافِه، فإنَّه 5 يقولُ: لا يُقْتَلُ الحُرُّ بالعبدِ.
وقال: إذا قَتَل السَّيِّدُ عبدَه يُضْرَبُ.
ومخالَفَتُه له تَدُلُّ على ضَعْفِه.
..................................
فصل: ولا يُقْطَعُ طَرَفُ الحُرِّ بطَرَفِ العبدِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه بينَهم.
ويُقْتَلُ العبدُ بالحُرِّ، وبسَيِّدِه؛ لأنَّه إذا قُتِل بمِثْلِه، فبمَن هو أكْمَلُ منه.
1 أَوْلَى، مع عُمُومِ النُّصُوصِ الوارِدَةِ في ذلك.
ومتى وَجَب القِصاصُ على العبدِ، فعَفا وَلِىُّ الجِنايَةِ إلى المالِ، فله ذلك، ويَتَعَلَّقُ أرْشُها برَقَبَتِه؛ لأنَّه مُوجَبُ جِنايَتِه، فتَعَلَّقَ برَقَبَتِه 2، كالقِصاصِ.
فإن شاء سَيِّدُه أن يُسَلِّمَه إلى وَلِىِّ الجِنايةِ، لم يَلْزَمْه أكثرُ مِن ذلك؛ لأنَّه سَلَّمَ إليه ما تَعَلَّقَ حَقُّه به.
وإن قال وَلِىُّ الجِنايةِ: بِعْه، وادْفَعْ إلَىَّ ثَمَنَه.
لم يَلزَمْه ذلك؛ لأنَّه لم يتَعَلَّقْ بذِمَّتِه شئٌ، وإنَّما تَعَلَّقَ بالرَّقَبَةِ التى سَلَّمَها، فبَرِئَ منها.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَلْزَمُه ذلك، كما يَلْزَمُه بَيْعُ الرَّهْنِ.
وإنِ امْتَنَعَ مِن تَسْلِيمِه، واخْتارَ فِداءَه، فهل تَلْزَمُه قِيمَتُه أو أَرْشُ الجِنايةِ؟ على رِوايَتَيْن، تُذْكرُ 3 في غيرِ هذا المَوْضِعِ.
وَلَوْ جَرَحَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا، أَوْ حُرٌّ عَبْدًا، ثُمَّ أَسْلَمَ الْمَجْرُوحُ، أَوْ عَتَقَ وَمَاتَ، فَلَا قَوَدَ، وَعَلَيْهِ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ.
فِى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ.
4076 - مسألة: وإن جَرَح مسلمٌ كافِرًا، فأسْلَمَ المَجْرُوحُ، ثم مات مسلمًا بسِرايَةِ الجُرْحِ
1، لم يُقْتَلْ به قاتِلُه؛ لعَدَم التَّكافُؤِ حالَ الجِنايَةِ (وعليه دِيَةُ مُسْلِمٍ) لأَنَّ اعْتِبارَ الأَرْشِ بحالِ اسْتِقَرارِ الجِنايةِ.
وهذا (قولُ ابنِ حامِدٍ) بدليلِ ما لو قَطَع يَدَىْ رَجُل ورِجْلَيْه، فسَرَى إلى نفسِه، ففيه دِيَةٌ واحدةٌ، ولو اعْتُبِرَ حال الجِنايَةِ، وَجَب دِيَتانِ.
ولو قَطَج حُرٌّ يَدَ عبدٍ، ثم عَتَق ومات، لم يَجِبِ القَوَدُ؛ لعَدَم التَّكافُؤِ 2 حالَ الجِنايَةِ، وعلى الجانِى دِيَةُ حُرٍّ، اعْتِبارًا بحالِ الاسْتِقْرارِ.
وهو قولُ ابنِ حامدٍ، كالمسألةِ قبلَها، ومَذهَبُ الشافعىِّ.
وللسَّيِّدِ أقَلُّ الأَمْرَيْن، مِن نِصْفِ قِيمَتِه، أو نِصْفِ دِيَةِ حُرٍّ، والباقى لوَرَثَتِه؛ لأَنَّ نِصْفَ قِيمَتِه إن كانت أقَلَّ، فهى التى وُجِدَتْ في مِلْكِه، فلا يكونُ له أكْثَرُ منها؛ لأَنَّ الزَّائِدَ حَصَل بحُرِّيَّتِه، ولا حَقَّ له فيما حَصَل بها.
وإن كان الأقَلُّ الدِّيَةَ، لم يَسْتَحِقَّ أكْثَرَ منها؛ لأَنَّ نَقْصَ 3 القِيمَةِ حَصَل بسَبَبٍ مِن جِهَةِ السَّيِّدِ،
وَفِى قَوْلِ أَبِى بَكْرٍ: عَلَيْهِ فِى الذِّمِّىِّ دِيَةُ ذِمِّىِّ، وَفِى الْعَبْدِ قِيمَتُهُ لِسَيِّدِهِ.
وهو العِتْقُ.
وذَكَر القاضى أنَّ أحمدَ نَصَّ في رِوَايةِ حَنْبَلٍ، في مَن فَقَأ عَيْنَىْ عبدٍ، ثُمَّ أُعْتِقَ 1 ومات، أنَّ على الجانِى قِيمَتَه للسَّيِّدِ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ الاعْتِبارَ بحال الجِنايةِ.
وهو اختِيارُ أبى بكرٍ، والقاضى، وأبى الخَطَّابِ.
قال أبو الخَطَّابِ: مَن قَطَعَ يَدَ ذِمِّىِّ، ثم أسْلَمَ ومات، ضَمِنَه بدِيَةِ ذِمِّىٍّ، ولو قَطَع يَدَ عبدٍ، فأعْتَقَه سَيِّدُه ومات، فعلى الجانِى قِيمَتُه للسَّيِّدِ؛ لأَنَّ حُكْمَ القِصاصَ مُعْتَبَرٌ بحالِ الجِنايةِ، دُونَ حالِ السِّرايَةِ، فكذلك الدِّيَةُ.
والأَوَّلُ أصَحُّ، إن شاء اللَّهُ تعالى.
قاله 2 شيخُنا؛ لأَنَّ سِرايَةَ الجُرْحِ مَضْمُونَةٌ 3، فإذا أتْلَفَتْ حُرًّا مسلمًا، وَجَب ضَمانُه بدِيَةٍ كاملةٍ، كما لو قَتَلَه بجُرْحٍ ثانٍ.
وقولُ أحمدَ في مَن فَقَأ عَيْنَىْ عبدٍ: عليه قِيمَتُه للسَّيِّدِ.
..................................
لا خِلافَ فيه، وإنَّما الخِلافُ في وُجُوبِ الزَّائِدِ على القِيمَةِ مِن دِيَةِ الحُرِّ للوَرَثَةِ، ولم يَذْكُرْه أحمدُ.
ولأَنَّ الواجِبَ مُقَدَّرٌ بما تُفْضِى 1 إليه السِّرايَةُ، دُونَ ما تُتْلِفُه 2 الجِنايةُ، بدليلِ أنَّ مَن قُطِعَتْ يَدَاهُ ورِجْلاه، فسَرَى القَطْعُ إلى نَفْسِه، لم يَلْزَم الجانِىَ أكْثَرُ مِن دِيَةٍ، ولو قَطَع إصْبَعًا، فسَرى إلى نفْسِه، لو جَبَتِ الدِّيَةُ كامِلةً، فكذلك إذا سَرَتْ إلى نفسِ حُرٍّ مسلم، تَجِبُ دِيَةٌ كامِلَةٌ.
فأمَّا إن قَطَع يَدَ مُرْتَدٍّ، أو 3 حَرْبِىٍّ، فسَرَى ذلك إلى نفسِه، لم يَجِبْ قِصاصٌ ولا دِيَةٌ ولا كَفَّارَةٌ، سَوَاءٌ أسْلَمَ قبلَ السِّرايةِ أو لم يُسْلِمْ؛ لأَنَّ الجُرْحَ غيرُ مَضْمُونٍ، فلم تُضْمَنْ
وَإِنْ رَمَى مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا عَبْدًا، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ السَّهْمُ حَتَّى عَتَقَ وَأَسْلَمَ، فَلَا قَوَدَ، وَعَلَيْهِ ديَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ إِذَا مَاتَ مِنَ الرَّمْيَةِ.
ذَكَرَهُ الْخِرَقِىُّ.
وَقَالَ أَبَو بَكْرٍ: عَلَيْهِ الْقِصَاصُ.
سِرايَتُه، بخِلافِ التى قبلَها.
4077 -
مسألة: (وإن رَمَى مسلمٌ ذِمِّيًّا عبدًا، فلمْ يَقَعِ السَّهْمُ به حتى عَتَقَ وأسْلَمَ، فلا قَوَدَ، وعليه دِيَةُ حُرٍّ مسلمٍ إذا مات مِن الرَّمْيَةِ)
هذا قولُ ابنِ حامدٍ، ومَذْهَبُ الشافعىِّ (وقال أبو بكرٍ: يجبُ القِصاصُ) لأنَّه قَتَل مُكافِئًا له عمدًا عُدْوانًا، فوَجَبَ القِصاصُ، كما لو كان حُرًّا مسلمًا كذلك حالَ الرَّمْى، يُحَقِّقُه أنَّ الاعْتِبارَ بحالِ 1 الإِصابةِ، بدليلِ ما لو رَمَى فلم يُصِبْه حتىِ ارْتَدَّ أو مات، لم يَلْزَمْه شئٌ، ولو رَمَى عبدًا كافرًا، فعَتَقَ و 2 أسْلَمَ، غرِمَه بدِيَةِ حُرٍّ مسلمٍ.
ولَنا، على دَرْءِ 3 القِصاصِ،
..................................
أنَّه لم يَقْصِدْ إلى نَفْسٍ مُكافِئَةٍ، فلم يَجِبْ عليه قِصاصٌ، كما لو رَمَى حَرْبِيًّا 1 أو مُرْتَدًّا فأسْلَمَ.
وقال أبو حنيفةَ: يَلْزَمُه في العَبْدِ [دِيَةُ عبدٍ لمَوْلاه؛ لأَنَّ الإِصابَةَ ناشِئَةٌ] 2 عن إرْسالِ السَّهْم، فكان الاعْتِبارُ بها، كحالَةِ الجُرْحِ.
ولَنا، أنَّ الإِصابَةَ حَصَلَتْ في حُرٍّ، فكان ضَمانُه ضمانَ الأحْرارِ، كما لو قَصَد هَدَفًا أو طائِرًا، فأصاب حُرًّا، ثم يَبْطُلُ [ما ذَكَرَه] 3 بما إذا رَمَي حَيًّا فأصابه مَيِّتًا، أو عبدًا صحيحًا فأصابه بعدَ قَطْعِ يَدَيْه، لم تَجِبْ دِيَتُه لوَرَثَتِه، وعندَه تَجِبُ لمَوْلاه.
ولو رَمَى كافِرًا فأصابه السَّهْمُ بعدَ أن أسْلَمَ، كانت دِيَتُه لوَرَثَتِه المسلمين، وعندَ أبى حنيفةَ لوَرَثَتِه الكُفَّارِ.
ولَنا، أنَّه مات مسلِمًا حُرًّا، فكانت دِيَتُه للمسلمين، كما لو كان مسلمًا حالَ الرَّمْى، فوُجُوبُ المالِ مُعْتَبَرٌ بحالِ الإِصابَةِ؛ لأنَّه [بَدَلٌ عن] 4 المَحَلِّ، فيُعْتَبَرُ عن المَحَلِّ الذى فات بها، فيَجِبُ بقَدْرِه، وقد فات بها نَفْسُ مسلمٍ حُرٍّ، والقِصاصُ جَزاءُ 5 الفِعْلِ، فيُعْتَبَرُ الفِعْلُ فيه والإِصابةُ معًا؛ لأنَّهما طَرَفَاه، فلذلك لم 6 يَجِبِ القِصاصُ بقَتْلِه.
..................................
فُصُولٌ تتعلقُ بهذه المسألةِ:
فصل 1: ولو قَطَع يَدَ عبدٍ، ثم عَتَق ومات، أو يَدَ ذِمِّىِّ، ثم أسْلَمَ ومات، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، الواجِبُ دِيَةُ حُرٍّ مسلمٍ، لوَرَثَتِه ولسَيِّدِه منها أقَلُّ الأَمْرَيْن مِن دِيَتِه أو أرْشِ جِنايَتِه، اعْتِبارًا بحالِ اسْتِقْرارِ الجِنايَةِ.
وقال القاضى، وأبو بكرٍ: تجبُ قِيمَةُ العبدِ بالِغَةً ما بَلَغَتْ، مَصْرُوفَةً إلى السَّيِّدِ، اعْتِبارًا بحالِ الجِنايةِ؛ لأنَّها المُوجبُ للضَّمانِ، فاعْتُبِرَت حالَ وُجُودِها.
ومُقْتَضَى قَوْلِهما ضَمانُ الذِّمِّىِّ الذى أسْلَمَ بدِيَةِ ذِمِّىِّ، ويَلْزَمُهما على هذا أن يَصْرِفاها إلى وَرَثَتِه مِن أهلِ الذِّمَّةِ، وهو غيرُ صحيحٍ؛ لأَنَّ الدِّيَةَ لا تَخْلُو مِن أن تكونَ مُسْتَحَقَّةً للمَجْنِىِّ عليه، أو لوَرَثَتِه؛ فإن كانت له، وَجَب أن تكونَ لوَرَثَتِه المسلمين، كسائِرِ أمْوالِه وأمْلاكِه، و 2 كالذى كَسَبَه بعدَ جُرْحِه.
وإن كانت تَحْدُثُ على مِلْكِ وَرَثَتِه، فوَرَثَتُه هم المسلمون دُونَ الكُفَّارِ.
فصل: وإن قَطَع أنْفَ عَبْدٍ قِيمَتُه ألفُ 3 دِينارٍ، فانْدَمَلَ، ثم أعْتَقَه السَّيِّدُ، وَجَبَتْ قِيمَتُه بكَمالِها للسَّيِّدِ.
وإن أعْتَقَه ثم انْدَمَلَ، فكذلك؛ لأنَّه إنَّما اسْتَقَرَّ بالانْدِمالِ ما وَجَب بالجِنايةِ، والجِنايةُ كانت في مِلْكِ سَيِّدِه.
وإن مات مِن سِرايةِ الجُرْحِ، فكذلك في قولِ أبى بكرٍ والقاضى.
..................................
وهو قولُ المُزَنِىِّ؛ لأَنَّ الجِنايةَ يُراعَى فيها حالُ وُجُودِها.
وذَكَر القاضى أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه في رِوايةِ حَنْبَلٍ، في مَن فَقَأ عَيْنَىْ عَبدٍ، ثم أُعْتِقَ ومات، ففيه قِيمَتُه لا الدِّيَةُ.
ومُقْتَضَى قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّ الواجِبَ فيه دِيَةُ حُرٍّ 1. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ اعْتِبارَ الجِنايةِ بحالةِ الاسْتِقْرارِ، وقد ذَكَرْناه.
[ويُصْرَفُ إلى سَيِّدِه؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ أقَلَّ الأَمْرَيْن مِن دِيَتِه أو أرْشِ الجُرْحِ، والدِّيَةُ ههُنا أقَلُّ الأَمْرَيْن.
وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بما إذا قَطَع يَدَيْه ورِجْلَيْه فمات بسِرايَةِ الجُرْحِ، فإنَّ الواجِبَ دِيَةُ النَّفْسِ لا دِيَةُ الجُرْحِ] 2.
فصل: فإن قَطَع يَدَ عبدٍ، فأُعْتِقَ، ثم عاد فقَطَعَ رِجْلَه، وانْدَمَلَ القَطْعان، فلا قِصاصَ في اليَدِ؛ لأنَّها قُطِعَتْ في حالِ رقِّه، ويَجِبُ فيها نِصْفُ قِيمَتِه، أو ما نَقَصَه القَطْعُ 3 لسَيِّدِه، إذا قُلْنا: إنَّ العبدَ يُضْمَنُ بما نَقَصَه.
ويجبُ القِصاصُ في الرِّجْلِ التى قَطَعها حالَ حُرِّيَّتِه، أو نِصْفُ الدِّيَةِ إن عَفا عن القِصاصِ لوَرَثَتِه.
وإنِ انْدَمَلَ قَطْعُ اليَدِ، وسَرَى قَطْعُ الرِّجْلِ إلى نَفْسِه، ففى اليَدِ نِصْفُ القِيمَةِ لسَيِّدِه، وعلى القاطِعِ القِصاصُ في النفسِ، أو الدِّيَةُ كامِلَةً لوَرَثَتِه.
وإنِ انْدَمَلَ قَطْعُ الرِّجْلِ، وسَرَى قَطْعُ اليَدِ، ففى الرِّجْلِ القِصاصُ بِقَطْعِها، أو نِصْفُ الدِّيَةِ لوَرَثَتِه، ولا قِصاصَ في اليَدِ، ولا في سِرايَتِها، وعلى الجانِى دِيَةُ حُرٍّ، لسَيِّدِه منها أقَلُّ الأَمْرَيْن
..................................
مِن أرْشِ القَطْعِ أو ديَةِ الحُرِّ، على قولِ ابنِ حامدٍ.
وعلى قولِ أبى بكرٍ والقاضى، تَجِبُ قِيَمَةُ العبدِ لسَيِّدِه، اعْتِبارًا بحالِ جنايَتِه.
وإن سَرَى الجُرْحان، لم يَجِبِ القِصاصُ في النَّفْسِ ولا اليَدِ؛ لأنَّه مات مِن جُرْحَيْن مُوجِبٍ وغيرِ مُوجِبٍ، فلم يجبِ القِصاصُ، كما لو جَرَحَه جُرْحَيْن خَطَأً وعمدًا، ولكنْ يجبُ القِصاصُ في الرِّجْلِ؛ لأنَّه قَطَعَها مِن حُرٍّ، فإنِ اقْتَصَّ منه، وَجَب نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لأنَّه مات مِن جِنايَتِه، وقد اسْتَوْفَى منه ما يُقابِلُ نِصْفَ الدِّيَةِ، وللسَّيِّدِ أقَلُّ الأَمْرَيْن مِن نِصْفِ القِيمَةِ أو نصفِ الدِّيَةِ، فإن زاد نِصْفُ الدِّيَةِ على نِصْفِ القِيمَةِ، كان الزّائِدُ للوَرَثَةِ، وإن عَفَا وَرَثَتُه عن القِصاصِ، فلهم أيضًا نِصْفُ الدِّيَةِ.
فإن كان قاطِعُ الرِّجْلِ غيرَ قاطِعِ اليَدِ، واندَمَلَ الجُرْحان، فعلى قاطِعِ اليَدِ نِصْفُ القِيمَةِ لسَيِّدِه، وعلى قاطِعِ الرِّجْلِ القِصاصُ فيها أو 1 نِصْفُ الدِّيَةِ.
وان سَرَى الجُرْحان إلى نفسِه، فلا قِصاصَ على الأَوَّلِ؛ لأنَّه قَطَع يَدَ عبدٍ، وعليه نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ؛ لأَنَّ المَجْنِىَّ عليه حُرٌّ في حالِ اسْتِقْرارِ الجِنايةِ، وعلى الثانى القِصاصُ في النَّفْسِ إذا كانا عَمَدَا القَطْعَ؛ لأنَّه شارَكَ في القَتْلِ عمدًا عُدْوانًا، فهو كشريكِ الأبِ.
ويَتَخَرَّجُ أن لا قِصاصَ عليه في النَّفْسِ؛ لأَنَّ الرُّوحَ خَرَجَتْ مِن سِرايَةِ قَطْعَيْن، مُوجِبٍ وغيرِ مُوجِب، بِناءً على شريكِ الأبِ.
وإن عَفا عنه إلى الدِّيَةِ، فعليه نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ.
وإن قُلْنا بوُجُوبِ القِصاصِ في النَّفْسِ، خُرِّجَ في وُجُوبِه في الطَّرَفِ رِوايتان.
وإن قُلْنا:
..................................
لا يجبُ في النَّفْسِ.
وَجَب في الرِّجْلِ.
فصل: وإن قَلَع عَيْنَ عبدٍ، ثم أُعْتِقَ 1، ثُمَّ قَطَع آخَرُ يَدَه، ثم قَطَع آخَرُ رِجْلَه، فلا قَوَدَ على الأَوَّلِ، سواءٌ انْدَمَلَ جُرْحُه أو سَرَى، وأمَّا الآخرَان، فعليهما القِصاصُ في الطَّرَفَيْن إن 2 وَقَف قَطْعُهما، أو دِيَتُهما إن عَفا عنهما.
وإن سَرَتِ الجِراحاتُ كلُّها، فعليهما القِصاصُ في النَّفْسِ؛ لأَنَّ جِنايَتَهما صارتْ نَفْسًا.
وفى ذلك وفى القِصاصِ في الطَّرَفِ اخْتِلافٌ قد 3 ذَكَرْناه.
وإن عَفا عنهما، فعليهم 4 الدِّيَةُ أثْلاثًا.
وفيما يَسْتَحِقُّه السَّيِّدُ وَجْهان؛ أحَدُهما، أقَلُّ الأَمْرَيْن مِن نِصْفِ القِيمَةِ أو ثُلُثِ الدِّيَةِ، على قِياسِ قولِ أبى بكرٍ؛ لأنَّه بالقَطْعِ اسْتَحَقَّ نِصْفَ القِيمَةِ، فإذا صارت نَفْسًا، وَجَب فيها ثُلُثُ الدِّيَةِ؛ فكان له أقَلُّ الأَمْرَيْن.
والثانى، له أقَلُّ الأَمْرَيْن مِن ثُلُثِ القِيمَةِ أو ثُلُثِ الدِّيَةِ؛ لأَنَّ الجِنايةَ إذا صارت نَفْسًا، كان الاعْتِبارُ بما آلَتْ إليه، ألا تَرَى أنَّه لو جَنَى الجانِيان الآخَرَان قبلَ العِتْقِ أيضًا، لم يكنْ على الأَوَّلِ إلَّا ثُلُثُ القِيمَةِ، ولا يَزِيدُ حَقُّه بالعِتْقِ، كما لو قَلَع رَجُلٌ عَيْنَه، ثم باعَه سَيِّدُه، ثم قَطَع آخَرُ يَدَه، وآخَرُ رِجْلَه، ثم مات، فإنَّه يكونُ للأوَّلِ ثُلُثُ القِيمَةِ.
وإن كان أَرْشُ
..................................
الجِنايةِ نِصفَ القِيمَةِ، فإذا قُلْنا بالوَجْهِ الأَوَّلِ، [فلو كان الأَوَّلُ] 1 قَطَع إصْبَعَه، أو هَشَمَه، و 2 الجانِيان 3 في الحُرِّيَّةِ قَطَعا يَدَيْه، فالدِّيَةُ عليهم أثْلَاثًا، للسَّيِّدِ منها أقَلُّ الأَمْرَيْن مِن أرْشِ الإِصْبَعِ، وهو عُشْرُ القِيمَةِ، أو ثُلُثِ الدِّيَةِ.
ولو كان الجانِى في حالِ الرِّقِّ قَطَع يَدَيْه، والجانِيان (3) في الحُرِّيَّةِ قَطَعا رِجْلَيْه، وَجَبَتِ الدِّيَةُ أثْلَاثًا، وكان للسَّيِّدِ منها أقَلُّ الأمْرَيْنِ مِن جميعِ قِيمَتِه 4 أو ثُلُثِ الدِّيَةِ.
وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، يكونُ له في الفَرْعَيْن أقَلُّ الأَمْرَيْن مِن ثُلُثِ القِيمَةِ أو ثُلُثِ الدِّيَةِ.
فصل: فإن كان الجانِيانِ في حالِ الرِّقِّ، والواحِدُ في حالِ الحُرِّيَّةِ، فمات، فعليهم الدِّيَةُ، وللسَّيِّدِ مِن ذلك، في أحدِ الوَجْهَيْن، أقَلُّ الأَمْرَيْن مِن أرْشِ الجنايَتَيْن أو ثُلُثَى الدِّيَةِ، وعلى الآخَرِ أقَلُّ الأَمْرَيْن مِن ثُلُثَى القِيمَةِ أو ثُلُثَى الدِّيَةِ.
فصل: وإن كان الجُناةُ أرْبَعَةً؛ واحِدٌ في الرِّقِّ، وثَلاثَةٌ في الحُرِّيَّةِ، ومات، كان للسَّيِّدِ، في أحَدِ الوَجْهَيْن، الأَقَلُّ مِن أرْشِ الجِنايةِ أو رُبْعِ الدِّيَةِ 5. وإن كان الثَّلاثَةِ في الرِّقِّ، والواحِدُ في الحُرِّيَّةِ، كان للسَّيِّدِ أقَلُّ الأَمْرَين من أرْشِ الجناياتِ أو ثَلَاثَةِ أرْباعِ الدِّيَةِ، في أحدِ الوَجْهَيْن، وفى
..................................
الآخَرِ، الأقَلُّ مِن ثلاثةِ أرْباعِ القِيمَةِ أو ثلَاثةِ أرْباعِ الدِّيَةِ.
ولو كانوا 1 عَشَرَةً؛ واحِدٌ في الرِّقِّ، وتسعةٌ في الحُرِّيَّةِ، فالدِّيَةُ عليهم، وللسَّيِّدِ فيها بحِسابِ ما ذَكَرْنا، على اخْتِلافِ الوَجْهَيْن.
فصل: وإن قَطَع يَدَه، ثم أُعْتِقَ، فقَطَعَ آخَرُ رِجْلَه، ثم عاد الأَوَّلُ فقَتَلَه بعدَ الانْدِمالِ، فعليه القِصاصُ للوَرَثَةِ، ونِصْفُ القِيمَةِ للسَّيِّدِ، وعلى الآخَرِ القِصاصُ للورثةِ في الرِّجْلِ أو 2 نِصْفُ الدِّيَةِ.
فإن كان قبلَ الانْدِمالِ، فعلى الجانِى الأَوَّلِ القِصاصُ في النَّفْسِ دُونَ اليَدِ؛ لأنَّه قَطَعَها في رِقِّه.
فإنِ اخْتارَ الورثةُ القِصاصَ في النَّفْسِ، سَقَط حَقُّ السَّيِّدِ؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يُسْتَحَقَّ عليه النفسُ وأرْشُ الطَّرَفِ قبلَ الانْدِمالِ، فإنَّ الطَّرَفَ داخِلٌ في النَّفْسِ في الأَرْشِ.
فإنِ اخْتارُوا 3 العَفْوَ، فعليه الدِّيَةُ دُونَ أرْشِ الطَّرَفِ؛ لأَنَّ أرْشَ الطَّرفِ يَدْخُلُ في النَّفْسِ، وللسَّيِّدِ أقَلُّ الأَمْرَيْن مِن نِصْفِ القِيمَةِ أو أرْشِ الطَّرَفِ، والباقى للورثةِ.
وأمَّا الثانى، فعليه القِصاصُ في الرِّجْلِ؛ لأَنَّ القَتْلَ قَطَع سِرايَتَها، فصار كما لو انْدَمَلَتْ.
فإن عَفا عنه، فعليه نِصْفُ الدِّيَةِ.
وإن كان الثانى هو الذى قَتَلَه قبلَ الانْدِمالِ، فعليه القِصاصُ في النفسِ.
وهل يُقْطَعُ طَرَفُه؟ على رِوايَتَيْن.
فإن عَفا الورثةُ، فعليهْ دِيَةٌ واحدةٌ.
وأمّا الأَوَّلُ، فعليه نِصْف
..................................
القِيمَةِ للسَّيِّدِ، ولا قِصاصَ عليه.
وإن كان القاتِلُ ثالثًا، فقد اسْتَقَرَّ القَطْعانِ، ويكونُ على الأَوَّلِ نِصْفُ القِيمَةِ لسَيِّدِه، وعلى الثانى القِصاصُ في الرِّجْلِ، أو نِصْفُ الدِّيَةِ لورثَتِه، وعلى الثالثِ القِصاصُ في النَّفْسِ أو الدِّيَةُ.
فصل: وإذا قَطَع رجلٌ يَدَ عبدِه 1، ثم أعْتَقَه، ثم اندَمَلَ جُرْحُه، فلا قِصاصَ عليه ولا ضَمانَ؛ لأنَّه إنَّما قَطَع يَدَ عَبْدِه، وإنَّما اسْتَقَرَّ بالانْدِمالِ ما وَجَب بالجِراحِ.
وإن مات بعدَ العِتْقِ بسِرايَةِ الجُرْحِ، فلا قِصاصَ فيه؛ لأَنَّ الجِنايةَ كانت على مَمْلُوكِه.
وفى وُجُوبِ الضَّمانِ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يجبُ شئٌ؛ لأنَّه مات بسِرايَةِ جُرْحٍ غيرِ مَضْمُونٍ، أشْبَهَ ما لو مات بسِرايَةِ القَطْعِ في الحَدِّ وسِرايَةِ القَوَدِ.
ولأنَّنا تَبَيَّنْا أنَّ القَطْعَ كان قَتْلًا، فيكونُ قاتِلًا لعَبْدِه، فلا يَلْزَمُه ضَمانُه، كما لو لم يُعْتِقْه.
وهذا مُقْتَضَى قولِ أبى بكرٍ.
والثانى، يَضْمَنُه بما زاد على أرْشِ القَطْعِ مِن الدِّيَةِ؛ لأنَّه مات وهو حُرٌّ بسِرايَةِ قَطْع عُدْوانٍ، فيَضْمَنُ، كما لو كان القاطِعُ أجْنَبِيًّا، لكن يَسْقُطُ أَرْشُ القَطْعِ؛ لأنَّه في مِلْكِه، ويجبُ الزّائِدُ لورثتِه، فإن لم يكنْ له 2 وارِثٌ سِواه، وَجَب لبيتِ المالِ، ولا يَرِثُ السَّيِّدُ شيئًا؛ لأَنَّ القاتِلَ لا يَرِثُ.
وَلَوْ قَتَلَ مَنْ يَعْرِفُهُ ذِمِّيًّا عَبْدًا، فَبَانَ أنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ وَعَتَقَ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَإِنْ كَانَ يَعْرِفُهُ مُرْتَدًّا، فَكَذَلِكَ.
قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ.
قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ إِلَّا الدِّيَةُ.
4078 - مسألة: (ولو قَتَل مَن يَعْرِفه ذِمِّيًّا عبدًا، فبان أَنَّه قد عَتَقَ وأَسْلَمَ، فعليه القِصاصُ)
لأنَّه قَتَل مَن يُكافِئُه بغيرِ حَقٍّ، أشْبَهَ ما لو عَلِم حالَه.
4079 -
مسألة: (وإن كان يَعْرِفُه مُرْتَدًّا، فكذلك عندَ أبى بكرٍ)
لِما ذَكَرْنا (قال: ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه إلَّا الدِّيَةُ) لأنَّه لم يَقْصِدْ قَتْلَ مَعْصُومٍ، فلم يَلْزَمْه قِصاصٌ، كما لو قَتَل في دارِ الحربِ مَن يَعْتَقِدُه 1 حَرْبِيًّا، فبانَ أنَّه بعدَ أن أسْلَمَ.
فَصْلٌ: الرَّابعُ، أَنْ لَا يَكُونَ أَبًا لِلْمَقْتُولِ، فَلَا يُقْتَلُ الْوَالِدُ بِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ، وَالْأَبُ وَالْأُمُّ فِى ذَلِكَ سَواءٌ.
فصل
: (الرّابعُ، أن لا يكونَ أبًا للمَقتُولِ، فلا يُقْتَلُ الوالِدُ بوَلَدِه وإن سَفَل، والأبُ والأُمُّ في ذلك سَواءٌ) وجملةُ ذلك، أنَّ الأبَ لا يُقْتَلُ بوَلَدِه، ولا بوَلَدِ وَلَدِه، وإن نَزَلَتْ دَرَجَتُه، وسَواءٌ في ذلك وَلَدُ البَنِينَ ووَلَدُ البَناتِ.
وممَّن نُقِلَ عنه أنَّ الوالدَ لا يُقْتَلُ بوَلَدِه 1، عمرُ بنُ الخَطّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وبه قال رَبِيعَةُ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وقال ابنُ نافِعٍ، وابنُ عبدِ الحَكَمِ، وابنُ المُنْذِرِ 2: يُقْتَلُ به؛ لظاهِرِ آىِ الكِتابِ، والأخْبارِ المُوجِبَةِ للقِصاصِ.
ولأنَّهما حُرَّان مسلمان مِن أهلِ القِصاصِ، فوَجَبَ أن يُقْتَلَ كلُّ واحِدٍ منهما بصاحِبِه؛ كالأجْنَبِيَّيْنِ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ (2):
..................................
وقد رُوِى 1 في هذا البابِ أخْبارٌ.
وقال مالِكٌ: إن قَتَلَه حَذْفًا بالسَّيْفِ ونحوِه، لم يُقْتَلْ به، وإن ذَبَحَه، أو قَتَلَه قَتْلًا لا يُشَكُّ في أنَّه عَمَد إلى قَتْلِه دُونَ تَأْدِيبِه، أُقِيدَ به.
ولَنا، ما روَى عمرُ بنُ الخَطَّابِ، وابنُ عباسٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ».
أخْرَجَ النَّسَائِىُّ حديثَ عمرَ 2، ورَواهما ابنُ ماجه 3. وذَكَرَهما ابنُ عبدِ البَرِّ 4، وقال (4): هو حديثٌ مَشْهُورٌ عندَ أهلِ العلمِ بالحِجازِ والعِراقِ، مُسْتَفِيضٌ عندَهم، يُسْتَغْنَى بشُهْرَتِه وقَبُولِه والعَمَلِ به عن الإِسْنادِ فيه، حتى يكونَ الإِسْنادُ في مِثْلِه مع شُهْرَتِه تَكَلُّفًا.
ولأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «أنْتَ ومَالُكَ لأبِيكَ» 5. وقَضِيَّةُ هذه الإِضافَةِ تمْلِيكُه إيّاه، فإذا لم تَثْبُتْ حقيقةُ المِلْكِيَّةِ، ثَبَتَتْ هذه 6 الإِضافَةُ شُبْهَةً في دَرْءِ
..................................
القِصاصِ؛ لأنَّه يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ولأنَّه سَبَبُ إيجادِه، فلا يَنْبَغِى أن يَتَسَلَّطَ بسَبَبِه على إعْدامِه.
وما ذكَرْناه يَخُصُّ العُمُوماتِ، ويُفارِقُ الأبُ سائِرَ الناسِ، فإنَّهم لو قَتَلُوا بالحَذْفِ بالسَّيْفِ، وَجَب عليهم القِصاصُ، والأبُ بخِلافِه.
فصل: والجَدُّ وإن عَلا كالأبِ في هذا، وسَواءٌ كان مِن قِبَلِ الأبِ أو مِن قِبَلِ الأُمِّ، في قولِ أكثَرِ مُسْقِطِى القِصاصِ عن الأبِ.
وقال الحسنُ ابنُ حَىٍّ: يُقْتَلُ به.
ولَنا، أنَّه والِدٌ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ النَّصِّ.
ولأَنَّ ذلك حُكْمٌ يتَعَلَّقُ بالوِلادَةِ، فاسْتَوَى فيه القَرِيبُ والبَعِيدُ، كالمَحْرَمِيَّةِ، والعِتْقِ إذا مَلَكَه.
والجَدُّ مِن قِبَلِ الأُمِّ كالذى مِن قِبَلِ الأبِ، قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-[في الحَسَنِ] 1: «إنَّ ابْنِى هَذَا سَيِّدٌ» 2.
فصل: ويَسْتَوِى في ذلك الأبُ والأمُّ، في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ، وعليه العَمَلُ عندَ مُسْقِطِى القِصاص عِن الأب.
وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه لا يَسْقُطُ عن الأُمِّ، فإنَّ مُهَنَّا نَقَلَ عنه، في أُمِّ ولدٍ قَتَلَتْ سَيِّدَها عمدًا، تُقْتَلُ.
قال: مَن يَقْتُلُها؟ قال: وَلَدُها.
وخَرَّجَها أبو بكرٍ على رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، أنَّ الأُمَّ تُقْتَلُ بوَلَدِها؛ لأنَّها لا وِلايَةَ لها عليه، أشْبَهَ الأخَ.
..................................
والصَّحيحُ الأَوَّلُ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بوَلَدِه».
ولأنَّها أحَدُ الأبَوَيْن، فأشْبَهَتِ الأبَ.
ولأنَّها أوْلَى بالبِرِّ، فكانت أوْلَى بنَفْىِ القِصاصِ عنها، والوِلايَةُ غيرُ مُعْتَبَرَةٍ، بدليلِ انْتِفاءِ القِصاصِ عن الأبِ بقَتْلِ وَلَدِه الكبيرِ الذى لا وِلايةَ له عليه، وعن الأبِ المُخالِفِ في الدِّينِ، أو الرَّقِيقِ.
والجَدَّةُ وإن عَلَتْ في ذلك كالأُمِّ، وسَواءٌ في ذلك مِن قِبَلِ الأبِ، أو مِن قِبَلِ الأُمِّ؛ لِما ذَكَرْنا في الجَدِّ.
فصل: وسواءٌ في ذلك اتِّفاقُهما في الدِّينِ والحُرِّيَّةِ واخْتِلافُهما فيه؛ لأَنَّ انْتِفاءَ 1 القِصاصِ لشَرَفِ الأُبُوَّةِ، وهو مَوْجُودٌ في كلِّ حالٍ، فلو قَتَل الكافرُ وَلَدَه 2 المسلمَ، أو قَتَل المسلمُ أباه الكافرَ، أو قَتَل العبدُ وَلَدَه الحُرَّ، أو قَتَل الحُرُّ وَالِدَه 3 العبدَ، لم يَجِبِ القِصاصُ لشَرَفِ الأُبُوَّةِ فيما إذا قَتَل وَلَدَه، وانْتِفاءِ المُكافَأةِ فيما إذا قَتَل والِدَه.
..................................
فصل: إذا تَداعَى نَفْسان نَسَبَ صغيرٍ مَجْهُولِ النَّسَبِ، ثم قَتَلاه قبلَ إلْحاقِه بواحدٍ منهما، فلا قِصاصَ عليهما؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ ابنَ كلِّ واحدٍ منهما أو ابنَهما.
وإن ألْحَقَتْه القافَةُ بأحَدِهما، ثم قَتَلاه، لم يُقْتَلْ أبوه، وقُتِل الآخَرُ؛ لأنَّه شَرِيكُ الأبِ في قَتْلِ الابنِ.
وإن رَجَعا جميعًا عن الدَّعْوَى، لم يُقْبَلْ رُجُوعُهما؛ لأَنَّ النَّسَبَ حَقٌّ للوَلَدِ، فلم يُقْبَلْ رُجُوعُهما عن إقْرارِهما به، كما لو أقَرّا له بحَقٍّ سِواه، أو كما لو ادَّعاه واحدٌ، فأُلْحِقَ به، ثم جَحَدَه.
وإن رَجَع أحَدُهما، صَحَّ رُجُوعُه، وثَبَت نَسَبُه مِن الآخَرِ؛ لأَنَّ رُجُوعَه لا يُبْطِلُ نَسَبَه، ويَسْقُطُ القِصاصُ عن الذى لم يَرْجِعْ، ويَجبُ على الرَّاجِعِ؛ لأنَّه شارَكَ الأبَ، وإن عُفِىَ 1 عنه، فعليه نِصْفُ الدِّيَةِ.
ولو اشْتَرَكَ رَجُلان في وَطْءِ امرأةٍ في طُهْرٍ واحدٍ، وأتَتْ بوَلَدٍ يُمْكِنُ أن يكونَ منهما، فقَتَلاه قبلَ إلحاقِه بأحَدِهما، لم يَجِبِ القِصاصُ.
وإن نَفَيَا نَسَبَه، لم يَنْتَفِ [بقَوْلِهما، وإن نَفاه أحَدُهما، لم يَنْتَفِ] 2 بقَوْلِه؛ لأنَّه لَحِقَه 3 بالفِراشِ، فلا يَنْتَفِى إلَّا باللِّعانِ.
وفارَقَ التىِ قبلَها مِن وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّ أحَدَهما إذا رَجَع عن دَعْواه، لَحِق الآخرَ، وههُنا لا يَلْحَقُ بذلك.
والثانى، أنَّ ثُبُوتَ نَسَبِه ثَمَّ 4
وَيُقْتَلُ الْوَلَدُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فِى أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ.
بالاعْتِرافِ، فيَسْقُطُ بالجَحْدِ، وههُنا ثَبَت بالاشْتِراكِ، فلا يَنْتَفِى بالجَحْدِ.
ومَذْهَبُ الشافعىِّ في هذا الفَصْلِ كما قُلْنا سَواءً.
4080 -
مسألة: (ويُقْتَلُ الوَلَدُ بكُلِّ واحِدٍ منهما، في أظْهَرِ الرِّوايَتَيْن)
هذا قولُ جماعةِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالِكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وحَكَى 1 بعضُ أصحابِنا عن أحمدَ، أنَّ الابنَ لا يُقْتَلُ بأبيه؛ لأنَّه ممَّن 2 لا 3 تُقْبَلُ شَهادَتُه له بحَقِّ النَّسَبِ، فلا يُقْتَلُ به، كالأبِ مع ابنِه.
والصَّحيحُ أنَّه يُقْتَلُ به؛ للآياتِ 4 والأخْبارِ، ومُوافَقَةِ القِياسِ.
ولأَنَّ الأبَ أعْظَمُ حُرْمَةً وحَقًّا مِن الأجْنَبِىِّ، فإذا قُتِل بالأجْنَبِىِّ، فبالأبِ أوْلَى، ولأنَّه يُحَدُّ بقَذْفِه، فيُقْتَلُ به، كالأجْنَبِىِّ.
[ولا يَصِحُّ] 5 قياسُ الابنِ على الأبِ؛ لأَنَّ حُرْمَةَ الوالدِ على الوَلَدِ آكَدُ،