الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 206-245

..................................  كالِإمامِ في الصلاةِ، ولهذا قال في الحديثِ الصَّحِيحِ: «مَنْ تَبعَ جِنَازَةً» 1. ولَنا، ما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: رَأيْتُ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكرٍ، وعُمَرِ، يَمْشُون أمامَ الجِنازَةِ.
رَواه أبو داودَ، والتِّرمِذِىُّ 2، وعن أنَس نَحْوُه، رَواه ابنُ ماجه 3. قال ابنُ المُنْذِرِ: ثَبَت أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، وأبا بكر، وعُمَرَ، كانُوا يَمْشُون أمامَ الجِنازَةِ.
وقال أبو صالِحٍ: كان أصحابُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَمْشُون أمامَ الجِنازَةِ.
ولأنَّهم شُفَعاءُ له؛ بدَلِيلِ قَوْلِهِ عليه السّلامُ: «مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلِّى عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يَبْلُغُون مِائَةً، كُلُّهُمْ 4 يَشْفَعُونَ لَهُ، إلَّا شُفِّعُوا فِيهِ».
رَواه مسلمٌ 5. والشَّفِيعُ يَتَقَدَّمُ المَشْفُوعَ له، وحديثُ ابنِ مسعودٍ يَرْوِيه أبو ماجِدٍ، وهو مَجْهُولٌ.
قِيلَ ليَحْيىَ: مَن أبو ماجِدٍ هذا؟ قال: طائِرٌ طار.

..................................  قال التِّرْمِذىُّ: سَمِعْتُ محمدَ بنَ إسماعيلَ يُضَعِّفُ هذا الحَدِيثَ.
والحَدِيثُ الآخَرُ لم يَذْكُرْه أصحابُ السُّنَنِ.
وقالُوا: هو ضَعِيفٌ.
ثُم نَحْمِلُه على مَن تَقَدَّمَهَا إلى مَوْضِعِ الصلاةِ أو الدَّفْنِ، ولمِ يَكُنْ معها.
وقِياسُهم يَبْطُلُ بسُنَّةِ الصُّبْحِ والظُّهْرِ، فإنَّها تابعَةٌ لهما، وَتتَقَدَّمُهما في الوُجُودِ.
فصل: ويُكْرَهُ الرُّكُوبُ في اتِّباعِ الجَنائِزِ؛ لِما روَى ثَوْبانُ، قال: خَرَجْنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في جنازَةٍ، فرَأى ناسًا رُكْبانًا، فقالَ: «ألَا تَسْتَحْيُونَ أَنَّ مَلَائِكَةَ اللهِ عَلَى أقْدَامِهمْ، وَأنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ».
رَواه التِّرْمِذِىُّ 1. فإن رَكِب، فالسُّنَّةُ أن يَكُونَ خلف الجِنازَةِ.
قال الخَطّابِىُّ 2 في الرّاكِبِ: لا أعْلَمُهم اخْتَلَفُوا في أنَّه يَكُونُ خلفها؛ [لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -] 3: «الرَّاكِبُ يمْشِى خَلْفَ الْجِنَازَةِ، وَالْمَاشِى يَمشِى خَلْفَهَا وَأمَامَهَا، وَعَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ يَسَارِهَا، قَرِيبًا مِنْها».
رَواه أبو

..................................  داودَ 1، التِّرْمِذِىُّ، ولَفْظُه: «الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ، وَالْمَاشِى حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا، وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ» 2. وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ.
ولأنَّ سَيْرَ الرَّاكِبِ أمامَها يُؤْذِى المُشاةَ.
فأمّا الرُّكُوبُ في الرُّجُوعَ مِن الجِنازَةِ فلا بأْسَ به.
قال جابِرُ بنُ سَمُرَةَ: إنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - اتَّبَعَ جِنازَةَ ابنِ الدّحْداحِ ماشِيًا، ورَجَع على فَرَسٍ.
قال التِّرْمِذِىُّ 3: هذا حديثٌ صحيحٌ.
فصل: ويُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ عندَ الجَنائِزِ، لنَهْىِ النبى - صلى الله عليه وسلم - أن تُتْبَعَ

..................................  الجَنائِزُ بصَوْتٍ 1. قال ابنُ المُنْذِرِ: رَوَيْنا بن قَيْسِ بنِ عُبَادٍ 2، أنَّه قال: كان أصحابُ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَكْرَهُون رَفْعَ الصَّوْتِ عندَ ثَلاثٍ؛ عندَ الجَنائِزِ، وعندَ الذِّكْرِ، وعندَ القِتالِ 3. وكَرِه سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وسعيدُ بنُ جُبَيْر، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، وإمامُنا، وإسحاقُ، قول القائِلِ خلفَ الجِنازَةِ: اسْتَغْفِرُوا له.
وقال الأوْزاعِىُّ: بِدْعَةٌ.
وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ في مَرَضِه: إيّاىَ وحَادِيهم، هذا الذى يَحْدُو لهم، يَقُولُ: اسْتَغْفِرُوا له، غَفَر الله لكم.
وقال فُضَيْلُ بنُ عَمْرِو: بَيْنَا ابنُ عُمَرَ في جِنازَةٍ، إذْ سَمِع قائِلًا يَقُولُ: اسْتَغْفِرُوا له، غَفَرَ اللهُ لكم.
فقال ابنُ عُمَرَ: لا غَفَر اللهُ لك.
رَواهما سعيدٌ.
قال أحمدُ: ولا يَقُولُ خلفَ الجِنازَةِ: سَلِّمْ رَحِمَك الله.
فإنَّه بِدْعَةٌ.
ولكنْ يَقُولُ: بسمِ اللهِ، وعلى مِلَّةِ رسولِ اللهِ.
ويَذْكُرُ الله إذا تَناوَلَ السَّرِيرَ.
ومَسُّ الجِنازَةِ بالأيْدِى والأكْمامِ والمَنادِيل مُحْدَثٌ مَكْرُوهٌ، ولا يُؤْمَنُ معه فَسادُ المَيِّتِ، وقد مَنَع العُلَماءُ مَسَّ القَبْرِ، فمَسُّ الجَسَدِ مع احْتِمالِ الأذَى أوْلَى بالمَنْعِ.
فصل: ويُكْرَهُ اتِّبَاعُ المَيِّتِ بِنارٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: يَكْرَهُ ذلك كلُّ

..................................  من نَحْفَظُ 1 عنه من أهلِ العلمِ.
رُوىَ عن ابنِ عُمَرَ، وأبي هُرَيْرَةَ، وعبدِ اللهِ بنِ مُغَفَلٍ، ومًعْقِلِ بنِ يًسارٍ 2، وأَبى سعيدٍ، وعائشةَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّهم وَصَّوْا أن لا يُتْبَعُوا بنارٍ.
وروَى ابنُ ماجه 3، أنَّ أبا موسى حينَ حَضَرَه المَوْتُ، قال: لا تَتْبَعُونِى بمِجْمَرٍ.
قالُوا له: أوَ سَمِعْتَ فيه شيئًا؟ قال: نعم، مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وروَى أبو داودَ 4، بإسْنادِه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تُتْبَعُ الْجِنازَةُ بِصَوْتٍ وَلَا نَارٍ».
فإن دُفِن لَيْلًا فاحْتاجُوا إلى ضَوْءِ، فلا بَأْسَ به، إنَّما كُرِة المَجَامِرُ فيها البَخُورُ.
وفى حديثٍ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه دَخَل قَبْرًا لَيْلًا، فأُسْرِجَ له سِراجٌ 5. قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ.
فصل: ويُكْرَهُ اتِّباعُ النِّساءِ الجَنائِزَ؛ لِما رُوِىَ عن أُمِّ عَطِيَّةَ، قالت: نُهِينا عن اتِّباعِ الجَنائِزِ، ولم يُعْزَمْ علينا.
مُتَّفَقٌ عليه 6. كَرِه ذلك ابنُ مسعودٍ، وابنُ عُمَرَ، وأبو أُمَامَةَ، وعائشةُ، ومَسْرُوقٌ، والحسنُ،

..................................  والنَّخَعِىُّ، والأوزاعِىُّ، وإسحاقُ.
ورُوِى أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - خَرَج فإذا نِسوَةٌ جُلُوسٌ، قال: «مَا يُجْلِسُكُنّ؟».
قُلْنَ: نَنْتَظِرُ الجِنازَةَ.
قال:.
«هَلْ تُغَسِّلنَ؟».
قُلْنَ: لا.
قال: «هل تَحْمِلْنَ؟».
قُلْنَ: لا.
قال: «هل تُدْلِينَ فىَ من يُدْلِى؟».
قُلْنَ: لا.
قال: «فَارْجعْنَ مأْزُورَاتٍ، غَيْرَ مأْجُورَاتٍ».
رَواهُ ابن ماجه 1، ورُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لَقِىَ فاطمةَ، قال: «مَا أخْرَجَكِ يَا فَاطِمَةُ مِنْ بَيْتِكِ؟».
قالَتْ: يارسولَ اللهِ أتَيْتُ أهْلَ هذا البَيْتِ، فرَحَّمتُ إليهما مَيِّتَهم، أو عَزَّيْتُهم به.
قال لها رسوا اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فَلَعَلَّكِ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الْكُدَى» 2. قالت: مَعاذَ اللهِ، وقد سَمِعْتُك تَذكُرُ فيها ما تَذْكُرُ.
قال: «لَوْ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الْكُدَى».
فذَكَرَ تَشْدِيدًا.
رَواه أبو داودَ 3. فصل: فإن كان مع الجِنازَةِ مُنْكَرٌ يَراه أو يَسْمَعُه، فإن قَدَر على إنْكارِه وإزالَتِه أزالَه.
وإن لم يَقْدِرْ على إزالَتِهِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُنْكِرُه، ويَتْبَعُها.
فيَسْقُطُ فَرْضُه بالِإنْكارِ، ولا يَتْرُكُ حَقًّا لباطِلٍ.
والثانِى، يَرْجِعُ.
لأنَّه يُؤدِّى إلى اسْتِماعِ مَحْظُورٍ ورُؤْيَتِه، مع قُدْرَتِه على تَرْكِ ذلك.
= داود، في: باب في اتباع النساء الجنائز، من كتاب الجنائز.
سنن أبى داود 2/ 180.: وابن ماجه، في: باب ما جاء في أتباع النساء الجنائز، من كتاب الجنائز.
سنن ابن ماجه 1/ 502. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 408.

وَلَا يَجْلِسُ مَنْ تَبِعَهَا حَتَّى تُوضَعَ،

794 - مسألة: (ولا يَجْلِسُ مَن تَبِعَها حتى تُوضَعَ)

ومِمَّن رَأى أن لا يَجْلِسَ حتى تُوضَعَ عن أعْناقِ الرِّجالِ الحسنُ بنُ علىِّ، وابنُ عُمَرَ، وأبو هُرَيْرَةَ، وابنُ الزُّبَيْرِ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، وإسحاقُ.
ووَجْهُ ذلك ما روَى مسلمٌ 1، بإسْنادِه، عن أبى سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا اتَّبَعْتُمُ الْجِنَازَةَ فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ».
وقال الشافعىُّ: هذا مَنْسُوخٌ بقَوْلِ علىٍّ: قام رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثم قَعَد.
رَواه مسلمٌ 2. قال إسحاقُ: مَعْنَى قَوْلِ علىٍّ: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا رَأى الجِنازَةَ قام، ثم تَرَك ذلك بعدُ.
وعلى هذا التَّفْسِيرِ لا يَصِحُّ دَعْوَى النَّسْخِ.
وليس في اللَّفْظِ عُمُومٌ فيَعُمُّ الأمْرَيْن جَمِيعًا، فلم يَجُزِ النَّسْخُ بأمْرِ مُحْتَملٍ، ولأنَّ قَوْلَ علىٍّ: قام رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثم قَعَد.
يَدُلُّ على ابْتِداءِ

وَإنْ جَاءَتْ وَهُوَ جَالِسٌ لَمْ يَقُمْ لَهَا.
فِعْلِ القِيامِ، وههُنا إنَّما وُجِدَتْ منه الاسْتِدَامَةُ.
إذا ثَبَت هذا، فأظْهَرُ الرِّوايُتَيْن أنَّه أُرِيدَ وَضْعُها عن أَعْناقِ الرِّجالِ.
وهو قولُ مَن ذَكَرْنا مِن قبلُ.
وقد رُوِىَ الحديثُ: «إذَا اتَّبَعْتُمُ الْجِنَازَةَ فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ بِالْأَرضِ».
ورَواه أبو مُعاوِيَةَ: «حَتَّى تُوضَعَ فِى اللَّحْدِ».
وحديثُ سُفْيانَ أصَحُّ.
فأمَّا مَن تَقَدَّمَ الجِنازَةَ فلا بَأسَ أن يَجْلِسَ قبلَ أن تَنْتَهِىَ إليه.
قال التِّرْمِذِىُّ (1): رُوِىَ عن بعضِ أهلِ العلمِ من أصحابِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّهم كانُوا يَتَقَدَّمُون الجِنازَةَ، فيَجْلِسُون قبلَ أن تَنْتَهِىَ إليهم.
وإذا جاءَتْ وهو جالِسٌ لم يَقُمْ لها.
لِما يأْتِى بعدُ.

795 -

مسألة: (وإن جاءَتْ وهو جالِسٌ لم يَقُمْ لها)

لِما ذَكرْنا مِن حديثِ عَلىٍّ، وقد فَسَّرَه إسْحاقُ بِما حَكَيْنا.
وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: إن قام لم أَعِبْه، وإن قَعَد فلا بَأسَ.
وذَكَر ابنُ أبى موسى، والقاضى، أنَّ القِيامَ مُسْتَحَبٌّ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذَا رأَى أحَدُكُمُ الْجِنَازَةَ فَلْيَقُمْ حينَ يَرَاهَا، حَتَّى تَخْلُفَهُ».
رَواه مسلمٌ 2؛ وقد ذَكَرْنا1

..................................  أنَّ آخِرَ الأمْرَيْن مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَرْكُ القيامِ لها، والأخْذُ مِن آخِرِ أمْرِه أوْلَى.
وقد رُوِىَ في حديثٍ، أنَّ يَهُودِيًّا رَأَى النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَام للجِنازَةِ، فقالَ: يا محمدُ، هكذا نَصْنَعُ.
فتَرَكَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - القِيامَ لها 1. = وأبو داود، في: باب القيام للجنازة، من كتاب الجنائز.
سنن أبى داود 2/ 181. والترمذي، في: باب ما جاء في القيام للجنازة، من أبواب الجنائز.
عارضة الأًحوذى 4/ 263، 264. والنسائى، في: باب الأمر بالقيام للجنازة، من كتاب الجنائز.
المجتبى 4/ 36. وابن ماجه، في: باب ما جاء في القيام للجنازة، من كتاب الجنائز.
سنن ابن ماجه 1/ 492. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 445.

وَيُدْخَلُ قَبْرَهُ مِنْ عِنْدِ رِجْلِ الْقَبْرِ، إِنْ كَانَ أَسْهلَ عَلَيْهِم،

796 - مسألة: (ويُدْخَلُ قَبْرَه من عندِ رِجْلِ القَبْرِ، إن كان أسْهَلَ عليهم)

المُسْتَحَبُّ أن يُوضَعَ رَأسُ المَيِّتِ عندَ رِجْلِ القَبْرِ، ثم يُسَلَّ سَلًّا إلى القَبْرِ.
رُوِىَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وأنَسٍ، وعبدِ اللهِ بنِ يَزيدَ الأنْصارِىِّ 1، والنَّخَعِىِّ، والشَّعبِىِّ، والشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: تُوضَعُ الجِنازَةُ على جانِبِ القَبْرِ مِمَّا يَلى القِبْلَةَ، ثم يُدْخَلُ القَبْرَ مُعْتَرِضًا؛

..................................  لأنَّه يُرْوَى عن علىًّ، رَضِىَ اللهُ عنه.
وقال النَّخَعِىُّ: حَدَّثَنِى مَن رَأَى أهلَ المَدِينَةِ في الزَّمَنِ الأوّلِ يُدْخِلُونَ مَوْتاهم مِن قِبَلِ القِبْلَةِ، وأنَّ السَّلَّ شىْءٌ أحْدَثَه أهل المَدِينَةِ.
لَنا، أنَّ الحارِثَ أوْصَى أن يَلِيَه عندَ مَوْتِه عبدُ اللهِ ابنُ يزِيدَ الأنْصَارِىُّ، فصَلَّى 1 عليه، ثم دَخَل القَبْرَ، فأدْخَلَه مِن رِجْلَىِ القَبْرِ، وقال: هذه السُّنَّةُ 2. وهذا يَقْتَضى سنَّةَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. رَواه الِإمام أحمدُ 3. وروَى ابنُ عُمَرَ، وابنُ عباسٍ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - سُلَّ مِنِ قِبَلِ رَأْسِه سَلَّا 4. وما ذُكِر عن النَّخَعِىِّ لا يَصِحُّ، لأنَّ مَذْهَبه بخِلافِه، ولأنَّه لا يَجُوزُ على العَدَدِ الكَثِيرِ أن يُغَيِّرُوا سُنَّةً [ظاهِرةً في الدَّفْنِ] 5 إلَّا بسَبَبٍ ظاهِرٍ، أو سُلْطَانٍ قاهِرٍ.
ولم يُنْقَلْ شئٌ مِن

..................................  ذلك، ولو نُقِلَ فسُنَّةُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - مُقَدَّمَةٌ على فِعْلِ أهْلِ المَدِينَةِ.
فأمّا إن كانْ أخْذُه مِن قِبَلِ القِبْلَةِ، أو مِن رأْاسِ القَبْرِ أسْهَلَ عليهم، فلا حَرَجَ فيه؛ لأنَّ اسْتِحْبَابَ أخْذِه مِن عندِ رِجْلِ القَبْرِ، إنَّما كان طَلَبًا للأسْهَلِ.
قال أحمدُ: كُلٌّ لا بأْسَ به.

..................................  فصل: قال أحمدُ: يُعَمَّقُ القَبْرُ إلى الصَّدْرِ، الرجلُ والمرأةُ في ذلك سَواءٌ.
كان الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ يَسْتَحِبّان ذلك.
وروَى سعيدٌ، بإسْنادِه، أنَّ عُمَرَ بنَ عبدِ العزِيزِ لمّا مات ابْنُه، أمَرَهم أن يَحْفِرُوا قَبْرَه إلى السُّرَّةِ، ولا يُعَمِّقُوا، فإنَّ ما على ظَهْرِ الأرْضِ أفْضَلُ مِمّا سَفُلَ منها.
وذَكَر أبو الخَطَّابِ أنَّه يُسْتَحَبُّ أن يُعَمَّقَ قَدْرَ قامَةٍ وبَسْطَةٍ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «احْفِرُوا، وَأوْسِعُوا، وَأعْمِقُوا».
رَواه أبو داودَ 1. ولأنَّ ابنَ عُمَرَ أوْصَى بذلك.
والمَنْصُوصُ عن أحمدَ ما ذَكَرْنا أوَّلًا؛ لأنَّ التَّعْمِيقَ قَدرَ قامَةٍ وبَسْطَةٍ يَشُقُّ، ويَخْرُجُ عن العادَةِ.
وقَوْلُه - صلى الله عليه وسلم -: «أَعْمِقُوا» ليس فيه بَيانُ قَدْرِ التَّعْمِيقِ، ولم يَصِحَّ مَا رَوَوه عن ابنِ عُمَرَ، ولو صَحَّ عندَ أحمدَ لم يَعْدُه إلى غيرِه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُسْتَحَبُّ تَحْسِينُه وتَعْمِيقُه وتَوْسِيعُه؛ للخَبَرِ.
وقد روَى زيدُ بنُ أسْلَمَ،

وَلَا يُسَجَّى الْقَبْرُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِامْرأةٍ.
وَيَلْحَدُ لَهُ لَحْدًا، وَيَنْصِبُ عَلَيْهِ اللَّبِنَ نَصْبًا،  قال: وَقَف رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - علىِ قَبْرٍ، فقالَ: «اصْنَعُوا كَذَا، اصْنَعُوا كَذَا»، ثم قال: «مَابِى أنْ يَكُون يُغْنِى عَنْهُ شَيْئًا، وَلَكِنَّ الله يُحِبُّ إذَا عُمِلَ العَمَلُ أنْ يُحْكَمَ».
قال مَعْمَرٌ: وبَلَغَنِى أنَّه قَالَ: «وَلَكِنَّهُ أطْيَبُ لِأنْفُسِ أهْلِهِ».
رَواه عبدُ الرَّزّاقِ، في كتابِ الجَنَائِزِ (1).

797 -

مسألة؛ قال: (ولا يُسَجَّى القَبْرُ، إلَّا أن يَكُونَ لامرأةٍ)

قال الشَّيْخُ (2)، رَحِمَه اللهُ، لا نَعْلَمُ في اسْتِحْبابِ تَغْطِيَةِ قَبْرِ المرأةِ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ.
وقد روَى ابنُ سِيرِينَ أنَّ عُمَرَ قال: يُغَطَّى قَبْرُ المرأةِ.
ومَرَّ علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه، بقَوْمٍ قد دَفَنُوا مَيَتّاً، وبَسَطُوا على قَبْرِه الثَّوْبَ، فَجَذَبَه، وقال: إنَّما يُصْنَعُ هذا بالنِّساءِ (3). ولأنَّ المرأةَ عَوْرَةٌ، ولا يُؤْمَنُ أن يَبْدُوَ منها شئٌ فيَرَاه الحاضِرُون.
فأمَّا قَبْرُ الرجلِ فيُكْرَهُ سَتْرُه، لِما ذَكَرْنا، وكَرِهَه عبدُ الله بِنُ يَزِيدَ، ولم يَكْرَهْه أصحابُ الرَّأْىِ، وأبو ثَوْرٍ.
والأوَّلُ أوْلَى، لأنَّ فِعْلَ علىٍّ يَدُلُّ على كَراهتِه، ولأنَّ كَشْفَه أمْكَنُ وأبْعَدُ مِن التَّشَبُّهِ بالنِّساءِ، مع ما فيه مِن اتِّباعِ أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.

798 -

مسألة: (ويَلْحَدُ له لَحْدًا، ويَنْصِبُ عليه اللَّبِنَ نَصْبًا)

123

وَلَا يُدْخِلُهُ خَشَبًا، وَلَا شَيْئًا مَسَّتْهُ النَّارُ،  لقوْلِ سعدِ بنِ أبِى وَقّاصٍ: الْحِدُوا لى لَحْدًا، وانْصِبُوا علىَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كما صُنِعَ برسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. رَواه مسلمٌ (1). ومَعْنَى اللَّحْدِ: أنَّه إذا بَلَغ أرْضَ القَبْرِ حَفَر فيه مِمَّا يَلِى القِبْلَةَ مَكانَا يُوضَعُ فيه المَيِّتُ، فإن كانَتِ الأرْضُ رُخْوَةً جَعَلَ شِبْة اللّحْدِ مِن الحِجارَةِ.
قال أحمدُ: وَلا أُحِبُّ الشَّقَّ، لِما روَى ابنُ عَبّاسٍ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «اللّحْدُ لَنَا، وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا».
رَواه أبو داودَ، والنَّسائِى، والتِّرْمِذِىُّ (2). وقال: غريبٌ.
فإن عَجَز عن اللَّحْدِ شَقَّ له في الأرضِ، ومَعْنَى الشَّقِّ: أن يَحْفِرَ في أرضِ القَبْرِ شَقًّا يَضَعُ المَيِّتَ فيه، ويَسْقُفُه عليه بشئٍ.

799 -

مسألة: (ولا يُدْخِلُ القَبْرَ خَشَبًا، ولا شيئًا مَسَّتْه النّار)

12

وَيَقُولُ الَّذِى يُدْخِلُهُ: بِسْمِ اللهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ.
قال إبراهيمُ: كانُوا يَسْتَحِبُّونَ اللَّبِنَ، ويَكْرَهُون الخَشَبَ (1). ولا يُستَحَبُّ الدَّفنُ في تابُوتٍ؛ لأنَّه خَشَبٌ، ولم يُنْقَلْ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أصحابِه، وفيه تَشَبُّهٌ بأهلِ الدُّنْيَا، والأرْضُ أنْشَفُ لفَضَلاتِه.
ويُكْرَهُ الآجُرُّ، وسائِرُ ما مَسَّتهُ النّارُ، تَفاؤُلًا أن لا تَمَسَّه النّارُ.

800 -

مسألة: (ويَقُولُ الذى يُدْخِلُه: بسْمِ اللهِ، وعلى مِلَّةِ رسولِ اللهِ)،

لِما روَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أدْخلَ المَيِّتَ القَبْرَ، قال: «بسْمِ اللهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ».
ورُوِىَ: «2 وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ».
قال التِّرمِذِىُّ 3: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
وروَى1 = وقد عزاه ابن حجر في: تلخيص الحبير 2/ 137 للإمام أحمد.
وانظر: نصب الراية للزيلعى 2/ 296، والفتح الربانى 8/ 52، 53. وأخرجه الإمام أحمد من طريق جرير بن عبدالله.
المسند 4/ 357، 359.

..................................  ابنُ ماجه 1، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، قال: حَضَرْتُ ابنَ عُمَرَ في جِنازَةٍ، فلَمّا وَضَعَها في اللَّحْدِ، قال: بِسْمِ اللهِ، [وفى سَبِيلِ الله] 2، وعلى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ.
فلمّا أخَذَ في تَسْوِيَةِ اللَّبِنِ على اللّحْدِ، قال: اللَّهُمَّ أَجِرْهْا من الشَّيْطانِ، ومِن عَذابِ القَبْرِ، اللَّهُمَّ جَافِ الأرْضَ عن جَنْبَيْها، وصَعِّدْ رُوحَها، ولَقِّها منك رِضْوانًا.
قُلْتُ: يا ابْنَ عُمَرَ أشئٌ سَمِعْتَه مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أم قُلْتَه برَأْيِكَ؟ قال: إنِّى إذًا لقادِرٌ على القَوْلِ! بل سَمِعْتُه مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. ورُوِىَ عن عُمَرَ، أنَّه كان إذا سَوَّى على المَيِّتِ قال: اللَّهُمَّ أسْلَمَه إليك الأهلُ والمالُ والعَشِيرَةُ، وذَنْبُهُ عَظِيمٌ، فاغْفِرْ له.
رَواه ابنُ المُنْذِرِ 3. فصل: وإذا مات في سَفِينَةٍ في البَحْرِ، فقالَ أحمدُ: يُنْتَظَرُ به إن كانُوا يَرْجُون أن يَجِدُوا له مَوْضِعًا يَدْفِنُونه، حَبَسُوه يَوْمًا أو يَوْمَيْن، ما لم يَخافُوا عليه، فإن لم يَجِدُوا غُسِّلَ، وكُفِّنَ، وحُنِّطَ، ويُصَلَّى عليه، ويُثَقَّلُ بِشئٍ، ويُلْقَى في الماءِ.
وهذا قولُ عَطاءٍ.
قال الحسنُ: يُتْرَكُ في

وَيَضَعُهُ فِى لَحْدِهِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَن، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ،  زِنْبِيلٍ (1)، ويُلْقَى في البَحْرِ.
وقال الشافعىُّ: يُرْبَطُ بينَ لَوْحَيْنِ؛ ليَحْمِلَه البَحْرُ إلى السّاحِلِ، فرُبَّما وَقَع إلى قَوْمٍ يَدْفِنُونَه، وإن ألْقَوْه في البَحْرِ لم يَأْثَمُوا.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه يَحْصُلُ به السَّتْرُ المَقْصُودُ مِن دَفْنِه، وإلْقَاؤُه بينَ لَوْحَيْن يَعْرِضُ له التَّغَيُّرُ والهَتْكُ، ورُبَّما بَقِىَ على السّاحِلِ مَهْتُوكًا عُرْيانًا، ورُبَّما وَقَع إلى قَوْمٍ مِن المُشْرِكِين، فكان ما ذَكَرْنا أوْلَى.

801 -

مسألة: (وَيَضَعُه في لَحْدِه على جَنْبِه الأيْمَنِ، مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ)

بوَجْهِه؛ لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا نَامَ أحَدُكُمْ فَلْيَتَوَسَّدْ يَمِينَهُ» 2. ويُسْتَحَبُّ أن يَضَع تحتَ رَأْسِه لَبِنَةً، أو حَجَرًا، أو شَيْئًا مُرْتَفِعًا، كما يَصْنَعُ الحَىُّ.
وإن ترَكَه فلا بَأْسَ؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضىَ اللهُ عنه، قال: إذا جَعَلْتُمُونِى في اللَّحْدِ فأفْضُوا بِخَدِّى إلى الأرْضِ.
ويُدْنَى من الحائِطِ؛ لِئَلَّا يَنْكَبَّ على وَجْهِه، ويُسْنَدُ مِن وَرائِه بتُرابٍ؛ لِئَلَّا يَنْقَلِبَ.1

..................................  قال أحمدُ: ما أُحِبُّ أن يُجْعَلَ في القَبْرِ مُضَرَّبَة 1، ولا مِخَدَّةٌ.
وقد جُعِلَ في قَبْرِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَطِيفَةٌ حَمْراءُ 2، فإن جَعَلُوا قَطِيفَةً فلِعِلَّةٍ.
فإذا فَرَغُوا نَصَبُوا عليه اللَّبِنَ نَصْبًا؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ سَعْدٍ 3. ويُسَدُّ عليه بالطِّينِ لِئَلَّا يَصِلَ إليه التُّرابُ، وإن جَعَل مَكانَ اللَّبِنِ قَصَبًا،.
فحَسَنٌ؛ لأنَّ الشَّعْبِىَّ، قال: جُعِل على لَحْدِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - طُنُّ 4 قَصَبٍ 5. قال الخَلَّالُ: كان أبو عبدِ الله يِمِيلُ إلى اللَّبِنِ، ويَخْتارُه على القَصَبِ، ثم تَرَك ذلك ومال إلى اسْتِحْبابِ القَصَبِ على اللَّبِنِ، وأمّا الخَشَبُ فكَرِهَه على كلِّ حالٍ، ورَخَّصَ فيه عنْدَ الضَّرُورَةِ.
قال شيخُنا 6: وأكْثَرُ الرِّواياتِ عن أحمدَ اسْتِحْبَابُ اللَّبِنِ، وتَقْدِيمُه على القَصَبِ؛ لحَديثِ سَعْدٍ، وقَوْلُه أوْلَى مِن قولِ الشَّعْبِىِّ؛ لأنَّ الشَّعْبِىَّ لم يَرَ، ولم يَحْضُرْ، وكِلاهُما حَسَنٌ.

وَيَحْثُو التُّرَابَ فِى الْقَبْرِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، وَيُهَالُ عَلَيْهِ التُّرَابُ،  قال حَنْبَلٌ: قُلْتُ لأَحمدَ: فإن لم يَكُنْ لَبِنٌ؟ قال: يُنْصَبُ عليه القَصَبُ والحَشِيشُ، وما أمْكَنَ مِن ذلك.

802 -

مسألة: (ويَجْثُو التُّرابَ في القَبْرِ ثَلاثَ حَثَياتٍ، ويُهالُ عليه التُّرابُ)

رُوِىَ عن أبى عبدِ اللهِ، أنَّه حَضَر جِنازَةً، فلَمَّا أُلْقِىَ عليها التُّرَابُ، قام إلى القَبْرِ فَحَثَى عليه ثَلاثَ حَثَياتٍ ثم رَجَع إلى مَكانِه.
وقال: قد جاء عن علىٍّ وصَحَّ، أنَّه حَثَى على قَبْرِ ابْنِ المُكَفِّفِ 1. ورُوِىَ عنه

وَيُرْفَعُ الْقَبْرُ عَنِ الْأرْضِ قَدْرَ شِبْرِ مُسَنَّمًا،  أنَّه قال: إن فَعَل فحَسَنٌ، وإن لم يَفْعَلْ فلا بَأْسَ.
ووَجْهُ اسْتِحْبابِه ما رُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلّى على جِنازَةٍ، ثم أتَى قَبْرَ المَيِّتِ مِن قِبَلِ رَأْسِه، فحَثَى عليه ثَلاثًا.
أخْرَجَه ابنُ ماجه (1). وعن جعفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - حَثَى على المَيِّتِ ثَلاثَ حَثَياتٍ بيَدَيْه جَمِيعًا.
رَواه الشافعىُّ (2). وعن ابنِ عباسٍ، أنَّه لَمّا دَفَن زيدَ بنَ ثابِتٍ، حَثَى في قَبْرِه ثَلاثًا، وقال: هكذا يَذْهبُ العِلْمُ (3). فإذا فَرَغ مِن لَحْدِه أهالَ عليه التُّرابَ؛ لأنَّ دَفْنَه واجِبٌ، وذلك يَحْصُلُ بإهالَةِ التُّراب عليه.

803 -

مسألة: (ويُرْفَعُ القَبْرُ عن الأَرْضِ قَدرَ شِبْرِ مُسَنَّمًا)

يُسْتَحَبُّ رَفْعُ القَبْرِ عن الأرْضِ، ليُعْرَفَ أنَّه قَبْرٌ، فيُتَوَقَّى، ويُتَرَحَّمَ على صاحِبِه وقد روَى السّاجِىُّ، عن جابِرِ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - رُفِع قَبْرُه عن123

..................................  الأرْضِ قَدرَ شِبْرٍ 1. وروَى القاسِمُ بنُ محمدٍ، قال: قُلْتُ لعائشةَ: يا أُمَّهْ، اكْشِفِى لى عن قَبْرِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وصاحِبَيْه.
فكَشَفَتْ لى عن ثَلاثَةِ قُبُورٍ، لا مُشْرِفَةٍ ولا لاطِئَةٍ 2؛ مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحاءِ العَرْصَةِ الحَمْراءِ.
رَواه أبو داودَ 3. ولا يُسْتَحَبُّ رَفْعُه أكْثَرَ مِن ذلك؛ لِما ذَكَرْنَا، ولقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - لعلىٍّ: «لَا تَدَعْ تِمْثَالًا إلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إلَّا سَوَّيْتَهُ».
رَواه مسلمٌ 4، وغيرُه.
والمُشْرِفُ ما رُفِع كَثِيرًا، بدَلِيلِ قولِ القاسِمِ في صِفَةِ قَبْرِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - وصاحِبَيْه: لا مُشْرِفَةٍ، ولا لاطِئَةٍ.
ولا يُسْتَحَبُّ رَفْعُ القَبْرِ بأكْثَرَ مِن تُرابِه.
نَصَّ عليه أحمدُ، وِرَواه عن عُقْبَةَ بنِ عامِرِ.
وروَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه، عن جابِرٍ، قال: نهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُزادَ على القَبْرِ على حُفْرَتِه 5. فصل: وتَسْنِيمُ القَبْرِ أفْضَلُ مِن تَسْطِيحِه.
وبه قال مالكٌ، وأبو

وَيُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ،  حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ.
وقال الشافعىُّ: تَسْطِيحُه أفْضَلُ.
قال: وبَلَغَنا أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - سَطَّحَ قَبْرَ ابْنِه إبراهيمَ (1). وعن القاسِمِ، قال: رأيْتُ قَبْرَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - وأبى بكرٍ، وعُمَرَ مُسَطَّحَةٌ (2). ولَنا، ما روَى سُفْيانُ التَّمّارُ، أنَّه قال: رَأَيْتُ قَبْرَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - مُسَنَّمًا.
رَواه البُخَارِىُّ (3). وعن الحسنِ مِثْلُه.
ولأنَّ التَّسْطِيحَ أشْبَهُ بأبْنِيَةِ أهلِ الدُّنْيا، وهو أشْبَهُ بشِعارِ أهلِ البِدَعِ، فكان مَكْرُوهًا.
وحَدِيثُنا أثْبَتُ مِن حَدِيثِهم وأصَحُّ، فكان أوْلَى.

804 -

مسألة: (ويُرَشُّ عليه الماءُ)

ليَتَلَبَّدَ تُرابُه.
قال أبو رافِعٍ: سَلَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سعدًا، ورَشَّ على قَبْرِه ماءً.
رَواه ابنُ ماجه 4. وعن جابِرِ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - رُشَّ على قَبْرِه ماءٌ 5. رَواه الخَلَّالُ.
فصل: ولا بَأْسَ بِتَعْلِيمِ القَبْرِ بحَجَرِ أو خَشَبَةٍ، يَعْرِفُه بها.
نَصَّ عليه أحمدُ، لِما روَى أبو داودَ 6، بإسْنادِه؛ عن المُطَّلِبِ 7، قال: لَمّا123

..................................  مات عثمانُ بنُ مَظْعُونٍ أُخْرِجَ بجِنازَتِه فدُفِنَ، أمَرَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلًا 1 أن يَأْتِيَه بَحَجَرٍ، فلم يَسْتَطِعْ حَمْله، فقام رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فحَسَرَ عن ذِراعَيْه، ثم حَمَلَها فوَضَعَها عندَ رَأْسِه، وقال: «أُعلِّمُ 2 بِها قَبْرَ أخِى، وأدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِهِ».
ورَواه ابنُ ماجه 3، عنه عليه السَّلامُ، مِن رِوايَةِ أنَسً.
فصل: فأمّا التَّلْقِينُ بعدَ الدَّفْنِ، فقال شيخُنا 4: فلم نَسْمَعْ فيه عن أحمدَ شيئًا، ولا أعْلَمُ فيه للأئِمَّةِ قَوْلًا، سِوَى ما رَواه الأَثْرَمُ، قال: قُلْتُ لأبى عبدِ اللهِ: فهذا الذى يَصْنَعُون إذا دُفِن المَيِّتُ، يَقِفً الرجلُ، فيَقُولُ يا فُلانُ ابن فُلانَةَ 5، اذْكرْ ما فارَقْتَ عليه، شَهادَةَ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ؟

..................................  فقالَ: ما رَأيْتُ أحَدًا فَعَل هذا إلَّا أهلَ الشّامِ، حينَ مات أبو المُغِيرَةِ 1 جاء إنْسانٌ، فقالَ ذلك.
قال: وكان أبو المُغِيرَةِ يَرْوِى فيه عن أبى بكرِ ابنِ أبى مَرْيَمَ، عن أشْياخِهم، أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونه.
وقال القاضى، وأبو الخَطّاب: يُسْتَحَبُّ ذلك.
ورَوَيا فيه عن أبى أُمامَةَ الباهِلِىِّ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذَا مَاتَ أحَدُكمْ، فَسَوَّيْتُم عَلَيْهِ التُّرَابَ، فَلْيَقُمْ أحَدُكُمْ عِنْدَ رأُسِ قَبْرِهِ، ثُمَّ لْيَقُلْ: يَا فُلَانُ ابنَ فُلَانةَ.
فَإنَّهُ يَسْمَعُ وَلَا يُجِيبُ، ثُمَّ لْيَقُل: يَا فُلانُ ابنَ فُلَانَةَ الثَّانِيَةَ، فَيَسْتَوِى قَاعِدًا، ثُمَّ لْيَقُل: يا فُلَانُ ابنَ فُلَانةَ.
فإنَّهُ يَقُولُ: أرْشِدْنَا يَرْحَمْكَ اللهُ.
وَلَكِنْ لَا تَسْمَعُون.
فَيَقُولُ: اذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا، شَهادَةَ أنْ لَا إلَه إلَّا اللهُ، وَأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأنَّكَ رَضِيتَ بالله رَبًّا، وَبِالْإسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبيًّا، وَبالْقُرْآنِ إمَامًا.
فَإنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا يَتَأخَّرُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فيَقُولُ: انْطَلِقْ فَمَا يُقْعِدُنَا عِنْدَ هذَا وَقَد لُقِّنَ حُجَّتَهُ.
وَيَكُونُ اللهُ تَعَالَى حُجَّتَهُ دُونَهُمَا».

وَلَا بَأْسَ بِتَطْيينِهِ،  فقالَ رَجُلٌ: يا رسولَ اللهِ، فإن لم يَعْرِفِ اسْمَ أُمِّه؟ قال: «فَلْيَنْسِبْهُ إلَى حَوَّاءَ».
رَواه ابنُ شاهِينَ، بإسْنادِه (1)، في «كِتَابِ ذِكْرِ المَوْتِ».

805 -

مسألة: (ولا بَأْسَ بتَطْيِيِنه)

ومِمَّن رَخَّصَ في ذلك الحسنُ، والشافعىُّ.
وروَى أحمدُ، بإسْنادِه، عن نافِعٍ، قال: تُوُفِّىَ ابنٌ لعَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ وهو غائِبٌ، فقَدِمَ فسَألَنَا عنه، فدَلَلْناه عليه، فكانَ يَتَعاهَدُ القَبْرَ، ويأْمُرُ بإصْلاحِه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: رُوِىَ عن جَعْفَرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - رُفِع قَبْرُه مِن الأرْضِ شِبْرًا، وطُيِّنَ بطِينٍ أحْمَرَ مِن العَرْصَةِ، وجُعِل عليه مِن الحَصْباءِ.
وإن تَرَكَه كان حَسَنًا؛ لِمْا روَى الحسنُ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:1

وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُهُ، وَالْبِنَاءُ وَالْكِتَابَةُ عَلَيْهِ، وَالْجُلُوسُ، وَالْوَطْءُ عَلَيْهِ، وَالِاتِّكَاءُ إِلَيْهِ.
«لَا يَزَالُ المَيِّتُ يَسْمَعُ الأذانَ مَالَمْ يُطَيَّنْ قَبْرُهُ».
أو قال: «مَالَمْ يُطْوَ قَبْرُهُ» (1).

806 -

مسألة: (ويُكْرَهُ تَجْصِيصُه، والبِناءُ عليه، والجُلُوسُ، والوَطْءُ عليه، والاتِّكاءُ إليه، والكِتابَةُ عليه)

لِما روَى جابِرٌ، قال: نَهى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يُجَصَّصَ القَبْرُ، وأن يُبْنَى عليه، وأن يُقْعَدَ عليه.
رَواه مسلمٌ، والترمِذِىُّ 2. وزاد: وَأن يُكْتَبَ عليها.
وقال:1

..................................  حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ولأنَّ ذلك من زِينَةِ الدُّنْيَا، فلا حاجَةَ بالمَيِّتِ إليه.
وكَرِه أحمدُ أن يُضْرَبَ على القَبْرِ فُسْطاطٌ؛ لأنَّ أبا هُرَيْرَةَ- أوْصَى حينَ حضَره المَوْتُ أن لا تَضْرِبُوا علىَّ فُسْطَاطًا.
وروَى أبو مَرْثَدٍ الغَنَوىُّ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا».
رَواه مسلمٌ 1. وقال الخَطّابىُّ: ثَبَت أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهى أن تُوطَأَ القُبُورُ.
قال 2: ورُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - رَأى رجلًا قد اتَّكَأ على قَبْرٍ، فقالَ: «لَا تُؤْذِ صَاحِبَ الْقَبْرِ» 3. وعن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:

..................................  «لَأنْ يَجْلِسَ أحَدُكمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ».
رَواه مسلمٌ 1. ويُكْرَهُ التَّغَوُّطُ بينَ القُبُورِ؛ لِما روَى عُقْبَةُ بنُ عامِرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَأَنْ أَطَأ عَلَى جَمْرَةٍ، أوْ سَيْفٍ، أحَبُّ إلىَّ مِنْ أنْ أطَأَ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ، وَلَا أُبَالِى أوَسَطَ الْقُبُورِ قضَيْتُ حَاجَتى، أوْ وَسَطَ السُّوقِ».
رَواه الخَلَّالُ، وابنُ ماجه 2.

..................................  فصل: ولا يَجُوزُ اتِّخاذُ السُّرُجِ على القُبُورِ، لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَعَنَ اللهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ، وَالْمُتَّخِذَاتِ عَلَيْهنَّ 1 المَسَاجِدَ والسُّرُجَ».
رَواه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ، بمَعْناه 2. ولو أَبِيحَ لم يَلْعَنِ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - مَن فَعَلَه، ولأنَّ.
فيه تَضْيِيعًا للمال في غيرِ فائدَةٍ.
ولا يَجُوزُ اتخاذُ المَساجِدِ على القُبُورِ، لهذا الخَبَرِ، ولأنَّ النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَعَنَ الله اليَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائِهمْ مَسَاجِدَ».
يُحَذِّرُ مثلَ ما صَنَعُوا.
مُتَّفَقٌ عليه 3. ولأنَّ تَخْصِيصَ القُبُورِ بالصلاةِ عندَها يُشْبِهُ تَعْظِيمَ الأصْنامِ بالسُّجُودِ لها.
وقد رُوِىَ أنَّ ابْتِداءَ عِبادَةِ الأَصْنامِ تَعْظِيمُ الأمْواتِ،.
باتِّخاذِ صُوَرِهم، ومَسْحِها، والصلاةِ عندَها 4.

..................................  فصل: ويُسْتَحَبُّ خَلْعُ النِّعالِ لمَن دَخَل المَقَابرَ؛ لِما روَى بَشِيرُ بنُ الخَصاصِيَةِ، قال: بَيْنَا أنا أُماشِى رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا رجلٌ يَمْشِى في القُبُورِ، عليه نَعْلان، فقالَ له: «يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَتّيْنِ 1، أَلْقِ سِبْتِيَتّيْكَ».
فنَظَرَ الرجلُ، فلَمّا عَرَف رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - خَلَعَهما، - فرمَى بهما.
رَواه أبو داودَ 2. قال أحمدُ: إسْنادُه جَيِّدٌ، [أذْهَبُ إليه] 3. وأكْثَرُ أهلِ العلمِ لا يَرَوْن بذلك بَأْسًا.
قال جَرِيرُ بنُ حازِمٍ: رَأَيْتُ الحسنَ، وابنَ سِيرِينَ، يَمْشِيان بينَ القُبُورِ بنِعالِهما.
ومنهم مَن احْتَجَّ بقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في المَيِّت إذا دُفِنَ، وتَوَلَّى عنه أصْحَابُه: «إنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ

..................................  نعَالِهِم».
رَواه البُخارِىّ 1. وقال- الخَطّابِىُّ 2: يُشْبِهُ أن يَكُونَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما كَرِه للرجلِ المَشْىَ في نَعْلَيْه؛ لِما فيه مِن الخُيَلاءِ، فإنَّ نِعالَ السِّبْتِ مِن لِباسِ أهلِ التَّنَعَّمِ، قال عَنْتَرَةُ 3: يُحْذَى نِعَالَ السِّبْتِ ليس بتَوْأمِ ولَنا، أمْرُه عليه السَّلامُ في الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ، وأدْنَى أحْوالِ الأمْرِ النَّدْبُ، ولأنَّ خَلْعَ النَّعْلَيْن أقْرَبُ إلى الخُشُوعِ، وزِىِّ أهْلِ التَّواضُعِ، واحْتِرامِ أمْوَاتِ المُسْلِمِينَ.
وإخْبارُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِهم لا يَنْفِى الكَراهَةَ، إنَّما يَدُلّ على وُقوع هذا منهم، ولا نِزاعَ فيه.
فأمّا إن كان للماشِى عُذْرٌ يَمْنَعُه مِن الخَلْعِ؛ مِن شَوْكٍ يَخافُ منه على قَدَمَيْه، أو نَجاسَةٍ تَمَسُّهما، لم يُكْرَهِ المَشْىُ فيهما؛ لأنَّ العُذْرَ يَمْنَعُ الوُجُوبَ في بعضِ الأحْوالِ، فالاسْتِحْبابُ أوْلَى.
ولا يَدْخُلُ في

..................................  الاسْتِحْبابِ نَزْعُ الخِفافِ؛ لأنَّه يَشُقُّ.
وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه كان إذا أراد أن يَخْرُجَ إلى الجِنازَةِ لَبس خُفَّيْه، مع أمْرِه بخَلْعِ النِّعالِ.
فأمّا غيرُ النِّعالِ ممّا يُلْبَسُ كالتُّمُشْكَاتِ 1 وغيرِها، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُخْلَعُ قِياسًا على النِّعالِ.
والثانِى، أنَّ الكرَاهَةَ لا تَتَعَدَّى النِّعالَ.
ذَكَرَه القاضى؛ لأنَّ النَّهْىَ غيرُ مُعَلَّل، فلا يَتَعَدَّى مَحَلَّه.
فصل: والدَّفْنُ في مَقابِرِ المسلمين أعْجَبُ إلى أبى عبدِ اللهِ مِن الدَّفْنِ في البُيُوتِ؛ لأنَّه أقَلّ ضرَرًا على الأحْياءِ مِن الوَرَثةِ، وأشْبَهُ بمَساكنِ الآخِرَةِ، وأكْثَرُ للدُّعاءِ له، والتَّرَحُّمِ عليه.
ولم يَزَل الصحابةُ والتّابِعُون ومَن بعدَهم يُقْبَرُون في الصَّحارَى.
فأمّا النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - فإنَّما قُبِر فِى بَيْتِه، قالَتْ عائشةُ: لِئَلَّا يُتَّخَذَ قَبْرُه مَسْجِدًا.
رَواه البُخارىُّ» 2. ولأَّنه - صلى الله عليه وسلم - كان يَدْفِنُ أصْحابَه في البَقِيعِ، وفِعْلُه أوْلَى مِن فِعْلِ غيرِه، وإنَّما أصحابُه رَأَوْا تَخْصِيصَه بذلك.
ولأنَّه رُوِىَ: «يُدْفَنُ الأنْبِيَاءُ حَيْثُ يَمُوتُونَ» 3. وصِيانَةً له عن كَثْرَةِ الطُّرَّاقِ، وتَمْيِيزًا له عن غيرِه - صلى الله عليه وسلم - فصل: ويُسْتَحَبُّ الدَّفْنُ في المَقْبَرَةِ التى يَكْثُرُ فيها الصّالِحُون؛ لتَنَالَه بَرَكَتُهم، وكذلك في البِقاعِ الشَّرِيفَةِ.
فقد رَوَى 4 البُخَارِىُّ،

..................................  ومسلمٌ 1، أنَّ موسى عليه السَّلامُ لَمّا حَضرَه المَوْتُ، سَأل الله تَعالَى أن يُدْنِيَه إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بحَجَرِ.
فصل: وجَمْعُ الأقَارِبِ في الدَّفْنِ حسنٌ، لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - حينَ حَضَر عثمان بنَ مَظْعُونٍ: «أدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِهِ 2». ولأنَّه أسْهَلُ لزِيارَتِهم، وأكْثَرُ للتَّرَحُّمِ عليهم.
ويُسَنُّ تَقْدِيمُ الأبِ ثم مَن يَلِيه في السِّنِّ والفَضِيلَةِ إذا أمْكَنَ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ دَفْنُ الشَّهِيدِ حيت قُتِل.
قال أحمدُ: أمّا القَتْلَى فعلى حديثِ جابِرِ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «ادْفِنُوا الْقَتْلَى فِى مَصَارِعِهمْ» 3. وروَى ابنُ ماجه 4، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بقَتْلَى أُحُدٍ أن يُرَدُّوا إلى مَصارِعِهم.
ولا يُنْقَلُ المَيِّتُ مِن بَلَدٍ إلى آخَرَ، إلَّا لغَرَض صَحِيح.
وهذا قولُ الأوْزاعِىِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
قال عبدُ اللهِ بنُ أبى مُلَيْكَةَ: تُوُفِّىَ عبدُ الرحمنِ بنُ أبى بكر بالحُبْشِى 5، فحُمِلَ إلي مَكَّةَ، فدُفِنَ، فلَمّا قَدِمَتْ

..................................  عائشةُ أتَتْ قَبْرَه، ثم قالَتْ: واللهِ لو حَضَرْتُك ما دُفِنْتَ إلَّا حيثُ مُتَّ، ولو شَهِدْتُك ما زُرْتُك 1. ولأنَّ ذلك أخَفُّ لمُؤْنَتِه وأسْلَمُ له مِن التَّغْيِيرِ.
فأمّا إن كان فيه غَرَضٌ صحيحٌ جاز.
قال أحمدُ: ما أعْلَمُ بنَقْلِ الرجلِ يَمُوتُ في بَلَدِه إلى بَلْدَةٍ أُخْرَى بَأْسًا.
وسُئِل الزُّهْرىُّ عن ذلك، فقالَ: قد حُمِل سعدُ بنُ أبى وَقَّاصٍ، وسَعِيدُ بنُ زيدٍ مِن العَقِيقِ 2 إلى المَدِينَةِ.
وقال ابنُ عُيَيْنَةَ: ماتَ ابنُ عُمَرَ ههُنا، فأوْصَى أن لا يُدْفَنَ ههُنا، وأن يُدْفَنَ بسَرِفٍ 3. فصل: وإذا تَنازَعَ اثْنان مِن الوَرَثَةِ، فقالَ أحَدُهما: يُدْفَنُ في المَقْبَرَةِ المُسَبَّلَةِ.
وقال الآخرُ: يُدْفَنُ في مِلْكِه.
دُفِن في الُمسَبَّلَةِ؛ لأنَّه لا مِنَّةَ فيها، وهو أقَلُّ ضرَرًا على الوارِثِ 4. فإن تَشاحّا في الكَفَنِ، قُدِّمَ قولُ مَن قال نُكَفِّنُه مِن مِلْكِه؛ لأنَّ ضرَرَه على الوارِثِ بلُحُوقِ المِنَّةِ، وتَكْفِينُه مِن مالِه قَلِيلُ الضَّرَرِ.
وسُئِل أحمد عن الرجلِ يُوصِى أن يُدْفَنَ في دارِه.
= أميال.
معجم البلدان 2/ 197.

وَلَا يُدْفَنُ فِيهِ اثْنَانِ إِلَّا لِضَرورَةٍ، وَيُجْعَلُ بَيْنَ كلِّ اثْنَيْن حَاجزٌ مِنَ التُّرَابِ.
قال: يُدْفَنُ في المَقابِرِ مع المسلمين، وإن دُفِن بدارِه أضَرَّ بالوَرَثَةِ.
وقال: لا بأْسَ أن يَشتَرِىَ الرجلُ مَوْضِعَ قَبْرِه، ويُوصِىَ أن يُدْفنَ فيه، فَعَل ذلك عثمانُ، وعائشةُ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزِيزِ، رَضِىَ الله عنهم.
وإذا تَشاحَّ اثْنان في الدَّفْنِ في المَقْبَرَةِ المُسَبَّلَةِ، قُدِّمَ أسْبَقُهما، كما لو تَنازَعا في مَقاعِدِ الأسْواقِ، ورِحابِ المَساجِدِ، فإن تَساوَيا أُقْرِعَ بَيْنَهما.
فصل: وإن تَيَقَّنَ أنَّ المَيِّتَ قد بَلِىَ وصار رَمِيمًا، جاز نَبْشُ قَبْرهِ، ودَفْنُ غيرِه فيه.
وإن شَكَّ في ذلك رَجَع إلى قولِ أهلِ الخِبْرَةِ.
فإن حَفَر، فوَجَدَ فيها عِظامًا دَفَنَهَا، وحَفَر في مَكانٍ آخَرَ.
نَصَّ عليه.
واسْتَدلَّ بأنَّ كَسْرَ عَظْمِ المَيِّتِ ككَسْرِه وهو حَىٌّ.
وسُئِل أحمدُ عن المَيِّتِ يُخْرَجُ مِن قَبْرِه إلى غيرِه.
فقال: إذا كان شئٌ يُؤْذِيه، قد حُوِّلَ طَلْحَةُ، وحُوِّلَتْ عائشةُ.
وسُئِل عن قَوْم دُفِنُوا في بَساتِينَ ومَواضِعَ رَدِيئَةٍ.
فقالَ: قد نَبَش مُعاذ امرأتَه وقد كانَتْ كُفنَتْ في خُلْقَان، فكَفَّنَهَا.
ولم يَرَ أبو عبدِ اللهِ - بَأْسًا أن يُحَوَّلُوا.

807 -

مسألة: (ولا يُدْفَنُ فِيهِ اثْنان إلَّا لضَرُورَةٍ، ويُقَدَّمُ الأفْضَلُ إلى القِبْلَةِ ويُجْعَلُ بينَ كلِّ اثْنَيْن حاجِزٌ مِن التُّرابِ)

لا يُدْفَنُ في القَبْرِ أكْثَرُ

وَيُقَدَّمُ الْأَفْضَلُ إلَى الْقِبْلَةِ،  مِن واحِدٍ، إلَّا لضَرُورَةٍ.
وسُئِل أحمدُ عن الاثْنَيْن والثَّلاَثَةِ يُدْفَنُون في قَبْرٍ واحِدٍ.
قال: أمّا في مِصْرٍ فلا، ولكنْ في بِلادِ الرُّومِ تكْثُرُ القَتْلَى.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -كان يَدْفِنُ كلَّ مَيِّتٍ في قَبْرٍ، ولأنَّه لا يَتَعَذَّرُ في الغالِبِ إفْرادُ كلِّ واحِدٍ بقَبْرِ في المصْرِ، ويتَعَذَّرُ ذلك غالِبًا في دارِ الحَرْبِ، وفى مَوْضِعِ المُعْتَرَكِ.
فإن وُجِدَتِ الضَّرُورَةُ جاز دَفْنُ الاثْنَيْن والثَّلاثَةِ، سَواءٌ كان في مِصْرٍ أو غيرِه للحاجَةِ.
ومتى دُفِنُوا في قَبْر واحِدٍ قُدِّمَ الأفْضَلُ إلى القِبْلَةِ، ثم الذى يَلِيه، على حَسَبِ تَقْدِيمِهم إلى الِإمامِ في الصلاةِ عليهم، على ما ذَكَرْنا؛ لِما روَى هِشامُ بنُ عامِر قال: شُكِىَ إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الجِراحاتُ يَوْمَ أُحُدٍ، فقالَ: «احْفِرُوا، وَأوْسِعُوا، وَأحْسِنُوا، وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِى قَبر وَاحِدٍ، وَقَدِّمُوا أكثَرَهُمْ قُرْآنًا».
رَواه التِّزمِذِىُّ 1، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

..................................  ويَنْبَغِى أن يُجْعَلَ بين كلِّ اثْنَيْن حاجِزٌ مِن تُرابٍ؛ لأنَّ الكَفَنَ حائِلٌ غيرُ حَصِينٍ.
قال أحمدُ: ولو حَفَر لهم شِبْة النَّهْرِ، وجَعَل رَأْسَ أحَدِهم عندَ رِجْلِ الآخَرِ، وجَعَل بينَهما حاجِزًا مِن تُرابٍ، لم يَكُنْ به بأْسٌ.
فصل: فإن مات له أقارِبُ بَدَأ بمَن يَخافُ تَغَيُّرَه، فإنِ اسْتَوَوْا في ذلك بَدَأ بأقْرَبِهم إليه، على تَرْتِيبِ النَّفَقاتِ، فإنِ اسْتَوَوْا في القُرْبِ، قَدَّمَ أَسَنَّهم وأفْضَلَهم.

وَإنْ وَقَعَ فِى الْقَبْرِ مَالَهُ قِيمَةٌ.، نُبِشَ وَأُخِذَ.

808 - مسألة: (وإن وَقَعَ في القَبْرِ ماله قِيمَةٌ، نُبِش وأُخِذَ)

قال أحمدُ: إذا نَسِىَ الحَفَّارُ مِسْحاتَه 1 في القَبْرِ جاز أن يَنْبُشَ عنها.
قِيلَ: فإن أعْطاه أوْلِياءُ المَيِّتِ؟ قال: إن أعْطَوْه حَقَّه أىَّ شئٍ يُرِيدُ! وقد رُوِىَ أنَّ

وَإنْ كُفِّنَ بِثَوْبٍ غَصْبٍ، أَوْ بَلَعَ مَالَ غَيْرِهِ، غَرِمَ ذَلِكَ مِنْ تَرِكَتِهِ وَقِيلَ: يُنْبَشُ، وَيُؤْخَذُ الْكَفَنُ، وَيُشَقُّ جَوْفُهُ فَيُخْرَجُ.
المُغيرَةَ بنَ شُعْبَةَ طَرَحِ خاتَمَه في قَبْرِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: خَاتَمِى.
ففُتِحَ مَوْضِعٌ منه، فأخذَ المُغِيرَةُ خاتَمَه، وكان يَقُولُ: أنا أقْرَبُكم عَهْدًا برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - (1). ولأنَّه أمْكَنَ رَدُّه إلى صاحِبِه مِن غيرِ ضَرَرٍ، فوَجَبَ.

809 -

مسألة: (وإن كُفِّنَ بِثَوْبٍ غَصْبٍ، أو بَلَع مالَ غيرِه، غَرِم ذلك مِن تَرِكَتِه. وقِيلَ: يُنْبَشُ، ويُؤْخَذُ الكَفَنُ، ويُشَقُّ جَوْفُه فيُخْرَجُ)

إذا بَلَع المَيِّتُ مالًا، لم يَخْلُ مِن أن يَكُونَ له أو لغيرِه، فإن كان له لم يُشقَّ بَطْنُه؛ لأنَّه اسْتَهْلَكَه في حَياتِه، ويَحْتَمِلُ أنَّه إن كان كَثِيرَ القِيمَةِ، شُقَّ بَطْنُه وأُخْرِجَ؛ لأنَّ فيه حِفْظَ المالِ عن الضَّياعِ، ونَفْعَ الوَرَثَةِ الذين تَعَلَّقَ1

جارٍ التحميل