الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 329-368

كِتَابُ النَّفَقَاتِ

صفحات 329-368

..................................  حاضِرٌ، عادتْ نَفَقَتُها؛ لزَوالِ المُسْقِطِ لها، ووُجُودِ التَّمْكِينِ المُقْتَضِى لها.
وإن كان غائِبًا، لم تَعُدْ نَفَقَتُها حتى يَعُودَ التَّسْلِيمُ بحُضُورِه، أو حُضُورِ وَكِيلِه، أو حُكْمِ الحاكمِ بالوُجُوبِ إذا مَضَى زَمَنُ الإِمْكانِ.
ولو ارْتَدَّتْ، سَقَطَتْ نَفَقَتُها، [فإن عادت إلى الإِسلامِ، عادت نَفَقَتُها 1 بمُجَرَّدِ عَوْدِها؛ لأَنَّ المُرْتَدَّةَ إنَّما سَقَطَتْ نَفَقَتُها] 2 لخُرُوجِها عن الإِسلامِ، فإذا عادت إليه، زالَ المَعْنى المُسْقِطُ، فعادتِ النَّفَقةُ، وفى النُّشُوزِ سَقَطَتِ النَّفقةُ بخُرُوجِها عن يَدِه، أو مَنْعِها له مِن التَّمْكِينِ المُسْتَحَقِّ عليها، ولا يَزُولُ ذلك إلَّا بعَوْدِها إلى يَدِه، وتَمْكِينِه منها، ولا يَحْصُلُ ذلك في غَيْبَتِه، ولذلك 3 لو بذَلَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِها قبلَ دُخُولِه بها وهو غائِبٌ، لم تَسْتَحِقَّ النَّفقةَ بمُجَرَّدِ البَذْلِ، كذا ههُنا.
فصل: إذا خالَعَتِ المرأةُ زَوْجَها وهى حامِلٌ، ولم تُبْرِئْه مِن حَمْلِها، فلها النَّفقةُ، كالمُطَلَّقَةِ ثلاثًا وهى حامِلٌ؛ لأَنَّ الحَمْلَ وَلَدُه، فعليه نَفَقَتُه، وإن أبْرأتْه من الحَمْلِ عِوَضًا في الخُلْعِ، صَحَّ، سواءٌ كان العِوَضُ كلَّه أو بعضَه، وقد ذكَرْناه في الخُلْعِ، وذكَرْنا الخِلافَ فيه.
ولا يَبْرأُ 4 حتى تَفْطِمَه، إذا كانت قد أبْرأتْه مِن نَفَقَةِ الحَمْلِ وكفالَةِ

..................................  الوَلَدِ إلى ذلك، أو أطْلَقَتِ البَراءَةَ مِن نَفَقةِ الحَمْلِ وكَفالتِه؛ لأَنَّ البَراءَةَ المُطْلَقَةَ تَنْصَرِفُ إلى المُدَّةِ التى تَسْتَحِقُّ المرأةُ العِوَضَ عليه فيها، وهى مُدَّةُ الحَمْلِ والرَّضاعِ؛ لأَنَّ المُطْلَقَ إذا كان له عُرْفٌ، انْصَرَفَ [إلى العُرْفِ] 1، وإنِ اخْتَلَفا في مُدَّةِ الرَّضاعِ، انْصَرَف إلى حَوْلَيْن؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ 2. وقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ 3. ثمَّ قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (3). فدَلَّ على أنَّه لا يجوزُ فِصالُه قبلَ الحَوْلَيْن [إلَّا بتَراضٍ] 4 منهما وتَشاوُرٍ.

..................................  وإن قَدَّرا مُدَّةَ البَراءَةِ بزَمَنِ الحَمْلِ، أو بعامٍ، أو نحوِ ذلك، فهو على ما قَدَّراه، وهو أَوْلَى؛ لأنَّه أقْطَعُ للنِّزاعِ، وأبْعَدُ مِن اللَّبْسِ والاشْتِباهِ.
ولو أبْرأتْه مِن نَفَقةِ الحَمْلِ، انْصَرَفَ ذلك إلى زَمَن 1 الحَمْلِ قبلَ وَضْعِه.
قال القاضى: إنَّما صَحَّ مُخالَعَتُها على نَفَقةِ الوَلَدِ وهى للوَلَدِ دُونَها؛ لأنَّها في حُكْمِ المالِكَةِ لها، لأنَّها التى تَقْبِضُها، وتَسْتَحِقُّها، وتَتَصَرَّفُ فيها، فإنَّها في مُدَّةِ الحملِ هى الآكِلَةُ لها، المُنْتَفِعَةُ بها، وبعدَ الوِلادَةِ هى أجْرُ رَضاعِها إيَّاه، وهى الآخِذَةُ لها، المُتَصَرِّفَةُ فيها، فصارت كمِلْكٍ مِن أمْلاكِها، [فصَحَّ جَعْلُها] 2 عِوَضًا.
فأمَّا النَّفَقةُ الزائدةُ على هذا، مِن كُسْوَةِ الطِّفلِ ودُهْنِه، ونحوِ ذلك، فلا يَصِحُّ أن تُعاوِضَ به في 3 الخُلْعِ؛ لأنَّه ليس هو لها، ولا في حُكْمِ ما هو لها.

فَصْلٌ: وَعَلَيْهِ دَفْعُ النَّفَقَةِ إِلَيْهَا فِي صَدْرِ نَهَارِ كُلِّ يَوْمٍ، إِلَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى تَأْخِيرِهَا أَوْ تَعْجِيلِهَا لِمُدَّةٍ قَلِيلَةٍ أَوْ كَثِيرَةٍ، فَيَجُوزُ.

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (ويجبُ دَفْعُ النَّفقةِ إليها في صَدْرِ نَهارِ كلِّ يَوْمٍ) وذلك إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ؛ لأنَّه أوَّلُ وقتِ الحاجةِ، فإنِ اتَّفَقا على تأْخِيرِها أو تَعْجِيلِها لمُدَّةٍ قَليلَةٍ أو كَثِيرَةٍ، جازَ؛ لأَنَّ الحَقَّ لهما، لا يَخْرُجُ عنهما، فجازَ مِن تَعْجِيلِه وتَأْخيرِه ما اتَّفَقَا عليه، كالدَّيْنِ، ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في هذا فيما عَلِمْناه.
فصل 1: فإن سَلَّمَ إليها نَفَقَةَ يَوْمٍ، ثمَّ ماتت، لم يَرْجِعْ عليها بها؛ لأنَّه دَفَعَ إليها ما وَجَبَ عليه دَفْعُه إليها.
وإن أبانها بعدَ وُجوبِ الدفْعِ إليها،

..................................  لم تَسْقُطْ نَفَقَتُها فيه، ولها مُطالَبَتُه بها؛ لأنَّها قد وَجَبَت، فلم تَسْقُطْ بالطلاقِ، كالدَّيْنِ.
فإن عَجَّلَ لها نَفَقَةَ شَهْرٍ أو عامٍ، ثمَّ طَلَّقَها، أو ماتت قبل انقِضائِه، أو بانت بفَسْخٍ، أو إسلامِ أحَدِهما، أو رِدَّتِه، فله أن يَسْتَرْجِعَ نَفَقَةَ سائرِ الشَّهرِ.
وبه قال الشافعىُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ.
وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: لا يَسْتَرجِعُها؛ لأنَّها صِلَةٌ، فإذا قَبَضَتْها، لم يَكُنْ له الرجوعُ فيها، كصَدَقةِ التَّطوعِ.
ولَنا، أنَّه سَلَّمَ إليها النَّفَقَةَ سَلَفًا عما يَجِبُ، فإذا وُجِدَ ما يَمْنَعُ الوجوبَ، ثَبَتَ الرجوعُ، كما لو أسْلَفَها إيَّاها فنَشَزَت، أو عَجَّلَ الزَّكَاةَ إلى الساعِى، فتَلِفَ مالُه قبلَ الحَوْلِ.
وقولُهم: إنَّها صِلَةٌ.
قلنا: بل هى عِوَضٌ عن التمكينِ، وقد فات التمكينُ.
وذكر القاضى أنَّ زوجَ الوثنيةِ والمجوسيةِ إذا دَفَعَ إليها نَفَقةَ سَنَتَيْن ثمَّ بانَتْ بإسلامِه، فإن لم يكنْ أعْلَمَها أنَّها نَفَقةٌ عَجَّلَها لها، لم يَرْجِعْ عليها؛ لأَنَّ الظاهِرَ أنَّه تَطَوَّعَ بها، وإن أعْلَمَها ذلك انْبَنَى على مُعَجِّلِ الزَّكاةِ إذا عَلَّمَ الفَقِيرَ أنَّها زكاةٌ مُعَجَّلَةٌ ثمَّ تَلِفَ المالُ، وفى الرجوعِ بها وجهان، كذا ههُنا.
وكذلك يَنْبَغِى أن يكونَ في سائرِ الصُّورِ مثلُ هذا؛ لأنَّه تَبَرَّعَ بدَفْعِ ما لا يلْزَمُه مِن غيرِ إعلامِ الآخِذِ بتَعْجِيلِه، فلم يَرْجِعْ به كمُعَجِّلِ الزَّكاةِ.
ولو سَلَّمَ إليها نفقةَ اليومِ، فتَلِفَتْ أو سُرِقَتْ، لم يَلْزَمْه عِوَضُهَا؛ لأنَّه بَرِئَ مِن الواجبِ بدَفْعِه، فأشْبَهَ ما لو تَلِفَتِ الزكاةُ بعدَ قَبْضِ الساعِى لها، أو الدينُ بعدَ أخْذِ صاحبِه له.
واللَّهُ أعلمُ.

وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا دَفْعَ الْقِيمَةِ، لَمْ يَلْزَمِ الْآخَرَ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ كُسْوَتُهَا فِي كُلِّ عَامٍ،

3961 - مسألة: (فإن طَلَبَ أحَدُهما دَفْعَ القِيمَةِ، لم يَلْزَمِ الآخَرَ)

لأنَّه طَلَبَ غيرَ الواجبِ، فلم يَلْزَمِ الآخَرَ؛ لأنَّها مُعاوَضَةٌ، فلا يُجْبَرُ [واحِدٌ على قَبُولِها منهما] (1)، كالبَيْعِ، وإن تراضَيا على ذلك جازَ؛ لأنَّه طَعامٌ وجَبَ في الذِّمَّةِ لآدَمِىٍّ مُعَيَّنٍ، فجازَتِ المُعاوَضَةُ عنه، كالطَّعامِ في القَرْضِ.
3962 -

مسألة: (وعليه كُسْوَتُها في كلِّ عامٍ)

مَرَّةً؛ لأنَّه العادةُ، ويكونُ الدَّفْعُ إليها في أوَّلِه، لأنَّه أوَّلُ وقتِ الوُجُوبِ.1

فَإِذَا قَبَضَتْهَا فَسُرِقَتْ أَوْ تَلِفَتْ، لَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهَا،

3963 - مسألة: (فإذا قَبَضَتْها فسُرِقَتْ أو تَلِفَتْ، لم يَلْزَمْه عِوَضُها)

إذا تَلِفَتِ الكُسْوَةُ، أو سُرِقَتْ بعدَ قَبْضِها، لم يَلْزَمْه عِوَضُها؛ لأنَّها قَبَضَتْ حَقَّها، فلم يَلْزَمْه غيرُه، كالدَّيْنِ إذا وَفَّاها إيَّاه، ثمَّ ضاعَ منها.

وَإِنِ انْقَضَتِ السَّنَةُ وَهِىَ صَحِيحَةٌ، فَعَلَيْهِ كُسْوَةُ السَّنَةِ الْأُخْرَى.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ.

3964 - مسألة: (وإنِ انْقَضَتِ السَّنَةُ وهى صَحِيحَةٌ، فعليه كُسْوَةُ السَّنَةِ الأُخْرَى، ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه)

وجملةُ ذلك، أنَّه إذا دَفَعَ إليها كُسْوَةَ العامِ بَرِئَ منها، كما إذا دَفَعَ إليها نَفَقةَ اليومِ، فإن بَلِيَتْ 1 قبلَ ذلك، لكثرةِ خُرُوجِها ودُخُولِها أو اسْتِعْمالِها، لم يَلْزَمْه إبْدالُها؛ لأنَّه ليس بوقتِ الحاجةِ إلى الكُسْوَةِ في العُرْفِ.
وإن مَضَى الزَّمانُ الذى يَبْلَى في مثلِه بالاسْتِعْمالِ المُعْتادِ 2 ولم تَبْلَ، فهل يَلْزَمُه بَدَلُها؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهُما، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّها غيرُ مُحتاجةٍ إلى الكُسْوَةِ.
والثانى، يَلْزَمُه؛

وَإِنْ مَاتَتْ أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ مُضِىِّ السَّنَةِ، فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِقِسْطِ بَقِيَّةِ السَّنَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
لأَنَّ الاعْتِبَارَ بمُضِىِّ الزَّمانِ دُونَ حَقِيقَةِ الحاجةِ، بدَلِيلِ أنَّها لو بَلِيَتْ قبلَ ذلك لم يَلْزَمْه بَدَلُها.
ولو أُهْدِىَ إليها كُسْوَةٌ، لم تَسْقُطْ كُسْوَتُها، وكذلك لو أُهْدِىَ إليها طَعامٌ فأكَلَتْه، وبَقِىَ قُوتُها إلى الغدِ، لم يَسْقُطْ قُوتُها فيه.

3965 -

مسألة: (وإن ماتَتْ أو طَلَّقَها قَبْلَ مُضِىِّ السَّنَةِ، فهل يَرْجِعُ عليها بقِسْطِ بَقِيَّةِ السَّنَةِ؟ على وَجْهَيْن)

أحَدُهما، له الرُّجُوعُ؛ لأنَّه دَفَعها للزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، فإذا طَلَّقَها قبلَ مُضِيِّهِ، كان له اسْتِرْجاعُها، كما لو دَفَعَ إليها نَفَقَةَ مُدَّةٍ، ثمَّ طَلَّقَها قبلَ انْقِضائِها.
والثانى، ليس له

وَإِذَا قَبَضَتِ النَّفَقَةَ، فَلَهَا التَّصَرُّفُ فِيهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِهَا، وَلَا يَنْهَكُ بَدَنَهَا،  الاسْتِرْجاعُ؛ لأنَّه دَفَعَ إليها الكُسْوَةَ بعدَ وُجُوبِها عليه، فلم يكنْ له الرُّجُوعُ فيها، كما لو دَفَعَ إليها النَّفقةَ بعدَ وُجُوبِها ثمَّ طَلَّقَها قبلَ أكْلِها، بخِلافِ النَّفَقةِ المُسْتَقْبَلَةِ.

3966 -

مسألة: (وإذا قَبَضَتِ النَّفَقَةَ، فلها التَّصَرُّفُ فيها على وَجْهٍ لا يَضُرُّ بها، ولا يَنْهَكُ بَدَنَها)

فيَجُوزُ لها بَيْعُها، وهِبَتُها، والصَّدَقَةُ

وَإِنْ غَابَ مُدَّةً وَلَمْ يُنْفِقْ، فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ مَا مَضَى.
وَعَنْهُ، لَا نَفَقَةَ لَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ قَدْ فَرَضَهَا لَهَا.
بها، وغيرُ ذلك؛ لأنَّها حَقُّها، فمَلَكَتِ التَّصَرُّفَ فيه (1)، كسائرِ مالِها، فإن عادَ ذلك عليها بضَرَرٍ في بَدَنِها، ونَقْصٍ في اسْتِمْتاعِها، فلا تَمْلِكُه؛ لأنَّها تُفَوِّتُ حَقَّه بذلك، وكذلك الحكمُ في الكُسْوَةِ، في أحَدِ الوَجْهَيْن، قِياسًا على النَّفَقةِ، واحْتَمَلَ المَنْعُ؛ لأَنَّ له اسْتِرْجاعَها لو طَلَّقَها في أحَدِ الوَجْهَيْن، بخِلافِ النَّفقَةِ.

3967 -

مسألة: (وإن غابَ مُدَّةً ولم يُنْفِقْ، فعليه نَفَقَةُ ما مَضَى)

[إذا تَرَكَ الإِنْفاقَ الواجبَ لامرأتِه مدةً، لم يَسْقُطْ بذلك، وكانتِ النَّفَقةُ دَيْنًا في ذِمَّتِه] 2، سَواءٌ تَرَكَها لِعُذْرٍ أو غَيْرِ عُذْرٍ، في أظْهَرِ الرِّوايَتَيْن.
وبه قال الحسنُ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
والرِّوايةُ الأُخْرَى، تَسْقُطُ ما لم يكنِ الحاكمُ قد 3 فَرَضَها لها.
وهو مذهبُ أبى حنيفةَ؛1

..................................  لأنَّها نَفَقَةٌ تَجِبُ يومًا فيومًا، فتَسْقُطُ بتأْخِيرِها إذا لم يَفْرِضْها الحاكمُ، كنَفَقةِ الأقارِبِ، ولأَنَّ نَفَقةَ الماضِى قد اسْتُغْنِىَ عنها بمُضِىِّ وَقْتِها، أشْبَهَتْ نَفَقةَ الأقارِبِ.
ولَنا، أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كَتَبَ إلى أُمَراءِ الأجْنادِ، في رِجالٍ غابُوا عن نِسائِهم، يأْمُرُهُم بأن يُنْفِقُوا أو يُطَلِّقوا، فإن طَلَّقُوا بَعَثُوا بنَفَقةِ ما مَضَى 1. ولأنَّها حَقٌّ يجبُ مع اليَسارِ والإِعْسارِ، فلم يَسْقُطْ بمُضِىِّ الزَّمانِ، كأُجْرَةِ العَقارِ والدُّيونِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 2: هذه نفقةٌ وجَبَتْ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ، ولا يَزُولُ ما وَجَبَ [بهذه الحُجَجِ إلَّا بمِثْلِها] 3. [ولأنَّها عِوَضٌ وَاجِبٌ، فأشْبَهَتِ الأُجْرَةَ] 4، وفارَقَ نَفَقةَ الأقارِبِ، فإنَّها صِلَةٌ يُعْتَبَرُ فيها اليَسارُ مِن المُنْفِقِ والإِعْسارُ ممَّن تَجِبُ له، وَجَبَتْ لِتَزْجِيَةِ الحالِ، فإذا مَضَى 5 زَمَنُها اسْتَغْنَى عنها، فأشْبَهَ ما لو اسْتَغْنَى عنها بِيَسارِه، وهذا بخِلافِ ذلك.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إن تَرَكَ النَّفقةَ عليها مع يَسارِه، فعليه النَّفقةُ بكَمالِها، وإن تَرَكَها لإِعْسارِه، لم يَلْزَمْه إلَّا نَفَقةُ المُعْسِرِ؛ لأَنَّ الزَّائِدَ سَقَطَ بالإِعْسارِ.

فَصْلٌ: وَإِذَا بَذَلَتِ الْمَرْأَةُ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا إِلَيْهِ، وَهِىَ مِمَّنْ يُوطَأُ

فصل

: والذِّمِّيَّةُ كالمُسْلِمَةِ في النَّفقةِ والمَسْكَنِ والكُسْوَةِ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
وبه يقولُ مالِكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْى؛ لعُمُومِ النُّصوصِ والمَعْنى.
فصل: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (وإذا بَذَلَتِ المرأةُ تَسْلِيمَ نَفْسِها إليه،

مِثْلُهَا، أَوْ يَتَعَذَّرُ وَطْؤُهَا لِمَرَضٍ، أَوْ حَيْضٍ، أَوْ رَتْقٍ، وَنَحْوِهِ، لَزِمَ زَوْجَهَا نَفَقَتُهَا، سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ أَوْ لَا يُمْكِنُهُ، كَالْعِنِّينِ، وَالْمَجْبُوبِ، وَالْمَرِيضِ،  وهى ممَّن يُوطَأُ مِثْلُها، أو يَتَعَذَّرُ وَطْؤُها لمرَضٍ، أو حَيْضٍ، أو رَتْقٍ، أو نحوِه، لَزِمَ زَوْجَها نَفَقَتُها، سواءٌ كان الزَّوْجُ صَغِيرًا أو كَبِيرًا، يُمْكِنُه الوَطْءُ أو لا يُمْكِنُه، كالمَجْبُوبِ والعِنِّينِ والمَريضِ) [وجُملةُ ذلك] 1، أنَّ المرأةَ إذا بذَلَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِها، وهى ممَّن يُوطَأُ مِثْلُها، لَزِمَ زَوْجَها نَفَقَتُها؛ لِمَا روَى جابرٌ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «اتَّقُوا اللَّهَ في النِّساءِ، فإنَّهُنَّ عَوانٍ عِنْدَكُمْ، أخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانةِ اللَّهِ، واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بكَلِمَةِ اللَّهِ، ولَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بالمَعْرُوفِ».
رواه مُسْلِمٌ 2.

..................................

3968 - مسألة: وإن سَلَّمَتْ نَفْسَها، وهى ممَّن يَتَعَذَّرُ وَطْؤُها، لرَتْقٍ، أو حَيْضٍ، أو نِفاسٍ، أو لِكَوْنِها نِضْوَةَ الخَلْقِ لَا يُمْكِنُه وَطْؤُها لذلك، أو لمَرَضِها، لَزِمَتْه نَفَقَتُها أيضًا،

وإن حَدَثَ بها شَىْءٌ مِن ذلك، لم تَسْقُطْ نَفَقَتُها؛ لأَنَّ الاسْتِمْتاعَ مُمْكِنٌ، ولا تَفْريطَ مِن جِهَتِها وإن مَنَعَ مِن الوَطْءِ.
فإن قِيلَ: فالصَّغِيرةُ التى لا يُمْكِنُ وَطْؤُها إذا سَلَّمَتْ نَفْسَها لا تَجِبُ نَفَقَتُها.
قُلْنا: الصَّغِيرةُ لها حالٌ يَتَمَكَّنُ مِن الاسْتِمْتاعِ بها فيها 1 اسْتِمْتاعًا تامًّا، والظَّاهِرُ أنَّه تزَوَّجَها انْتِظارًا لتلك الحالِ، بخِلافِ هؤلاءِ، ولذلك 2 لو طَلَبَ تَسْلِيمَ هؤلاءِ وَجَبَ تَسْلِيمُهُنَّ، ولا يَجِبُ تَسْلِيمُ الصَّغِيرةِ إذا طَلَبَها.
فإن قِيلَ: فلو بذَلَتِ الصَّحِيحَةُ 3 الاسْتِمْتاعَ بما دُونَ الوَطْءِ، لم تَجِبْ نَفَقَتُها، فكذلك هؤلاءِ.
قُلْنا: تلك مَنَعَتْه 4 ممَّا يَجِبُ عليها، وهؤلاءِ لا يجبُ عليهنَّ التَّمْكِينُ ممَّا فيه ضَرَرٌ.
فإنِ ادَّعَتْ أنَّ.
عليها ضَرَرًا في وَطْئِه 5؛ لِضِيقِ

..................................  فَرْجِها، أو قُرُوحٍ به، أو نحوِ ذلك، وأنْكَرَه، أُرِيَتِ امرأةً ثِقَةً، وعُمِلَ بقَوْلِها.
وإنِ ادَّعَتْ عَبالةَ ذَكَرِه وعِظَمَه، جازَ أن تَنْظُرَ المرأةُ إليهما حالَ اجْتِماعِهِما؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجةٍ، ويجوزُ النَّظَرُ إلى العَوْرَةِ للحاجةِ والشَّهادةِ.

3969 -

مسألة: وإن أسْلَمَتْ نَفْسَها [وهو صَغِيرٌ]

1، وجَبَتْ عليه نَفَقَتُها إذا كانَتْ كَبِيرَةً يُمْكِنُ وَطْؤُها.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومحمدُ ابنُ الحسنِ، والشافعىُّ في أحدِ قَوْلَيْه.
وقال في الآخَرِ: لا نَفَقةَ لها.
وهو قولُ مالكٍ؛ لأَنَّ الزَّوْجَ لا يتَمَكَّنُ مِن الاسْتِمْتاعِ بها، فلم تَلْزَمْه نَفَقَتُها، كما لو كانت صَغِيرةً.
ولَنا، أنَّها سَلَّمَتْ نَفْسَها تَسْلِيمًا صَحِيحًا، فوجَبَتْ لها النَّفَقةُ، كما لو كان الزَّوْجُ كَبِيرًا؛ ولأَنَّ الاسْتِمْتاعَ بها مُمْكِنٌ، وإنَّما تَعَذَّرَ مِن جِهَةِ الزَّوْجِ، فهو كما لو تَعَذَّرَ لغَيْبَتِه، بخِلافِ ما إذا كانت صَغِيرَةً، فإنَّها لم تُسَلِّمْ نَفْسَها 2 تَسْلِيمًا صَحِيحًا، ولم تَبْذُلْ ذلك، وكذلك إذا كان يَتَعَذَّرُ عليه الوَطْءُ؛ لكونِه 3 مَريضًا أو مَجْبُوبًا أو عِنِّينًا؛ لأَنَّ التَّمْكِينَ وُجِدَ مِن جِهَتِها، وإنَّما تَعَذَّرَ مِن جِهَتِه، فوجَبَتِ النَّفقَةُ، كما لو سَلَّمَتْ إليه نَفْسَها وهو كَبيرٌ فهَرَبَ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الوَلِىَّ يُجْبَرُ

وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا، لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهَا، وَلَا تَسْلِيمُهَا إِلَيْهِ إِذَا طَلَبَهَا،  على نَفَقَتِها مِن مالِ الصَّبِىِّ؛ لأَنَّ النَّفقَةَ عليه، وإنَّما الوَلِىُّ يَنُوبُ عنه في أداءِ الواجِباتِ عليه، كما يُؤَدِّى أُرُوشَ جِناياتِه وزَكَواتِه.

3970 -

مسألة: (فإن كانَتْ صَغِيرَةً لا يُمْكِنُ وَطْؤُها، لم تَجِبْ نَفَقَتُها، ولَا تَسْليمُها إليه إذا طَلَبَها)

وبهذا قال الحسنُ، وبكرُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُزَنِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وهو نَصُّ الشافعىِّ.
وقال في مَوْضِعٍ: لو قِيلَ: لها النَّفَقةُ.
كان مَذْهَبًا.
وهو قولُ الثَّوْرِىِّ؛ لأَنَّ تَعَذُّرَ الوَطْءِ لم يَكُنْ بفِعْلِها، فلم يَمْنَعْ وُجُوبَ النَّفقَةِ، كالمرضِ.
ولَنا، أنَّ النَّفقةَ تجبُ بالتَّمْكِينِ مِن الاسْتِمْتاعِ، ولا يُتَصَوَّرُ

فَإِنْ بَذَلَتْهُ وَالزَّوْجُ غَائِبٌ، لَمْ يُفْرَضْ لَهَا حَتَّى يُرَاسِلَهُ الْحَاكِمُ، وَيَمْضِىَ زَمَنٌ يُمْكِنُ أَنْ يَقْدَمَ فِى مِثْلِهِ.
ذلك مع تَعَذُّرِ الاسْتِمْتاعِ، فلم تَجِبْ نَفَقَتُها، كما لو مَنَعَه أوْلِياؤُها مِن تَسْلِيمِ نَفْسِها.
وبهذا يَبْطُلُ ما ذكَرُوه، [وتُفارِقُ المَريضَةَ] (1)؛ فإنَّ الاسْتِمْتاعَ بها مُمْكِنٌ، وإنَّما نَقَصَ بالمرضِ، ولأَنَّ مَن لا (2) تُمَكِّنُ الزَّوْجَ مِن نَفْسِها، لا تَلْزَمُه نَفَقَتُها، فهذه أَوْلَى؛ لأَنَّ تلك يمكِنُ الزَّوجَ قَهْرُها ووطؤُها كَرْهًا، وهذه لا يُمْكِنُ فيها ذلك بحالٍ.
وعلى هذا، لا يجبُ على الزَّوْجِ [تَسَلُّمُها ولا تَسْلِيمُها] (3) إليه إذا طَلَبَها؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه اسْتِيفَاءُ حَقِّه منها.

3971 -

مسألة: (فإن بَذَلَتْه والزَّوْجُ غَائِبٌ، لم يُفْرَضْ لها حتى يُراسِلَه الحاكِمُ، ويَمْضِىَ زَمَنٌ يُمْكِنُ أن يَقْدَمَ في مِثْلِه)

وجملةُ ذلك، أنَّ المرأةَ إذا بَذَلَتِ التَّسْلِيمَ والزَّوْجُ غائبٌ، لم تَسْتَحِقَّ النَّفقةَ؛ لأنَّها بَذَلَتْه في حالٍ لا يُمْكِنُه التَّسْلِيمُ فيه، فإن مَضَتْ إلى الحاكمِ، فبَذَلَتِ123

وَإِنْ مَنَعَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا، أَوْ مَنَعَهَا أَهْلُهَا، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا،  التَّسْليمَ، كَتَبَ الحاكمُ إلى حاكمِ البلدِ الذى هو فيه، ليَسْتَدْعِيَه [ويُعْلِمَه ذلك] (1)، فإن سارَ إليها، أو وَكَّلَ مَن يُسَلِّمُها إليه فوَصَلَ وتَسَلَّمَها هو أو نائِبُه، وجَبَتِ النَّفقةُ حينَئذٍ، وإن لم يَفْعَلْ، فَرَضَ الحاكمُ عليه نَفَقَتَها مِن الوقتِ الذى كان يُمْكِنُ الوُصُولُ إليها وتَسَلُّمُها فيه؛ لأَنَّ الزَّوْجَ امْتَنَعَ مِن تَسَلُّمِها [وإمكانِ] (2) ذلك وبَذْلِها إيَّاه له، فلَزِمَتْه نَفَقَتُها، كما لو كان حاضِرًا.
فأمَّا إن غابَ الزّوْجُ بعدَ تَمْكِينِها، ووُجُوبِ نَفَقَتِها عليه، لم تَسْقُطْ عنه، بل تَجِبُ عليه في زَمَنِ غَيْبَتِه؛ لأنَّها اسْتَحَقَّتِ النَّفقةَ بالتَّمْكِينِ، ولم يُوجَدْ منها ما يُسْقِطُها.
فصل: فإن سَلَّمَتِ الصَّغيرةُ التى يُمْكِنُ وَطْؤُها نَفْسَها، أو المَجْنُونَةُ، فتَسَلَّمَها، لَزِمَتْه نَفَقَتُها، كالكَبيرةِ، وإن لم يَتَسَلَّمْها لمَنْعِها نَفْسَها، أو لمنْعِ أوْلِيائِها، فلا نَفقةَ لها عليه، كالكبيرةِ، وإن غابَ الزَّوجُ، فبَذَلَ وَلِيُّها تَسْلِيمَها، فهو كما لو بَذَلَتِ المُكَلَّفةُ نفسها (3) التَّسْلِيمَ؛ لأَنَّ وَلِيَّها يقُومُ مَقامَها، وإن بذَلَتْ هى دُونَ وَلِيِّها، لم يَفْرِضِ الحاكمُ لها نفقةً؛ لأنَّه لا حُكْمَ لِكلامِها.

3972 -

مسألة: (وإن مَنَعَتْ نَفْسَها، أو مَنَعَها أهْلُها، فلا نَفَقةَ

123

..................................  لها) وإن تَسَاكنا بعدَ العَقْدِ، فلم تَبْذُلْ، ولم يَطْلُبْ، فلا نَفَقةَ لها وإن طالَ مُقامُها على ذلك؛ فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- تزَوَّجَ عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، ودَخَلَتْ عليه بعد سَنَتَيْن، 1 ولم يُنْفِقْ إلَّا بعدَ دُخُولِه، ولم يَلْتَزِمْ نَفَقَتَها لِمَا مَضَى.
ولأَنَّ النَّفقةَ تجبُ في مُقابلَةِ التَّمْكِينِ المُسْتَحَقِّ بعَقْدِ النِّكاحِ، فإذا وُجِدَ اسْتَحَقَّتْ، وإذا فُقِدَ 2 لم تَسْتَحِقَّ شيئًا.
فصل: ولو بذَلَتْ تَسْلِيمًا 3 غيرَ تَامٍّ، بأن تقولَ: أُسَلِّمُ إليك نَفْسِى في مَنْزِلى دُونَ غيرِه.
أو: في المَنْزِلِ الفُلانِىِّ دُونَ غيرِه.
لم تَسْتَحِقَّ شيئًا، إلَّا أن تكونَ قد اشْتَرَطَتْ ذلك في العَقْدِ؛ لأنَّها لم تَبْذُلِ التَّسْليمَ الواجِبَ بالعَقْدِ، فلم تَسْتَحِقَّ النَّفقةَ، كما لو قال البائعُ: أُسَلِّمُ إليك السِّلْعَةَ على أن تَتْرُكَها في مَوْضِعِها.
أو: في مكانٍ بعَيْنِه 4. فإن شَرَطَتْ دارَها أو بَلَدَها، فسلَّمَتْ نَفْسَها في ذلك، اسْتَحَقَّتِ النَّفقةَ؛ لأنَّها فَعَلَتِ الواجبَ عليها، ولذلك لو سَلَّمَ السَّيِّدُ أمَتَه المُزَوَّجَةَ في اللَّيْلِ دُونَ النَّهارِ، اسْتَحَقَّتِ

إِلَّا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ حَتَّى تَقْبِضَ صَدَاقَهَا الْحَالَّ، فَلَهَا ذَلِكَ، وَتَجِبُ نَفَقَتُهَا.
النَّفقةَ، بخِلافِ الحُرَّةِ (1)، فإنَّها لو بذَلَتْ نَفْسَها في بعضِ الزَّمانِ، لم تَسْتَحِقَّ شيئًا؛ لأنَّها لم تُسَلِّمِ التَّسْلِيمَ الواجِبَ بالعَقْدِ.
وكذلك إن مَكَّنَتْه (2) مِن اسْتِمْتاعٍ، ومَنَعَتْه اسْتِمْتاعًا، لم تَسْتَحِقَّ شيئًا؛ لذلك (3).

3973 -

مسألة: (إلَّا أن تَمْنَعَ نَفْسَهَا قبلَ الدُّخُولِ حتى تَقْبِضَ صَداقَها الحالَّ، فلها ذلك، وتَجِبُ نَفَقتُها)

وجملةُ ذلك، أنَّ [المرأةَ لها] 4 أن تَمْنَعَ نَفْسَها حتى تَتَسَلَّمَ صَداقَها؛ لأَنَّ تَسْليمَ نَفْسِها قبلَ تَسْليمِ صَداقِها يُفْضِى إلى أن يَتَسَلَّمَ مَنْفَعَتَها المَعْقُودَ عليها بالوَطْءِ، ثم لا يُسَلِّمَ صَداقَها، فلا يُمْكِنُها الرُّجُوعُ فيما اسْتَوْفَى منها، بخِلافِ المَبِيعِ إذا تَسَلَّمَه 5 المُشْتَرِى ثم أعْسَرَ بالثَّمَنِ، فإنَّه يُمْكِنُه الرُّجوعُ123

وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ،  فيه، فلهذا ألْزَمْناه تَسْليمَ صَداقِها أوَّلًا، وجَعَلْنا لها أن تَمْتَنِعَ مِن تَسْليمِ نَفْسِها حتى تَقْبِضَ صَداقَها؛ لأنَّه إذا سَلَّمَ إليها الصَّداقَ ثم امْتَنَعَتْ مِن التَّسْلِيمِ، أمْكَنَ الرُّجوعُ فيه.
إذا ثَبَتَ هذا، فمتى امْتَنَعَتْ مِن تَسْلِيمِ نَفْسِها لتَقْبِضَ صَداقَها، فلها نَفَقَتُها؛ لأنَّها امْتَنَعَتْ لحَقٍّ.
فإن قيل: فلو امْتَنَعَتْ لصِغَرٍ أو مَرَضٍ، لم يَلْزَمْه نَفَقَتُها.
قُلْنا: الفَرْقُ بينَهما أنَّ (1) امْتِناعَها لمَرَضٍ لمَعْنًى مِن جِهَتِها، وكذلك الامْتِناعُ للصِّغَرِ، وههُنا الامْتِناعُ لمَعْنًى مِن جِهَةِ الزَّوْجِ، وهو مَنْعُه لِمَا وجَبَ عليه، فأشْبَهَ ما لو تَعَذَّرَ الاسْتِمْتاعُ لصِغَرِ الزَّوْجِ، فإنَّه لا يُسْقِطُ نَفَقَتَها عنه، ولو تَعَذَّرَ لصِغَرِها، لم يَلْزَمْه نَفَقَتُها.

3974 -

مسألة: (وإن كان بعدَ الدُّخُولِ)

فكذلك، في أحَدِ الوَجْهَيْن، قِيَاسًا على ما قبلَ الدُّخُولِ.
والثَّانِى، ليس لها ذلك، كما لو سَلَّمَ المَبِيعَ إلى المُشْتَرِى، ثم أرادَ مَنْعَه بعدَ ذلك.1

بِخِلَافَ الْآجِلِ.
وَإِنْ سَلَّمَتِ الْأَمَةُ نَفْسَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، فَهِىَ كَالْحُرَّةِ،

3975 - مسألة: فأمَّا الصَّدَاقُ الآجِلُ (1)،

فليسَ لها مَنْعُ نَفْسِها حتى تَقْبِضَه، كالثَّمَنِ الآجِلِ (1) في البَيْعِ، وقد ذَكَرْنا هذه المَسائِلَ في كتابِ الصَّداقِ بأبْسَطَ مِن هذا، وذَكَرْنا الخِلافَ فيها (2)، فاخْتَصَرْنا هَهُنا.
3976 -

مسألة: (وإن سَلَّمَتِ الأمَةُ نَفْسَها لَيْلًا ونَهَارًا، فهى

12

..................................  كالحُرَّةِ) في وُجُوبِ النَّفَقَةِ.
وجملةُ ذلك، أنَّ زَوْجَ الأمَةِ لا يَخْلُو إمَّا أن يكونَ حُرًّا أو عَبْدًا، أو بَعْضُه 1 حُرًّا وبعضُه عَبْدًا؛ فإن كان حُرًّا، فنَفَقَتُها عليه، للنَّصِّ، ولاتِّفاقِ أَهْلِ العلمِ على وُجُوب نَفَقةِ الزَّوْجاتِ على أزْواجِهِنَّ البالِغينَ، والأمَةُ داخِلَةٌ في عُمُومِهِنَّ، ولأنَّها زَوْجَةٌ مُمَكِّنَةٌ مِن نَفْسِها، فوَجَبَ على زَوْجِها نَفَقَتُها، كالحُرَّةِ، وإن كان زَوْجُها مَمْلوكًا، فالنَّفَقةُ واجِبةٌ لزَوْجَتِه كذلك 2. قال ابنُ المُنْذِرِ 3: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ 4 عنه مِن أهلِ العلمِ، على أنَّ على العَبْدِ نَفقةَ زَوْجَتِه، هذا قولُ الشَّعْبِىِّ، والحَكَمِ، والشافعىِّ.
وبه قال أصْحابُ الرَّأْى إذا بَوَّأها بَيْتًا.
وحُكِىَ عن مالكٍ أنَّه قال: ليس عليه نَفَقَتُها؛ لأَنَّ النَّفقةَ مُواساةٌ، وليس هو مِن أهْلِها، ولذلك 5 لا يجبُ عليه نَفقةُ أقارِبِه، ولا زَكاةُ مالِه.
ولَنا، أنَّه عِوَضٌ واجِبٌ في النِّكاحِ، فوَجَبَ على العَبْدِ، كالمَهْرِ، والدَّليلُ على أنَّها عِوَضٌ، أنَّها تَجبُ في مُقابلةِ التَّمْكِينِ، ولهذا تَسْقُطُ عن الحُرِّ بفَواتِ التَّمْكِينِ، وبذلكَ فارَقَتْ نَفقةَ الأقارِبِ.
إذا ثَبَتَ وُجُوبُها على العَبْدِ، فإنَّها تَلْزَمُ سَيِّدَهُ؛ لأَنَّ السَّيِّدَ أذِنَ في النِّكاحِ المُفْضِى

وَإِنْ كَانَتْ تَأْوِى إِلَيْهِ لَيْلًا، وَعِنْدَ السَّيِّدِ نَهَارًا، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النَّفَقَةُ مُدَّةَ مُقَامِهَا عِنْدَهُ.
إلى إيجابِها.
وقال ابنُ أبى مُوسى: فيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّها تَجِبُ في كَسْبِ العَبْدِ.
وهو قولُ أصْحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّه لم يُمْكِنْ إيجابُها في ذِمَّتِه، ولا رَقَبَتِه، ولا ذِمَّةِ سَيِّدِه، ولا إسْقاطُها، فلم يَبْقَ إلَّا أن تَتَعَلَّقَ بكَسْبِه.
وقال القاضى: تَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه؛ لأَنَّ الوَطْءَ في النِّكاحِ بمَنْزِلَةِ الجِنايَةِ، وأَرْشُ جِنايَةِ العَبْدِ يتَعَلَّقُ برَقَبَتِه، يُباعُ فيها، أو يَفْدِيه سَيِّدُه.
وهذا قولُ أصْحابِ الرَّأْى.
ولَنا، أنَّه دَيْنٌ أذِنَ السَّيِّدُ فيه، فلَزِمَ ذِمتَّهَ، كالذى اسْتَدانَه وَكِيلُه.
وقولُهم: إنَّه في مُقابَلةِ الوَطْءِ.
لا يَصِحُّ؛ فإنَّه يَجِبُ مِن غيرِ وَطْءٍ، ويجبُ للرَّتْقاءِ، والحائضِ، والنُّفَساءِ، وزوجَةِ المَجْبُوبِ والصَّغيرِ، وإنَّما يَجِبُ بالتَّمْكِينِ، وليس ذلك بجِنايَةٍ ولا قائمٍ مَقامَها.
وقولُ مَن قال: إنَّه تَعَذَّرَ إيجابُها في ذِمَّةِ السَّيِّدِ.
غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّه لا مانِعَ مِن إيجابِهِ (1)، وقد ذكَرْنا وُجُودَ مُقْتَضِيه، فلا مَعْنى لدَعْوَى التَّعَذُّرِ.

3977 -

مسألة: (وإن كانَتْ تأْوِى إليه ليلًا، وعندَ السَّيِّدِ نَهارًا، فعلى كلِّ واحِدٍ منهما النَّفَقَةُ بقَدْرِ مُقامِها عندَه)

قد تَقَدَّمَ ذِكرُ هذه المسألةِ، وقد ذكَرْنا أنَّ النَّفقةَ تجبُ في مُقابلةِ التَّمْكِينِ، وقد وُجِدَ منها في اللَّيْلِ،1

..................................  فيجبُ على الزَّوْجِ النَّفقةُ فيه، والباقِى منها على السَّيِّدِ، بحُكْمِ أنَّها مَمْلُوكَتُه لم تجبْ نَفَقَتُها على غيرِه في هذا الزمنِ.
فعلى هذا، علىِ كلِّ واحدٍ منهما نِصْفُ النَّفَقةِ.
وهذا أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
وقال في الآخَرِ: لا نَفَقةَ لها على الزَّوْجِ؛ لأنَّها لم تُمَكِّنْ مِن نَفْسِها في جَمِيعِ الزَّمانِ، فلم يَجِبْ لها شئٌ مِن النَّفَقةِ، كالحُرَّةِ إذا بذَلَتْ نَفْسَها في زَمَنٍ دُونَ غيرِه.
ولَنا، أنَّه وُجِدَ التَّمْكِينُ الواجِبُ بعَقْدِ النِّكاحِ، فاسْتَحَقَّتِ النَّفقةَ، كالحُرَّةِ إذا مَكَّنَتْ مِن نَفْسِها في غيرِ أوْقاتِ الصَّلواتِ المَفْرُوضاتِ، والصَّوْمِ الواجِبِ، والحجِّ المَفْرُوضِ.
وفارَقَ الحُرَّةَ إذا امْتَنَعَتْ في أحَدِ الزَّمانَيْنٍ، فإنَّها لم تَبْذُلِ الوَاجِبَ، فتكونُ ناشِزًا، وهذه ليست ناشزًا ولا عاصِيَةً.
فصل: وإذَا طَلَّقَ الأمَةَ طَلاقًا رَجْعِيًّا، فلها النَّفقةُ في العِدَّةِ؛ لأنَّها زَوْجَةٌ.
فإن أبانَها وهى حائِلٌ، فلا نَفقةَ لها؛ لأنَّها لو كانت حُرَّةً، لم تَجِبْ لها نَفَقةٌ، فالأمَةُ أَوْلَى.
وإن كانت حامِلًا، فلها النَّفقةُ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ 1. نَصَّ على هذا أحمدُ.
وبه قال إسْحاقُ.
وقد ذكَرْنا في

..................................  نَفَقَةِ الحامِلِ، هل هى للحَمْلِ أو للحامِلِ؟ على رِوايتَيْن عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ؛ إحْداهُما، أنَّها للحَمْلِ.
فعلى هذا، لا تَجِبُ للمَمْلُوكَةِ الحامِلِ البائِنِ؛ لأَنَّ الحَمْلَ مَمْلُوكٌ لسَيِّدِها، فنفَقَتُه عليه.
وعلى الرِّوايةِ الأُخْرَى، تَجِبُ.
وللشافعىِّ في هذا قَوْلان كالرِّوايَتَيْن.
فصل: فإن كان المُطَلِّقُ عَبْدًا، فطَلَّقَها طَلاقًا بائِنًا 1 وهى حامِلٌ، انْبَنَى وُجُوبُ النَّفقةِ على الرِّوايتَيْن في النَّفَقةِ، هل هى للحَمْلِ أو للحامِلِ؟ فإن قُلْنا: هى للحَمْلِ.
فلا نَفَقةَ على العَبْدِ.
وبه قال مالِكٌ.
ورُوِىَ ذلك عن الشَّعْبِىِّ؛ لأنَّه لا يجبُ عليه نَفَقةُ وَلَدِه.
وإن قُلْنا: هى للحامِلِ بسَبَبِه.
وجَبَتْ لها النَّفقةُ.
وهذا قولُ الأوْزاعِىِّ؛ للآيةِ، ولأنَّها حامِلٌ، فوَجَبَتْ لها النَّفقةُ، كما لو كان زَوْجُها حُرًّا.
فصل: والمُعْتَقُ بَعْضُه، عليه مِن نَفَقةِ امْرَأتِه بقَدْرِ ما فيه مِن الحُرِّيَّةِ، وباقِيها على سَيِّدِه، أو في ضَرِيبَتِه، أو في رَقَبَتِه، على ما ذكَرْنا في العَبْدِ القِنِّ.
والقَدْرُ الذى يجبُ [عليه بالحُرِّيَّةِ] 2، يُعْتَبَرُ فيه حالُه؛ إن كان مُوسِرًا فنَفَقةُ المُوسِرينَ، وإن كان مُعْسِرًا فنَفَقةُ المُعْسِرينَ.
والباقِى يجبُ فيه نَفقةُ المُعْسِرينَ؛ لأَنَّ النَّفقةَ ممَّا يتَبَعَّضُ، وما يَتَبَعَّضُ بَعَّضْناه في حَقِّ

وَإِذَا نَشَزَتِ الْمَرْأَةُ، أَوْ سَافَرَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوْ تَطَوَّعَتْ بِصَوْمٍ أَوْ حَجٍّ، أَوْ أَحْرَمَتْ بِحَجٍّ مَنْذُورٍ فِى الذِّمَّةِ، فَلَا نَفَقَةَ  المُعْتَقِ بعضُه، كالميراثِ والدِّيَاتِ، وما لا يَتَبَعَّضُ، فهو فيه كالعَبْدِ؛ لأَنَّ الحُرِّيَّةَ إمّا شَرْطٌ فيه، أو سَبَبٌ [له، و] (1) لم يَكْمُلْ.
وهذا اخْتِيارُ المُزَنِىِّ.
وقال الشافعىُّ: حُكْمُه حكمُ القِنِّ في الجَميعِ، إِلْحاقًا لأحَدِ الحُكْمَيْن بالآخَرِ.
ولَنا، أنَّه يَمْلِكُ بنِصْفِه الحُرِّ مِلْكًا تَامًّا، ولهذا يُورَثُ عنه، ويُكَفِّرُ بالإِطْعامِ، ويجبُ فيه نِصْفُ دِيَةِ الحُرِّ، فوَجَب أن تَتَبَعَّضَ نَفَقَتُه؛ لأنَّها مِن جُمْلَةِ الأحْكامِ القابِلَةِ للتَّبعِيضِ.
فصل: وحُكْمُ المُكاتَبِ في نَفَقةِ الزَّوْجاتِ حُكْمُ العَبْدِ القِنِّ؛ لأنَّه عَبْدٌ ما بَقِىَ عليه دِرْهَمٌ، ويجبُ عليه نَفقةُ زَوْجَتِه مِن كَسْبِه؛ لأَنَّ نَفقةَ الزَّوْجَةِ واجِبَةٌ بحُكْمِ المُعاوَضَةِ مع اليَسارِ والإِعْسارِ، ولذلك وجَبَتْ على العَبْدِ، فعلى المُكاتَبِ أَوْلَى، ولأَنَّ نَفقةَ المرأةِ لا تَسْقُطُ عن أحَدٍ مِن الناسِ، إذا لم يُوجَدْ منها ما يُسْقِطُ نَفَقَتَها، ولا يُمْكِنُ إيجابُها على سَيِّدِه؛ لأَنَّ نَفقةَ المُكاتَبِ لا تجبُ على سَيِّدِه، فنَفقةُ امرأتِه أوْلَى.

3978 -

مسألة: (وإذا نَشَزَتِ المَرْأةُ، أو سافَرَتْ بغَيْرِ إذْنِه، أو تَطَوَّعَتْ بحَجٍّ أو صَوْمٍ، أو أحْرَمَتْ بحَجٍّ مَنْذُورٍ فِى الذِّمَّةِ)

بِغَيْرِ إذْنِه1

لَهَا،  (فلا نَفَقَةَ لها) لا تجبُ نَفقةُ النَّاشِزِ في قولِ عامَّةِ أَهْلِ العلمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 1: لا نَعْلَمُ أحدًا خالَفَ فيه إلَّا الحَكَمَ.
ولعَلَّه قاسَه على المَهْرِ، ولا يَصِحُّ القِياسُ؛ لأَنَّ النَّفقةَ وجبَتْ في مُقابلَةِ التَّمْكِينِ مِن نَفْسِها، فإذا لم يُوجَدْ منها التَّمْكِينُ، لا تَسْتَحِقُّها، بخِلافِ المَهْرِ؛ فإنَّه يجبُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ، ولذلك 2 لو مات أحَدُهما قبلَ الدُّخُولِ وجَبَ المَهْرُ دُونَ النَّفقةِ، وقد ذكَرْناه.
فأمَّا إذا سافَرَتِ المرأةُ بغيرِ إذْنِ زَوْجِها، فإنَّ نَفَقَتَها تَسْقُطُ؛ لأنَّها ناشِزٌ.
وكذلك إنِ انْتَقَلَتْ مِن مَنْزِلِه بغيرِ إذْنِه.
وإن سافَرَتْ في حاجَةِ نَفْسِها بإذْنِه، سَقَطَتْ نَفَقَتُها.
ذكَرَه الخِرَقِىُّ؛ لأنَّها فوَّتَتِ التَّمْكِينَ لحَظِّ 3 نَفْسِها، وقَضاءِ أَرَبِها، فأشْبَهَ ما لو اسْتَنْظَرَتْه قبلَ الدُّخولِ مُدَّةً فأنْظَرَها، إلَّا أن يكونَ مُسافِرًا معها، مُتَمَكِّنًا مِن اسْتِمْتاعِها، فلا تَسْقُطُ نَفَقَتُها؛ لأنَّها لم تُفَوِّتِ التَّمْكِينَ، فأشْبَهَتْ غيرَ المُسافِرَةِ.

..................................  ويَحْتَمِلُ أن لا تَسْقُطَ نفقَتُها وإن لم يكنْ معها؛ لأنَّها 1 مُسافِرَةٌ بإذْنِه، أشْبَهَ ما لو سافَرَتْ في حاجَتِه.
وسواءٌ كان سَفَرُها لتِجارَةٍ، أو حَجِّ تَطَوُّعٍ، أو زِيارةٍ، أو (1) أحْرَمَتْ بحَجِّ تَطَوُّعٍ بغيرِ إذْنِه، سَقَطَتْ نفقَتُها؛ لأنَّها في مَعْنى المُسافِرَةِ.
فإن أحْرَمَتْ به بإذْنِه، فقال القاضى: لها النَّفقةُ.
والصَّحِيحُ أنَّها كالمُسافِرَةِ؛ لأنَّها بإحْرامِها مانعَةٌ له من التَّمْكِينِ.

وَإِنْ بَعَثَهَا فِى حَاجَةٍ، أَوْ أَحْرَمَتْ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَلَهَا النَّفَقَةُ،

3979 - مسألة: (وإن بَعَثَها في حاجَتِه)

فهى على نَفَقَتِها؛ لأنَّها سافَرَتْ في شُغْلِه ومُرادِه.
وإن أحْرَمَتْ بالحجِّ الواجبِ، أو العُمْرةِ الواجبةِ، في الوقتِ الواجبِ، مِن المِيقَاتِ، فلها النَّفقةُ، لأنَّها فَعَلَتِ الواجِبَ عليها بأصْلِ الشَّرْعِ في وَقْتِه، فلم تَسْقُطْ نَفَقَتُها، كَصِيامِ شَهْرِ 1 رمضانَ.
وإن قَدَّمَتِ الإِحْرامَ على المِيقاتِ، أو قبلَ الوَقْتِ، خُرِّجَ فيها مِن القَوْلِ مثلُ ما في المُحْرِمةِ بحَجِّ التَّطَوُّع؛ لأنَّها فَوَّتَتْ عليه التَّمْكِينَ بشئٍ تَسْتَغْنِى عنه.

وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِمَنْذُورٍ مُعَيَّنٍ فِى وَقْتِهِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
فإنِ اعْتَكَفَتْ، فالقِياسُ أنَّه كَسَفَرِها، إن كان بغيرِ إذْنِه فهى ناشِزٌ؛ لخُرُوجِها مِن مَنْزِلِ زَوْجِها بغيرِ إذْنِه فيما ليس واجبًا بأصْلِ الشَّرْعِ، وإن كان بإذْنِه، فلا نَفَقةَ لها على قَوْلِ الخِرَقِىِّ.
وعندَ القاضى، لها النَّفقَةُ.
وإن صامت رَمضانَ، لم تَسْقُطْ نَفَقَتُها؛ لأنَّه واجِبٌ مُضَيَّقٌ بأصْلِ الشَّرْعِ، لا يَمْلِكُ مَنْعَها منه، فهو كالصَّلاةِ، ولأنَّه يكونُ صائِمًا معها، فيَمْتَنِعُ الاسْتِمْتاعُ لمعنًى وُجِدَ فيه، وإن كان تَطَوُّعًا، لم تَسْقُطْ نَفقَتُها؛ لأنَّها لم تَأْتِ بما (1) يَمْنَعُه مِن اسْتِمْتاعِها، فإنَّه يُمْكِنُه تَفْطِيرُها ووَطْؤُها، إلَّا أن يُرِيدَ ذلك منها فتَمْنَعَه، فتَسْقُطُ نَفقَتُها بامْتِناعِها مِن التَّمْكِينِ الواجبِ.

3980 -

مسألة: (وإن أحْرَمَتْ بمَنْذُورٍ مُعَيَّنٍ في وَقْتِه، فعلى وَجْهَيْن)

أحَدُهما، لها النَّفقَةُ.
ذكره القاضى؛ لأَنَّ أحمدَ نصَّ على أنَّه ليس له مَنْعُها.
والثانى، أنَّه إن كان نَذْرُها قبلَ النِّكاحِ، أو كان النَّذْرُ بإذْنِه،1

..................................  لم تَسْقُطْ [نَفقَتُها؛ لأنَّه] 1 كان واجِبًا عليها بحَقٍّ سابِقٍ على نكاحِه، أو واجِبٌ أذِنَ في سَبَبه.
وإن كان النَّذْرُ في نِكاحِه بغيرِ إذْنِه، فلا نَفَقةَ لها؛ لأنَّها فَوَّتَتْ عليه حَقَّه مِن الاسْتِمْتاعِ باخْتِيارِها بالنَّذْرِ الذى لم يُوجِبْه الشَّرْعُ عليها، ولا نَدَبَها إليه.
وإن كان النَّذْرُ مُطْلَقًا، أو كان صَوْمَ كَفَّارَةٍ، فصامَتْ بإذْنِه، [فلها النَّفقةُ؛ لأنَّها أدَّتِ الواجِبَ بإذْنِه، فأشْبَهَ ما لو صامَتِ المُعَيَّنَ بإذْنِه في وَقْتِه.
وإن صامَتْ بغيرِ إذْنِه] 2، فقال القاضى: لا نَفَقةَ لها؛ لأنَّها يُمْكِنُها تَأْخِيرُه، فإنَّه على التَّراخِى، وحَقُّ الزَّوْج على الفَوْرِ.
وإن كان قَضاءُ رَمضانَ قبلَ ضِيقِ وَقتِه، فكذلك، وإن كان وَقْتُه مُضَيَّقًا، مثلَ أن قَرُبَ رَمضانُ آخَرُ، فعليه نَفَقَتُها؛ لأنَّه واجِبٌ مُضَيَّقٌ بأصْلِ الشَّرْعِ، أشْبَهَ أداءَ رَمضانَ.

وَإِنْ سَافَرَتْ لِحَاجَتِهَا بِإِذْنِهِ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا.
ذَكَرَهُ الْخِرَقِىُّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ.
وَإِنِ اخْتَلَفَا فِى نُشُوزِهَا، أَوْ تَسْلِيمِ النَّفَقَةِ إِلَيْهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِى بَذْلِ التَّسْلِيمِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.

3981 - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفا في نُشُوزِها)

فادَّعَى أنَّهَا نَشَزَتْ، وأنْكَرَتِ الزَّوْجَةُ (فالقَوْلُ قَوْلُها مع يَمِينِها) لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ النُّشُوزِ.
3982 -

مسألة: وكذلك إنِ ادَّعَى (تَسْلِيمَ النَّفَقَةِ إليها)

فأنْكَرَتْهُ (فالقَوْلُ قَوْلُها) لذلك (1). 3983 -

مسألة: (وإنِ اخْتَلَفا في بَذْلِ التَّسْلِيمِ)

فقَالَتْ: بَذَلْتُ لك تَسْلِيمَ نَفْسِى.
فأنْكَرَها (فالقَوْلُ قَوْلُه) لأنَّه مُنْكِرٌ، والأَصْلُ عَدَمُ1

فَصْلٌ: وَإِنْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ بِنَفَقَتِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا، أَوْ بِالْكُسْوَةِ، خُيِّرَتْ بَيْنَ فَسْخِ النِّكَاحِ وَالْمُقَامِ، وَتَكُونُ النَّفَقَةُ دَيْنًا فِى ذِمَّتِهِ.
وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ الْفَسْخَ بِالْإِعْسَارِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
التَّسْلِيمِ.
[وكذلك إنِ اخْتَلَفا في وَقْتِه، فقالت: كان ذلك مِن شهرٍ.
قال: بل مِن يومٍ.
وبهذا قال الشافعىُّ، وأبو ثورٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ] (1).

فصل

: (وإن أعْسَرَ الزَّوْجُ بنَفقَتِها أو بَعضِها، أو بالْكُسْوَةِ، خُيِّرَتْ بينَ فَسْخِ النِّكاحِ والمُقامِ، وتَكونُ النَّفَقَةُ دَيْنًا في ذِمَّتِه.
وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّهَا لا تَمْلِكُ الفَسْخَ بإعْسارِه.
والأَوَّلُ المَذْهَبُ) إذا مَنَعَ الرَّجُلُ نَفَقةَ امرأتِه لعُسْرَتِه، وعَدَمِ ما يُنْفِقُه، خُيِّرَت بينَ الصَّبْرِ1

..................................  عليه وبينَ فِراقِه.
رُوِى نحوُ ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، وأبى هُرَيْرَةَ.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، ورَبِيعةُ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ، وعبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىٍّ، والشَّافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ.
وعن أحمدَ، أنَّها لا تَمْلِكُ الفَسْخَ بالإِعْسارِ.
والأَوَّلُ المذْهَبُ.
وذهبَ عَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وأبو حنيفة، وصاحِباه، إلى أنَّها لا تَمْلِكُ فِراقَه بذلك، ولكن يَرْفَعُ يَدَه عنها لتَكْتَسِبَ؛ لأنَّه حَقٌّ لها عليه، فلا يُفْسَخُ النِّكاحُ لعَجْزِه عنه، كالدَّيْنِ.
وقال العَنْبَرِىُّ: يُحْبَسُ

..................................  إلى أن يُنْفِقَ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ 1. وليس 2 الإِمْساكُ مع تَرْكِ الإِنْفاقِ إمْساكًا بمَعْرُوفٍ، فتَعَيَّنَ التَّسْريحُ.
وروَى سعيدٌ 3، عن سُفْيانَ، عن أبى الزِّنادِ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ المُسَيَّبِ، عن الرَّجُلِ لا يَجِدُ ما يُنْفِقُ على امْرَأتِه، أيُفَرَّقُ بينَهما؟ قال: نعم.
قلتُ: سُنَّةٌ؟ قال: سُنَّةٌ.
وهذا يَنْصَرِفُ إلى سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
قال ابنُ المُنْذِرِ 4: ثَبَتَ أن عمرَ بنَ الخَطَّابِ كتَبَ إلى أُمَراءِ الأجْنادِ، في رِجالٍ غابُوا عن نِسائِهِم، فأمَرَهم بأن يُنْفِقُوا أو يُطَلِّقُوا، فإن طَلَّقُوا بعَثُوا بنَفَقَةِ ما مَضَى 5. ولأنَّه إذا ثَبَتَ الفَسْخُ بالعَجْزِ عن الوَطْءِ، والضَّرَرُ فيه أقَلُّ 6، لأنَّه إنَّما هو فَقْدُ 7 لَذَّةٍ وشَهْوَةٍ يقُومُ البَدَنُ بدُونِه 8، فلأَنْ يَثْبُتَ بالعَجْزِ عن النَّفقةِ التى لا يَقُومُ البَدَنُ إلَّا

..................................  بها أَوْلَى.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه متى ثَبَتَ الإِعْسارُ بالنَّفقةِ على الإِطْلاقِ، فللمرأةِ المُطالَبَةُ بالفَسْخِ، مِن غيرِ إنْظارٍ 1. وهذا أحَدُ قَوْلَى الشَّافِعِىِّ.
وقال حَمَّادُ بنُ أبى سليمانَ: يُؤَجَّلُ سنةً قِياسًا على العِنِّينِ.
وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: اضْرِبُوا له 2 شَهْرًا أو شَهْرَيْن 3. وقال مالِكٌ: الشَّهْر ونحوُه.
وقال الشافعىُّ في القولِ الآخَرِ: يُؤَجَّلُ ثَلاثًا؛ لأنَّه قَرِيبٌ.
ولَنا، ظاهِرُ حديثِ عمرَ، رَضِىَ اللَّه عَنه، ولأنَّه مَعْنًى يُثْبِتُ الفَسْخَ، ولم يَرِدِ الشَّرْعُ بالإِنْظارِ 4 فيه، فأثْبَتَ الفَسْخَ في الحالِ، كالعَيْبِ، ولأَنَّ سبَبَ الفَسْخِ الإِعْسارُ، وقد وُجِدَ، فلا يَلْزَمُ التَّأْخِيرُ.
فصل: فإن لم يَجِدْ إلَّا نَفَقةَ يَوْمٍ بيَوْمٍ، فليس ذلك إعْسارًا يَثْبُتُ به الفَسْخُ؛ لأَنَّ ذلك هو الواجِبُ عليه، وقد قَدَرَ عليه.
وإن وَجَدَ في أوَّلِ النَّهارِ 5 ما يُغَدِّيها، وفى آخِرِه ما يُعَشِّيها، لم يَكُنْ لها الفَسْخُ؛ لأنَّها تَصِلُ

..................................  إلى كِفايَتِها وما يقُومُ به بَدَنُها.
وإن كان صانِعًا يَعْمَلُ في الأُسْبُوعِ ما يَبيعُه في يومٍ بقَدْرِ كِفايَتِها في الأُسْبُوعِ كلِّه، لم يَثْبُتِ الفَسْخُ؛ لأَنَّ هذا يُحَصِّلُ الكِفايَةَ في جَميعِ زَمانِه.
وإن تَعَذَّرَ عليه الكَسْبُ في بعْضِ زَمانِه، أو تَعَذَّرَ عليه 1 البَيْعُ، لم يَثْبُتِ الفَسْخُ؛ لأنَّه يُمْكِنُ الاقْتِراضُ إلى زَوالِ العارِضِ، وحُصُولِ الاكْتِسابِ، وكذلك إن عَجَزَ عن الاقْتِراضِ أيَّامًا يَسِيرَةً؛ لأَنَّ ذلك يَزُولُ عن قَرِيبٍ، ولا يَكادُ يَسْلَمُ منه كثيرٌ مِن الناسِ.
وإن مَرِضَ مَرَضًا يُرْجَى زَوالُه 2 في أيَّامٍ يَسِيرَةٍ، لم يُفْسَخْ؛ لما ذكَرْناه.
وإن كان ذلك يَطُولُ، فلها الفَسْخُ، لأَنَّ الضَّرَرَ الغالِبَ يَلْحَقُها، ولا يُمْكِنُها الصَّبْرُ.
وكذلك إن كان لا يَجِدُ مِن النَّفقةِ إلَّا يَوْمًا دُونَ يومٍ، لأنَّها لا يُمْكِنُها الصَّبْرُ على هذا، فهو كمَن لا يَجِدُ إلَّا بعضَ القُوتِ.
وإن أعْسَرَ ببَعْضِ نَفقةِ المُعْسِرِ، ثَبَتَ لها الخِيَارُ، لأَنَّ البَدَنَ لا يقومُ بما دُونَها.
فإن أعْسَرَ بما زادَ على نَفَقةِ المُعْسِرِ، فلا خِيارَ لها؛ لأَنَّ تلك الزِّيادَةَ تَسْقُطُ بإعْسارِه، ويُمْكِنُ الصَّبْرُ عنها.

فَإِنِ اخْتَارَتِ الْمُقَامَ، ثُمَّ بَدَا لَهَا الْفَسْخُ، فَلَهَا ذَلِكَ

3984 - مسألة: وإن رَضِيَتْ بِالمُقامِ معه مَعَ عُسْرَتِه، وتَرْكِ المُطالَبَةِ، جازَ؛ لأَنَّ الحَقَّ لها، وتكونُ النَّفقةُ دَيْنًا في ذِمَّتِه (ثم)

إن (بَدا لها الفَسْخُ) أو تزَوَّجَتْ مُعْسِرًا عالِمَةً بحالِه، راضِيَةً بعُسْرَتِه، وتَرْكِ إنْفاقِه، أو شَرَطَ عليها أن لا يُنْفِقَ عليها، ثم عَنَّ لها الفَسْخُ (فلها ذلك) وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال القاضى: ظاهِرُ 1 كلامِ أحمدَ، أنَّه ليس لها الفَسْخُ، ويَبْطُلُ خِيارُها في المَوْضِعَيْن.
وهو قولُ مالِكٍ؛ لأنَّها رَضِيَتْ بعَيْبِه، ودخَلَتْ في العَقْدِ عالمةً به، فلم تَمْلِكِ الفَسْخَ، كما لو تَزَوَّجَتْ عِنِّينًا عالمةً

جارٍ التحميل