الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 5-45

(1) العِتْقُ في اللُّغةِ: الخُلوصُ.
ومنه عِتاقُ الخيلِ، وعِتاقُ الطَّيرِ، أي خالِصَتُها، وسُمِّيَ البَيتُ الحَرامُ عَتِيقًا؛ لخُلوصِه مِن أيدِي الج

باب

رَةِ.
وهو في الشَّرْعِ: تحْرِيرُ الرَّقَبةِ وتخلِيصُها مِن الرِّقِّ.
يُقالُ: عَتَق العَبْدُ، وأعْتَقْته أنا، وهو عَتِيقٌ، ومُعْتَقٌ.
والأصْلُ فيه الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمّا الكِتابُ، فقولُ اللهِ تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ 2. وقال تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ 3. وأمّا السُّنَّةُ، فما روَى أبو هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ الله بكُلِّ إرْبٍ مِنْهَا إِرْبًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ، حَتَّى إنَّه ليعْتِقُ الْيَدَ بالْيَدِ، والرِّجْلَ بِالرِّجْلِ، والْفَرْجَ بالْفَرْجِ» مُتَّفَقٌ عليه 4. في أخبارٍ كثيرةٍ سِوَى هذا.
وأجْمَعَتِ الأمَّة على صِحَّةِ العِتْقِ وحُصُولِ القُرْبَةِ به.1

وَهُوَ مِنْ أفْضَلِ الْقُرَبِ.

2909 - مسألة: (وهو مِن أفْضَلِ القرَبِ)

لأنَّ اللهَ تعالى جعلَه، كفّارَةً للقَتْلِ، والوَطْء في رمضانَ، والأيمانِ، وجعلَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِكَاكًا لمُعْتِقِه مِن النَّارِ، ولأنًّ فيه تخليصَ الآدَمِيِّ المَعْصُومِ مِن ضَرَرِ الرِّقِّ، ومِلْكَ نَفْسِه ومنافِعِه، وتَكْمِيلَ أحْكامِه، وتَمْكِينَه مِن التصرُّفِ في نَفْسِه ومنافِعِه على حَسَبِ إرادَتِه واخْتِيارِه.

وَالْمُسْتَحَبُّ عِتْقُ مَنْ لَهُ كَسْبٌ.
فَأمَّا مَنْ لَا قُوَّةَ لَهُ وَلَا كَسْبَ، فَلَا يُسْتَحَبُّ عِتْقُهُ وَلَا كِتَابَتُهُ.
وإعْتاقُ الرَّجُلِ أفضلُ مِن إعْتاقِ المرأةِ؛ لِما روَى كَعْبُ بنُ مُرَّةَ البَهْزِيُّ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «أَيُّمَا رَجُل أعْتَقَ رَجُلًا مُسْلِمًا كَانَ فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ، يُجْزَى بِكُلِّ عَظْم مِنْ عِظامِه عَظْمًا مِنْ عِظامِهِ، وأَيُّمَا رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأتَين مُسْلِمَتَينِ كانتا فِكاكَهُ مِن النَّارِ، يُجْزَى بكُلِّ عَظْمَينِ (1) مِنْ عِظَامِهما عَظْمًا مِنْ عِظامِه، وأيُّمَا امْرَأةٍ مُسْلِمَةٍ (2) أَعتَقَتِ امْرَأةً مُسْلِمَةً كانتْ فِكاكَهَا مِن النَّارِ، تُجْزَى بِكُلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِها عَظْمًا مِنْ عِظَامِهَا» (3). وقِيلَ: عِتْقُ المرأةِ للمرأةِ أفْضَلُ.

2910 -

مسألة: (والمُسْتَحَبُّ عِتْقُ مَن له كَسْبٌ)

ودِينٌ يَنْتَفِعُ بالعِتْقِ، (فأمّا مَن لا قُوَّةَ له ولا كسْبَ، فلا يُسْتَحَبُّ عِتْقُه ولا كِتابَتُه)123

..................................  [قد ذَكَرْنا أنَّ العِتْقَ إنَّما يُسْتَحَبُّ لمَن له كسْبٌ يَنْتَفِعُ بالعِتْقِ، فأمّا مَن يَتَضَرَّرُ به، كمَن لا كسْبَ لي] 1 لسُقُوطِ نَفَقَتِه عن سَيِّدِه بإعْتاقِه، = ماجه، في: باب العتق، من كتاب العتق.
سنن ابن ماجه 2/ 843. والإمام أحمد في: المسند 4/ 235، 321. واللفظ له.

..................................  فيَضِيعُ، أو يصيرُ كَلًّا على النَّاسِ ويَحْتاجُ إلى المَسْألَةِ، فلا يُسْتَحَبُّ عِتْقُه ولا كِتابَتُه.
فإن كان ممَّن يُخافُ عليه الرُّجُوعُ إلى دارِ الحَرْبِ وتَرْكُ إسْلامِه، أو يُخافُ عليه الفَسادُ، كمَن يُخافُ أنَّه إذا عَتَقَ فاحْتاجَ سَرَق أو فَسَق أو قَطَع الطَّرِيقَ، أو جارِيةٍ يُخافُ عليها الزِّنَى والفسادُ، كُرِهَ إعْتاقُه، فإن غَلَب على الظَّنِّ إفْضاوهُ إلى هذا كان مُحَرَّمًا، لأنَّ التَّوَسُّلَ إلى الحَرامِ حرامٌ.
فإن أعْتَقَه صَحَّ؛ لأنَّه إعْتاقٌ صَدَر مِن أهْلِه في مَحَلِّه، فصَحَّ، كعِتْقِ غيرِه.

وَيَحْصُلُ الْعِتْقُ بِالْقَوْلِ وَالْمِلْكِ؛ فَأمَّا الْقَوْلُ فَصَرِيحُهُ لَفْظُ الْعِتْقِ

2911 - مسألة: (ويحْصُلُ العِتْقُ بالقَوْلِ والمِلْكِ)

ولا يَحْصُلُ بالنِّيَّةِ المُجَرَّدَةِ؛ لأنَّه إزالةُ مِلْكٍ، فلا يَحْصُلُ بالنِّيَّةِ المُجَرَّدَةِ،

وَالْحُرِّيَّةِ، كَيفَ صُرِّفَا.
كالطَّلاقِ.
وألْفاظُهُ تَنْقَسِمُ إلى صريحٍ وكِنايَةٍ؛ فالصَّريحُ (لفْظُ العِتْقِ والحُرِّيَّةِ، كيف صُرِّفا) نحوَ: أنْت حُرٌّ -أو- مُحَرَّرٌ -أو- عَتِيقٌ -أو- مُعْتَقٌ -أو- أعْتَقْتُكَ.
لأنَّ هذين اللَّفْظَين ورَدَا في الكِتابِ والسُّنَّةِ، وهما يُسْتَعْمَلانِ في العِتْقِ عُرْفًا، فمتى أتَى بشيءٍ مِن هذه الألْفاظِ حَصَل به العِتْقُ، سواءٌ نَوَاه أو لم يَنْوه.
قال أحمدُ، في رجلٍ لَقِيَ امْرأةً في الطَّرِيقِ، فقال: تَنَحَّيْ يا حُرَّةُ.
فإذا هي جارِيَتُه، قال: قد عَتَقَتْ عليه.
وقال، في رجلٍ قال لخَدَمٍ قِيام في وَلِيمَةٍ: مُرُّوا، أنتم أحرارٌ.
و 1 كانت

..................................  معَهم أمُّ ولَدِه لم يَعْلَمْ بها، قال: هذا عندِي تَعْتِقُ أُمُّ ولَدِهِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ لا تَعْتِقَ في هذين المَوْضِعَين؛ لأنَّه قَصَد باللَّفْظَةِ الأولَى غيرَ العِتْقِ، فلم تَعْتِقْ به، كما لو قال: عَبْدِي حُرٌّ.
يُرِيدُ أنَّه عَفِيفٌ كريمُ الأخلاقِ، وباللَّفْظَةِ الثَّانيةِ أراد غيرَ أُمِّ وَلَدِه، فأشْبَهَ ما لو نادَى امرأةً مِن نِسائِه، فأجابَتْه غيرُها، فقال: أنتِ طالِقٌ.
يَظُنُّها المُنادَاةَ، فإنَّها لا تَطْلُقُ، في رِوَايةٍ، فكذا ههُنا.
وأمّا إن قَصَد غيرَ العِتْقِ، كالرَّجُلِ يقولُ: عَبْدِي هذا حُرٌّ.
يُرِيدُ عِفَّتَه وكَرَمَ أخلاقِه.
أو يقولُ لعَبْدِه: ما أنتَ إلَّا حُرٌّ.
أي: إنَّكَ لا تُطِيعُني، ولا تَرَى لي عليك 1 حقًّا ولا طاعَةً.
فلا يَعْتِقُ في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
قال حَنْبَلٌ: سُئِلَ أبو عبدِ اللهِ، عن رجلٍ قال لغُلامِه: أنت حُرٌّ.
وهو يُعاتِبُهُ، قال: إذا كان لا يُرِيدُ بهِ العِتْقَ، يقولُ: كأنَّك حُرٌّ.
ولا يُرِيدُ أنَّ يكونَ حُرًّا، أو كلامًا شِبْهَ هذا، رَجَوْتُ أنَّ لا يَعْتِقَ، وأنا أهابُ المَسْألَةَ؛ لأنَّه نَوَى بكَلامِه ما يَحْتَمِلُه فانْصَرَفَ إليه، كما لو نوَى بكِنايَةِ 2 العِتْقِ العِتْقَ.
قال: وإن طُلِبَ اسْتِحْلافُه، حَلَفَ.
وبيانُ

وَكِنَايَتُهُ: خَلَّيتُكَ، وَالْحَقْ بِأَهْلِكَ، وَاذْهَبْ حَيثُ شِئْتَ، وَنَحْوُهَا.
وَفِي قَوْلِهِ: لَا سَبِيلَ لِي عَلَيكَ، وَلَا سُلْطَانَ لِي عَلَيكَ، وَلَا مِلْكَ لِي  احْتمالِ اللَّفْظِ لِما أرادَه، أنَّ المرأةَ الحُرَّةَ 1 تُمْدَحُ بهذا، يُقالُ: امْرأةٌ حُرَّةٌ.
يَعْنُون عفِيفَةً.
وتُمْدَحُ المَمْلُوكَةُ به أيضًا، ويُقالُ: للحَييِّ الكَرِيمِ الأخْلاقِ: حُرٌّ.
قالت سُبَيعَةُ 2 تَرْثِي عبدَ المُطَّلِبِ: وَلَا تَسْأْمَا أنْ تَبْكِيا كُلَّ لَيلَةٍ … ويَوْمٍ على حُرٍّ كَرِيمِ الشّمائِلِ وأمّا الكِنايَةُ فنحوُ قوْلِه: (خلَّيتُكَ، والحَقْ بأهْلِكَ، واذهَبْ حيثُ شِئْتَ.
ونحوُها).
وكذلك قَوْلُه: حَبْلُكَ على غارِبِكَ.
فهذا إن نَوَى به العِتْقَ عَتَق، وإن لم يَنْوه لم يَعْتِقْ، لأنَّه يَحْتَمِلُ غيرَه، ولم يَرِدْ به كتابٌ ولا سُنَّةٌ ولا عُرْفُ اسْتِعمالٍ.
(وفي قَوْلِه: لا سبيلَ لي عليكَ، [ولا سُلْطانَ لي عليكَ] 3،

عَلَيكَ، ولَا رِقَّ لِي عَلَيكَ، وَفَكَكْتُ رَقَبَتَكَ، وَأنْتَ مَوْلَايَ، وَأَنْتَ لِلَّهِ، وَأنْتَ سَائِبَةٌ.
رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، أَنَّهُ صَرِيحٌ.
وَالأُخْرَى، كِنَايَةٌ  ولا مِلْكَ لي علَيكَ، ولا رِقَّ لي عليكَ، وفكَكْتُ رقَبَتَكَ، وأنتَ مَوْلَاي، وأنتَ للهِ، وأنتَ سائِبةٌ.
رِوَايتان؛ إحْداهُما، أنَّه صريحٌ.
والأخْرَى، كنايَةٌ).
ذَكَر القاضي، وأبو الخَطَّابِ، في قَوْلِه: لا سبيلَ لي عليكَ، ولا سُلْطانَ لي عليكَ.
روايَتين؛ إحْداهُما، أنَّه صريحٌ.
والأخْرَى، كنايَةٌ.
قال شيخُنا 1: والصَّحيحُ أنَّه كِنايَةٌ؛ لِما ذَكَرْناه.
فأمّا قَوْلُه: لا مِلْكَ لي عليكَ، ولا رِقَّ لي عليكَ، وأنتَ للهِ.
فقال القاضي: هو صريحٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وذَكَر أبو الخَطَّابِ فيه رِوايَتَين؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ غيرَ العِتْقِ.
ولا خِلافَ في المَذْهَب أنَّه يَعْتِقُ به إذا نوَى، ومِمَّن قال: يَعْتِقُ بقَوْلِه: أنتَ للهِ.
إذا نَوَى؛ الشَّعْبِيُّ، والمُسَيَّبُ

..................................  ابنُ رافِعٍ، وحَمَّادٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَعْتِقُ به؛ لأنَّ مُقْتَضاه: أنتَ عَبْدٌ للهِ، أو مخلوقٌ للهِ.
وهذا لا يَقْتَضِي العِتْقَ.
ولَنا، أنَّه يَحْتَمِلُ: أنتَ حُرٌّ للهِ، أو عَتِيقٌ للهِ، أو عبدٌ للهِ وَحْدَه.
لستَ بعَبْدٍ لي ولا لأحَدٍ سِوَى اللهِ.
فإذا نَوَىْ الحُرِّيَّةَ به 1، وَقَعَتْ، كسائِرِ الكِناياتِ.
وما ذَكَرُوهُ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ احْتِماله لِما ذَكَرُوه لا يَمْنَعُ احْتِمالهُ لِما ذَكَرْناه، بدَلِيلِ سائِرِ الكِناياتِ، فإنَّها تَحْتَمِلُ العِتْقَ وغيرَه، ولو لم تَحْتَمِلْ إلَّا العِتْقَ لكانت صَرِيحةً فيه، وما احْتَمَلَ أمْرَين انْصَرَفَ إلى أحَدِهما بالنِّيَّةِ، وهذا شأْنُ الكِناياتِ.
وما ذَكَرُوه مِن الاحْتِمالِ يَدُلّ على أنَّ هذا ليس بصَرِيح، وإنَّما هو كِنايَةٌ.
وقَوْلُه: لا مِلْكَ لي عليكَ، ولا رِقَّ لي عليكَ.
خبرٌ عن انْتِفاءِ مِلْكِه ورِقِّه 2، لم يَرِدْ به شَرْعٌ، ولا عُرْفُ اسْتِعمالٍ في العِتْقِ، فلم يَكُنْ صَرِيحًا فيه، كقَوْلِه: ما أنتَ عَبْدِي ولا مَمْلُوكِي.
وقَوْلِه لامرأتِه: ما أنتِ امرأتِي ولا زَوْجَتِي.

وَفِي قَوْلِهِ لِأمَتِهِ: أنْتِ طَالِقٌ.
أوْ: أنْتِ حَرَامٌ.
رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا، أَنَّهُ كِنَايَةٌ.
وَالْأُخْرَى، لَا تَعْتِقُ بِهِ وَإنْ نَوَى.
وفي قولِه: فكَكْتُ رَقَبَتَكَ، وأنتَ سائِبة، وأنت مَوْلايَ، [ومَلَكْتَ رَقَبَتَكَ] (1). رِوايَتان؛ إحْداهُما، هو صريحٌ في العِتْقِ؛ لأنَّها تَتَضَمَّنُه، وقدْ جاءَ في كتابِ اللهِ تعالى: (فَكُّ رَقَبَةٍ).
يعني العِتْقَ، فكانتْ صريحةً، كقَوْلِه: أعْتَقْتُك.
والثانية، هي كِنايَةٌ؛ لأنَّها تَحْتَمِلُ غيرَ العِتْقِ.

2912 -

مسألة: (وفي قَوْلِه لأمَتِه: أنْتِ طالِق، وأنْتِ حَرامٌ. رِوايَتان؛ إحْداهُما، هي كِناية. والأخْرَى، لا تَعْتِقُ به [وإن نوى)

إذا قال لأمَتِه: أنتِ طالِقٌ.
ينوى به العِتْقَ، ففيه رِرايتان؛ إحْداهُما، لا تَعْتِقُ به] 2. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الطَّلاقَ لَفْظٌ وُضِع لإِزالةِ المِلْكِ عن المَنْفَعَةِ 3، فلم يَزُلْ به المِلْكُ عن الرَّقَبَةِ، كفَسْخِ الإِجارَةِ، ولأنَّ1

..................................  مِلْكَ الرَّقَبَةِ لا يُسْتَدْرَكُ بالرَّجْعَةِ، فلا يَنْحَلُّ بالطَّلاقِ 1، كسائِرِ الأمْلاكِ.
والثانيةُ، هو كِنايةٌ تَعْتِقُ به إذا نَوَاه.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ؛ لأنَّ الرِّقَّ أحَدُ المِلْكَين على الآدَمِيِّ، فيَزُولُ بلفظِ الطَّلاقِ، كالآخَرِ، أو فيكونُ اللَّفْظُ الموضوعُ لإِزالةِ أحَدِهما كنايةً في إزالةِ الآخَرِ، كالحُرِّيَّةِ في إزالةِ النِّكاحِ، ولأنَّ فيه مَعْنَى الإِطْلاقِ، فإذا نَوَى به إطْلاقَها مِن مِلْكِه، فقد نَوَى بلَفْظِه ما يَحْتَمِلُهُ، فتَحْصُلُ به الحُرِّيَّة، كسائِرِ كِناياتِ العِتْقِ.
فصل: وإن قال لأمَتِه: أنتِ حَرامٌ عليَّ (1). يَنْوي به العِتْقَ، عَتَقَتْ.
وذَكَر أبو الخَطَّابِ أنَّ فيها رِوايَةً أخْرَى، لا تَعْتقُ، كقَوْلِه لها: أنتِ طالِقٌ.
والصَّحيحُ أنَّها تَعْتِقُ به؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّكِ حرامٌ عليَّ؛ لكَوْنِكِ حُرَّةً.
فتَعْتِقُ به، كقَوْلِه: لا سبيلَ لي عليكِ.

وَإنْ قَال لِعَبْدِهِ، وَهُوَ أكْبَرُ مِنْهُ: أنْتَ ابْنِي.
لَمْ يَعْتِقْ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعْتِقَ.

2913 - مسألة: (وإن قال لعَبْدِه، وهو أكبَرُ منه: أنت ابْنِي. لم يَعْتِقْ. ذَكَره القاضي. ويَحْتَمِلُ أنَّ يَعْتِقَ)

إذا قال لأكْبَرَ منه أو لِمَن لا يُولَدُ لمِثْلِه: هذا ابْنِي.
مثلَ أنَّ يقولَ مَن له عِشرون سَنَةً لِمَن له خَمْسَةَ عَشْرَةَ سَنَةً: هذا ابْنِي.
لم يَعْتِقْ، ولم يَثْبُتْ نَسَبُه.
وقال أبو حنيفةَ: يَعْتِقُ.
وخرَّجَه أبو الخَطَّاب وَجْهًا لَنا؛ لأنَّهْ اعْتَرَفَ بما تَثْبُت به حُرِّيَته، فأشْبَهَ مَا لو أقَرَّ بها.
ولَنا، أنَّه قولٌ يتَحَقَّقُ كَذِبُه فيه، فلم تَثْبُتِ الحُرِّيَّةُ، كما لو قال لطِفْلٍ: هذا أبي.
أو لطفْلَةٍ: هذه أُمِّي.
قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا مِن قول النُّعْمانِ شاذٌّ لم يَسْبِقْه 1 أحدٌ إليه ولا تَبعَه أحدٌ عليه، وهو مُحالٌ مِن الكَلامِ وكَذِبٌ يَقِينًا، ولو جاز هذا لجازَ أَن يقولَ الرجلُ لطِفلٍ: هذا أبي.
ولأنَّه لو قال لزَوْجَتِه، وهي أسَنُّ منه: هذه ابْنَتِي.
أو قال لها، [وهو أسَنُّ منها] 2: هذه أُمِّي.
لم تَطْلُقْ.
كذا هذا.

وَإذَا أعتَقَ حَامِلًا عَتَقَ جَنِينُهَا، إلا أن يَسْتَثْنِيَهُ.

2914 - مسألة: (وإن أعْتَقَ حاملًا عَتَق جَنِينُها، إلَّا أنَّ يَسْتَثْنِيَه)

لأنَّه يَتْبَعُها في البَيعِ والهِبَةِ، ففي العِتْقِ أوْلَى.
فإنِ اسْتَثْناه لِم يَعْتِقْ.
[رُوِيَ ذلك] 1 عن ابنِ عُمَرَ، وأبي هُرَيرَةَ، والنَّخَعِيِّ، وإسْحاق، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال ابنُ سِيرينَ: له ما اسْتَثْنَى.
وقال عَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ: إذا اسْتَثْنَى ما في بَطْنِها فله ثُنْيَاه.
وقال مالكٌ، والشافعيُّ: لا يَصِحُّ اسْتِثْناءُ الجَنينِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن الثُّنْيَا إلَّا أنَّ تُعْلَمَ 2. وقِياسًا على اسْتِثْنائِه في البَيعِ، أشْبَهَ بعْضَ أعْضائِها.
ولَنا، أنَّه قولُ ابنِ عُمَرَ، وأبي هُرَيرَةَ.
قال أحمدُ: أذْهَبُ إلى حديثِ ابنِ عُمَرَ في العِتْقِ، ولا أذْهَبُ إليهِ في البَيعِ.
ولقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «المُسْلِمُونَ على شُرُوطِهِمْ» 3.

..................................  ولأنَّه يَصِحُّ إفْرادُه بالعِتْقِ، فصَحَّ اسْتِثْناؤه، كالمُنْفَصِلِ.
وخَبَرُهم نقولُ به، والحَمْلُ مَعْلُومٌ، فصَحَّ اسْتِثْناؤُه؛ للحديثِ.
ويُفارِقُ البَيعَ؛ لأنَّه عقدُ مُعاوَضَةٍ، يُعْتَبَرُ فيه العِلْمُ بصِفاتِ العِوَضِ، ليُعْلَمَ هل قائِمٌ مَقامَ العِوَضِ أم لا؟ والعِتْقُ تَبَرُّعٌ لا تتَوَقَّفُ صِحَّتُه على مَعْرِفَةِ صِفاتِ المُعْتَقِ، ولا تُنافِيه الجَهالةُ به 1، ويَكْفِي العِلْمُ بوُجُودِه، وقد وُجِد، ولذلك صَحَّ إفْرادُ الحَمْلِ بالعِتْقِ، ولم يَصِحَّ بالبَيعِ، ولأنَّ اسْتِثْناءَه في البَيعِ إذا بَطَل بَطَل البَيعُ كلُّه، وههُنا إذا بَطَل اسْتِثْناؤُه لم يَبْطُلِ العِتْقُ في الأمَةِ ويَسْرِي الإِعْتاقُ إليه، [فكيفَ يَصِحُّ إلْحاقُه به مع تَضادِّ الحُكْمِ فيهما 2! ولا يَصِحُّ قِياسُه على بعضِ أعْضائِها؛ لأنَّه يَصِح انْفِرادُه] 3 بالحُرِّيَّةِ عن أُمِّه فيما إذا أعْتَقَه دُونَها، وفي وَلَدِ المَغْرُورِ بحُرِّيَّةِ أُمِّه، وفيما إذا وَطِئَ بشُبْهَةٍ، وفي وَلَدِ أُمِّ الوَلَدِ، وغيرِ ذلك.
ولا يَصِحّ ذلك في بعضِ أعْضائِها، ولأنَّ الوَلَدَ يَرِثُ ويُورَثُ ويُوصَى به، فكيفَ يَصِحُّ قِياسُه على

وَإنْ أعتَقَ مَا فِي بَطْنِهَا دُونَها، عَتَقَ وَحْدَهُ.
بعضِ الأعْضاءِ؟ وروَى الأَثْرَمُ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه أعْتَقَ أمَةً واسْتَثْنَى ما في بَطْنِها (1). ولأنَّها ذاتُ حَمْل، فصَحَّ اسْتِثْناءُ حَمْلِها، كما لو باع نَخْلَةً لم تُؤَبَّرْ واشْتَرَط.
ثَمَرَتَها.
وقال القاضِي: يُخَرَّجُ على الرِّوايَتَين فيما إذا اسْتَثْنَى ذلك في البَيعِ.
والمَنْصُوصُ عنه ما ذَكَرْناه مِن أنَّه يَصِحُّ اسْتِثْناؤُه في العِتْقِ، ولا يَصِحُّ في البَيعِ؛ لِما ذَكَرْنا [مِن الفَرْقِ] (2) بينَهما.

2915 -

مسألة: (وإن أعْتَقَ ما في بَطْنِها دُونَها، عَتَقَ وَحْدَه)

لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.
وهو قولُ سفيانَ، وأحمدَ، وإسْحاقَ؛ لأنَّ حُكْمَه حُكْمُ الإِنْسانِ المُنْفَرِدِ، ولهذا يُورَثُ الجنينُ إذا ضُرِب بَطْنُ امْرأةٍ فأسْقَطَتْ جَنِينًا، وَجَب فيه غُرَّةٌ مَوْرُوثَةٌ عنه، كأنَّه سَقَط حَيًّا، وتَصِحُّ الوَصِيَّةُ به وله، ويَرِثُ إذا مات مَوْرُوثُه قبلَ أنَّ يُولَدَ ثم وُلِد بَعْدَه، فصَحَّ عِتْقُه، كالمُنْفَصِلِ.12

..................................  فصل: ولا يَصِحُّ العِتْقُ إلَّا مِن جائِزِ التَّصَرُّفِ، فلا يَصِحُّ عِتْقُ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا قولُ عامَّةِ أهلِ العِلْمِ؛ منهم الحسنُ، والشَّعْبِيُّ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
وذلك لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ، عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتى يَسْتَيقِظَ» 1. ولأنَّه تَبَرُّعٌ بالمالِ، فلم يَصِحَّ منهما 2 كالهِبَةِ.
ولا يَصِحُّ عِتْقُ المَحْجُورِ عليه للسَّفَهِ.
وهو قولُ القاسِمِ بنِ محمدٍ.
وعنه، يَصِحُّ، قِياسًا على طَلاقِه وتَدْبِيرِه.
ولَنا، أنَّه مَحْجور عليه في مالِه لحَظِّ نَفْسِه، فلم يَصِحَّ عِتْقُه، كالصَّبِيِّ، ولأنَّه تَصَرُّفٌ في المالِ في حياتِه، أشْبَهَ هِبَتَه وبَيعَه.
ويُفارِقُ الطَّلاقَ؛ لأنَّ الحَجْرَ عليه في مالِه، والطَّلاقُ ليس بتَصَرُّفٍ فيه.
ويُفارِقُ التَّدْبيرَ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ فيه بعدَ مَوْتِه وغِناه عنه بالمَوْتِ، ولهذا صَحَّتْ وَصِيَّتُه ولم تَصِحَّ هِبَتُه المُنْجَزَةُ.
وعِتْقُ السَّكْرانِ مَبْنِيٌّ على طلاقِه، وفيه مِن الخِلافِ ما فيه.
ولا يَصِحُّ عِتْقُ المُكْرَهِ، كما لا يَصِحُّ بَيعُه ولا تَصَرُّفاتُه، ولا يَصِحُّ عِتْقُ المَوْقُوفِ؛ لأنَّ فيه إبْطالًا لحقِّ البَطْنِ الثانِي منه، وليس له ذلك.

..................................  فصل: ولا يَصِحُّ العِتْقُ مِن غيرِ المالِكِ بغَيرِ إذْنِه، فلو أعْتَقَ عَبْدَ ولَدِه الصَّغِيرِ، أو يَتِيمِه الذي في حِجْرِه، لم يَصِحَّ.
وبهذا قال الشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال مالكٌ: يَصِح عِتْقُ عبدِ وَلَدِه الصَّغِيرِ؛ لقَوْلِه، عليه الصلاة والسلامُ: «أنْتَ وَمَالُكَ لأبِيكَ» 1. ولأنَّ له عليه ولايةً، وله فيه حَقٌّ، فصَحَّ إعْتاقُهُ، كمالِه.
ولَنا، أنَّه عِتْقٌ مِن غيرِ مالِكٍ، فلم يَصِحَّ، كإعْتاقِ عَبْدِ وَلَدِه الكَبِيرِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لمَّا وَرَّثَ الله الأبَ مِن مالِ ابْنِه السُّدْسَ مع وَلَدِه، دَلَّ على أنَّه لا حَقَّ له في سائِره.
وقَوْلُه، عليه السلامُ: «أنْتَ وَمَالُكَ لأبِيكَ».
لم يُزِدْ به حقيقةَ المِلْكِ، وإنَّما أرادَ المُبالغَةَ في وُجُوبِ حَقِّه عليكَ، وإمْكانِ الأخْذِ مِن مالِكَ، وامتِناعِ مُطالبتِك إياه بما أخَذَ منه، ولهذا لم يَنْفُذْ إعْتاقُه لعَبْدِ وَلَدِه الكَبِيرِ الذي وَرَد الخبرُ فيه، وثُبُوتُ الولايةِ له على مالِ وَلَدِه أبْلَغُ في امْتِناعِ إعْتاقِ عبدِه؛ لأنَّه إنَّما أثبَتَ الولايةَ عليه لحَظِّ الصَّبِيِّ؛ ليَحْفَظَ ماله عليه، ويُنَمِّيَه له،

وَأمَّا الْمِلْكُ، فَمَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَتَقَ عَلَيهِ.
وَعَنْهُ، لَا يَعْتِقُ إلا عَمُودَا النَّسَبِ.
ويقومَ بمصالحِه التي يَعْجِزُ الصَّبِيُّ عن القيامِ بها، وإذا كان مَقْصُودُ الولايَةِ الحِفظَ اقْتَضَتْ مَنْعَ التَّضْيِيعِ والتَّفْرِيطِ بإعْتاقِ رَقِيقِه والتَّبَرُّعِ بمالِه.
ولو قال رجلٍ لعَبْدٍ: أنت حُرٌّ مِن مالي.
فليس بشيءٍ، فإنِ اشتراه بعدَ ذلكَ فهو مَمْلُوكُه، ولا شيءَ عليه.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وعامَّةُ الفُقهاءِ.
ولو بَلَغ رجلًا أنَّ رجلًا قال لعَبْدِه: أنت حُرٌّ مِن مالي.
فقال: قد رضِيتُ.
فليس بشيء.
وبه قال الثَّوْرِيُّ، وإسحاق.

2916 -

مسألة: (وأمّا المِلْكُ، فمَن مَلَك ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَتَق عليه. وعنه، لا يَعْتِقُ إلَّا عَمُودا النَّسَبِ)

ذو الرَّحِمِ المَحْرَمُ: القَرِيبُ الذي يَحْرُمُ نِكاحُه عليه، لو كان أحَدُهما رجلًا والآخَرُ امرأةً، وهم الوالِدان وإن عَلَوْا مِن قِبَل الأبِ والأُمِّ جَميعًا، والوَلَدُ وإن سَفَل مِن

..................................  وَلَدِ البَنينَ والبَناتِ، والإِخْوَةُ والأخَواتُ، وأوْلادُهم وإن سَفَلُوا 1، والأعْمامُ والعمَّاتُ، والأخْوالُ والخالاتُ وإن عَلَوْا، دُونَ أوْلادِهم، فمتى مَلَك أحدًا مِنْهم عَتَق عليه.
رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وابنِ مسعودٍ، رَضِيَ اللهُ عنهما.
وبه قال الحسنُ، وجابرُ بنُ زيدٍ، وعطاءٌ، والحَكَمُ، وابن أبي لَيلَى والثَّوْرِيُّ، واللَّيثُ، وأبو حنيفةَ، والحسنُ بن صالح، وشَرِيكٌ، ويَحْيَى بنُ آدمَ.
وأعْتَقَ مالِكٌ الوالِدِين والمَوْلودِين وإن بَعُدُوا، والإخْوةَ والأخَواتِ دُونَ أولادِهم.
ولم يُعْتِقِ الشافعيُّ إلَّا عَمُودَي النَّسَبِ.
وعن أحمدَ كذلك.
ولم يُعْتِقْ داودُ وأهلُ الظّاهِرِ أحدًا حتى يُعْتِقَه؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَجْزِي وَلَدٌ والِدَهُ، إلَّا أنْ يَجِدَه مَمْلُوكًا فيَشْتَرِيَة فيُعْتِقَهُ».
رَواه مسلمٌ 2. ولَنا، ما روَى الحسن عن سَمُرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ».
رَواه

..................................  أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ 1. وقال: حديثٌ حسنٌ.
[وروَى ضَمْرَةُ، عن سفيانَ، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عن ابنِ عُمَرَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَن مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ» 2. وسئِل أحمدُ عن ضَمْرَةَ، فقال: ثِقَةٌ إلَّا أنَّه روَى حديثَين [لا أصل لهما] 3، أحَدُهما، هذا الحديثُ] 4. ولأنَّه ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فعَتَقَ عليه بالمِلْكِ، كعَمُودَي النَّسَبِ، وكالإِخوَةِ والأخواتِ عندَ مالكٍ.
فأمّا قَوْلُه: «حَتَّى يَشْتَرِيَه فيُعْتِقَه».
فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ فيَشْتَرِيَه فيُعْتِقَه بِشِرائه، كما يقالُ: ضَرَبَه فقَتَلَه.
والضرْبُ هو القَتْلُ؛ وذلك لأنَّ الشِّراءَ لمّا كان يَحْصُلُ به العِتْقُ تارةً دُونَ اخْرَى، جاز عَطْفُ صِفَتِه عليه، كما يقالُ: ضَرَبَه فأطار رأسَه.
وسواءٌ مَلَكَه بشِراءٍ، أو هِبَةٍ، أو غَنِيمَةٍ، أو إرْثٍ، أو غيرِه، لا نَعْلَمُ بينَ أهلِ العلمِ فيه خِلافًا.
فصل: ولا خِلافَ في أنَّ المحارِمَ مِن غيرِ ذَوي الأرْحام لا يَعْتِقُونَ على سيِّدِهم، كالأُمِّ مِن الرَّضاعَةِ، والأخِ مِنْها 5، والرَّبِيبَةِ، وأُمِّ

وَإنْ مَلَكَ وَلَدَهُ مِنَ الزِّنَى لَمْ يَعْتِقْ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَعْتِقَ.
الزَّوْجَةِ، وابْنَتِها، إلَّا أنَّه حُكِيَ عن الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، وشَرِيكٍ، أنَّه لا يجوزُ بَيعُ الأخِ مِن الرَّضاعةِ.
ورُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه كَرِهَهُ.
والأوَّلُ أصَحُّ.
قال الزُّهْرِيُّ: جَرَتِ السُّنَّةُ بأن يُباعَ الأخُ والأخْتُ مِن الرَّضاعةِ.
ولأنَّهم لا نَصَّ في عِتْقِهم، ولا هم في مَعْنَى المَنْصوصِ عليه، فيَبْقُون على الأصْلِ، ولأنَّهما لا رَحِمَ بينَهما ولا تَوارُثَ، ولا تَلْزَمُه نَفَقَتُه، فأشْبَهَ الرَّبِيبَةَ وأمَّ الزَّوْجَةِ.

2917 -

مسألة: (وإن مَلَك وَلَدَهُ مِنَ الزِّنى لم يَعْتِقْ)

عليه (في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ) لأنَّ أحكامَ الوَلَدِ غيرُ ثابتةٍ فيه -وهي الميراثُ، والحجْبُ، والمَحْرَمِيَّةُ، ووُجُوبُ الإنْفاقِ، وثُبُوتُ الولايَةِ عليه- (ويَحْتَمِلُ أنَّ يَعْتِقَ) لأنَّه جُزْوه حَقِيقَةً، وقد ثَبَت فيه حُكْمُ تَحْرِيم التّزويجِ، ولهذا لو مَلَك وَلَدَه المُخالِفَ له في الدِّينِ عَتَق عليه مع انْتِفاءِ هذه الأحْكامِ.

وَإنْ مَلَكَ سَهْمًا مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيهِ بِغَيرِ الْمِيرَاثِ وَهُوَ مُوسِرٌ عَتَقَ عَلَيهِ كُلُّهُ، وَعَليهِ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ.
وَإنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَعْتِقْ عَلَيهِ إلا مَا مَلَكَ.
وَإنْ مَلَكَهُ بِالْمِيرَاثِ لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ إلا مَا مَلَكَ، مُوسِرًا كَانَ أوْ مُعْسِرًا.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيهِ نَصِيبُ الشَّرِيكِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا.

2918 - مسألة: (وإن مَلَك سَهْمًا مِمَّن يَعْتِقُ عليه بغيرِ المِيراثِ وهو مُوسِرٌ عَتَق عليه كلُّه، وعليه قِيمَةُ نصيبِ شَريكِه.
وإن كان مُعْسِرًا لم يَعْتِقْ عليه إلَّا ما مَلَك.
وإن مَلَكَه بالمِيراثِ لم يَعْتِقْ منه إلَّا ما مَلَك، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا.
وعنه، أنَّه يَعْتِقُ عليه نَصِيبُ الشَّرِيكِ إن كان مُوسِرًا)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن مَلَك سَهمًا مِمَّن يَعْتِقُ عليه، فإَّنه يَعْتِقُ عليه ما مَلَك منه، سواءٌ مَلَكَه بعِوَض، أو بغيرِ عِوَض،

..................................  [كالهِبَةِ، والاغْتِنامِ] 1 والوَصِيَّةِ، وسواءٌ مَلَكَه باخْتِيارِه، كالذي ذَكَرْنا، أو بغيرِ اخْتِيارِه، كالمِيراثِ؛ لأنَّ كلَّ ما يَعْتِقُ به الكُلُّ، يَعْتِقُ به البَعْضُ، كالإِعْتاقِ بالقولِ، ثم يُنْظَرُ؛ فإن كان مُعْسِرًا لم يَسْرِ العِتْقُ، واسْتَقَرَّ في ذلك الجُزْءِ ورَقَّ الباقِي؛ لأنَّه لو أعْتَقَه بقَوْلِه لم يَسْرِ إعْتاقُه بتَصْرِيحِه بالعِتْقِ وقَصْدِه إيّاهُ، فههُنا أوْلَى.
وإن كان موسِرًا وكان المِلْكُ 2 باخْتِيارِه، كالمِلْكِ بغيرِ المِيراثِ، سَرَى إلى باقِيه، فعَتَقَ جَمِيعُ العَبْدِ، ولَزِمَه لشَرِيكِه قِيمَةُ باقِيه، لأنَّه فَوَّتَه عليه.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو يُوسُف.
وقال قَوْمٌ: لا يَعْتِقُ عليه إلَّا ما مَلَك، سواءٌ مَلَكَه بشراءٍ أو غَيره، لأنَّ هذا لم يَعْتِقْه، وإنَّما عَتَق عليه بحُكْمِ الشَّرْعِ، عن غيرِ اخْتِيارٍ منهُ، فلم يَسْرِ، كما لو مَلَكَه بالمِيراثِ، وفارَق ما أعْتَقَه، لأنَّه فَعَلَه باخْتِيارِه قاصِدًا إليه.
ولَنا، أنَّه فَعَل سبَبَ العِتْقِ اخْتِيارًا منه، وقَصَد إليه، فسَرَى ولَزِمَه الضَّمانُ، كما لو وَكَّلَ مَن أعْتَقَ نَصِيبَه.
وفارَقَ

..................................  المِيراثَ، فإنَّه حَصَل بغيرِ فِعْلِه، ولا قَصْدِه، ولأنَّ مَن باشَرَ 1 سبَبَ السِّرايَةِ اخْتِيارًا لَزِمَه الضمانُ 2، كمَن جَرَح إنْسانًا فسَرَى جُرْحه، ولأنَّ مُباشَرَةَ ما يَسْرِي وتَسَبُّبَه 3 إليه في لُزُومِ حكْمِ السِّرايَةِ واحِدٌ، بدَلِيلِ اسْتِواءِ الحافِرِ والدافِعِ في ضَمانِ الواقِعِ، فأمّا إن مَلَكَه بالمِيراثِ، لم يَسْرِ العِتْقُ فيه، واسْتَقَرَّ فيما مَلَكَه، ورَقَّ الباقي، موسرًا كان أو مُعْسِرًا؛ لأنَّه لم يتَسَبَّبْ إلى إعْتاقِه، وإنَّما حَصَل بغيرِ اخْتِيارِه.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ.
وعن أحمدَ، ما يدُلُّ على أنَّه يَسْرِي إلى نَصِيبِ الشَّرِيكِ إذا كان موسِرًا، لأنَّه عَتَق عليه بَعْضه وهو موسِرٌ، فسَرَى إلى باقِيه، كما لو وَصَّى له به فقَبِلَه.
والمَذْهَبُ الأوَّلُ؛ لأنَّه لم يعْتِقْه ولا تَسَبَّبَ إليه، فلم يَضْمَنْ، ولم يَسْرِ، كالأجْنَبيِّ، وفارَقَ ما تَسَبَّبَ إليه.

..................................  فصل: وإن وَرِث الصَّبِيُّ والمَجْنُونُ جُزْءًا ممَّن يَعْتِقُ عليهما، عَتَق ولم يَسْرِ إلى باقِيه، لأنَّه إذا لم يَسْرِ في حَق المُكَلَّفِ، ففي حَقِّهما أوْلَى.
وإن وُهِب لهما، أو وُصِّيَ لهما به وهما مُعْسِران، فعلى وَلِيِّهما قَبُولُه، لأنَّه نَفْعٌ لهما، بإعْتاقِ قَرِيبِهما مِن غيرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُ قَريبَهما.
وإن كانا مُوسِرَين، ففيه وَجْهان، مَبْنِيَّان على أنَّه هل يُقَوَّمُ عليهما باقِيه إذا مَلَكا بَعْضَه؟ وفيه وجْهان، أحَدُهما، لا يُقَوَّمُ ولا يَسْرِي العِتْقُ إليه، لأنَّه يَدْخُلُ

..................................  في 1 مِلْكِه بغيرِ اخْتِيارِه، أشْبَهَ ما لو وَرِثَه.
والثاني، يُقَوَّمُ عليه؛ لأنَّ قَبُولَ وَلِيِّه يقومُ مَقامَ قَبُولِه، فأشْبَهَ الوَكيلَ.
قعلى هذا الوَجْهِ، ليس لوَلِيِّه قَبُولُه؛ لِما فيه مِن الضَّرَرِ.
وعلى الأوَّلِ، يَلْزَمُه قَبُولُه؛ لأنَّه نَفْغ بغيرِ ضَرَرٍ، إذا كان مِمَّن لا تَلْزَمُه نَفَقَتُه، وإذا قُلْنا: ليس له إن يَقْبَلَه.
فقَبلَه، احْتَمَلَ أنَّ لا يَصِحَّ القَبُولُ 2؛ لأنَّه فَعَل ما لم يَأْذَنْ له الشَّرعُ فيه، فأشبَهَ ما لو باع ماله 3 بغَبْنٍ.
واحْتَمَلَ أنَّ يَصِحَّ وتكونَ الغرامةُ عليه؛ لأنَّه ألْزَمَه هذه الغرامةَ، فكانت عليه كنَفَقَةِ الحَجِّ إذا أحَجَّه.

..................................  فصل: وإن باعَ عَبْدًا لذي رَحِمِه وأجْنَبِيٍّ صَفْقَةً واحِدَةً، عَتَق كلُّه إذا كان ذو رَحِمِه مُوسِرًا، وضَمِن لشَريكِه قِيمَةَ حَقِّه منه.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَضْمَنُ لشَرِيكِه شيئًا؛ لأنَّ مِلْكَه لم يَتِمَّ إلَّا بقَبُولِ شَرِيكِه، فصار كأنَّه أذِنَ له في إعْتاقِ نَصِيبِه [ولَنا، أنَّه عَتَق عليه نَصِيبُه] 1 بمِلْكِه باخْتِياره، فوَجَبَ أنَّ يُقَوَّمَ عليه باقِيه مع يَسارِه، كما لو انْفَرَدَ بشِرائِه، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا يَصِحُّ قَبُولُه إلَّا بقَبُولِ شَرِيكِه.

..................................  فصل: إذا كانت أمَةً 1 مُزَوَّجَةً، ولها ابنٌ مُوسِرٌ، فاشْتَراها هو وزَوْجُها وهي حامِلٌ منه، صَفْقَةً واحِدَةً، عَتَق نَصِيبُ الابْنِ مِن أُمِّه، وسَرَى إلى نصيبِ الزَّوْجِ، ويُقَوَّمُ عليه، وعَتَق الحَمْلُ عليهما معًا؛ لأنَّه ابنُ الزَّوْج وأخو الابْنِ، ولا يَجِبُ لأحَدِهما على الآخرِ منه شيءٌ؛ لأنَّه عَتَق عليهما في حالٍ واحِدَةٍ.
ولو كانتِ المسْألةُ بحالِها، فوُهِبَت لهما، أو وُصِّيَ لهما بها، فقَبِلاها في حالٍ واحِدَةٍ، فكذلك، وإن قَبِلَها أحَدُهما قبلَ الآخَرِ، نَظَرْنا؛ فإن قَبِل الابْنُ أوَّلًا، عَتَقَت عليه (1) الأُمُّ وحَمْلُها، وعليه قِيمَةُ باقِيهما للزَّوْجِ.
وإن قَبِل الزَّوْجُ أوَّلًا عَتَق عليه الحَمْلُ كلُّه.
ثم إذا قَبِل الابْنُ عَتَقَتْ عليه الأُمُّ كلُّها، ويَتقاصّان 2، ويَرُدُّ كلُّ واحِدٍ منهما الفَضْلَ على صاحِبِه.
ومَن قال في الوَصِيَّةِ: إنَّ المِلْكَ لا يَثْبُت فيها بالموتِ.
فالحُكْمُ فيهكما لو قَبِلاها دُفْعَةً واحِدَةً.

وَإنْ مَثَّلَ بِعَبْدِهِ فَجَدَعَ أنْفَهُ أَوْ أُذُنَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ، عَتَقَ عَلَيهِ.
نَصَّ

2919 - مسألة: (وإن مَثَّلَ بعَبْدِه فجَدَعَ أنْفَه أو أُذُنَه ونحوَ ذلك، عَتَق. نَصَّ عليه)

لِما روَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ عن أبِيه عن جَدِّه، أنَّ زِنْباعًا أبا رَوْحٍ وَجَد غُلامًا له مع جارِيَتِه، فقَطَعَ ذَكَرَه وجَدَعَ أنْفَه، فأتَى العَبْدُ

عَلَيهِ.
قَال الْقَاضِي: وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَعْتِقَ.
النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فذَكَرَ ذلك له، فقال له 1 النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟» قال: فَعَل كذا وكذا.
قال: «اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ» 2. (قال القاضي: والقِياسُ أنَّ لا يَعْتِقَ) لأنَّ سَيِّدَه لم يَعْتِقْه بلفْظٍ صريحٍ ولا كِنايةٍ.
وإذا ثَبَت الحديثُ وجَب العملُ به وتُرِكَ القِياسُ.

وَإذَا أَعْتَقَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ فَمَالُهُ لِلسَّيِّدِ.

2920 - مسألة: (وإذا أعْتَقَ عَبْدًا فمالُه لسَيِّدِه)

رُوِيَ هذا عن

وَعَنْهُ، أَنَّهُ لِلعَبْدِ.
ابنِ مسعودٍ، وأبي أيُّوبَ، وأنسِ بنِ مالكٍ.
وبه قال قَتادةُ، والحَكَمُ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
ورُوِيَ ذلك عن حمّادٍ، والبَتِّيِّ، وداودَ بنِ أبي هِنْدٍ، وحُمَيدٍ.
(وعنه) رِواية أُخْرَى (أنَّه للعَبْدِ) وبه قال الحسنُ، وعطاء، [والشَّعْبِيُّ] 1، والنَّخَعِيُّ، ومالكٌ، وأهلُ المدينةِ: يَتْبَعُهُ؛ لِما روَى نافِعٌ، عن ابنِ عُمَرَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنْ أعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَالْمَالُ لِلْعَبْدِ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ بإسْنادِه 2، وغيرُه 3. وروَى حمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن أيُّوبَ عن نافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ، [أنَّه كان إذا أعْتَقَ عبدًا لم يَعْرِضْ لمالِه 4 ولَنا، ما روَى الأثْرَمُ بإسْنادِه عن ابنِ مسعودٍ] 5، أنَّه قال لغُلامِه عُمَيرٍ: يا عُمَيرُ، إنِّي

..................................  أُريدُ أنَّ أُعْتِقَكَ عِتْقًا هَنِيئًا 1، فأخْبِرْني بمالِك، فإنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «أَيُّما رَجُل أعْتَقَ عَبْدَهُ أَوْ غُلَامَهُ فَلَمْ يُخْبِرْهُ بمَالِه فمَالُه لِسَيِّدِه» 2. ولأنَّ العبدَ وماله كانا للسَّيِّدِ، فأزال مِلْكَه عن أحدِهما، فبَقِيَ مِلْكُه في الآخَرِ، كما لو باعَه، وقد دَلَّ عليه حديثُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا ولَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتَاعُ» 3. فأمّا حديثُ ابنِ عُمَرَ، فقال أحمدُ: يَرْويه عبدُ الله بِنُ أبي جَعْفَرٍ مِن أهلِ مِصْرَ، وهو ضَعِيفٌ في الحديثِ، كان صاحِبَ فِقْهٍ، فأمّا في إلحديثِ فليس هو فيه بالقَويِّ.
وقال أبو الوليدِ 4: هذا الحديثُ خَطَأٌ، فأمّا فِعْلُ ابنِ عُمَرَ، فهو تَفَضُّلٌ منه على مُعْتَقِه.
قِيلَ لأحمدَ: كان هذا عندَك على التَّفَضُّلِ؛ فقال: إي لَعَمْرِي على التَّفَضُّلِ.
قِيلَ له: فكأنَّه عندَك للسَّيِّدِ 5؟ فقال: نعم، للسَّيِّدِ، مثلُ 6 البَيعِ سَواءً.

فَصْلٌ: وَإذَا أعْتَقَ جُزْءًا مِنْ عَبْدِهِ مُعَيَّنًا أوْ مُشَاعًا عَتَقَ كُلُّهُ.
فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ الله عنه: (وإذَا أعْتَقَ جُزْءًا مِن عَبْدِه مُعَيَّنًا أو كلُ مُشَاعًا عَتَق كُلُّه) أمّا إذا أعْتَقَ عَبْدَه وهو صحيحٌ جائزُ التَّصَرُّفِ، فإنَّه يَصِحُّ عِتقُه بإجْماعِ أهلِ العلمِ، فإنْ أعْتَقَ بَعْضَه عَتَق كُلُّه في قولِ جمهورِ العلماءِ.
رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وابْنِه، رَضِيَ الله عنهما 1. وبه قال الحسنُ، والحَكَمُ، والأوْزَاعِي، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 2: عامَّةُ العلماءِ بالحجازِ والعراقِ قالوا: يَعْتِقُ كُلُّه إذا أعتَقَ نِصْفَه.
وقال طاوُسٌ: يَعْتِقُ في عِتْقِه، ويَرِقّ في رِقِّه.
وقال حمادٌ، وأبو حنيفةَ: يَعْتِقُ منه ما أُعْتِقَ، ويَسْعَى في باقِيهِ.
وخالفَ أبا حنيفةَ أصحابُه، فلم يَرَوْا عليه سِعايَةً.
ورُوِيَ عن مالكٍ في رجلٍ أعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ، ثم غَفَل عنه حتَّى مات، فقال: أرى نِصْفَه حُرًّا ونِصْفَه رقيقًا؛ لأنَّه تَصَرَّفَ في بَعْضِه، فلم يَسْرِ إلى باقِيه، كالبَيعِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أعْتَقَ شِرْكًا لَه في عَبْدٍ فَكَانَ مَعَهُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَه 3، قُومَ عَلَيهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ، وَعَتَقَ عَلَيهِ

..................................  جَمِيعُ الْعَبْدِ» 1. وإذا أُعْتِقَ عليه 2 نَصِيبُ شَرِيكِه، كان تَنْبِيهًا على عِتْقِ جَميعِه إذا كان كُلُّه مِلْكًا له.
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ مَمْلُوكٍ فَهُوَ حُرٌّ مِنْ مَالِهِ» 3. ولأنَّه إزالةُ مِلْكٍ عن بَعْضِ مَمْلُوكِه الآدَمِيِّ، فزال عنه جَميعُه، كالطَّلاقِ.
ويفارِقُ البَيعَ؛ فإنَّه لا يحتاجُ إلى السِّعايَةِ، ولا يُبْنَى على التَّغْليبِ والسِّرايةِ.
إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْق بينَ أنَّ يُعْتِقَ جُزءًا كَبيرًا، كنِصْفِه، أو ثُلُثِه، أو صغيرًا، كعُشْرِه، أو 4 عُشْرِ عُشْرِه.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا بينَ القَائِلين بسِرايَةِ العِتْقِ إذا كان مُشاعًا.
فصل: فإن أعْتَقَ جُزْءًا مُعَيَّنًا 5؛ كرَأْسِه، أو يَدِه، أو إصْبَعِه، عَتَق كُلُّه أيضًا.
وبهذا قال قتادةُ، والشافعيُّ، وإسحاقُ.
وقال أصحابُ الرَّأْي: إن أعْتَقَ رَأْسَه، أو ظَهْرَه، أو بَدَنَه، أو بَطْنَه، أو جَسَدَه، أو نَفْسَه، أو فَرْجَه، عَتَق كُلُّه؛ لأنَّ حَياتَه لا تَبْقَى بدُونِ ذلك،

وَإِنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، وَهُوَ مُوسِرٌ بِقِيمَةِ بَاقِيهِ، عَتَقَ كُلُّهُ، وَعَليهِ قِيمَةُ بَاقِيهِ يَوْمَ الْعِتْقِ لِشَرِيكِهِ.
وإن أعْتَقَ يَدَه، أو عُضوًا تَبْقَى حياتُه بدُونِها لم يَعْتِق؛ لأنَّه يُمْكِنُ إزالةُ ذلك مع بَقائِه، فلم يَعْتِقْ، كإعْتاقِه شَعَرَه [وسِنَّه] (1). ولَنا، أنَّه أعْتَقَ عُضوًا مِن أعْضائِه، فعَتَقَ جَميعُه، كرأْسِه.
فأمّا إذا أعْتَقَ شَعَرَه، أو سِنَّه، أو ظُفْرَه، لم يَعْتِقْ.
وقال قتادةُ، واللَّيثُ، في الرَّجُلِ يُعْتِقُ ظُفْرَ عَبْدِه: يَعْتِقُ كُلُّه؛ لأنَّه مِن أجْزائِه، أشْبَهَ إصْبَعَه.
ولَنا، أنَّ هذه الأشْياءَ تَزُولُ، ويَخْرُجُ غيرُها، فأشْبَهَتِ الشَّعَرَ، والرِّيقَ.
وسَنذْكُرُ ذلك في الطَّلاقِ، والعِتْقُ مِثْلُه.

2921 -

مسألة: (وإن أعْتَقَ شِرْكًا له في عَبْدٍ، وهو مُوسِرٌ بقِيمَةِ باقِيه، عَتَق كُلُّه، وعليه قِيمَةُ باقِيهِ يَوْمَ العِتْقِ لشريكِه)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الشَّرِيكَ إذا أعْتَقَ نَصِيبَه مِن العَبْدِ عَتَقَ عليه.
لا نَعْلَمُ فيه خلافًا؛ لِما1

..................................  ذَكَرْنا مِن الأثَرِ، وإذا عَتَق نَصِيبُه سَرَى العِتْقُ إلى جَمِيعِه، فصار جَميعُه حُرًّا، وعلى المُعْتِقِ قِيمَةُ أنْصِباءِ شُرَكائِه، والولاءُ له.
هذا قولُ مالكٍ، وابنِ أبي لَيلَى، وابنِ شُبْرُمَةَ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأبي يُوسُفَ، ومحمدٍ، وإسحاقَ.
وقال البَتِّيُّ: لا يَعْتِقُ إلَّا حِصَّةُ المُعْتِقِ، ونَصِيبُ الباقِينَ باقٍ على الرِّقِّ، ولا شيءَ على المُعْتِقِ؛ لِما روَى ابنُ 1 التَّلِبِّ، عن أبيهِ، أنَّ رجلًا أعْتَقَ شِقْصًا له في مَمْلُوكٍ، فلم يُضَمنْه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. رَواه الإِمامُ أحمدُ 2. ولأَنه لو باع نَصِيبَه لاخْتَصَّ البَيعُ به، فكذلِك العِتْقُ، إلَّا أنَّ تكونَ جَارِيةً نَفِيسَةً يُغالَى فيها، فيكون ذلك بمَنْزِلَةِ الجِنايَةِ مِن المُعْتِقِ؛ للضَّرَرِ الذي أدْخَلَه على شَريكِه.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَعْتِقُ إلَّا حِصَّةُ المُعْتِقِ، ولشَرِيكِه الخِيارُ في ثَلاثةِ أشْياءَ؛ إن شاء أعْتَقَ، وإن شاء اسْتَسْعَى العَبْدَ، وإن شاء ضَمَّنَ شرِيكَه، فيَعْتِقُ حِينَئِذٍ.
ولَنا، الحديثُ الذي رَوَيناه، وهو صحيحٌ، مُتَّفَقٌ عليه 3، ورَواه مالكٌ في

..................................  مُوَطَّئِه 1، عن نافِع، عن ابنِ عُمَرَ.
فأثْبَتَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - العِتْقَ في جَميعِه، وأوْجَبَ قِيمَةَ نَصيبِ شَريكِ 2 المُعْتِقِ عليه، ولم يَجْعَلْ له خِيَرَةً ولا لغيرِه.
وروَى قتادةُ، عن أبي المَليحِ، عن أبيه، أنَّ رجلًا مِن قَوْمِه، أعْتَقَ شِقْصًا له في مَمْلُوكٍ، فرُبعَ ذلك إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فجَعَلَ خَلَاصَه عليها في مالِه، وقال: «لَيسَ للهِ شَرِيكٌ» 3. قال أبو عبدِ اللهِ: الصَّحيحُ أنَّه عن أبي المَلِيحِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُرْسَلٌ، وليس فيه عن أبيه.
هذا مَعْنَى كلامِه.
وقولُ البَتِّيِّ شاذٌّ يُخَالِفُ الأخْبارَ كُلَّها، فلا يُعَوَّلُ عليه.
وحديثُ التَّلِبِّ يتَعَيَّنُ حَمْلُه على المُعْسِرِ، جمعًا بينَ الأحاديثِ.
وقياسُ العتق على البيعِ لا يصِحُّ؛ فإنَّ البيِعَ لا يَسري فيما إذا كان العبدُ كُلُّه له، والعِتْقُ يَسْرِي، فإنَّه لو باع نِصْفَ عَبْدِه لم يَسْرِ، ولو أعْتَقَه عَتَق كُلُّه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ ولاءَه يكونُ له؛ لأنَّه عَتَق بإعْتاقِه مِن مالِه، ولا خِلافَ في هذا عندَ مَن يَرَى عِتْقَه عليه.

جارٍ التحميل